← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 224

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

تَنقلب حِبالُهم وعِصيُّهم حيَّاتٍ فِعلًا، ولكن خُيِّل إلى النَّاسِ -وموسى معهم- أنَّها تَسعى .. هذه هي طبيعة السِّحر كما ينبغي لنا أن نُسلِّم بها، وهو بهذه الطَّبيعة يؤثِّر في النَّاس، ويُنشِئ لهم مَشاعر وِفقَ إيحائِه .. مَشاعرَ تُخِيفهم وتُؤذِيهم، وتُوَجِّههم الوِجهةَ الَّتي يريدُها السَّاحر، وعند هذا الحَدِّ نقِفُ في فهمِ طبيعةِ السِّحرِ والنَّفثِ في العُقَد» (١). المعارضة الثَّانية: أنَّ في إثباتِ الحديثِ زَعْزعةَ الثِّقةِ بعصمةِ النَّبي ﷺ ، خصوصًا ما تَعلَّق بأمرِ التَّبليغ؛ إذْ لو جُوِّز أنَّه سُحِرَ، وأنَّه يُخيَّل إليه أنَّه يفعلُ الأَمر ولا يفعله: فليس عندئذٍ ما يَمنعُ مِن جريانِ هذا التَّخيِيل فيما يُبلِّغُهُ رسول الله ﷺ ، فتسقطُ عند ذلك الثِّقةُ بالدِّين. وفي تقريرِ هذا الاعتراض، يقول (محمَّد عبده) في تفسيرِه لـ «جزءَ عمَّ»: «لا يخفى أنَّ تأثيرَ السِّحرِ في نفسِه ﷺ حتَّى يَصِلَ به الأمرُ إلى أن يظنَّ أنَّه فَعَلَ شيئًا وهو لا يفعله: ليس مِن قَبِيل تأثيرِ الأمراضِ في الأبدان، ولا قَبيل عُروضِ السَّهو والنِّسيانِ في بعض الأمور العاديَّة، بل هو مَاسٌّ للعقلِ، آخذٌ بالرُّوح .. وإذا خولِط النَّبي ﷺ في عقلِه كما زَعموا، جازَ عليه أن يَظُنَّ أنَّه بلَّغ شيئًا، وهو لم يبلِّغه، أو أنَّ شيئًا نَزَل عليه، وهو لم يَنزل عليه!» (٢). ويختارُ (سيِّد قُطب) السَّيْرَ على مِنوالِ (عبدُه) مرَّة أخرى في مَوقِفه مِن هذا الحديث، مُوثِرًا الشَّطبَ على كلِّ ما يَمَسُّ في رأيِه جَناب التَّبليغ، فتراه يقول: «هذه الرِّوايات تُخالف أصلَ العِصمة النَّبوية في الفعلِ والتَّبليغ، ولا تَستقيم مع الاعتقادِ بأنَّ كلَّ فِعلٍ مِن أفعاله ﷺ ، وكلَّ قَوْلٍ مِن أقوالِه سُنَّة وشريعة» (٣).

стр. 1122

فـ (عبدُه) و (قُطب) إنْ كانا قد تَوَهَّما بتكذيبِهما للخَبر أنَّهما بذلك قد نصرا السُّنةَ وأثبتا دعائِمَها، فقدَ تكالبَ غيرهُما على ترداد نفسِ شُبهتِهما مِن طوائف أهلِ الرَّفضِ ومُنكري السُّنن لهدمِ صَرحِ السُّنَةِ بالمرَّة! وقذْفِ الرِّيَبِ في قلوبِ أهلِها منها. ترى قُبحَ ما انطوَت عليه صُدور هؤلاء القومِ في مثل قول (هاشم معروف) الإماميِّ: «كيف يصِحُّ على نبيٍّ لا ينطق عن الهوى كما وصَفه ربُّه، أن يكون فِريةً للمُشَعوذين، فيفقدَ شعورَه، ويَغيبَ عن رُشدِه، ومع ذلك يصفه القرآن بأنَّه لا يَنطق إلَّا بما يوحى إليه، ويفرض على النَّاس أجمعين أن يقتدوا بأقوالِه وأفعالِه؟! والمَسحور قد يقول غير الحقِّ، ويفعل ما لا يجوز فعله على سائر النَّاس، وقد يخرج عن شعورِه وإدراكِه» (١). وكذا في قولِ (سامر إسلامبولي): «هذا السِّحرُ في العقلِ يَتصادم بشكلٍ صريحٍ مع مَقامِ النُّبوة، لأنَّ النَّبي ﷺ (٢) مَعصومٌ عن أيِّ شيءٍ يُصيب عقلَه مِن تخريفٍ وهَلوسةٍ وهذيانٍ وجنونٍ، وغير ذلك مِن الأمراض الَّتي تُصيب العقل، وهذا الحفظ الرَّبانيُّ هو ضرورة لحفظ مادَّة الوحيِ مِن الضَّياع أو التَّشكيك فيها، فالقولُ بسِحر النَّبي ﷺ هو طعنٌ بمادَّةِ الوحي، لأنَّ المَسحور لا يُؤخَذ منه شيء، لفقدانِه أهليَّة التَّبيلغ، وعدم الثِّقة بعقله وحكمه على الأشياء» (٣). أمَّا (إسماعيل الكرديُّ)، فبلَّغه فهمُه ليُسنِد هذه الشُّبهة إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، قال: «أيُنكِرون قولَ الله بأنَّه عَصَم رسولَه مِن أيِّ تأثيرٍ للنَّاس عليه؟ ويُثبِتون حديثًا مُلفَّقًا لا لشيءٍ، إلَّا لأنَّه في البخاريِّ ومسلم؟!» (٤).

стр. 1123

المعارضة الثَّالثة: أنَّ في إثباتِ سحرٍ للنَّبي ﷺ تَكذيبًا لنَفْيِ القرآن عنه ﷺ ذلك، بيان ذلك: في ما شَنَّعه (محمَّد الغزالي) على أهلِ الحديثِ من روايتهم لهذا الخبر قائلًا: «إذا صَحَّ هذا، فلِمَ لا يَصِحُّ قولُ المُشركين: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَاّ رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾ [الفرقان: ٨]؟!» (١). والمَنزع القُرآنيُّ لهذه الشُّبهة اعتزاليٌّ قديم، لا يَكاد يخلو منه كلامُ مَن ردَّ الحديث مِن الأقدمين، وتوارثته المُنكِرون، حتَّى أورده (محمَّد عبده) ليردَّ به على بعضِ الأزاهرةِ الَّذين أنكروا عليه ردَّ حديث السِّحر، فكان يسخرُ من أحدِهم قائلًا: «يحتجُّ بالقرآنِ في ثبوتِ السِّحرِ، ويُعرِض عن القرآنِ في نفيِه السِّحرَ عنه ﷺ ، وعَدِّه مِن افتراءِ المشركين عليه، ويؤوِّل في هذه، ولا يؤوِّل في تلك! مع أنَّ الَّذي قَصَدَه المشركون ظاهرٌ، لأنَّهم كانوا يقولون: إنَّ الشَّيطانَ يُلابسُه ﵇، ومُلابسة الشَّيطان تُعرف بالسِّحر عندهم، وضربٌ مِن ضُروبِه، وهو بعينِه أثرُ السِّحر الَّذي نُسِب إلى لَبِيد، فإنَّه قد خالط عقلَه وإدراكَه في زعمهم» (٢). المعارضة الرَّابعة: أنَّ السِّحرَ مِن عَملِ الشَّيطان، وأَثَرٌ مِن آثارِ النُّفوسِ السُّفليَّة الخَبيثة، ولا يَقَع تأثيرهُ إلَاّ على الأنفسِ الضَّعيفة، وأَصحابِ الطَّبائعِ الشَّهوانيَّةِ، ومُحالٌ أن يُؤثِّر ذلك على جَسَدِ خَيِر البَريَّة صاحبِ النَّفسِ الزكيَّة! وفي تقرير هذا الاعتراضِ يقول (رشيد رضا): «مِن المُقرَّر عند العلماء المتقدِّمين والمتأخِّرين: أنَّ هذا التَّأثير لا يكون إلَّا مِن نفسٍ ذات إرادةٍ قويَّةٍ في نفسٍ ذات إرادةٍ ضعيفة، وأنَّ الأنفسَ الضَّارةَ لا يمكن أن تؤثِّر في الأنفس الزَّكيَّة العالية .. فإنَّ نفس النَّبي ﷺ أعلى وأقوى مِن أن يكون لِمن دونه تأثيرٌ فيها» (٣).

стр. 1124

ويقول (محمَّد الغزالي): «لو ساغ أنَّ هذا التَّخيِيل أن يؤثِّر في النُّفوس الضَّعيفة، فكيف يَقوى يهوديٌّ على التَّأثيرِ في أقوى نفسٍ بَشريَّة وهي نفس الرَّسول ﷺ ؟! وما معنى أنَّ هذا التَّأثير في أعضائِه لا في روحِه، مع أنَّ السِّحر يعَتمد على قوى خفيَّة في زعم مُثبتيه، لا على وسائل ماديَّة؟ .. » (١).

стр. 1125

المَطلب الثَّالث دفع المعارَضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ عن الحديث الدَّالِ على سحرِ النَّبي ﷺ أمَّا دعوى المُعارضِ الأوَّل: من أنَّ السِّحر ليس له حقيقة، وإنَّما هو تمويه وتخيِيل وإيهام بكونِ الشَّيء على غير ما هو به، فيُمهَّد لجوابه بما يلي: قد اتَّفق أهل السُّنة على أنَّ للسِّحر تحقُّقًّا وُجوديًّا، وأنَّ منه ما يُمرِضُ، ومنه ما يَقتلُ، ومنه ما يُفرِّق بين المرءِ وزوجه، إلى غير ذلك مِن الآثارِ الَّتي يُحدثها بإذن الله تعالى، ودليلُهم في ثبوته وأَنَّ له حقيقة؛ هو مَجموع عِلمين ضَروريَّين: الأوَّل: العلم النَّاتج عن الأدلَّة الشَّرعيَّة. الثَّاني: العلم المُستنِد إلى الضَّرورةِ الحِسِّية (١). فأمَّا الأوَّل: فقد انعقدَ الإِجماع على ذلك، ولم يُعرَف له مُخالف مِمَّن يُعتَدُّ بقوله، إلَاّ شيءٌ يُحكى عن أَبي حنيفة. فمِمَّن نَقَل الإجماعَ على ذلك: الوزير ابن هُبيرة، حيث قال: «أجمعوا على أنَّ السِّحر له حقيقة، إلَاّ أبا حنيفة، فإنَّه قال: لا حقيقة له عنده» (٢).

стр. 1126

وابن القطَّان الفاسيُّ، حيث جاء في «إقناعه»: «أَجمعوا على الإيمان أَنَّ السِّحر واقع، وعلى أَنَّ السَّحَرة لا يضرُّون به أَحدًا إلَاّ بإذن الله» (١). وقال أبو عبد الله القرطبي: «هو مَقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله ﷺ على وجودِه ووقوعِه، وعلى هذا أَهل الحلِّ والعقد، الَّذين يَنعقد بهم الإجماع، ولا عِبرةَ مع اتِّفاقِهم بحُثالةِ المعتزلةِ، ومخالفةِ أهل الحقِّ» (٢). وقال ابن القيِّم بعد أن ذَكَر نفيَ المعتزلة أن يكون للسِّحر حقيقة: « .. وهذا خلاف ما تَواترت به الآثارُ عن الصَّحابة والسَّلف، واتَّفق عليه الفقهاء، وأَهل التَّفسير، والحديث، وأَرباب القلوب من أَهل التّصوُّف، وما يعرفه عامَّةُ العقلاء» (٣). ومستندُ هذا الإجماع النُّصوص الورادة مِن الكتاب والسُّنَّة المُثبتةِ أنَّ للسِّحر حقيقةً وأَثرًا، فمِن تلك النُّصوص: قول الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَاّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]. فقد استدلَّ أَهلُ العلمِ بهذه الآية على أنَّ للسِّحر حقيقةً مِن عدَّة أَوجه، منها: الوجه الأوَّل: أنَّ الله نفى السِّحر عن سليمان ﵇، وأضافه إلى الشَّياطين (٤)، إذ كانوا ينسبون ما يجري على يديه ﵇ من ضبطِ الإنسِ والجنِّ والمعجزات إلى سحرٍ اختصَّ به، فكذَّبهم الله تعالى في ذلك (٥).

стр. 1127

الوجه الثَّاني: أنَّ الله أخبرَ أنَّ المَلَكين قد علَّما السِّحرَ، فلو لم يكن له حقيقة لمَا أَمكن تَعلُّمه ولا تعليمه (١). الوجه الثَّالث: في ذِكْرِه سبحانه تفريقَ السَّحَرة بين المرءِ وزوجِه: دلالةٌ بيِّنة على أنَّ للسِّحرِ أَثرًا وحقيقةً يَقَع به التَّفريقُ بين المرأة وزوجها، «قد عبَّر الله عنه بـ (ما) الموصولة، وهي تَدلُّ على أَنَّه شيءٌ له وجودٌ حقيقيٌ» (٢). فليس هو مجرَّد طُرقٍ خبيثةٍ دقيقةٍ تصرف المرءَ عن زوجِه -كما ادَّعاه (محمَّد عبده) - اعتمادًا منه على أصل الوضعِ اللُّغويِ للفظِ السِّحر، بل رتَّب الله على فعلِه التَّكفير لفاعلِه! ولا يُرتَّب الكفرُ على مُجرَّدِ التَّخبيب بين الأزواج. ومن الأدلَّة القرآنيَّة الأخرى الَّتي احتجُّوا بها: قول الله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]. ووَجه الشَّاهد منها: أَمرُ الله لنبيِّه ﷺ الاستعاذةَ به مِن شرِّ النَّفَّاثات، سواء كان المُراد بالنِّفاثات: السَّواحرَ اللَّاتي يَعْقِدن في سِحْرِهن وينفُثن (٣)، أَو كان المُراد الأنفسَ الخبيثة (٤)؛ فلولا أنَّ للسِّحْرِ حقيقةً، لما أَمَرَ الله نبيَّه بالاستعاذةِ مِن خطرِه؛ مع ما ذَكَره كثيرٌ مِن أئمَّةِ التَّفسير أنَّ سَبَب نزول سورة «الفلق»: ما كان مِن سِحر لَبيدِ بن الأعصم للنَّبي ﷺ (٥). يقول ابن قيِّم الجوزيَّة فيها: «هي دَليلٌ على أَنَّ هذا النَّفث يَضرُّ المَسحورَ في حال غَيْبته عنه، ولو كان الضَّرَر لا يحصُلُ إِلَّا بمباشرةِ البَدَن ظَاهرًا -كما يقوله هؤلاء- لم يكن للنَّفثِ، ولا للنِّفاثات شَرٌّ يُستَعاذ منه!» (٦).

стр. 1128

أمَّا ما توهَّمه المُعترضون من أنَّ دليلَ حَصرِ تأثيرِ السِّحرِ في مجرَّدِ التَّخييل آية تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]: فليس في ما أناطوا به شُبهَتهم ما يفيدهم في مَقَام الحِجاج على أهل السُّنةِ؛ ذلك لأنَّ أهل السُّنة لا يُنكرون أنَّ سِحرَ التَّخييلِ ضَربٌ مِن ضروبِ السِّحر، لكن مع وجود ما هو حقيقة لا خيال فيه؛ فالضَّرب الأوَّل تُثبته الآية، والثَّاني لم تُنكره! وذكرُ بعضِ أفرادِ العامِّ لا يستلزم التَّخصيصِ! فهم لأجل ذلك ينكرون حصر السِّحر في التَّخيِيل. وفي تقريرِ هذا التَّفصيل، يقول ابن حَجَر: «الآيةُ عمدةُ مَن زَعَم أنَّ السِّحرَ إنمَّا هو تَخيِيل، ولا حُجَّة له بها، لأنَّ هذه وَرَدت في قصَّةِ سَحَرَة فرعون، وكان سِحْرُهم كذلك، ولا يَلزم منه أنَّ جميعَ أنواعِ السِّحر تَخيِيل» (١). وأمَّا دَعوى المعترض أنَّ إثباتَ هذا الحديثِ لازمٌ لبُطلانِ النُّبَوَّةِ؛ فيُقال له: أمَّا في عَقدِ أهلِ السُّنَّة فليس بلازمٍ؛ لأنَّ الفرقَ عندهم أجْلَى مِن الشَّمسِ بين آياتِ الأَنبياءِ، وِسحْرِ السَّحَرَة والكُّهان، حَدًّا وحقيقةً، والشُّبهة إنَّما تقبعُ في أذهانِ مَن سوَّى بين مُعجزات الأنبياءِ، وبين ما تَأتي به السَّحَرة والكُّهان، فلم يُثبِت فرقًا يعود إلى جنسِ كلٍّ منهما، ولا فرقًا يعود إلى قصدِ الخالِق، ولا قدرتِه، ولا حكمتِه (٢). فما ادَّعاه المعتزلة ومَن وافقهم -كأبي بكر الجَصَّاص- مِن أنَّ حديث عائشة ﵂ هذا وغيره مِمَّا يدلُّ على تَحَقُّقِ السِّحر فيه إبطالٌ لمُعجزاتِ الأنبياء، بحيث يَستوي ما يَأتون به وما يَأتي به السَّحرة: هي دعوى باطلة؛ إذْ الفرق بين آياتِ الأَنبياء -الَّتي هي خارجةٌ عن مَقدور الإنسِ والجنِّ، الخارقةِ لسُنَن الله الكونيَّة الَّتي اختصَّ الله بالقُدرةِ عليها- وبين سِحر السَّحَرة -الَّذي لا يخرجُ عن كونِه مِن العجائبِ، لخروجه عن نظائره وعمَّا اعتاده النَّاس-: الفرق بينهما واضحٌ جَليٌّ لِمن تدبَّر الوجوه التَّالية:

стр. 1129

الوجه الأوَّل: أَنَّ السِّحرَ والكهانةَ ونحوهما أَمورٌ مُعتادة مَعْروفةٌ لأَصحابِها، ليْست خارقةً لعادَتِهم، بل كُلُّ ضَرْبٍ منها مُعتادٌ لطائفةٍ غير الأَنبياء؛ تُكتسَب بنَوعِ تعلُّمٍ وممارسةٍ، وتَسخيرٍ للشَّياطين؛ أمَّا آياتُ الأنبياء، فليست مُعتادة لغيرِ مَن صَدَّقهم الله بنُبوَّته، فلا تكون إلَاّ لهم ولِمن تَبِعَهم، فلا ينالها أَحَدٌ باكتسابِه. الثَّاني: أنَّ ما يَأتي به السَّحَرة والكُهَّان يُمكن أَن يُعارَض بمثلِه، وآياتُ الأنبياءِ لا يمكن لأحدٍ أن يُعارضها بمثلِها. الثَّالث: أنَّ السِّحرَ -البَصَريَّ منه بخاصَّة- يحتاجُ إلى بقاءِ تَوجُّه نفسِ السَّاحِر والتفاتِه إليه، وتَعلُّق عزيمتِه به، فإذا غَفَل عنه، بَطُل أثرُه؛ بخلافِ المعجزة، فإنَّها غنيَّةٌ عن مثل ذلك لكونِها مِن الله . الرَّابع: أَنَّ النَّبيَّ لا يأمرُ إلَاّ بمصالح العِبادِ في المَعاش والمَعاد، فيأمر بالمَعروف، وينهى عن المنكر؛ فيأمر بالتَّوحيد، والإخلاص، والصِّدق، وينهى عن الشِّرك، والكذب، والظُّلم؛ فالعقول والفِطَرُ توافقه؛ وتُؤالِف بين ما جاء به وما جاء به الأَنبياء قبلَه؛ فيصدِّقه صريحُ المعقول، وصحيح المَنقول الخارج عمَّا جاء به، أمَّا مُخالفوهم يَأمرون بالشِّرك، والظُّلم، ويُعظِّمون الدُّنيا، وفي أَعمالهم الإِثمُ والعدوان، ويعتري أغراضَهم الخذلان. الخامس: أنَّ النبيَّ قد تَقَدَّمه أَنبياء؛ فهو لا يَأمر إلَاّ بجِنسِ ما أَمَرت به الرُّسل قبله، فله نُظَراء يَعتَبِر بهم، ويُعتَبر هو بهم؛ وكذلك السَّاحر له نُظراء يُعتبر بهم! إلى غير ذلك مِن الفوارق الَّتي بيَّنها أهل العلمِ بين كِلا الفريقين (١). وأمَّا الكشف عن مَدى مُخالفةِ مَن أنكر حقيقةَ السِّحرِ للضَّرورة الحسِّية، فيُقال في جوابه: الأُمَم بشَتَّى دياناتِهم وأَعراقِهم واختلافِ دِيارهم: يُثْبِتون أنَّ للسِّحر حقيقةً، لمِا يُشاهدونه مِن آثارِه في الواقعِ، مِن عَوارض تَلحَق بالمَسحور أَلمًا يجده في

стр. 1130

نفْسِه، أَو تُصيبه في عقلِه أو بَدَنِه، أَو تُفرِّق بينه وبين أَهله، أَو تقتله، أو تصرف عنه دُنيًا، أو تجلِب له مَحبَّةَ شخصٍ أو كُرهَه، أو يحبِس امرأة عن جِماع زوجِها، وهو المعروف بـ «سِحر التَّصفيح»؛ فإذا عُثِر عليه مَدفونًا فأُبطِل ببعض الرُّقى، أو مَأكولًا فاستُفرِغ: رَجَعَت المرأة إلى طبيعتِها مع زوجِها، وإن لم تعلم هي بفكِّ السِّحر! وقد شاهدتُ أنا من هذا عددًا! فالحقُّ أنَّ لبعضِ أصنافِ السِّحرِ تأثيرًا حقيقيًّا في القلوب، كالحبِّ، والبُغض، وإلقاء الخير والشَّر، وفي الأبدانِ بالألمِ والسُّقم، فترى السَّاحرَ يَعمل أعمالًا لا مُباشرةَ لها بذاتِ مَن يُراد سِحْرِه، ويكون غائبًا عن السَّاحر، وشرط ذلك استعمال أثَرٍ لمن يُراد سحره، فيدَّعون بواسطتِه تأثيرَه فيه، أو تسليطِ الشَّياطين عليه. وأكثر ذلك يَقع بمثلِ رسمِ أشكالٍ يُعبَّر عنها بالطَّلاسم، أو عقد خيوطٍ والنَّفثِ عليها برُقيات مُعيَّنة تَتضمَّن الاستنجادَ بالكواكبِ لاستجلابِ الجِّن، أو الدُّعاء بأسماء الشَّياطين وآلهةِ الأقدمين، وكذا كتابة اسم المَسحورِ في أشكال، أو وضعِ صورتِه أو بعضِ ثيابِه وعلائقِه، وتوجيه كلام إليها، للتَّأثيرِ في ذات المَسحور بإذن الله، أو يَستعملون إشاراتٍ خاصَّةٍ نحو جهتِه، أو نحو بلده، وهو ما يُسمونَّه بالأرصاد (١). إنَّما الخارجُ عن مَقدورِ السَّحَرة قلْبُ المَوادِّ وتحويلُها، كما يقول فيه ابن حجر: « .. إنَّما المَنكور أنَّ الجمادَ يَنقلِبُ حيوانًا، أو عكسَه بسحرِ السَّاحر، ونحو ذلك، فهذا ممَّا لا يقدر عليه السَّاحر» (٢) ولأجل أنَّ هذه الأعمال السِّحريَّة متحقِّقةٌ حِسًّا، متواترةٌ خَبرًا، ترى الفقهاء يَعقدون لها في مُصنَّفاتهم مَسائل (٣)، يَبحثون في حُكمِ الآثارِ المُترتِّبة عليها،

стр. 1131

فيبحثون -مثلًا- في التَّكييف الفقهيِّ لمِن قَتَلَ بسحرِه، وفي حكمِ السَّاحر مِن جهةِ ارتدادِه وكفرِه؛ فلو لم يكن للسِّحرِ حقيقة إلَّا مجرَّد التَّمويه على العَيْنِ، ما خُصَّ بهذه الفروعِ كلِّها. فالمُشاحةُ بعدُ في وجود السِّحر وإنكارُه، أعدُّه مخالفةً لمقتضى الضَّرورة الحِسيَّة، مِمَّأ لا يُماري فيه في بلدِي المغرب بخاصَّة إلَّا مُتحَجِّر الرَّأسِ بَليد القلبِ! لكثرةِ ما يُعانيه النَّاس مِن حثالةِ السَّحَرةِ والمشعوذين وآثارِهم القبيحةِ في بيُوتاتهم؛ طهَّر الله بلدَنا وسائر بلاد المسلمين من رجسِهم، وأراحَ العبادَ مِن شَرِّهم. يقول أَبو العبَّاس القرطبي: «هو أَمرٌ مَقطوعٌ به بإخبار الله تعالى به ورسوله ﷺ عن وجوده ووقوعه؛ فمن كذَّب بذلك فهو كافرٌ (١)، مُكِّذبٌ لله ولرسوله، منكرٌ لما عُلِمَ مُشاهدةً» (٢). وقد تعجَّب قديمًا ابنِ قُتيبة (ت ٢٧٦ هـ) مِن قالةِ مَن يَنفِي حقيقة السِّحر فكان يقول: «إنَّ الَّذي يَذهب إلى هذا مُخالفٌ للمسلمين، واليهود، والنَّصارى، وجميع أَهل الكتاب، ومخالفٌ للأمم كلِّها: الهندِ -وهي أَشدُّها إِيمانًا بالرُّقى- والرُّوم، والعَرب في الجاهليَّة والإِسلام .. » (٣). فلأجل ما تأكَّد من دلائل تحقُّق السِّحر، وحملًا لكلامِ أئمَّة الإسلام على أحسن المَحامل: يرجح عندي أنَّ ما حُكِي عن أبي حنيفة مِن إنكارِ حقيقة السِّحرِ قصدُه منه: إنكار أن يكون للسِّحر حقيقة مِن جِهة تغيير الأعيانِ واستحالتِها! كأنْ يحوِّل السَّاحرُ العِصِيَّ أفاعيَ حَقيقةً تأكل وتشرب، بل لا يفعل هذا إلَّا تخيِيلًا؛ فإنَّ أبا حنيفة لم يثبت عنه نفي مُطلقِ الحقيقةِ والتَّأثيرِ الحِسِّي للسِّحر؛ والله أعلم.

стр. 1132

ومِمَّا يعضد هذا القول عن أبي حنيفة: أنَّه مع ما نُقِل عنه من حكاية نَفيه لحقيقٍ السِّحر، فقد نُقِل عنه إثباتُ حقيقةٍ للسِّحر أيضًا (١)! بل جَعَل أئمَّةٌ من الأحنافِ هذا النَّقل الثَّاني مَذهبَ أصحابِهم (٢)؛ ومن أهلِ التَّحريرِ مِن مَذهبهم مَن سبق إلى تخريج كلامِ أبي حنيفة على ما رجَّحناه؛ إذ كان أَوْلى مِن نسبةِ إمامٍ جَليلٍ مثلِ أبي حنيفةَ إلى مُناقضةِ الأدلَّة الشَّرعيَّة، وخرمِ الإجماعِ، ومُكابَرةِ الحِسِّ. ترى شاهد هذا التَّوجيه في مثل قول أنور شاه الحَنفيُّ (ت ١٣٥٣ هـ): «إنَّ السِّحرَ له تأثير في التَّقليب مِن الصِّحة إلى المرض، وبالعكس، أمَّا في قلب الماهيَّة فلا، وما يتراءى فيه مِن قلب الماهيَّة لا يكون فيه إلَّا التَّخييل الصِّرف، قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]؛ فلم تنقلب الحِبال إلى حَيَّات، ولكن خُيِّل إليه أنَّها انقلَبَت، وهذا ما نُسِب إلى أبي الحنيفة أنَّ في السِّحر تخييلًا فقط، ولا يريد به نفيَ التَّأثير مطلقًا، فإنَّه مَعلوم مَشهود، بل يريد به نفيَ التَّأثير في حقِّ قلبِ المَاهيَّات» (٣). وهذا الَّذي اطمأنت إليه نفسُ الماورديِّ (ت ٤٥٠ هـ) (٤) أن ينسبه إلى أبي حنيفةَ، حيث قال: «قد اختلفَ النَّاسُ فيها -يَعني في حقيقةِ السِّحر-، فالَّذي عليه الفقهاء، والشَّافعي، وأبو حنيفة، ومالك، وكثير مِن المتكلِّمين أنَّه له حقيقةً وتأثيرًا .. » (٥).

стр. 1133

وقد حرصتُ على هذا النَّقل مِن الماورديَّ لأنَّه مُعتَزليُّ المَشرب (١)! مُنكرٌ للسِّحر أن يكون حقيقةً، فلو كان لهذا الإمام الجليل قولٌ يَعضُد به مذهبَه ما أفلتَه! وأمَّا دعوى المُعارضِ الثَّاني أنَّ في التَّصديق بهذا الحديث زعزعةً للثِّقة فيما يبلِّغه الرَّسول ﷺ وعصمتِه في ذلك (٢)؛ فيقال في جوابه: ليس في إثبات سحر النِّبي ﷺ ما يؤدِّي إلى القول بتجويز ذلك، فإنَّ عصمته ﷺ في التَّبليغ قد انتصبت البراهين القطعيَّة على تحقُّقِها، فلن يكون ثبوتُ الاعتقادِ بذلك متوقِّفًا على نفيِ لحوقِ السِّحر به! إذ العصمة ثابتةٌ في ذاتها بدلائلِها، متحقِّقةٌ ببراهينها في جميع الحالات، ومنها هذه الحالةُ الَّتي هي مَحلُّ المدافعة. وفي تقرير هذا يقول المازَريُّ: «قد أنكر بعض المبتدعةِ هذا الحديث مِن طريقٍ ثابتةٍ، وزعموا أنَّه يحطُّ منصب النُّبوءة ويشكِّكُ فيها، وكلُّ ما أَدَّى إلى ذلك فهو باطل، وزعموا أنَّ تجويز هذا يُعدم الثِّقة بما شرعوه مِن الشَّرائع، ولعلَّه يتخيَّل إليه جبريل ﵇، وليس ثمَّ ما يراه، أو أنَّه أُوحي إليه، وما أُوحي إليه؛ وهذا الَّذي قالوه باطل، وذلك أنَّ الدَّليلَ قد قام على صرفهِ فيما يبلِّغه عن الله سبحانه وعلى عصمتِه» (٣). وعليه نقول لهؤلاء النُّفاة: إنْ كان لديكم براهين ودلائل على عصمةِ الرَّسول ﷺ مِن الخطأِ في التَّبليغ، فليس هناك ما يَحمِل على الطَّعنِ في الحديثِ الَّذي يُثبِت سحرَه؛ إذ ثبوتُ عصمته ﷺ -كما تقدَّم- ليس مُتوقِّفًا على نفيِكُم لهذا الحديث.

стр. 1134

ثمَّ نقول: إنَّ السِّحرَ قد يَعمل في أبدانِ الأنبياء، لأنَّهُم بَشَر، يجوز عليهم مِن العِلَل والأمراضِ ما يجوز على غيرِهم، وليسَ تأثيرُ السِّحر في أبدانِهم بأكثرَ مِن القتلِ (١)؛ فما لحِقَ نبيَّنا ﷺ مِن أذى ذلك لا يعدو أَن يكون عَرَضًا مِن الأَعراض الَّتي تَعْتري البَشَر، ومَرضًا مِن الأمراض الَّتي لم يَتَعدَّ أثرُها الجوارحَ، فهو الَّذي «قالَ لمَّا حُلَّ السِّحر: «إنَّ الله شَفاني .. »، والشِّفاء إنَّما يكون برفعِ العِلَّةِ وزوال المَرضِ» كما قاله ابن القصَّار المالكيُّ (ت ٣٩٧ هـ) (٢). وسواء قيل: إنَّ ذلك التَّأثير في نفسِه ﷺ وإدراكِه؛ فذاك أخوه موسى ﵇ قد سُحر بَصرُه وإدراكهُ! حتَّى خُيِّل إليه أنَّ الحِبال والعِصيَّ تسعى، وأثرَّ ذلك في نفسِه الشَّريفةِ، كما قال تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى﴾ [طه: ٦٧]؛ ولم يُعَدَّ هذا خارمًا لجنابِ العِصمةِ فيه؛ أو قيل: إنَّ غاية ما بَلغ إليه تأثير السِّحر هو إصابته ﷺ في جسمِه فقط؛ فهذا القول يَتَماشى مع مذهب مَن فَسَّر قولَ عائشة ﵂ «إنَّه ليُخَيَّل إليه .. »: على أنَّه ﷺ كان «يظهر له مِن نَشاطِه أنَّه قادرٌ على إتيانِ النِّساء، فإذا دَنا منهنَّ أخذَتَه أخذةُ السِّحر، فلم يَتَمكَّن من ذلك» (٣). فليس في تَثبيتِ أحدِ هذين الأمرين ما يكون خارِمًا لجنابِ العِصمة بحالٍ. وكذا الحال فيما لو قيل: إنَّ ما أصابَه ﷺ مِن السِّحر قد سَرى أثرُه في نفسِه الشَّريفة، بعد أن أصاب شيئًا مِن مُخيِّلتِه أو بصرِه، فإنَّ هذا أثَرٌ نَفسِيٌّ عَارضٌ لا يُوهِن العصمة، وهو كحالِ لحوقِ الحُزنِ والهمِّ به، والنِّسيان والسَّهوِ. وحصيلة الرِّوايات لِمن سَبَرها لا تخرُج في دلائلِها عن أن يكون ما عَرَض له ﷺ : إمَّا مجرَّدُ تخييلٍ عارضٍ، أَو خَاطرٍ طَارئ يهجُم عليه، بأنَّه قد أتَى عائشةَ ﵂ وهو عَالمٌ أنَّه لم يَأتِها، وأنَّ هذا الخاطر يُعاوِده على خلافِ عادَتِه (٤)، أو يَرْقى هذا الخاطرُ إلى الظنِّ، والظَّنُّ في حَقِّه غير مُمتنِع (٥).

стр. 1135

ثمَّ إنَّ هذا الظَّن ليس مُطَّردًا، إِنَّما كان في أَمرٍ خاصٍّ مِن أُمُور الدُّنيا -وهو أمر النِّساء- لم يَتَعدَّاه إلى غيره؛ بيانه فيما قالته عائشة ﵂ من رواية ابن عُيينة: « .. كان يَرى أنَّه يأتي النِّساء، ولا يَأتيهنَّ»، وفي رِوايةِ الحُميدِيِّ: « .. أنَّهُ يأتِي أهلَه، ولا يأتِيهِم». فأمَّا قولها في الرِّواية الأخرى: «أنَّه يفعَلُ الشَّيء ولا يفعله»: هو مِن بابِ الكِنايةِ، مُكتفيةً بتلمُّحِ السَّامع لقصدِ الجماع، وقد جاء التَّصريح في غيرها مِن الرِّواياتِ -كما قد علمتَ- تبيِينًا للمُجمَل مِن تلك، لِئَلَّا يُظَنَّ أنَّ التَّخيُّل الَّذي كان يقع لرسول الله ﷺ عامٌّ في كلِّ أفعالِه؛ فما يُتوَهَّم فيه العمومُ مِن بعضِ ألفاظِ الرُّواة مَحمول على هذا التَّخصيص. وأمَّا ما استدلَّ به المُعترض لتدعيم دعواه من قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، مِن جهةِ أنَّ الواردَ في الحديثِ لا يَقوى على مُعارضة الآية (١): فإنَّا لا نجد في نصِّ الآية عصمةَ النَّبي ﷺ مِن السِّحر؛ إنَّما المَعصوم منه فيها مُجمَلٌ، لا يتَّضح بيانه إلَاّ بتقديرِ محَذوفٍ دَلَّ عليه السِّياق مَعروفٍ عند الأُصوليِّين بدلالةِ «الاقتضاءِ» (٢). هذا المُقَدَّر لا يخلو: إمَّا أن يكون هو (القَتْلُ): وهو ما اختاره الشَّافعيُّ وبعضُ أَئمَّةِ التَّفسير (٣)، وبهذا التَّقديرِ تَنتقضُ مُعارضتَهم للحديثِ بالآية (٤). وإمَّا أن يكون المُقدَّر هو (أَذى النَّاس): وهذا غير صَحيحٌ تَقديرُه؛ لأنَّ كلَّ مَن له أَدنى اطلاعٍ على سيرتِه ﷺ ، يَعلمُ أنَّه قد نالَه مِن الأَذى ما نَالَه، كالشَّتم،

стр. 1136

وإدماءِ عَقِبه، وكسرِ رُباعيتِه، وتأثُّرهِ بسُمِّ اليهوديَّة، وغير ذلك مِن صنوفِ الابتلاءِ الَّتي أراد الله له بها رِفعةَ المنزلة، وجعلَه قدوةَ السَّائرين إليه. فإذا ثَبَت عدمُ عِصمتِه مِن الأَذى، فإنَّ السِّحرَ داخلٌ في مُسَمَّاه بلا شكٍّ! ثمَّ على تقديرِ كون المَحذوفِ: (أَذى النَّاس)، فلا بدَّ من حمله على أَذى مَشروط، وهو الأَذى المانعِ مِن التَّبليغ، لا مُطلَق الأَذى؛ وهذا ما اختارَه عددٌ من المحقِّقِين مِن أهل التَّفسير (١)، وليس في ما أصابَ النَّبي ﷺ في حديث السِّحر ما أعقاه عن تبليغ رسالتِه كما حَقَّقناه سابقًا. وأمَّا دعواه في المعارضة الثَّالثة: أنَّ في إثباتِ سحرِ النَّبي ﷺ تَكذيبًا لنَفيِ القرآن عنه ذلك، في قوله: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَاّ رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾: فيكفي في دحضِ هذا الفهمِ، ما أحسنَ المُعَلِميُّ سبكَ جوابه حيث قال: «كان المشركون يَعْلَمون أنَّه لا مَساغ لِأنْ يَزعُموا أنَّه ﷺ يَفتري الكذبَ على الله فيما يُخبِر به عنه، ولا لِأَن يَكذب في ذلك مع كثرته غير عامدٍ، فلجَأوا إلى مُحاولةِ تقريبِ هذا الثَّاني، بزعمِ أنَّ له اتِّصالًا بالجِنِّ، وأنَّ الجِنَّ يُلقون إليه ما يُلقون، فيُصَدِّقهم، ويُخبرُ النَّاسَ بما ألقوه إليه. هذا مَدار شُبهتِهم، وهو مُرادهم بقولهِم: به جِنَّة، مَجنون، كاهنٌ، ساحرٌ، مَسحور، شاعرٌ، .. كانوا يَزعمون أنَّ للشُّعراء قُرَناء مِن الجنِّ تُلقي إليهم الشِّعر، فزَعَموا أنَّه شاعرٌ، أي أنَّ الجِنَّ تُلقِي إليه كما تُلقي إلى الشُّعراء، ولم يقصدوا أنَّه يقول الشِّعر، أو أنَّ القرآن شِعرٌ. إذا عُرِف هذا؛ فالمشركون أرادوا بقولهم: ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلَاّ رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾: أنَّ أمر النُّبوة كلُّه سِحْرٌ، وأنَّ ذلك ناشئٌ عن أنَّ الشَّياطين استَولوا عليه -بزعمِهم- يُلقون إليه القرآن، ويأمرونَه، ويُفهمونه، فيصدِّقهم في ذلك كلِّه، ظانًّا أنَّه إنَّما

стр. 1137

يَتَلقَّى من الله وملائكتِه؛ ولا ريبَ أنَّ الحال الَّتي ذُكِر في الحديثِ عُروضُها له ﷺ لفترةٍ خاصَّةٍ، ليست هي هذه الَّتي زَعَمها المشركون، ولا هي مِن قِبَلِها في شيءٍ مِن الأوصافِ المَذكورة» (١). وعلى كلِّ حالٍ، فإنَّ الحال الَّتي عَرَضت للنَّبي ﷺ لم تَلْبَث طويلًا حتَّى كشَفَها الله تعالى عنه، فلم يَشتهر أنَّ مرَضَه هذا قد طَال به، ولو طال به ﷺ لنُقِل ذلك مُتواترًا، لتوفُّرِ الدَّواعي لنقلِه، لمزيدِ اعتناءِ أصحابِه بشأنِه ﷺ ، لكنَّه لم يَتَعدَّ حالَ مَن عُقِد عن النِّساء مُدَّةً يَسيرةً (٢). ولذا وَقَع في روايةِ أبي ضِمرة عند الإسماعيليِّ: «فأقامَ أربعينَ ليلةً» (٣). أمَّا ما جاء في روايِة وُهيب عن هشام بن عروة: «ستَّة أشهر» (٤): فالجمَعُ بينها وبين المُدَّة السَّابقة: «بأنْ تكون السِّتة أشهرٍ مِن ابتداءِ تغيُّر مَزاجِه، والأربعين يومًا مِن استحكامِه» (٥). وأمَّا الجواب عن دعواهم أنَّ السِّحر مِن عَمَلِ الشيطان، وأَثَرٌ من آثارِ النُّفوس الخَبيثةِ؛ فمُحال أن يؤثِّر ذلك على جسدِ النَّبيِّ ﷺ .. إلخ؛ فيُقال فيه: إنْ كان جائزًا على النَّبي ﷺ أن يَعرِضَ له أذَى شيطانِ الإنسِ -مع كونِ هذا خسيسًا في نفسِه، هزيلًا في قِواه إزاءَ قوَّة النَّبي- فأيُّ مانعٍ مِن أن يَعْرِض له ذلك مِن شيطان الجِنِّ؟! ثمَّ يكشف الله عنه أذى الكُلِّ ومَكرَهما؛ ليس في العقلِ ولا النَّقل ما يمنعُ ذلك. فذاك أخوه أَيُّوب ﵇، قد تَسلَّط الشَّيطان على جسدِه حتَّى أمرضَه، قد أنزلَ الله تعالى فيه: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١].

стр. 1138

يقول محمَّد الأمين الشَّنقيطي: «هذا لا يُنافي أنَّ الشَّيطانَ لا سُلطانَ له على مثلِ أيُّوب ﵇؛ لأنَّ التَّسليطَ على الأهلِ، والمالِ، والجَسدِ، مِن جِنْسِ الأَسبابِ الَّتي تَنشأ عنها الأعراضُ البَشريَّة: كالمرضِ، وذلك يقعُ للأنبياء، فإنَّهم يُصيبهم المَرض، وموت الأهل، وهلاك المال؛ لأسبابٍ مُتنوِّعة، ولا مانعَ مِن أن يكون جملة تلك الأسباب: تسليطُ الشَّيطان على ذلك للابتلاءِ ... » (١). فإذا جاز تسلُّطه على نبيِّ الله أَيُّوب ﵇؛ فما المانع من إمكانِ تسلُّطِه على النَّبي ﷺ ؟! يقول المهلَّب بن أبي صفرة (ت ٤٣٥ هـ): «صَوْنُ النَّبي ﷺ مِن الشَّياطين لا يَمنع إرادَتهم كيدَه، فقد مضَى في «الصَّحيح» أنَّ شيطانًا أرادَ أن يُفسِد عليه صلاتَه، فأمكنه الله مِنه، فكذلك السِّحر، ما نالَه مِن ضررِه ما يُدخل نقصًا على ما يتعلَّق بالتَّبليغ، بل هو مِن جنسِ ما كان يناله مِن ضَرر سائرِ الأمراض، مِن ضعفٍ عن الكلام، أو عجزٍ عن بعضِ الفعل، أو حدوثِ تخيُّل لا يستمر بل يزول، ويُبطلُ الله كيدَ الشَّياطين» (٢). قلت: ودعواهم بأنَّ نَفْسَ محمَّد ﷺ زكيَّة عَليَّة، فحاشاها أن تَمسَّها النُّفوسُ الخَبيثةِ الدَّنية بسوءٍ: فإنَّه وإن كان وصفُهم لنفسِ النَّبي ﷺ صادقًا في ذاتِه، فإنَّ تأليفَ الكلامِ في مجملِه مُجرَّد عاطفة عَريَّة عن مَحجَّة، لا يصمدُ أمامَ ما تَقَدَّم مِن الحُججِ النَّقليَّة والعقليَّة. وهل كان مَن تَسلَّط عليه في أُحُدٍ، فأدْمَوا رِجلَه الشَّريفة، وكسروا رُباعيتَه، وكادوا يقتلونه؛ إلَّا أصحابُ نفوسٍ خَبيثةٍ دنيَّةٍ؟! ثمَّ مَن قال أنَّ السِّحر الَّذي مَسَّ النَّبي ﷺ كان بواسطةِ أرواحٍ شَيطانيَّة تمكَّنت من جسَدِه؟! فليس كلُّ سِحْرٍ يكون معه عارِض شيطانيٌّ أو خادم سحر؛ بل الظَّاهر مِن الحديث أنَّه مِن نوعِ السِّحر الَّذي تُستعمَل فيه بعض المَوادِّ لطبائعَ

стр. 1139

فيها خاصَّة، كالبرودةِ الَّتي في ماء البِئر، وظُلمتِه إذْ كان في قَعْرِه، ورَمزيَّة الماءِ إلى مَاءِ الرَّجل، ليكون أمكنَ في حبسِه عن نسائِه، .. وهكذا. فهذه المَواد تُؤثِّر في أعضاءِ الجسَدِ المُرادِ سِحرُه عن طريقِ أثَرٍ مِن هذا الجَسد، وهذا المَعروف في علمِ السِّحر بـ «قانون الاتِّصال»، مُنْبَنٍ على أنَّ كُلَّ شيءٍ مُنفصلٍ من الجَسد لا يزال مُرتبطًا به عبرَ الأثِير؛ هذا الأثَر في الحديث شَعراتٌ مِن مُشطِ النَّبي ﷺ ! جعلهنَّ السَّاحرُ صِلةَ وَصْلٍ بين طَبائعِ تلك المَوادِّ وجَسِدِ المَسحور، بواسطة طلاسِم مُعيَّنة يعرفونها، وربطِ عُقَدٍ مُوثَّقة، لتُأثِّر في الجسدِ وِفقَ طبائعِ ما استعمَلَه مِن مَوادَّ في سِحره، كما أسلفنا الإشارة إليه. فهذا السِّحر هو عَينُ ما استعمله لَبيدٌ، وهو مِن أخطرِ وأقوى أنواع السِّحر، والله تعالى أعلم، وهذا لا مانع عقلًا أن يصيب جسد النَّبي ﷺ إذا شاءه الله لحكمة؛ وإلَّا، فما فائدة أمرِه لنبيِّه ﷺ بالتَّعوُّذِ مِن شرِّ النَّفاثاتِ في العُقد -وهنَّ ممَّا يَنشأ عنهنَّ السِّحر- إذا امتنع أن يؤثِّر فيه السِّحر من الأساس كما يقول أولئك النُّفاة؟! هذا؛ وإنَّ في إثباتِ ما تَضَمَّنه الحديث مِن مُصاب النَّبي ﷺ بالسِّحرِ مِن الفرائدِ واللَّطائفِ والعِبَر ما لا يَتَسنَّى إيرادُه في هذا المَقام، وليس في ذلك غَضٌّ مِن مَنصب النُّبوة، بل الدَّلائل الشَّرعية تدلُّ عليه، إمَّا نَصًّا أَو ظاهرًا. وقد تلقَّاه أئمَّة الحديث بالقبول (١).

стр. 1140

والله المُستعَاذُ مِن كلِّ ذي شَرٍّ.

стр. 1141

المَبحث الثَّاني نقد دعاوي المعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِ لأحاديثِ الآياتِ الحسِّيَّة للنَّبي ﷺ

стр. 1142

المَطلب الأوَّل سَوق دعاوي المعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِ لأحاديثِ الآياتِ الحسِّيَّة للنَّبي ﷺ مَوقف مُخالفي أهلِ السُّنَّة حيالَ أحاديث الآيات الحسيَّة للمصطفى ﷺ يمكن إِجماله في مَوقفين: الأوَّل: تأويلُها تأويلًا طَبَعِيًّا: وهؤلاء يعمِّمون هذا التَّأويل على جميع آياتِ الأنبياء، مُتأثِّرين بطائفةٍ من الفَلاسِفة كابن سِينَا (ت ٤٢٨ هـ)، الَّذي وإن جَوَّز صدورَ الآياتِ عن الأنبياء، لكنَّه يفسرِّها تفسيرًا يسلبها خاصيَّةَ الخروجِ عن مُقتضى السُّنَن وخَرْقِ العادة، ذلك لأنَّه يُرجِعها إلى القانونِ الطَّبيعي وأسبابِه (١). ومُحصَّل مذهب هؤلاءِ: أنَّهم لا يَقبلون التَّسليم بخرقِ تلك الآيات لنواميسِ الكونِ، وخروجها عن مَقدور الثَّقَلين، بل يحملون ما يَرونه قابلًا منها للتَّعليل حملًا لا يُخرجها عن حَدِّ القانون الطَّبيعي، بناءً على أَصلِهم الفاسد: مِن أنَّه لا يُتصَّوَر أن تَفعل القِوى والطَّبائع والمؤثِّرات إلَّا في المَواد والأَعيان القابلة لذلك.

стр. 1143

فـ «الهواء» -مثلًا- لمَّا كان قابلًا لأن يَستحيلَ ماءً، أمكنَ أن يؤثِّر فيه مؤثِّرٌ، فيصبح ماءً وينزل المَطر؛ وأمَّا ما لم يكُن قابلًا لذلك فلا (١). فمِمَّن انتحلَ هذا القول مِن أَتباع المدرسة الباطنيَّة المُعاصرة (محمَّد شحرور)! فلقد عدَّ ما يقع للأنبياء مِن خوارق العاداتِ لا يخرج عن كونِها ظاهرةً طبيعيَّةً قُدِّم زمنُها، وليست خروجًا عن مُقتضَى السُّنَن الكونيَّة، فهي «تَقَدُّمٌ في عالَم المَحسوس (ظاهرة طبيعيَّة)، عن عالَم المعقول السَّائد وقتَ المُعجِزة، كشَقِّ البحرِ، ولكنَّها بحالٍ من الأحوال ليست خروجًا عن قوانين الطبيعة أَو خَرْقًا لها» (٢). والحقُّ أنَّ تفسيرَ آياتِ الأنبياءِ تفسيرًا طَبيعيًّا مُخالفٌ للحقيقةِ المَوضوعيَّة لهذه الآيات، فأيُّ عَلاقةٍ لإحياء الموتى، وانشقاقِ القَمر، وانفلاقِ البحر، وخروج النَّاقةِ من الجبل، بِقوى النَّفْسِ الَّتي ادَّعاها ابن سينا (٣)! أو القَفْزات الزَّمانيَّة الَّتي ابتدَعها شحرور؟! كلُّ هذه الآيات الرِّساليَّة وغيرها خارجة عن سُنَن الطَّبيعة وقوانينها، ولا يمكن وقوعها إلَاّ لنبيٍّ، ولن تقع لغيرِ الأنبياءِ مهما تقدَّم الزَّمَن. ومثل هذه الدَّعاوي مَعلومة الفساد، حيث تنطوي على تعجيزِ الرَّب ﵎، وهذا لازمٌ لِمن نفاها، وهي خَوضٌ في آياتِ الله بالباطل، لأنَّها تَقيِيد لإرادةِ الله تعالى بمخلوقاته، والله تعالى لا مانعَ لما أراد، ولا دافع لما قضى، وليس مِن شأنِنا تفصيل الكلام عن أربابِ هذا الموقفِ والإسهابِ في نقضِ سفسطَتِهم، لجلاءِ قُبحِها في عَيْنِ كلِّ مسلم.

стр. 1144

الموقف الثَّاني: استنكارُ هذه الآيات الحسيَّة: حيث ذَهَبت طائفةٌ مِن المُستغرِبين إلى رَدِّ ما وَرَد من أخبارِ مُعجزاتِ النَّبي ﷺ أو غيره من الأنبياء، أمَّا الآيات القرآنيَّة فارتكَبوا كلَّ عَسِرٍ لنفْيِها، ولَيِّ أعناقِ النُّصوص الَّتي تُثْبِتها (١). وكان الباعث لكثيرٍ منهم على ذلك: تأثُّرُهم البيِّن بالمَنهج الوَضْعيِّ، الَّذي ينطلِقُ أَساسًا مِن نَفي الغيبيَّات، واستبعادِ كلِّ ما لا يَقع عليه الحِسُّ؛ فأرباب هذا المذهب حين تَوهَّموا أنَّ قيام الحضارةِ الغَربيَّة الكافرة لم يَتحقَّق إلَاّ برَفْضِ كلِّ ما يَتعدَّى الواقع الحِسِّي، افترضوا بالقِياسِ أنَّ المسلمين لا يمكنهم اللَّحاقُ برَكْبِ الحضارةِ الغربيَّة إلَّا باقتفاءِ سَنَن مَن استحدثَها حذو القذَّة بالقذَّة! والأَساسُ الَّذي يرتكزُ عليه المنهج الوَضعيُّ الَّذي تَأثَّر به طوائفُ مِن المسلمين في رَدِّ الآياتِ الحِسيَّة النَّبويَّة ثلاثُ معارضات: المعارضة الأولى: أنَّ العِلم التَّجريبيَّ لا يستطيع إثباتَها، وإِذا كان الأمر عندهم كذلك، فليست هذه الآيات والبَراهين حَقائقَ علميَّة تَستدعي الإيمان بها، ولا بِمَن جاءتْ على يَدَيه. فالشُّبهة -إذن- مَبناها على منع الاعتدادِ بما لا يَمرُّ عبرَ قناةِ الحِسِّ والتَّجربة؛ فلا سَبيل إلى المعرفةِ إلَّا مِن بوابة الواقع الحِسِّي؛ قد ألغوا أَيَّ حقيقةٍ تُجاوز عندهم الواقع، فإنَّ للطَّبيعة قوانينها الثَّابتة التي تُفسِّرُها، والَّتي لا يُمكن في تَصوُّرِهم أَن تَتَغيَّر أَو تُخرَق، مع تجويزِهم ما دون ذلك ممَّا يُعَدُّ انحرافًا عارِضًا عن جَوهر الطَّبيعة، من غيرِ أن يصلُ إلى حَدِّ خَرْقِ السُّنَن، كـ «العادات غير العقلانيَّة والجَرائم» (٢).

стр. 1145

ومِمَّن أبان عن عُمقِ هذا التَّأثُّر بهذا المذهب الفكريِّ (محمَّد فريد وجدي) (١)، فهو مِمَّن دَرَجوا على تطويعِ الدَّلائلِ الشَّرعيَةِ لتوافق ما رَسَمه الغَرب في صورةِ قوالب وقوانين عِلميَّة، مع إعادةِ صياغة أفكارهم، والتَّنقير في كُتُبِ التُّراث عمَّا يُسْعفها. فانظر قولَه -مثلً-: «تمتاز العصور النَّبوية بالخوارق والنَّواميس الطبيعيَّة؛ فأساطير الأديان مَلْأى بذكرِ حوادثَ من هذا القبيل، كان لها أقوى تأثيرٍ في حمل الشُّعوب الَّتي شهِدتْها على الإذعان للمرسَلين الَّذين حدثتْ على أيديهم. وقد حَدثتْ أمورٌ مِن هذا القَبيل في هذا العصر المُحمَّديِّ؛ صاحبت الدَّعوةَ في جميع أطوارها .. ولستُ أقصد بها ما تناقَله النَّاسُ عن شَقِّ الصَّدر (٢)، وتظليل الغمامة (٣)، وانشقاقِ القَمر، وما إليها ممَّا لا يُمكن إثباتُه بدليلٍ مَحسوسٍ، أو يتأتَّى توجيهه إلى غير ما فُهِم منه؛ ولكنِّي أقصد تلك الانقلابات الأدَبيَّة والاجتماعيَّة التي تمَّت على يدِ محمَّد ﷺ في أقلِّ من رُبع قرنٍ، وقد أعوزَ أمثالُها في الأُمم القرونَ العديدةَ، والآمادَ الطويلةَ» (٤). فعلى أساسِ هذه المُغالَطاتِ للحقائق، ترى (بسَّام الجَمل) يَسِمُ الآياتِ النَّبويَّةِ بأنَّها «تَوليدُ المِخْيالِ الجَمعيِّ»، لا أنَّها حقائق تَواترت عنهم تَواترًا قطعيًّا؛ ويَصِف ما أنزَل القرآنُ الكريم في شأنِها بقوله: «عَثرنا في بعضِ أَخبار النُّزولِ

стр. 1146

على ضَرْبٍ مِن ضروب المُتخَيَّل، لا تكونُ فيه الأَحداث مَبنيَّةً على قانونٍ في السَّببيَّةِ، .. إِنَّنا نُصادف داخلَ هذا المُتخيَّل نماذج مِن وقائع حَصَلَت على عهدِ الرَّسولِ، أَلغت النِّظامَ المنطقيَّ الَّذي تَتأسَّسُ عليه قوانين الطَّبيعة والعالَم الفِيزيائيُّ عُمومًا، ممَّا يُقيم البُرهان على أَنَّ للمُتخيَّل مَعقوليَّته الخاصَّة، المُباينة للمَعقوليَّة العلميَّة القائمة على الاستدلالِ والتَّعليلِ وغيرهما» (١). وإذا كانَ إثباتُ الآياتِ المَادِّيَّة الحاصلةِ للنَّبي ﷺ عند المتأثِّرين بهذا المَنهج غيرُ مُتأتٍّ حيث كان الدَّليل الحِسِّي بزعمهم لا يقوم بإثباتِها؛ فلقد خَطَوا خطواتٍ بعيدة في مسايرةِ مَن لا يؤمنون بالنُّبوَّة ولا بآياتِ الأنبياء؛ مُعانين صرْفَ كلِّ آيةٍ عن مُقتضى الإعجازِ، وتفسيرَها على ضوء المنهج المادِّي الكافرِ بخَرقٍ للسُّنَنَ الكونيَّة بالمَرَّةِ. ثمَّ برز فريقٌ آخر معترضٌ على أخبار الآيات النَّبويَة مِن غير أن يصرِّحوا باعتمادِ ذاك المَنهجِ الوضعيِّ في إثبات الحقائق، ولكنْ بدعوى أخرى تَتَمثَّل في: المعارضةِ الثَّانية: حصْرُ ما اختَصَّ به النَّبيُّ ﷺ مِن المعجزات في القرآنِ وحده، وأنَّه ليس مِن اختصاصِه الإتيانُ بآياتٍ خارقةٍ للعادةِ: وفي تقرير هذا الاعتراض، يقول (محمَّد عابد الجابري): «نحنُ نؤكِّد -فعلًا- أنَّ الشَّيء الوحيد الَّذي يُفْهَم مِن القُرآن بأكملِه أنَّه معجزةٌ خاصَّةٌ بالنَّبي محمَّد ﷺ : هو القرآن لا غير، فالقُرآن يَكفي ذاته بذاته في هذا الشَّأن. والدَّليل على ذلك: أنَّ كُفَّار قُريش قد أكثروا مِن مُطالبةِ الرَّسول ﷺ بالإتيان بآيةٍ (مُعجزةٍ) تخرقُ نظامَ الكون واستقرار سُنَنِه؛ كدليلٍ على صدقِ نُبوَّته؛ فكان جواب القرآن أنَّ مهمَّة محمَّد بن عبد الله هو أنْ يُبلِّغ لأهل مكَّة (أمِّ القُرى) ومَن حولها رسالةَ الله إليهم (القرآن)، وليس من اختصاصِه الإتيان بآيات مُعجزاتٍ خارقة للعادة».

стр. 1147

ثمَّ نزع إلى الاستدلالِ على ما تَوهَّمه دعامةً لدعواه، بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٠ - ٥١]، مُعلِّقًا عليها بقوله: «واضحٌ أنَّنا أمامَ إغلاقٍ نهائيٍّ لمسألة إمكانيةِ تخصيصِ خاتم النَّبيين والمرسلين بمعجزةٍ من جنس ما طالبت به قريش؛ لقد قرَّرت الآية أنَّ القرآن كافٍ وحده كمعجزة للنَّبي ﷺ » (١). أمَّا (جمال البنَّا)، فجارَ في القضيَّة بأن زعم كونَ «هذه الأحاديث عن المُعجزات لا تُكسِب الرَّسولَ ﷺ فخرًا، لأنَّها تجعله رَسولًا كبقيَّة الرُّسل، أمَّا القرآن الكريم -معجزته الحقيقيَّة والوحيدة- فهو ما يجعله رسولَ الفكرِ والعقلِ» (٢). ومِن الفَوَاقر الَّتي وَقَع فيها هؤلاءِ في غمزِهم بهذا النَّوع من الأخبار، قولهم: بالمعارضة الثَّالثة: في أنَّ إثباتَ تلك المُعجزاتِ الحِسيَّةِ -ومنها البَرَكة في جَسَدِه الشَّريف- إخراجٌ له عن طَوْرِه البَشَريِّ: فلمَّا كان مِن طرائق إثباتِ النُّبوة ما يُجريه الله تعالى على يَدَي النَّبي ﷺ من الآيات والبراهين الخارجةِ عن مَقدور الثَّقَلين، وكان هذا يوجب له الامتيازَ عن غيره مِن الخَلق، مع ما تضمَّنه ذلك من خَرقِ للسُّنَن الكونيَّة: سارعت هذه الطَّائفة إلى نَفْيها عنه ﷺ . فانظر -مثلًا- إلى (ابن قِرناسٍ)، كيف نفي امتيازَ النَّبي ﷺ بمثل تلك الخصائصِ الَّتي خَصَّه الله بها دون النَّاسِ، بقوله: «ما كَتَبه بعض الإخباريِّين عن محمَّد ﷺ ، يُصورِّه على أنَّه شخص فوق البَشر، لدرجةِ أنَّ المعجزاتِ الحسيَّة قد جَرت بين يَديه! .. أمَّا القرآن فقد أورد صورةً للرَّسولِ ليس فيها ممَّا نقله عنه

стр. 1148

الإخباريُّون شيئًا، فهو إنسان عاديٌّ جدًّا بالنِّسبة لمُواصفات البَشر، ولم يَكُن طبيبًا، ولا صاحب مُعجزات» (١). ويؤكِّد (نيازي) هذا التُّهمة لأهل الحديثِ في اختلاقهم لهذه الأخبارِ بقوله: «استطاعَ جنودُ السُّلطان أن يحلِّقوا بنا وبخيالنا وتصوُّراتنا، بإبعادِ الرَّسول محمِّد ﷺ عن الأرض، وعن بَشريَّته، ورفعه إلى مستوى الله تعالى، بجعله .. له القدرة على فعلِ المعجزات ذاتيًا، وله قدرات خارقة» (٢). وأمَّا (صالح أبو بكر)، فقد ارتأى فوق ذلك الطَّعنَ في الأحاديث المُثبتةِ لبركةِ جسدِه الشَّريف ﷺ ، بدعوى أنَّها وَثنيَّة مَقيتة، ورَفعٌ له ﷺ إلى مَقام الرُّبوبية؛ فبعد إعرابِه عن اشمِئزازِه مِن خَبرِ تَبرُّك الصَّحابةِ ﵃ بفضلِ وَضوءِه ﷺ ، قال: «إنَّ النَّبي ﷺ بُعِث محاربًا لعقائدِ التَّقديس لغير الله، وجاء إلى النَّاس ليُخرِجَهم مِن وَثنيَّة التَّعلُّق بغير ربِّه، ومِن الشِّرك في طلب البَركة إلَّا مِن الله وحده، فكيف يَنهى النَّاس عن ذلك، ويُحاربهم في التَّعلقِ بغير الله، ثمَّ يتركهم يقدِّسون فضلاته هو على هذا الحدِّ المَشين؟!» (٣). وبعدُ؛ فهذه نُبَذٌ ممَّا جَرتْ به أقلامُ هؤلاء الطَّاعنين في هذا النَّوعِ مِن الأخبارِ النَّبويَّة، وفيما يلي نقضٌ لتلك المعارضاتِ، فنقول بتوفيق الله:

стр. 1149

المَطلب الثَّاني دَفعُ دعاوي المُعارضات الفكريَّةِ المُعاصرةِ عن أحاديث الآياتِ الحسِّيَّة للنَّبي ﷺ فإنَّ أخبار الآيات الحِسيَّة الَّتي أجراها الله تعالى على يَدي نبيِّه ﷺ كثيرة، بلغ بها بعض أهل الحديثِ مبلغَ التَّواتر المَعنويِّ، الَّذي لا شكَّ بعده في ثبوتها عنه من جِهة النَّقل. يقول المَازريُّ: «مُعجزات النَّبي ﷺ ضُروب. فأمَّا القرآن: فمَنقول تواترًا. وأمَّا مثل هذه المعجزة، ذلك فيها طَريقان: أحدهما: أنْ تقول: تَواترت على المعنى، كتواترِ جُود حاتم، وحِلم الأحنف، فإنَّه لا تُنقل قصة بعينها في ذلك تواترًا، ولكن تكاثرت القِصص مِن جهة الآحادِ، حتَّى صارَ مَحصولها التَّواتر بالكَرَم والحِلم، وكذلك تَواترت مُعجزات سِوى القرآن، حتَّى ثَبَت انخراقُ العادةِ له ﷺ بغيرِ القرآن. والطَّريقة الثَّانية: أن تقول: فإنَّ الصَّاحب إذا رَوَى مثلَ هذا الأمرِ العجيبِ، وأحالَ على حضورِه فيه مع سائرِ الصَّحابة وهم يَسمعون روايتَه ودعواه حضورَهم معه، ولا يُنكرون ذلك عليه: فإنَّ ذلك تصديقٌ له، يوجب العلم بصحَّة ما قال» (١).

стр. 1150

أمَا وإنَّا معاشر المسلمين مُستيقِنون بكرامةِ الله لنبيِّه بتلك الآياتِ الباهرات، فإنَّا نقول في دحضِ ما شَغَّب به المُبطلون لهذه الكرامةِ الإلهيَّةِ، في دعوى أنَّ إثباتَ الآياتِ المادِّيَّة الحاصلةِ للنَّبي ﷺ غيرُ متأتٍّ؛ لأنَّ الدَّليل الحسِّي لا يقوم بإثباتها: إنَّ دعواكم هذه عَريَّة عن التَّحقيقِ وحُسنِ التَّصوُّر لِما يُحتَجُّ به مِن مناهج الاستدلال، وذلك أنَّ الحِسَّ ليس المَصدر الوَحيدَ للمعرفةِ، لم يكُن كذلك في تاريخ البشريَّة كلِّها ولن يكون، وخروج بعض المَعارف عن دائرتِها لا يَنفي عنها كونها حقائق ثابتة بمصدرٍ آخر صحيح مُعتبَر. هذا ما قد صَرَّح به كثيرٌ مِن النَّاقدين للأديانِ من الغَربيِّين أنفسِهم، كان مِن أشهرِهم: (هِنْري بوانْكارِيه) (ت ١٩٢١ م) المَنعوتِ بـ «المُمثِّل النَّموذجي لنقدِ العِلمِ»؛ فقد ألزَم الوَضعيَّةَ بأنَّ حصرَ الحقيقةِ في المنهجِ التَّجريبيِّ دعوى مُشبعة بقدرٍ من المجازفةٍ والتَّعميمِ المتعسِّف الَّذي لا برهان عليه (١). وذلك لأنَّ الحقائقَ المَوجودة في الكَوْنِ مُختلفةٌ في طبائِعها، ومتباينة في سِماتها؛ فالحقيقة الفيزيائيَّة -مثلًا- مختلفة عن الحقيقةِ الإنسانيَّة، والظَّواهر الإنسانيَّة مُباينةٌ للظَّواهر الكونيَّة، .. إلخ؛ فمِن غير المَعقول أن تُحصَر كلُّ هذه المجالات المتباينةِ في منهجٍ واحدٍ للتَّعامل معها، بل لا بدَّ مِن تَضافر عِدَّة مَصادر مَعرفيَّة وتكاملِها، لأجلِ استيعابِ جميعِ المُكوِّنات الوُجودِيَّة. فلو افترضنا جدلًا أنَّ العِلْمَ التَّجريبيَّ استطاعَ الجوابَ عن كلِّ الأسئلةِ المَاديَّة التَّجريبيَّة، فإنَّ هناك ركامًا من الأسئلةِ الأخرى تبقى مُلقاةً على قارعة الطَّريق لا طاقةَ لمعاملِ التَّجريب في الجواب عنها! كونها لا تدخل في نظامِ بحثه من حيث طبيعتُها وماهيَّتها؛ كسُؤالِ الخَيرِ والشَّر، وسؤال الحكمةِ والتَّعليلِ، والمَبادئ والأخلاق، والغَيْبِيَّات، ونحو ذلك مِن الأسئلة الوجوديَّة الكبرى.

стр. 1151

مُحصِّل ما تقدَّم: أنَّ الحقائق العلميَّة لا يمكن حصرها في دائرة الحِسِّ والتَّجربة؛ ولكن طبيعة المَوضوع المَبحوث فيه هي الكفيلةُ بتَحديدِ المَنهجِ العلميِّ الأنسبِ له (١)! ومع التَّسليم بعملِ المنهج الوضعيِّ على إثباتِ ما كان داخلًا في الحسِّ والتَّجربة، فإنَّه لا يَلزم مِن عَدم قدرةِ منهجٍ ما على إثباتِ شيءٍ نفيُه في حقيقة الأمر! ومِن ثَمَّ جاز لنا القول بأنَّ حكم الوضعيِّين على الآياتِ الحسيَّة بالبُطلان هو «خروجٌ عن مفهوم هذا المنهج نفسِه ووقوعٌ في التَّناقض! لأنَّ الحكمَ بالصِّحة والبطلان تحكُّم ميتافيزيقيٌّ، ليس مِن أصُولِ هذا المنهج ولا مِن شأنِه» (٢)! فمَنْ مارى في هذه الحقيقة المنهجيَّة، لا بدَّ أن تَجْبهَه مَعارفُ أضحَتْ حقائقَ لا تَقبَل الشكَّ عند أصحاب المنهج التَّجريبيِّ أنفسهم؛ مع أنَّها لم تُباشرْها الحَواسُّ، ولم تُدرَك في مَعامل البحث، ولم تخضع للتَّجريب! (٣) ونفيُ المتأثِّرين برَهَج المنهجِ التَّجريبيِّ لآيات الأنبياءِ لكونِها بطريقِ النَّقلِ لا التَّجربة يَلزمُهم على قولِهم نَفيُ الحقائق التَّجريبيَّة الَّتي لم يُباشِرها النَّاس! ولم يدركوها بحواسِّهم! لأنَّها إِنَّما نُقِلَت إليهم نقلًا عمَّن جَرَّبها! فنفيُ الأوَّل دونَ الثَّاني تحكُّمٌ (٤). وما أبلغَ تعبير بحَّاثة غَربيٍّ عن عَجزِ التَّجربةِ في إثباتِ جميعِ الحقائق، في اعترافٍ له آخرَ عُمْرِه يقول فيه: «إنَّ العلمَ يَصطاد في بحرِ الواقعِ بنوعٍ مُعيَّنٍ مِن

стр. 1152

الشِّباك، يُسَمَّى المنهجَ العلميِّ، وقد يكون في البحرِ الَّذي لا يُمكننا أن نَسبر غورَه، الكثير ممَّا تعجز شِباك العلم عن اقتناصِه» (١). وأمَّا دعوى (الجابريِّ) في المعارضِ الثَّاني: كون القرآنَ الآيةَ الَّتي اختُصَّ بها النَّبي ﷺ ، فلا تكون له آيةٌ أخرى تخرق العادَة: فهذه بيِّنة البطلان؛ لأنَّ الاختصاصَ بالقرآن لا يَقضي على الآياتِ الأخرى بالنَّفي، واستدلاله على نفيِه ذاك بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾: ليس له فيه مُستمسك؛ لأنَّ الإغلاقَ واقعٌ في إجابةِ أهلِ مكَّةَ فيما اقترحوه مِن الآياتِ بعينِها، وليس في مُطلق الآيات، لأنَّ (الـ) التَّعريف في قولِه: ﴿الآيَاتِ﴾ عَهديَّة، وسَيأتي تحقيقه قريبًا. أمَّا حصول الكفايةِ بالقرآن: فهو حقٌّ لا نُماري فيه، فهي الآية الكبرى لنبيِّنا ﷺ ، لكنْ لا يقتضي هذا نفيَ ما عداه مِن الآيات الحسيَّة الَّتي تواترت بها أخبار الثِّقات! فإنْ كان «القرآن مُعجِزًا ثابتًا بالتَّواتر اللَّفظي، فباقي المعجزاتِ بالتَّواتر المَعنَوِيِّ» (٢)؛ ومثل هذه السُّنَن المُتناقلة مُفسِّرة للقرآن، ومبيِّنة لمُجمَلِه، فوُرود هذه الآيات ورودًا قطعيًّا من جِهة النَّقل مُبيِّنٌ عن المعنيِّ بالآياتِ.

стр. 1153

هنا أنقل عن (محمَّد الغزالي) بَديعةً مِن بدائعِ تأمُّلاتِه في سيرةِ نبيِّنا ﷺ ، جلَّى فيها بعضَ الحِكَم الَّتي لأجلها أيَّد الله نبيَّه ﷺ ببعضِ الآياتِ المرئيَّةِ، مع كونِه مُؤيَّدًا بتنزُّل أعظمِ آيةٍ عليه وهي القرآنِ، فيقول: « .. حتَّى تنقطع الألسنة المعاندة، وحتَّى لا يُقال: إنَّ محمَّدًا ﷺ لم يُسلَّح بما سُلِّح به الأنبياء السَّابقون مِن خوارق حسيَّة: أجرى الله خوارق حسيَّة على يَد نبيِّه محمَّد ﷺ ، مِن الَّنوع الَّذي يقهر أهلَ العِنادَ على الإيمان. إنَّه أرى النَّاس أنَّ محمَّدًا مَوصول بالسَّماء، وأنَّ سُنَن الله الكونيَّة يُمكن أن تَلين له، وأنَّ خوارق العادات يمكن أن تَقع على يده، ولكنَّ مُعجزته الكبرى ليست هذه، مُعجزته الأولى هذا الكتاب الَّذي جاء يَفتح العُقول، ويصقل المعادن، ويرفع المُستويات. ممكنٌ جدًّا أن تكثر هذه المعجزات، ولكنْ كما قيل: هذه خوارق أيَّد الله بها نبيَّه ﷺ ، ولكن لم يعطها المكانةَ الأولى في الشَّهادة له بالنُّبوة، لأنَّ الشَّهادة له بالنُّبوة وتصديق الرِّسالة جاءت على النَّحو الَّذي يليق برسالةٍ عامَّةٍ خالدةٍ .. وإذا كانت المعجزة تُورث أصحابَها الَّذين رأوها يقينًا، فإنَّ هذا القرآن لا يزال ـ كما قُلنا ـ يصنع اليَّقين، ويؤكِّد أنَّ الإسلام هو الحقُّ الفذُّ إلى يوم الدِّين» (١). أمَّا ما أبداه الطَّاعنون في أحاديث المعجزات الحسيَّة مِن مُعارضتها لبَشريَّة الرَّسول، فجوابه أن يُقال: إنَّه لابدَّ للمعجزةِ بداهةً أن تكون خارقةً للعادةِ وفوق قدرةِ البَشرِ كي تُسمَّى آية، إذ لو كانت بمَقدورِ البَشر، لانتفت عنها صِفة الإعجاز أو التَّصديق بالنُّبوة؛ فلا يستقيم عقلًا أن يُكذَّب بأخبارها بدعوى أنَّها تَتَجاوز بَشريَّة النَّبي ﷺ ! وإذا نَفوها عن نبيِّنا ﷺ لبَشريتِه، فلينفوا مثلَها عن إخوانِه الأنبياء وقد وردت صراحةً في القرآن! فهل أولاءِ الرُّسل -بما أُيِّدوا به مِن آيات- إلَّا بَشرٌ مثل نبيِّنا؟!

стр. 1154

لقد أمكنَ لمثل هذه المعارضةِ أن تجد مَحلًّا وسيعًا من نظر العقول لو أنَّ تلك المُعجزاتِ الحسيَّة كانت مَقدورةً للنَّبي ﷺ لذاتِه، مَأتيةً مِن عند نفسِه؛ أما وهي ممَّا قد أجراه الله تعالى وحده على يَدَيه بإذنِه ليُقيم الدَّليل بها على صدقِه، وليس لنبيِّه فيها يَدٌ ولا مَشيئة: فاستشكالُ الآياتِ بعد هذا -فضلًا عن استنكارِها- ساقطُ الاعتبارِ. تأمَّل ما جاء على لسان النَّبي ﷺ نفسِه من نسبةِ ما جرى على يَدَيه من بعضِ الآيات إلى إيجادِ الله وتسخيره، من حالِه مسافرًا وقد قلَّ الماء مع أصحابه، فقال: «اطلُبوا فضلةً مِن ماء»، فلمَّا جاءوا بإناءٍ فيه ماء قليل، أدخل يده فيه، ثمَّ قال: «حيَّ على الطَّهور المبارك، والبركةُ مِن الله»، يقول ابن مسعود: فلقد رَأيتُ الماءَ ينبُع مِن بين أصابع رسول الله ﷺ (١)! يقول العينيُّ في قوله ﷺ : « .. والبَركةُ مِن الله»: «إشارةٌ إلى أنَّ الإيجاد من الله» (٢). وكذا جاء في حديث جابر ﵁ قال: «سِرنا مع رسول الله ﷺ ، حتَّى نزلنا واديًا أفيحَ، فذهب رسول الله ﷺ يقضي حاجتَه، فاتَّبعته بإداوةٍ من ماء، فنَظر رسول الله ﷺ فلم يرَ شيئًا يستتر به، فإذا شجَرتان بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما، فأخذَ بغصنٍ مِن أغصانها، فقال: «اِنقادي عليَّ بإذن الله»، فانقادت معه كالبَعير المخشوشِ الَّذي يصانع قائده، حتَّى أتى الشَّجرة الأخرى، فأخذَ بغصنٍ من أغصانها، فقال: «اِنقادي علي بإذن الله»، فانقادت معه كذلك، حتَّى إذا كان بالمنصف ممَّا بينهما، لأَمَ بينهما، فقال: «اِلتَئِما عليَّ بإذن الله»، فالتأمتا .. » الحديث (٣). فمَنشأ غَلَطِ أصحابِ هذا المنهج: قياسهم الفاسد لأحكام النُّبوة على سائر النَّاس؛ مع تحقُّق الفَرق بينهما بمقتضى النَّقل والعقل، فأدَّاهم إلى جحود ما

стр. 1155

فضَّل الله به الرُّسل ﵈؛ والنَّظر الصَّحيح يوجب التَّفريق بين أمرين عند اتِّصاف أحدِهما بما يُوجب امتيازَه عن الآخر (١). العجيب؛ أنَّ الله قد ذكر هذا القياس الفاسدَ مانعًا للكفَّار من الإيمان بآياتِ الأنبياءِ والانقيادِ لهم! فقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَاّ أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً﴾ [الإسراء: ٩٤]. يقول ابن تيميَّة: «وجِماعُ شُبَه هؤلاء الكفَّار: أَنَّهم قاسوا الرَّسول على مَن فرَّق الله بينه وبينه، وكفروا بفضل الله الَّذي اختصَّ الله به رُسُلَه؛ فَأوتُوا مِن جهة القياس الفاسد، ولا بُدَّ في القياس من قَدرٍ مُشْتَرَكٍ بين المُشَبَّه والمُشَبَّه به» (٢). وأمَّا دعوى (صالح أبو بكر) بأنَّ التَّبرُّك بالنَّبي ﷺ نوعُ وثنيَّة وتعلُّق بغير الله تعالى: فمُؤنةٌ مِن عقلِ هذا الرَّجل! فاضحةٌ لسوء فهمه لمصطلحاتِ الشَّريعة؛ فإنَّ لفظَ التَّقديس يحتمل معاني: إن قُصدَ منه معنى التَّطهير ورفعِ الدَّرجة (٣): فإنَّه بهذا غير مختصٍّ بالله، بل هو ثابت لبعضِ خلقِه اصطفاءً، كقول الملائكة لمريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢]. وإن قُصدَ بلفظ (التَّقديس): معنى التَّعظيم والتَّنزيه التَّعبُّدي، كالمَعنيِّ في حوارِ الملائكة لربِّهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]: فإنَّ هذا غير مَقصود في التَّبرُّك، فإنَّ التَّبرُّك هو التماس زيادة الخيرِ ونمائه وثبوته ودوامه (٤)، وليس هو عبادةً في نفسِه، ولا يلزم منه تعلُّقٌ بذاتِ المُتبرَّك به ممَّن أجاز الله تعالى فيه التَّبرك. والمؤمنون يعلمون أنَّ الله هو خالق البركة وحدَه، وهو مَن وضعها في تلك الذَّات المُباركة، أو الزَّمان المُبارك، أو المكان المُبارك، وهو مَن أعلمنا بثبوتها

стр. 1156

فيه، وهو مَن شرع لنا التِماسِها فيه، ولولا خبره ﷻ لنا بذلك، ما تبرَّكنا بذلك كلِّه، فما بغيتنا إلَّا استزادة الخيرِ من مظانِّه الَّتي شرعها الله. فكيف يُقال بعد هذا أنَّ التَّبرك بالنَّبي ﷺ وثنيَّة وشرك بالله في ربوبيَّته وألوهيَّته؟! .. فاللَّهم غُفرًا.

стр. 1157

المَبحث الثَّالث نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لأحاديثِ انشقاقِ القَمرِ

стр. 1158

المَطلب الأول سَوق أحاديث انشقاقِ القمر عن أَنس بن مالك ﵁ قال: «سأل أَهلُ مكَّة أَن يريَهُم ﷺ آيةً، فأراهم القمرَ شقَّتَين، حتَّى رَأوا حِراء بينهما» متَّفق عليه، وفي لفظ لمسلم: «فأرَاهم انشقاق القمر مرَّتين (¬١») (٢). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «انشقَّ القمر على عهد النَّبي ﷺ شِّقَّتين، فقال النَّبي ﷺ : «اِشهْدوا» (٣). وعن عبد الله بن عبَّاس ﵄: أَنَّ القمر انشَّق على زَمَان رسول الله ﷺ (٤).

стр. 1159

المَطلب الثَّاني سَوْقُ دعاوي المُعارِضات الفكريَّةِ المُعاصرةِ على أحاديثِ انشقاقِ القَمر أَورَد بعض المُعاصرين على حديثِ انشقاقِ القمر جملةً مِن المعارضات؛ تَتلخَّص في ثلاثٍ رئيسةٍ: المُعارِض الأوَّل: أنَّ انشقاقَ القمر لو وَقع لجاءَ متواترًا؛ إذْ يَستحيل أن يَقَعَ مثلُ هذا الحدَث الكونيِّ، ولا تَتوفَّر الدَّواعي على نقلِه وتدوينِه، ولا يَشتهر في سائرِ الأمصار؛ فخفاءُ ذلك يدلُّ على انتفاءِ وقوعِه. وأوَّل مَن نُسبِت إليه هذه الشُّبهة إبراهيم النظَّام (ت ٢٣١ هـ) من كبار المعتزلة، وعَلَّل إنكارَه لهذا الانشقاقِ بأنَّه «لو كان قد انشَقَّ، لَعَلِم بذلك أهل الغرب والشَّرق؛ لمشاهدتهم له» (١)، ثمَّ بلَغت القِحة بنفسِه الأمَّارةِ أن كَذَّب ابنَ مسعود ﵁ في روايته (٢). ثمَّ تلقَّفها عنه تلميذُه وربيبُ نِحلته الجاحظُ (ت ٢٥٥ هـ)؛ فقد نُقِل أنَّه كان يَنفي ذلك، ويقول: «لم يَتواتر الخَبر به» (٣).

стр. 1160

وقد سَلَّم لهذه الشُّبهةِ مِن المتأخِّرين (محمَّد رشيد رضا)، ونظمَها في سِلك اعتراضاتِه على الحديث، قائلًا في إنكارها: «ذَكَر علماءُ الأصولِ أنَّ الَخبرَ اللُّغوي ما يحمل الصِّدقَ والكذبَ لذاتِه .. وذَكروا أنَّ مِمَّا يُقطعُ بكذبه: الخبرُ الَّذي لو كان صحيحًا لتَوفَّرت الدَّواعي على نقله بالتَّواتُر؛ إمَّا لكونه مِن أصول الشَّريعة، وإمَّا لكونه أمرًا غريبًا؛ كسقوطِ الخطيب عن المنبر وقتَ الخطبة. ومِن المَعلوم بالبداهة أنَّ انشقاقَ القمرِ أمرٌ غريبٌ؛ بل هو في مُنتهى الغرابة الَّتي لا يُعَدُّ سقوط الخطيب في جانبها غريبًا؛ لأنَّ الإغماءَ كثيرُ الوقوع في كلِّ زَمَن .. وانشقاق القَمر غير مَعهودٍ في زَمَنٍ مِن الأزمان، فهو محالٌ عادةً وبحسب قواعد العلمِ مادام الكونُ ثابتًا، وإنْ كان ممكِنًا في نفسه لا يُعجِزُ الخالقَ تعالى إن أراده، فلو وقع لتوفَّرت الدَّواعي على نقله بالتَّواتر؛ لشدَّة غرابتِه عند جميع النَّاس في جميع البلاد، ومِن جميع الأُمَم» (١). المعارض الثَّاني: أنَّ هذه الأحاديث معارضة للقرآن الَّذي دلَّ على امتناعِ إرسالِ الآياتِ الحسيَّة، لأنَّ التَّكذيبَ بها مُوجبٌ لتعجيل العذابِ، كما حصلَ للأُممِ السَّابقةِ حين كَذَّبت، فلَّما لم يُستأصَلْ أهل مكَّة بالعذاب، علِمنا أنَّ آية انشقاقِ القمر لم تَقَع. وفي تقرير هذه الشُّبهة يقول (محمَّد الغزالي): «عندما قَرأتُ حديثَ الانشقاقِ، شرعتُ أفكِّر بعمقٍ في موقف المشركين، إنَّهم انصرفوا مُكذِّبين إلى بيوتِهم ورِحالهِم، بعدما رَأوا القَمر فلقتين عن يمينِ الجبل وشماله، قالوا: سَحَرنا محمَّد، ومَضوا آمنين سالمين، لا عقابَ ولا عتابَ .. ! قلتُ: كيف هذا؟ .. إنَّ التَّكذيب بعد وقوع الخارقِ المَطلوب يوجِبُ هلاكَ المُكذِّبين! فكيف يُترَك هؤلاء المَكيُّون بدون توبيخٍ ولا عقوبةٍ بعد احتقارهم لانشقاق القمر؟! .. يؤكِّد القرآن الكريم هذا المنطق في سورة الإسراء: ﴿وَمَا مَنَعَنَا
следующие страницы →