← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 224

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بـ «الحَشويَّة»، حيث قال: «أمَّا الصِّفات الَّتي يتمسَّكون بها، فآحادٌ لا تُفضي إلى العِلم، ولو أضربنا عن جميعِها لكانَ سائِغًا» (١)! أمَّا الفخر الرَّازي (ت ٦٠٦ هـ)، فغايةٌ لا تُسامى في ردِّ الصِّحاحِ بقانونِه العقليِّ الكُليِّ، وسيأتي الكلام عليه قريبًا في موضعه من هذا المَبحث. ثمَّ الآمديُّ (ت ٦٣١ هـ) (٢) قريبًا منه، نراه يسوق في إحدى كُتبِه أدلَّته على رؤيةِ الله في الجنَّة، ثمَّ يختمها بقوله: « .. وعلى الجُملة، فلَسْنا نعتمِدُ في هذه المسألةِ على غير المَسلك الَعقليِّ الَّذي أوضحناه، إذْ ما سِواه لا يخرُج عن الظَّواهر السَّمعية، والاستبصاراتِ العقليَّة، وهي ممَّا يَتقاصر عن إفادةِ القطعِ واليقينِ، فلا يُذكر إلَّا على سبيلِ التَّقريبِ واستدراجِ قانعٍ بها إلى الاعتقاد الحقيقيِّ» (٣). وبهذا تعلمُ أنَّ انكماشَ المذهبِ الاعتزاليِّ، وتَقلُّصَ دعوتِه، لم يَقتضِ انحسارَ كثيرٍ مِن عَقائِده ومَبادِئه، حيث تَبنَّى بعضَها الأشاعِرةُ المُتأخِّرون كما علِمتَ، وأظهر منهم في هذا التَّبنِّي الاثنا عَشريَّة والزَّيديَّة (٤)، حتَّى قال (جولدْزِيهر): «قد استقَرَّ الاعتزالُ في مُؤلَّفات الشِّيعةِ حتَّى يومِنا هذا، فلِذا كان مِن الخطأ الجَسيمِ -سواءٌ مِن ناحيةِ التَّاريخِ الدِّيني أو الأدَبيِّ- أن يُزعَم بأنَّه لم يبْقَ للاعتزالِ أثرٌ قائمٌ مَحسوسٌ» (٥).

стр. 107

فمِثلُ هذا التَّقديمِ للعقليَّات عند تَوهُّمِ التَّعارض، تجده عند الطَّوائفِ الكلاميَّة الَّتي جاءت بعد المعتزلة، إلى يوم النَّاس هذا، يَرُومون تنزيهَ الشَّارع عن مُناقضةِ الضَّروراتِ العقليَّة فيما يَرَون، أو مُحاولةً للاتقاء بركبِ الحضارةِ الغربيَّةِ عبر قنطرَتِها، كما سيأتي عليه البيان في الآتي:

стр. 108

المَطلب الخامس أثَر الفكرِ الاعتزاليِّ في المَدارسِ العَقلانيَّةِ المُعاصرةِ على وَفْقِ ذاك التَّقنينِ لأوَّليَّة العقل، دَرَج كُلُّ مَن جاء مِن المُتأخِّرين الطَّاعنين في صِحاح السُّنَن وفق نظرهم العقليِّ، على اختلافِ مَشارِبهم وتفاوتِ مَنازلهم في ذلك. أمَّا نُشَّادُ الفكرِ العَقلانيِّ مِن الإسلاميِّين: فلقد كان لهم نَصيبٌ وافرٌ مِن وَراثةِ أصولِ الاعتزالِ في نظرتهم إلى النُّصوص الشَّرعيَّة، وقد وُجِدَ مَن أطلَقَ على (جَمالٍ الأفغانيِّ) وتلميذِه (محمَّد عبده) في وقتِهما لقبَ «مُعتزلةِ العصرِ الحديث» (١)؛ وذلك أنَّ الثَّانيَ منهما يؤصِّلُ للإسلامِ أُصولًا، فيَعدُّ فيها الأصلَ الثَّاني مِن الأصولِ الَّتي قام عليها الإسلام، ما ذكره في قوله: « .. الأصلُ الثَّاني للإِسلام: تقديمُ العقلِ على ظاهرِ الشَّرعِ عند التَّعارض؛ .. فقد اتَّفق أهلُ المِلَّةِ الإِسلاميَّةِ (٢) -إلَّا قليلًا ممَّن لا يُنظَر إليه- على أنَّه إذا تعارَض العقلُ والنَّقل، أُخِذَ بما دَلَّ عليه العقلُ، وبقي في النَّقل طَريقان:

стр. 109

طريقُ التِّسليمِ بصحَّةِ المنقولِ، مع الاعترافِ بالعجزِ عن فَهْمِهِ، وتفويضِ الأمرِ إلى الله في علمِه. والطَّريق الثَّانيةُ: تأويلُ النَّقلِ، مع المُحافظةِ على قوانين اللُّغَةِ، حتَّى يتَّفِقُ مَعناهُ مع ما أثْبتَه العقلُ. وبهذا الأصلِ الَّذي قام على الكتابِ وصحيحِ السُّنَّةِ، وعَمَلِ النَّبي ﷺ ، مُهِّدَت بين يَدَيْ العقلِ كلُّ سبيل، وأُزيلَت مِن سبيلِه جميعُ العَقبات» (١). وفي تقريرِ هذه النَّزعة العقلانيَّةِ لعمومِ رُوَّادِ هذه المَدرسة الإصلاحيَّة الحديثة، يقول محمَّد حمزة (٢): «إنَّ النَّزعةَ العَقليَّة الَّتي تحمَّس لها مُفكِّرون عديدون، كمحمَّد عبدُه، وعلي عبد الرزَّاق، وأحمد أمين، ومحمود أبو ريَّة، وَجَدَت في مَبادئِ المُعتزلة ونزعَتِها العقليَّة تعبيرًا صادقًا عن طموحاتِها، فكان الاحتفاءُ بمَبادئها -وخاصَّةً في فترةِ ما بين الحَرْبين- استعادةً جديدةً ومُحاولةَ إحياءِ العقلانيَّةِ العربيَّةِ القديمة .. ومثلما وَجَدَ هؤلاء المُفكِّرون في مَبادئ المعتزلة ما يَتناغم مع دعوتِهم التَّحديثيَّة، فإنَّ موقفَ المُعتزلة مِن الأدلَّة النَّقليَّة عمومًا، والحديثِ النَّبويِّ بصفةٍ أخص، كان مِمَّا يُلائم أفكارَهم» (٣). ثمَّ جاء من بعدِ هؤلاء مَن أشادَ بمناهجِ المُعتزلة صراحةً، وأثنى على جُملةٍ مِن هَرطقاتِهم، كما تراه عند (جمال البنَّا) من جعلِه العقلَ هو الأصلَ الأوَّل للشَّريعة (٤)! وعلى هذا المَبدأ نفسِه سَمَّى (سامر إسلامبولي) نقدَه للصَّحيحين بـ «تحريرِ العقل مِن النَّقل».

стр. 110

وكان (إسماعيل الكُرديُّ) شديدَ الحَفاوةِ بجُهدِ المُعتزلةِ في نقدِ متونِ الصِّحاحِ، وبهذا الأصلِ العقليِّ الَّذي أصَّلوه (١). بل إنَّ من شاكلةِ هؤلاء مَن تَحسَّر على اندثارِ مَذهبِهم، وتمنَّى لو بَسَط الاعتزالُ سُلطَته على النَّاس مرَّةً أخرى كما كان ردحًا من زمنِ العَبَّاسيِّين! كما تلمسُه مِن تحسُّر (محمَّد شحرور) في قولِه: «تيارُ العقلِ قد تَمثَّل في المُعتزلة، حيث أنَّ الإسلامَ عندهم تفاعَلَ مع مُعطياتِ العصرِ وتحدِّياته، وأنتج فكرًا نيِّرًا حُرًّا نقديًّا، وقد انتهَت المعركةُ مع الأسَفِ بانتصارِ التَّيار الأوَّل -يعني أهلَ السُّنة-، وما زِلنا نَعيشُ مَآسِيها حتَّى يومنا هذا» (٢). فمثلُ هذه الأقلامِ المُتعاطفةِ مع المُعتزلةِ ما أكثرها في أهلِ زماننا، تجدها ظاهرةً في كتاباتِ (أحمد أمين) (٣)، و (أمين الخولي) (٤)، و (أحمد محمَّد صبحي)، و (زكي نجيب محمود) (٥) (٦)، و (جعفر السُّبحاني) (٧)، و (محمَّد شحرور) (٨)، وغيرهم كثير.

стр. 111

يقولُ عادلٍ العَوَّا (١): «لقد اضمَحَلَّ الاعتزالُ مَذهبًا إن صَحَّ القول، ولكنَّه بَقِي روحًا ومَوقفًا! وقد جاءت النَّهضةُ الحديثة وفيها ألوانٌ مِن الاعتزال، ففيها الشَّك والتَّجربة، وهما مَنهجان مِن مناهج الاعتزال، وفيها الإيمان بسُلطةِ العقل، وحُريَّة الإرادة» (٢). وأمَّا غُلاةُ العَقلانيِّين -مُمَثَّلين بالتَّيارِ العَلمانيِّ الحادِّ-: فهؤلاء لا يعتَبِرون بمَعرفةٍ سِوى ما كان مُحصَّلًا مِن طريق العقل (٣)، شعارهم «العقلُ أوَّلًا، والنَّصُّ ثانيًا» (٤)، بعد أن اِلْتَحَف رُوَّاد هذا التَّيَّار العَرَبُ بدِثار الاعتزالِ، مُنبهِرين بما عند مَشايِخه القُدامى مِن دُربةٍ قديمةٍ على كبحِ جِماح المَدِّ السُّنِّي، وخَدشٍ للأصولِ السُّنيَّة بمَخالِبِ التَّمَعقُل؛ على ما في كِلا الطَّائفتين -الاعتزاليَّة والعَلمانيَّة- مِن رموزٍ تنصهِرُ في قدرٍ مُشتركٍ خَطيرٍ، مُتمثِّلٍ في إحلالِ الشَّرائعِ العَقليَّة، مكانَ التَّشريعاتِ النَّبويَّة (٥). فلأجلِ ما عند المُعتزلةِ مِن تقديسٍ مُفرطٍ للعقلِ، قد أشادَ مثلُ (حمَّادي ذُوَيب) (٦) بشَجاعة رؤوسِهم القُدامى في تَقديمِ العقليَّاتِ على النَّص عند التَّعارض رغمَ أنوفِ أهلِ الحديثِ! ودَعا إلى اقتفاءِ أثَرهِم في استخدامِ منهجِ المُلاحظة والشَّكِّ في كلِّ شيءٍ، حتَّى في الأمورِ الدِّينيَّة!

стр. 112

فكان يقول: «ينبغي أن نَنظُر إلى مَوقفِ النَّظَّام، باعتبارِه تواصلًا لاتِّجاهٍ سَبَقه داخلَ المدرسة الاعتزاليَّة، .. إنَّ هذه الجُرأة الَّتي تحتكِمُ إلى العقلِ سُلطةً مَعرفيَّةً، ومِحَكًّا للصَّادقِ والزَّائفِ مِن الأخبارِ، سَتَجِدُ مَن يُطبِّقها في الواقع» (١). والَّذي يَغلِبُ على ظنِّي بعد مُطالعَتي لكثيرٍ مِن كتاباتِ العَلمانيِّين في هذا الباب، وتأمُّل خطاباتِهم في الإعلام: أنَّ انخراطَهم في هذا المَسْلكِ العَقَديِّ المُحتَذي لمذهبِ الاعتزال، لم يكُن أبدًا عن قناعةٍ تامَّةٍ بأصولِ هذا المذهب الكَلاميِّ في الاستدلالِ؛ وإلَّا لَكانوا أخَذوا أيضًا بأصلِهم الخامس في «الأمرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عن المُنكر»! ومَعلومٌ للكلِّ من حالِهم أنَّهم أكثرُ النَّاسِ اشمِئزازًا ونفورًا مِن هذه الشَّعيرة! ولكنَّ انتهاجَ هؤلاء العَلمانيِّين المُعاصرين لمَقالاتِ المُعتزلةِ، إنَّما هو انتهاجٌ نَفعيٌّ مُؤَدْلجٌ، يُمارِسونَه -على وجِه الاضطرارِ المُؤقَّتِ- على التُّراثِ الإسلاميِّ بمُختلَفِ مُكوِّناتِه. فالمُستغرِبون الَّذين يرفعون رايةَ الدَّعوة إلى التَّمرُّد على السُّنةِ وتَجاوز نصوصها، وإن أظهروا الإشادةَ بالتيَّار الاعتزاليِّ في عقلانيَّته، «إلَّا أنَّهم -في حقيقةِ الأمرِ- أَظهروا هذه الإشادةَ ليستَتِروا خلفَ هذا الأنموذجِ، ويُظهِروا لمِن لا يَعرِفُ حقيقةَ مَقاصدِهم، أنَّهم إِنَّما يستلَهِمون مِن ذاتِ التَّاريخ الإسلاميِّ وما نَشَأ فيه مِن حَرَكاتٍ وفِرَقٍ ما زَعَموا أنَّه نواةٌ للإبداعِ والتَّحديث، فيُخفوا بهذا الاحتفاءِ الأنموذَجَ الحَقيقيَّ الَّذي وَقعَوا في تَبَعيَّتِه واجترارِ رِجْسِه وآفاتِه» (٢)، وهذا الكامنُ في أُنْموذج الفكرِ الغَربيِّ الوَثنيِّ بتمامِه. هذه حقيقةٌ لم يستطِع حتَّى كبارُهم التَّستُّر عليها؛ فهذا (نَصر أبو زيد) (٣) يُفشيها بقولِه: «لا يَعني إحياؤُنا للاعتزالِ أنَّنا نقبلُ مواقفَ المعتزلة كلِّها ..

стр. 113

فتأيِيدُنا للمُعتزلةِ للتِّيارِ العَامِّ وللحركةِ التَّاريخيَّة، وليس للتَّفصيلاتِ الجُزئيَّة في هذه النَّظرة أو تلك» (١). وذاك (أَدُونيس) (٢)، مع إعلائه هو أيضًا مِن شأنِ الانحرافِ الاعتزاليِّ -لمِا يراه مِن انعتاقِهم نِسْبيًّا مِن سُلطةِ الوحيِ- يُؤكِّدَ على أنَّ هؤلاء: لا يُمثِّلون الأنموذجَ المُرتضَى الَّذي يُنْسَجُ على مِنوالِه، إذْ يَبقى أنَّه عَقلٌ وليدُ التَّديُّنِ لا التَّساؤلِ، فهو -بحسبِ كلامِه- ابنُ الله والوَحي! (٣) فلذلك أستطيع القولَ: أنِّي مع كلِّ هذا الَّذي سَرَدتُ مِن تمثُّلاتِ هذا الاتِّجاهِ في المُعاصرين -ومَن تركتُ ذكرَهم أكثرُ- لا أعلَمُ جماعةً مُعاصِرةً التزَمَت مذهبَ المُعتزلةِ طولَ الخطِّ، كأنْ تُوافِقهم في أصولهِم الخمسةِ بتمَامِها، أو تَتَبنَّى أرائَهم التَّفصيليَّة في سائرِ القَضايا (٤). إنَّما تَنصَبُّ المُوافقة للمُعتزلةِ -غالبًا- على بعضٍ مِن أصولِهم المَنهجيَّة لا كُلِّها، مثل: وظيفةِ العقل، وتقديمِه على النَّقلِ، وتأويلِ النُّصوصِ الشَّرعيَّة على خلافِ ما عليه السَّلَف، واعتقادِ ظنيَّة الآحادِ مُطلقًا، وعدمِ الاعتدادِ بها في العَقائد، وفكرةِ الحُريَّة الإنسانيَّة، وما أشبهَ ذلك مِن المَسائل الَّتي اشتُهِروا بها. هذا؛ والمُعتزلة لأدْيَنُ عندي وأتقى وأعلمُ بكثيرٍ مِمَّن يَزعُم الانتسابَ إليهم مِن عَقْلانِّيِي هذا العصر!

стр. 114

فإنَّ المُعتزلةَ يَحتجُّون بالسُّنةِ في الفقهيَّاتِ (١)، وكثيرٍ مِن فروعِ العَقائد مِمَّا لا يتطلَّب القطعَ (٢)؛ وأمَّا غُلاة العَقلانيِّين اليوم، فلا يُبالون بها إلَّا قليلًا. وعامَّة المُعتزلةِ لم يُنكِروا حَدَّ الرَّجمِ (٣)، ولا النَّسخَ في القرآن (٤)، ولا أنكروا فرضَ الحجابِ، ولا كثيرًا مِمَّا خَرَج به علينا المُتَمَعقِلَةُ مُؤخَّرًا، ولا ارتَموا في أحضانِ الإفرنجِ كما يفعلُ هؤلاء. والمُعتزلةُ يقولون بحُجِيَّة الإجماعِ (٥)، استنادًا إلى عصمةِ الأمَّة والسَّلف بخاصَّة، خلافَ كثيرٍ مِن أدعياءِ العقلانيَّة اليوم، فلا يكادون يَرفعُون بذلك رأسًا في شيءٍ! (٦) فأيُ ظلمٍ للمُعتزلةِ أكبر من أن يُنسَبَ إليهم مثلُ هؤلاءِ المُحْدَثون المُحْدِثون مِن مُراهِقي الفِكرِ وشُذَّاذِ الرَّأي؟! وبهذا وغيره، يتبيَّن الفارق بين الطَّوائف الكلاميَّة -مِمَّن تقدَّم ذكر بعض مواقِفهم من آحادِ السُّنة- وطوائف العَلمانيِّين: أنَّ المعتزلة ومَن نَحا منهجهم: إرادةُ تنزيهِ الشَّريعةِ عن مُناقضةِ الضَّرورة العقليَّة واقعٌ لهم بالقصدِ الأوَّل، والإلحاد في النُّصوص والجِنايةُ عليها ليس مُرادًا لهم، بل وَقَع لهم نتيجةً لانحرافِهم في التَّنظير. وأمَّا الحَداثيُّون من العَلمانيِّين وغيرهم: فالإلحادُ في النُّصوص والجنايةُ عليها، والكُفرُ بمَصدرها، واقعٌ لهم بالقصدِ الأوَّل.

стр. 115

المَطلب السَّادس الأصل العَقليُّ النَّاظِم لمُخالِفي أهلِ السُّنةِ في ردِّ الأحاديث النَّبويَّة يعتقِد عامَّة مَن يخالف منهج أهلِ السُّنَّة في اعتبار مراتب الأدلَّة، بوجودِ خصومةٍ بين النَّقلِ والعقل، وبوقوع التَّعارضِ بين كثيرٍ من أفرادِ دلائلهما، أو إمكانِ ذلك وجَوازِه؛ ومادام أنَّ تقديمَ النَّقلِ على العقلِ مُستلزم عندهم للدَّوْرِ المُحال، إذْ أنَّ حُجيَّة الخبرِ الشَّرعي لا يُمكن بحالٍ أن تُعلم إلَاّ بإثباتِ الدَّلالة العقليَّة وتصحيحها لها: فإنَّ تقديمَ النَّقل في هذه الحالةِ مستلزمٌ للقدحَ في أَصلِه! وهذا عينُ ما ادَّعاهُ المُخالفون -كما قدَّمنا- لرَدِّهم كثيرًا مِن المَرويَّات الصِّحاحِ، بدءًا مِن المعتزلة (١)، ومرورًا بكثيرٍ من مُتأخِّري الأشاعرة (٢)، ثمَّ انتهاءً بالعَلمانيِّين؛ مع أنَّ الدَّور في حقيقة الأَمْرِ مُنتفٍ؛ وهو توهُّمٌ ناشئٌ عن افتعالِ الخصومةِ بين العقلِ والنَّقل، ولا خصومةَ بينهما عند التَّحقيق -كما سيأتي عليه البيان-، وما تقدَّم من لَهَج بعض أرباب المَقالات بمَركزيَّةِ العقلِ، مُجرَّد دعوى لا تحقُّق لها في سوقِ الدَّلائل الشَّرعيَّة ولا حتَّى العقليَّة.

стр. 116

وإنَّا إذ نرفضُ تلك الخصومةَ المُدَّعاة بين صريح العقل وصِحاح النَّقل، لا نُنكر في المُقابل وجودَ مَبادئ فِطريَّة مَركوزةٍ في العقل الإِنسانيِّ، بل إنَّ وجودَ هذه المَبادئ والإِقرار بها مِمَّا يُوطِّد وَهْنَ هذه الدَّعوى؛ ذلك لأنَّ هذه المَبادئ مع كونِها مِن مُكوِّنات العقلِ البشريِّ، إلَاّ أنَّها غير كافيةٍ في تحصيلِ الحقائق، إمَّا مُطلقًا، وإمَّا على وجهِ التَّفصيل، فهي مُفْتَقِرة إلى نُور الوحي (١). وهذا ما سيَتَبيَّن بعدُ بتحديدِ معنى العقلِ، فإنَّ الاختلاف في مَفهومِه مِن أصولِ النِّزاع في ما نحن بصدده، فلقد داخل هذا اللَّفظَ مادَّةٌ مِن الاشتباهِ والإجمالِ (٢)، وعندي أنَّه مِن أكثرِ المُصطَلَحاتِ المَظلومة من أهل هذا العصر، فلَكَم حُمِّل ما لا يحتمِلُ، أُلبِس أوسعَ مِن مَقاسِه! إنَّ العقل «جِنسٌ تحته أنواعٌ، منها ما هو حقٌّ، ومنها ما هو باطلٌ باتِّفاق العُقلاء، فإنَّ الناس مُتَّفقون على أنَّ كثيرًا مِن النَّاس يُدخِلون في مُسمَّى هذا الاسم ما هو حقٌّ وباطلٌ» (٣)، ولأجل ترسِيَتِه مواضِعَه المناسبة نقول: الفرع الأوَّل: مَفهوم العقلِ الَّذي تمتنِعُ مُعارَضتُه للدَّلائل النَّقليَّة. تدور مادَّة العقل في اللِّسان: على المنعِ، والحبس، والإمساكِ، ومِنه: عَقَلَ الدَّواءُ بطنَه، يعقِلُه عقلًا: أمسَكَه، ويُسمَّى عقل الإنسان عقلًا، لأَنَّه يمنع صاحبَه مِن التَّورُّط في المَهَالِك (٤). وأَمَّا مفهومُه في المُواضَعةِ والاصطلاحِ: فيدور على مَعَانٍ كثيرةٍ، قد قيل في عِبارتِه ألفُ قَولٍ (٥)! والَّذي يُرادُ من ذلك في هذا المَقام، ويَمتنعُ مُعارضته للدَّلائلِ النَّقليَّةِ: هو العقلُ الفِطريُّ بمَبادئِه الأوليَّة التي فُطِرَ عليها العقل

стр. 117

الإنسانيُّ، والَّذي يحُدُّه النُّظَّارُ والمُتكلِّمون بأنَّه: «عِبارةٌ عن جُمْلَةٍ مِن العلومِ مخْصوصَةٍ، متى حَصَلتْ في المُكلَّفِ صَحَّ منه النَّظرُ، والاستدلالُ، والقيامُ بأداءِ ما كُلِّف منه» (١). هذه المبادئ والعلوم يمكن رَدُّها إلى مَبدأين: الأول: مَبدأ عدمِ التَّناقض، والَّذي يُراد به امتناعُ أن يوجد الشَّيء وأنْ لا يوجد في نفسِ الوقتِ، ومِن ذاتِ الِجهة. والمبدأ الآخر: مَبدأ السَّبَبيَّة، ويُقصَد به: أنَّ كلَّ ما يُوجَد، فلا بُدَّ أَن يكون لوُجودِه سَببٌ (٢). فهذان المبدآن يَتَّسِمان بالضَّرورة والكُليَّة. فأمَّا الضَّرورة فمعناها: امتناعُ تَصوُّر نقيضِها، وامتناعُ البَرهنةِ عليها؛ لكونِها بيِّنةً لا تفتقر إلى بُرهانٍ، فهي أصلُ كلِّ برهانٍ. وأمَّا الكُليَّة فالمُراد بها: انطباقُها على كلِّ وجودٍ ذاتيٍّ، أو مَوضوعيٍّ (٣). ثمَّ يندرج تحت مفهوم العقل أيضًا: العقلُ الحِسِّي، وأساسُ استنادِه على نَقْلِ الحِسِّ ومُعطياتِه. الفرع الثَّاني: الدَّليلُ الإجماليُّ على انتفاءِ التَّعارضِ بين العقلِ والنَّقلِ. مِمَّا مَضى تقصُّده مِن معنى العقلِ، يمتَنِعُ أن يكونَ الدَّليل النَّقليُّ -كتابًا وسُنَّة- مناقضًا للعقلِ بمَفهومَيْه الفِطريِّ والحِسِّي، ووَجهُ ذلك: أنَّ النَّقلَ الثَّابتَ عند العُقلاء من أهل المِلَّة لا يكون مُنافيًا للعقل الفطريِّ؛

стр. 118

بحيث تكون دلالتُه مُنافيةً لمبدأِ عدمِ التَّناقضِ، أو مَنطويةً على ما فيه خرقٌ لقانونِ السَّببيَّة؛ وكذا يمتنع ورُوده بِرَفْعِ ما يَقْطَعُ الإدراكُ الحسِّيُّ بثبوتِه. وفي تقرير هذه المسلَّمة، يقول أبو الوفاء ابن عقيل (ت ٥١٣ هـ): «أجمع العقلاء على أنَّه ما وَرد الشَّرع بما يخالف العقل» (١). وأَمَّا أن يَرِدَ البرهانُ النَّقليُّ بِما لم يَدُلَّ عليه العقلُ: فهذا مُتَحقِّق، ولا مُعارضة حينئذٍ؛ لأنَّ الكلامَ إنَّما هو في دليلٍ نقليٍّ يؤدِّي مَفهومًا على خلافِ الضَّرورةِ العقليَّةِ، لا فيما يختصُّ به الدَّليل النَّقلُّي دون العقليِّ، مِمَّا يَعزُبُ عن العقل الدَّلالة عليه؛ لخروجِه عن مَجَالِهِ (٢)، فعندئذٍ لا يَدلُّ عليه ولا يَنفيه على السَّواء. ذلك أنَّ العقلَ عندنا مَعاشر المسلمين «مَحكومٌ أوَّلًا بطبيعتِه، طبيعةِ أنَّه مخلوقٌ حادثٌ، ليس كُليًّا ومُطلقًا، ليس أوَّليًّا ولا أبَديًّا، ومِن ثَمَّ فإنَّ إدراكَه لابدَّ أن يكون محدودًا بما تحدُّه به طبيعتُه. ثمَّ هو محدودٌ بوَظيفتِه، وظيفةِ الخلافةِ في الأرضِ، لتحقيقِ معنى العبادة فيها، ومِن ثمَّ فقد وُهِب مِن الإدراكِ ما يُناسب هذه الخلافةَ بلا نقصٍ ولا زيادة، وهناك أمورٌ لا يحتاج إليها في وظيفتِه هذه، ومِن ثمَّ لم يُوهَب القدرةَ على إدراكِ ماهيةٍ أو إدراكِ كيفيَّةٍ، وإنْ كان مَوهوبًا أن يُدرِك إمكانَها» (٣)، فتكون الدَّلالةُ على ذلك في مثل هذا المَقام مُقتصرةً على الدَّليلِ النَّقلي. وإنَّما تَتحقَّق المنافاة بين نَقْلٍ مَنحولٍ وعقلٍ صَريح، أو بين عَقْلٍ مَدخولٍ وبين نقلٍ صحيح -وهذا الصِّنف مِن التَّعارُضِ هو المُراد تناولُه في هذه الدِّراسة لِما استُشكِل مِن أحاديثِ «الصَّحيحين» -.

стр. 119

يقول ابن تيمية في حقِّ كثيرٍ من أهل الكلام والفلسفةِ: «هؤلاء مُضطَرِبون في مَعقولاتهم أكثرَ مِن اضطرابِ أولئك في المَنقولاتِ، تجِدُ هؤلاء يقولون أنَّا نعلمُ بالضَّرورةِ أمرًا، والآخرون يقولون نعلمُ بالنَّظرِ أو بالضَّرورةِ ما يُناقِضُه! وهؤلاء يقولون العقلُ الصَّريحُ لا يَدلُّ إلَاّ على ما قُلناه، والآخرون يُناقضوهم في ذلك! ثمَّ مَن جَمَع منهم بين هذه الحُجَج، أدَّاه الأمرُ إلى تكافؤِ الأدلَّة، فيبقى في الحيرةِ والوقفِ أو إلى التَّناقض، وهو أن يقول هنا قولًا، ويقول هنا قولًا يُناقضه، كما تجد مِن حالِ كثيرٍ مِن هؤلاء المُتكلِّمين والمُتفلسفة، بل تجدُ أحدَهم يجمَعُ بين النَّقيضين، أو بين رَفعِ النَّقيضين -والنَّقيضان اللَّذان هما الإثباتُ والنَّفيُ لا يجتمعان ولا يَرتفعان-، بل هذا يُفيد صاحبَه الشَّكَ والوقفَ، فيَتَردَّد بين الاعتقادَين المُتناقضين: الإثباتِ والنَّفي، كما يَتَردَّد بين الإرادتين المُتناقِضَتين. وهذا هو حالُ حُذَّاق هؤلاء، كأبي المَعالي، وأبي حامد، والشِّهرستاني، والرَّازي، والآمدي، وأمَّا ابنُ سِينا وأمثاله: فأعظمُ تناقضًا واضطرابًا، والمُعتزلة بين هؤلاء وهؤلاء في التَّناقضِ والاضطرابِ، وسَبَبُ ذلك: جَعلُ ما ليس بمَعقولٍ مَعقولًا، لاشتباهِ الأمرِ ودِقَّة المَسائل، وإلَاّ فالمَعقولاتُ الصَّريحةُ لا تَتَناقض، والمَنقولاتُ الصَّحيحةُ عن المَعصوم لا تَتَناقض» (١). فبانَ أنَّ نفسَ العقلَ المَقول بأوَّليَّتِه غيرُ مُنضبِطِ المَعالِم لدى أَصحابِه، إذْ كلُّ طائفةٍ قد أَصَّلَت لها أُصولًا بِدعيَّةً، جعَلَتها عَقْلًا تَتَمعْقلُ به على الأحاديثِ النَّبويَّة، فما وافقها قُبِلَ، وما خالفها رُدَّ. وهذه الأُصول قد دَرَج عليها المُتأخِّرون مِمَّن انتحَلَ طريقتَهم، إلَاّ أنَّ فِئامًا منهم -كمحمَّد عبدُه- لم تكُن المَركزيَّة لديهم لعقلٍ واحدٍ، وهو العقلُ المُستبطِن أُصولَ الطَّائفة، بل أَصبحَ العقلُ لديهم مُرَكَّبًا مِن ذلك مع ما استَوْلَدَه الفِكرُ البَشريُّ مِن نَظريَّاتٍ عِلميَّةٍ، ثبتَ بعضُها، ولم يَرْقَ كثيرٌ منها إلى رُتبةِ الحقائقِ

стр. 120

المقطوعِ بها؛ مِمَّا آلَ إلى توسيعِ دائرةِ المُناقضةِ للدَّلائلِ الشَّرعيَّةِ عند المُعاصرين (١). ولهذا كان فتحُ البابِ لنقدِ متون الأحاديثِ بمُجرَّد النَّظر العقليِّ الَّذي لا نعرف له ضابِطًا، والسَّيرُ في ذلك بخُطًى واسعةٍ حسبِ ذوقِ النَّاقِدِ وهَواه، أو حسب استيرابه النَّاشِئ -في الغالبِ- عن قلَّةِ اطِّلاعٍ وقِصرِ نَظرٍ؛ إنَّ فتح هذا الباب لمثلِ هؤلاء «يؤدِّي إلى فوضى لا يعلَمُ إلَّا الله مُنتهاها، وإلى أن تكون السُنَّةُ الصَّحيحة غيرَ مُستقرَّةِ البُنيان، ولا ثابتة الدَّعائم؛ ففُلانٌ يَنفي هذا الحديث، وفلانٌ يُثبته، وفلانٌ يتوقَّف فيه، كلُّ ذلك لأنَّ عقولهم كانت مُختلفةً في الحُكمِ والرَّأي والثَّقافة والعُمق، فكيف يجوز هذا؟!» (٢). والواقع يشهدُ: أنَّ اتِّفاقَ أَهلِ الحديثِ على صِحَّةِ خبَرٍ مُحْكَمٌ لم ينكسِر، إذْ لم نَرَ لهم نِزَاعًا فيه بعد اتِّفاق؛ على ضِدِّ حالِ المُعترِضين على الأخبار المُتلقَّاة بالقَبول، فإِنَّ النِّزاع فيما يَدَّعون أنَّه مِن بدائه العقول قائمٌ، واتِّفاقهم هذا مُنْثَلِمٌ لم تتحقَّق له صورةٌ تُصدِّقه؛ فليس مِن (بديهةِ العقل) نَبْذُ عِصمةِ الاتِّفاق، والتَّعلُّق بأذيالِ الافتراق! نعم؛ قد يَقَع التَّصريحُ مِن بعضِ المُعتَبرين من أهل العلم بأنَّ مأخذَ رَدِّه للحديثِ الصَّحيحِ على رسمِ أهل الحديثِ مُخالفتُه لدَلالةٍ عقليَّةٍ عنده، لكن رَدُّ الأحاديث بهذا المأخذِ وحدَه -لنُدُورِ وقوعِه مِن المُنتسبين للسُّنةِ والجماعةِ- لا يُمكنُ أن يُعَدَّ قانونًا مَنظومًا مِن كُلِّياتِ مَنهجِ أهلِ السُّنةِ. ولا يُعرَف الرَّدُّ بهذا المَسلكِ عن أئمَّةِ أهلِ السُّنةِ المتقدِّمين كما عند المُتأخِّرين، والارتكازُ على هذا المَسلكِ أصالةً لا يكون إلَّا غلَطًا محضًا، وعُدولًا عن السَّنَن الأبينِ الَّذي سار عليه جهابذةِ الإسلام.

стр. 121

وعليه، فإنَّ هذه المَنقولات عن بعضِ أعيانِ أهل العلمِ المُنتسبين للسُّنة، الَّتي تَرِدُ مُشاغِبةً لِما استقرَّ عليه الإجماع، أو دَلَّت عليه النُّصوص، والَّتي يَتقاطع فيها قولُ مَن عُلِم فضلُه في العِلمِ بقولِ أصنافِ المُبتدعةِ والمُستَغرِبين، فيقعُ الاتِّفاق في النَّتيجة أو لوازِمها، ويقع الافتراق في الأصل المَعرفيِّ المُنطَلقِ منه: تستلزِم مِن النَّاظرِ تحقيقَ نسبةِ القولِ إلى قائِلها أوَّلًا. ثمَّ بيانَ مأخذِ المُخالفةِ ثانيًا. ثمَّ بيانَ الاختلافِ في المَقاصدِ عند التَّوافقِ الجُزئيِّ، لدفعِ مَعَرَّةِ التَّوافق الكُلِّي، ثالثًا (١). الفرع الثَّالث: نقد أساسِ القانونِ العَقليِّ الكُلِّي المُجافِي للدَّلائلِ النَّقليَّةِ. أسَسَّ الفَخْر الرَّازي قانونَه الكُلِّي على فكرة إمكانِ التَّعارضِ بين الدَّلالةِ العقليَّة والظَّاهِرِ الشَّرعِيِّ، ثمَّ جَعلَ الغَلَبةَ والتَّقديمَ عند حصول ذلك للدَّلالةِ العقليَّة، وأقصى به الظَّاهرَ الشَّرعي بنفيِ كونِه مُرادًا للشَّارع، أو بالطَّعن في صدقِ نِسبَتِه إن تَعذَّر عليه تأويلُه. وفي بيان هذا القانون الكليِّ، يقول: «اِعلم أنَّ الدَّلائلَ القطعيَّة العقليَّة إذا قامَت على ثبوتِ شيءٍ، ثم وَجدْنا أدلةً نقليَّةً يُشْعِرُ ظاهرُها بخلافِ ذلك، فهناك لا يخلو الحالُ مِن أَحدِ أمورٍ أربعةٍ: ١ - إمَّا أن يُصَدَّق مُقتضى العقل والنَّقل، فيلزم تصديقُ النَّقيضين، وهو مُحال. ٢ - وإمَّا أن يُبطَلَ، فيلزم تكذيبُ النَّقيضين، وهو مُحال. ٣ - وإمَّا أَن تُصدَّق الظَّواهر النَّقليَّة، وتُكذَّب الظَّواهر العقليَّة، وذلك باطلٌ؛ لأنَّه لا يمكننا أن نعرف صِحَّة الظَّواهرِ النَّقليَّة إلا إذا عَرَفنا بالدَّلائلِ العقليَّة إِثباتَ

стр. 122

الصَّانع وصفاتِهِ، وكيفيَّة دلالة المُعجزة على صدقِ الرَّسول ﷺ ، وظهورِ المُعجزات عليه. ٤ - ولو جوَّزنا القَدْحَ في الدَّلائلِ العقليَّةِ القطعيَّةِ؛ صارَ العقلُ مُتَّهمًا غير مَقبول القولِ في هذه الأصول؛ وإذا لم نُثبِت هذه الأُصول، خَرَجت الدَّلائلُ النَّقليَّة عن كونِها مُفيدةً. فثبتَ أنَّ القَدْحَ لتصحيحِ النَّقلِ، يُفضي إلى القَدْحِ في العقلِ والنَّقل مَعًا، وأَنَّه باطل. ولمَّا بَطلت الأَقسامُ الأربعةُ، لم يبقَ إلَاّ أن يُقطع بمُقتضى الدلائلِ العقليَّة، القاطعةِ بأنَّ هذه الدَّلائلَ النَّقليَّةَ إمَّا أن يُقال: غيرُ صحيحةٍ، أو يُقال: إنَّها صحيحة، إِلَّا أنَّ المُراد منها غيرُ ظواهرها» (١). ثمَّ جاء المُعاصرون بعده بقرونٍ على غرار واحدٍ، يَطَؤُون مَواقع قدمِ الرَّازي في هذا القانون، ويتحجَّجون به في غاراتهم على أحاديث «الصَّحيحين». فهذا (حَسن عَفانة) يقول في تقدِمة كتابه العابثِ بهما: « .. لقد التزَمتُ بهذا القانون، أي جَعلتُ العقلَ للرَّبط، لا للاستدلال به، وقد رَددتُّ بعضَ الأخبارِ متنًا بناءً على ذلك» (٢). وذاك (سامر إسلامبولي)، يُقرِّر في توطئة تسويدٍ له سَبْقَ العقلِ على «النَّقل، فالنَّقل نِتاجٌ لتفاعلِ العقلِ مع الواقع، ممَّا يؤكِّد هيمنةَ العقل، وسيادته على النَّقل» (٣). وقبلهما (حَسنُ التُّرابي)، الَّذي حينَ أنكرَ ما استقرَّ عليه عَقد أهل السُّنة من نزولِ المَسيحِ ﵇ آخرَ الزَّمان، فقيل له في صِحَّة الأحاديثِ في ذلك، أجاب

стр. 123

قائلًا: «أنا لا أُناقِشُ الحديثَ مِن حيث سَندُه، وإنَّما أراه يَتَعارض مع العَقلِ، ويُقَدَّم على النَّقلِ عند التَّعارض .. » (١). فالمُتأمِّل في قانونِ الرَّازي ومَن اقتفرَ أثرَه فيه، سيَتَحرَّر لديه ما كُنَّا نبَّهنا عليه سابقًا، مِن أَنَّ مَنشأ الغلَطِ مُتأتٍّ مِن جهةِ اعتقادِهم إِمكانَ حصولِ التَّعارضِ بين الدَّلالتين؛ وهذا الاعتقادُ باطل، تمحَّض للنَّاظر بطلانُه مِن طريقين: الطَّريق الأول: نَفيُ التَّسليمِ بأصلِ إمكانِ التَّعارضِ: وهذا المَسلك تقدَّم تقريره إجمالًا (٢)؛ ذلك أنَّ الدَّليلَ العقليَّ ما هو إلَّا جزءٌ مِن مفهومِ الدَّليلِ الشَّرعيِ، شاهدٌ على صدقِ البراهين النَّقليَّة، فيمتنع وقوعُ التَّناقض بينهما؛ لأنَّ بُطلان الدَّليلِ مُستلزمٌ بطلانَ المَدلول. والطَّريق الثَّاني -على تقدير صحَّة الأصل السَّابق-: مَنعُ الحصرِ في التَّقسيمِ الَّذي رَسَمَه الرَّازي في قانونِه: فيُقال: إنَّ التقديمَ للدَّلالةِ العقليَّة عند التَّعارض لا يجوز أن يكون بالنَّظرِ لِجهةِ ورُودِها؛ بل لجهة اتِّصَافِها بالقَطْعِ! فإنَّ الدَّليل السَّمعي يكون قَطعيًّا أيضًا في مَوارِدَ عِدَّة، كما أنَّ الدَّليل العقلي يكون ظنِّيًا في مَواردَ عدَّة، ومَنْ نَفَى ذَلك فإنَّما يُخبر عن جَهْلِه، لا بما هو ثابتٌ في نفسِ الأمرِ. فأمَّا ما زعمه الرَّازي مِن حَصْرِ الدَّليل النَّقليَّ في الظَّنيَّة: فإنَّ اتِّفاقَ علماءِ الأمَّة على تَصحيحِ الخَبرِ دافعٌ للاستدراكِ على صِحَّتِه؛ لأنَّ العِصمةَ المُحصَّلة مِن الاتِّفاقِ أقوَى مِمَّا يُظَنُّ أنَّه يقينٌ عقليٌّ؛ وذلك أَنَّ إِجماعَ أهلِ الحديثِ واقعٌ على أمرٍ شَرعيٍّ، فيمتنع أَن يكون إجماعًا على خَطأٍ؛ فكان الصُّدور عن أحكامِهم ونَظرِهِم للأَخبارِ، هو القَدْر المتحتِّمُ لزومُه على منَ ليس مِن أَهلِ هذه الصِّناعة الشَّريفة.

стр. 124

وسيأتي تفصيل لهذا الأصلِ المَكينِ في موضِعِه مِن هذا البحث. وأمَّا ما قاله بخصوص الدَّليل العَقليِّ: فليس النَّظر العَقليُّ مِيزانًا دَقيقًا رِياضيًّا لا يختلِفُ النَّاس في أحكامِه حتَّى يكون قطعيًا بالاطِّراد، «لاحتمالِ عدمِ انتفاءِ القوادِحِ على الواسطةِ بين المُقدِّماتِ ونتائجِها، فيكون مَنْبعُ الزَّللِ مِن جهةِ تحقيقِ مَناطِ المُقدِّمة المُتيقَّنة على نتيجتِها وفرعِها» (١). وفي نفي هذا الاطِّراد يقول ابن تيميَّة: «ما يُسمِّيه النَّاس دليلًا مِن العقليَّاتِ والسَّمعياتِ، ليس كثيرٌ منه دليلًا، وإنَّما يظنُّه الظَّانُ دليلًا، وهذ مُتَّفق عليه بين العُقلاء» (٢). ثمَّ إنَّ النَّاس ليسوا يَتأثَّرون بالمنطقِ العِلميِّ الصَّارِم فقط حتَّى نقول بقطعيَّة كلِّ أحكامه! فعقلُ الإنسانِ لا يعمل بهذه الطَّريقة الآليَّةِ البحتَة، فإنَّ «العَقل المُبرَّأ مِن النَّقصِ والهَوى لا وجود له في دُنيا الواقع، وإنَّما هو مِثالٌ» (٣). بل أكثرُ العقولِ إنَّما تَتَأثَّر بخبرةِ الإنسان، وعاطِفَتِه، وهَواه، وبَيئتِه، وتَعصُّبِه لطائِفتِه، ويَعتري نفسَ العقلِ الذُّهولُ والغفلة، وتُؤثر فيه الضُّغوط والمُتغيِّرات، وعوامِلُ كثيرةٌ تَتَدخَّل في طريقةِ تفكيرِه، شَعَر صاحبُه بذلك أم لم يشعُر؛ ما يجعلُ الإنسانَ يُغيِّر رأيَه في كثيرٍ مِن القَضايا، بعد أن كان يَرى رأيَه الأوَّل فيها عَينَ العقلِ! و «إذا أرادَ الله أن يُزيلَ عن عبدٍ نِعمةً، كان أوَّلَ ما يُغِيِّر منه عَقلُه» (٤). وعلى مثلِ عقولِنا النَّاقصةِ هذه يَصدُق بَليغُ قولِ أبي حيَّان التَّوحيديِّ (ت ٤٠٠ هـ) (٥): «أين يُذهَب بهؤلاء القوم؟ أمَا يعلمون أنَّه كما يرِدُ على

стр. 125

العَينِ ما يَغشى بصَرَها مِن نورِ الشَّمس، كذلك يَرِد على العقلِ ما يَغشى بَصيرَتَه مِن نورِ القُدس؟! ما أحوجَ هؤلاء المُدلِين بعقولهِم، الرَّاضين عن أنفسِهم، العاشِقين لآرائِهم، أن يُنعِموا النَّظر، ويُطيلوا الفِكر، ولا يسترسلوا مع السِّانح الأوَّل، ولا يسكنوا إلى اللَّفظِ المُتأوَّل، ولا يعولوا على غير مُعوَّل» (١). نعم؛ إنَّ الله تعالى وإن جَعَل للعقولِ مَوازين فِطريَّةً دقيقةً، لكنَّ النُّفوسَ تعبَثُ بها بأهوائِها، فتنسِبُ رَغباتِها ومَألوفاتِها إلى العقل؛ فتراها بهذا تَقفِزُ على الحقائِق، وتَتَجاهلُ مُقدِّماتِها، وتَتَعسَّف في تأويلِ ما لا يَروقُها تصديقُه، لتصِلَ إلى النَّتيجة الَّتي تَشتهيها، وإن كانت باطِلةً، ثمَّ تُسمَّي هذا عقلًا! فانظر إن شئت حالَ يَهودٍ في القرآن، كيف تَواصَوا على كَتمِ ما عَلِمُوه مِن نُبوَّةِ محمَّدٍ ﷺ إذ قالوا: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٦]! فجَعَلوا طمسَ ما عَلِمُوا مِن الحقِّ عين التَّعقُّل -وهو عَينُ الحُمقِ والسَّفَه! - والإنكارَ على مَن أفشَى الحقائقَ بأنَّه لا يَعقِلُ. وبه تَعلمُ العلَّة من تَسميةِ السَّلفِ لضُلَّالِ المُبتدِعةِ بـ (أهلِ الأهواء)، لأجل «غَلَبةِ الهَوى على عقولهِم، واشتهارِهم به» (٢). من هذا يتحصَّل: أنَّ المُطالبة بتهذيب النُّفوسِ أوْلى وآكدُ من تصحيح العقول، ذلك أنَّ العقل المُجرَّد مُنصِفٌ لكن إن تَرَكته النَّفس! ولم تدُسَّ فيه هَواها، وبذا تُدرك سِرَّ كثرة مدح الله للعقلِ وذمِّه للنَّفس (٣)! إذا تَقرَّر هذا: فإنَّه لا مَحيد عن القول بأنَّ كِلَا الدَّليلين -العقليِّ والنَّقلي- تَعْتوِرُهما القطعيَّةُ والظَّنيَّةُ، فلا تُحصَر القطعيَّة في الدَّليل العقليِّ، ولا الظَّنية إلى الدَّليل النَّقلي؛ بل لا يخلوا الحالُ مِن أنْ يكون الدَّليلان: إمَّا قطعيَّان، أو ظنِّيَّان، أَو أحدهما قطعيٌّ، والآخر ظَنيٌّ.

стр. 126

فإن كانا قَطعيَّين: فإنَّه يمتنع حصولُ التَّعارض بينهما، لاستلزام ذلك الجمعَ بين النَّقيضين، وهو غير جائز (١). وإن كانا ظَنِّيَين: فيُلْتَمَس ترجيحِ أحَدِ الدَّليلين بمُختلف أدوات التَّرجيح المُمكنة، فأيُّهما تَرجَّح بها، كان هو المُقدَّم. وأمَّا في حالةِ كونِ أحَدِ الدَّلِيلَيْن قَطعِيًّا والآخر ظنِّيًا: فإنَّ التَّقديمَ حاصلٌ للقَطعيِّ منهما، سواءٌ كان سَمعيًّا أو عقلِيًّا (٢). وبهذا التَّقرير، يَتبينُ ما تأسَّس عليه تقسيمُ الرَّازي مِن مُغالطة، ناشئة عن نظرِه إلى نوعِ الدَّليل، لا إلى مَرتبتِه في درجاتِ العلمِ؛ وكان الصَّوابُ أن يَتَّجه هذا النَّظرُ إلى درجةِ الدَّليل مِن حيث إفادتُه للقطعِ أو الظَّنِ (٣). وبنفسِ هذا البيان المُفصَّل يتبيَّن -في المُقابل- غلَطُ مَن جعلَ مذهبَ السَّلَفِ عند التَّعارضِ: تقديمَ النَّقلِ على العقلِ؛ وهذا التَّقرير فاسِدٌ أيضًا! وهو وَهمٌ تَسَرَّب في كتاباتِ بعضِ المُعاصِرين (٤)، ناتج عن فهمِ خاطئٍ لكلامِ ابن تيميَّة مُنتَزعٍ مِن سياقاتِه؛ إذ لم يكُن مُراد ابن تيميَّة تقريرَ أصلٍ حين عبَّر أحيانًا بتقديم النَّقل على العقل، بل كان منه مُجاراةً للخَصْمِ في مَقام جَدلٍ، وتَنزُّلًا للرَّازي بصِحَّةِ التَّعارضِ، ليتوصَّل به إلى نَقضِه بكونِ خبر الصَّادق المَصدوقِ ﷺ أولى بالتَّقديمِ. فإنَّه بعد كلامٍ طويلٍ في مُناقشته قال: « .. فإنَّا في هذا المقامِ نتكلَّم معهم بطريقِ التَّنزُّلِ إليهم، كما نَتنزَّل إلى اليهوديِّ والنَّصرانيِّ في مُناظرتِه، وإن كُنَّا عالمِين ببُطلانِ ما يقولُه .. » (٥).

стр. 127

وحاصل القول في هذا المَبحث أن يُقال: إنَّ غَلطَ عامَّة القائلين بهذه القِسمة الخاطئة لما هو قطعيٌّ وظنيٌّ من دلائل العقل والنَّقل: ناجمٌ عن نقصِ تشرُّبٍ لدلائلِ الشَّريعة، فما عادَت تُفيد في قلوبِهم ذاك اليقينَ الَّذي تُفيدُه الدَّلائل العَقليَّة الَّتي أقبلوا عليها؛ مِمَّا أدَّى بهم إلى مَزيدٍ مِن الإعراضِ عن أخبارِ الآحادِ، ومِن ثَمَّ استسهلوا رَدَّها لأدنى شُبهةِ مُخالفةٍ لتصوُّراتهم. فالخطرُ كلُّ الخطر، أن تكون سُنَن النَّبي ﷺ في نَظر المسلمين تابعةً لعقولهم المُتنافرة، والخيرُ كلُّ الخير في أن يكون الدِّين بسُنَّةِ رسولِه ﷺ حاكمًا، والعقل مُفسِّرًا ومُبيِّنًا، مَخلوقًا ليَسير خلفَه، لا ليُواجِهَه؛ فإنَّ مَثَل العقلِ كالبَصَر، ومَثل السُّنة كالضِّياء، فإذا واجَه البَصر الضِّياءَ احترقَ وعَمِي، وإذا استضاءَ به انتفعَ. وإنِّي لأضمنُ لإخواني من أحباب رسول الله ﷺ ، أنَّهم إن ساروا وراء سُنّته تفقُّهًا على أصولِ فقهاء الأمَّة، ثمَّ أحسنوا تنزيلَها على واقِعهم بالحكمةِ وحُسنِ السِّياسة: أنَّه يتمُّ لهم كلُّ شيء، ويبلغوا ما يُريدونه مِن الجامعتين الدِّينيَّة والسِّياسيَّة، كما تَمَّ لأسلافِهم في العهدِ الأوَّل؛ والله الهادي لا إله إلَّا هو.

стр. 128

الباب الأول أشهرُ الفِرَق المُعاصِرة الطَّاعِنة في أحاديثِ «الصَّحيحين» ونقدُ أصولِها وأبرزِ كِتاباتِها في ذلك * الفصل الأوَّل: الشيعة الإماميَّة، ومَوقِفهم مِن «الصَّحيحين». * الفصل الثَّاني: القرآنيُّون مُنكِرو السُّنة، ومَوقفهم مِن «الصَّحيحين». * الفصل الثَّالث: العَلمانيُّون، ومَوقفهم من «الصَّحيحين». * الفصل الرَّابع: العقلانيُّون الإسلاميُّون، ومَوقفهم مِن «الصَّحيحين».

стр. 129

الفصل الأول الشِّيعة الإماميَّة وموقفهم من «الصَّحيحين» تمهيد: الشِّيعَة الإماميَّةُ عَلَمٌ على مَن دانَ بوجوبِ الإمامةِ بعد النَّبي ﷺ ، ووُجوبِ وجودِها في كلِّ زَمانٍ، وأوجبَ النَّصَ الجَليَّ والعِصمةَ والكمالَ لكلِّ إمامٍ، ثمَّ حَصَر الإمامةَ في وَلدِ الحُسين بن علي ﵁، وساقَها إلى حفيدِه علي بن موسى (١). ومسألة الإمامة، وإن كانت مُشتركةً بين فِرَق الشِّيعة في الجُملة، حتَّى أُطلقَ قديمًا لقبُ «الإماميَّةِ» عليهم جميعًا (٢)؛ إلَّا أنَّه اشتهرَ عند المتأخِّرين عَلمًا على الشِّيعةِ الاِثْنَي عَشريَّة خاصَّة (٣).

стр. 130

المَبحث الأوَّل المَسار التَّاريخي لنقد الإماميَّة لمُدوَّنات الحديث عند أهل السُّنة المُتتبِّع للخطِّ التَّاريخيِّ لردودِ الإماميَّةِ على «الصَّحيحين»، يجدُ أنَّ مَسلْكَهم في إثارةِ الشُّبهاتِ حولهما قد مرَّ بثلاثِ مَراحلِ، تتبيَّن في الآتي:

стр. 131

المَطلب الأوَّل مراحل الإماميَّة في ردِّها لصِحاح أهل السُّنة المرحلة الأولى: اتَّسمَت بطابعَ الرَّدِ العامِّ لمنهجِ أهلِ السُّنةِ في تَلقي المَرويَّاتِ الحديثيَّة: وهذا المَسلكُ مَيسَمٌ في النَّقدِ عند المُتقدِّمين منهم بخاصَّة، حتَّى صارَ كالتَّمهيدِ لمِا أتَى بعده مِن مَراحلِ النَّقدِ التَّفصيليَّة (١)؛ مُتفرِّعٌ عند الإماميَّة عن أصلِ اعتقادِهم برِدَّةِ رُواتِها مِن الصَّحابةِ وأتباعِهم، لا يستَثنون منهم إلَّا النَّزرَ القليلَ (٢). المرحلة الثَّانية: الطَّعن في دواوينِ الحديثِ، وطريقةِ تصنيفِها، وإبداء ما يَزعمُونه مِن عيوبٍ فيها، ومن جملتها «الصَّحيحان»: وكان ذلك مِن خلالِ إشاراتٍ ومَباحث مُستقلِّة ضمنَ مُصنَّفاتٍ لهم عامَّة؛ فكان مِن مُقدَّميهم في هذا النَّوعِ من الرُّدود: عليُّ بن يونس البَياضيُّ (٣) (ت ٨٧٧ هـ)،

стр. 132

وهو أقدمُ مَن علمتُه تَوثَّبَ على «صحيح البخاريِّ» بالتَّعليلِ بشيءٍ مِن التَّفصيلِ، وذلك في بعضِ فصولِ كتابِه «الصِّراط المُستقيم لمُستحقِّي التَّقديم». فكان مِمَّا قالَه في حقِّ البخاريِّ: «ما رأينا عند العامَّة أكثر صيتًا، ولا أكثر درجةً منه، فكأنَّه جيفةٌ علَت! أو كلفة غشت بدرًا! كتَم الحقَّ فأقصاه، وأظهرَ الباطلَ وأدناه .. وإنَّما شاعَ كتابُه لتظاهرِه بعَداوةِ أهلِ البيتِ، فلَمْ يَروِ حديثَ (الغَدير) مع بُلوغِه حَدَّ الاشتهار» (١). ومِن بواعثِ مُحاولةِ الإماميَّة الطَّعنَ في دواوينِ الحديثِ في هذه المَرحلة: ما كان انبرَى له تقيُّ الدِّين ابن تيميَّة (ت ٧٢٦ هـ) مِن جَوسِ ديارِهم بثَقيلِ وَطْأتِه على أصولِ مَذهبِهم، وإثخانِه في الطَّعنِ على مُصَنَّفاتِهم، وفضحِ الخَللِ المَهولِ في نَقلِ مَرويَّاتِهم، فنقموا بذلك عليه نقمةً خاصَّةً مع كثرةِ مَن رَدَّ عليهم مِن أهلِ السُّنةِ، بل في علماء السُّنة مَن بلغَ أن كَفرَّهم واستحَلَّ دماءَهم بما لا يُجِيزه ابن تيميَّة فيهم! ومع ذلك كانت أغلب سهامهم موجَّهةً إليه هو بخاصَّة، لعِظَمِ نِكايتِه في مَذهبِهم، وكشفِ مَعايِبِه وتناقُضاتِه للعامَّةِ (٢). فذبًّا عن ذِمار طائفتهم، لم يكُن لمَلَالي الرَّافضة مِن بُدٍّ إلَّا الهجوم على مَرويَّاتِ أهلِ السُّنةِ، مع اعترافِهم المَرير بأنَّ (علمَ الحديث) باصطلاحاتِه وتقعيداتِه، لم يكن معروفًا عند مُتقَدِّمي عُلمائهم، بل مُستعارًا مِن علومِ أهل السُّنةِ (٣)، مُستحدَثًا في زَمنِ ابنِ المُطهَّر الحِلِّي (ت ٧٢٦ هـ) (٤)، بعد أن اضطرَّه

стр. 133

نقضِ ابن تيميَّة لعُرَى كتابِه «منهاجِ الكَرامة» (١)، لتسويدِ كتابين في الحديث: «استقصاء الاعتبار»، و «مصابيح الأنوار» (٢). فلا غرو إن وجدنا بعدُ من كِبار شيوخِهم مَن يجعل غرض التَّأليف في هذا الفنِّ مُجرَّد التَّوقيّ مِن اتِّخاذِ مَذهبِهم مَسخرةً بين الخصومِ، ودفعًا لتعييرِ أهلِ السُّنة لعُلمائِهم، لا رغبةً أصيلةً في نقدِ مَرويَّاتِ أئمَّتِهم! ترى هذا الإقرار في مثل قول الحرِّ العامِليِّ (ت ١١٠٤ هـ) (٣) في سياقِ كلامِه عن أسانيد الإماميَّة: «إنَّه طريقٌ إلى روايةِ أصلِ الثِّقة، الَّذي نُقل الحديث منه، والفائدةُ في ذكره: مُجرَّدُ التَّبركِ باتِّصالِ سلسلةِ المُخاطبةِ اللِّسانيَّة، ودفعِ تعييرِ العامَّةِ للشِّيعة! بأنَّ أحاديثَهم غير مُعنعَنة، بل منقولةٌ مِن أصولِ قدمائهم» (٤). فكان مِن نَتاجِ هذه المَقاصد المذهبيَّة: أنْ اهتمَّ الإماميَّة بعلومِ الرِّوايةِ والرَّجالِ وتقسيماتِ الحديث، مِن بعد القرن الثَّامن بخاصَّة، بدءً من محاولةِ ابنِ المطهَّر في كتابِه «خلاصة الأقوال في معرفةِ الرِّجال»، إذ كان أمثلَ من يُظنُّ فيه

стр. 134

المقدرة على الكلام في هذه العلوم الدَّقيقة؛ مع أنَّ بضاعتَه في الحديثِ ورجالِه مُزجاة! وبعيدة عن ما اختصَّ به من العلومِ العقليَّة والكلاميَّة. ومع كلِّ هذه الجهود في ترميم صدوعِ المَرويَّات الإماميَّة، وتحصينها من ردود أهل السُّنة، إلَّا أنَّ فريقًا من الطَّائفة المتأخِّرين -خاصَّة الإخباريِّين- أبَوا إلَّا النُّفورعن هذا العلمِ التَّوثيقيِّ، لأجل ما يسبِّبه من حرجٍ شديدٍ للأصولِ النَّقليَّة الَّتي ابتُني عليها المذهبِ بعامَّة؛ فهو مؤذِنٌ بخرابِ مراجِعهم الأثريَّةِ، ومُستلزمٌ عند العَامِليِّ لـ «ضعفِ كلِّ الأحاديث عند التَّحقيق» (١)، وردِّ أكثرِ ما ينسبونَه إلى أئمَّةِ أهل البيت زورًا وبُهتانًا. وشَهِد شاهدٌ مِن علماء النَّقل عندهم على ذلك! محمَّد باقر البَهبُودي (٢) (ت ١٤٣٦ هـ) يذكرُ في مُقدِّمة كتابه «صحيح الكافي» -المُسمَّاة «زُبدةَ الكافي» - من حصيلةٍ نقديَّة هادمةٍ لكثيرٍ مِن مُرتكزاتِ المَذهب النَّقليَّة؛ حيث نَقَّح أحاديثَ هذا الأصل العظيم من أصول الإماميَّة، قد تعدَّت ستةَ عشر ألف حديثٍ، فأقرَّ بأنَّه حين طَبَّق عليها قواعد علمِ الرِّوايةِ والرِّجالِ، فأسقَطَ بها أحاديثَ الزَّنادقة والوَضَّاعين وأشباهَهم، لم يبقَ معه مِن الكتابِ إلَّا رُبُعه بالكثير! هذا و «الكافي» أصَحُّ كتابٍ حَديثيٍّ عند الإماميَّة؛ على ما في هذا الرُّبع نفسِه مِن انقطاعٍ، وجهالةِ رُواةٍ، ونحو ذلك مِن عِلل الأسانيد والمتونِ (٣). وإزاء هذه المُعضلات في الكتاب، لم يجِد أبو الحسَن الشَّعْرانيُّ (ت ١٣٩٣ هـ) (٤) ما يعتذر به له إلَّا أن يُراهن على سَذاجة قُرَّاءه بادِّعاء

стр. 135

«أنَّ أكثرَ أحاديثِ الأصولِ فيه ولو كانت غير صحيحةِ الإسناد، لكنَّها مُعتمَدةٌ، لاعتبارِ مُتونِها، ومُوافقتِها للعقائدِ الحَقَّة، فلا يُنظر في مثلها إلى الإسناد»! (١) لكن غيره كان أفطنَ في الجواب حين رأى التَّملُّصَ مِن هذا العلمِ بالمرَّةِ، أعني به ابنَ عصفور البَحرانيَّ (ت ١١٨٦ هـ) (٢)، حيث توعَّد مَن سَوَّلت له نفسُه من الشِّيعةِ الاعتبارَ بهذا العلمِ أن يسلَخَ عنه دينَ طائفتِه! فقال: «مَنهج التَّصحيح والتَّضعيف الَّذي وَضَعه المُتأخِّرون، إنْ طَّبقوه، لم يبقَ مِن حديثِهم إلَّا القليل .. والواجبُ إمَّا الأخذ بهذه الأخبار كما هو عليه مُتقدِّمو علمائنا الأبرار، أو تحصيل دينٍ غَير هذا الدِّين! وشريعةٍ أخرى غير هذه الشَّريعة!» (٣). وأمَّا المرحلة الثَّالثة من مراحل نقد الإماميَّة لدواوين السُّنة: ففيها تزيَّلت كتبٌ مُستقلَّةٍ في نقضِ «الصَّحيحين» والطَّعنِ في الشَّيخين، وكان للبخاريِّ وكتابه النَّصيبَ الأوفر من ذلك، لا تكاد تطَّلع على ورقةٍ مِن ردودِ مُتأخِّريهم على الحديث وأهله، إلَّا وجدتها مُغبرَّةً بخوض كاتبها في عِرْضِ البخاريِّ والاستهتارِ بـ «صحيحِه». وعامَّة طريقتِهم في الرَّد على الكِتابين قائمةٌ على استعارة شُبهاتٍ سَوالِفَ لمُتَقدِّميهم حول بعضِ الصِّحاح، وخلطِ ذلك بشُبَهٍ مُعاصرة من مُستحدثات عقولهم. وأرى أنَّ أوَّل ظهور لهذه المَرحلة في نقد «الصَّحيحين» في أوراق مُستقلَّةٍ، قد ظهرت في الإماميَّة أواخرَ القرن الثَّالث عشر (١٣ هـ)، بِما سَوَّده محمَّد عليِّ

стр. 136

عزُّ الدِّين (ت ١٣٠١ هـ) (١) في كتابه «تحيَّة القاري لصحيح البخاريِّ» (٢)، ثمَّ تبعه على رَصفِ المُؤلَّفات ورقمِ المقالات في ذلك كثيرٌ من كُتَّاب الحَوْزاتِ بعده إلى يومنا هذا.

стр. 137

المَطلب الثَّاني تباين أغراض الإماميَّة من دراسة «الصَّحيحين» هذا؛ وما تزال خصائص هذه المَراحل الثَّلاثة مستمرَّةً من جِهة التَّطبيق لطرائقها، بحيث لا نعدم لكلِّ مرحلةٍ مَن يُمثِّلها مِن كتابات مُتشيِّعة العَصرِ، على ما فيها من تداخل وترابط، بحيث تدعُم الحديثةُ منها أصولَ القديمةِ، مع اختصاصِ هذه المرحلة الأخيرةِ بغَزارةِ مُصَنَّفاتها، والانهماك في تتبُّع تفاصيل «الصَّحيحين» كما تَقدَّم. والَّذي يَتَتبَّع مَواقفَ الإماميَّة المُعاصرين مِن «الصَّحيحين»، سيستشعر تَبايُنًا بينهم في غرض تناولهما بالدِّراسة: ففريقٌ منهم: قد عُني بالتَّنقيبِ عمَّا يصلُح عاضِدًا لأصلٍ مِن أصول اعتقادِهم الباطلِ، ولو على وجهٍ مِن التَّعسُّفِ (١). وفريقٌ آخر -وهو المَعنيُّ بهذه الدِّراسة-: يحاولُ إسقاطَ الكِتابين عنوةً، والتَّفتيشَ عن مُتناقضاتِهما ممَّا يصلح شبهةً تُريب أهل السُّنة فيهما. وكان أوْلى بالقوم أن ينشغلوا بستر مُتناقضات أخبارهم مِمَّا أوْهاه رُواتهم الكَذَبة فأعياهم رقعُه، مِمَّا اضطرَّ شيخَ طائفتهم الطُّوسيَّ (ت ٤٦٠ هـ) (٢) للقيامِ

стр. 138

برأب شيءٍ من صدعِها في كتاب ضخمٍ، أقرَّ فيه برُكامِ المُتشاكسات المُثقَل بها تُراثهم مِمَّا عالجَه منها، قائلًا في تقدِمَتِه: «لا يكاد يتَّفق خبرٌ إلَّا وبإزائه ما يُضاده! ولا يسلم حديثٌ إلَّا وفي مُقابلته ما يُنافيه!» (١). فلم يجد هذا الطُّوسي ما يُسوِّي به زَيغَها، إلَّا بحملِ خمسمائة روايةٍ منها على أنَّها ما خرجت إلَّا مَخرج التَّقية! (٢)

стр. 139

المَبحث الثَّاني مَوقف الإماميَّة مِن الشَّيخين الأصلُ في المسلم السَّلامة مِن كلِّ بدعةٍ تعيبُ دينَه، ما لم يقُم دليلٌ صريح على صِحَّة ذلك فيه؛ وحين انحادَ النَّاس عن هذا الأصل لضعف التَّورُّع وتفشِّي الجهل، ابتُلي كثير مِن العلماءِ بتُهم شنعاء هم منها براءٌ. قد جرى مثل هذا على الشَّافعيِّ حين أُخرج من اليَمن بتُهمة التَّشيُّعِ للطَّالبيِّين (١). وكُبِس بعده بيت أحمد بدعوى أنَّ عَلَويًّا آوى إلى منزلِه، فهو يُبايع النَّاسَ له في الباطن (٢)! وتحاملَ على ابن جَريرٍ جَهَلةٌ من الحنابلةِ بدعوى تنقُّصِ إمامِهم وتشيُّعِه، وكانت تمنعُ مِن الدُّخول عليه (٣)، «فكثُروا، وشَغَّبوا عليه، ونالَه أذًى، ولَزِم بيتَه، نعوذ بالله مِن الهوى» (٤). ولا ريبَ أنَّ البُعد عن منهجِ التَّثبُّتِ، والتَّباعد عن اعتمادِ البراءةِ أصلًا في الحكم على العامَّة فضلًا عن خاصَّتهم من حَمَلة الشَّريعة، أحدثَ ذلك شروخًا

стр. 140

جسيمةً في جسدِ الأمَّة؛ يحكي ابنُ بطَّة (ت ٣٨٧ هـ) (١) شيئًا مِمَّا لاقاه مِمَّن يرمونَ الرَّجل بنقيضِ قصدِه، ويَلوُون عليه كلامَه، لغايةِ الحطِّ منه بمحضِ الافتراءِ والإيغال في العداوة، فكان يقول: « .. إنْ ذكرتُ في واحدٍ منها أنَّ الكتاب والسُّنة بخلافِ ذلك واردٌ، سمَّاني خارِجيًّا، وإن قرأتُ عليه حديثًا في التَّوحيد، سمَّاني مُشبِّها، وإن كان في الرُّؤية، سمَّاني سالمِيًّا، وإن كان في الإيمان سمَّاني مُرجئًا، وإن كان في الأعمالِ، سمَّاني قدَريًّا، وإن كان في فضائل أبي بكر وعمر، سمَّاني ناصبِيًّا، وإن كان في فضائلِ أهلِ البيت سمَّاني رافضيًّا .. » (٢). فنسأل الله السَّلامة مِن شَينِه سبحانه، وإلَّا فما أبعدَ السَّلامة من شَيْنِ النَّاس! وقد كان من جملة ما يُرمَى به علماء السُّنة جُزافًا: تُهمة الانحرافِ عن آلِ بيتِ نبيِّنا ﷺ وبغضهم، وهذه كسائر البوائق المُناقضة لأصل السَّلامة في المؤمنين، لا يحلُّ الشَّهادة بها على أحدٍ إلَّا ببرهانٍ كالشَّمس، كما قرَّر ذلك ابن الوزير اليَمانيُّ -وهو زَيديٌّ- في جميلِ قولِه: «الرَّميُ ببُغضِ عليٍّ ﵁ شديد، فلا تحِلُّ نسبتُه إلى مَن ظاهرُه الإسلام، إلَّا بعد صِحَّةٍ لا تحتمل التَّأويل» (٣). فلَكم تراشقَ بهذه الخُصماء لمُجردِّ التَّعيير والتَّنفير، فضَيَّعت لشُؤمها أوقارًا مِن علومِ الرِّجال! ترى شاهد ذلك في مثلِ قول قيس بن الرَّبيع (٤): «قدِمَ

стр. 141

قتادةُ (ت ١١٧ هـ) (١) الكوفةَ، فأرَدْنا أن نَأتيَه، فقيل لنا: إنَّه يُبغض عليًّا ﵁! فلم نَأتِه، ثمَّ قيل لنا بعدُ: إنَّه أبعدُ النَّاس مِن هذا! .. فأخَذنا عن رجلٍ عنه!» (٢). ويغلبُ على مَن تَهوَّر في نبزِ العلماء بهذه التُّهمة أن يكون باعثه على ذلك: حَسدُ أقرانٍ (٣)، أو خصوماتٌ عَقديَّةٍ -وهذا الأكثر-؛ يعتقد المُخاصِم فيها ضَلالَ خَصْمه، ووجوبَ بُغضِه، فيُغْرِيه ذلك بتصديقِ ما يُقال فيه من شنيعِ الأوصاف مِن غير تثبُّتٍ، ولا مُراعاة لحقوقِ الأُخوَّة، وقد يفتري هو عليه ذلك ابتداءً (٤)؛ كما قد فعلته الرَّافضة قديمًا في حقِّ علماء السُّنة، حتَّى قتَلوا منهم فريقًا (٥)، ونَجَّى الله آخرين (٦).

стр. 142

المَبحث الثَّالث رَميُ الشَّيْخَين بالنَّصبِ (١)، ونقض حُجَجِهم في ذلك سَعت كثيرٌ مِن الشِّيعة الإماميَّة للطَّعن في ديانة البخاريِّ ومسلم من خلال تهمة نصبهما لعَداوة آل البيت، تنفيرًا لشيعتِهم مِن تَصفُّحِ كِتابيْهِا، وحَنقًا على أهل السُّنة تراه باديًا في قبيح ما قاله نور التُّستُري (ت ١٠١٩ هـ) (٢) في حقِّهما: «إنَّما اعتبرَ المُتأخِّرون من أهلِ السُّنة هذين الأحمقيْنِ، المُقتصِرَيْن على حفظ ألفاظِ الحديث، وفضَّلوا كِتابيهما على سائر جوامعِ الحديث، كالنَّسائي والتِّرمذيِّ وأبي داود وابن حِبَّان وغيرهم: لِما علِموا فيهم الغلُوَّ في النَّصبِ، والانحرافِ عن أهل البيت، والتَّقليل مِن نقلِ مناقِبهم بالنِّسبة إلى غيرهما مِن المُحدِّثين» (٣). ولقد تَحجَّج الإماميَّةُ في إلزاقِ بدعةِ النَّصبِ بالشَّيخينِ بتُهَمٍ عديدة، يرجِع مجملها إلى ثلاثٍ: التُّهمة الأولى: كِتمانُ الشَّيخينِ لفضائلِ آل البيت.

стр. 143

التُّهمة الثَّانية: تركُ البخاريِّ الرِّوايةَ عن بعضِ كِبارِ آلِ البيتِ، أشهرُهم في ذلك جعفرٌ الصَّادق، مِمَّا يَنِمُّ عن عَداوتِه له، وغَمْطِه لعِلْمِه. التُّهمة الثَّالثة: روايتُهما عن النَّواصِب. وفي تقريرِ هذه الدَّعاوى على الشَّيخين، يقول (صادق النَّجميُّ): «إنَّك ترَى في البخاريَّ ومسلم وصَحيحَيهما هذه العصبيَّة المُفرطة، عندما تقرأ كتابَيهما، وتُلاحظ أنَّهما لمَّا يُواجهان فضيلةً مشهورةً، ومَنقبةً مهِمَّةً مِن مناقب أميرِ المؤمنين علي ﵇، وفيها دلالةٌ صريحةٌ على أفضليَّتِه لأمرِ الخلافةِ، وتَقدُّمِه على الآخرين، فإنَّهما يُبادِران إلى تَعتيمِها. وهذه المَناقب والفضائل قد وَرَد ذكرُها في سائرِ الصِّحاح السِّتة، والمَدارك المُعتبَرة لدى أهلِ السُّنة، وهي مِن يَقينيات الحوادثِ التَّاريخيَّة ومُسلَّماتها، وهي مِمَّا أجمع عليه علماء السُّنة والشِّيعة، مثل: حديث الغَدير، آية التَّطهير، حديث الطَّائر المَشوِيِّ، حديث سَدِّ الأبواب، وحديثِ أنا مدينة العلم وعليٌّ بابُها، وقد رَوَى كلَّ واحدةٍ مِن هذه الفضائل والمَناقب عشراتُ الصَّحابة، وأثبتَها علماءُ أهلِ السُّنة في كُتبِهم المُعتبرة، إلَّا أنَّ البخاريَّ الَّذي لم يَرضَ أن ينقُل هذه المناقب المُسلَّمة واليقينيَّة، ويخصِّص لها بابًا خاصًا في صحيحِه فحسب، بل أفردَ بابًا خاصًّا في فضائل معاوية!». وقال أيضًا: «الفريدة الوحيدة الَّتي صَدَرت عن البخاريِّ ومسلم في نقلِهما الحديثَ عن أهلِ البيت ﵈ هي: أنَّهما نَقَلا روايةً مُختلَقةً ومُزيَّفةً، نَسَباها إلى الإمامِ زين العابِدين ﵇ على أنَّه قال: إنَّ أمير المؤمنين علي وفاطمة ﵉ لم يكونا يَستيقظان للصَّلاة، وكان النَّبي يوقِظُهما! فقال عليٌّ لرسول الله ﷺ شيئًا، فأجابَه النَّبي بآيةِ ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ [الكهف: ٥٤]، تقريعًا لعليٍّ!». ثمَّ قال: «إنَّهما نَقَلا أحاديثَ عن بعضِ الرُّواة الَّذين هم مِن الخوارج والنَّواصب، وخاصَّةً الَّذين ثَبَتت عداوتُهم ومُنابَذتهم لأهلِ البيت عليهم السَّلام

стр. 144

بنحو القطع، واختصَّ البخاريُّ في النَّقلِ عن عمران بن حطَّان، وهو مِن زعماء الخوارج، ومِن فقهائهم ومُتكلِّميهم وخُطبائهم. ونرى أنَّ إيمان البخاريَّ وتقواه: قد أجازا له أن يَروي عن هؤلاء المَعلومي الحال، ولم يسمحا له مِن أن يَنقُل ولو حديثًا واحدًا عن الإمام الصَّادق ﵇!» (١). ومِمَّا تدَّعيه الإماميَّةِ في هذا على البخاريِّ بخاصَّة: تعمُّدَه لاختصارِ ما فيه مَنقبةٌ لعليِّ ﵁: فنراهم يتتابعون على سردِ بعضِ أمثلةٍ على ذلك، أشهرُها: ما عَلَّقه البخاريُّ في بابِ (لا يُرجَم المَجنون ولا المَجنونة) حيث قال: «وقال عَليٌّ لعمر: أمَا علمتَ أنَّ القلَم رُفِع عن المجنون حتَّى يفيق، وعن الصَّبي حتَّى يُدرك، وعن النَّائم حتَّى يستيقظ؟» (٢). وأصل هذه الرِّوايةِ المُعلَّقة عند البخاريِّ، ما رواه أبو داود عن ابن عبَّاس ﵁ قال: «أُتِي عمر ﵁ بمجنونةٍ قد زَنَت، فاستشارَ فيها أُناسًا، فأمَرَ بها عمر أن تُرجَم، فمَرَّ بها عليُّ بن أبي طالب ﵁، فقال: ما شأن هذه؟ قالوا: مَجنونةُ بني فلانٍ زَنَت، فأمَرَ بها عمر أن تُرجَم، فقال: اِرجعوا بها! ثمَّ أتاه، فقال: يا أمير المؤمنين، أما علِمتَ أنَّ القَلم قد رُفِع عن ثلاثة: عن المجنون حتَّى يبرأ، وعن النَّائم حتَّى يستيقظ، وعن الصَّبي حتَّى يَعقل؟ قال: بلى، قال: فما بالُ هذه تُرجَم؟ قال: لا شيء، قال: فأرْسِلها، قال: فأرسَلَها، قال: فجَعَلَ يُكبِّر» (٣). ويقول (صادقٌ النَّجمي): «إنَّ البخاريَّ أخرجَ هذا الحديثَ في مَوضِعين مِن «صحيحِه»، ولكنَّه حِفظًا على مَقامِ الخليفةِ، وسِترًا على جهلِ الخليفةِ وعدمِ فهمِه، وإزهاقًا للحقِّ، وتحريفًا للحقيقةِ الَّتي تقول بأنَّ عليًّا ﵇ حَكَم بما يُخالف

стр. 145

رأيَ عمر وبعضِ الصَّحابةِ، ولمَّا كان حكمُه ﵇ مُطابقًا للواقع، وما أمر به رسول الله ﷺ : تَرَى البخاريَّ يَكتفي بذكرِ ذيلِ الحديث، فيذكُر الحديثَ في كِلا الموردين ناقصًا، ويُسقِط منه السَّندَ والصَّدرَ! .. » (١). وأمَّا دعوى الإماميَّةِ تعمُّدَ اختصارِ البخاريِّ لمِا فيه مَثلبةٌ للفاروق ﵁: فمِمَّا ذكَرَه (النَّجميُّ) في ذلك للتَّشغيبِ على أمانةِ البخاريِّ في سَوقِ الأحاديث، بعضُ أمثلةٍ مِن تصرُّفاتِه في كتابِه، يزعم فيها حذفَه لِما فيه مَثلبةٌ لأحَدِ الخُلفاءِ الرَّاشدين غير عليٍّ، أشهرُها ثلاثةُ أمثلة مشهورات مِن «صحيحِه»: فالمثال الأوَّل: ما أخرجه البخاريُّ عن عبد الرَّحمن بن أَبْزى قال: «جاء رجلٌ إلى عمر بن الخطَّاب ﵁، فقال: إنِّي أجنبتُ، فلم أُصِب الماء، فقال عمَّار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أمَا تذكرُ أنَّا كُنَّا في سفرٍ أنا وأنت، فأمَّا أنتَ فلم تُصَلِّ، وأمَّا أنا فتَمعَّكت فصلَّيتُ؟ فذكرتُ للنَّبي ﷺ ، فقال النبَّي ﷺ : «إنَّما كان يَكفيك هكذا»، فضرَبَ النَّبي ﷺ بكفَّيه الأرضَ، ونفَخَ فيهما، ثمَّ مسَحَ بهما وجهَه وكفَّيه» (٢). أورد (النَّجميُّ) بعدها روايةَ مسلمٍ المُتقصَّاة لهذه القِصَّة، وفيها: « .. فقال -أي عمرُ للسَّائلِ- لا تُصَلِّ» (٣)، فعَقَّب عليها بقولِه: «فكما تَرى أيَّها القارئ العزيز، أنَّ هذين الحديثين مِن حيث السَّند والمتن سواءٌ، ولا فرقَ بينهما إلَّا في جملة «لا تُصَلِّ»، حيث أسقطَها البخاريُّ، وأثبتَها مسلمٌ»، «ولا يخفى أنَّ فتوى الخليفةِ بتركِ الصَّلاةِ حين الجنابةِ مُخالفةٌ صريحةٌ لنصِّ القرآن، وسُنَّة رسول الله ﷺ ، وهذا ممَّا يَدلُّ على جهلِ الخليفةِ بحكمِ التَّيمُم! وعدم إحاطتِه بالأحكامِ الشَّرعيَّة، وغفلتِه عمَّا هو عامَّة الابتلاء؛ ولكنَّ البخاريَّ قامَ بتقطيعِ
следующие страницы →