القرآنِ دلَّ على قَصْرِ ما اختَصَّ به النَّبيُّ ﷺ مِن المُعجزات في القرآنِ وحدَه، وأن ليس مِن اختصاصِه الإتيانُ بآياتٍ خارقةٍ للعادةِ.
ترى هذا الاعتراضَ ماثلًا في دعوى (عابدٍ الجابريِّ): «نحنُ نُؤكِّد -فعلًا- أنَّ الشَّيء الوحيدَ الَّذي يُفْهَم مِن القُرآن بأكملِه، أنَّه معجزةٌ خاصَّةٌ بالنَّبي محمَّد ﷺ : هو القرآن لا غير، فالقُرآن يَكفي ذاته بذاتِه في هذا الشَّأن .. » (١).
واستدَلَّ بقولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٠ - ٥١].
وكان (رشيد رضا) مِن السَبَّاقِين قبلَه للاستدلالِ بهذه الآيةِ على نفيِ الآياتِ الحِسيَّة (٢).
وليس فيما استَدَلَّ به ولا الجابِريُّ مُستمسَكٌ، ولا في الآيةِ ما يَدلُّ على دعواهما، فإنَّ الإغلاقَ واقعٌ في الآيةِ لإجابةِ أهلِ مكَّةَ فيما اقترحوه مِن آياتٍ بعينِها، لا في مُطلقِ الآياتِ، وذلك لكونِ التَّكذيب بعد وقوعِ الخارقِ المَطلوبِ يوجِبُ هلاكَ المُكذِّبين، كما في قولِه تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلَاّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]، فلذا لم يُجِبهُم الله إلى طَلبِهم تلك الآياتِ بأعيانِها، رحمةً منه بقَومِ نبيِّه ﷺ .
فعلى هذا، تكون (الـ) التَّعريفِ في ﴿الآيَاتِ﴾: عَهْدِيَّة؛ وإلَّا فحصولُ الكفايةِ بالقرآن هو حَقٌّ لا نُمارِي فيه، فهي الآيةُ الكُبرى للنَّبي ﷺ ، لكنْ هذا لا يَقتضي نفيَ ما عداه مِن الآيات الحِسيَّة، والَّتي تَواترت عنه في الجُملةِ (٣).
стр. 72
المثال الثَّاني: حديث سِحر النَّبي ﷺ .
فقد شَنَّع (محمَّد الغزالي) على أهلِ الحديثِ روايَتهم لحديثِ سِحْرِ لَبيدِ اليهوديِّ للنَّبي ﷺ ، مع كونِه مُتَّفقًا على صِحَّتِه (١)، حيث قال: «إذا صَحَّ هذا، فلِمَ لا يَصِحُّ قولُ المُشركين: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَاّ رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾ [الفرقان: ٨]؟!» (٢).
ومَعلوم أنَّ المَنزع القُرآنيَّ لهذه الشُّبهةِ اعتزاليٌّ قديمٌ، لا يَكاد يخلو منه كلامُ مَن رَدَّ الحديثَ مِن الأقدَمِين، وتوارَثه المُنكِرون المُتأخِّرون، كـ (محمَّد عبده) الَّذي احتجَّ بالآيةَ، ليرُدَّ على بعضِ الأزاهرةِ الَّذين أنكروا عليه نُكرانَه للحديث (٣).
والآيةِ على غير ما أرَادا، فإنَّ المشركين إنَّما ابتغوا بقولهم: ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلَاّ رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾: أنَّ أمرَ النُّبوة كلُّه سِحْرٌ، وأنَّ ذلك ناشِئٌ عن أنَّ الشَّياطين استَولوا عليه -بزَعمِهم- يُلقون إليه القرآن، ويَأمرونَه، ويُفهِمونه، فيُصدِّقهم في ذلك كلِّه، ظانًّا أنَّه إنَّما يَتَلقَّى مِن الله ومَلائكتِه.
ولا ريبَ أنَّ الحال الَّتي ذُكِر في الحديثِ عُروضُها له ﷺ لفترةٍ خاصَّةٍ، ليست هي هذه الَّتي زَعَمَها المُشركون، ولا هي مِن قِبَلِها في شيءٍ مِن الأوصافِ المَذكورة (٤).
الفرع الثاني: مِن أسبابِ استشكالِ الأحاديثِ النَّبويَّة ضَعفُ النِّسبة.
كثيرًا ما يُستشكَل حديثٌ تَلوح منه مَعالم المُخالفة الصَّريحة لصحيحِ المَنقول، أو صريح المَعقول، فيُتَّخذُ وسيلةً في تشكيكِ جَهلةِ المسلمين في سُنَّة نبيِّهم، ثمَّ يتَبيَّن بعد التَّفتيشِ عدم ثبوتِه عن النَّبي ﷺ .
стр. 73
أو يكون ما يُدَّعَى أصْلًا يُدفَعُ به في نحرِ الحديثِ هو الضَّعيفَ مِن حيث الثُّبوتِ، كأن يأتي المُعترضِ إلى واقعةٍ تاريخيَّة ما، فيرُدّ بها حديثًا ثابت الإسناد، بدَعوى أنَّه يخالف ما أثبتَته تلك الواقعة، مع أنَّ الواقعةَ ظَنِّية الثُّبوت! لا يجوز أن يُدفعَ بها حديثٌ قد صُحِّحَ لو فرضنا كونَه ظنيًّا أيضًا، فكيف إذا كان في «الصَّحيحين»؟ والطَّامةُ إذا كانت الواقعةِ التَّاريخيَّة المُعارَض بها مَكذوبةً مِن الأساسِ!
وهذا السَّببُ في الاستشكال كسابقه مُتفرِّع إلى قِسمَين:
القسم الأوَّل: أن يكون الحديثُ المُعارَضُ غيرَ ثابتِ النَّقلِ أصلًا.
وذلك بأن يُستشكَلُ خبرٌ مَرويٌّ في بعضِ مُصَنَّفات الحديث، ويكون مَعناه باطلًا مُعارِضًا لأصلٍ قَطعيٍّ مِن الأصول، فإمَّا:
أن يتَكَلَّف ناسٌ مِمَّن لا خبرةَ لهم في الحديثِ تأويلَه على أوجهٍ مُتعَسِّفة (١).
أو يَرميَ به آخرونَ أهلَ الحديثِ بتَقبُّلِ الأباطيل، ويتنقَّصون به السُّنة وأهلَها؛ مع أنَّ الحديثَ في الأصلِ لو فَّتشوا إسناده، لوَجدوه ساقط الاعتبار.
يقول ابن تيميَّة: «لا يُعلَم حديثٌ واحدٌ يُخالف العقلَ أو السَّمعَ الصَّحيحَ إلَاّ وهو عند أهلِ العلمِ ضعيفٌ، بل مَوضوعٌ .. فآخرون مِن الزَّنادقةِ والمَلاحِدة كَذَبوا أحاديثَ مُخالفةً لصريحِ العقل، ليُهجِّنوا بها الإسلام، ويجعلوها قادِحةً فيه» (٢).
стр. 74
فهذا النَّوع مِن الواهياتِ لا وجود له في «الصِّحيحين» -ولله الحمد- فنُمثِّل بشيءٍ منهما.
القسم الثَّاني: أن يكون الأصلُ المُعارَضُ به غير ثابت.
وذلك بأن يُأتى إلى حديثٍ صحيحٍ، فيُستَنكرَ متنُه، لأنَّه في زَعْمِ المُعترضِ يُخالفُ ما يعتقده حقيقةً، سواءٌ كانت تاريخيَّة أو عِلميَّة تجريبيَّةً أو نحو ذلك؛ وعند عَرضِ ما ادَّعاه تحت عَدَسة التَّحقيقِ، نجده مُجرَّد ظنونٍ لم تثبُت أصلًا، ولم ترقَ إلى القطعيَّات.
وأضربُ مِثالًا لهذا القِسم يَكثُر الزَّلل فيه في زمانِنا المُتأخِّر على وجه الخصوصِ، فأقول:
الفرع الأوَّل: مثال هذا القسم: الأحاديث المُدَّعاة مُخالفتها لمُقرَّرات العلومِ الحديثةِ.
المُتَقرَّر مِن منهجِ أهلِ السُّنةِ في هذا البابِ مِن التَّعارضِ بين الأحاديثِ الصَّحيحةِ ومُكتشفاتِ البَشَر في شتَّى العلومِ العصريَّة: أنَّ الكَلِمةَ العُلْيا فيه للنُّصوصِ الشَّرعيَّة الَّتي تَلقَّتها العلماءُ بالقبول، من غير إنكارٍ للعلمِ الحديثِ بوَسائِله المُبتَكرة النَّافعة، بل واستخدامِ نتائجِه القَطعيَّةِ في تعزيزِ مَكانةِ النُّصوصِ نفسِها.
والفتنةُ الكبرى الواقع فيها كثيرٌ مِن المُتشرِّعةِ في هذا الباب: سَعيُهم إلى التَّوفيق بين الأخبار النَّبويَّة وبين العلوم الحديثة في النَّتائجِ، لكنْ بمبدأِ سِيادةِ الثَّانية على الأولى! وقد يُعاد تفسيرُ الآياتِ القرآنيَّة، وتأويلُ الأحاديثِ بما يُوافِق تلك النَّتائج العِلميَّة، ولو ضُرِب بقواعد التَّفسير عرضَ الحائط، وإلَّا فما أسهل إبطال الأحاديثِ إذا خالَفت عندهم تلك المُكتشفات، ولو رَوَاها الثِّقات المُتثبِّتون.
стр. 75
وهذا الاتِّجاه في النَّقد غير مَقبولٍ شرعًا ولا عقلًا، فإنَّ جوهرَ الدِّين يَقوم على كونِه مَتبوعًا لا تابِعًا، ولا يُمكن أن يُعَطَّل حديثٌ نَبويٌّ قد أخَذَت به الأمَّة قرونًا مُتطاولةً، بدَعوى مُعارضتِه لنَظريَّاتٍ أو مُكتشفاتٍ عِلميَّة، تُقدَّم هي نفسُها للتَّجربةِ لتُمتَحَن، بل قد تُعَدَّل إلى فروضٍ أخرى، لتُقدَّم للتَّجربةِ مرَّةً أخرى! (١)
فإنَّه كيْ «يُقال: إنَّ هذه حقيقةٌ عِلميَّةٌ، لا بُدَّ مِن أمرَين: إقامةُ دليلٍ دامغٍ على صِحَّتها، ثمَّ إقامةُ دليلٍ آخرَ على استحالةِ غيرِها» (٢)؛ فرُبَّ حديثٍ صَحيحٍ، ظُنَّ ردحًا مِن الدَّهرِ أنَّه مُخالفٌ لمُقرَّراتِ العِلم، وبالبحثِ تَبيَّن أنَّ ما ظُنَّ مِن مُقرَّراتِ العلوم، ما هو إلَّا نظريَّات ظَنيَّة، أو آراء افتراضيَّة، بل أوهام باطِلة! ولعلَّ أجلى مِثالٍ على ذلك: نَظريَّةُ «دارْوِن» في النُّشوءِ والارتقاء (٣).
وها هُم علماء الغَربِ أنفُسهم، نراهم يعجزون عن إدراكِ حقائقِ الغَيبِيَّات الَّتي يجزم الإنسان بوُجودِها، وعن تفسيرِ كثيرٍ مِن الظَّواهرِ المُحَسَّة (٤)، وعن الوصولِ إلى اليَقينِ في كثيرٍ مِن القضايا المَبحوثة، بل عَجَزَ كثيرٌ منهم عن تَفادي جُملةٍ مِن الأخطاءِ البَشريَّة في استنتاجاتِه المخبَريَّة، بل منهم من يَتعمَّد الكذب فيها!
ومِمَّن شَهد على شيءٍ من هذه البَوائقِ في تقرير مُخرَجات العلوم عند الغَرْبيِّين:
стр. 76
د. جِيمْس كونانْت (ت ١٩٧٨ م) (١)، حيث قال: « .. إنِّي استطيعُ أن أكتبَ مجلَّدًا كبيرًا عن الأخطاءِ الَّتي وَقَعَت في تجاربِ علمِ الطَّبيعة، والكيمياء، وعلمِ الحيوان، مِن تلك الَّتي وَجَدَت سبيلَها إلى النَّشرِ في المائةِ عامٍ الماضية! واستطيعُ أن أكتبَ مجلَّدًا آخر كبيرًا كهذا، أسجِّل فيه ما تجمَّع في المائة عام الماضيةِ مِن آراءٍ لم تُثمِر أبدًا، ومِن أحكامٍ مُطلَقة، ونظريَّاتٍ ناقَضَ بعضُها بعضًا» (٢).
الفرع الثَّاني: القاعدة في باب التَّعارض بين الأخبار النَّبويَّة وبين مُكتشفات العلوم الحديثة.
إنَّ تحريرَ مَقاصِد بعض أهل الحديث فيما قَعَّدوه مِن كونِ كلِّ خبرٍ كَذَّبه الحِسُّ أو التَّاريخ فهو باطل (٣): هو أمرٌ مَتَحتِّم حقٌّ في ذاتِه، فإنَّ ما قَطَع العقلُ بواسطةِ الحسِّ باستحالته، يَستحيلُ بمُقتضاه اعتقاد صدقِ خبره؛ إذْ معنى ذلك الجمعُ بين النَّقيضَيْن (٤).
لكن لا يُسترْوَحُ إلى طعنِ النُّصوص بمُجرَّد ما يَنشأُ في وَهْمِ النَّاظر أنَّه مُخالَفةٌ للحسِّ أو التَّاريخ أو العلومِ الحديثةِ، فإنَّ البَلِيَّة مِمَّن يسارع إلى تَقديمِ ما يَراه الدَّليلَ العِلميَّ الحِسِّيَّ على الحديث عند بُدوِّ أيِّ تَعارضٍ بينهما، فيجعلُ جِهةِ التَّرجيحِ كونَ الدَّليلِ عَقْليًّا أو عِلْمِيًّا تجريبيًّا بإطلاق.
وهذا لا شكَّ غلط من جِهة النَّظر القويم إلى مراتب الأدلَّة، بل الصَّحيح في مثلِ هذا المَقامِ، أن نسلُك ما سلكه بعضُ المُحقِّقين في مقامِ تَعارُض العَقلِيَّات مع النَّقليَّات، فنقول:
هل هذا الحديث النَّبوي، وهذه النَّتيجة العِلميَّة التَّجريبيَّة، هما دليلانِ قَطعيَّان أم ظنِّيان؟ أو أنَّ أحدَهما قطعيٌّ والآخر ظنيٌّ؟!
стр. 77
١ - فإن قيل أنَّهما قَطعيَّان: فإنَّ القطعيَّ لا يعارضُه قطعيٌّ آخر، كما تقدَّم.
٢ - وإن كانا ظَنِّيين: فالمُقدَّم هو الرَّاجح منهما على الآخر، سواءٌ كان نقلِيًّا أو عِلميًّا تجريبيًّا؛ فمدخل التَّقديم هنا هو الرُّجحان، لا كونه نَقليًّا أو عِلميًّا.
٣ - وأمَّا إنْ كان أحدُهما قَطعيًّا والآخرُ ظَنيًّا: فالقَطعيُّ هو المُقدَّم مُطلقًا (١).
فأحسَبُ أنَّ هذا التَّقسيمَ واضحٌ مُتَّفَق على مَضمونِه بين العُقلاء.
وشَرطُ هذا القَطْعِ: التَّحقُّقُ مِن حصولِ مُخالفةِ الحديثِ للحسِّ أو الواقع المُشاهَد أو مُقرَّرات العلمِ القطعيَّة؛ فإنَّ هذه قد يَعتريها الغَلَط والوَهْم أو الكذب، وما يُقَدَّر وُرُودُه على النَّقلِ، يُقدَّر ما هو أبلَغُ منه على الحِسِّ والتَّجربة.
стр. 78
المطلب السَّادس
منهج أهل السُّنة في التَّعاملِ مع الأحاديثِ المُشكِلَة
مِن كمالِ منهجِ أهلِ السُّنةِ في التَّعامل مع هذه الإشكالاتِ المَعنويَّة على نصوصِ الحديث النَّبوي الشَّريف، أنَّهم أصَّلوا أصولًا ارتكزوا عليها لدفعِ هذه المُتشابهات عنها، وقعَّدوا قواعدَ لدَرْءِ التَّخالفِ بينها، فأبقوا على مَنابعِ الأدلَّةِ السُّنيَّةِ صافيةً غيرَ آسِنة، لا تُكدِّرها دِلاء شُبهةٍ أو اضطرابٍ.
والحِبالُ إذا تَعَقَّدت، قَطَّعها الجاهلُ، وحَلَّها العاقل!
لأجل هذا اجتهدتُ في جمع أهمِّ المَعالم السُّنيَّة الَّتي ينبغي للسَّالك أن يَهتدي بها في طريقِه إلى حَلِّ ما أشكَلَ على فهمِه مِن النُّصوصِ الشَّرعيَّة، وهي على النَّحوِ التَّالي:
المَعلم الأوَّل: الاعتقادُ المَبدئيُّ بعدمِ الاختلافِ بين الأدلَّةِ الشَّرعيةِ نقليِّها وعقليِّها.
إنَّ استصحابَ النَّاقد لأصلِ التَّوافق بين الثَّابت من الحديث، وغيره مِن أدلَّةِ الشَّرع والعقل: أمارةٌ على حُسن تسليمِه للنُّصوصِ الشَّرعيَّة، ونجاتِه من إثمِ ضربِ بعضِها ببعضٍ؛ ولذا يجدُ مَن تَتبَّع أحوالَ هؤلاء الوالغين في الصِّحاحِ باللَّمز والطَّعن، أنَّ «مِنهم خَلقًا كثيرًا في قلوبهم رَيْبٌ في نفسِ الإيمانِ بالرِّسالة! وفيهم مَن في قلبِه ريبٌ في كونِ الرَّسولِ أخبَرَ بهذا» (١).
стр. 79
وفي تقريرِ ركنيَّة هذا المَعْلم في النَّظر إلى نصوص الوحي، يقول الشَّاطبيُّ:
«لا تَضَادَّ بين آياتِ القرآن، ولا بين الأخبار النَّبويَّة، ولا بين أحدِهما مع الآخر، بل الجميعُ جارٍ على مَهيعٍ واحدٍ، ومُنتظم إلى معنى واحدٍ، فإذا أدَّاه بادئُ الرَّأي إلى ظاهرِ اختلافٍ، فواجبٌ عليه أن يعتقد انتفاءَ الاختلافِ، لأنَّ الله قد شهِدَ له أن لا اختلافَ فيه، فليَقِفْ وقوفَ المُضطَرِّ السَّائلِ عن وجهِ الجمع، أو المُسلِّمِ مِن غير اعتراضٍ» (١).
المَعلم الثَّاني: الاستِشكالُ لا يَستلزِمُ البُطلان.
ترتيب التَّسارع في الإبطالِ للدَّلائل النَّقليَّة على انقداحِ الاستشكال من أوسع أبواب الباطل الَّتي اقتحمها المُتذمِّرون من السُّنَن، فقد تَبيَّن في ما تقدَّمَ كون مُجرَّد استشكالِ الحديثِ لا يعني بُطلانه بالضَّرورة، تمامًا كما يحصُل أنَّ يستشكل كثير من العقلاء آياتٍ مِن القرآن الكريم، من غير أن يدعوهم ذلك لأنْ يُبطِلوها.
والحقُّ أنَّ الخَلَل في ظنِّ البُطلان، أكثر جدًّا مِن الخَلل في الأحاديثِ الَّتي تقبَّلتها الأئمَّة (٢)، والمرءُ كثيرًا ما يُؤتى من قِبل رأيه واجتهادِه، فكان اتِّهامُه لفهمِه الواحدِ أوْلى من اتِّهامِ الفهمِ الجَمعيِّ للأمَّة.
وفي نفي هذا التَّلازم بين استشكال النَّص وبُطلانه، يقول ابن تيميَّة (ت ٧٢٨ هـ):
«إنَّ الأحاديث النَّبويَّة مِن الصَّحاحِ، مَن ردَّ منها شيئًا، وفهم مِن ظاهرِه معنًى يعتقدُ أنَّه مخالفٌ للقرآن أو للعقل، فمِن نفسِه أُوتي؛ فإنَّ المُقرِّرين للنُّصوصِ هم أرفعُ الخلقِ وأعلاهم طبقةً، إذْ جَمَعوا المعرفةَ والفهم، فإنَّ الصِّديقَ ﵁ كان أعلَمَهم بما قال النبَّي ﷺ وأفهمَهم لمعانٍ زائدةٍ مِن الخطاب، لا تُستفاد بمُجرَّد اللُّغةِ والعِلم باللِّسان، بل هي مِن الفهمِ الَّذي يؤتيه الله عبدَه» (٣).
стр. 80
ويقول المعلِّمي: «لا نزاعَ أنَّ النَّبي ﷺ لا يُخبر عن ربِّه وغَيْبِه بباطلٍ، فإن رُوي عنه خَبرٌ تقوم الحجَّة على بُطلانه، فالخَلل مِن الرِّواية، لكنَّ الشَّأن كلَّ الشَّأن في الحكمِ بالبُطلان! فقد كثُرَ اختلافُ الآراءِ، والأهواءِ، والنَّظرياتِ، وكَثُر غلطها، ومَن تَدبَّرها وتَدبَّر الرِّوايةَ وأمعنَ فيها، وهو ممَّن رَزَقه الله تعالى الإخلاصَ للحقِّ والتثبُّت: عَلِم أنَّ احتمالَ خطأِ الرِّوايةِ الَّتي يُثبتها المُحقِّقون مِن أئمَّة الحديث، أقلُّ جدًّا مِن احتمالِ الخطأِ في الرَّأيِ والنَّظر» (١).
وخُذْ على هذا المَعلمِ مثالًا عمليًّا، تجد الجميلَ فيه أنَّه آتٍ من رأسٍ من رؤوس المُعتزلة! أعني به إبراهيم بن سيار النَّظام (ت ٢٣١ هـ):
وذلك أنَّه حين بَلَغه -وهو حَدَثٌ صغير- حديثُ أبي هريرة ﵁: «نهى رسول الله ﷺ عن الشُّرب مِن فمِ القِربة أو السِّقاء» (٢)، قال النَّظام: إنَّ لهذا الحديثِ لشَأنًا؟! وما في الشُّرب من فم القِربة حتَّى يجيء فيه هذا النَّهي؟! فلما قيل لي: إنَّ رجلًا شرب من فم قربةٍ، فوَكعته حيَّةٌ فمات! وإنَّ الحيَّات والأفاعي تدخلُ في أفواه القِرَب؛ علمتُ أنَّ كلَّ شيءٍ لا أعلمُ تأويلَه مِن الحديث، أنَّ له مذهبًا وإنْ جهلتُه» (٣).
المَعلم الثَّالث: العَملُ بمُحكَماتِ النُّصوص، والإيمان بمُتَشابِهها.
وذلك أنَّه يلزم كلَّ مسلمٍ تُجاه نصوصِ الكتابِ والسُّنة الإيمانُ بها مُحكَمِها ومُتشابِهها، والعملُ بما استبانَ له منها، وما اشتَبَه عليه من ذلك وَكَل علم حقيقته إلى الله تعالى، وهذا منصوص أئمَّة السَّلَف بعامَّة (٤)، مُسترشدين بقولِ الله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧].
стр. 81
فما أخبرَ به الرَّسول ﷺ عن ربِّه مِمَّا ثبت به النَّقلُ عنه، وتُلقِّي بالقبول عند أئمَّة هذا الشَّأن، فإنَّ الإيمانَ به واجب، سواء أدركنا معناه واستوعبنا فهمَه أو لم نفعل، لأنَّه الصَّادِق المَعصوم ﷺ ، وأُمَّتَه لا تجتمع على تصديقِ كَذِبٍ عنه (١).
المَعْلم الرَّابع: تحكيمُ أصولِ المُحكمات في فقهِ الأحاديثِ المُشتبِهات.
الواجبُ أن يُجعَل ما أنزله الله تعالى مِن الكتابِ والحكمةِ أصلًا في جميعِ الأمور (٢)، فحَقُّ المُحكَم أن يُرَدَّ إليه المُشتبِه في بابِه، كما يلزم رَدُّ المحتمِل إلى غير المُحتمِل، والعامِّ إلى الخاصِّ، والشَكِّ إلى اليقين، لقُوَّتها مِن جهة الدَّلالة، استنباطًا من قولِ الله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧].
قال ابن كثير: «أي: أصلُه الَّذي يرجع إليه عند الاشتباه» (٣).
ومَنشأ القول بذلك: أنَّ الأقوى مُقدَّم عند التَّعارض شرعًا وعقلًا، فكان بهذا «المُحكَم أبَدًا أصلًا تُرَدُّ إليه الفروع، والمُتشابه هو الفَرع» (٤)؛ وعلى هذا الأساس ابتنى السَّلَف نظرتهم في نصوص الوَحي عند الاشتباهِ في معانيها، بأن ردُّوها إلى مُحكماتِ النُّصوص الأخرى في بابِه، توخِّيًا لتفسير تلك المُشكلات.
ينقُل ذلك عنهم ابن القيِّم فيقول: «طريقةُ الصَّحابة والتَّابعين وأئمَّة الحديث -كالشَّافعي، والإمام أحمد، ومالك، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، والبخاري، وإسحاق- هي: أنَّهم يَردُّون المُتشابه إلى المُحكَم، ويأخذون مِن المُحكَم ما يُفسِّر لهم المُتشابه ويُبيِّنه لهم، فتَتَّفق دلالته مع دلالة المُحكمِ، وتوافق النُّصوص بعضُها بعضًا، ويُصدِّق بعضها بعضًا، فإنَّها كلُّها مِن عند الله، وما كان مِن عند الله فلا اختلافَ فيه، ولا تَناقض، وإنمَّا الاختلافُ والتَّناقض فيما كان مِن عند غيرِه» (٥).
стр. 82
إنَّ المُوازنةَ الصَّحيحةَ في الإشكالات، تقتضي التَّمييزَ بين الأصلِ والإشكالِ أوَّلًا، «فإنْ وَرَد عليه إشكالٌ جزئيٌّ على أصلٍ كليٍّ مُتقرِّر لديه، فمِن العقل أن لا يهدم الأصلَ لوجودِ إشكالٍ عارضٍ عليه .. بل عليه أنْ يحفظَ الأصلَ كما هو، ويُبقي هذا الإشكالَ شُبهةً يَبحثُ عن حَلِّها؛ فإنَّه منَ نَظَر إلى بناءٍ شاهقٍ مُتماسك، فوَجَد فيه خُدوشًا ما، أو رُسوماتٍ لم يفهم الحاجةَ منها، فليس مِن العقلِ أن يُلغِيَ البناءَ كلَّه، نظرًا لوجود هذه المَلحوظات الجزئيَّة!» (١) بل يجعلُ هذه ضمنَ حِكمةٍ مِعماريَّةٍ جماليَّةٍ ما، وإن كان هو يجهلُها.
فمِن أمثلةِ ما ادُّعي فيه الفَساد مِن المُحكمات، بدعوى الإبقاءِ على شمول مَعنى المُشتبِه:
ما تراه -مثلًا- مِن ردِّ القاضي عبد الجبَّار (ت ٤١٥ هـ) لمعنى «الزِّيادة» في قولِه تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، بقولِه: «ربَّما تَعلَّق به مَن يقول بجوازِ الرُّؤيةِ على الله، ويروي فيه ما يُقوِّي تأويلَه، وليس للآيةِ ظاهرٌ، لأنَّه لم يَذكُر تلك الزِّيادة! فمِن أين أنَّ المُراد ما قالوه؟! .. » (٢).
فالسَّببُ الأبرز الَّذي دَعا القاضي قولَ هذه البائقة: اعتبارُه العقلَ المُجرَّد مِعيارًا أوَّليًّا للتَّمييز بين ما هو مُحكَمٌ ومُتشابِه، لا الشَّرعَ نفسَه؛ وهنا مَكمَنُ الخَللِ، ولذا تراه يقول بصريحِ العبارة: «يجبُ أن يُرتَّب المُحكَم والمُتشابه جميعًا على أدلَّةِ العقول» (٣).
المَعلم الخامس: التَّفتيش في الإسنادِ عن مُوجِب الخَلَل عند الرُّكون إلى فسادِ المتن.
ما استشكَل المسلمُ معناه مِن الأحاديث الصَّحيحة، أو ظَنَّه مُعارضًا لأصلٍ آخر، فإنَّه لا يجوز له رَدُّه حتَّى يستيقن فسادَه، وكمالُ ذلك أن يجدَ في نَقَلتِه مَن
стр. 83
يُحمِّله تَبِعتَه، كما كان يصنع نقَّاد الحديث، فإنَّهم رَدُّوا أحاديث بمُخالفةِ الأصولِ، وبَيَّنوا أنَّ الغلَطَ وقَعَ فيها مِن بعضِ نَقَلتِها، وبيَّنوا وَجهَ ذلك.
يقول ابن عبد البرِّ: «ليس أحَدٌ مِن علماء الأمَّة يُثبت حديثًا عن رسول الله ﷺ ، ثمَّ يردُّه دون ادِّعاءِ نسخِ ذلك بأثرٍ مثلِه، أو بإجماعٍ، أو بعملٍ يجبُ على أصلِه الانقيادُ إليه، أو طعنٍ في سَندِه؛ ولو فَعَل ذلك أحدٌ سَقَطت عدالته، فضلًا عن أن يُتَّخَذ إمامًا، ولزمَه اسمُ الفسق»! (١)
ويَقول المُعلِّمي: «إذا استنكَرَ الأئمَّة المُحقَّقون المتْنَ، وكان ظاهر السَّندِ الصِّحة: فإنَّهم يتطلَّبون له عِلَّة، فإذا لَم يجدوا عِلَّة قادحةً مُطلقًا حيث وَقَعت، أعلُّوه بعلَّةٍ ليست بقادحةٍ مُطلقًا، ولكنَّهم يرونَها كافيةً للقدحِ في ذاك المُنكر» (٢).
وبتقرير هذا المَعلمِ ينجلي فرقٌ آخر فاصلٌ بين منهج المتقدِّمين مِن أهل السُّنة، وكثيرٍ من المعاصرين في نقدِهم للأحاديث:
وهو أنَّ المُحدِّثين إذا رَأوا حديثًا بيِّنَ الفسادِ مِن جِهة معناه، لم يُبادروا إلى رَدِّه دون بيان خَللٍ في إسنادِه، ليكون مَردُّ الانتقادِ عندهم -في الغالبِ الأعمِّ- إلى خَللٍ في طريقةِ تحمُّلِه أو رِوايتِه؛ بينما لا يَرقى هذا الإسنادُ عند المُعاصرينَ إلى تلك الأهمِّية، ومِن ثَمَّ سَهُل عليهم الاقتصارُ على الطَّعنِ في الأحاديثِ مِن جِهة متونِها فقط.
المَعْلم السَّادس: التَّمَهُّل في ردِّ الحديث، ولو بعد العَجزِ عن استيضاحِه.
قد تقدَّم التَّنبيه على أنَّ الاستعجالَ في ردِّ الأحاديثِ النَّبوية الصَّحيحة من جِهة أسانيدِها، لمُجرَّد الاستشكالِ العارض للذِّهن: مِن أعظمِ آفاتِ المنهج النَّقدي عند المُعاصرين، وخِفَّة عقولِ كثيرٍ منهم.
стр. 84
والمُشاهد مِن جِهة الواقعِ لِمن سَبَر أغوارَ النَّفسِ البشريَّة، وتكشَّفت له آفاتها عند الفِتَن بخاصَّة: أنَّ المُحرِّك الحقيقيَّ لهذا التَّحوُّل الخطير مِن مُجرَّد الاستشكالِ إلى ردِّ الأخبار: ليس الاستشكالَ في حدِّ ذاته، ولكن الحالة المزاجيَّة الَّتي تلبَّست بالمُستشكلِ عند استشكالِه، وما انطوت عليه من نوعِ تريُّبٍ ونُفرةٍ سابقةٍ من أحكامِ بعض النُّصوص الشَّرعيَّة.
فلذلك حُقَّ لخُلُق (الأناةِ) أن يكون سيِّدَ الضَّماناتِ الفِكريَّة (١)، قد تجلَّت أنوارُه في بديع نُصح ابنِ مسعود ﵁ في قوله: «إنَّها ستكون هَناتٌ، وأمور مُشَبَّهات، فعليك بالتُّؤدةٍ، فتكون تابعًا في الخير، خيرٌ مِن أن تكون رأسًا في الشَّر» (٢).
وأهل السُّنة إذ يَدعون إلى ضرورة التروِّي عند استشكال نصوص الشَّرع، فإنَّهم لا ينفون جواز المَحارةِ في الأفهام لما دلَّت عليه بعضِ الأخبار النَّبويَّة، وإنَّما الَّذي يَأْبَوْنه: ترتيب التَّسارع في الإبطالِ لتلك الدَّلائل النَّقليَّة على مجرِّد انقداحِ الاستشكال -كما تقدَّم تقريره آنفًا-.
والعاقل إذا تَكلَّست قريحته عن دركِ حقيقة النَّص، واستصعَبَ عليه التَّنقيب عن جوابِ إشكالِه، لاذَ بمَن فوقه عِلمًا وفَهمًا، فرَدَّ المُشكِل منه إلى أهلِه، حتَّى يتَّضح له المنهج، ويتَّسِع له المَخرج، مُتأوِّلًا في ذلك قولَ ربِّه ﷻ : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وقولَه تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، فَرَقًا من أن يدخل في قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩].
يقول المعلِّمي: «عَلى المؤمن إذا أشكلَ عليه حديثٌ قد صَحَّحه الأئمَّة، ولم تُطاوعه نفسُه على حملِ الخطأ على رأيِه ونظرِه: أن يعلَمَ أنَّه إن لم يكُن
стр. 85
الخلَل في رأيِه ونظرِه وفهمِه، فهو في الرِّواية! وليفزَعْ إلى مَن يثق بدينِه وعلمِه وتقواه، مع الابتهال إلى الله فإنَّه وليُّ التَّوفيق» (١).
وصدَقَ -نوَّر الله مرقَدَه-، فإنَّ الواحد مِنَّا «قد يكون مِن أذكياءِ النَّاس، وأحدِّهم نظرًا، ويُعمِيه عن أظهر الأشياء، وقد يكون مِن أبْلَدِ النَّاس، وأضعفِهم نظرًا، ويهديه لمِا اختُلف فيه مِن الحقِّ بإذنه، فلا حول ولا قوَّة إلَّا به.
فمَن اتَّكل على نَظَرِه واستدلالِه، أو عقِله ومَعرفتِه: خُذِل» (٢)، ومَن تبَرَّأ من الاتِّكالِ على حولِه وفهمِه، إلى حولِ الله وهدايتِه: هُدي؛ فهو الرُّكن الشَّديد، ومَفزعُ الأئمَّة في المُلمَّات العِلميَّة والعَمليَّة.
ولله درُّ ابن تيميَّة إذ يترجِم هذا المعنى في سيرتِه، فيقول: «إنَّه ليَقِف خاطِري في المسألة والشَّيءِ، أو الحالةِ الَّتي تُشكل عليَّ، فأستغفرُ الله تعالى ألف مرَّة، أو أكثرَ أو أقلَّ، حتَّى ينشرح الصَّدرُ، وينحلَّ إشكال ما أشكل، وأكون إذ ذَّاك في السُّوق، أو المسجدِ، أو الدَّرب، أو المدرسة، لا يمنعني ذلك من الذِّكر والاستغفار، إلى أن أنال مَطلوبي .. » (٣).
فعلى مثل هذا الحال من الافتقار المَعرفيِّ إلى تعليم الله وهدايته، ينبغي أن يكون المؤمن المُستشكل، ولو استطالَ به الزَّمَن، واستكثَرَ ما بَذَله مِن جهدٍ ووقتٍ في تفهُّمِ سُنَّة نبيِّه، فإنَّه «لا يستعمِل في ذلك الظُّنون الَّتي حرَّم الله تعالى عليه استعمالها في غيره، وإذا كان استعمالها في غيرِه حرامًا، كان استعمالها فيه أحرَم» (٤)؛ فإذا «كان الموضعُ مِمَّا يَتَعلَّق به حكمٌ عَمليٌّ: فليلتَمِسْ المخرجَ، حتَّى يقف على الحقِّ اليقين، أو لِيَبْقَ باحثًا إلى الموتِ، ولا عليه مِن ذلك!» (٥)،
стр. 86
«ولكن يَمنعُ مِن ذلك طلبُ الرِّياسة، وحبُّ الأتْباع، واعتقاد الإخوان بالمَقالات!» (١).
стр. 87
المطلب السَّابع
الحكمة مِن وجودِ المُشكلِ في النُّصوصِ الشَّرعيةِ
لم يخلُ كلام الله ﷻ وهو أحكمُ الحاكمين، وكلامُه أحسن الكلامِ وأصدقُه، ولا كلام رسولِه ﷺ ، وهو أفصحُ النَّاس وأنصَحُهم، مِن بعضِ مُتشابهٍ يختلِفُ النَّاس في دركِه، فتنةً تَصْغى إليها أفئدة الَّذين في قلوبهم مَرض، وفُسحةً مِن الاجتهادِ والتَّحرِّي يَنعمُ بأجرها عبادُه المُخلَصون؛ لتتفاوَت درجاتُهم في شرفِ العِلم والمعرفة، ولْيَختلف النَّاس حِيالها بين مُصيبٍ ومخطئٍ، ومُجتهدٍ ومُقلِّدٍ، ومُتأنٍّ ومُتهوِّرٍ، ومَأجورٍ ومَوْزورٍ، فإنَّ هذه المساحةَ الواسعةَ مِن تحرِّي معاني الوحي لم تُوضَع لِمن سَفُلت هِمَّتُهم، من الَّذين يَبتغون كلَّ شيءٍ مُحكَمًا في مَنطوقِه.
وفي تقريرِ شيءٍ مِمَّا لأجلِه كانت البَلوى بالمُشكلاتِ المَعنويَّة في نصوص الكتاب والسُّنة، يقول ابن القصَّار المالكيُّ (ت ٣٩٨ هـ) (١):
«اِعلم أنَّ للعلومِ طُرقًا، منها جَليٌّ وخَفيٌّ، وذلك أن الله ﵎ لمَّا أرادَ أن يمتحِنَ عبادَه وأنْ يبتليَهم، فرَّق بين طُرقِ العِلم، وجعل منها ظاهِرًا
стр. 88
جَليًّا، وباطنًا خفيًّا، ليرفع الَّذين أوتوا العلم، كما قال : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]» (١).
وحيث أنَّ النَّاسَ مُتفاوتون في علومِهم وإدراكاتهم وغاياتِهم، مُتباينون في امتِثالِهم لنصوصِ الوَحْيَين، فكان مِنهم الرَّاسخون في العِلم، الذَّابُّون عن حياض الشَّريعة، ومِنهم أهلُ زَيغٍ صبغوا دينَهم بلونِ أهوائِهم؛ فإنَّه مِن خلالِ التَّبصُّرِ بهذا الافتراقِ، نُدرِك الحكمةَ الكبرى مِن وجودِ هذه المُشكلاتِ في النُّصوصِ الشَّرعيةِ أنَّها: تَمحيصُ ما في القلوبِ مِن اليقينِ والتَّسليمِ لله ورسولِه، وابتلاءُ العقولِ لتستفرِغَ الوُسعَ في التَّوَصُّل إلى مُراداتِ الله تعالى.
وفي تقريرِ هذا المَقصد الجليل لهذا النَّوع من النُّصوص، يقول أبو إسحاق الشَّاطبي: «مَسألة المُتشابهاتِ لا يَصِحُّ أن يُدَّعى فيها أنَّها مَوضوعةٌ في الشَّريعة، قصدَ الاختلافِ شَرعًا .. بل وَضعها للابتلاءِ؛ فيعملُ الرَّاسخون على وفقِ ما أخبرَ الله تعالى عنهم، ويَقع الزَّائغون في اتِّباعِ أهوائِهم» (٢).
ويُعبِّر المُعلِّمي أيضًا عن حكمة ذلك، فيقول: «في بقاءِ المَنسوخ بعيدًا عن ناسخِه، والإتيان بالمُجمل بنَوْعيه: ابتلاءٌ مِن الله تعالى لعبادِه، فيكون عليهم مَشقَّةً وعناءً في استنباطِ الأحكام، لاحتياجِ ذلك إلى الإحاطةِ بنصوصِ الكتابِ والسُّنةِ واستحضارِها، وفي ذكرِ ما لا سبيلَ للعبادِ إلى معرفةِ كُنهِه وكيفيَّته، مع ما يَتَعلَّق بذلك مِن المعاني الظَّاهرة، ابتلاءً لهم، ليمتاز الزَّائغُ عن الرَّاسخ» (٣).
ولُبُّ الكَلِم في مثل هذا المَقام أن يُقال:
إنَّ عُبوديةَ الإنسان الحقَّةَ لربِّه ﵎، إنَّما تَتَجلَّى في أنصعِ صُوَرِها: عند مُجاهدةِ الإنسانِ لهَواه وشيطانِه؛ هذا الصِّراعُ داخل النَّفسِ البَشريَّةِ، بما فيها
стр. 89
مِن لحظاتِ نصرٍ وهزيمةٍ، وإقبالٍ وفرار: هو المُؤشِّر الصَّادق لمَدى خضوعِ الإنسان لربِّه، وتَذلُّله على عَتَباتِ عُبوديَّتِه؛ «فإنَّما حُفَّت الجنَّة بالمَكاره»!
فربُّنا هذا العليم سبحانه، لو أرادَ لجَعَلَ دينَه مُحكمًا كُلَّه، بما لا يُحوِجُنا معه إلى مشقَّة نَظَرٍ أو عناء تَبصُّر؛ لولا أنَّه قَضى بحكمته في الأزل: أنَّ مُعاناةَ عبادِه لوَحْيِه وأنوارِ رسالتِه، واشتِجارَ المَحابِرِ على الأوراقِ في بيانِ مُرادِه، ومُجاهدةَ أنفسِهم لتَقبُّلِ قَضائه في أحكامِه وإن خالَف مُشتَهياتِها، وحِرصَهم على استخراجِ النُّورِ الأوَّلِ مِن كلِماتِه لتَمثُّلِه؛ هذه المُكابَدات كلُّها: هي في ذاتها من أعظمِ ضروب العبوديَّة، وأجلى مَظاهرها على العَبد.
ومع استصحاب هذه المعاني الجليلة كلِّها للنَّاظر في أحرُف الوَحي، يحذرُ السَّالك في هذا الطَّريقِ من المُجاهَدات أنْ يغفلَ عن الاهتداءِ بتلك المَعالِم السَّالِف سَردُها، وما سَبَقها مِن قواعد منهجيَّة، كي لا يُسيء التَّعامل مع الإشكالات العارضة له، فتَتكاثر عليه، حتَّى تصير أشبهَ بمِطْرَقةٍ ما تلبثُ أن تُهشِّمَ المناعةَ في قَلبِه! يكون بها قابِلًا لأيِّ انحرافٍ وانتكاسٍ فكريٍّ؛ لا بسبب قوَّةٍ في ذات الشُّبهات الواردة عليه -ولو تَراءى للنَّاسِ أنَّها مَن أهلكته- بل لهشاشةِ حصانتِه القَبْليَّة، وضَعْفِ مَناعتِه الفكريَّة، جرَّاءَ تخبُّطِه المَنهجيِّ في التَّعامل معها أوَّلَ مرَّة.
ولو كان ثَمَّ تعَقُّلٌ في مُعاملةِ الأسئلةِ العَارضةِ له على نصوصِ الوَحي، فتَعاطى مع السُّؤالِ بطريقة وَاعية مَنطِقيَّة، لعادَت النَّفسُ لوَضْعِها الطَّبيعي مُطمئنَّةً ولو بعد حينٍ.
نعم، قد تَستمِرُّ الإشكاليَّةُ في ذهنه طويلًا مع تَأنِّيه وتَعَقُّله، لكنْ بعد أن يكون مُتأثِّرًا بالسُّؤالِ حقيقةً، لا بالحالةِ النَّفسيَّةِ الَّتي هَشَّمتها المِطرقة! (١)
стр. 90
إنَّ كثرةَ تلك العَوارِضِ والإشكالات الفكريَّة الَّتي تأتي على قلبِ المُسلمِ، عادةً ما تُضعِف مِن وَهَجِ تسليمِه لنصوصِ الوَحْيَين مع الوقت، فتؤثِّر في إدراكِه لحقيقةِ معانيها، وإن كان صادقًا في اتِّباعِ الشَّرع! فليس الزَّلل في هذا المَقام الخطير مُقتصرًا على مَرضى القلوبِ، بل حَرُّها يَمسُّ أيضًا مَن تكاثَرت عليه الشُّبهاتُ مِن غيرِ مَنَعةٍ عِلميَّةٍ، حتَّى تصير تلك الشُّبهات نفسُها المِعيارَ الَّذي يُقيِّم النُّصوصَ من خِلالِها؛ فلقد أضَرَّت المسكين بتسليمِ قلبِه ولَوْ لِمامًا (١).
وحاصلُ القولِ في هذا البابِ: ما أحكمَ ابن تيميَّة سبْكَه في كلماتٍ بليغات، جَمَعت بين متانةِ التَّقعيدِ العلميِّ، وروحِ التَّوجيه التَّربوي، يقول فيهنَّ:
«التَّكذيب بما لم يُعلَم أنَّه كذب، مثل التَّصديق بما لا يُعلَم أنَّه صدق! والنَّفي بلا علم بالنَّفي، مثل الإثبات بلا علمٍ بالإثبات! وكلٌّ من هذين قولٌ بلا علم.
ومَن نَفى مضمونَ خبرٍ لم يَعلم أنَّه كذب، فهو مثل مَن أثبتَ مضمونَ خبرٍ لم يَعلَم أنَّه صدق، والواجبُ على الإنسان فيما لم يقُم فيه دليل أحد الطَّرفين، أن يُسرِّحَه إلى بُقعةِ الإمكان الذِّهني، إلى أن يحصل فيه مُرجِّح أو موجب، وإلَّا يكون قد سَكت عمَّا لم يعلم، فهو نصف العلم.
فرحم الله امرأً تكلَّم فغنم، أو سكَت فسلِم، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقُل خيرًا أو ليصمُت، وإذا أخطأ العالمُ لا أدري، أُصيبت مَقاتله .. » (٢).
أعاذَ الله مَقاتِلنا أن تُصاب، وأفهامَنا أن تزيغَ عن الصَّواب؛ آمين.
стр. 91
المَبحث الثَّالث
الأصلُ العقليُّ الجامع لمُخالفي أهلِ السُّنة في ردِّهم للدَّلائل النَّقليَّة
هذا الأصل وإن كان مُضمَّنًا في البحث الأوَّل، في كلامِنا عن أثرِ الخطإ في فهمِ الأصل المُعارَض به الحديث، لكنَّا لأهميَّته ومَركزيته في ردِّ المُخالفين لصِحاح السُّنة، خصَّصنا له هذا المَبحث مُستقلًّا، ليتِمَّ لنا تصوُّر مأخذِ المُخالفين في استعمالِه، وكشف ما يكتنفه مِن مُغالطاتٍ في تقريراتِ دُعاتِه، ومِن ثمَّ نقول:
стр. 92
المطلب الأوَّل
بدايات الزَّحف المُتمعقِل على ساحة المَعارف الشَّرعيَّة
النَّاسُ في رَدِّ الأخبارِ الشَّرعيَّةِ درجاتٌ، تَتفاوت رُتَبُهم في مُفارَقتها، كلُّ درجةٍ يُضيِّق أهلُها من دائرةِ الاحتجاجِ بالوَحي بقدرِ ما نَقُص فيها مِن التَّسليمِ لنصوصها، وبقدرِ ما داخلَ نفوسَها مِن العوارضِ والعوائقِ الفكريَّة الفاسدةِ.
وكثيرًا ما تكون الدَّعاوي العقليَّة هي المُنطلَقَ لأيِّ انحرافٍ عن السُّنة، ذلك أنَّ «كلَّ مَن أصَّل أصلًا لم يُؤصِّله الله ورسولُه، قادَه قسرًا إلى ردِّ السُّنة وتحريفِها عن مَواضِعها» (١)؛ ونتيجةً لذلك، يجدُ أحدُنا بتأمُّله في مَقالاتِ الخَلَفِ المُناوئين لموقفِ الأسلافِ مِن النُّصوصِ الشَّرعيَّة، بدءًا بالمدارسِ الكلاميَّة والفلسفيَّة القديمةِ، وانتهاءً بتفرُّعاتِهم الفكريَّة المُعاصرة بشَتَّى أطيافِها: يجدُ ارتكازَهم في تأسيسِ مَذاهبِهم هذه قائمًا على أصل جامعٍ يَنتظم نظرَتَهم إلى السُّنَن المَنقولةِ، مَصوغًا في تقعيدِهم لـ: «أوَّليةِ العقلِ على النَّقلِ».
فهذه أمُّ شُبهاتِهم في هذا البابِ من تَعارضِ الأدلَّة، تَجري على لسانِ كلِّ مَن نافرَ نصًّا شرعيًّا يُخالف مُقرَّراتِه الفكريَّة أو العَقديَّة، وكلَّما عَظُمَت هذه القاعدة في نفسِه، ضَعُف التَّسليمُ لنصوصِ الشَّريعة في قلبِه.
стр. 93
يقول أبو المظفَّر السَّمعاني (ت ٤٨٩ هـ): «فصلُ ما بيننا وبين المُبتدعةِ هو مسألةُ العقل، فإنَّهم أسَّسوا دينَهم على المَعقولِ، وجَعلوا الاتِّباعَ والمأثورَ تَبعًا للمَعقول» (١).
والمُتقَرَّر لمَن قَلَّب صَفحاتِ التَّاريخِ وعايَنَ مناهجَ الفِرَق الإسلاميَّة في الاستدلال الشَّرعي: أنَّ عصرَ الصَّحابةِ وكبارِ التَّابعين لم يَكُن فيه مَن يُعارض النُّصوصَ بمناهج عَقليَّةٍ محضةٍ كالمُستحدَثَة بعدهم؛ بل لم يكُن لهم اشتغالٌ بغيرِ الكتابِ والسُّنة لتحصيلِ المَطالب الدِّينيَّة، «فالخوارجُ والشِّيعة إنَّما حَدَثوا في آخرِ خلافةِ علي ﵁، والمُرجئة والقَدريَّة حَدَثوا في أواخرِ عصرِ الصَّحابة ﵃، وهؤلاء كانوا ينتحِلون النُّصوصَ، ويَستدلُّون بها على قولهم، لا يَدَّعون أنَّ عندهم عقليَّاتٍ تُعارض النُّصوصَ» (٢).
وفي تقريرِ هذه الحقيقةِ التَّاريخيَّة المنهجيَّة عند الصَّحابةِ ﵃، يقول المَقريزيُّ (ت ٨٤٥ هـ):
«مَن أمْعنَ النَّظرَ في دواوين الحديثِ النبويِّ، ووَقَف على الآثارِ السَّلفيَّة، عَلِم أنَّه لم يَرِد قَطُّ مِن طريق صحيحٍ ولا سَقيمٍ عن أحدٍ مِن الصَّحابةِ ﵃، على اختلافِ طبقاتِهم وكثرةِ عَددِهم .. أنَّه عرَف شيئًا مِن الطُّرقِ الكلاميَّة، ولا مسائل الفلسفة، حتَّى مَضى عصر الصَّحابة ﵃ على هذا» (٣).
حتَّى إذا تطاوَل بالنَّاس الأمَد، وابتعدوا عن أنوارِ النُّبوَّةِ الأولى، ودَخَل في الدِّينِ مَن لم ينفَكَّ عن رَواسبِ الجاهليَّة، دبَّ الافتراقُ الشَّديد في مناهج اعتقاد الأمَّة، وانشطَرت إلى فِرَقٍ جانَبَت هَديَ السَّلف الصَّالحين، وفَشَت فيهم مناهج مُستحدَثةٌ في التَّلقي والاستدلال.
وفي تقرير هذا الانحراف المَعرفيِّ، يقول السُّيوطي (ت ٩١١ هـ): «إنَّ علومَ الأوائل دَخَلت إلى المسلمين في القرنِ الأوَّل لمَّا فتحوا بِلاد الأعاجم، لكنَّها لم
стр. 94
تكثُر فيهم، ولم تشتهر بينهم، لما كان السَّلف يمنعون مِن الخوضِ فيها، ثمَّ اشتهرت في زَمَن البرمَكِيِّ (١)، ثمَّ قَوِي انتشارُها زمنَ المأمون (٢) لمِا أثارَه مِن البِدَع، وحَثَّ عليه مِن الاشتغالِ بعلومِ الأوائل، وإخماد السُّنة» (٣).
ولماَّ كانت أغلبُ قلوبِ المُستقبِلين لهذه المَعارفِ الفلسفيَّةِ الدَّخيلةِ خاليةً مِن نورِ القرآنِ والسُّنةِ، تمكَّنت فيها تلك الأفكار الوافِدة، وافتُتِنوا ببهرُجِها، فسَلَّموا لكثيرٍ مِن أصولِها في التَّفكير وقواعِدها في الاستدلال وأساليبِها في الحِجاجِ، ثمَّ استَوْلَدوا منها أصولًا مُفارقةً لِما دلَّت عليه القواطع الشَّرعيَّة.
وفي وصفِ حالِ هؤلاءِ مع الدَّلائل النَّقليَّة، يقول ابن تيميَّة:
«مِن المَعلوم أنَّ المُعظِّمين للفلسفةِ والكلام، المُعتقِدين لمضمونِهما، هم أبعدُ عن معرفةِ الحديثِ، وأبعدُ عن اتِّباعِه .. ، بل إذا كَشَفت أحوالَهم، وجدتَّهم مِن أجهلِ النَّاسِ بأقوالِه ﷺ وأحوالِه، وبواطنِ أمورِه وظواهرِها، حتَّى لتجِدُ كثيرًا مِن العامَّة أعلمَ بذلك منهم، ولتجدهم لا يُميِّزون بين ما قاله الرَّسول وما لم يَقُله، بل قد لا يفرِّقون بين حديثٍ مُتواتر عنه، وحديثٍ مَكذوب مَوضوع عليه! وإنَّما يعتمدون في مُوافقتِه على ما يُوافق قولَهم، سواءً كان موضوعًا أو غير موضوع .. وهم لا يَعلمون مُراده ﷺ ، بل غالبُ هؤلاء لا يعلمون معاني القرآن، فضلًا عن الحديث! بل كثيرٌ منهم لا يحفظون القرآنَ أصلًا» (٤).
فكان أخطرَ ما بَدَأ به هذا السَّيلُ المُتمَعقِل في انجِرافِه: أنْ كَدَّر على النَّاس صفاءَ المنبعِ الإسلاميِّ، ولطَّخَ سَواقيَه بدَخَنِ الأديانِ الأخرى، صارَ معه المتكلِّمون -بتعبيرِ أحمد أمين- «صِلَةً لأشياء مُختلفةٍ: كانوا صِلةً بين الأديانِ
стр. 95
بعضِها وبعض، وصِلةً بين الفلسفة والدِّين، وصِلةً بين الفلسفةِ والأدبِ، فلو قُلنا: إنَّ المتكلِّمين كانوا مِن أظهرِ القائِمين بعمَليَّة المزج، لم نَبعُد عن الصَّواب» (١).
هذه العمليَّة في المَزجِ بَلغت مَداها حينَ أصبحَ غالبُ مادةِ الكلامِ مِن الفلسفةِ، مِمَّا أضْعف الانتهاضَ بنصوصِ الوَحي عند أربابِه، واشتدَّ الغلوُّ في العقلِ بسَقَطاتِه، و «لولا استشهادُ المُتكلِّمين أحيانًا بالأدلَّةِ السَّمعية، لما تَميَّزت مادةُ الكلامِ عن الفلسفةِ!» (٢).
فكان لهذا التَّحوُّل المَنهجيِّ في تلقِّي المَعارف عند فئامٍ من المُسلمين، الأثرُ البليغُ في تشكيلِ تَصوُّراتٍ خاطئةٍ عن دلالاتِ النُّصوص الشَّرعيَّة، وعن أخبار الآحادِ النَّبويَّة، إذ لم تصِر مُعوَّلهم في تأسيسِ العقائد وأصول الأحكام، وقد عادَ عليهم كلُّ هذا بالنَّقصِ في عباداتِهم، بل وحِدَّة أخلاقِهم.
وفي وصفِ هذه الحالةِ الانتقاليَّة من الارتياضِ في علوم الوَحيِ، إلى ارتشافِ المُتشرِّعين للعقلانيَّاتِ، ونأيِهم بالتَّدريج عن النَّقليَّاتِ، يقول ابن الجوزيُّ (ت ٥٩٧ هـ):
« .. ثمَّ نظَر إبليس، فرَأى في المسلمين قومًا فيهم فطنة، فأراهم أنَّ الوقوف على ظواهر الشَّريعة حالةٌ يُشاركهم فيها العوامُّ، فحسَّن لهم علومَ الكلام، وصاروا يحتجُّون بقول بُقراط وجَالينوس وفيثاغورس! وهؤلاء ليسوا بمُتشرِّعين، ولا تبعوا نبيَّنا ﷺ ؛ وإنَّما قالوا بمُقتضى ما سوَّلت لهم أنفسُهم.
وقد كان السَّلف إذا نَشأ لأحدِهم وَلدٌ؛ شغلوه بحفظِ القرآن وسماع الحديث، فيثبُت الإيمان في قلبه؛ فقد توانى النَّاس عن هذا، فصار الولد الفطن يتشاغل بعلوم الأوائل، وينبذ أحاديثَ الرسول ﷺ ، ويقول: أخبارُ آحاد! وأصحاب الحديث عندهم يُسمَّون: حشويَّةً! ويعتقد هؤلاء أنَّ العلم الدَّقيق علم
стр. 96
الطَّفرة والهَيُولى، والجزءُ الَّذي لا يتجزَّأ، ثمَّ يتصاعدون إلى الكلام في صفاتِ الخالق، فيدفعون ما صَحَّ عن رسول الله ﷺ بواقعاتهم ..
وقد عُزل هؤلاء الأغبياء عن التَّشاغل بالقرآن، وقالوا: مخلوق! فزالت حُرمَته من القلوب؛ وعن السُّنة، وقالوا: أخبارُه آحاد! وإنَّما مذاهبُهم السِّرقة مِن بُقراط وجالينوس! وقد استفاد مَن تَبِع الفلاسفةَ أنَّه يُرفِّه نفسَه عن تعبِ الصَّلاة والصَّوم!» (١).
стр. 97
المطلب الثَّاني
إمامةُ المُعتزلةِ في تبنِّي النَّظرةِ التَّصادُميَّة بين نصوصِ الوحيِ والعقل
تلك جملةٌ مِن العَوامل الَّتي أبرزَتِ النَّزعةَ العقليَّة في كثيرٍ مِن حَملة الشَّريعة، وإنْ لم تستقِرَّ قواعدُها في تَناظُراتِهم، ولا مُصطلَحاتُها في مَقالاتِهم، إلَاّ على أيدي شيوخِ المُعتزلة، بعدَ «أنْ طالعوا كُتبَ الفلاسفةِ حين انتشرَت أيَّامَ المأمون، فخَلَطت مناهِجَها بمناهجِ الكلام، وأفردَتها فَنًّا مِن فنونِ العلمِ، وسَمَّتها باسمِ الكلامِ» (١).
وهذا الأمر ما دَعا المستشرقَ البريطاني (هامِلتون جُب) إلى التَّأكيدِ على «أنَّ المعتزلة قد صَبُّوا عقائِدَهم في قوالبِ الأفكارِ اليونانيَّة، واستوحوا تأمُّلاتِهم الدِّينية مِن الميتافيزيقا اليونانيَّة، بدلًا مِن القرآن» (٢).
وقد عَرَفَ هذا المذهب أوجَ تأثيرِه زمنَ المأمون والمُعتصم (ت ٢٢٧ هـ) (٣)،
стр. 98
وزَمَنًا مِن خلافةِ الواثقِ (ت ٢٣٢ هـ) (١) بقوَّةِ السُّلطان، وقمعِ أهلِ الإيمان، ثمَّ سُرعانَ ما انحسَرَ آخرَ زمَنِ الواثق، لِيَشتَدَّ ضعفُهم زمنَ الخليفةِ المُتوكِّل (٢)، ويتَشَتَّتَ شملُهم إلى فِرقٍ فرعيَّة مُتنافِرة، لا يكادون يتَّفقون إلَّا على أصولهِم الخمسةِ (٣)،
قد كثُر التَّبديع فيما بينهم، بل يَرتقون إلى التَّكفير (٤)!
стр. 99
المطلب الثَّالث
مَوقف المُعتزلة مِن الأحاديثِ النَّبويَّة بخاصَّةٍ
المُعتزلة مِن أوائلِ الفِرق الإسلاميَّةِ المَقرونِ اسمُها مع العقلِ غُلوًّا في تَوظيفِه، حيث قَدَّمته أوَّلًا على باقي مَراتبِ الأدلَّة (١)؛ ثمَّ تَقَعَّد هذا المَنحى فيها وتمكَّن على يَدِ أبي الهُذيل العَلَّاف (ت ٢٢٦ هـ) (٢)، إذ كان أوَّلَ نزَّاعٍ إلى العَقلنةِ اليونانيَّةِ مِن طائفتِه، استاقَ مِن الكُتبِ المُترجِمةِ لأفكارِ الفلاسفةِ ما أفرَغَه في كلامِ أهلِ الاعتزال (٣) -بشهادةِ تلميذِه النَّظام (٤) (ت ٢٣١ هـ) (٥) - فتوَلَّدت عن ذلك أصولٌ مَشينةٌ، حَطَّ بها مِن قَدرِ الأخبارِ النَّبويَّة بخاصَّة.
تَرى شاهِد هذا الانحراف منه عن الأخبار في مثلِ قولِه: «الرِّواية ريبةٌ، والحُجَّة في المَقايِيس» (٦)، وقولِه: «إنَّ الحُجَّة مِن طريق الأخبارِ فيما غاب عن
стр. 100
الحواسِّ مِن آياتِ الأنبياء ﵈، وفيما سِواها لا تثبُت بأقلِّ مِن عشرين نفسًا، فيهم واحدٌ مِن أهلِ الجنَّة أو أكثر»! (١)
ومِن شَواهدِ هذا الانحرافِ الاعتزليِّ عن الأحاديثِ:
ما قرَّره عبد الجبَّار الهَمداني (ت ٤١٥ هـ) (٢) في قولِه: «ما سبيلُه مِن الأخبار، فإنَّه يجب أن يُنظَر فيه: فإنْ كان ممَّا طريقه العمل، عُمِل به إذا أورِد بشَرائِطه، وإن كان ممَّا طريقُه الاعتقادات، يُنظر: فإنْ كان مُوافقًا لحُجَجِ العقولِ، قُبِل واعتُقِد مُوجبُه، لا لمكانِه، بل للحُجَّة العقليَّة، وإنْ لم يكن مُوافقًا لها، فإنَّ الواجب أن يُرَدَّ، ويُحكَم بأنَّ النَّبي ﷺ لم يَقُله، وإنْ قالَه، فإنَّما قاله على طريقِ الحكايةِ عن غيره! هذا إنْ لم يحتمِل التَّأويلَ إلَاّ بتعسُّف، فأمَّا إذا احتمَله، فالواجب أن يُتأوَّل» (٣).
أمَّا إبراهيم النَّظَّامِ؛ فقد بَلَغ به الغلوُّ مَداه حينَ بوَّأ العقلَ رُتبةَ الدَّليل النَّقليِّ، فكان يقول: «إنَّ جِهةَ حُجَّة العَقْلِ، قد تنسخُ الأخبار»! وهذا نَسَبه له ابن قُتيبة (٤).
فهذا التَّقديم للعقلِ على دلائل النَّقل -وإن لم تَدَّعِ المعتزلةُ بأنَّه تقديمُ رتبةٍ وتفضيلٍ- إلَاّ أنَّ تَصرُّفاتِهم في بابِ العقائدِ والأحكامِ برهانٌ عمليٌّ على جعلِهم العقلَ حاكِمًا على النُّصوصِ، يظهر ذلك فيما يتناولونَه مِن الدَّلائل السَّمعيَّة.
فأمَّا الدَّلائل القُرآنيَّةُ: فلِكَوْنها قطعيَّةَ الثُّبوتِ، لم يَستطيعوا رَدَّها، بل اكتفوا بتطريقِ الاحتمالاتِ على دَلالاتِها، ليُنْفَى عنها إفادة اليَقين.
стр. 101
وأمَّا أخبارُ الآحاد: فهي المَرتَع الخصبُ لظهورِ الطُّغيان الاعتزاليِّ، فيَردُّون السُّنَن بحُجَّةِ ظنيَّةِ ثبوتِها، فضلًا عن دلالتِها، وهذه كُتُبهم تَرشحُ بنَفَسِ التَّعطيلِ لمَدلولات تلك الأخبار، والتَّأبِّي عن قَبولها (١)؛ ناطقةٌ بعدمِ اعتبارِ الحديثِ حين يخُالفُ مَعقولاتِهم، وهذا برهانٌ آخر على أوَّليَّة العقلِ عند قيامِ التّعارض.
بَيْدَ أنَّ ما تقَدَّم مِن تَباعُدِهم عن الاحتجاجِ بالآحادِ، لا يعني لِزامًا أنَّهم لا يَرفعون رأسًا بالحديثِ مُطلقًا، فإنَّهم -مهما قُلنا عن غُلوِّهم في العقليَّاتِ- مُعَظِّمون لكلامِ نَبيِّهم ﷺ إذا اطمأنُّوا لصدورِه.
فهذا أبو سَعدٍ السَّمان (ت ٤٤٧ هـ) (٢) -أحَدُ مُشتغليهم بروايةِ الحديث، وقليلٌ ما هم- كان يقول: «مَن لم يَكتُب الحديثَ، لم يَتَغَرْغَر بحَلاوةِ الإسلام» (٣).
وانظر قبله إلى أديبِهم الجاحظ (ت ٢٥٥ هـ)، وهو يَدعو بكلِّ ثقةٍ خُصماءَه مِن مُتشيِّعة زمانِه إلى التَّحاكم في حُجِّية الأخبارِ إلى أهل الحديث، ويقول في مُناظرتِهم: « .. مَتى ادَّعينا ضعفَ حديثٍ وفسادَه، فاتَّهمتم رأيَنا، وخِفتم مَيْلَنا أو غَلَطنا، فاعترضوا حُمَّالَ الحديث وأصحابَ الأثر، فإنَّ عندهم الشِّفاء فيما تنازعنا فيه، والعلمَ بما التبَسَ علينا منه؛ ولقد أنصَف كلَّ الإنصاف مَن دعاكم إلى المَقنَعِ، مع قُربِ دارِه، وقلِّة جَوْرِه، وأصحاب الأثر مِن شأنهم روايةُ كلِّ ما صحَّ عندهم، عليهم كان أو لهم» (٤).
إنَّما أهْوَى بكثيرٍ من المُعتزلةِ في مَهاوي الرَّدى، اشتراطُهم للاحتجاجِ بالحديثِ شروطًا لا دليلَ عليها مِن كِتابٍ أو سُنَّة أو عَملِ سَالِفٍ، كاشتراطِهم التَّواترَ في بابِ العقائد، ورَدِّ الآحاد منها (٥)، واشتراطِ مُتأخِّريهم للعَددِ في الرِّواية
стр. 102
كما في الشَّهادة (١)، كلُّ هذا لِيَسلَم لهم أصلُهم العقليُّ الأوَّل مِن أيِّ مُعارَضةٍ مُؤثِّرة.
والمُحصِّلةُ: أنَّ المنهج الاعتزاليَّ قائمٌ على التَّضييق في باب الاحتجاجِ بالسُّنة في مسائل الاعتقادِ، بدءً: بمنعِ الرَّسولِ أن يكون قد أخبرَ في الإلهيَّات بشيءٍ، خاصَّةً في صفاتِه وأفعالِه، فيزعمون أنَّه لم يُخبر في ذلك بخَبرٍ بُيِّن فيه الحقُّ بيقين، بخلاف غيرها من مسائل العمليَّات (٢)، ولذلك طُوِيَت صفحات أعمارِهم على بحثِ هذه المَسائل العَقديَّةِ بمُجرَّدِ عقولِهم.
ثمَّ انتهاءً بطعنِهم في نسبةِ هذه الأحاديث إلى النَّبي ﷺ ، إذ رَدُّوا «الأحاديثَ المُخالفةَ لأقوالِهم وقواعدِهم، ونَسَبوا رُواتها إلى الكذبِ والغلطِ والخطأِ في السَّمع، واعتقاد أنَّ كثيرًا منها مِن كلام الكُفَّار والمشركين! كان النَّبي ﷺ يحكيه عنهم، فرُبَّما أدركَه الواحدُ في أثناء كلامِه بعد تصديرِه بالحكاية، فيسمع المَحكِيَ، فيعتقده قائلًا له لا حاكيًا» (٣).
فهذه الدَّعوى الواهنة قد حكاها عنهم ابن القيِّم، قد وجدتُها -حقيقةً- في صنيع بعضِ كُبرائهم، كالقاضي عبد الجبَّار؛ حيث كان يَتعلَّل أحيانًا بهذا الاحتمال السَّاقطِ لردِّ ما تدفعُه نفسُه من أحاديث الصِّفات!
ترى هذا الصَّنيعَ له في مثل قولِه: « .. ومِمَّا يتعلَّقون به، أخبارٌ عن النَّبي ﷺ ، وأكثرُها يتضمَّن الجبر والتَّشبيه، فيجبُ القطع بأنَّه لم يَقُله، وإن قال، فإنَّه ﷺ قاله حكايةً عن قومٍ، والرَّاوي حذف الحكايةَ ونقَلَ الخبرَ» (٤)؛ ثمَّ طَبَّق هذا الاحتمالَ على أحاديثِ الرُّؤية، مع أنَّها مَنقولةٌ بالتَّواتر!
стр. 103
ولسنا نَنْفي أنَّ الحاجةَ قد تَستَدْعِي المُعتزلةَ لقَبولِ بعضِ الأحاديث وسَوقِها في مَقاماتِ الاحتجاجِ، لكن اعتِضادًا لا تَأسِيسًا، «فإنَّهم لا يَعتَبِرون الآحادَ مِن السُّنةِ إلَّا على وجهِ التَّعارُف، وذلك بعد مُوافقتِه للعقلِ» (١).
وهم قد يفعلون ذلك أيضًا ليَدفعوا تشنيعَ أهلِ السُّنةِ عليهم بمُجافاةِ سُنَّةِ النَّبي ﷺ ، «فإنَّهم لا يكادون يَلتَفِتَون إليه، وخصُومُهم يَتَسَلَّقون عليهم مِن جِهَتِه، وينَسِبونَهم إلى قِلَّة العلمِ به، ورُبَّما حَاجُّوهم في النَّبي ﷺ يَسألونَهم عنه!» (٢).
والقصدُ من مُجمل هذا: أنَّ المُعتزلةَ شَكَّلَت مَوقِفها مِن أخبارِ الآحادِ، بحسبِ اتِّساقِها أو فِراقِها لأصولِهم الخمسةِ، فما كان على نَقيضِ مُقتضاها «مِن آياتٍ يُؤوِّلونها، وما يُعارضها مِن أحاديث يُنكرونها .. ولذلك، فإنَّ مَوقِفَهم مِن الحديثِ كثيرًا ما يكون موقفَ المُتشَكِّك في صِحَّته، وأحيانًا موقفَ المُنكر له، لأنَّهم يُحكِّمون العقلَ في الحديث، لا الحديثَ في العقل» (٣).
стр. 104
المطلب الرَّابع
تأثير الفكرِ الاعتزاليِّ في الفِرق الكلاميَّة
قريبًا مِن هذا المَسلكِ الغالي في العَقليَّات، مَشَى كثيرٌ من الأشاعرةِ المُتأخِّرين، وإن كانوا هم ألصَقَ بالنُّصوصِ الشَّرعيَّة مِن أولئك، وأشَدَّ تَعظيمًا لها، وأتبَعَ لمنهجِ السَّلف الصَّالحين؛ أذكرُ منهم أبا حامِدٍ الغزاليِّ (ت ٥٠٥ هـ) (١)، هذا العَلَمُ الكبير -وإن كان مُناوِئًا لأهلِ الاعتزالِ في جُملةِ تَقريراتِهم- إلَّا أنَّ له مِن التَّأصيلاتِ في باب العقائد ما يُوافق نظرَتهم إلى الدَّلائل النَّقليَّة، فيردُّ أكثر أحاديث الصِّفات لإيهامها التَّشبيه في حقِّ الله تعالى.
ترى ذلك -مثلًا- في قوله: « .. ما قَضَى العَقْلُ باسْتحالتِهِ، فيَجِبُ فيه تأويلُ ما وَرَدَ السَّمْعُ به، ولا يُتصوَّرُ أَنْ يَشْتَمِلَ السَّمْعُ على قاطعٍ مُخالفٍ للعقولِ، وظَوَاهرُ أَحاديثِ التَّشبيه أَكثرها غيرُ صَحيحةٍ، والصَّحيحُ منها ليس بقاطعٍ، بل هو قابلٌ للتَّأويلِ» (٢).
стр. 105
وقبله شيخُه أبو المَعالي الجُوَينيُّ (ت ٤٧٨ هـ) (١) وهو عَمودُ الأشعريَّةِ الكُلَّابيَّة، كان «مع فرطِ ذكائِه، وإمامتِه في الفروعِ وأصولِ المذهب، وقوِّةِ مُناظرتِه، لا يدري الحديثَ كما يَليقُ به، لا مَتنًا ولا إسنادًا» (٢)، وقد ورث مقالةَ عبد الجبَّار في كلامِه على بعضِ الصِّفات الإلهيَّة، فيدفعُ بها في نحرِ الصِّحاحِ من الأخبار، ويتكَلَّف في إيجادِ مَنفذٍ في طرائِق نَقْلِها ليَصِل مِن خلالِها إلى تضعيفِها، فإذا أصابه الذُّهول مِن متانةِ دعائم تلك النُّقول، تكلَّف بكلامٍ في علم الحديث لو أحجَم عنه بادئ الأمر كانَ خيرًا له.
من ذلك -مثلًا- قولُه في حديث النُّزول المَشهور (٣): «إنَّ الحديثَ وإن رواه الأثبات، ونقلَه الثِّقات، فلم يُجمع أهل الصَّنعة على صِحَّتِه، على معنى أنَّه منقول عن الرَّسول ﷺ قطعًا، وإنَّما انكفَّ أهل التَّعديل عن التَّعرُّض للحديث الَّذي نَقلوه، مِن حيث لم يظهر ما يَتضمَّن مَطعنًا وقدحًا في النَّقَلة، وهم مع ذلك يُجوِّزون على رُواة الخبر أن يزلُّوا ويغلطوا .. » (٤).
وهكذا ترى الجُوينيَّ يَستميتُ في منعِ كونِ الرُّسولِ ﷺ أخبرَ بمثلِ هذا الحديث وهو مَقطوعِ بصحَّتِه عند أهل النَّقد، ولو بأضعفِ الأدلَّة، بل أجاز الإضرابَ عن الصِّحاحِ مِن الأحاديثِ في باب العقائد، لكونِها مِن قَبيل الآحاد، كما تفعلُ المُعتزلة تمامًا، ترى شيئًا من ذلك في مَعرض ردِّه على مَن سَمَّاهم
стр. 106
بـ «الحَشويَّة»، حيث قال: «أمَّا الصِّفات الَّتي يتمسَّكون بها، فآحادٌ لا تُفضي إلى العِلم، ولو أضربنا عن جميعِها لكانَ سائِغًا» (١)!
أمَّا الفخر الرَّازي (ت ٦٠٦ هـ)، فغايةٌ لا تُسامى في ردِّ الصِّحاحِ بقانونِه العقليِّ الكُليِّ، وسيأتي الكلام عليه قريبًا في موضعه من هذا المَبحث.
ثمَّ الآمديُّ (ت ٦٣١ هـ) (٢) قريبًا منه، نراه يسوق في إحدى كُتبِه أدلَّته على رؤيةِ الله في الجنَّة، ثمَّ يختمها بقوله: « .. وعلى الجُملة، فلَسْنا نعتمِدُ في هذه المسألةِ على غير المَسلك الَعقليِّ الَّذي أوضحناه، إذْ ما سِواه لا يخرُج عن الظَّواهر السَّمعية، والاستبصاراتِ العقليَّة، وهي ممَّا يَتقاصر عن إفادةِ القطعِ واليقينِ، فلا يُذكر إلَّا على سبيلِ التَّقريبِ واستدراجِ قانعٍ بها إلى الاعتقاد الحقيقيِّ» (٣).
وبهذا تعلمُ أنَّ انكماشَ المذهبِ الاعتزاليِّ، وتَقلُّصَ دعوتِه، لم يَقتضِ انحسارَ كثيرٍ مِن عَقائِده ومَبادِئه، حيث تَبنَّى بعضَها الأشاعِرةُ المُتأخِّرون كما علِمتَ، وأظهر منهم في هذا التَّبنِّي الاثنا عَشريَّة والزَّيديَّة (٤)، حتَّى قال (جولدْزِيهر): «قد استقَرَّ الاعتزالُ في مُؤلَّفات الشِّيعةِ حتَّى يومِنا هذا، فلِذا كان مِن الخطأ الجَسيمِ -سواءٌ مِن ناحيةِ التَّاريخِ الدِّيني أو الأدَبيِّ- أن يُزعَم بأنَّه لم يبْقَ للاعتزالِ أثرٌ قائمٌ مَحسوسٌ» (٥).
стр. 107
فمِثلُ هذا التَّقديمِ للعقليَّات عند تَوهُّمِ التَّعارض، تجده عند الطَّوائفِ الكلاميَّة الَّتي جاءت بعد المعتزلة، إلى يوم النَّاس هذا، يَرُومون تنزيهَ الشَّارع عن مُناقضةِ الضَّروراتِ العقليَّة فيما يَرَون، أو مُحاولةً للاتقاء بركبِ الحضارةِ الغربيَّةِ عبر قنطرَتِها، كما سيأتي عليه البيان في الآتي:
стр. 108
المَطلب الخامس
أثَر الفكرِ الاعتزاليِّ في المَدارسِ العَقلانيَّةِ المُعاصرةِ
على وَفْقِ ذاك التَّقنينِ لأوَّليَّة العقل، دَرَج كُلُّ مَن جاء مِن المُتأخِّرين الطَّاعنين في صِحاح السُّنَن وفق نظرهم العقليِّ، على اختلافِ مَشارِبهم وتفاوتِ مَنازلهم في ذلك.
أمَّا نُشَّادُ الفكرِ العَقلانيِّ مِن الإسلاميِّين:
فلقد كان لهم نَصيبٌ وافرٌ مِن وَراثةِ أصولِ الاعتزالِ في نظرتهم إلى النُّصوص الشَّرعيَّة، وقد وُجِدَ مَن أطلَقَ على (جَمالٍ الأفغانيِّ) وتلميذِه (محمَّد عبده) في وقتِهما لقبَ «مُعتزلةِ العصرِ الحديث» (١)؛ وذلك أنَّ الثَّانيَ منهما يؤصِّلُ للإسلامِ أُصولًا، فيَعدُّ فيها الأصلَ الثَّاني مِن الأصولِ الَّتي قام عليها الإسلام، ما ذكره في قوله: « .. الأصلُ الثَّاني للإِسلام: تقديمُ العقلِ على ظاهرِ الشَّرعِ عند التَّعارض؛ .. فقد اتَّفق أهلُ المِلَّةِ الإِسلاميَّةِ (٢) -إلَّا قليلًا ممَّن لا يُنظَر إليه- على أنَّه إذا تعارَض العقلُ والنَّقل، أُخِذَ بما دَلَّ عليه العقلُ، وبقي في النَّقل طَريقان:
стр. 109
طريقُ التِّسليمِ بصحَّةِ المنقولِ، مع الاعترافِ بالعجزِ عن فَهْمِهِ، وتفويضِ الأمرِ إلى الله في علمِه.
والطَّريق الثَّانيةُ: تأويلُ النَّقلِ، مع المُحافظةِ على قوانين اللُّغَةِ، حتَّى يتَّفِقُ مَعناهُ مع ما أثْبتَه العقلُ.
وبهذا الأصلِ الَّذي قام على الكتابِ وصحيحِ السُّنَّةِ، وعَمَلِ النَّبي ﷺ ، مُهِّدَت بين يَدَيْ العقلِ كلُّ سبيل، وأُزيلَت مِن سبيلِه جميعُ العَقبات» (١).
وفي تقريرِ هذه النَّزعة العقلانيَّةِ لعمومِ رُوَّادِ هذه المَدرسة الإصلاحيَّة الحديثة، يقول محمَّد حمزة (٢): «إنَّ النَّزعةَ العَقليَّة الَّتي تحمَّس لها مُفكِّرون عديدون، كمحمَّد عبدُه، وعلي عبد الرزَّاق، وأحمد أمين، ومحمود أبو ريَّة، وَجَدَت في مَبادئِ المُعتزلة ونزعَتِها العقليَّة تعبيرًا صادقًا عن طموحاتِها، فكان الاحتفاءُ بمَبادئها -وخاصَّةً في فترةِ ما بين الحَرْبين- استعادةً جديدةً ومُحاولةَ إحياءِ العقلانيَّةِ العربيَّةِ القديمة ..
ومثلما وَجَدَ هؤلاء المُفكِّرون في مَبادئ المعتزلة ما يَتناغم مع دعوتِهم التَّحديثيَّة، فإنَّ موقفَ المُعتزلة مِن الأدلَّة النَّقليَّة عمومًا، والحديثِ النَّبويِّ بصفةٍ أخص، كان مِمَّا يُلائم أفكارَهم» (٣).
ثمَّ جاء من بعدِ هؤلاء مَن أشادَ بمناهجِ المُعتزلة صراحةً، وأثنى على جُملةٍ مِن هَرطقاتِهم، كما تراه عند (جمال البنَّا) من جعلِه العقلَ هو الأصلَ الأوَّل للشَّريعة (٤)! وعلى هذا المَبدأ نفسِه سَمَّى (سامر إسلامبولي) نقدَه للصَّحيحين بـ «تحريرِ العقل مِن النَّقل».
стр. 110
وكان (إسماعيل الكُرديُّ) شديدَ الحَفاوةِ بجُهدِ المُعتزلةِ في نقدِ متونِ الصِّحاحِ، وبهذا الأصلِ العقليِّ الَّذي أصَّلوه (١).
بل إنَّ من شاكلةِ هؤلاء مَن تَحسَّر على اندثارِ مَذهبِهم، وتمنَّى لو بَسَط الاعتزالُ سُلطَته على النَّاس مرَّةً أخرى كما كان ردحًا من زمنِ العَبَّاسيِّين! كما تلمسُه مِن تحسُّر (محمَّد شحرور) في قولِه: «تيارُ العقلِ قد تَمثَّل في المُعتزلة، حيث أنَّ الإسلامَ عندهم تفاعَلَ مع مُعطياتِ العصرِ وتحدِّياته، وأنتج فكرًا نيِّرًا حُرًّا نقديًّا، وقد انتهَت المعركةُ مع الأسَفِ بانتصارِ التَّيار الأوَّل -يعني أهلَ السُّنة-، وما زِلنا نَعيشُ مَآسِيها حتَّى يومنا هذا» (٢).
فمثلُ هذه الأقلامِ المُتعاطفةِ مع المُعتزلةِ ما أكثرها في أهلِ زماننا، تجدها ظاهرةً في كتاباتِ (أحمد أمين) (٣)، و (أمين الخولي) (٤)، و (أحمد محمَّد صبحي)، و (زكي نجيب محمود) (٥)(٦)، و (جعفر السُّبحاني) (٧)، و (محمَّد شحرور) (٨)، وغيرهم كثير.