قتادةُ (ت ١١٧ هـ) (١) الكوفةَ، فأرَدْنا أن نَأتيَه، فقيل لنا: إنَّه يُبغض عليًّا ﵁! فلم نَأتِه، ثمَّ قيل لنا بعدُ: إنَّه أبعدُ النَّاس مِن هذا! .. فأخَذنا عن رجلٍ عنه!» (٢).
ويغلبُ على مَن تَهوَّر في نبزِ العلماء بهذه التُّهمة أن يكون باعثه على ذلك: حَسدُ أقرانٍ (٣)، أو خصوماتٌ عَقديَّةٍ -وهذا الأكثر-؛ يعتقد المُخاصِم فيها ضَلالَ خَصْمه، ووجوبَ بُغضِه، فيُغْرِيه ذلك بتصديقِ ما يُقال فيه من شنيعِ الأوصاف مِن غير تثبُّتٍ، ولا مُراعاة لحقوقِ الأُخوَّة، وقد يفتري هو عليه ذلك ابتداءً (٤)؛ كما قد فعلته الرَّافضة قديمًا في حقِّ علماء السُّنة، حتَّى قتَلوا منهم فريقًا (٥)، ونَجَّى الله آخرين (٦).
стр. 142
المَبحث الثَّالث
رَميُ الشَّيْخَين بالنَّصبِ (١)، ونقض حُجَجِهم في ذلك
سَعت كثيرٌ مِن الشِّيعة الإماميَّة للطَّعن في ديانة البخاريِّ ومسلم من خلال تهمة نصبهما لعَداوة آل البيت، تنفيرًا لشيعتِهم مِن تَصفُّحِ كِتابيْهِا، وحَنقًا على أهل السُّنة تراه باديًا في قبيح ما قاله نور التُّستُري (ت ١٠١٩ هـ) (٢) في حقِّهما: «إنَّما اعتبرَ المُتأخِّرون من أهلِ السُّنة هذين الأحمقيْنِ، المُقتصِرَيْن على حفظ ألفاظِ الحديث، وفضَّلوا كِتابيهما على سائر جوامعِ الحديث، كالنَّسائي والتِّرمذيِّ وأبي داود وابن حِبَّان وغيرهم: لِما علِموا فيهم الغلُوَّ في النَّصبِ، والانحرافِ عن أهل البيت، والتَّقليل مِن نقلِ مناقِبهم بالنِّسبة إلى غيرهما مِن المُحدِّثين» (٣).
ولقد تَحجَّج الإماميَّةُ في إلزاقِ بدعةِ النَّصبِ بالشَّيخينِ بتُهَمٍ عديدة، يرجِع مجملها إلى ثلاثٍ:
التُّهمة الأولى: كِتمانُ الشَّيخينِ لفضائلِ آل البيت.
стр. 143
التُّهمة الثَّانية: تركُ البخاريِّ الرِّوايةَ عن بعضِ كِبارِ آلِ البيتِ، أشهرُهم في ذلك جعفرٌ الصَّادق، مِمَّا يَنِمُّ عن عَداوتِه له، وغَمْطِه لعِلْمِه.
التُّهمة الثَّالثة: روايتُهما عن النَّواصِب.
وفي تقريرِ هذه الدَّعاوى على الشَّيخين، يقول (صادق النَّجميُّ):
«إنَّك ترَى في البخاريَّ ومسلم وصَحيحَيهما هذه العصبيَّة المُفرطة، عندما تقرأ كتابَيهما، وتُلاحظ أنَّهما لمَّا يُواجهان فضيلةً مشهورةً، ومَنقبةً مهِمَّةً مِن مناقب أميرِ المؤمنين علي ﵇، وفيها دلالةٌ صريحةٌ على أفضليَّتِه لأمرِ الخلافةِ، وتَقدُّمِه على الآخرين، فإنَّهما يُبادِران إلى تَعتيمِها.
وهذه المَناقب والفضائل قد وَرَد ذكرُها في سائرِ الصِّحاح السِّتة، والمَدارك المُعتبَرة لدى أهلِ السُّنة، وهي مِن يَقينيات الحوادثِ التَّاريخيَّة ومُسلَّماتها، وهي مِمَّا أجمع عليه علماء السُّنة والشِّيعة، مثل: حديث الغَدير، آية التَّطهير، حديث الطَّائر المَشوِيِّ، حديث سَدِّ الأبواب، وحديثِ أنا مدينة العلم وعليٌّ بابُها، وقد رَوَى كلَّ واحدةٍ مِن هذه الفضائل والمَناقب عشراتُ الصَّحابة، وأثبتَها علماءُ أهلِ السُّنة في كُتبِهم المُعتبرة، إلَّا أنَّ البخاريَّ الَّذي لم يَرضَ أن ينقُل هذه المناقب المُسلَّمة واليقينيَّة، ويخصِّص لها بابًا خاصًا في صحيحِه فحسب، بل أفردَ بابًا خاصًّا في فضائل معاوية!».
وقال أيضًا: «الفريدة الوحيدة الَّتي صَدَرت عن البخاريِّ ومسلم في نقلِهما الحديثَ عن أهلِ البيت ﵈ هي: أنَّهما نَقَلا روايةً مُختلَقةً ومُزيَّفةً، نَسَباها إلى الإمامِ زين العابِدين ﵇ على أنَّه قال: إنَّ أمير المؤمنين علي وفاطمة ﵉ لم يكونا يَستيقظان للصَّلاة، وكان النَّبي يوقِظُهما! فقال عليٌّ لرسول الله ﷺ شيئًا، فأجابَه النَّبي بآيةِ ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ [الكهف: ٥٤]، تقريعًا لعليٍّ!».
ثمَّ قال: «إنَّهما نَقَلا أحاديثَ عن بعضِ الرُّواة الَّذين هم مِن الخوارج والنَّواصب، وخاصَّةً الَّذين ثَبَتت عداوتُهم ومُنابَذتهم لأهلِ البيت عليهم السَّلام
стр. 144
بنحو القطع، واختصَّ البخاريُّ في النَّقلِ عن عمران بن حطَّان، وهو مِن زعماء الخوارج، ومِن فقهائهم ومُتكلِّميهم وخُطبائهم.
ونرى أنَّ إيمان البخاريَّ وتقواه: قد أجازا له أن يَروي عن هؤلاء المَعلومي الحال، ولم يسمحا له مِن أن يَنقُل ولو حديثًا واحدًا عن الإمام الصَّادق ﵇!» (١).
ومِمَّا تدَّعيه الإماميَّةِ في هذا على البخاريِّ بخاصَّة: تعمُّدَه لاختصارِ ما فيه مَنقبةٌ لعليِّ ﵁: فنراهم يتتابعون على سردِ بعضِ أمثلةٍ على ذلك، أشهرُها: ما عَلَّقه البخاريُّ في بابِ (لا يُرجَم المَجنون ولا المَجنونة) حيث قال: «وقال عَليٌّ لعمر: أمَا علمتَ أنَّ القلَم رُفِع عن المجنون حتَّى يفيق، وعن الصَّبي حتَّى يُدرك، وعن النَّائم حتَّى يستيقظ؟» (٢).
وأصل هذه الرِّوايةِ المُعلَّقة عند البخاريِّ، ما رواه أبو داود عن ابن عبَّاس ﵁ قال: «أُتِي عمر ﵁ بمجنونةٍ قد زَنَت، فاستشارَ فيها أُناسًا، فأمَرَ بها عمر أن تُرجَم، فمَرَّ بها عليُّ بن أبي طالب ﵁، فقال: ما شأن هذه؟ قالوا: مَجنونةُ بني فلانٍ زَنَت، فأمَرَ بها عمر أن تُرجَم، فقال: اِرجعوا بها!
ثمَّ أتاه، فقال: يا أمير المؤمنين، أما علِمتَ أنَّ القَلم قد رُفِع عن ثلاثة: عن المجنون حتَّى يبرأ، وعن النَّائم حتَّى يستيقظ، وعن الصَّبي حتَّى يَعقل؟ قال: بلى، قال: فما بالُ هذه تُرجَم؟ قال: لا شيء، قال: فأرْسِلها، قال: فأرسَلَها، قال: فجَعَلَ يُكبِّر» (٣).
ويقول (صادقٌ النَّجمي): «إنَّ البخاريَّ أخرجَ هذا الحديثَ في مَوضِعين مِن «صحيحِه»، ولكنَّه حِفظًا على مَقامِ الخليفةِ، وسِترًا على جهلِ الخليفةِ وعدمِ فهمِه، وإزهاقًا للحقِّ، وتحريفًا للحقيقةِ الَّتي تقول بأنَّ عليًّا ﵇ حَكَم بما يُخالف
стр. 145
رأيَ عمر وبعضِ الصَّحابةِ، ولمَّا كان حكمُه ﵇ مُطابقًا للواقع، وما أمر به رسول الله ﷺ : تَرَى البخاريَّ يَكتفي بذكرِ ذيلِ الحديث، فيذكُر الحديثَ في كِلا الموردين ناقصًا، ويُسقِط منه السَّندَ والصَّدرَ! .. » (١).
وأمَّا دعوى الإماميَّةِ تعمُّدَ اختصارِ البخاريِّ لمِا فيه مَثلبةٌ للفاروق ﵁:
فمِمَّا ذكَرَه (النَّجميُّ) في ذلك للتَّشغيبِ على أمانةِ البخاريِّ في سَوقِ الأحاديث، بعضُ أمثلةٍ مِن تصرُّفاتِه في كتابِه، يزعم فيها حذفَه لِما فيه مَثلبةٌ لأحَدِ الخُلفاءِ الرَّاشدين غير عليٍّ، أشهرُها ثلاثةُ أمثلة مشهورات مِن «صحيحِه»:
فالمثال الأوَّل:
ما أخرجه البخاريُّ عن عبد الرَّحمن بن أَبْزى قال: «جاء رجلٌ إلى عمر بن الخطَّاب ﵁، فقال: إنِّي أجنبتُ، فلم أُصِب الماء، فقال عمَّار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أمَا تذكرُ أنَّا كُنَّا في سفرٍ أنا وأنت، فأمَّا أنتَ فلم تُصَلِّ، وأمَّا أنا فتَمعَّكت فصلَّيتُ؟ فذكرتُ للنَّبي ﷺ ، فقال النبَّي ﷺ : «إنَّما كان يَكفيك هكذا»، فضرَبَ النَّبي ﷺ بكفَّيه الأرضَ، ونفَخَ فيهما، ثمَّ مسَحَ بهما وجهَه وكفَّيه» (٢).
أورد (النَّجميُّ) بعدها روايةَ مسلمٍ المُتقصَّاة لهذه القِصَّة، وفيها: « .. فقال -أي عمرُ للسَّائلِ- لا تُصَلِّ» (٣)، فعَقَّب عليها بقولِه: «فكما تَرى أيَّها القارئ العزيز، أنَّ هذين الحديثين مِن حيث السَّند والمتن سواءٌ، ولا فرقَ بينهما إلَّا في جملة «لا تُصَلِّ»، حيث أسقطَها البخاريُّ، وأثبتَها مسلمٌ»، «ولا يخفى أنَّ فتوى الخليفةِ بتركِ الصَّلاةِ حين الجنابةِ مُخالفةٌ صريحةٌ لنصِّ القرآن، وسُنَّة رسول الله ﷺ ، وهذا ممَّا يَدلُّ على جهلِ الخليفةِ بحكمِ التَّيمُم! وعدم إحاطتِه بالأحكامِ الشَّرعيَّة، وغفلتِه عمَّا هو عامَّة الابتلاء؛ ولكنَّ البخاريَّ قامَ بتقطيعِ
стр. 146
الحديث، فحذَفَ منه إجابةَ الخليفة «لا تُصَلِّ»، وذلك حِفظًا لكرامةِ الخليفة مِن أن تُنال» (١).
والمثال الثَّاني:
ما أخرجه البخاريُّ عن أنس بن مالك ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ «ضَرَب في الخمرِ بالجريدِ والنِّعالِ، وجَلَد أبو بكر أربعين» (٢).
أورد (النَّجمي) ما يُدلِّل به على اختصارِ البخاريِّ لهذا الحديث، فيما أخرجه مسلم من حديث أنس نفسِه: «أنَّ النَّبي ﷺ أُتي برجلٍ قد شرب الخمر، فجلَدَه بجريدتين نحوَ أربعين، قال: وفَعَله أبو بكر، فلمَّا كان عمر استشارَ النَّاس، فقال عبد الرَّحمن: أخَفُّ الحدود ثمانين، فأمَرَ به عمر» (٣).
فزَعم (النَّجمي) بهذا، أنَّ «عُمر لمَّا تَقَلَّد الخلافةَ بعد أبي بكر، تَرَك الحكمَ النَّبويَّ، ولجَأَ في حَدِّ شاربِ الخمرِ إلى رأيِ الآخرين، وأفتَى برأيِ عبد الرَّحمن بنِ عوفٍ، فَجلَد ثمانين جلدةً .. فكيف يَخفى عليه حكمُ مسألةٍ قد عُمِل به مُدَّةً طويلةً، فيلجأَ إلى رأيِ الآخرين، ويترك العملَ بسُنَّةِ رسولِ الله ﷺ وما تَقيَّد به مَن سَبَقه بالخلافة؟! .. أو أنَّ الصَّفقَ بالأسواقِ والعمل بالتِّجارةِ ألهاه عن معرفةِ الحكم وتعلُّمه؟!
فلمَّا كان هذا الحديثُ على خلافِ مَذاقِ البخاريِّ ومَذهبِه، بادَرَ رعايةً لمقامِ الخليفة إلى تقطيعِه، بنقلِ أوَّلِه الَّذي بَيَّن فيه حُكمَ رسولِ الله ﷺ بالتَّعزير، ومُتابعة أبي بكر لرسولِ الله ﷺ في ذلك، وأسقطَ ذيلَه الَّذي فيه استشارةُ عمر لبعضِ الأصحاب» (٤).
стр. 147
والمثال الثَّالث:
ما أخرجه البخاري مِن حديثِ أنس ﵁ قال: كنَّا عند عمر ﵁ فقال: «نُهِينا عن التَّكلُّف» (١).
قال النَّجمي: «هذا الحديثُ الَّذي نَقَله البخاريُّ بهذه الكيفيَّة، أوضحُ دليلٍ وشاهدٍ على التَّدليسِ والتَّقطيعِ، وذلك لأنَّ كلَّ مَن كان لديه أقلُّ معرفةٍ بالحديث ونصوصِه، يعلمُ بمجرَّد رؤيتِه لهذا الحديث، عدمَ تماميَّة الحديث، وعدمَ استقامته ..
فهذا ابنُ حَجرٍ بعد أن ذكَرَ نصَّ الحديثِ مِن رواية أخرى في شرحِه لـ «صحيح البخاري»، قال: إنَّ رجلًا سألَ عمر عن قولِه: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبّاً﴾ [عبس: ٣١]، ما الأبُّ؟ فقال عمر: نُهينا عن التَّعمُّقِ والتَّكلف! ..
فلو كان التَّعرُّف واستنباطُ معنى كلمةٍ مِن كلماتِ القرآن، يُعتَبر تعمُّقًا وتكلُّفًا، فعلى هذا لا يجوز الاستفسارُ عن أيَّةِ مسألةٍ دينيَّةٍ أخرى، ولا يَحقُّ التَّفكُّر فيها!» (٢).
ثمَّ تَمادى به الغَيُّ، حتَّى نَسَب الفاروق ﵁ إلى الجهلِ بالقرآن، لعدمِ تعقُّلِه معنى كلمةٍ مِن آياتِه، فما كان للبخاريِّ في نَظرِ الرَّافضيِّ إلَّا أن يُسارِعَ إلى حذفِ صدرِ الحديثِ، لمساسِه بعلمِ الخليفة (٣).
وبعدُ:
فإنَّ من جسيم خطر هذه الشُّبهات المَسرودة آنفًا، أن أخذت بلُبِّ بعض مَن يُحسب على الحديثِ والاشتغال به! منهم مَن نَزع بها إلى التَّشيُّعِ في بعض مواقفه وأعلنَ بذلك، وسار في ركب الوالغين في دين البخاريِّ، كحال أحمد الغُماريِّ
стр. 148
في ما ادَّعاه عليه بقوله: «البخاريُّ كان فيه نوع انحرافٍ عن أهلِ البيت، ومَيلٍ لأعدائِهم، وقد كان بعض الأشرافِ العَلويِّين الحضرميِّين مِن أصحابنا بالقاهرة، وهو مِن العلماء الأجلَّاء، يقول لي: إنَّ البخاريَّ نُوَيصِبيٌّ -بالتَّصغير- .. !» (١).
فهذا أوان الشُّروع في دحض تلك الفِرى كلِّها عن البخاريِّ، فنقول:
стр. 149
المبحث الرابع
كشف دعاوي الإماميَّة في تُهمتهم للشَّيخين بالنَّصب
стр. 150
المَطلب الأوَّل
مَوقِف الشَّيخينِ مِن أهلِ البيتِ وذكرِ مَناقِبهم
الشَّيخانِ -كسائر علماءِ أهل السُّنة- على درايةٍ بفضلِ أهل بيتِ نبيِّهم ﷺ ووِصايتِه بهم، مُلتزمان بحُبِّهم والتَّزلُّفِ إلى الله بمدِحهم والإحسانِ إليهم؛ على المذهب المَرضيّ شرعًا في تَولِّي جميعِهم أقارب وزوجات، بلا غُلوٍّ في أحدٍ منهم، ولا تقصيرٍ في حَقِّه، فاختاروا بذلك طريقَ العدلِ والإنصافِ، وسطًا بين غُلاةِ الشِّيعةِ الَّذين يَدَّعون لهم العصمةَ مِن الذَّنبِ، والعلمَ الغَيبيَّ، والتَّصرُّف الرُّبوبيَّ، وبين الجُفاة الفُسَّاق مِمَّن يؤذيهم ببَسْطِ يَدٍ أو قَولٍ حَضيضٍ، فهم وَسَطٌ بين طَرَفي نَقيضٍ.
ولقد تَجلَّت خاصَّة مَحبَّةِ البخاريِّ ومسلمٍ لآلِ البيتِ في كُتبِهم عامَّةً، وفي «صَحيحِيْهما» بشكل أخصّ، فلقد أفردَا أبوابًا بحالِها في فضلِهم والتَّغنِّي بمَناقِبهم.
فمِن هذه الأبوابِ ما يَتناولُهم بعمومِهم:
مثل ما تَضَمَّنَ أحاديث التَّشهُّدِ في الصَّلاة، ففيها ذكرُ الصَّلاةِ على النَّبي ﷺ وآلِه (١).
стр. 151
ومثل ما جاء في تَنزيهِهم عن أخذِ صَدقاتِ النَّاس، كالخَبرِ الَّذي أوردَه البخاريُّ في ذلك تحت باب «ما يُذكر في الصَّدقة للنَّبي ﷺ وآلِه»، والأحاديث الَّتي ساقَها مسلم تحت باب «تحريمِ الزَّكاة على رسول الله ﷺ ، وعلى آلِه، وهم: بنو هاشم، وبنو المُطَّلب، دون غيرهم»، كلاهما مِن كتابِ الزَّكاة.
وأخرجَ البخاريُّ في فضلِهم وصيَّةَ أبي بكر للمُسلمين بقولِه: «ارقُبوا محمَّدًا ﷺ في أهلِ بَيتِه» (١).
ومِن هذه الأبوابَ ما تَناوَل جِلَّةَ أفرادِهم بذكرِ مَناقبِ أحدِهم على وجهِ التَّعيِين، كان أظهرَها في ذلك:
ما جاء في باب «مناقبِ عليِّ بن أبي طالب القُرشيِّ الهاشميِّ أبي الحسن ﵁»:
أخرجَ الشَّيخانِ تحتها أحاديث باذخةً في فضائلِ هذا الصَّحابيِّ الجليل:
كالَّذي أورَده البخاريُّ مِن قولِ النَّبي ﷺ له: «أنتَ مِنِّي، وأنا مِنك» (٢).
وأخرجَا تحت باب مَناقِبِه حديثَ: «لأُعطِينَّ الرَّاية غدًا رجلًا يفتحُ الله على يَديه، يُحبُّ اللهَ ورسولَه، ويحبُّه الله ورسولُه» (٣).
وكذا حديثَ: «أمَا ترضى أنْ تكون منِّي بمنزلةِ هارون مِن موسى؟» (٤).
وقصَّتَه حينَ سَقط رِداؤُه عن شِقِّه، فأصابَه ترابٌ في ظهره، فجَعَل رسول الله ﷺ يمسحُه عنه، وهو يقول: «اجلِس يا أبا تراب» (٥).
وحديثَه حين دَخَل ﷺ عليه وعلى فاطمة، قال عليٌّ: « .. فذهبتُ لأقوم،
стр. 152
فقال: على مَكانِكما! فقَعَد بينَنا، حتَّى وجدتُ برْدَ قَدَمَيْه على صدري، وقال: ألا أُعلِّمكما خيرًا مِمَّا سألتُماني .. » الحديث (١).
وانفرَدَ البخاريُّ عن مسلمٍ بحديثِ ابنِ عمر، حين سُئِل عن عليٍّ ﵁ فقال: «هو ذاك بيتُه، أوسَطُ بيوتِ النَّبي ﷺ .. » (٢)، وأثرِ عليٍّ ﵁ حيث قال: «اقْضُوا كما كنتُم تَقْضون، فإنِّي أكرَهُ الاختلافَ .. » (٣)، وبه خَتَم الباب.
وانفردَ مسلمٌ عن البخاريِّ بحديث: « .. وأنا تاركٌ فيكم ثَقَلين: أوَّلُهما كتابَ الله .. ، ثمَّ قال: وأهلَ بيتي، أذكِّرُكم الله في أهلِ بيتي .. » الحديث (٤)؛ وخَصَّص هو بابًا مُستقِلًّا في فضلِ آل البيت، جعَلَ تحتَه حديثَ عائشة ﵂ المَشهورَ بحديثِ الرِّداء، قالت فيه: خَرَج النَّبي ﷺ غَداةً، وعليه مُرطٌ مُرحَّل مِن شَعرٍ أسودٍ، فجاءَ الحسنُ بن عليٍّ فأدخلَه، ثمَّ جاءَ الحُسين فدخَل معه، ثمَّ جاءت فاطمة فأدخَلها، ثمَّ جاء عليٌّ فأدخَله، ثمَّ قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب: ٣٣].
ومع ذكرهما لهذه الفضائل كلِّها، فلم يَكتفِيا بذكرِ فضائلِ عليٍّ ﵁ بهذا البابِ فقط، حتَّى ذَكرا ما يُفيد فضيلَتَه ﵁ في غيرِه من الأبوابِ، كما قاله ابن حَجرٍ: «قد أخرجَ المُصنِّف مِن مَناقبِ عليٍّ ﵁ أشياءَ في غيرِ هذا المَوضع .. » (٥).
ومنشأُ ذلك أنَّ أهلَ السُّنةِ لم يَرِد عندهم في حَقِّ أحدٍ مِن الصَّحابةِ من الفضائل بالأسانيدِ الجِيادِ أكثرَ مِمَّا جاء في عليٍّ ﵁ (٦)، قال ابن الجوزي: «غيرَ أنَّ الرَّافضة لم تَقْنع، فوَضَعَت له ما يَضَعُ ولا يَرفع!» (٧).
стр. 153
وأمَّا في ما يخصُّ مَناقب فاطمة الزَّهراء ﵂:
فأورَدَ البخاريُّ فيها مُعَلَّقًا حديثَ: «فاطمة سيِّدةُ نساءِ أهلِ الجنَّةِ»، ثمَّ وَصَله في مَوضعين مِن كِتابِه (١)، كما أخرجه مسلم بأكثر مِن لفظٍ في قصَّةِ مُسارَرَتِه ﷺ لها عند موتِه (٢).
وحديثَ: «فاطمةُ بضعَةٌ منِّي، يُؤذِيني ما آذاها .. » (٣)، وأخرجه مسلمٌ بألفاظٍ أخرى أكثر (٤).
كما أخرجَ البخاريُّ في غير هذا البابِ حديثَ نُصرَتِها لأبيها ﷺ ، حين طَرَحَت عن ظهرِه ما وَضَعه المُشرِكون مِن سَلَى الجَزورِ وهو ساجِدٌ (٥).
وأمَّا مناقب ابنَيْهِما الحَسن والحُسين ﵃:
فقد أخرج البخاريُّ في بابِ فضلِهما تسعةَ أحاديث، منها:
حديث: «ابنِي هذا سيِّدٌ .. » يعني الحَسَن (٦)، وحديثَ: «اللَّهم إنِّي أحبُّهما فأحِبَّهما» (٧)، وحديث ابنَ عمرٍ قال: «أهلُ العِراقِ يَسألون عن الذُّباب، وقد قَتَلوا ابنَ ابنةِ رسولِ الله ﷺ ! وقال النَّبي ﷺ : «هما رَيحانَتايَ مِن الدُّنيا» (٨)، إلى غيرها مِمَّا أخرجه مِن أحاديثِ فضائلِهما.
وكذا أخرجَ مسلمٌ في بابِ فضلِ الحَسَنَيْنِ خمسةَ أحاديث (٩).
стр. 154
كما أنَّ الشَّيخين قد ذَكَرا مناقبَ جعفر بنِ أبي طالب ﵁ أيضًا (١).
أفبعد كلِّ هذه المآثرِ المُتواتِرات لآل البيت في «الصَّحيحين»: هل كان في احتجاجِ الشَّيخينِ بها مَقنَعٌ للإماميَّةِ بالارتداعِ عن الافتراءِ عليهما بدعوى النَّصبِ؟!
كلَّا! لقد تَهرَّبوا مِن الإقرارِ بما تزَيَّا به كِتاباهما مِن مَناقبِ الآلِ، فادَّعوا أنَّهما أغمَضا عن مَناقبَ أخرى جليلةٍ -خاصَّة البخاريَّ- دالَّةٍ على أفضليَّة عليٍّ على الصَّحابةِ مُطلقًا، أبرزُها:
حديث الغَدير.
وحديث الطَّائر المَشويّ.
وحديث سَدِّ الأبواب.
وحديثِ أنا مدينة العلم وعليٌّ بابُها.
стр. 155
المَطلب الثَّاني
دحض دعوى نبذ الشَّيخين لذكر فضائل الآلِ غمطًا لحقِّهم
عند التَّأمُّل في ما ادَّعته الإماميَّة على الشَّيخين، نَجِد شواهد ذلك من الأحاديث الَّتي مثَّلوا بها لا تلزَمُهما في شيءٍ، وذلك إجمالًا:
أوَّلًا: لأنَّ الشَّيْخينِ لم يَدَّعِيا إخراجَ كلِّ الصَّحيحِ في الأبوابِ حتَّى يلتزِما إخراجَ كلِّ ما وَرَد في بابِ مَناقبِ أهلِ البيتِ، حتَّى مَناقِب الصِّديقِ والفاروقِ وعثمانَ، وعائشة وحفصة ﵃، لم يرووا كلَّ ما وَرد فيهم من مَناقب، بل ولا أخرجا في فضلِ سعيدِ بن زيد ولا عبد الرَّحمن بنِ عوفٍ ﵃ شيئًا! والشَّيخانِ يَعتقِدانِهما مُبَشَّرَيْن بالجَنَّة!
فهل هذا يعني غمزًا منهما في هذين الصَّحابين؟! فإنَّ هؤلاءِ مَن يُتَّهم أهلُ السُّنة بمُحاباتِهم على حسابِ أهلِ البيت، انظروا: كيف ترك الشَّيخانِ مِن مَناقبهم ما تَركَا، لا لشيءٍ، إلَّا تحاشيًا للإطالةِ، أو لعدمِ وقوعِ بعضِ ذلك عندهما وِفقَ شَرطِهما في الكِتابين.
ثانيًا: ما ادَّعاه المُعترض مِن تركِ الشَّيخين لِما «أجمعَ عليه علماءُ السُّنة والشِّيعة في مَناقب أهل البيت، مثل: حديث الغَدير، وحديثِ الطَّائر المَشويِّ، وحديث سَدِّ الأبواب، وحديثِ أنا مدينة العلم وعليٌّ بابُها، وأنَّه قد رَوَى كلَّ واحدةٍ مِن هذه الفضائلِ والمَناقبِ عشراتُ الصَّحابة»:
стр. 156
فجوابُه الإجماليُّ -وإن كان هو مُندرجًا في ما تَقدَّم من الجوابِ الأوَّل- أنَّ ما مَثَّل به مِن الأحاديثِ لم يتَّفق أهل الحديثِ على صِحَّتِها كلِّها كما يدَّعيه الغامط لحقِّهما، ولا رَواها عشراتٌ الصَّحابة كما افتراه؛ بل أكثرُها واهي الإسنادِ لا تَرقى إلى مَرتبةِ القَبولِ، فضلًا عن شرطِ الشَّيخين في الصِّحة، بل بعضُها مَوضوعٌ!
وإنَّما يرمي هؤلاء الرَّافضة جُزافًا بمثلِ هذه الشُّبهات الكاذبةِ، تحقيقًا لغَرَضين:
الأول: لخداعِ المتَشكِّكين والحائِرين مِن أتباعِهم، بأنَّ هذه العقائد المُضَمَّنة في هذه الأخبارِ مُتَّفقٌ عليها بين أهل السُّنة والشيعة، وأنَّ الشَّيخينِ إنَّما يُكابِران.
الثَّاني: لإشغالِ أهلِ السُّنة بهذه المَسائل والدِّفاع عنها، إلهاءً لهم عن تفتيشِ كتبِ الإماميَّةِ في الحديثِ والرِّجال والتَّفسير، واستخراج ما فيها من بوائق، فينكشفَ أمرُها أمامَ الرِّعاع الجَهلة من أتباعهم (١).
وفي نقضِ أمثلة ما ادَّعوه تحايُدًا للبخاريِّ عن فضائل عليٍّ ﵁ من جهة التَّفصيل، يُقال:
أوَّلًا: حديث الغَدير:
ويَعنون بالحديث قولَ النَّبيِّ ﷺ عند غَديرِ (خُمٍّ) (٢) في جَمعٍ من أصحابِه: «مَن كُنتُ مَولاه فعَليٌّ مَولاه، اللَّهم والِ مَن والاه، وعَادِ مَن عاداه» (٣).
стр. 157
فهذا حديثٌ لم يُجمِع أهل الحديثِ على صِحَّتِه، لا كما ادَّعاه (النَّجمي) وصَحبُه، بل معلومٌ أنَّ طائفةً من النُّقاد رَدُّوه (١)، ومنهم مَن قصُر ردُّه على الشَّطرِ الثَّاني الَّذي في الدُّعاءِ دون أوَّله (٢).
والَّذي أراه صوابًا في الحديث -والله أعلم-: أنَّه صحيحٌ بشَطرَيْه، بل مُتَواترُ الجملةِ الأولى، تبعًا لجِلَّةٍ مِن أهلِ الحديثِ (٣)، وهو اختيار الذَّهبي (ت ٧٤٨ هـ) كما في قولِه: «صَدْرُ الحديثِ مُتواتر، أتيقَّن أنَّ رسولَ الله ﷺ قاله، وأمَّا: «اللَّهم والِ مَن والاه .. » فزيادةٌ قويَّةُ الإسناد» (٤).
ولقد قضى ربُّنا لحكمته أن يكون هذا الحديثُ مُبتلىً لكثيرٍ من المُسلمين، فمنهم وَضَّاعون زادوا فيه زيادات منكرة تعصُّبًا للطَّائفة، كالَّذي يَذكرُه الرَّافضةُ فيه أنَّ النَّبي ﷺ قال: «إنَّه خَلِيفَتي مِن بعدي» (٥).
وهذه لا تصحُّ بوجهٍ مِن الوجوهِ، بل هو مِن أباطيلِهم الَّتي شهد التَّاريخ بكذِبِها (٦)، وكذا زيادة: «انصُر مَن نَصَره، واخذُلْ مَن خَذَله» (٧)، وغيرها من الزِّيادات الباطلةِ.
والَّذي يبدو: أنَّ الإماميَّةَ ما أعملوا يدَ التَّحريفِ في هذا الحديث إلَّا بعد أن رأوه لا يخدُم أغراضَهم بتمامها، فلذا زادوا فيه زياداتٍ فاحشةٍ (٨)؛ أمَّا الظَّنُّ
стр. 158
بأنَّ في الحديثِ بمتنِه الثَّابتِ الأوَّلِ دلالةً على أنَّ عَليًّا ﵁ هو الخليفةُ بعد النَّبي ﷺ : فذاك مِن الجهلِ المَقطوعِ بخطأِ صاحبِه؛ وذلك:
أنَّ الوَلايةَ -بالفتح-: ضدُّ العَداوة، والاسمُ منها: مَوْلى ووَليٌّ.
والوِلاية -بكسر الواو- هي الإِمارة، والاسمُ منها: والي ومُتَولِّي.
والمُوالاة ضِدُّ المُعاداة (١)، وهذا حكمٌ ثابتٌ لكلِّ مؤمنٍ (٢).
فالنَّبي ﷺ على هذا لم يُرِدْ بالحديثِ الخلافةَ بعدَه قطعًا، فليس في اللَّفظِ ما يَدلُّ على ذلك، ولا شكَّ أنَّ أمرَ الاستخلافِ والقيامِ على النِّاس بعده عظيمٌ، فلو كان يريد ذلك المعنى المُدَّعى «لأفصحَ لهم بذلك، كما أفصحَ لهم بالصَّلاة والزَّكاة ونحوها، .. فإنَّ أنصحَ النَّاسِ كان للمُسلمين رسولُ الله ﷺ » (٣).
وهذا إلزام أقرَّ بصحَّته النُّوري الطَّبرسي (٤) -أحَدِ أساطينِ الإماميَّة المُتأخِّرين- كما تراه في قوله: «لم يُصرِّح النَّبي ﷺ لعليٍّ ﵇ بالخلافةِ بعدَه بلا فصلٍ في يومِ الغدير، وأشارَ إليها بكلامٍ مُجمَلٍ مُشتركٍ، في معانٍ يحتاجُ تَعيينُ ما المقصود منها إلى قرائن» (٥).
ثمَّ إنَّ الحديثَ بهذا اللَّفظ -وإن كان متضمِّنًا لإبطال قول أعداء عليٍّ ﵁ فيه مِن الخوارج والنَّواصب- لا يستلزم أن لا يكون للمؤمنين مَولًى غيرُه (٦)! كلُّ ما في الأمرِ، أنَّه ﷺ «لمَّا بَعَثه إلى اليَمن، كثُرَت الشَّكاة عنه ﵁، وأظهروا
стр. 159
بُغضَه، فأرادَ النَّبي ﷺ أن يَذكُر اختصاصَه به، ومَحبَّته إيَّاه، ويُحثَّهم بذلك على مَحبَّتِه، ومُوالاتِه، وتركِ مُعاداتِه» (١).
وبهذا البيانِ لمعنى الحديث، تنتقضُ دعوى الإماميَّة على الشَّيخينِ تَكتُّمَهما عن ذكرِ هذا الحديثِ، زعمًا أنّ فيه أحقِّيةَ عليٍّ بالخلافةِ دون إخوانِه الثَّلاثةِ الأُوَل ﵃.
ثانيًا: وأمَّا زعمُ الإماميَّة إغفالَ الشَّيخينِ لحديثِ الطَّائرِ المَشْوِيِّ:
يَعْنون به ما رُوِيَ عن أنس بن مالك ﵁، أنَّه أُهدِيَ للنَّبي ﷺ فَرْخٌ مَشويٌّ، فقال: «اللُّهم ائتنِي بأحَبِّ خلقِك إليك، يَأكُلْ معي هذا الطَّير» فجاءَ عليٌّ ﵁، فأكَلَ معه (٢).
وهذا لا شكَّ مِن المَوضوعاتِ عند أهلِ النَّقد والمعرفةِ بحقائقِ النَّقل (٣)، قد أعَلَّه كثيرٌ مِن حُذَّاق العِلَل، مع عِلْمِهم بما يَبدو مِن كثرةِ طُرقِه، منهم: البخاريُّ نفسُه! (٤) والتِّرمذي (٥)، وأبو زرعة الرَّازي (٦)، والبَزَّار (٧)، والدَّارقطني (٨)، والعُقَيليُّ (٩)، وابن عَدِيٍّ (١٠)، والخليليُّ (١١)، وغيرهم كثيرٌ.
стр. 160
ثمَّ صَرَّح بوَضْعِه: الباقِلَّاني (١)، وابنُ طاهرٍ المَقدسيُّ، وابن الجوزيِّ (٢)، وابن تيميَّة (٣)، وابن حجرٍ العسقلانيُّ (٤).
فإذا ما احتجَّ الإماميَّة بقولِ الحاكمِ النَّيسابوريِّ (ت ٤٠٥ هـ): «هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشَّيخين، ولم يُخرجاه» (٥).
فالجواب عليهم أن يُقال:
قد تعَّقبَ الذَّهبيُّ الحاكمَ في إسنادِ هذه الرِّواية، حيث قال في «تلخيصِه لمُستدركِه»: «ابنُ عِياضٍ لا أعرفُه؛ ولقد كنتُ أظنُّ زمانًا طويلًا، أنَّ حديث الطَّير لم يَجسُر الحاكمُ أن يُودِعَه في مُستدرَكه، فلما علقتُ هذا الكتابَ، رأيتُ الهولَ مِن المَوضوعاتِ الَّتي فيه، فإذا حديثُ الطَّيرِ بالنِّسبةِ إليه سماء!».
وأمَّا قول الحاكم في الحديث أيضًا: «قد رواه عن أنسٍ زيادةً على ثلاثين نفسًا»:
قد تَعَقَّبه فيه الذَّهبي أيضًا بقولِه: «صِلْهُم بثقةٍ يَصحُّ الإسنادُ إليه!» (٦)؛ وهو يعني: أنَّ الطُّرقَ إلى هذه الأنفسِ الثَّلاثين لا تَصِحُّ إليهم أصلًا، وقد أبانَ عن هذه الحقيقة الخَليليُّ (ت ٤٤٦ هـ) مِن قبلُ، حين قال: «ما رَوى حديثَ الطِّيرِ ثقةٌ، رواه الضعفاء .. ويَردُّه جميعُ أئمَّة الحديث» (٧).
وهذا الكلام من الخليليِّ يُصدِّقه ما تَوصَّل إليه الذَّهبيُّ في جزءٍ له جَمَعه لهذا الحديثِ، فبعد ما أورَدَ طُرقًا له مُتعدِّدة قال: «يُروَى هذا الحديث مِن وجوهٍ باطلةِ أو مُظلمة: عن حجَّاج بن يوسف، وأبي عصام خالد بن عبيد، ودينار أبي مكيس .. ».
стр. 161
ثمَّ قال بعد أن ذَكَرَ الجميعَ: « .. الجميعُ بضعةٌ وتسعون نفسًا، أقربُها غرائب ضعيفةٌ، وأردؤها طرقٌ مختلقَة مُفتَعَلة! وغالبُها طُرقٌ واهيةٌ» (١).
فلعلَّ هذا منشأ البَليَّةِ في الحديثِ، أي: من انقطاعِه، فـ «لا يُدرَى الرَّواي له عن أنس ﵁، ثمَّ سرَقَه بعض الوَضَّاعين، مِن الشِّيعة والضُّعفاء والمَجهولين منهم، أو المُتعاطِفين معهم، فرَكَّبوا عليه أسانيدَ كثيرةً» (٢)، وهذا ما كان انتهى إليه ابنِ القيسرانيِّ في دراسته للحديث، حيث قال: «حديثُ الطَّائر مَوضوعٌ، إنَّما يَجيء مِن سُقَّاطِ أهلِ الكوفة، عن المَشاهيرِ والمَجاهيلِ، عن أنسٍ وغيره» (٣).
فكيف للحاكمِ أن يقول بعد كلِّ هذا أنَّ الحديث على شرطِ الشَّيخين؟!
ثمَّ لم يكتفِ هو بركونه إلى كثرة طُرقهِ الواهيةِ وتصحيحِه لأحدِها، بل قال عَقِب ذلك: « .. ثمَّ صَحَّت الرِّواية عن عليٍّ وأبي سعيد الخدري وسفينة».
ليَنتفِضَ عليه الذَّهبيُّ قائلًا: «لا والله ما صَحَّ شيءٌ مِن ذلك!» (٤).
وما حنَثَ الذَّهبي، فإنَّ الطُّرق إلى هؤلاء الثَّلاثة ساقطة الأسانيد، قد بَيَّن ابن كثيرٍ عِلَلَها، كما بيَّن عِلَل كثيرٍ مِن الطُّرق المُشار إليها آنفًا (٥).
العجيب بعدُ مِن الحاكِم: أنَّه مِن زمرة مَن ضَعَّف حديثَ الطَّير بالنَّظر إلى نكارة متنِه! ولم يَلتفِت إلى طُرقِه، وذلك فيما ساقه الذَّهبي في ترجمتِه بإسنادٍ صحيحٍ عنه: «أنَّهم كانوا في مَجلسٍ، فسُئِل أبو عبد الله الحاكم عن حديثِ الطَّير؟ فقال: لا يَصِحُّ، ولو صَحَّ، لمَا كان أحدٌ أفضلَ مِن عليٍّ بعد النَّبي ﷺ ».
قال الذَّهبي عقِبَه: «فهذه حِكايةٌ قَويَّةٌ؛ فما بالُه أخرَجَ حديثَ الطَّير في «المُستدرَك»؟! فكأنَّه اختَلَف اجتهادُه» (٦).
стр. 162
قلتُ: استبعِدُ هذا التَّوجيه مِن الذَّهبي، فإنَّ القِصَّة ظاهرٌ مِنها استنكارُ الحاكمِ للمتن نفسِه، وحُقَّ له ذلك، فهو مُناقضٌ لِما استقَرَّ عليه عمومِ المُسلمين مِن أفضليَّة أبي بكر وعمر على سائرِ الصَّحابةِ ﵃، ومثلُ هذا الاستنكارِ لا يندفِعُ عادةً بمُجرَّدِ اجتهادِ نَظرٍ في طُرقِ الحديث.
والَّذي أميلُ إليه في اختلاف موقف الحاكم من هذا الحديث: أنَّ الحاكِم كان أدخلَه بادئَ الأمرِ في كتابِه مُسودَّة، مِن غيرِ تحقيقٍ كافٍ في طُرُقِه، ولا تَأمُّلِ شافٍ في مَتْنِه، فلمَّا تَبَيَّنتْ له عِلَّتُه بعدُ، عَزَم على إخراجِه مِن كتابِه حينَ تمام تبيِضِه، لكنَّ المَنيَّةَ أعجَلَته قبل أن يبلُغَ به.
يقول ابن حجر: «إنمَّا وَقَع للحاكم التَّساهل لأنَّه سوَّد الكتاب لينقِّحَه، فأعجلته المنيَّة، قال: وقد وجدتُ في قريب نصف الجزء الثَّاني من تجزئة ستَّة من المستدرك: إلى هنا انتهى إملاء الحاكم، قال: والَّتساهل في القدر المُمْلى قليل جدًّا بالنِّسبة إلى ما بعده» (١)، والله أعلم.
فبهذا يتبيَّن سقوط الحديث متنًا وإسنادًا، ولأجلِها أعرضَ الشَّيخانِ عن إخراجِه في «صحيحَيهما».
ثالثًا: وأمَّا حديثُ أَمْرِه ﷺ بسَدِّ الأبوابِ إلى المَسجدِ إلَّا بابَ عليٍّ ﵁:
فهذا الحديث قد اختلفَ العلماء في حقيقته:
فذهب إلى تضعيفه: أحمد (٢)، والتِّرمذي (٣).
وكَذَّبه ابنُ الجَوزيِّ فقال: «هذه الأحاديث كلُّها مِن وَضعِ الرَّافضة، قابَلوا بها الحديثَ المُتَّفَقَ على صِحَّتِه في «سُدُّوا الأبوابَ إلَّا بابَ أبي بكرٍ» (٤).
стр. 163
وتَبِع ابن الجوزيَّ على وضعِه ابن تيميَّة (١).
وابن الجوزيِّ يعني بحديث باب أبي بكر: ما ورَد في «الصَّحيحين» وغيرِهما: أنَّ النبَّي ﷺ خَطَب في مَرضِ مَوتِه، وذكَرَ أبا بكرٍ ﵁ فقال: «لا تَبقيَنَّ في المسجدِ خوخَةٌ إلَّا خوخة أبا بكرٍ» (٢)، وفي روايةٍ: «لا يَبقيَنَّ في المسجدِ بابٌ إلَّا سُدَّ إلَّا بابَ أبي بكرٍ» (٣)، «وأهلُ المدينةِ يَستدِلُّون بهذا على خِلافةِ أبي بكرٍ، فعارَضَهم شيعةُ الكوفةِ، وذَكروا رواياتٍ فيها الأمرُ بسَدِّ الأبوابِ في المَسجدِ إلَّا بابَ عليٍّ» (٤).
فمِن أهلِ العلمِ مَن ارتابَ برواياتِ أهلِ الكوفة هذه، حتَّى جَزَم ابن الجوزيِّ ببُطلانِها كما تَقدَّم.
ومنهم مَن لم يرَ مانِعًا مِن تَصحيحِها، وتَصَدَّى منهم ابن حَجرٍ للدِّفاع عن بعضِ رواياتِ الكوفِيِّين (٥)، وهم يُوفِّقون في ذلك بينها وبين ما وَرَد في حقِّ أبي بكرٍ: بكونِ الحديثين حادثتين مُستقِلَّتين، وذلك:
أنَّه كان لبعض الصَّحابةِ مَنازلُ لها أبوابٌ إلى خارجِ المسجد، وأبوابٌ شارعةٌ في المسجد، كان بيتُ عليٍّ ﵁ كما في بعضِ الرواياتِ في المسجدِ، ويُؤخَذ مِن بعضِها أنَّه كانت بين أبياتِ النَّبي ﷺ (٦)، وفي بعضِها أنَّه لم يَكُن له طريقٌ غير المَسجد (٧)، فلذلك لم يُؤمَر بسَدِّه (٨).
стр. 164
ويشهد لهذا التَّأويل للحديث: ما رواه القاضي إسماعيل بن إسحاق، عن المُطَّلبِ بنِ عبد الله التَّابعي (١) قال: إنَّ النَّبي ﷺ لم يَكُن أَذِنَ لأحدٍ أن يمُرَّ في المسجدِ، ولا يجلس فيه وهو جُنبٌ، إلَّا علي بن أبي طالب، لأنَّ بيتَه كان في المسجد» (٢).
فإلى نحوِ هذا الجمَعِ بين أحاديث البابِ ذَهَب جمعٌ مِن الفقهاء، كالطَّحاوي (٣)، وأبي بكر الكلاباذي (٤).
أمَّا ابن كثيرٍ، فارتأى أنَّ ذاكَ النَّفيَ في حقِّ عليٍّ ﵁ كان في حالِ حياتِه، لاحتياجِ زوجِه فاطمةَ إلى المرورِ مِن بيتِها إلى بيتِ أبيها، فكأنَّه جَعَله رِفقًا بها ﵂ (٥).
وعلى كلٍّ؛ فبعد امتثال الصَّحابةِ ﵃ لذاك النَّهي النَّبوي، كأنَّهم استَبَقوا خوخاتٍ يَستقرِبون منها الدُّخولَ إلى المسجدِ للصَّلاةِ فقط، لكَّنهم أُمِروا بسَدِّها أيضًا إلَّا خوخةَ أبي بكرٍ، كونه أفضلَ النَّاس يَدًا عنده (٦)، وإشارةً إلى استخلافِ أبي بكرٍ ﵁، كونه يحتاج إلى المسجدِ كثيرًا دون غيره (٧).
وبصرَفِ النَّظَرِ عن التَّحقيقِ والاستدلالِ والبحثِ فيما يُؤيِّد قولَ مَن صَحَّح الحديثَ أو مَن أبطلَه، فقد أبنَّا عن أنَّه خَالٍ مِمَّا يَرمي إليه الرَّافضةُ مِن دعوى كِتمانِ البخاريِّ ومسلمٍ له، لِما يَزعمُونه فيه مِن استحقاقِ عليٍّ للخلافةِ دون غيره،
стр. 165
فإنَّ غايته مُراعاةُ النَّبي ﷺ لمَحَلِّ بيتِه ﵁ أو زوجِه فاطمة، مع ما في أسانيدِه مِن نَظرٍ وكلامٍ كثيرٍ؛ والشِّيخان قد أخرجَا مِن مَناقبِ عليٍّ ﵁ ما هو أجَلُّ وأجْلَى وأصَحُّ مِن هذا الحديث،، والله أعلم.
رابعًا: وأمَّا حديثِ: «أنا مدينةُ العلمِ وعَليٌّ بابُها»:
فكلُّ أسانيدِه إمَّا واهيةٌ أو مَسروقة على الصَّحيح، لا يَصلحُ شيءٌ منها للاحتجاجِ أو الاعتِضاد؛ وعليها قال أبو جعفر الحضرميُّ (ت ٢٩٧ هـ) (١): «لم يَروِ هذا الحديث عن أبي معاوية مِن الثِّقات أحدٌ، رواه أبو الصَّلت فكَذَّبوه» (٢).
فهذا الحديث -كما قال- ممَّا ابتَكَره أبو الصَّلت الهَرويُّ، والكَذَبَة على مِنواله نَسَجوا، حتَّى شنَّع عليه أحمدُ به، فكان يقول: «قبَّحَ الله أبا الصَّلت!» (٣).
وقال ابن عَديٍّ: «هذا الحديث مَوضوع، يُعرف بأبي الصَّلت، وقد رواه جماعةٌ سَرَقوه منه» (٤).
وقال ابن حِبَّان: «هذا شيءٌ لا أصلَ له، ليس مِن حديثِ ابن عبَّاسٍ، ولا مجاهدٍ، ولا الأعمش، ولا أبو معاوية حَدَّث به، وكلُّ مَن حدَّثَ بهذا المتنِ، فإنَّما سَرَقه مِن أبي الصَّلت هذا، وإن أقلَبَ إسنادَه» (٥).
والتِّرمذيُّ قد استنكَرَه أيضًا مِن حديث عليٍّ (٦)، ثمَّ نقَلَ استنكارَ البخاريِّ له (٧).
стр. 166
وقال فيه ابن مَعينٍ: «هذا حديث كذِبٌ، ليس له أصل» (١).
وقال الدَّارقطنيُّ: «إنَّه حديثٌ مُضطربٌ غير ثابتٍ» (٢)، وقد عَدَّ جماعةً مِمَّن سَرَقَه (٣).
وردَّه مِن النُّقاد غير هؤلاء كثيرٌ (٤).
فلا عِبرةَ بعدُ بقولِ الحاكم إنَّه: «صحيحٌ الإسناد، ولم يُخرِجاه، وأبو الصَّلت ثقةٌ مأمون» (٥)، وقد تعقَّبه الذَهبيُّ فقال: «بل هو حديث مَوضوعٌ، أبو الصَّلت ليس بثقةٍ ولا مَأمونٍ».
وكان صَرَّح بوَضْعِه قبلَه ابنُ الجوزيِّ حين أورَده في «الموضوعات» (٦)، وابن القيسراني كذلك (٧).
ثمَّ جاء المُعلِّمي (٨) والألبانيُّ (٩) بأخرة، فأجادا في نَقدِ طُرقِه تفصيلًا، وبيانِ ما فيها مِن عِلَلٍ قادحةٍ، لا يشكُّ النَّاظر فيها إلى صوابِ ما حَكَمَ به النُّقاد الأوائل مِمَّن مَضى قولُهم في الحديث آنفًا، وإلى خطأِ مَا جنحَ إليه بعضُ المُتأخِّرين مِن تحسينِهم له بالنَّظر إلى كثرةِ طُرقِه، كالعَلائيِّ (١٠)، وابن حَجرٍ (١١)، وتَبعِه السَّخاويُّ (١٢).
стр. 167
وقد كان في المتأخِّرين أيضًا مَن طعنَ في أسانيدِ هذا الحديث؛ مِن أمثالِ ابن الجوزيِّ، والذَّهبي، والنَّووي (١)، وابن تيميَّة -وسيأتي كلامُه-، بل أشارَ ابن دقيقِ العيد إلى أنَّ عدم إثباتِه هو مَذهب أهلِ الحديث (٢).
لكنَّ الغُماريَّ مع إقرارِه بما أشار إليه ابن دقيق العيد، واعترافِه بأنَّ إنكارَ الحديثِ مَذهبُ عامَّةِ المُتقدِّمين (٣)، إلَّا أنَّه -كعادته- لم يُبال باتِّفاقِهم، فحَكمَ بصِحَّة الحديثِ في جزءٍ مُفردٍ مشهور له، سَمَّاه «فتح الملِك العَليِّ، بصحَّةِ حديثِ: بابُ مدينةِ العلمِ عليّ».
فإن قيل: مُجرَّد وَهاءِ الطُّرقِ أو تُهمةِ السَّرقةِ للحديث، لا يكفي للحكمِ على الحديثِ بالوَضع رأسًا، بل كثرتها تدلُّ على أنَّ له أصلًا.
قلت: قد كانَ قولُ هذا جديرًا بالنَّظر، لولا أنَّ في متنِه ما يَدلُّ على وَضْعِه، ذلك أنَّ «الشِّيعةَ إنَّما أرادوا به التَّمثيل أنَّ أخذَ العلمَ والحكمةَ منه ﷺ مُختصٌّ بعليٍّ، لا يتجاوَزه إلى غيره إلَّا بواسطتِه ﵁، لأنَّ الدَّار إنَّما يُدخَل فيها مِن بابِها» (٤).
وهذا ما بَينَّ ابن تيميَّة بُطلانَه فقال:
«حديث: «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابُها» أضعفُ وأوهى؛ ولهذا إنَّما يُعَدُّ في المَوضوعاتِ، وإنْ رواه التِّرمذي، وذَكَره ابن الجوزيِّ، وبيَّن أن سائرَ طُرقِه مَوضوعة.
وهذا الكذبُ يُعرَف مِن نفسِ متنِه، فإن النَّبي ﷺ إذا كان مدينةَ العلمِ، ولم يكُن لها إلا بابٌ واحدٌ، ولم يُبلِّغ العلمَ عنه إلَّا واحدٌ: فسَدَ أمرُ الإسلام، ولهذا اتَّفقَ المسلمون على أنَّه لا يجوز أن يكون المُبلِّغ عنه العلمَ واحدٌ، بل يجبُ أن
стр. 168
يكون المُبلِّغون أهلَ التَّواتر الَّذين يحصُل العلم بخَبرِهم للغائب، وخبرُ الواحدِ لا يُفيد العلمَ بالقرآنِ والسُّنن المُتواترة ...
ثمَّ عِلمُ الرَّسول ﷺ مِن الكتابِ والسُّنة قد طَبَّق الأرضَ، وما انفرَدَ به عليٌّ ﵁ عن رسولِ الله ﷺ فيَسيرٌ قليلٌ، وأجَلُّ التَّابعين بالمدينة هم الَّذين تَعلَّموا في زمنِ عمر وعثمان، وتعليمُ معاذٍ للتَّابعين ولأهلِ اليَمنِ، أكثرُ مِن تعليمِ علي ﵃، وقدِمَ عليٌّ على الكوفة، وبها مِن أئمَّة التابعين عددٌ .. » (١).
وقال في مَوضعٍ آخر: « .. وهذا الحديث إنَّما افتراه زنديقٌ أو جاهلٌ، ظنَّه مَدحًا، وهو مُطرِّقُ الزَّنادقة إلى القدحِ في علمِ الدِّين! إذْ لم يُبلِّغه إلَّا واحدٌ مِن الصَّحابة؛ ثمَّ إنَّ هذا خلافُ المَعلوم بالتَّواتر .. » (٢).
وبهذا يَبين للمُنصف بأنَّ البخاريَّ ومُسلمًا إنَّما تحاشا هذا الحديث عن علمٍ ودرايةٍ بمُشكلاتِه سندًا ومتنًا، فنَزَّها «صحيحَيْهما» أن يَتَلطَّخا بمثلِ هذه الواهِياتِ المُشِينات، وإن حسِبَها الوَضَّاعون لعليٍّ ﵁ مِن المَنْقَبات.
стр. 169
المَطلب الثَّالث
دفع دعوى الإماميَّةِ كتمَ البخاريّ لمناقب عليِّ ﵇ بالاختصار
فأمَّا دعوى المُعترضِ تحايُلَ البخاريِّ في كتمِ منقبةِ عليٍّ ﵇ في صرفِه لعُمر ﵁ عن جلدِ المَجنونة، وذلك بتقطيعِ الحديثِ وفصلِه عنه: فلو كان البخاريُّ مُتقصِّدًا إخفاءَ ذلك تنقُّصًا مِن قدرِه، فما كان شيءٌ ليَضطَرَّه إلى أن يُفرَد له في «صَحيحِه» بابًا مُستقِلًّا كامِلًا في مَناقبِه (١)!
وما هذا التَّوجيه المُستقبح من (النَّجميِّ) لهذا العَملِ من البخاريِّ، إلَّا نتاجُ سوءِ ظنِّه به، وغباوتِه عن تفهُّم منهجِه في التَّصنيف؛ ذلك أنَّ الشَّطرَ الأوَّلَ مِن المتنِ المَحذوف، والمُتضمِّن لقصَّة عمر مع عليٍّ، هو مَوقوفٌ في أصلِه كما لا يخفى، بخلاف الشَّطرِ الَّذي اقتصر عليه البخاريُّ، فإنَّه مُفيدٌ للرَّفعِ إلى النَّبي ﷺ ، وهو مُتقصَّدُ البخاريِّ أصالةً لاندراجه في موضوعِ كتابهِ، وتدليله به على ما ترجَم به البابَ.
стр. 170
وأمَّا أنَّه اختصر إسنادَ القِصَّة بأن عَلَّقه: فلأجلِ الخلافِ الحاصلِ على أبي ظبيانَ في ذكره لابنِ عبَّاس مِن عَدمِه، وكذا للاختلاف عليه في رفعِه ووقفِه، قد بَيَّن هذا الخُلْف غير واحدٍ مِن النُّقاد (١).
стр. 171
المَطلب الرَّابع
دفع دعوى حذف البخاريِّ لمِا فيه مَثلبةٌ للفاروق ﵁ بالاختصار
وأمَّا دعواهم على البخاريِّ تعمُّدَ الاختصارِ لمِا فيه مَثلبةٌ للفاروق ﵁:
فأمَّا مثالهم الأوَّل: فيظهر زيفُ دعوى ذاك المُعترضِ أنَّ البخاريَّ حذف ما يُنبي عن غفلةِ الفاروقِ ﵁ وجهلِه بالحكم مِن جِهتين:
الأولى: مِن جِهة تلبيسِه، حيث إنَّ المُعترِض قد أسقطَ في كتابِه شيخَ مسلمٍ في سندِ هذه القصَّة، واقتصرَ على ذكرِ شعبةَ فمَن فوقَه، ليوهِم القارئ بأنَّ البخاريَّ ومسلمًا قد اتَّفَقا في السَّنَدِ المُتلقَّى منه هذه الحكاية، بل زعمَه تصريحًا! وأنَّهما إنَّما اختلفا في المتنِ لأجل هذا التَصرُّف من البخاريِّ.
بينما الحقيقة خلاف ما أراد أن يُوهِمه، وذل أنَّ مسلمًا إنَّما رواه عن (يحيى بن سعيد القطَّان) عن شعبة، بينما رواه البخاريُّ عن (آدم بن أبي إياس) عن شعبة، فالطَّريقان إذن مُختلفان! هذا أوَّلًا.
وأمَّا ثانيًا: فإنَّ آدمَ ابن أبي إياسٍ هذا هو المُختِصِر للحكايةِ حقيقةً لا البخاري، وشاهدُ ذلك: أنَّها مَرويَّة عند البيهقيِّ مِن طريقِ (إبراهيم بن الحُسين) عن آدم بنِ أبي إياسٍ بنفسِ الإسنادِ الَّذي في البخاريِّ، مِن دون قولِ عمر: «لا تُصَلِّ»! فدَلَّ على أنَّ البخاريَّ لم يَتَصرَّف في القصَّةِ، بل نَقَلها كما سَمِعها مِن
стр. 172
شيخِه وسمِعَها منه غيرُه، كما قد نَبَّه على ذلك ابن حجرٍ عند شرحِه لهذه الحكايةِ (١).
وأمَّا الجِهة الثَّانية من جِهتي تَزْيِيف دعوى المُعترضِ حذفَ البخاريِّ ما يُنبي عن غفلةِ الفاروقِ ﵁ وجهلِه بالحكم في هذه القصَّة: فإنَّ عمر إنَّما تَأوَّل آيةَ التَّيمُّم لا أنَّه كان يجهلُها! بحيث فهم أنَّ الجُنُبَ لا يشملُه قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ [النساء: ٤٣]، ظنًّا منه أنَّ المُلامَسةَ في ظاهرِ الآيةِ ما دون الجِماع (٢)؛ وحينَ لم تبلُغه الأحاديثُ الخاصَّةُ على خلاف هذا الأصل عنده، رأى البقاء على ظاهرِ قولِه تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦].
وأمَّا ما حَدَّثه به عمَّار ﵁: فإنَّما استذكره عمَّارٌ ما جَرى مِنهما في السَّفَر لا سؤالَه النَّبي ﷺ ؛ لأنَّ الظَّاهرَ غياب عمرَ ﵁ عن ذلك، ولو كان شهِد هو هذا الاستفتاءَ مِن عمَّار للنَّبي ﷺ ، لمَا أبقى مَذْهبَه على أنَّ الجُنبَ لا يُجزيه إلَّا الغسلُ بالماء؛ لكنْ حين «أخبرَه عمَّارٌ عن النَّبي ﷺ بأنَّ التَّيمُّم يَكفيه: سَكَتَ عنه، ولن يَنْهَه» (٣)، بل قال: «اتَّقِ الله تعالى يا عَمَّار، «ومَعناه: اتَّقِ الله تعالى فيما تَرويه وتَثبَّت، فلعلَّك نَسيتَ، أو اشتبَه عليك الأمرُ» (٤).
فبَانَ أنْ ليس فيما اجتهَدَ فيه عمرُ ﵁ حَطٌّ مِن قدرِه حتَّى يحتاج إلى ستر البخاريِّ عليه، بل هذا منه مثالٌ مِن أمثلةٍ كثيرةٍ، «تدلُّكَ على أنَّ أخبارَ الآحادِ العُدولِ مِن علمِ الخاصَّة، قد يخفى على الجليلِ مِن العلماءِ منها الشَّيء» (٥).
стр. 173
وأمَّا عن المثال الثَّاني الَّذي يُورده (النَّجمي) لتعمُّد البخاريِّ حذف ما يُشعر بذمِّ عمر ﵁:
فإنَّ الَّذي دَعَا البخاريَّ إلى اختصارِ حديثِ: «ضَرَب ﷺ في الخمرِ بالجريدِ والنِّعالِ، وجَلَد أبو بكر أربعين» (١)، هو عَينُ ما قدَّمنا به جوابَ المثالِ الأوَّل: أي رغبته في الاقتصارِ على المَرفوع منه، فإنَّه مَوضوعُ كتابِه، دون الحاجةِ إلى ما هو مَوقوفٌ مِن اجتهادِ عمر.
وعمر ﵁ لم يكُ جاهلًا بسُنَّةِ رسولِه ﷺ في حَدِّ الخمرِ، فإنَّه قد جلَدَ أيضًا صدرًا مِن خلافتِه أربعينَ جلدةً، كما رواه البخاريُّ نفسُه في صحيحه (٢)!
غير أنَّ النَّاس لمَّا كثروا في دولتِه، وقرُبوا مِن القُرى، كَثُر فيهم شربُ الخمرِ، فلمَّا «جاءت الآثار مُتواترةً أنَّ رسول الله ﷺ لم يكُن يقصِدُ في حَدِّ الشَّاربِ إلى عددٍ مِن الضَّرب مَعلوم، حتَّى لقد بَيَّن في بعضِ ما رُوِي عنه نَفيُ ذلك، مثل ما رُوِيَ عن عليٍّ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ ماتَ، ولم يَسُنَّ فيه حدًّا» (٣): عُلِم أنَّها راجعةٌ إلى تقديرِ الإمامِ، فلذا ارتأى الفاروقُ مشورةَ أصحابِه ﵃ في الزِّيادةِ فيها عقوبةً وزجرًا لشارِبها.
وأمَّا مثال (النَّجمي) الثَّالث على تعمُّد البخاريِّ حذف ما يُشعر بذمِّ عمر ﵁:
فدحضُ حجَّةِ اتِّهامه للبخاريِّ بالاقتصارِ على لفظ: «نُهِينا عن التَّكلُّف» (٤) دون تمامه الَّذي فيه جهل عمر ﵁ بمعنى الأبِّ: يظهرُ في نفسِ ما قدَّمنا به
стр. 174
جوابَ سابِقَيه: أي أنَّ البخاريَّ قد اقتصَرَ كعادته على ما هو مَرفوعٌ مِن الحديث؛ وابن حَجرٍ سبق أن بَيَّن هذا في شرحه (١)، ولكنَّ المُعترِضَ يتَعامى.
ثمَّ إنَّ البخاريَّ قد حَذَف مِن هذا الحديثِ ما لا تَعلُّق له بترجمة بابِه، فإنَّ الباب لِما يُفيدُ النَّهيَ عن التَّكلُّفِ، وفي قولةِ عمر ﵁ ما يُفيد النَّهي عن تكلُّف جوابِ ما لا يَعلَمُه الإنسانُ ولا يَلزَمُه، وهذا حقُّه بحسبِ منهجِه في تصنيفِ كتابِه.
أمَّا دعوى بعض الإماميَّةِ منعَ الفاروقِ للاستفسارِ عن غريبٍ القرآن:
فما أبعدَه أن يكون قَصَدَه هو تحديدًا ﵁، فهو الَّذي كان يُسأل عن الآيةِ فيُجيب (٢)، بل يُبادر إلى سؤال جُلسائِه عن آياتٍ مِن كتاب الله تعالى مِن بابِ المدارسةِ والاختبار (٣).
وليس في مَقولِ عمر ﵁ ما يُشبه النَّهيَ عن تَتبُّعِ معاني القرآن أو البحثِ عن مُشكلاتِه، ولكنَّ عمر وسائر الصَّحابة معه -كما قالَ الزَّمخشريُّ- «كانت أكبرُ هِمَّتهم عاكفةً على العمل، وكان التَّشاغل بشيءٍ مِن العلم لا يُعمَل به تَكلُّفًا عندهم؛ فأرادَ ﵁ أنَّ الآيةَ مَسوقةٌ في الامتنانِ على الإنسانِ بمَطعمه واستدعاءِ شُكرِه، وقد عَلِم مِن فحوى الآيةِ أنَّ الأبَّ بعضُ ما أنبَتَه الله للإنسانِ، متَاعًا له أو لإنعامه.
فعليكَ بما هو أهمُّ مِن النُّهوضِ بالشُّكرِ لله -على ما تَبيَّن لك ولم يُشكل- مِمَّا عَدَّد مِن نِعَمِه، ولا تَتَشاغل عنه بطلبِ معنى الأبِّ، ومَعرفةِ النَّباتِ الخاصِّ الَّذي هو اسمٌ له، واكْتفِ بالمعرفةِ الجُمليَّة، إلى أن يَتبيَّن لك في غيِر هذا
стр. 175
الوقت؛ ثمَّ وَصَّى النَّاسَ بأن يُجرُوا على هذا السَّنن، فيما أشبه ذلك مِن مشكلات القرآن» (١).
والَّذي يظهر من سَببِ جهلِ الفاروق ﵁ بحقيقةِ ما يَقع عليه اسمُ الأبِّ مِن أنواعِ العُشب، مع كونِه مِن خُلَّص العَرب، أحدُ سَبَبيْن كما يقول الطاهر بن عاشور:
«إمَّا لأنَّ هذا اللَّفظ كان قد تُنوسيَ مِن استعمالهم، فأحياه القرآن لرعايةِ الفاصلة، فإنَّ الكلمةَ قد تشتهر في بعضِ القبائلِ، أو في بعضِ الأزمان، وتُنسَى في بعضِها، مثل اسمِ السِّكين عند الأوْسِ والخزرج، فقد قال أنس بن مالك: «ما كُنَّا نقول إلَّا المُديَة، حتَّى سمعتُ قولَ رسولِ الله ﷺ يذكًر أنَّ سليمان ﵇ قال: (اِيتوني بالسِّكِين، أقسِّم الطِّفل بينهما نصفين)!
وإمَّا لأنَّ كلمةَ (الأبِّ) تُطلَق على أشياء كثيرةٍ، منها النَّبت الَّذي ترعاه الأنعام، ومنها التِّبن، ومنها يابسُ الفاكهة، فكانَ إمساكُ عمرَ عن بيانِ معناه، لعدمِ الجزمِ بما أراد الله منه على التَّعيِين، وهل الأبُّ ممَّا يَرجع إلى قوله: ﴿مَتَاعاً لَّكُمْ﴾، أو إلى قوله: ﴿وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ في جمعِ ما قُسِّم قبله .. » (٢).
وبهذه الأجوبة المُتظافرة على ما أورده (صادق النَّجميُّ) من أمثلة، ظهر لكلِّ مُنصفٍ أنَّ البخاريَّ بَريءٌ مِن تُهمةِ التَّحيُّزِ الطَّائفيِّ في تقطيعِه لمتون الأحاديثِ واختصارِها، بل هو في ذلك مُتجرِّد لموضوعِ كتابِه، والاستدلالِ لكلِّ بابٍ من أبوابِه بما يُناسبه من المتون.
الأمر الَّذي أقرَّ به أحدُ الباحثِينَ من الإماميَّة أنفسِهم، ناقمًا على (النَّجمي) وصمَه لصَنيعِ البخاريِّ في تلك الأمثلة بعدم المَوضوعيَّة، واستضعفَها مِنه في مَقامِ المُحاجَجةِ لأهل السُّنة، قائلًا بعد نقلِه إحدى ما سلف من أمثلةِ (النَّجميِّ):
«هذا الشَّاهد جَيِّد لو أنَّنا دَرَسنا تجربةَ البخاريِّ، ولم نجِد سِوى هذه الشَّواهد وأمثالها هنا، ففي هذه الحال نَعرف التَّحيُّزَ والعصبيَّة؛ لكنَّ ظاهرةَ
стр. 176
التَّقطيعِ عند البخاريِّ ظاهرةٌ عامَّة في مُجمل رواياتِه، لا تختصُّ بهذه المَوضوعات والمِلفَّات، تمامًا مثل ظاهرة التَّقطيع الَّتي غَلَبت على كتابِ «تفصيلِ وسائلِ الشِّيعة» للحرِّ العاملي!
يُضاف إلى هذا كلِّه، أنَّ مُجرَّد العثورِ على بضعةِ مَوارد قليلةٍ .. لا يُثبت تُهمةً بهذا الحجم! لاسِيما وأنَّنا نعرفُ أنَّ هناكَ الكثيرَ مِن الرِّواياتِ -حتَّى في المَصادرِ الشِّيعيَّة! - يأتي مَقطعٌ منها في كتاب، وأكثر مِن ذلك في كتابٍ آخر، كلٌّ حسَبَ ما وَصَله، أو حسبَ طريقتِه» (١).
стр. 177
المَطلب الخامس
دفع دعوى تحايُدِ البخاريِّ عن الرواية عن أهل البيت
ليس مسلم بن الحجَّاج عند الإماميَّة مِمَّن يُقرَن بالبخاريِّ في هذه الدَّعوى، فإنَّهم يجدونَه يروي في «صحيحِه المُسند» عن جعفر الصَّادق سبعةَ عشر حديثًا (١)، ولا يجدون عن جعفر ولا روايةً واحدةً عند البخاريِّ في «صحيحِه».
واعتقادُ الإماميَّةِ لوجودِ عَداوةٍ بين البخاريِّ ورُواةِ أهل البيتِ: أمرٌ مُتخيَّل في أذهانِهم، ليس له في الخارج حقيقةٌ، وقد قدَّمنا قبلُ اعتزازَ البخاريِّ بأصولِ أهلِ البيتِ العُتَّقِ، وروايةِ مَناقبِهم في أكثرِ مِن بابٍ، ولذا رَوى من أحاديثِهم الكثيرَ في «جامِعه الصَّحيح».
ولقد بلغَ مجموعُ مَن رَوى عنهم البخاريُّ وحدَه مِن أهل البيتِ أو مَواليهم في «صحيحِه» وباقي كُتبِه: اثنين وخمسينَ راويًا (٢)، يَكفي أن نعلمَ أنَّ مَرويَّاتِ عليٍّ ﵇ وحده في «صحيحِه» أكثرُ مِن مَرويَّاتِ باقي الخُلفاء الرَّاشدين مُجتمعةً! حيث أورد له البخاريُّ ثمانيةً وتسعين حديثًا بالمُكَرَّر، وأصلُها أربعةً وثلاثين حديثًا بلا مُكرَّر؛ كما أنَّ مسلمًا أخرجَ له في «صحيحِه» ثمانيةً وثلاثين حديثًا.
стр. 178
كما روى البخاريُّ للحُسين بن عليٍّ ﵁ حديثين عن أبيه (١)، ومُسلمٍ روى من هذا أربعة أحاديث (٢).
ومِن عظيمِ إجلالِ أئمَّة الحديثِ لهؤلاءِ الرُّواةِ من أهل البيتِ بهذا الإسناد، أن جعلَ بعضُهم سندَ: الزُّهريِّ، عن علي بن الحُسين، عن الحُسين ﵁، عن عليٍّ ﵇: أصحَّ الأسانيد الذَّهبيَّة عند أهل السُّنة (٣).
فكيف يُقال بعد هذا أنَّ البخاريَّ مُعادٍ لرُواةِ أهل البيت؟!
واتِّهام الإماميَّةِ البخاريَّ بالطَّعنِ في جعفرٍ الصَّادقِ ﵁ لتركِه حديثَه:
فمَحضُ افتراءٍ عليه، إذ كان البخاريُّ أتقى لله وأعقلَ مِن أن يتَّخِذ مِثلَ هذا الإمام الشَّريفِ خصمًا له بين يدي ربِّه تعالى، وتَتَبيَّن براءتُه مِن الطَّعنِ فيه مِن وَجهين:
الأوَّل: أنَّ مُجرَّد خلوِّ أسانيدِ البخاريِّ في «الصَّحيح» مِن أحدِ الرُّواةِ لا يعني طعنًا منه فيه البتَّة، فإنَّه لم يَشترِط أصلًا استيعابَ جميعِ الثِّقاتِ في كتابِه، وقد تَركَ البخاريُّ الرِّواية عن عددٍ مِمَّن يُحسَب مِن أكابِر الثِّقاتِ.
فإنَّك لن ترى في كتابِه روايةً مُسنَدةً عن سُهيل بن أبي صالح (ت ١٤٠ هـ) (٤)، ولا عن حمَّاد بن سَلَمة (ت ١٦٧ هـ) (٥)، ولا عن محمَّد بن رُمح (ت ٢٤٢ هـ) (٦)، ولا عن أبي داود الطَّيالِسي (ت ٢٠٤ هـ)، بل ولا عن الشَّافعيِّ مع جَلالتِه!
وهذا أحمد بن حنبل وهو إمام الحديثِ وشيخُه، لم يذكره البخاري في كتابِه إلَّا مرَّتين، لم يُسند عنه فيهما إلَّا حديثًا واحدًا (٧).
стр. 179
وفي تقرير هذا الوجه من الرَّد، يقول أبو عبد الله الحاكم: «إنَّ كتابَيهما -يعني الصَّحيحين- لا يشتمِلان على كلِّ ما يَصِحُّ من الحديثِ، وإنَّهما لم يحكُما أنَّ مَن لم يُخرِجاه في كتابَيهما مجروحٌ أو غير صِدقٍ» (١).
وانظر بعدُ إلى عقلِ الخطيب البغداديِّ، وليُقتدى بإنصافِه -مع ما اشَتَهر عنه مِن القوَّةِ في الردِّ- لم يَستفزَّه ترك البخاريِّ روايةَ إمامِه الشَّافعيِّ في «صحيحه»، فلم يَبنِ قِبابًا مِن الأوهامِ -كما تفعل الإماميَّة- فيَصيح مِن أعلاها مُشنِّعًا: ويْلَك يا بُخاري، قد أزريتَ بنفسك!
بل بيَّن الخطيب بكلِّ مَوضوعيَّة وهدوء، أنَّ البخاريَّ لم يختر ترك الرِّواية عن إمامِه الشَّافعيِّ وأضرابِه مِمَّن تَقدَّم ذكرُهم لمعنى يُوجِب ضعفَهم عنده؛ ولكن -كما قال الخطيب- قد يفعلُه البخاريُّ استغناءً بما هو أعلى منهم، فيَروِي عَمَّن هو أكبرُ منهم سِنًّا وأقدمُ سَماعًا؛ ثمَّ ضَرَبَ أمثلةً مِن أقرانٍ للشَّافعي وشيوخٍ له أدركَهم، روَى عنهم البخاريُّ دونَه (٢)؛ والشَّافعي ماتَ مُكتَهِلًا، فلا يَرويه البخاريُّ نازِلًا؛ وإن كان قد رَوَى هو عن الحسين وأبي ثورٍ مسائلَ عن الشَّافعي (٣).
الثَّاني: أنَّ جعفرًا على فرضِ أنَّ البخاريَّ يَراه ناقصًا عن مَرْتَبة الضَّابط في الصَّحيح، فإنَّه لم يَشُذَّ بذلك عن اتِّفاق أهل هذا الفنِّ حتَّى يُشَنَّع عليه! فإنَّ مِن بعضِ النُّقاد مَن تكَلَّم في حديثِه أيضًا، كشيخِه أحمد بن حنبل، حيث قال: «جعفر بن محمَّد، ضعيفُ الحديث مُضطربٌ» (٤).
وحين سُئِل يحيى بن سعيد القطَّان عنه قال: «في نفسي منه شيءٌ، قيل: فمُجالِد؟ قال: مُجالِدٌ أحبُّ إليَّ منه» (٥).
стр. 180
وإن كان أكثرُ النُّقادِ على تَوثيقِ جعفرٍ (١).
فلعلَّ من أعدلِ الأقوالِ فيه ما حَرَّره الذَّهبي بقولِه: «جعفرٌ ثقةٌ صدوقٌ، ما هو في الثَّبَتِ كشُعبة، وهو أوثقُ مِن سهيل وابنِ إسحاق، وهو في وَزنِ ابنِ أبي ذئبٍ ونحوه، وغالبُ رواياتِه عن أبيه مَراسيل، وقد حدَّث عنه الأئمَّة، وهو مِن ثقاتِ النَّاس كما قال ابنُ مَعين» (٢).
أقول: بصَرفِ النَّظرِ عن أيِّ الأقوالِ أصدقُ حُكمًا على حديثِ جعفرِ بن محمَّد ﵁، فإنَّ البخاريَّ قد اجتهَدَ اجتهادًا صرفًا مِن حيث الصَّنعة النَّقديَّة لمَرويَّاتِ الرَّجل، فكان ماذا؟!
والبخاريُّ لا تَشوبُه في اجتهاده شائبةُ هوًى طائفيٍّ البتَّة، فإنَّه وإن ترَك الرِّوايةَ عنه في «صحيحِه الجامع»، فلِمعنًى في حديثِه نفسِه لا غير، وهذا لا يستلزم بحالٍ تَنقُّصًا من قدْرِ جعفرٍ، ولا مِن دينِه وعلمِه؛ حاشَاه!
فإنَّ البخاريَّ لو كان طاعنًا في هذا الإمامِ الشَّريفِ تَعصُّبًا كما تبهتُه به الإماميَّة، لَما رَوى عنه في كتابِه الآخر «الأدب المُفرد» حديثين عن المصطفى ﷺ (٣)!
بل لَما جَعَلَه حُجَّةً له في موضوعِ كتابِه «خلق أفعال العِباد»، حيث استدَلَّ بقولِه ﵁ أنَّ «القرآن كلام الله، وليس بمَخلوقٍ» (٤)!
ثمَّ إنَّ البخاريَّ وإن لم يُخرِج هو عن جعفرٍ الصَّادق، فقد خَرَّج لعليٍّ زين العابدين (ت ٩٣ هـ) (٥)، وللباقر محمد بن عليِّ (ت ١١٤ هـ) (٦)، وأخرج لمحمد بن