فيه، وهو مَن شرع لنا التِماسِها فيه، ولولا خبره ﷻ لنا بذلك، ما تبرَّكنا بذلك كلِّه، فما بغيتنا إلَّا استزادة الخيرِ من مظانِّه الَّتي شرعها الله.
فكيف يُقال بعد هذا أنَّ التَّبرك بالنَّبي ﷺ وثنيَّة وشرك بالله في ربوبيَّته وألوهيَّته؟! .. فاللَّهم غُفرًا.
المَطلب الأول
سَوق أحاديث انشقاقِ القمر
عن أَنس بن مالك ﵁ قال: «سأل أَهلُ مكَّة أَن يريَهُم ﷺ آيةً، فأراهم القمرَ شقَّتَين، حتَّى رَأوا حِراء بينهما» متَّفق عليه، وفي لفظ لمسلم: «فأرَاهم انشقاق القمر مرَّتين (¬١») (٢).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «انشقَّ القمر على عهد النَّبي ﷺ شِّقَّتين، فقال النَّبي ﷺ : «اِشهْدوا» (٣).
وعن عبد الله بن عبَّاس ﵄: أَنَّ القمر انشَّق على زَمَان رسول الله ﷺ (٤).
стр. 1159
المَطلب الثَّاني
سَوْقُ دعاوي المُعارِضات الفكريَّةِ المُعاصرةِ
على أحاديثِ انشقاقِ القَمر
أَورَد بعض المُعاصرين على حديثِ انشقاقِ القمر جملةً مِن المعارضات؛ تَتلخَّص في ثلاثٍ رئيسةٍ:
المُعارِض الأوَّل: أنَّ انشقاقَ القمر لو وَقع لجاءَ متواترًا؛ إذْ يَستحيل أن يَقَعَ مثلُ هذا الحدَث الكونيِّ، ولا تَتوفَّر الدَّواعي على نقلِه وتدوينِه، ولا يَشتهر في سائرِ الأمصار؛ فخفاءُ ذلك يدلُّ على انتفاءِ وقوعِه.
وأوَّل مَن نُسبِت إليه هذه الشُّبهة إبراهيم النظَّام (ت ٢٣١ هـ) من كبار المعتزلة، وعَلَّل إنكارَه لهذا الانشقاقِ بأنَّه «لو كان قد انشَقَّ، لَعَلِم بذلك أهل الغرب والشَّرق؛ لمشاهدتهم له» (١)، ثمَّ بلَغت القِحة بنفسِه الأمَّارةِ أن كَذَّب ابنَ مسعود ﵁ في روايته (٢).
ثمَّ تلقَّفها عنه تلميذُه وربيبُ نِحلته الجاحظُ (ت ٢٥٥ هـ)؛ فقد نُقِل أنَّه كان يَنفي ذلك، ويقول: «لم يَتواتر الخَبر به» (٣).
стр. 1160
وقد سَلَّم لهذه الشُّبهةِ مِن المتأخِّرين (محمَّد رشيد رضا)، ونظمَها في سِلك اعتراضاتِه على الحديث، قائلًا في إنكارها: «ذَكَر علماءُ الأصولِ أنَّ الَخبرَ اللُّغوي ما يحمل الصِّدقَ والكذبَ لذاتِه .. وذَكروا أنَّ مِمَّا يُقطعُ بكذبه: الخبرُ الَّذي لو كان صحيحًا لتَوفَّرت الدَّواعي على نقله بالتَّواتُر؛ إمَّا لكونه مِن أصول الشَّريعة، وإمَّا لكونه أمرًا غريبًا؛ كسقوطِ الخطيب عن المنبر وقتَ الخطبة.
ومِن المَعلوم بالبداهة أنَّ انشقاقَ القمرِ أمرٌ غريبٌ؛ بل هو في مُنتهى الغرابة الَّتي لا يُعَدُّ سقوط الخطيب في جانبها غريبًا؛ لأنَّ الإغماءَ كثيرُ الوقوع في كلِّ زَمَن .. وانشقاق القَمر غير مَعهودٍ في زَمَنٍ مِن الأزمان، فهو محالٌ عادةً وبحسب قواعد العلمِ مادام الكونُ ثابتًا، وإنْ كان ممكِنًا في نفسه لا يُعجِزُ الخالقَ تعالى إن أراده، فلو وقع لتوفَّرت الدَّواعي على نقله بالتَّواتر؛ لشدَّة غرابتِه عند جميع النَّاس في جميع البلاد، ومِن جميع الأُمَم» (١).
المعارض الثَّاني: أنَّ هذه الأحاديث معارضة للقرآن الَّذي دلَّ على امتناعِ إرسالِ الآياتِ الحسيَّة، لأنَّ التَّكذيبَ بها مُوجبٌ لتعجيل العذابِ، كما حصلَ للأُممِ السَّابقةِ حين كَذَّبت، فلَّما لم يُستأصَلْ أهل مكَّة بالعذاب، علِمنا أنَّ آية انشقاقِ القمر لم تَقَع.
وفي تقرير هذه الشُّبهة يقول (محمَّد الغزالي):
«عندما قَرأتُ حديثَ الانشقاقِ، شرعتُ أفكِّر بعمقٍ في موقف المشركين، إنَّهم انصرفوا مُكذِّبين إلى بيوتِهم ورِحالهِم، بعدما رَأوا القَمر فلقتين عن يمينِ الجبل وشماله، قالوا: سَحَرنا محمَّد، ومَضوا آمنين سالمين، لا عقابَ ولا عتابَ .. !
قلتُ: كيف هذا؟ .. إنَّ التَّكذيب بعد وقوع الخارقِ المَطلوب يوجِبُ هلاكَ المُكذِّبين! فكيف يُترَك هؤلاء المَكيُّون بدون توبيخٍ ولا عقوبةٍ بعد احتقارهم لانشقاق القمر؟! .. يؤكِّد القرآن الكريم هذا المنطق في سورة الإسراء: ﴿وَمَا مَنَعَنَا
стр. 1161
أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلَاّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]، فإذا كان إرسال الآيات ممتنعًا لتكذيبِ الأوَّلين بها، فكيف وَقَعَ الانشقاق؟!» (١).
المعارض الثَّالث: أنَّ الثَّابتَ في القرآن الاكتفاء بالقرآنِ آيةً مُعجزةً واحدةً برهانًا على نبوَّة محمَّد ﷺ .
وفي تقرير هذا الاعتراض يقول (رشيد رضا) في مَعرضِ استبعادِه لحادثة انشقاقِ القمر:
«قد ثبتَ بآياتِ القرآن المحكمة الكثيرةِ القطعيَّة الدَّلالة أنَّ آيةَ الله تعالى وحجَّته على صحَّة نُبوَّة خاتم رسلِه محمَّد ﷺ الَّتي تحدَّى بها الكُفَّار، ولم يحتجَّ عليهم بغيرها، هي كتاب الله، المعجز للبَشر ولغيرهم مِن الخلق، وثبتَ بالحديث الصَّحيح الصَّريح أيضًا، فقد قال ﷺ : «ما من الأنبياء نبيٌّ إلَّا أُعطي ما مثله آمن عليه البَشر؛ وإنَّما كان الَّذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة» رواه الشيخان ..
وصرَّح الله في بعض آياته بأنَّ آيته الكتاب العزيز المشتمل على آياتٍ كثيرة في آيةِ الله الكبرى .. ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٠، ٥١]» (٢).
هذا مُجمَل ما أوردوه مِن المعارضات المَسوقَةِ على أَحاديث انشقاق القمر؛ حيث جعله بعض الحَداثيِّين مِن «المُتخَيَّل» القابع في العقليَّة الإسلاميَّة، والَّذي نُسِج لسدِّ فراغ كبير في القرآن حيث لم يَتحدَّث البتَّة عن أيِّ معجزةٍ للنَّبي ﷺ ، خلافًا لما كان للأنبياء قبله! (٣)
стр. 1162
يقول (بسَّام الجمل): «لقد عَدَّ المُفسِّرون وعلماء القرآنِ انْشِّقاقَ القمرِ حَدَثًا خارقًا للعادةِ، واعتبروه دليلًا على نُبوَّة محمد ﷺ ، ومعجزةً من معجزاته؛ ولذلك فَسَّروا الآية تفسيرًا مُباشرًا، وسَلَّموا بحقيقة انشقاق القَمر نِصفين.
وجَليٌّ أَنَّ وظيفة المُتخيَّل في هذا الخبر: سَدُّ فراغٍ كبيرٍ في القرآن، فهو لم يَتحدَّث البتَّة عن أَيِّ معجزةٍ لمحمَّد ﷺ ، خلافًا لما كان لسابقيه مِن الأنبياء مِن معجزات، خاصَّة منهم موسى وعيسى، فنَقَّب المفسِّرون في نصِّ المُصحف عمَّا يَصلحُ شاهدًا على حُصول معجزاتٍ في طَورِ النُّبوَّة» (١).
أَمَّا (حسن حنفي)؛ فقد جعل الغرض من هذا التَّخييل وسيلةً لإقناع جمهرةٍ مِن النَّاس يعيشون في مُجتمعٍ صحروايٍّ، لم يكن للآلهة أو للسَّحَرَة فيه أيُّ قُدرةٍ على خرق قوانين الطَّبيعة، مع جهلهم بقوانين العلم، فـ «كان مِن الطَّبيعي أن يكون انشقاقُ القَمَر، وتوقُّف الشَّمس، في الخيال الشَّعبي ولدى رُواة المدح: أحدَ وسائل التَّخييل، وطُرق الإقناع» (٢)!
стр. 1163
المَطلب الثَّالث
دفع المُعارِضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ
عن أحاديثِ انشقاقِ القَمَر
والجواب عن تلك المعارضات الثَّلاث في الفِقَر التَّالية:
أمَّا دعوى أنَّ انشقاق القَمر لو وَقع لتوافرت الدَّواعي على نقله متواترًا، ولَمَا خفِي على أهل الأقطار.
فيُقال في تَفصيلِ جوابها إمعانًا في تَفهيمِ المُعترض:
أوَّلًا: هذه الحادثة وَقَعتْ ليلًا، وذلك أنَّه شيءٌ طَلَبه قومٌ مخصوصون مِن أهل مكَّة، ومِن شأنِ اللَّيل أن يكون أكثرُ النَّاس فيه في غفلةٍ، أو نومٍ، أو سكونٍ عن المشي في الطُّرق، سيما في موسم البرد، مُستكنِّين بالأبنية ونحوها.
أفلا نرى إلى خسوفِ القمر؟ فإنَّه يكون كثيرًا، وأكثر النَّاس لا يحصلُ لهم العلم به، حتَّى يُخبِرهم أحدٌ به في السَّحَر (١).
يقول أبو سليمان الخطَّابي: «الأيقاظ البارِزون منهم في البوادي والصَّحارى قد يتَّفِق أن يكونوا في ذلك الوقت مَشاغيل بما يُلهيهم مِن سَمر وحديثٍ، وبما يهمُّهم مِن شغلٍ ومِهنة، ولا يجوز أن يكونوا لا يزالون مُقنعِي رؤوسِهم، رافعين لها إلى السَّماء، مُترصِّدين مركزَ القَمر مِن الفَلك لا يغفلون عنه، حتَّى إذا حَدَث بجُرمِ القمر حَدثٌ مِن الانشقاق، أبصروه في وقتِ انشقاقِه، قبل التئامِه واتِّساقِه!
стр. 1164
وكثيرًا ما يَقع للقمر الكسوف، فلا يشعر به النَّاس، حتَّى يخبرهم الآحاد منهم والأفراد مِن جماعتهم، وإنَّما كان ذلك في قدرِ اللَّحظة الَّتي هي مدرك البَصر» (١).
ثانيًا: أنَّ هذا إِنَّما يَلزَم لو جُوِّزَ استواءُ أهل الأرض في إدراكِ مَطالِعِه، ومِن المَعلوم أنَّ القَمَر لا يطلع على أهلِ الأرضِ كلِّهم في زمانٍ واحدٍ؛ بل يطلع على قوم قبل طلوعه على آخَرين (٢).
هذا إن لم يَحُل دون رؤيتِه في كثيرٍ مِن الأمكنة والأوقات سَحابٌ غَليظ أو جبال! وأهلُ البلاد الشَّمالية كشَمالِ آسيا وأورُبا في موسم نزول الثَّلج والضَّباب، لا يَرَون الشَّمسَ إلَّا أيَّامًا في كثير من الأوقات، فضلًا عن أن يروا القَمر! مع شيوع الجهلِ في تلك الدِّيار وقتئذٍ، وعدم رسوخ الكتابِ فيهم (٣).
ومع الأخذِ بعينِ الاعتبارِ: أنَّ زَمنَ الانشقاقِ كان قصيرًا لم يطُل، ولم تَتَوافر الدَّواعي على الاعتناءِ بالنَّظرِ إليه وقتها، إذْ لم تكُن مُتوقَّعة! فانتبهَ له مَن استشهدوا به، ولم يَرَه مَن كانوا في الأطرافِ، ولا استحالة في هذا (٤).
يقول أبو حامد الغزاليُّ: «إنَّ مِثلَ هذا إنَّما يَعلَمُه مَن قيل له: اُنظر إليه، فانشقَّ عقيبَ القولِ والتَّحدي، ومَن لم يَعلم ذلك، ووَقَع عليه بصرُه، ربَّما تَوهَّم أنَّه خَيالٌ انقَشَع، أو كوكبٌ كان تحت القَمر، فانجلى القَمرُ عنه، أو قطعةُ سحابٍ ستَرت قطعةً مِن القمر، فلهذا لم يتواتر نقلُه» (٥).
ثالثًا: دعواهم أنَّ أهلَ التَّواريخ لم ينقلوا ذلك؛ ممَّا يؤكِّد عدم حصول هذه الآية، يُقال فيه: نَفيُ العلمِ ليس بعلمٍ؛ ويكفي في تثبيتِ مثل هذا ألَّا يَرِدَ عن
стр. 1165
أحدٍ من أهل التَّاريخ ولا المُعانين للتَّنجيم نفيُ الواقعةِ نفسِها؛ «فالحُجَّة فيمن أثبتَ، لا فيمن يوجدُ عنه صريح النَّفي؛ حتَّى إن وُجِد عنه صريح النَّفي، يُقدَّم عليه مَن وُجِد منه صريحُ الإثبات» (١).
وعلى خلافِ ما سارعوا إليه مِن النَّفيِ المطلقِ عن أربابِ التَّواريخ تدوين هذه الواقعة، فقد ذكر ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) أنَّها قد أُرِّخ لها في بعضِ بلاد الهندِ، وأنَّه بُنِي بناءٌ تلك اللَّيلة، وأُرِّخ بليلةِ انشقاقِ القمر! (٢)
يعزِّز هذا النَّقلَ ما ذكره الكشميريُّ (ت ١٣٥٣ هـ) عن كتاب «تاريخ فَرِشْتَه» للاستربادي (٣): أنَّ أحد ملوكِ الهند رأى الانشقاقَ، يُسمَّى: (راجهُ وجبال)، وأنَّ على اسمه سُمِّيت بلدة (بَهوبال) (٤)!
وينقل رحمة الله الهندي (ت ١٣٠٨ هـ) عن نفسِ كتاب الاسترابادي: أنَّ أهل مِلِيبار من إقليم الهند رأوه أيضًا، وأسلَمَ والي تلك الدِّيار، الِّتي كانت مِن مجوس الهند، بعد ما تحقَّق له هذا الأمر (٥).
يشهد لهذا النَّقل: ما وَقَف عليه بعض الأكاديميِّين في مكتبة المركز الهنديِّ بالمتحف البريطانيِّ بمدينة لندن: حيث رأوا في إحدى المخطوطات الهنديَّة القديمة المحفوظة فيها: أنَّ أحدَ ملوك مِليبارْ -وهي إحدى مُقاطعات جنوب غربيِّ الهند- وكان اسمه «شاكْرُوتي فارْماد»: عايَنَ انشقاقَ القمر على نفسِ عهدِ محمَّد ﷺ ، وأنَّه أخذ يحدِّث النَّاس بذلك! (٦)
стр. 1166
وقد تحقَّقتُ بنفسي مِن وجود هذه المخطوطة الهنديَّة القَديمة بمُراسلةِ نفسِ القَائِمين على هذه المكتبة العَريقة بلندن، فردُّوا عليَّ بالإيجاب، وأنَّها عندهم بعنوان: «قِصَّة شاكْرُوتي فارْماد»، وأَفَادوني بوجودِ نصٍّ فيها يُفيد رؤيةَ هذا الملِك لانشقاق القَمر زمنَ النَّبي محمَّد! وأنَّ رؤيتَه هذه كانت سَببًا فيما بعدُ لتوطينِ (المُحَمَّديِّين) ـ يعنون: المسلمين ـ في مِليبار! (١)
بل قريبًا منَّا؛ نشرت أحد المواقع العلميَّة التَّاريخيَّة المتخصِّصة في حضارة (المَايا) في أمريكا الجنوبيَّة، مقالًا عجيبًا يؤكِّد وقوع انشقاق القمر في القرن السَّابع الميلاديِّ ـ أي في نفس وقت وجود النَّبي ﷺ في مكَّة! ـ وأنَّ أغلب الأمَم في تلك القارَّة رأته، بل قامت بتغيير تقويمها الفلكيِّ ليوافقه! (٢)
ولم يكُن قد خطر ببالِ مَن نشروا هذا المَقال أنَّهم بذلك يُثبتون آيةً من أعظم الآيات على نبوَّة محمَّد ﷺ ! فلمَّا بلغهم ما أحدثه من ضجَّة اعتلى فيها المسلمون، سارعوا إلى تغيير عنوان المَقال أربعةً وخمسين مرَّةً تعميةً عليه! (٣)
والله مُتِّم نورَه ولو كره الكافرون.
رابعًا: أنَّ خَبَر انشقاقِ القَمرِ ممَّا تواتر علمُه عند أهلِ الإسلام، وقد ثَبت في مَعْلَمات السُّنَّة ودواوينها، وفي كُتب أهل السِّيَر، وفي أسفار مَنْ صَنَّف في دلائل نبوَّته ﷺ ، وتناقَلَه الأئمَّة الثِّقات؛ فالقدْح في روايتهم مع ما عُلِم بالضَّرورة عنهم من شدَّة تمحيص الرِّوايات، ومعرفة أصول نقلِها، والبلوغ في هذا الشَّأن أعلى درجات التثبُّت، مع ما في هذه الحادثة من الإعجاز الَّذي تحدَّى به
стр. 1167
النَّبي ﷺ مَن عايَن هذه الواقعة من المشركين، لا شكَّ أنَّ مَن جَعل ذلك كلَّه دَبْرَ أُذنيه فقد كابر المقطوع به في شريعتِنا (١).
وقد حكى جلَّةٌ مِن الأئمَّة إجماعَ الأوائلِ على وقوع هذه الحادثة، وحكم بعضهم بالتَّواتر لها، مُستفادًا مِن «روايةِ خَلقٍ مِن الصَّحابة، وعنهم خَلْق» (٢)، إلى أن دُوِّنت الواقعة في دواوين الإسلام، حتَّى نظمها ابن جعفر الكتَّاني في سِلك الأحاديث الَّتي بلغتْ مبلغَ «التواتُر» و «الاستفاضة» (٣).
فمِن أولئك الأعلامِ الَّذين صرَّحوا بذلك:
ابن عبد البَرِّ؛ حيث قال: «قد روى هذا الحديث جماعةٌ كثيرة من الصَّحابة، وروى ذلك أمثالهم من التَّابعين، ثمَّ نقله عنهم الجمُّ الغفير، إلى أن انتهى إلينا، ويؤيَّد ذلك بالآية الكريمة، فلم يبقَ لاستبعادِ مَن استبعدَه عذرٌ» (٤).
وقال القاضي عياض: «أجمع المفسِّرون وأهلُ السُّنة على وقوعه» (٥)، ثمَّ ذَكرَ مَن رواه مِن الصَّحابة، منهم: عليٌّ، وابن مسعود، وحذيفة، وجُبير بن مُطعِم، وابن عمر، وابن عبَّاس، وأنس ﵃ (٦).
وكذا قال ابن كثير: «قد أجمع المسلمون على وقوع ذلك في زمِنِه ﵊، وجاءت بذلك الأحاديث المتواترة مِن طرق متعدِّدة، تفيد القطعَ عند مَن أحاط بها، ونَظر فيها» (٧).
وقال أبو العبَّاس القرطبي: «قد روى هذا الحديث جماعةٌ كثيرة من الصَّحابة .. وفاضتْ أنوارُه علينا، وانضافَ إلى ذلك ما جاء من ذلك في القرآن
стр. 1168
المتواترِ عند كلِّ إنسان؛ فقد حَصل بهذه المعجزةِ العِلمُ اليقين الَّذي لا يَشكُّ فيه أحدٌ من العاقلين» (١).
وما حوته تلك الأحاديث المتظافرة مِن إثباتِ حادثة الانشقاقِ، قد ثبت بنصِّ القرآن الكريم، في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١ - ٢]، والقرآن مَنقولٌ بنقلِ الكافَّة عن الكافَّة، لا يمتري في هذا اثنان.
وفي تقرير هذين التَّواترين: التَّواتر القرآني، والتَّواتر الحَديثيُّ، يقول ابن تيميَّة:
«مَعلوم أنَّ هذه المعجزات لا ريبَ فيها، وانشقاق القمر قد أخبر الله به في القرآن، وتواترت به الأحاديث، كما في «الصَّحيحين» وغيرهما، عن ابن مسعود، وأنس، وابن عبَّاس، وغيرهم، وأيضَّا فكان النَّبي ﷺ يقرأ بهذه السُّورة في الأعياد، والمجامع العامَّة، فيسمعها المؤمن، والمنافق، ومَن في قلبه مرض، ومِن المعلوم أنَّ ذلك لو لم يكن وقع لم يكن ذلك:
أمَّا أوَّلًا: فلِأنَّ مَن مقصوده أنَّ النَّاسَ يصدِّقونه ويقِرُّون بما جاء به، لا يُخبرهم دائمًا بشيءٍ يعلمون كذبه فيه، فإنَّ هذا يُنفِّرهم، ويوجب تكذيبَهم لا تصديقَهم.
وأمَّا ثانيًا: فلِأنَّ المؤمنين كانوا يسألونه عن أدنى شبهةٍ تقع في القرآن .. فكيف يقرأ عليهم دائمًا ما فيه الخبر بانشقاق القمر، ولا يَردُّ على ذلك مؤمنٌ، ولا كافرٌ، ولا مُنافق؟!» (٢).
فإن زَعم زاعمٌ: أنَّ أسلوبَ الماضي في قوله تعالى: ﴿وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ليس على حقيقِته، وإنَّما غَرضه التَّأكيد على تحقُّقِ الفعل في المستقبل (٣) عند قيام
стр. 1169
السَّاعة، نظير قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، فأمر الله الَّذي هو قيام السَّاعة لم يأتِ بعد، ولكن المراد المبالغة في تحقُّق وقوعِه، فنُزِّل منزلة الواقع.
فجواب ذلك مِن ثلاثة وجوه:
الأوَّل: أنَّ هذا المعنى الَّذي نَزع إليه المُعترض هو خلاف الظَّاهر من استعمال صيغة الماضي، الدَّالة في الأصلِ على الفراغِ من وقوعِ الفعل، وظواهر الكتابِ لا يجوز الخروج عنها إلَّا بقرينةٍ، ومَن تقحَّم الخروجَ بغير قرينةٍ توجب ذلك، فقد رامَ إفسادَ الخِطاب على النَّاس، وتلبيسَ المُراد من الكلام عليهم.
الثَّاني: ما أورده المعترضون دعمًا لشبهتهم مِن التَّمثيل بقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ على استعمالِ الماضي في القرآن للمبالغةِ في تحقيق الأمر في المستقبل: هو في حقيقته عاضدٌ لما قرَّرناه مِن وجوبِ وجودِ القرينةِ الصَّارفةِ عن الأصل!
وذلك أنَّ هذه الآية الكريمة قد دلَّت على تحقُّقَ إتيان السَّاعةِ في المستقبل القريب، لا أنَّ الأمر أتى ووَقع، بقرينة قوله في آخرها: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، واستعجالُ الشَّيء لا يكون إلَّا عند عدم مَجيئِه أو تحقُّقه.
الثَّالث: ممَّا يؤيِّد أنَّ صيغةَ الماضي في آيةِ الانشقاقِ على ظاهِرها قوله تعالى بعدها: ﴿وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]، «فإنَّ ذلك ظاهرٌ في أنَّ المُراد بقوله: ﴿وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾: وقوع انشقاقِه، لأنَّ الكُفَّار لا يقولون ذلك يومَ القيامة! وإذا تَبيَّن أنَّ قولهم ذلك إنمَّا هو في الدُّنيا، تَبيَّن وقوعُ الانشقاق، وأنَّه المراد بالآية الَّتي زعموا أنَّها سِحرٌ» (١) «مستمرٌّ مِن سِحرِه، وحيلةٌ مِن حِيَلِه، كما قد كانوا يقولون في غير ذلك مِن أعلامِه ﷺ » (٢).
стр. 1170
وأمَّا دعوى (رشيد رضا) في المعارضة الثَّانية: أنَّ هذه الأحاديث مُعارِضةٌ للقرآن الَّذي دلَّ بالقطعِ على امتناعِ إرسالِ الآياتِ الحسيَّة، لأجل أنَّ التَّكذيب بها مُوجِبٌ لتعجيل العذابِ .. إلخ؛ فجوابه:
أنَّ المعترض بمثل هذه الشُّبهة مُلزَم بخِيارين لا ثالث لهما:
أولاهما: أن علماءَ الإسلامِ اجتمعوا على ضلالةٍ حين اتَّفقوا على إثباتِ انشقاقِ القَمر آيةً للنَّبي ﷺ ، وكانوا في ذهولٍ عمَّا اهتدى إليه هو مِن استحالةِ ذلك له!
ثانيهما: أن تكون تلك الآيات الَّتي استدَّل بها المعترض غيرَ قطعيَّة الدَّلالة على نفيِ تلك الحادثة، وأنَّ معناها لا يَتعارض معها حقيقةً، لانفكاكِ الجِهة.
ولا ريبَ أنَّ هذا الخيار الثَّاني هو الواجب التَّسليم له، فإنَّ مُشركي قريشٍ في ما ساقه المعترض مِن الآيات: إنَّما طَلَبوا مِن نبيِّنا ﷺ آياتٍ حِسيَّةً بعينِها تَدُلُّ عندهم على صِدقِه، طلبوا ذلك تعجيزًا له ومعاندةً، فلم يُستجَب لهم، حتَّى لا يُعجَّل لهم العذاب، كما عُجِّل لمن قبلهم من الأُمَم السَّابقة ممَّن كابروا ما عَاينوه مِن الآياتِ، فهذه هي سُنَّة الله فيمَن اقترحَ آياتٍ ثمَّ كفَر بها مُستهترًا بعِنادٍ، والمُراد مِن قول الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلَاّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَاّ تَخْوِيفاً﴾ [الإسراء: ٥٩].
ففي أسلوب الآيةِ حذف، والتَّقدير: فما مَنَعَنا أن نُرسِل بالآياتِ الَّتي اقترحوها إلَّا أن يُكذِّبوا بها كما كَذَّب الأوَّلون (١)، والمعنى: لو أرسلناها فكَذَّبتم، لأُهلكتم كما أُهلك أولئك (٢)، وعلى ذلك تكون (أل) في قوله: ﴿بِالآيَاتِ﴾ للعهدِ لا للجنسِ (٣).
стр. 1171
وممَّا يوطِّد هذا المعنى من السِّيرةِ النَّبوية:
ما ثبت على لسانِ ابن عبَّاس ﵁: مِن سؤالِ أهل مكَّة النَّبيَّ ﷺ أن يجعلَ لهم الصَّفا ذهبًا، وأن يُنحيَّ الجبالَ عنهم فيزرعوا، فقال الله له: «إن شئتَ أن تَستأنيَ بهم، وإن شئتَ أن نُؤتيهم الَّذي سألوا، فإن كفروا أُهلكوا كما أَهلكتُ مَن قبلهم»، فقال: «لا، بل أستأني بهم» (١).
لكنَّ حادثة انشقاق القمر تختلف عن هذا، فإنَّ النَّفر مِن أهل مكَّة حين سألوا النَّبي ﷺ آيةً قد أطلقوا الطَّلَبَ في ذلك، فلم يقترحوا آيةً من عندهم بعينِها يعلِّقون بها إيمانَهم! فقضى الله أن يُريَهم آيةَ انشقاقِ القمر (٢).
فهذا الفرق بين الحالتين؛ و (رشيد رضا) نفسُه أقرَّ بأنَّ آية الانشقاقِ إن صحَّ وقوعها بدون اقتراح سيزول هذا الإشكال مِن أصله (٣)؛ فها هو قد زال!
وأمَّا دعواهم في المعارضةِ الثَّالثة: أنَّ الآية الوحيدة الَّتي أُوتِيَها النَّبي ﷺ هي القرآن: فقد سَبَق الجواب عنها في مَبحثِ مُعجزات النَّبي ﷺ الحسيَّة في «الصَّحيحين»، والحمد لله الَّذي بنعمتِه تتِمُّ الصَّالحات.
المَطلب الأوَّل
سَوْق أحاديثِ الإسراءِ والمِعراجِ
عن أنس بن مالك ﵁، عن مالك بن صعصعة ﵁، أنَّ نبي الله ﷺ حدَّثهم عن ليلة أُسري به: «بينما أنا في الحَطيم (١) -وربما قال: في الحِجْرِ (٢) - مضطجعًا، إذْ أتاني آتٍ فَقَدَّ -قال (٣): وسمعته يقول: فشقَّ ما بين هذه إلى هذه -فقلتُ للجارود (٤) وهو إلى جنبي: ما يعني به؟ قالَ: مِن ثُغْرَةِ (٥) نحرهِ إلى شِعْرَتِهِ (٦)، وسمعتُه يقول: من قَصِّهِ (٧) إلى شِعْرَتِهِ- فاستخرجَ قلبي، ثمَّ أُتيت بطستٍ من ذهب مملوءةٍ إيمانًا، فغسل قلبي، ثمَّ حُشي، ثمَّ أعيد، ثمَّ أُتيت بدابَّة دون البغل وفوق الحمار أبيض -فقال له الجارود: هو البُراق يا أبا حمزة؟ قال أنس: نعم- يَضَعُ خَطْوَهُ عِندَ أَقصى طَرْفِهِ، فَحُمِلتُ عليه.
стр. 1174
فانطلقَ بي جبريلُ حتَّى أتى السَّماء الدُّنيا فَاسْتَفْتَحَ، فقيل: مَنْ هَذا؟ قال جبريل، قيل: ومَن مَعك؟ قال: مُحَمَّدٌ، قِيل: وقَدْ أُرسِلَ إليه (١)؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنِعمَ المجيءُ جاء، فَفَتَح، فَلمَّا خَلَصْتُ، فإذا فيها آدَم، فقال: هذا أبوك آدمُ فَسَلِّمْ عليه، فَسَلَّمْتُ عليه، فَرَدَّ السَّلامَ، ثُمَّ قال: مرحبًا بالابنِ الصَّالحِ، والنَّبي الصَّالحِ.
ثُمَّ صَعَدَ، حَتَّى أَتى السَّماء الثَّانية، فَاسْتَفْتَحَ، قِيل مَن هذا؟ قال: جبريلُ، قِيل: ومَن مَعَكَ؟ قال: مُحَمَّدٌ، قيل: وقَد أُرْسِلَ إليهِ؟ قال: نعم، قِيل: مرحبًا به، فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فَفَتَحَ، فَلمَّا خَلَصْتُ، إذا يَحْيَى وعِيسى، وهما ابْنَا الخالة، قَال: هذا يحيى وعيسى، فَسَلِّم عَليهِما، فَسَلَّمْتُ، فَرَدَّا، ثُمَّ قالا: مرحبًا بالأخِ الصَّالِحِ، والنَّبيِّ الصَّالِحِ.
ثمَّ صَعِدَ بي إلى السَّماء الثَّالثة فاسْتَفْتحَ، قِيلَ: مَن هذا؟ قال: جبريلُ، قيل: ومَن مَعك؟ قال: مُحمَّدٌ، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مَرحبًا به، فنعم المجيء جاء، فَفُتِحَ، فَلما خَلَصْتُ، إذا يوسفُ، قَال: هذا يُوسُفُ، فَسلِّمْ عليه، فَسَلَّمتُ عليه، فَردَّ، ثمَّ قال: مرحبًا بالأخِ الصَّالحِ، والنَّبيِّ الصَّالحِ.
ثُمَّ صَعِدَ بي، حَتَّى أَتى السَّماءَ الرَّابعةَ، فَاسْتَفْتَحَ، قيل: مَن هذا؟ قال: جبريلُ، قيل: ومَن معك؟ قال: مُحَمَّدٌ، قِيل: أَوَ قد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مَرْحَبًا به، فنِعمَ المجيءُ جاءَ، فَفُتِح، فلمَّا خَلَصْتُ إلى إدريس، قال: هذا إدريسُ فَسلِّم عليه، فَسَلَّمتُ عليه، فَرَدَّ، ثُمَّ قال: مَرْحَبًا بالأَخِ الصَّالحِ، والنَّبيِّ الصالحِ.
стр. 1175
ثُمَّ صَعِدَ بي، حتَّى أتى السَّمَاءَ الخامسةَ، فاسْتَفْتَحَ، قيل: مَن هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومَن مَعَك؟ قال: مُحمَّد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مَرْحبًا به، فَنِعمَ المجيءُ جاءَ، فلمَّا خَلَصْتُ، فإذا هارون، قال: هذا هارونُ فَسَلِّم علي، فَسَلَّمْتُ عليه، فَرَدَّ، ثُمَّ قال: مَرحبًا بالأَخِ الصَّالحِ، والنَّبيِّ الصَّالحِ.
ثُمَّ صَعِدَ بي، حتَّى أتى السَّماء، فَاسْتفتحَ، قيل: مَن هذا؟ قال: جبريلُ، قيل: مَن مَعَكَ؟ قال: مُحمَّدٌ، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به، فَنِعمَ المجيءُ جاءَ،.فلما خَلَصْتُ، فإذا موسى، قال: هذا مُوسَى فَسَلِّم عليه، فَسَلَّمْتُ عليه، فَرَدَّ، ثُمَّ قال: مرحبًا بالأخِ الصَّالِحِ، والنبيِّ الصَّالحِ، فَلمَّا تجاوزتُ بَكَى، قيل له: ما يُبْكِيك؟ قال: أَبكي لأنَّ غُلامًا بُعثَ بَعْدِي يدخلُ الجَنَّةَ من أُمَّته أكثرُ مِمَّن يَدْخُلُها من أُمَّتي.
ثُمَّ صَعد بي إلى السَّماء السَّابعةَ فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريلُ، قيل: ومن معك؟ قال: مُحَمَّدٌ، قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: نعم، قال: مَرحبًا به، فَنِعمَ المَجيءُ جاءَ، فَلمَّا خَلصْتُ فإذا إبراهيمُ، قال: هذا أبوكَ فَسلِّم عليه، قال: فَسَلَّمتُ عليه، فَرَدَّ السَّلام، قال: مَرحبًا بالابنِ الصَّالح، والنَّبيِّ الصَّالحِ، ثُمَّ رُفِعَتْ لي سِدْرَةُ المُنْتَهى. فإذا نَبِقُها (١) مثلُ قِلالِ هَجَرَ (٢)، وإذا ورقها مثل آذان الفِيَلة، قال: هذه سِدرة المُنْتهى، وإذا أربعةُ أَنهارٍ نهرانِ باطنانِ، ونَهرانِ ظَاهرانِ، فقلتُ ما هذان يا جبريل؟ قال: أَمَّا الباطنان فنهران في الجنَّة، وأمَّا الظَّاهران: فالنِّيلُ والفُراتُ، ثُمَّ رُفِعَ لي البيتُ المَعمورُ، يدخله كلَّ يومٍ سبعون ألف مَلَك، ثُمَّ أُتِيتُ بإِناءٍ مِن خَمر، وإناء مِن لَبَنٍ، وإناءٍ مِن عَسَل؛ فأخذتُ اللَّبنَ، فقال: هي الفِطرةُ الَّتي أنتَ عليها وأمَّتك.
ثُمَّ فُرضتْ عليَّ الصَّلواتُ خمسينَ صلاةً كلَّ يوم، فَرجعتُ فَمررتُ على مُوسى، فقال: بِمَ أُمرتَ؟ قال: أُمرتُ بخمسين صلاةً كلَّ يوم، قال: أمَّتُك لا تستطيع خمسينَ صلاةً كُلَّ يومٍ، وإنِّي -والله- قد جرَّبتُ النَّاس قبلَك، وعَالجْتُ بني إسرائيل أشَدَّ المعالجةِ، فارْجِعْ إلى ربِّك فاسْألهُ التَّخفيفَ لأُمَّتِك، فرجعتُ، فوضعَ عَنِّي
стр. 1176
عَشْرًا، فرجعتُ إلى مُوسى فقال مثله، فرجعتُ فَوضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرجعتُ إلى مُوسى فقال مثلَهُ، فرجعتُ فوضعَ عنِّي عَشْرًا، فرجعتُ إلى موسى فقال مثلَهُ، فرجعتُ فَأُمرتُ بعشر صلواتٍ كلَّ يوم، فَرجعتُ فقال مثلَهُ، فرجعت فأُمِرتُ بخمسِ صَلَواتٍ كلَّ يوم، فرجعت إلى موسى فقال: بمَ أُمرتَ؟ قلتُ: أُمرتُ بخمسِ صلواتٍ كلَّ يوم، قال: إنَّ أُمَّتَك لا تستطيعُ خمسَ صلواتٍ كلَّ يوم، وإنِّي قد جرَّبتُ النَّاسَ قبلك وعالجتُ بني إسرائيلَ أشدَّ المعالجة، فارجع إلى ربِّك فاسأله التَّخفيف لأمَّتك، قال: سألتُ ربِّي حتَّى استحييتُ، ولكن أرضى وأُسَلِّم، قال: فَلمَّا جاوزتُ نَادَى مُنَادٍ: أَمْضيتُ فريضتي، وخَفَّفْتُ عن عبادي» متَّفق عليه (١).
وعن أنس قال: كان أبو ذر ﵁ يُحدِّثُ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «فُرِجَ سَقْفُ بيتي وأنا بمكَّةَ، فنزلَ جبريلُ، فَفَرَجَ صدري، ثُمَّ غَسَلَهُ بماءِ زَمْزَم، ثُمَّ جاءَ بطست من ذهبٍ مُمتلئٍ حكمةً وإيمانًا، فأفرغَها في صدري، ثُمَّ أَطبَقه، ثُمَّ أَخذَ بيدي فَعَرَجَ بي إلى السَّماءِ، فَلمَّا جاء إلى السَّماء الدُّنيا، قال جبريل لخازن السَّماء: اِفتح، قال: مَن هذا؟ قال: هذا جبريل، قال: معك أحدٌ، قال: معي مُحَمَّدٌ، قال: أُرْسِلَ إليه؟ قال: نعم، فَافْتَح، فلمَّا عَلَونا إلى السَّماء إذا رَجُلٌ عن يمينه أَسْوِدَةٌ (٢)، وعن يَساره أَسودة، فإذا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحك، وإذا نَظَرَ قِبل شماله بكى، فقال: مَرحَبًا بالنَّبيِّ الصَّالحِ، والابنِ الصَّالحِ، قلتُ: مَن هذا يا جبريل؟ قال: هذا آدم، وهذه الأَسْودةُ عن يمينه وعن شماله نَسَم بَنيِهِ (٣)، فَأهْلُ اليمينِ مِنهمْ أهْلُ الجنَّةِ، والأَسْوِدة الَّتي عن شماله أَهل النَّارِ، فإذا نَظَر قِبَل يَمِينهِ ضَحِكَ، وإذا نَظَر قِبل شماله بكى .. » الحديث.
стр. 1177
قال: وأَخبرني ابن حزم (١)، أنَّ ابن عباس ﵁ وأبا حَبَّةَ الأَنْصَاري ﵁، كانا يقولانِ: قال النَّبيُّ ﷺ : «ثمَّ عُرِجَ بي حتَّى ظَهَرتُ لِمُستوًى أَسمَعُ صَرِيفَ الأَقْلامِ» (٢).
وعن ابن حزم وأنس بن مالك ﵃: أنَّ النَّبي ﷺ قال: « .. ثُمَّ انْطَلَقَ، حتَّى أتى بي السِّدرةَ المُنْتهى، فَغَشِيها أَلوانٌ لا أدري ما هيَ! ثمَّ أُدْخِلتُ الجنَّةَ، فإذا فيها جَنابِذُ اللُّؤلؤ (٣)، وإذا تُرابُها المِسْكُ» متَّفق عليه (٤).
وعن ثابت البُناني، عن أنس بن مالك ﵁؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أُتِيتُ بالبُراقِ، وهو دابَّة أَبيض طويل، فَوْق الحِمار، ودون البغل، يضع حافِره عندَ مُنْتهى طَرْفِهِ، قال: فركِبْتُه، حتَّى أَتيتُ بيْتَ المَقْدِسِ، قال: فَرَبطْتُهُ بالحَلْقَةِ، الَّتي يَربِطُ به الأَنبياءُ، قال: ثُمَّ دَخَلتُ، فَصَلَّيتُ ركعتين، ثُمَّ خرجتُ، فجاءني جِبريل ﵇ بإناءٍ من خَمْر، وإناءٍ من لَبَنٍ، فاخترتُ اللَّبن، فقال جبريلُ ﵇: اخْتَرتَ الفِطْرةَ (٥)، ثُمَّ عُرج بنا إلى السَّماء» أخرجه مُسلم (٦).
стр. 1178
المَطلب الثَّاني
سَوْق الُمعارضات الفكريَّةِ المُعاصرةِ
لأحاديثِ الإسراءِ والمعراجِ
قد أُورِدَتْ على حديث الإسراء عِدَّةُ اعتراضات؛ تختلف باختلاف مَشارِب المُورِدين، ومُحصَّل هذه الشُّبهات يؤول إلى ثلاثٍ:
المعارضة الأولى: أنَّه مِن المقرَّر فلكيًّا: أنَّ الهواء يُفقَد بعد أميالٍ فوق الأرض؛ وعلى هذا فلا يتأتَّى العيشُ لأحدٍ بعد انقطاع الهواء، وهذا الاعتراض نقله عبد الله القَصيمي عن بعضِ المُعاصرين، قالوا: « .. فلو كان رسول الله ﷺ عُرِج به إلى ما فوق الهواء، لَما أمكنَ أن يَبْقى حَيًّا» (١).
المعارضة الثَّانية: أنَّ إثباتَ الحديث يَلزم منه إضافة الجهل لله تعالى؛ ذلك أنَّه جاء في الحديث: أنَّ الله بعد أن فَرَض على نبيِّه ﷺ خمسين صلاةً، لم يَفقهْ استحالةَ أدائها على البَشَر إلَّا موسى ﵇، وكأنَّ الله لا يَعلمُ بقُدرة عبادِه، ومَدى تحمُّلِهم!
وفي تقريرِ هذه الشُّبهة، يقول (محمود أبو ريَّة):
«في حديث المعراج أنَّه: لمَّا فَرَض الله خمسين صلاةً على العباد في النَّهار وفي اللَّيل، لم يستطِع أحدٌ من الرُّسل جميعًا غير موسى أن يفقه استحالة أدائها
стр. 1179
على البشر! .. وكأنَّ الله لمَّا فَرَض الصَّلاة على المسلمين، كان لا يعلم مَبلغ قوَّة احتمال عباده على أدائها -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا- وكذلك لا يعلم محمَّد الَّذي اصطفاه للرِّسالة العامَّة إلى النَّاس كافَّة .. لا يعلم إنْ كان مَن أُرسِل إليهم يستطيعون احتمال هذه العبادة أو لا يستطيعون، حتَّى بصَّره موسى! وهكذا ترى الإسرائيليَّات تنفذ إلى ديننا، وتسري في معتقداتنا، فتعمل عملها، ولا تجد أحدًا إلَّا قليلًا يزيِّفها أو يردُّها» (١).
المعارضة الثَّالثة: أنَّ في خبر عُروجِه ﷺ ما هو مخالِفٌ لمقتضى الضَّرورة العقليَّة؛ إذ كيف يصلِّي بالأنبياء في بيت المقدس، ويكونون في الوقتِ نفسِه في السَّماء، ويكون أيضًا موسى ﵇ يصلِّي في قبره، كما ورد بذلك الحديث في «صحيح مسلم»؟! (٢).
стр. 1180
المَطلب الثَّالث
دَفعُ دعاوى المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ
عن أحاديثِ الإسراءِ والمعراج
مُحصَّل ما مرَّ مِن الشُّبهاتِ آيلٌ إلى إحالةِ هؤلاء المُعترضين لما تضمَّنه الحديث، ومَناطُ إحالتِهم: خروجُ حادثة «الإسراء والمعراج» عن مقتضى العادة، وعدم مباشرة الحسِّ لها، فالتبس عليهم الأمرُ، فظنُّوا أنَّ ذلك يستوجبُ إحالة العقل لهذا الحديث، فلا يمكن على مقتضى ذلك التَّسليمُ بهذه الآية الَّتي أكرم الله ﷻ نبيَّه ﷺ بها.
فزلَّتْ بهم أقدامُهم إلى ردِّ الحديث، وتطلُّبُ العِلَل الواهية الَّتي لا تقوى على إبطال حقيقة ما دلَّت عليه هذه الآية العظيمة.
ومَن ألطَفَ النَّظرَ فيما انطوت عليه بعض هذه الطُّعون، تحصَّل لديه أنَّها لا تصدُر إلَّا مِمَّن يَشكُّ في قدرة الخالق على خَرْقِ سُنن الكون، لا ممَّن يؤمن بالله تعالى، وبكمال قُدرته (١).
وقبل إِيراد المعارضات العقليَّة المعاصرة، وإسلافِ جواباتِ أهل العلمِ عن آحاد هذه الاعتراضات على الحديث؛ فإنَّه يَتعيَّن الإِشارة إلى مَلحظ مهمٍّ:
وهو انعقاد إجماع الأمَّة على وقوع الإسراء والمعراج، وأنَّ هذه الحادثة مِن البراهين والآيات الدالَّة على نبوَّة محمَّد ﷺ ؛ لذلك ترى مدى احتفالِ أهلِ
стр. 1181
السِّيَر والحديث واحتفائِهم بهذه الحادثة، وعقْدهم المصنَّفات في بيانها، والتماس العِبَر منها، ونظْمها في دلائلِ النبوَّة (١)، وما ذاك إلَّا لكونها -كما أسلفتُ- مِن الدَّلائل العظيمة الَّتي أكرمَ اللهُ بها نبيَّه ﷺ .
وممَّن نقل الاتِّفاق على ذلك: القاضي عياض السَّبتي، حيث قال: «لا خلاف بين المسلمين في صحَّة الإسراء به ﷺ .. » (٢)، وأبو الخطَّاب ابن دِحية (٣)، حيث قال: «حديثُ الإسراء أجمع عليه المسلمون، واعترض فيه الزَّنادقة المُلحِدون .. » (٤).
ومُرتكَز هذا الإجماع: القرآن والسُّنة، فقد نَصَّ الله سبحانه على الإسراء في موضعين من كتابه العزيز:
أولاهما: قوله ﷻ : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١].
فقد أخبر المولى أنَّه أسرَى بعبدِه، والعَبد مجموعُ الرُّوحِ والجَسد، ولم يُخبر أنَّه أَسرى بروحِه فقط، كما غَلِط في تأويلِه قِلَّةٌ مِن أهلِ العلم (٥)، ولذا نراه
стр. 1182
تعالى يُقدِّم التَّسبيحَ قبل سَوْقِ خَبر الإسراءِ، لبَيانِ أنَّ هذا الخبرَ مِن الأمورِ العِظام، فلو كان مَنامًا كما ظَنَّه ابن إسحاقَ (١)، لم يكُن مُستعظَمًا، ولم يكن للتَّسبيح معنى عنده (٢)!
فقصْرُ الإسراءِ على الرُّوح تَعَدٍّ لِما قاله اللهُ إلى غيره، والقولُ به مخالفةٌ لظاهرِ القرآن، وما استفاضت به الأخبار عن رسول الله ﷺ ، وما جاءت به الآثار عن الصَّحابة والتَّابعين.
وثانيهما: ما أشار الله تعالى فيه إلى رؤية نبيِّه ﷺ لجبريل على خلقتِه الأصليَّة حين عُرج به في السَّماء السَّابعة، في قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٨].
ولقد تواترَت الأخبار بحادثة الإسراء والمِعراج؛ فمِمَّن نقَلَ هذا التَّواتر:
أبو الخطَّاب ابن دِحية (٣)، والزُّرقاني (٤)،
وابن تيميَّة، حيث قال: «أحاديثُ المِعراج، وصعوده إلى ما فوقَ السَّموات، وفرض الرَّب عليه الصَّلوات الخمس حينئذٍ، ورؤيته لما رآه مِن الآيات، والجنَّة والنَّار، والملائكة والأَنبياء في السَّموات، والبيت المعمور، وسِدرة المُنتهى، وغير ذلك: معروفٌ متواترٌ في الأحاديث» (٥).
مِمَّا دعا ابنَ جعفر الكتَّاني (ت ١٣٤٥ هـ) لإيداعها كتابَه «نَظْم المُتَناثر» (٦).
стр. 1183
وبعد تحقيق القولِ في ثبوتِ إجماعِ السَّلفِ على وقوعِ الإسراء والمعراج بجسده ﷺ ، لم يَبْقَ إلَّا قطعُ سُوقِ الشُّبهاتِ بسَيفِ البراهين، فدونك بيانُ ذلك في الأجوبةِ التَّالية.
أمَّا جواب المعارضة الأولى: في دعوى أنَّ الهواءَ يُفقَد بعد أميالٍ فوق الأرض؛ وعلى هذا فلا يتأتَّى العيشُ لأحدٍ بعد انقطاع الهواء:
أنَّ حادثة الإسراء والمعراج وإن جَرى فيها مِمَّا هو خارج عن مَقدور الثَّقلين؛ ليتمَّ بها نَصْبُ الدَّلائل على نُبوَّته ﷺ : إلَّا أنَّها ليست مُخالفةً لبدائِه العقلِ البتَّة، والعقل لا يَستعصي عليه تَصوُّر ذلك، فمَن خَلَق الإنسان مُفتقرًا إلى الهواء؛ قادرٌ على أن يجعَلَه مُستغنيًا عنه، وإِنَّما لعَدَم مُباشرةِ الحِسِّ لمثلِ ذلك، تراه يُنكر كلَّ ما لا يَقع في دائرةِ إدراكِه، وهذا هو القصور بعينِه.
فالتَّكذيبُ بهذه الأحاديث لكونِها أثبتَت وقوعَ أمرٍ خارقٍ لمِا اعتاده البَشَر من مُقوِّماتِ مَعيشتِهم: يؤُول إلى الطَّعنِ في كمالِ قدرةِ الله تعالى والإيمان به؛ فإنَّ مثل هذا الاعتراضِ لا يكاد يصدرُ إلَّا ممَّن لا يؤمن بالله أو ويشكُّ في قدرته ﷻ ، فمثل هؤلاء يكون الخطاب معهم في تثبيتِ هذا الأصل، فإذا ثَبت ثبتَ لازمه (١).
أما قول المُعترضِ في الشُّبهة الثَّانية: إنَّ إثباتَ أخبارِ المِعراج يلزم منه تجويزُ الجهل على الله تعالى -تعالى الله عمَّا يقول الظَّالمون علوًّا كبيرًا- بما هو في مَقدرة عبادِه، وما ليس هو في مقدورهم .. إلخ:
فالجواب عن ذلك أن يُقال:
ليس في الحديث ما يَستلزم ذلك أبدًا؛ فليس في الخمسين صلاةً الَّتي فرضها الله تعالى على عبده وخليلِه محمَّد ﷺ ما يكون في أدائِها استحالةٌ مِن جِهة تعذُّر قُدرةِ العبادِ على أدائها.
стр. 1184
أمَّا قول موسى ﵇ في الحديث: «إنَّ أمَّتَك لا يستطيعون ذلك، فارجعْ إلى ربِّك، فاسأله التَّخفيف لأمَّتك .. »، فلا يُحقِّق مَطلوبَهم؛ ذلك أَنَّ نفْيَ الاستطاعةِ مِن موسى ﵇ لا يُرادِفُ الاستحالةَ بحالٍ في هذا المقام، وإِنَّما مقصوده ﵇ مَشقَّةُ ذلك على أمَّة محمَّد ﷺ ، برهان ذلك: أنَّه أطلق هذا اللَّفظ؛ حتَّى بعد صَيْرورة الصَّلاةِ مِن خمسين إلى خمس؛ فقال: «إنَّ أمَّتَك لا تستطيع خمسَ صلواتٍ كلَّ يوم» (١)!
يقول المُعَلِّمي: «كانت الصَّلاة قبل الهجرة رَكعتين رَكعتين؛ كما ثَبَت في الصَّحيح (٢)، فخمسون صلاةً مائةُ ركعةٍ؛ وليسَ أداءُ مائةِ ركعةٍ في اليومِ واللَّيلة بمستحيل، وفي النَّاس الآن مَن يُصلِّي نحو مائةِ ركعةٍ، ومنهم مَن يزيدُ، وفي تراجم كثير مِن كبار المسلمين: أنَّ منهم مَن كان يصلِّي أكثرَ مِن ذلك بكثيرٍ (٣)؛ بل إنَّ أداءَ مائةِ ركعةٍ في اليوم واللَّيلة ليس بعظيمِ المشقَّة في جانب الله مِن الحقِّ، وما عنده مِن عظيم الجزاء في الدُّنيا والآخرة ...
فأمَّا الله تعالى؛ فالفرضُ في علمِه خمسُ صلواتٍ فقط؛ ولكنَّه سبحانه إذا أراد أن يرفعَ بعضَ عباده إلى مرتبةٍ، هَيَّأَ له ما يستحقُّ به المرتبة؛ ومن ذلك: أن يهيِّئ ما يَفهم منه العبدُ أنَّه مُكلَّفٌ بعمل مُعيَّن شاقٍّ، فيقبَل التَّكليف، ويستعدَّ لمحاولةِ الأداء، فحينئذٍ يُعفِيهِ اللهُ تعالى من ذلك العمل، ويكتبُ له جزاءَ قَبوله، ومحاولةِ الوفاء به، أو الاستعدادِ لذلك: ثوابَ مَن عمِلَه، ومِن هذا القبيل قصَّة إبراهيم ﵇ في ذبحِ ابنه.
وأمَّا محمَّد ﷺ فكان يعلم أنَّ الأداء ممكِنٌ -كما مَرَّ-، وكان في ذلك المقام الكريم مُستغرقًا في الخضوعِ والتَّسليم، ووَفَّقه الله لقبولِ ما فهمه في
стр. 1185
فرْضِ خمسين، والاستعدادِ لأدائِها؛ ليكونَ هذا القبول والاستعداد مقتضيًا لاستحقاقِ ما أراد الله أن يعطيَه وأمَّتَه مِن ثوابِ خمسين صلاة ...
فأمَّا المراجعة للتَّخفيف بعد مشورةِ موسى ﵇: فإِنَّما كانت بعد أن استقرَّ القَبول والعزمُ على الأداء، وعلى وجه الرَّجاء؛ إنْ خفَّف به فذاك، وإلَّا فالقبول والاستعداد بحاله.
ولم يُذكَر في الحديث أنَّ أحدًا من الرُّسل اطَّلع على فرض الصَّلاة، وإِنَّما فيه: أنَّه لمَّا مرَّ محمَّد بموسى ﵉ سأله موسى، فأخبره .. واختُصَّ موسى بالعناية؛ لأنَّه أقرب الرُّسل حالًا إلى محمَّد ﷺ ؛ لأنَّ كُلًّا منهما رسولٌ مُنَزَّلٌ عليه كتابٌ تشريعيٌّ سائسٌ لأمَّة أريد لها البقاء، لا أنْ تُصْطَلَم بالعَذاب» (١).
وبهذا يتقرَّر انتفاءُ هذا اللَّازم عمَّن يُثبِت أخبارَ المعراج؛ إذ لا ريب في شمول علم الله تعالى لأحوال عباده وما يصلحهم، «ولكنَّ الباري ﷻ أراد أن يُظهِر فضيلةَ محمَّد ﷺ في خضوعِه وتسليمِه، وفضيلة موسى ﵇، بأن جعَلَه سَببًا للتَّخفيفِ عن هذه الأمَّة، مع إبرازِ عظيمِ رحمتِه بهذه الأمَّة، ومع ما في هذه المُراجعةِ مِن كريمِ المُناجاة بين الله تعالى ونبيِّه ﷺ » (٢).
وأمَّا قول القائلِ في المعارضةِ الثَّالثةِ: أنَّ في ثبوتِ هذا الخَبرِ ما يَستلزم التَّناقضَ؛ إذْ كيف يَرى النَّبيُ ﷺ الأنبياء في بيت المقدس ويُصلِّي بهم، ثمَّ يكون في الوقتِ ذاتِه في السَّماء؟ وكيف يكون موسى ﵇ في السَّماء السَّادسة، ويراه في الوقتِ نفسِه في قبره يصلِّي؟
فيُقال له: ليس هناك تَناقضٌ إلَّا في ذهنه؛ فإنَّ شرطَ التناقُضِ وَحدةُ الزَّمان؛ وهذا غير مُتحقِّق هنا، ذلك أنَّه ﷺ حينما أُسْرِي به إلى بيتِ المَقدس، أَمَّ الأنبياءَ -عليهم الصَّلاة والسَّلام-، ومِن المَعلوم أنَّ وقتَ صلاتِه بهم لم يكُن وقتَ رؤيتِه لهم في السَّماء حينما عُرِج به.
стр. 1186
وفي بيان انتفاءِ هذا التَّناقض، يقول عَقِيل القُضاعِيُّ المُرَّاكشي (ت ٦٠٨ هـ) (١) متعقِّبًا الحُميديِّ (ت ٤٨٨ هـ) في استشكاله ما حَصَل مِن رؤيتِه ﷺ لإخوانِه الأنبياءِ في مَواطِن مختلفة حين قال: «ومِن المحال أَن يكونوا في مكانين مختلفين في وقت واحدٍ!»؛ فقال القُضاعِيُّ:
«قولُ الحُميديِّ .. قولٌ صَحيح في نفسِه، مَعلومٌ ببديهةِ العقلِ .. إنَّ كونهم -أي الأنبياء- تلك اللَّيلة في السَّماوات، إِنَّما كان بسبب عروج النَّبي ﷺ إلى السَّماوات، فيكون كونهم هنالك، ككونهم ببيتِ المقدس، وككونِ موسى في قبره يُصلِّي، ثمَّ ينتقلون مِن ذلك الموضع إلى حيثُ شاء الله من الجنَّة، أو من غيرها.
ويجوز أن يكون ذلك مَوضعهم في الغالب، ولا نقول إنَّه مَوضعهم على الدَّوامِ بسبب كونهم ببيت المقدس تلك الَّليلة، وكما جاز في تلك اللَّيلة يجوز في غيرها؛ وعلى الجُملة: فالدُّخول في مثل هذه المَضايقِ لا يَنبغي لعاقِلٍ، فإنَّها مُغيَّبة عنَّا، وإِنَّما نتكلَّم فيها بِحَسَبِ ما فهمناه مِن الشَّريعة» (٢).
فإن قيل: فكيف لموسى ﵇ أن يصلِّي في قبرِه وهو مَيِّت، وروحه في السَّماء؟
فيُقال: إنَّ لِعالَم الأرواح خصوصيَّةً تختلف عن شأنِ البَدَن، وقد بيَّن ابن تيميَّة جواب هذا السُّؤال في قوله: «وأمَّا كونُه ﷺ رأى موسى ﵇ قائمًا يُصلِّي في قبره، ورآه في السَّماء أيضًا: فلا منافاة بينهما؛ فإنَّ أمرَ الأَرواحِ مِن جِنس أَمرِ الملائكة، في اللَّحظة الواحدة تصعدُ وتهبِطُ كَالمَلَكِ، ليست في ذلك كالبَدَنِ» (٣).
стр. 1187
وبهذا تنجلي غيوم الشُّبهات عن نور هذه الآية النَّبويَّة الرَّفيعة، والحمد لله على توفيقه وهدايته.
стр. 1188
المَبحث الخامس
نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث شَقِّ صدر النَّبي ﷺ ، وحفظِه مِن وسواس الشَّيطان
стр. 1189
المَطلب الأوَّل
سَوْق حديث شَقِّ صدر النَّبي ﷺ
وحفظِه مِن وسواس الشَّيطان
عن أنس بن مالك ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﵇ وهو يَلعبُ مع الغِلمَان، فأخذَه فصرعَه، فشقَّ عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه عَلقة، فقال: هذا حظُّ الشَّيطان منك، ثُمَّ غَسَلَه في طَسْتٍ مِن ذَهَبٍ بماءِ زَمْزمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ (١)، ثُمَّ أَعَادَهُ في مَكَانِهِ، وجَاءَ الغِلْمَانُ يَسْعَون إلى أُمِّه -يعني ظِئرَهُ (٢) - فقالوا: إنَّ مُحمدًا قد قُتِل! فاسْتَقْبلوه وهو مُنْتَقَعُ اللَّونِ، قال أنسٌ: وقد كنتُ أرى أثرَ ذلك المِخْيَطِ في صدره»، أخرجه مسلم (٣).
وعن عائشة ﵂: أنَّ رسولَ ﷺ خرجَ من عندِهَا ليلًا، قالت: فَغِرتُ عليه، فجاءَ، فرأى ما أَصْنعُ، فقال: مَالَكِ يا عائشةُ، أَغِرْتِ؟ فقلتُ: وما لِي لا يَغَارُ مِثْلي على مِثْلِكَ؟ فقال رسول ﷺ : أَقْد جَاءَكِ شَيْطَانُكِ؟ قالتْ: يا رسولَ الله، أَوَ مَعِيَ شَيْطَانٌ؟ قال: نَعَم، قلت: ومع كُلِّ إِنْسَانٍ؟ قال: نعم، قُلتُ: ومعك
стр. 1190
يا رسولَ الله؟ قال: نعم، ولكنْ ربِّي أَعَانَنِي عَليْهِ حَتَّى أَسْلَمَ»، أخرجه مُسلم (١).
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم مِن أحَدٍ إلَّا وقَد وُكِّل به قَرِينُهُ مِن الجِنِّ»، قالوا: وإِيَّاك يا رسولَ الله؟ قال: «وإِيَّاي، إِلَّا أنَّ الله أَعانَني عليه فأَسْلَمَ، فلا يأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيرٍ» أخرجه مُسلم (٢).
стр. 1191
المَطلب الثَّاني
سَوْق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ
لأحاديث شَقِّ صدرِ النَّبي ﷺ وحفظِه مِن وسواس الشَّيطان
حاصلُ الطُّعونِ في هذه الأحاديثِ تَتلخَّص في المُعارضاتِ التَّالية:
المعارضة الأولى: أنَّ قَبول حديثِ «شقِّ صدرِه ﷺ ، وانتزاعِ حَظِّ الشَّيطان منه»؛ يلزم منه الجَبْرُ، ونَفْي الاختيارِ للنَّبي ﷺ ؛ إذِ انتزاعُ حَظِّ الشَّيطان منه لا يُفهَم منه إلَاّ سَلبُ حريَّة الإرادةِ والاختيارِ الثَّابتة لكلِّ أحدٍ.
المعارضة الثَّانية: أنَّ لازمَ إثباتِ حَديثي أنس وعائشة ﵄ الوقوعُ في التَّناقض؛ فإنَّ الحديث الأوَّل يُفهِمُ إزالةَ حظِّ الشَّيطان بالكليَّةِ؛ فلا يعود يُوسوِسُ له، وفي حديث إسلامِ شيطانِه ﷺ ما يلزم منه رجوعُه بالوَسوسةِ والتسلُّط.
وفي تقرير هذين الاعتراضين، يقول (حسن حنفي):
«إذا كان الله قد قَرَن بكلِّ إنسانٍ شيطانًا، وأنَّ الله تعالى أعَان النَّبي على شيطانِه فأسلَم، فلا يأمرُه إلَّا بخَيرٍ: فذاك أيضًا قَضاءٌ على حريَّة الفعلِ الإنسانيِّ أصلًا، وبالتَّالي يضيعُ الاستحقاق، ووَضعُ النَّبي في مرتبةٍ أعلى مِن سائر البَشر، أقربُ إلى (الملائكة) منهم إلى سائر الخلق، فيستحيل التَّكليفُ، وبالتَّالي يَستحيل الثَّواب والعقاب، ولا يرجع الفضل في العصمةِ حينئذٍ إلى الرَّسول، بل إلى الله، وتكون هذه المِيزة له وحده دون سائر الأنبياء؛ مثل داود، وسليمان ..
стр. 1192
وإذا كان الرَّسول قد تمَّ شقُّ قلبه مِن قبل؛ لاستنزاعِ الشَّيطان مَرَّةً قبل البعثة من كراماته، أو مرَّةً بعد البعثة في بداية الإسراء والمعراج، فكيف يَعود إليه مِن جديدٍ كي يُخطئ النَّبي ﷺ ، فيُعينه الله عليه، ويَعصمه منه؟!» (١).
المعارضة الثَّالثة: أنَّ الشَّرَ في قلبِ الإنسانِ ليسَ غُدَّةً ماديَّة حتَّى تُستأصَل وتنقطع ترشُّحاتها، فـ «الخيرُ والشرُّ لم يكونا مِن نوعِ الأمورِ الماديَّةِ والظَّاهرةِ، كالموَّادِ المأكولة الَّتي يتغذَّى جسم الإنسان بها بواسطة الإبرة، وهكذا العلم والحكمة، ليست من نوع الأجسام الماديَّة المَحسوسة الَّتي يمكن انتقالها مِن إناءٍ إلى إناءٍ» (٢).
стр. 1193
المَطلب الثَّالث
دفع المُعارضات الفكريَّةِ المُعاصرةِ
عن أحاديثِ شقِّ صدر النَّبي ﷺ ، وحفظه مِن وسواس الشَّيطان
أمَّا ما يخصُّ الاعتراضَين الأوَّلين:
ففي تَضاعيف كلام (حسن حنفي) أَغاليط عدَّة؛ منشأها اعتقاد أنَّ العِصمةَ لا تَتحقَّق إلَّا بسَلْبِ الاختيار، والَّذي يَقتضي الجَبْر، فيَترتَّب على ذلك انتفاءُ استحقاق المصطفى ﷺ للثَّواب والعقاب.
وهذا غَلطٌ بيِّنٌ في فهمِ خَصيصةِ الأنبياءِ بعصمتِهم، فهذه لا تقتضي سَلْبَ الاختيارِ المُناطِ به الثَّواب كما توهَّمه المعترض؛ وإنَّما حقيقة العصمة مَزيدُ عنايةٍ وحفظٍ، يَستلزم التَّصَوُّن عن مُقارفةِ الذُّنوبِ المُخلَّةِ بمَقامِ الرِّسالةِ وجانبِ التَّبليغِ، وهو مَحضُ فضْلٍ مِن الله تعالى على أنبيائه.
يقول ابن الجوزيِّ: «تبيَّن للخلقِ إنعامُ الحقِّ في حقِّه، ولو خُلِق ﷺ سليمَ القلبِ ممَّا أُخرج في باطنه: لم يعلم بذلك، فالإعلام بإخراج شيءٍ كان بقاؤُه يؤذي إنعامٌ آخر، على أنَّه خُلِق طاهرًا، لكنَّه زِيدَ تَنظيفُ طريقِ الوَحيِ، وتأكيدُ أمرِ العِصمة» (١).
стр. 1194
فالتَّصوُّن -إذن- لا يَلزم منه جَبْر، بل الفِعْل صادرٌ عن اختيارِ الأنبياء ﵈ وإرادتِهم، بأمارةِ صدورُ الخطأِ منهم بما لا يَقدح في جانبِ التَّبليغ والرِّسالة! وحصولِ التَّوبة من ذلك بعد صدوره، وكِلا الفِعْلَين مِن التَّوبة والخطأ المُتاب منه، لا شكَّ أنَّهما صادران عن اختيارٍ؛ فإنَّه لا معنى للتَّوبةِ مِن عملٍ صَدر عن جَبرٍ!
وتكلُّف الأدلَّة على ثبوتِ اختيارِ الأنبياءِ مع تحقُّقِ العِصمةِ لهم في الوقتِ نفسِه قد يوهم خفاءَه وعدم جلائِه؛ وإِنَّما المقصود هو الكشف عن هذا الوضوح لمن غامَ أُفُقَه، وأضْحَت الدَّلائل الجليَّات في منزلة المُعمَّيات، والحقائق الواضحات كالمُشتِبهات!
فكذا الجواب على مسألةِ إسلامِ شيطانِ النَّبي ﷺ ؛ ليس فيها ما يَستلزم نفيَ الاختيار عنه، بل زيادة تفضيل وتكرمةٍ له، لِما تَقرَّر مِن تفضيلِه ﷺ على جميع البَشَر؛ فإنَّ فيها زيادة عِنايةٍ وتصوُّنٍ له، لمُعاناتِه ﵊ دعوةَ الثَّقَلين بعامَّة، ولأنَّ رسالتَه لا يَنسخُها شيءٌ إلى يومِ الدِّين، كانت هذه المَزيَّة -على فرضِ أنَّها مزيَّةٌ لم تُؤتاها باقي الرُّسل- لزيادةِ تكليفِه عن تكاليفِ باقي الرُّسل ﵈.
ثمَّ إنَّ (حسن حَنفي) قد أخلَّ بالأمانة العلميَّة حين أعْمَل يدَ التَّحريف في حديث أنسٍ ﵁! حيث جعَلَ شقَّ صدره ﷺ «لاستنزاعِ الشَّيطان»، بينما الَّذي ورد في الحديث: « .. حظّ الَّشيطان»، والفرق جليٌّ بين اللَّفظين! وإِنَّما صنَع ذلك، ليتمَّ له غَرَضُه مِن اختلاقِ التَّناقض بين هذا الحديث وحديث إسلام شيطانه ﷺ ! وهذا صنيع مَن لا ينشد الحقَّ ولا يبتغي الهُدى.
ولزيادةِ نفْيِ التَّناقض المدَّعَى يُقال: إنَّ هذه العَلَقة المُستخرَجة مِن قلبِ النَّبيِّ ﷺ ، والَّتي قيل له عندها: «هذا حظُّ الشَّيطان»: هي -فيما يظهر- «مَنْفَذ ومَركز إغواء الشَّيطان في بني آدم»، ليست هي شرًّا في ذاتها، أو مُولِّدَةً له -كما فهمه (النَّجمي) في المعارضة الثَّالثة! - فبانتزاعِ هذا المَنفذ أو المَركزِ منه ﷺ ،
стр. 1195
يُنظَّف طريقُ الوَحي إلى قَلْبه كما أشار إليه ابن الجوزيُّ، ويأمنُ مِن تَسلُّط الشَّيطان عليه بالإغواءِ والتَّضليل.
غير أنَّ انتفاءَ منْفذ الشَّيطان ومركز تسلُّطِه لا يعني التَّخلُّصَ مِن قرينِه البتَّة! ولا انتفاء الوَسوسة منه؛ فالوَسوسة جائزة عليه بعد استخراجِ حظِّ الشَّيطان منه ﷺ ، لكنَّ الإغواءَ مُنتَفٍ؛ وهكذا إلى أنْ أعانَه اللهُ عليه فأَسْلَمَ (١).