المَطلب الثَّاني
سَوْق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ
لأحاديث شَقِّ صدرِ النَّبي ﷺ وحفظِه مِن وسواس الشَّيطان
حاصلُ الطُّعونِ في هذه الأحاديثِ تَتلخَّص في المُعارضاتِ التَّالية:
المعارضة الأولى: أنَّ قَبول حديثِ «شقِّ صدرِه ﷺ ، وانتزاعِ حَظِّ الشَّيطان منه»؛ يلزم منه الجَبْرُ، ونَفْي الاختيارِ للنَّبي ﷺ ؛ إذِ انتزاعُ حَظِّ الشَّيطان منه لا يُفهَم منه إلَاّ سَلبُ حريَّة الإرادةِ والاختيارِ الثَّابتة لكلِّ أحدٍ.
المعارضة الثَّانية: أنَّ لازمَ إثباتِ حَديثي أنس وعائشة ﵄ الوقوعُ في التَّناقض؛ فإنَّ الحديث الأوَّل يُفهِمُ إزالةَ حظِّ الشَّيطان بالكليَّةِ؛ فلا يعود يُوسوِسُ له، وفي حديث إسلامِ شيطانِه ﷺ ما يلزم منه رجوعُه بالوَسوسةِ والتسلُّط.
وفي تقرير هذين الاعتراضين، يقول (حسن حنفي):
«إذا كان الله قد قَرَن بكلِّ إنسانٍ شيطانًا، وأنَّ الله تعالى أعَان النَّبي على شيطانِه فأسلَم، فلا يأمرُه إلَّا بخَيرٍ: فذاك أيضًا قَضاءٌ على حريَّة الفعلِ الإنسانيِّ أصلًا، وبالتَّالي يضيعُ الاستحقاق، ووَضعُ النَّبي في مرتبةٍ أعلى مِن سائر البَشر، أقربُ إلى (الملائكة) منهم إلى سائر الخلق، فيستحيل التَّكليفُ، وبالتَّالي يَستحيل الثَّواب والعقاب، ولا يرجع الفضل في العصمةِ حينئذٍ إلى الرَّسول، بل إلى الله، وتكون هذه المِيزة له وحده دون سائر الأنبياء؛ مثل داود، وسليمان ..
стр. 1192
وإذا كان الرَّسول قد تمَّ شقُّ قلبه مِن قبل؛ لاستنزاعِ الشَّيطان مَرَّةً قبل البعثة من كراماته، أو مرَّةً بعد البعثة في بداية الإسراء والمعراج، فكيف يَعود إليه مِن جديدٍ كي يُخطئ النَّبي ﷺ ، فيُعينه الله عليه، ويَعصمه منه؟!» (١).
المعارضة الثَّالثة: أنَّ الشَّرَ في قلبِ الإنسانِ ليسَ غُدَّةً ماديَّة حتَّى تُستأصَل وتنقطع ترشُّحاتها، فـ «الخيرُ والشرُّ لم يكونا مِن نوعِ الأمورِ الماديَّةِ والظَّاهرةِ، كالموَّادِ المأكولة الَّتي يتغذَّى جسم الإنسان بها بواسطة الإبرة، وهكذا العلم والحكمة، ليست من نوع الأجسام الماديَّة المَحسوسة الَّتي يمكن انتقالها مِن إناءٍ إلى إناءٍ» (٢).
стр. 1193
المَطلب الثَّالث
دفع المُعارضات الفكريَّةِ المُعاصرةِ
عن أحاديثِ شقِّ صدر النَّبي ﷺ ، وحفظه مِن وسواس الشَّيطان
أمَّا ما يخصُّ الاعتراضَين الأوَّلين:
ففي تَضاعيف كلام (حسن حنفي) أَغاليط عدَّة؛ منشأها اعتقاد أنَّ العِصمةَ لا تَتحقَّق إلَّا بسَلْبِ الاختيار، والَّذي يَقتضي الجَبْر، فيَترتَّب على ذلك انتفاءُ استحقاق المصطفى ﷺ للثَّواب والعقاب.
وهذا غَلطٌ بيِّنٌ في فهمِ خَصيصةِ الأنبياءِ بعصمتِهم، فهذه لا تقتضي سَلْبَ الاختيارِ المُناطِ به الثَّواب كما توهَّمه المعترض؛ وإنَّما حقيقة العصمة مَزيدُ عنايةٍ وحفظٍ، يَستلزم التَّصَوُّن عن مُقارفةِ الذُّنوبِ المُخلَّةِ بمَقامِ الرِّسالةِ وجانبِ التَّبليغِ، وهو مَحضُ فضْلٍ مِن الله تعالى على أنبيائه.
يقول ابن الجوزيِّ: «تبيَّن للخلقِ إنعامُ الحقِّ في حقِّه، ولو خُلِق ﷺ سليمَ القلبِ ممَّا أُخرج في باطنه: لم يعلم بذلك، فالإعلام بإخراج شيءٍ كان بقاؤُه يؤذي إنعامٌ آخر، على أنَّه خُلِق طاهرًا، لكنَّه زِيدَ تَنظيفُ طريقِ الوَحيِ، وتأكيدُ أمرِ العِصمة» (١).
стр. 1194
فالتَّصوُّن -إذن- لا يَلزم منه جَبْر، بل الفِعْل صادرٌ عن اختيارِ الأنبياء ﵈ وإرادتِهم، بأمارةِ صدورُ الخطأِ منهم بما لا يَقدح في جانبِ التَّبليغ والرِّسالة! وحصولِ التَّوبة من ذلك بعد صدوره، وكِلا الفِعْلَين مِن التَّوبة والخطأ المُتاب منه، لا شكَّ أنَّهما صادران عن اختيارٍ؛ فإنَّه لا معنى للتَّوبةِ مِن عملٍ صَدر عن جَبرٍ!
وتكلُّف الأدلَّة على ثبوتِ اختيارِ الأنبياءِ مع تحقُّقِ العِصمةِ لهم في الوقتِ نفسِه قد يوهم خفاءَه وعدم جلائِه؛ وإِنَّما المقصود هو الكشف عن هذا الوضوح لمن غامَ أُفُقَه، وأضْحَت الدَّلائل الجليَّات في منزلة المُعمَّيات، والحقائق الواضحات كالمُشتِبهات!
فكذا الجواب على مسألةِ إسلامِ شيطانِ النَّبي ﷺ ؛ ليس فيها ما يَستلزم نفيَ الاختيار عنه، بل زيادة تفضيل وتكرمةٍ له، لِما تَقرَّر مِن تفضيلِه ﷺ على جميع البَشَر؛ فإنَّ فيها زيادة عِنايةٍ وتصوُّنٍ له، لمُعاناتِه ﵊ دعوةَ الثَّقَلين بعامَّة، ولأنَّ رسالتَه لا يَنسخُها شيءٌ إلى يومِ الدِّين، كانت هذه المَزيَّة -على فرضِ أنَّها مزيَّةٌ لم تُؤتاها باقي الرُّسل- لزيادةِ تكليفِه عن تكاليفِ باقي الرُّسل ﵈.
ثمَّ إنَّ (حسن حَنفي) قد أخلَّ بالأمانة العلميَّة حين أعْمَل يدَ التَّحريف في حديث أنسٍ ﵁! حيث جعَلَ شقَّ صدره ﷺ «لاستنزاعِ الشَّيطان»، بينما الَّذي ورد في الحديث: « .. حظّ الَّشيطان»، والفرق جليٌّ بين اللَّفظين! وإِنَّما صنَع ذلك، ليتمَّ له غَرَضُه مِن اختلاقِ التَّناقض بين هذا الحديث وحديث إسلام شيطانه ﷺ ! وهذا صنيع مَن لا ينشد الحقَّ ولا يبتغي الهُدى.
ولزيادةِ نفْيِ التَّناقض المدَّعَى يُقال: إنَّ هذه العَلَقة المُستخرَجة مِن قلبِ النَّبيِّ ﷺ ، والَّتي قيل له عندها: «هذا حظُّ الشَّيطان»: هي -فيما يظهر- «مَنْفَذ ومَركز إغواء الشَّيطان في بني آدم»، ليست هي شرًّا في ذاتها، أو مُولِّدَةً له -كما فهمه (النَّجمي) في المعارضة الثَّالثة! - فبانتزاعِ هذا المَنفذ أو المَركزِ منه ﷺ ،
стр. 1195
يُنظَّف طريقُ الوَحي إلى قَلْبه كما أشار إليه ابن الجوزيُّ، ويأمنُ مِن تَسلُّط الشَّيطان عليه بالإغواءِ والتَّضليل.
غير أنَّ انتفاءَ منْفذ الشَّيطان ومركز تسلُّطِه لا يعني التَّخلُّصَ مِن قرينِه البتَّة! ولا انتفاء الوَسوسة منه؛ فالوَسوسة جائزة عليه بعد استخراجِ حظِّ الشَّيطان منه ﷺ ، لكنَّ الإغواءَ مُنتَفٍ؛ وهكذا إلى أنْ أعانَه اللهُ عليه فأَسْلَمَ (١).
стр. 1196
المعارضات الفكرية المعاصرة
لأحاديث الصحيحين
دراسة نقديَّة
د. محمد بن فريد زريوح
المجلد الثالث
стр. 1197
المبحث السادس
نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّةِ المُعاصرةِ
لحديث غارَتِه ﷺ على بني المُصطلِق
стр. 1198
المَطلب الأوَّل
سَوق حديثِ غارَتِه ﷺ على بني المُصطلِق
عن ابن عونٍ (١) قال: كتبتُ إلى نافعٍ (٢) أسأله عن الدُّعاء قبل القِتال، فكتبَ إليَّ:
«إنَّما كان ذلك في أوَّلِ الإسلام، قد أغارَ رسول الله ﷺ على بَني المُصطلق وهم غَارُّون، وأنعامُهم تُسقَى على الماء، فقَتل مُقاتِلَتهم، وسَبَى سَبْيَهم، وأصابَ يَومئذٍ جُويرية -أو قال البتَّة: ابنةَ الحارث-، وحدَّثني هذا الحديث عبد الله بن عمر، وكان في ذاك الجيش» متَّفق عليه (٣).
стр. 1199
المَطلب الثَّاني
سَوق المُعارضات الفكريَّةِ المُعاصرةِ
لحديث إغارته ﷺ على بني المُصطلق
ضاقت أعطانُ بعض الكُتَّابِ المعاصرين عن اعتقادِ ما ورد في هذا الحديث، لما توهَّموه فيه من مُصادَمةٍ للقرآنِ الآمرِ بالبدء بتبليغِ الدَّعوة، وتصوير النَّبيِّ ﷺ فيه على صورةِ جَبَّار غدَّار طمَّاعٍ في الغنيمةَ والسَّبْي!
ترى هذا الاستنكارِ لروايةِ نافعٍ في مثل قول (محمَّد الغزالي):
«نافع -غفر الله له- مُخطئ!
فدعوةُ النَّاس إلى الإسلامِ قائمةٌ ابتداءً وتكرارًا، وبنو المُصطلق لم يَقع قتالُهم إلَّا بعد أن بَلَغتهم الدَّعوة، فرَفَضوها وقرَّروا الحرب، ورواية نافعٍ هذه ليست أوَّلَ خَطأٍ يَتَورَّط فيه، فقد حَدَّث بأسوأ مِن ذلك! ..
إنَّه مع اهتزازِها، فإنَّ أهلَ الحديثِ لقلَّةِ فقهِهم رَوَّجوا لها! ..
غارةٌ بلا إنذار؟! أين هذا المَسلك مِن قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]، وقوله: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]» (١).
стр. 1200
وقال أيضًا: «رواية الصَّحيحين تُشعر بأنَّ رسول الله ﷺ باغَت القومَ وهُم غارُّون، ما عُرِضت عليهم دعوة الإسلام، ولا بَدَا مِن جانبهم نُكوص، ولا عُرِف مِن أحوالهم ما يُقلِق! وقتالٌ يَبدؤه المسلمون على هذا النَّحو مُستنكَر في مَنطقِ الإسلام، مُستبعَد في سِيرةِ رسوله ﷺ ، ومِن ثَمَّ رَفضتُ الاقتناعَ بأنَّ الحربَ قامت وانتهت على هذا النَّحو.
وسَكَنتْ نفسي إلى السِّياقِ الَّذي رواه ابن جرير (١)، فهو -على ضعفِه الَّذي كشَفَه الأستاذ الشَّيخ ناصر- يَتَّفق مع قواعدِ الإسلام المُتيقَّنة، أنَّه لا عُدوان إلَّا على الظَّالمين» (٢).
ويقول (سامر إسلامبولي): «هل عَملُ النَّبي الأعظم ﷺ هو الدَّعوة إلى الله وهداية النَّاس، ومحاربة الظُّلمِ والاستبدادِ؟ أم عمله هو قاطع طريقٍ، وهمُّه الأموال والنِّساء؟! .. إنَّ الغدر يَتنَافى مع تعاليم القرآن، ويَتنافى مع الهدفِ والغايةِ مِن الرِّسالة الإلهيَّة، ويَتَنافى مع أخلاقِ النُّبوة، ممَّا يؤكِّدُ بطلانَ هذا الحديث مَتْنًا» (١).
стр. 1201
المَطلب الثَّالث
دفع المُعارضات الفكريَّةِ المُعاصرةِ
عن حديثِ غارَتِه ﷺ على بني المُصطلق
فقبل الشُّروعِ في تفاصيلِ الرَّد على هذا الطَّعْنِ في حديثِ نافعٍ، يحسُن بنا التَّمهيد من جهة التَّأصيل بأنَّ بَدْءَ قتالِ المسلمينَ للكُفَّارِ -بَسْطًا لحكمِ الإسلام عليهم، ولو مِن غيرِ اعتداءٍ سابقٍ منهم: لا يجوز تسميته عُدوانًا! ما دامت مَشروعيَّته قد نَطَق بها الشَّارع نفسُه؛ وذلك: أنَّ حَمَلة الشَّريعةِ مُتَّفِقون على أنَّ جِهادَ المُشركينَ إنَّما شُرِع في المدينةِ بعد الهجرة النَّبوية المُباركة (١)، وأنَّه تَدرَّج على مَراحِل ثلاث:
الأولى: الإذْنُ العامُّ في القِتال دون فَرْضِه، بعد أن كان مَمنوعًا في مكَّة:
وهذا الإذْن المُبيح للقتِال بعد منعِه أوَّل الدَّعوة، دَلَّ عليه قول الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَاّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٣٩ - ٤٠].
قال غير واحدٍ مِن السَّلف: «هذه أوَّل آيةٍ نَزَلَت في الجهاد» (٢)، فكانت بذا مُعلِمةً بضرورةِ الإعدادِ، مُهيِّئةٌ للأنفُسِ لما هي مُقبِلةٌ عليه مِن أحداث وأحكام تخصُّ المرحلةَ التَّالية:
стр. 1202
وهي المرحلة الثَّانية: أمرُهم بقتالِ مَن قاتلَهم، والكفِّ عمَّن كفَّ عنهم:
وذلك حين رَمَتهم العَربُ عن قوسٍ واحدةٍ، وشَمَّروا لهم عن ساقِ العَداوةِ والمحاربةِ، وصاحوا بهم مِن كلِّ جانبٍ، فبعد أمرِه سبحانه للمؤمنين بالصَّبر والعفو والَّصفح: أَمَرهم أمرًا مباشرًا ألَّا يقاتلوا إلَّا مَن قاتلَهم مِن المشركين فقط، لأجل أن يتفرَّغوا لبناءِ دولتِهم الفتيَّة، بعيدًا عن وهجِ السُّيوفِ، وزلزلةِ الحروبِ.
ويدلُّ على هذه المرحلةِ قول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ [النساء: ٩٠]، والمعنى: «إن اعتزَلَكم هؤلاء المشركون الَّذين أمَرتُكم بالكفِّ عنهم، وألقوا إليكم الصُّلحَ والأمان، فإنَّ الله لم يجعل لكم على أنفسِهِم وأموالهِم وذَرارِيهم ونسائِهم طريقًا إلى قتلٍ أو سباءٍ أو غنيمةٍ، بإباحةٍ منه ذلك لكم ولا إذنٍ، فلا تعرِضوا لهم في ذلك، إلَّا سبيلَ خيرٍ» (١).
فلذلك لمَّا قدِم النَّبي ﷺ إلى المدينةِ لم يبدأ أحدًا بقتالٍ، وإنَّما هي المُوادَعة والمُعاهدة والمُآلفة منه لأعدائِه، كاليهود (٢).
فلمَّا قَوِيت شَوكةُ الإسلام، واشتدَّ جناحُه، وكثُر جمعُه، وقويت نفوسُ حَمَلَتِه بما شاهَدوه مِن نصرِ الله: استحَقُّوا بعد ذلك أن يكونوا مِن أهلِ:
المرحلة الثَّالثة: حيث أُمروا بقتالِ أصحاب الشَّوكةِ من المشركين ابتداءً إذا منعوا دعوة الإسلام، ولو مِن غير عُدوانٍ سابقٍ منهم، حتَّى يُسْلِموا لله تعالى، أو يُعطوا الجِزيةَ عن يَدٍ وهم صاغرون، خاضعونَ لحكم الإسلام وذِمَّتِه.
وفي تقرير هذا التَّدريجِ المَرحليِّ للجهاد، يقول ابن القيِّم: «فُرض عليهم قتال المشركين كافَّةً، وكان مُحرَّمًا، ثمَّ مَأذونًا به، ثمَّ مَأمورًا به لمن بَدَأهم
стр. 1203
بالقتال، ثمَّ مأمورًا به لجميع المشركين، إمَّا فرضَ عَينٍ على أحدِ القَولين، أو فرضَ كفايةٍ على المَشهور» (١).
ومن الأدلَّة على ختمِ التَّشريع الجِهاديِّ بهذه المرحلةِ الثَّالثة:
قول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه﴾ [الأنفال: ٣٩]، فالمراد بالفتنةِ فيها: الشِّرك والكفر (٢)، ومعنى الآية: أنَّهم إن انتهوا عن الشِّرك والكفر بالإسلام، أو أعطوا الجزيةَ خاضعينَ، فكفُّوا عنهم.
ومِن ذلك أيضًا قول الله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥].
يقول أبو العالية: «هذه أوَّل آيةٍ نَزَلت في القتالِ بالمدينة -يعني قولَه تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ - فلمَّا نَزلت، كان رسول الله ﷺ يقاتل مَن قاتَله، ويكفُّ عمَّن كَفَّ عنه، حتَّى نَزَلت سورة براءة» (٣).
وكذا قاله عبد الرَّحمن بن زيد بن أَسْلم، وزادَ على ذلك أن قال: «هذه مَنسوخةٌ بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾» (٤).
يقول ابن القيِّم: «لمَّا نَزَلَت سورة براءة .. أمَرَه فيها أن يُقاتِل عدُوَّه مِن أهل الكتاب، حتَّى يُعطوا الجزية، أو يدخلوا في الإسلام، وأمَرَه فيها بجهادِ الكفَّار والمنافقين والغِلظة عليهم .. وأمَرَه فيها بالبراءة مِن عهود الكُفَّار، ونبذِ عهودِهم إليهم» (٥).
стр. 1204
أمَّا دلائل ذلك مِن السُّنة الصَّحيحة:
فقول النَّبي ﷺ : «أُمِرت أن أقاتل النَّاس حتَّى يشهدوا أن لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمَّدًا رسول الله، ويقيموا الصَّلاة، ويؤتوا الزَّكاة، فإذا فعلوا ذلك عصَموا منِّي دماءَهم وأموالَهم إلَّا بحقِّ الإسلام، وحسابهم على الله» (١).
وعلى هذا مضى عَملُ الصَّحابة ﵃ مِن بعد نَبيِّهم ﷺ ، يُعلِنُها سُفراءُهم مُدويَةً في وجوهِ الملوكِ في مَواقف الدَّعوةِ والإنذار؛ من أشهر أمثلة ذلك خطابِ المغيرة ﵁ لعاملِ كِسرى بقوله: « .. فأَمَرنا نبيُّنا رسولُ ربِّنا ﷺ أن نُقاتِلَكم حتَّى تعبدوا الله وحدَه، أو تؤدُّوا الجِزيةَ، وأخبرنا نبيُّنا ﷺ عن رسالةِ ربِّنا، أنَّه مَن قُتِل مِنَّا صارَ إلى الجنَّة، في نَعيمٍ لم يَرَ مثلها قطُّ، ومَن بقيَ مِنَّا مَلَكَ رِقابَكم» (٢).
وعلى هذا جرى فهمُ الفقهاءِ لهذا الباب في مُدوَّناتهم؛ أنَّ ابتداءَ قتالِ الكُفَّار وإن لم يبدؤونا هم بقتالٍ مَشروعٌ في دينِنا، نشرًا للدَّعوة، وتحكيمًا للشَّريعة؛ ما لم يُعطوا الجزيةَ فيدخلوا بذلك في ذِمَّة الإسلامِ وسلطانِه (٣).
وفي تقرير هذا الاتِّفاقِ يقول أبو بكر الجصَّاص: «لا نعلمُ خلافًا بين الفقهاء يحظُر قتالَ مَن اعتزل قتالَنا مِن المشركين» (٤).
بذلك نعلمُ أنَّ الغايةَ العُظمى مِن تشريعِ الجهاد: أن تكون كلمة الله العُليا، وأن يكون الدِّين كلُّه لله، وأن تُهيمِن شريعتُه في الأرض، لكن لمَّا قَضَت حكمةُ الله تعالى أن يكون مِن الكَفَرةِ طواغيتَ تَستنكِف مِن زُمرةِ المُوحِّدين، وتستعبِدُ رَعاياها لغيرِ ربِّ العالمين، فتحولُ بينهم وعَوْدتِهم إلى فِطَرِهم بيَقينٍ: لم
стр. 1205
يكُن حينئذٍ للإسلامِ بُدٌّ أنْ ينطلقَ في الأرضِ بالبَيانِ وبالحَرَكةِ مُجتَمِعَين، ليحطِمَ هذه الأسوارَ المانعَةَ مِن بَسْطِ الدِّين لِمن وراءها مِن العالَمين، وليزيل الغِشاواتِ الحائلةَ بينهم وبين الذِّكرِ المُبينِ، يَتَغيَّا الإقناع به مِن غير إكراه، والانضمامَ إلى كيانِه المُزهرِ بأنوارِ الوحيِ السَّماويِّة، المُفعمِ بمكارِم الأخلاقِ الإنسانيَّة.
يقول ابن تيميَّة: «أصلُ القتالِ المَشروع هو الجهاد، ومَقصوده: هو أن يكون الدِّين كلُّه لله، وأن تكون كلمةُ الله هي العُليا، فمَن امتنعَ مِن هذا قوتل باتِّفاق المسلمين؛ وأمَّا من لم يكُن مِن أهلِ الممُانعةِ والمُقاتلةِ -كالنِّساء، والصِّبيان، والرَّاهب، والشَّيخ الكبير، والأعمى، والزَّمِن، ونحوهم- فلا يُقتَل عند جمهور العلماء؛ إلَّا أن يُقاتِل بقولِه أو فعلِه، .. وهو الصَّواب، لأنَّ القِتال هو لمِن يُقاتلُنا إذا أَرَدْنا إظهارَ دينِ الله» (١).
وبعد؛
فقد ارتأيتُ التَّمهيدَ بهذا التَّأصيلِ المُتقِّدم بين يَدَيْ جَوابي عن معارضةِ حديث البابِ، لأحجِزَ نفوذَ أيِّ شُبهةٍ في الذِّهنِ تبغي نفيَ جهادِ الطَّلَبِ مِن أساسِه! وقصرَ غايةِ القتالِ في الدَّفعِ فقط (٢)، ليُفَرَّع عنها إبطالُ حديثِ نافعٍ هذا في الإغارةِ تَبَعًا.
وأحسبُ أنَّ القارئ الكريم قد انجلى له بمجموعِ ما قرَّرناه آنفًا:
أنَّ ما ابتدَرَه النَّبي ﷺ وأصحابُه مِن غَزْوِ بني المُصطلقِ، مندرجٌ تحت هذا الأصلِ مِن إعلاءِ كلمة الله في الأرضِ وجِهادِ الطَّلب، وأنَّ ما نَتجَ عن ذلك مِن اغتنامٍ وسَبْيٍ، إنَّما سببُه التَّعنُّت في الكُفرِ، والإصرارُ على مُحاربةِ الإسلام، كما سيأتي البَيان عليه.
стр. 1206
بهذا نكون قد وصلنا إلى حَدٍّ السُّؤال المِحوَريِّ الَّذي ابتُنيت على أساسِه الشُّبهة في ردِّ كلامِ نافعٍ، من قولهم: هل يجوِّزُ الإسلامُ مُقاتلةَ المُشركين بَغتةً كما وَقَع لبني المُصطلِق، دونما دعوةٍ أو تبليغٍ سابق؟!
والجواب عليه أن يُقال: لا خلافَ بين الفقهاء في تحريمِ قِتالِ من لم تبلُغه دعوةُ الإسلامِ، حتَّى تصِله الحُجَّة، وتَستبينَ له المحَجَّة، وفي تقريرِ هذا الإجماع، يقول ابن رشدٍ الحَفيد: «أمَّا شَرطُ الحربِ: فهو بلوغُ الدَّعوةِ باتِّفاقٍ، أعني أنَّه لا يجوز حَرابَتهم، حتَّى يكونوا قد بلَغَتهم الدَّعوة، وذلك شَيءٌ مُجمَع عليه مِن المسلمين» (١).
إنَّما مَحلُّ الخلاف هنا: في مَن عُلِم بلوغُ الدَّعوةِ إليهم، هل يجِبُ تَكرارُ دَعْوَتِهم قبل العَزْمِ على غَزْوِهم أم لا؟
والَّذي يُصحِّحه أغلبُ الفقهاء: أنَّ تَكرارَ الدَّعوة عند العَزمِ على الحَربِ ليس بشرطٍ، حيث استفَاضَت في المُحيطِ القريبِ مِن مَنبعِ الدَّعوة، فهي واقعة حُكمًا، بحيث يَعلم القومُ إلى ماذا يُدْعَون وعلى ماذا يُقاتَلون، فيُقام ظهورُها على هذا النَّحوِ مَقام تخصيصِها لكلِّ قومٍ على حِدَة؛ وهذا مَذهب الجمهورِ مِن أهل العلم (٢).
يقول الشَّافعي: «لا يُقاتَل العدوُّ حتَّى يُدعَوا، إلَّا أن يَعجلوا عن ذلك، فإن لم يُفعَل فقد بَلَغتهم الدَّعوة» (٣).
وإن كان لا يُشَكُّ أنَّ في بلادِ الله مَن لا شعورَ له بهذا الأمر، ومَن يُستراب في بلاغِه، فيجب أن يكون الأصل حينها: ظنُّ أنَّ هؤلاء لم تبلُغهم الدَّعوة، فيُبلَّغون أوَّلًا.
وفي تقرير هذا التَّفصيل يقول مالك: «مَن قارَب الدُّروب، فالدَّعوة مَطروحة عنهم، لِعلمِهم بما يُدعَون إليه، وما هم عليه مِن البُغض والعداوةِ للدِّين وأهلِه،
стр. 1207
مِن طولِ مُعارضتِهم للجيوشِ، ومُحاربتِهم لهم، فلتُطلَب غِرَّتُهم، ولا يُحدَث لهم الدَّعوة .. وأمَّا مَن بَعُد، وخِيف أن لا تكون ناحيتُه ناحيةَ مَن أعلمتُك، فإنَّ الدَّعوة أقطعُ للشَّك، وأبرُّ للجهاد» (١).
والجمهور وإن قالوا بعَدمِ الوجوبِ في مثل تلك الحالِ من شمول الدَّعوة، فقد استَحبُّوا مع ذلك تقديمَ الدَّعوة قبل القتالِ (٢)، وبذا أمَرَ النَّبي ﷺ أمراءَ الأجناد؛ من ذلك أمرُه ﷺ عليًّا ﵁ بدعوةِ أهلِ خَيْبرَ قبل القتالِ مع كونِهم مِمَّن بلَغَتهم دعوتُه (٣).
والتَّكرار قد يُجدي المقصودَ فينعدِمُ الضَّرر، فلربَّما إذا عَلِموا أنَّا نُقاتلهم على أسْرِهم، وأخذِ أموالِهم: أنْ يُجيبوا إلى المقصود مِن غير قِتالٍ (٤)؛ فكما أنَّ إزالةَ الكفر، وإخراجَ العبادِ من جَوْرِ الأديانِ إلى عدلِ الإسلامِ مِن مَقاصد الدِّين العُظمى؛ فإنَّ حقنَ الدِّماء، والتَّضييقَ في ذلك: مِن مَقاصدِه الجليلةِ أيضًا؛ فإذا ما حصَلَ المَقصد الأوَّل مِن غيرِ احتياجٍ إلى قِتالٍ، لم يجُزْ البَدارُ إلى نَقضِ المقصدِ الثَّاني بحجَّة الأوَّلِ قطعًا.
وفي تقريرِ هذا التَّفصيل، يقول الشِّرْبيني (ت ٩٧٧ هـ): «وُجوبُ الجهاد وجوبُ الوسائلِ لا المَقاصد، إذْ المقصود بالقتالِ إنمَّا هو الهداية، وما سواها مِن الشَّهادة؛ وأمَّا قَتلُ الكُفَّار فليس بمَقصودٍ، حتَّى لو أمكنَ الهداية بإقامةِ الدَّليل بغير جهادٍ، كان أوْلى مِن الجهاد» (٥).
стр. 1208
وقولُنا باستحبابِ تكرار الدَّعوة عمومًا مشروطٌ بأنْ لا يَتَضمَّن الإبلاغ ضَرَرًا على المسلمين: كأن يُعلَم بأنَّهم إذا جُدِّدت لهم الدَّعوةِ تَنبَّهوا، فاستعدُّوا، أو احتالوا، أو تحصَّنوا، أو استدعوا مَدَدًا، ونحو ذلك ممَّا لا يَقوى به المسلمون عليهم (١).
ومِن الأمورِ المَطلوبةِ في الحروبِ سُرعة الحَسم، تقليلًا للخَسائر على اختلافِها، فلذلك اُستحِبَّ في مثلِ هذه الصُّوَر المُفترضةِ -الآنِف ذكرُها- عدمُ تجديدِ الدَّعوة؛ وغَلَبة الظنِّ في هذا تظهر مِن حالِهم، وهو أمرٌ مَوكولٌ إلى اجتهادِ الإمام، فإذا رأى في تركِ الدَّعوةِ صَلاحًا فَعَل، ويلزمُ الجُندَ طاعتُه فيما يَراه (٢).
قلت: فحديث إغارةِ النَّبي ﷺ على بني المصطلقِ يَتَنزَّلُ على هذا التَّفصيلِ بالتَّمام! وبيانُ ذلك: ظاهرٌ أمثلتُها من سِيرته ﷺ مع مَن لم يُسلِم مِن قبائل العَربِ:
فإنَّه -بأبي هو وأمِّي- لم يُقدِم على الإغارةِ على أيٍّ مِن أولئكَ دون سابقِ دَعوةٍ خاصَّة أو إنذارٍ؛ فهذا الأصل عنده، إلَّا أن يجتمِعَ في القَومِ منهم خِصلتان:
أوَّلهُما: أن يكونوا ممَّن سَبَقت إليهم الدَّعوة، فلا يجب تكرارها.
وثانيهما: أن يكونوا مِن الحَرْبيِّين المُعادِين للإسلامِ وأهلِه، فتكون الإغارة عليهم تَنكيلًا بهم، ودفعًا لأيِّ مَفسدةٍ محتملةٍ مِن إنذارهم.
стр. 1209
فعلى هذا، فإنَّ ما استدلَّ به مَن أجاز الإغارةَ على المشركينَ مِن الفقهاءِ -حسب ما وقفتُ عليه مِن كلامهم- أمثلةٌ مَحصورة، أشهرُها:
بعثُ النَّبي ﷺ في قتلِ ابنِ أبي الحَقيق (١) وكعبِ بن الأشرفِ غِرَّةً (٢)، وهذا استشهد به الشَّافعي (٣).
وغيره مِن الفقهاءِ استشهدوا بإغارتِه ﷺ على خَيْبرَ صَباحًا (٤)، وبأمرهِ ﷺ بشنِّ الغارةِ على بني المُلَوِّح بالكَدِيد (٥)،
وببَعثِه ﷺ أسامةَ بن زيدٍ ﵁ للإغارةِ على قريةِ أُبْنَى بالشَّام (٦).
فهذا أشهرُ ما اسُتدِّل به على جوازِ قتالِ المشركين مِن غير إنذارٍ، إضافةً إلى حديث نافعٍ في بني المصطلق.
ومَن يتفَحَّص هذه الشَّواهد العمليَّة مِن سيرَتِه ﷺ ، يجِد أنَّ الجامعَ بينها ما قرَّرناه مِن الوَصفين الَّذين أشَرتُ إليهما آنفًا، وذلك أنَّ:
سَلام بنَ أبي الحَقيق: كان مِمَّن خانَ عهدَ المسلمين مِن ساداتِ بني النَّضير، وحينَ نَزَلَ خَيْبرًا بعد إجلاءِ قومِه، ألَّبَ أهلَها على حربِ النَّبي ﷺ ،
стр. 1210
وقد كان لخيبرٍ بتحريضِ بني النَّضيرِ الأثرُ البَليغ في حَشْدِ قريشٍ وبني قُريظةَ على المسلمينَ في المدينة (١).
وأمَّا كعبُ بن الأشرف: فشُهرةُ عَداوتِه الإسلامِ وإيذاءِه النَّبيَّ ﷺ والمسلمين، وتحريضِه كفَّارَ قريشٍ عليهم (٢): تُغني عن بسطِ القولِ في تعليلِ ما وقع له.
وأمَّا (أُبنَى): فقد شارَكَت الرُّومَ قتالَ المسلمينَ في مُؤتة، وفيها قُتِل زيد بن حارثةَ ﵁، فلذا بَعَثَ النَّبي ﷺ ابنَه أسامةَ إليهم يحرِّضُه على الانتقامِ لأبيهِ (٣).
وأمَّا بنو المُلَوِّح: فمِن الأعرابِ الَّذين ظاهروا على قتالِ المسلمين، حتَّى غَدروا ببَشير بن سُويدٍ ﵁ وقتلوه (٤).
وأمَّا خَيْبر: فقد عُلِم نَبَؤُها عند الكلامِ في ابنِ أبي الحقيق.
إذا تَقرَّر ما ذكرناه في هذه الشَّواهد التَّاريخيَّة؛ فإنَّ ذينك الشَّرطينِ المُبيحينِ للإغارةِ قد وُجِدا بكمالِهما في بني المُصطلق!
فأمَّا الشَّرط الأوَّل: فإنَّه لا يَشُكّ أحَدٌ في بلوغِ دعوة الإسلام إلى بني المُصطلق، وعلمِهم بما يُطلَب منهم، وامتناعِهم عن إجابةِ ذلك، فإنَّهم مِن بطونِ خُزاعة (٥) بين المدينة ومكَّة، على سِتِّ مراحل مِن المدينة، ولأجل هذا
стр. 1211
البلاغِ أسلمَ من قومِهم خُزاعة أُناس، كأمينة بنت خلف (١)، وعاتكة أمُّ معبد (٢)، ومعتب بن عوف بن عامر (٣)، وغيرهم (٤).
وأمَّا الوصفُ الثَّاني: فإنَّ بني المُصطلق أعلنوا الحربَ على دولةِ الإسلامِ في حِلفِها مع قريشٍ (حِلفَ الأحابيش) (٥)! فكان أوَّل مَوقفٍ عَدائيٍّ منهم تُجَاه الإسلامِ أنْ أسهَمُوا ضمنَ هذا الحِلفِ في غزوةِ أُحُد (٦)؛ وفي هذا لكفايةُ عُذرٍ لغزوِهم.
ثمَّ هم لم يكتفوا بما فَعلوه في أُحدٍ، حتَّى سارَ الحارث بن ضرار سيِّدُ بني المُصطلقِ في قومِه ومَن قدِر عليه مِن العرب لحربِ رسول الله ﷺ في المدينة! وقد أتاهُ بخبرِهم بُريدة بن الحصيب ﵁ (٧).
على هذا نقول: إنَّ النَّبي ﷺ لم يَستجِز الإغارةَ على بني المصطلقِ لمُجرَّدِ بلوغِ الدَّعوةِ مَسامِعَهم، وإنَّما استحَثَّه على ابتدارِهم بالقتالِ أيضًا ما قد عَلِمه ﷺ
стр. 1212
مِن عَداوتِهم وسابقِ قتالِهم للمسلمين، مع ما انضافَ إلى ذلك مِن عَزمِهم على حربِه في المدينةِ، وتأليبِ حُلفائِهم على ذلك.
فاقتضتِ الحكمة حينئذٍ مُباغَتَة مَن تَعَدَّى على المسلمين بالقَتلِ في ما مضى، ورَدْعَ من تهيَّأ لحربِهم في ما يُستقبَل، في صورةٍ مَشروعةٍ مِن صُوَر الدِّفاعِ الهجوميِّ، أو ما يُسمَّى في علم العسكريَّة: بالحربِ الوِقائيَّة (١).
إنَّه لحَقيقٌ على المسلمين أن لا يَنزِلوا بأَحَدٍ مِن العدُوِّ في الحصونِ مِمَّن يَطمعون به ويَرجون أن يستجيب لهم إلَّا دَعَوه -كما قال مالك- فأمَّا مَن إن جَلَسنا بأرضِنا أَتَونا وألَّبُوا علينا، وإنْ سِرْنا إليهم قاتلونا، كشأنِ بني المُصطلِق: فإنَّ هؤلاء لا يُنذَر مثلُهم بالدَّعوةِ ولا كرامة (٢).
ولو كان النَّبي ﷺ طَمِع في إذعانِهم لكان دَعَاهم، وهو مع ذلك لم يقتُل منهم إلَّا مَن أصرَّ على القتالِ، كما جاء به نصُّ الحديث (٣)! وأحسنَ معاملةَ مَن أَسَرَ منهم، حتَّى أذعنوا بعدُ للإسلامِ عن بَكرةِ أبيهم، وكانوا يُؤَدُّون الزَّكاة له (٤).
وبهذا يَتبيَّن لنا مَقصود نافعٍ بحديثِه الأوَّل:
أنَّه لبَيانِ جَوازِ مُباغتةِ العَدُوِّ، بما يعني بلوغ الدَّعوة قبلُ فرفضوها؛ ولم يعنِ نافعٌ أنَّ المُغارَ عليهم لم تَبلغهم قطُّ! ولا خَطَر ببالِه أنَّ التَّبليغ مَنسوخٌ وُجوبُها بالمرَّة ولو لم تبلغهم!
فمَن ذا يجرُؤ على قولِ مثل هذا إلَّا جاهل بأصولِ الدِّين، فضلًا عن فروعِه؟!
إنَّ استشهادَ نافعٍ على جوابِه بما جَرَى لبني المُصطلقِ لكونهم أوضحَ شاهدٍ استحضَرَه في جوابه لتلك المسألة، إذ كانوا قَرِيبي ديارٍ مِن المدينةِ، وكان قتالهم
стр. 1213
في شعبانَ سنة خمسٍ للهجرةِ (١)، أي بعد أن بَلَغَتهم الدَّعوة؛ فلأنَّهم تَحقَّقوا بما يُدعَون إليه ناصَبوا المسلمينَ العَداوةَ حتَّى حارَبوهم، فاستحقُّوا بهذا القِتالَ (٢)، مِن غير لزومِ تكرارِ دعوةٍ خاصَّة.
هذا حاصل جوابِ نافعٍ لِمن سَأَله عن لزومِ الدَّعوةِ قبل كلِّ مُواجهةٍ مطلقًا، أي أنَّ استدلاله بما حدَّثه به ابن عمر ﵁ هو على عدمِ اطِّرادِ ذلك في كلِّ زَمَنٍ وحالٍ مع كلِّ قومٍ كما كان أوَّل الإسلام.
فكان التَّمَهُّل في فهْمِ الحديثِ على وجِهِه لنعمةً تُغنِينا عن تخطئةِ عَلَمٍ ثِقةٍ فقيهٍ، كمثلِ نافعٍ في رُتبتِه وفضلِه، ناهيك عن نَبْزِ (الغزاليِّ) لروايتِه بالاهتزازِ! فضلًا عن تشنيعِه على المُحدِّثين قِلَّة فَهمِهم حين قَبِلوا روايتَه! مع أنَّ مَن يُفضِّلُهم مِن الفقهاءَ مجمعون على قَبولِها والاحتجاجِ بها في أحكامِهم!
إنَّما اشتبَهَ الفهمُ على (الغزاليِّ) لما في ظاهرِ كلامِ نافعٍ مِن بَدءِ النَّبي ﷺ لقتالِ بني المُصطلقِ دون دعوةٍ، فظنَّ أنَّ نافعًا يَستدلُّ بهذا المُجمَلِ على تَرْكِ الدَّعوة مطلقًا! وقد علمتَ أنَّ نافعًا مِن هذا الفَهمِ بَراء، ومثله لا يجهلُ ما كان بين الفَرِيقَينِ مِن حَربٍ وعَدواةٍ.
فلأنَّ العِلمَ بهذه الحالِ كان شائعًا في السَّائلِ وغيره مِن حملَةِ العلمِ زمَنَ نافعٍ: اختصرَ نافعٌ تفاصيلَ هذه الغَزوةِ وأسبابَها، واكتفَى مِن ذلك بما يصلُح شاهدًا على جوابِه للسَّائل، المُفيدِ لعَدمِ لزومِ تكرارِ دعوةِ مَن قد بلغته الدَّعوةُ فرَفضَها، فضلًا عمَّن جاهَرَ بحربِها كبَني المُصطلق، وأنَّ الدَّعوة إنَّما كانت لازمةً لكلِّ قبيلةٍ أوَّل الإسلام في المدينةِ، حيث كان صوتُ الدَّعوةِ الخارجيِّ خافتًا، لا تكادُ تسمعه قبائلُ العرب، والله تعالى أعلم.
المَطلب الأوَّل
سَوق حديثِ العُرَنيِّين
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قدِم أناسٌ من عُكْل أو عُرَينة، فاجْتَووا (١) المدينةَ، فأَمَرهم النَّبي ﷺ بلِقاحٍ، وأن يشربوا مِن أبوالِها وألبانِها، فانطلقوا، فلمَّا صحُّوا، قَتَلوا راعي النَّبي ﷺ ، واستاقوا النَّعَم.
فجاءَ الخبرُ في أوَّل النَّهار، فبَعَث في آثارِهِم، فلمَّا ارتفع النَّهار جِيء بهم، فأَمَر فقَطع أيديهم وأرجلهم، وسُمِرت أعينهم (٢)، وأُلقوا في الحَرَّة يَسْتَسقون فلا يُسقون»، قال أبو قلابة: «فهؤلاء سَرَقوا وقتلوا، وكَفروا بعد إيمانهم، وحاَربوا الله ورسولَه»، متَّفق عليه (٣).
وقال قتادة: فحدَّثني محمَّد بن سيرين: «أنَّ ذلك كان قبل أن تُنزَّل الحدود» (٤).
стр. 1216
المطلب الثَّاني
سَوْق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ
لحديثِ العُرَنيِّين
مُجمل ما أجلبه المُنكِرون على الحديثِ مِن شبهاتٍ يَتلخَّص في مُعارَضتين:
الأولى: أنَّ في ما نُسِب إلى فعلِ النَّبي ﷺ بمَن قَتل الرَّاعي وسَرق الإِبلَ قدرًا كبيرًا مِن الوحشيَّة، ومجاوزة الحدِّ في العقوبة، ممَّا يُنزَّه ﷺ عن مثله، حيث يكفي قتلهم دون تمثيلٍ بهم.
وفي تقرير هذا الاعتراض، يقول (ابن قِرناس): «لو سَلَّمنا بهذا؛ فإنَّنا نقول بأنَّ الرَّسول يُصَيِّر أحكامَ الشَّرع بناءً على رغباتِه الشَّخصيَّة!
فهو مَثَّل بمن سَرق إِبلَه، وقَتَل راعِيَه، دون أن يَستند في حكمِه على حكمٍ قرآنيٍّ، لأنَّ القرآن يخلو مِن أيِّ حكمٍ على البَشرِ بالحَرقِ والتَّكحيلِ والتَّمثيلِ لمِن يقتل الرَّاعي، في الوقتِ الَّذي يورد المحدِّثون أحاديث تُنسب للرَّسول نهيه عن الحرقِ بالنَّار ..
ورهط عُكَل إن كانوا قتلوا راعي الرَّسول، فيُحكم عليهم بحدِّ القتل الوارد في سورة البقرة .. ويكون حَدُّ القاتل القتل فقط» (١).
стр. 1217
ويقول (عبد الأمير الغول): «إن هذه الأخبار دالَّة على المُثلَة، ووَليُّ الأمَّة لا يجوز له قطع أيدي وأرجُل القاتل، وإسمال عينيه، بل له قتله فقط، والمُثلة ممَّا نهى عنها النبَّي ﷺ ، ولو بالكلب العَقور» (١).
المعارضة الثَّانية: أنَّ الاستشفاءَ بأبوالِ الإبل لو كان نافعًا، لمَا غابَ ذلك عن المختصِّين من أهل الصَّيدلة المعاصِرِين، فـ «لا يُعقَل أن يكون في بولِها مادَّة الشِّفاءِ للأمراض، ثمَّ يُخفي الله هذه الفائدة على علماء الطِّب مِن النَّاس» (٢).
стр. 1218
المطلب الثَّالث
دفع المُعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ
عن حديث العُرنيِّين
أمَّا دعوى المعترض في شُبهتِه الأولى: من كونِ ما جاء في الحديث من عقوبةٍ نبويَّةٍ فيها قدرٌ كبير من الوَحشية، ومخالفةِ القرآن .. إلخ:
فليس في الحديث ما توهَّمه مِن مجاوزةِ الحَدِّ في عقوبةِ العُرَنيِّين -حاشاه ﷺ من ذلك- فإنَّ لهؤلاءِ حُكمًا فوق كونِهم مجرَّد قَتلة، فإنَّهم مع قتلِهم رَوَّعوا المسلمين، و «قَطعوا الطَّريقَ، واسْتَاقوا الإِبل، وقَتلوا الرُّعاة، فجَنوا جِناياتٍ عديدةٍ.
ومَعلوم بالقرآنِ أنَّ في مثلِ هذا الخِيارُ إلى الإمامِ: إن شاء جَمع الأجزِيةَ، وإن شاءَ اكتفى بالقتلِ» (١)، فكان أن اختارَ نبيُّنا ﷺ الأوَّل، إذنًا أُوحيَ إليه به، أو فهِمَه مِن مُجمل نصوصِ الشَّريعة، سياسةً منه سائغة، فأُقرَّ على ذلك، فقَطَّع أيديَ هؤلاءِ المُحتَرِبين وأرجلَهم مِن خِلافٍ، نَكالًا لهم، وزجرًا لغيرهم.
وقد أقرَّه الله تعالى على فعلِه هذا، بأن جَعَله حَدَّ الحرابَة في آيةٍ مِن كتابه، بصريحِ قول أنس ﵁ وهو الرَّاوي للحديث (٢)، والآيةُ قول الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ
стр. 1219
تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣].
فهذا في حقِّ عقابِ النَّبي ﷺ لمن تَلبَّس بجُرم الحرابة.
أمَّا ما ورد من سَمْلِه لأعين العُرنيِّين بالنَّار:
فإنَّما فَعَل بهم ذلك قَصاصًا، كما في روايةٍ أخرى لأنس: «إنَّما سَمَل النَّبي ﷺ أعيُن أولئك، لأنَّهم سَمَلوا أعين الرُّعاء» (١).
وفي تقرير هذا التَّخريجِ للفعل النَّبويِّ، يقول ابن حزم: «كان ما زادَه رسول الله ﷺ على القطعِ مِن السَّمْل، وتركهم لم يحسِمهم (٢) حتَّى ماتوا: قصاصًا بما فعلوا بالرِّعاء .. ».
ثمَّ أورَد بإسنادِه روايةَ أنس ﵁ في السَّمْل، وقال:
« .. فصَحَّ ما قُلناه مِن أنَّ أولئك العُرنيِّين اجتمعت عليهم حقوق: منها المُحاربة، ومنها سملُهم أعين الرُّعاء، وقتلهم إيَّاهم، ومنها الرِّدة.
فوَجَب عليهم إقامةُ كلِّ ذلك، إذْ ليس شيءٌ مِن هذه الحدود أوجبَ بالإقامة عليهم مِن سائرها، ومَن أسقط بعضها لبعضٍ فقد أخطأ، وحَكَم بالباطل، وقال بلا برهان، وخالف فعل رسول الله ﷺ ، وتَرَك أمرَ الله تعالى بالقَصاص في العدوان بما أمره به في المُحاربة.
فقَطَعهم رسول الله ﷺ للمُحاربة، وسمَلَهم للقَصاص، وتَرَكهم كذلك حتَّى ماتوا يستسقون فلا يُسقون حتَّى ماتوا، لأنَّهم كذلك قتلوا هم الرُّعاء، فارتفع الإشكال .. » (٣).
стр. 1220
وعلى التَّسليم للمُعترضِ بأنَّ هذا الفعل في ذاتِه مُثلة لا تجوز مطلقًا، فنقول:
إنَّ النَّبي ﷺ إمَّا أن يكون فعَلَه قبل أن يُوحَى له بنسخِ ذلك والنَّهي عنه: ودليل هذا ما جاء عن قتادة بعد روايتِه للحديث قال: «بَلَغَنا أنَّ النَّبي ﷺ بعد ذلك كان يحثُّ على الصَّدَقة، وينهى عن المُثْلَة» (١)، ونقله عن ابنِ سيرين قال: «أنَّ ذلك كان قبل أن تُنزَّل الحدود» (٢).
وإلى هذا مَيْلُ البخاريِّ (٣)، وحكاه الجُوينيُّ عن الشَّافعي (٤).
وإمَّا على القولِ بعدم ورود دليلٍ على النَّسخِ: فيكون فِعلُ النَّبي ﷺ مِن بابِ المماثلةِ في القَصاصِ لا غير، استصحابًا منه للأصل القرآنيِّ في قولِ ربِّنا: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، فيكون مُستثنى مِن المُثلة المَنهيِّ عنها (٥).
وسواء قلنا بهذا القول أو ذاك، يسلمُ الحديث مِن تشنعياتِ المعترضِين ولله الحمد.
أمَّا دعوى المُنكرِ في المعارضةِ الثَّانية: بأنْ لو كانت أبوالُ الإبِل دواءً لبعض الأمراض، لمَا جهل ذلك أهل الطِّب الحديث، فيُقال لأمثالِه:
إنَّ جهله بعَدمِ ذلك ليس عِلمًا بالعَدم! وجهلُه لاحقٌ بنوعِ المُرَكبِّ! لأنَّ الطِّبِ الحديث قد أثبتَ بعد تجارب وكشوفاتٍ مِخبريَّةٍ عديدةٍ، في عِدَّة كليَّاتٍ طبيَّة عَربيَّة وغربيَّة: أنَّ لبولِ الإبل فَعاليَّةً كبيرةً في علاجِ أمراضِ كثيرةٍ، منها: الاستسقاء، وتَليُّف الكبِد، وأمراضِ الكِلى المُستعصية، وإيقافه لتكاثر الخلايا
стр. 1221
السَّرطانيَّة في الجهازين الهضميِّ والتَّنفُّسي، وقضائه على الفطريَّات والبكتيريا الجلديَّة، وغيرها من الأمراض (١).
وليس في الحديث أنَّها تَشفي كلَّ مرض -كما ادَّعاه المُعترض- ولا ذكرًا تفصيليًّا لنوعِ الأمراضِ المَحدودة التَّي تُعالجها، ولا نوع الإبل، أو قُوتُها الَّذي يرشُح عنه هذا البولُ العلاجيُّ؛ فكلُّ هذا مَوكولٌ للأطبَّاء في اكتشافِه وتجربتِه؛ والله المُوفِّق للحقِّ.
المَطلب الأوَّل
سَوْق حديثِ أَمْرِه ﷺ بقتلِ المُتَّهَم بأمِّ ولدِه
عن أنس ﵁ أنَّ رَجلًا كان يُتَّهَم بأمِّ وَلَدِ رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ لعَليٍّ ﵁: «اِذهب فاضْرِب عُنُقَه»، فأتاه عليٌّ، فإذا هو في رَكِيٍّ (١) يَتبَرَّد فيها، فقال له عليٌّ: اُخرُج، فناوَلَه يدَه فأخرَجه، فإذا هو مَجْبوبٌ ليس له ذَكَر! فكَفَّ عليٌّ عنه، ثمَّ أتَى النَّبيَّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنَّه لمَجبوب ما له ذَكَر.
стр. 1224
المَطلب الثَّاني
سَوْق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ
لحديث أمْرِه ﷺ بقتلِ المُتَّهم بأمِّ ولدِه
فقد أشكل على جملةٍ مِن الكُتَّابِ المعاصرينَ فهمُ هذا القضاءِ النَّبويِّ الشَّريف في الحديث، فأوغَلوا في التَّشنيعِ على راويه؛ إذْ كيف يأمرُ عندهم مثلُ رسول الله ﷺ بضَربِ عُنقِ رجلٍ، ولم يكن ثمَّة مُوجِبٌ للقَتلِ؟ ومِن دون أن تتَحقَّق تُهمة الزِّنا، لا بوحيٍ، ولا بِبَيِّنة، ولا بإقرار؟! ليَظهرَ بعدُ كذبُ هذا الظَّن في المَتهومِ.
وفي تقريرِ هذا الاعتراض، يقول (محمَّد الغزالي):
«يَستحيل أن يحكُمَ على رجلٍ بالقتلِ في تهمةٍ لم تُحقَّق، ولم يُواجه المُتَّهم، ولم يُسمَع له دفاعٌ عنها، بل كشَفَت الأيَّام عن كذبها!
وقد حاول النَّووي -غفَرَ الله لنا وله! - تسويغَ هذا الحكم، بقولِه: لعَلَّ الرَّجلَ كان مُنافقًا مُستحقًّا للقتل لسَببٍ آخر! ونقول: مَتَى أمَرَ رسولُ الله بقتلِ المنافقين؟ ما وَقَع ذلك منه! بل لقد نَهى عنه.
وظاهرٌ مِن السِّياق أنَّ الرَّجل نَجا مِن القتلِ بعد ما تَبيَّن مِن العاهة الَّتي به استحالةُ توجيهِ الاتِّهامِ إليه، أفَلَوْ كان سَليمًا أُبيح دَمُه؟ هذا أمرٌ تأباه أصول
стр. 1225
الإسلام وفروعه كلُّها؛ إنَّ بالحديثِ عِلَّةً قادحة، وهي كافية في سَلْبِ وصفِ الصِّحةِ عنه، وأهلُ الفقهِ لا أهلُ الحديث هم الَّذين يَردُّون هذه المَرويَّات» (١).
ويزيد (جعفر السُّبحاني) في هذا الاعتراضِ قائلًا: «هل كان النَّبي ﷺ قائمًا على البيِّنة، أو على علمِه الشَّخصي؟ .. لماذا لم يُعزِّر البيِّنةَ الكاذبةَ، مع أنَّ شاهد الزُّورِ يُعَزَّر؟!» (٢).
стр. 1226
المَطلب الثَّالث
دَفعُ المُعارضاتِ الفِكريَّةِ المُعاصرةِ
عن حديث أمرِه ﷺ بقتلِ المُتَّهم بأمِّ وَلدِه
لكيْ نَتحَقَّق الحكمةِ مِن أمرِ النَّبي ﷺ شرعًا وعرفًا، لا بدَّ أوَّلًا مِن تَبيُّنِ المُلابَساتِ الَّتي اكتنفت هذه القضيَّة، واستحضارِ سائرِ الرِّواياتِ في هذه الواقعةِ، لينكشفَ بذلك ما أُجمِل في تلك الرِّوايةِ المختصرة عند مسلم، وليُعلَم وجهُ الحقِّ فيما ابتدأه النَّبي ﷺ مِن إجراءٍ في القضيَّة، فنقول:
المُراد بأمُّ وَلَد رسولِ الله ﷺ في الحديث: ماريَّة أمُّ إبراهيم، الَّتي أهداها له المُقَوقِس صاحبُ الإسكندريَّة سنةَ سبعٍ مِن الهجرة (١)، ومَعَها أختُها سِيرين، وكانت ماريَّة نَزَلْت في عالِيةِ المدينة، وكان رَجلٌ مِن القِبْط ابنِ عَمٍّ لها (٢) يَتَردَّد إليها، ويَتَحدَّث إليها بحكمِ القَرابةِ والمَحْتِد.
فتَكلَّم حينها بعضُ النَّاسِ في فعلِه، وشَنَّعوا صورةَ ذلك.
وكان هو نصرانيًّا، ولم يأتِ أنَّه أسْلَم، حتَّى قال النَّاس: عِلْجٌ يدخُل على عِلْجَة! (٣) مع ما عُلِم مِن اختلاطِه إليها في الجُملة (٤)، فاستدَلَّ رسول الله ﷺ على هَتْكِه حُرمةَ بيتِ النُّبوَّة بنَقْضِهِ العَهْدَ (٥).
стр. 1227
والله سبحانه حافظٌ لأوامرِ رسولِه ﷺ ، فلا يَقَع شيءٌ منها غَلَطًا، فإنَّه مَحفوظٌ مَعصوم؛ فإذا أَمَرَ بشيءٍ على قضيَّةٍ تَستدعي ذلك الأمرَ بموجِبِ الحقِّ، وإن كان في باطنِ تلك القضيَّة ما لو عَلِم به رسول الله ﷺ لغَيَّر ذلك الأمر: جَعَل الله الأقدارَ حائلةً دون إنفاذِ ذلك المقَدَّم، حتَّى تُكشَف له ﷺ عن عواقبِ الأمورِ (١)؛ وهذا عينُ ما جَرى في هذه القَضيَّة!
وذلك: أنَّه لمَّا نَظرَ عليٌّ ﵁ في حالِ ذلك الإنسانِ، وَجَدَه مَجبوبًا، «وأظهرَ الله مِن حالِ المَرْميِّ أنَّه حَصور، كلُّ ذلك مُبالغةً في صِيانةِ حَرَمِ رسولِ الله ﷺ ، وإظهارًا لتكذيبِ مَن تَفَوَّهَ بشيءٍ مِن ذلك» (٢)؛ ولعلَّه لو رآه وعليه ثيابَه، وصَدَر منه ما يُضفي علىه لِباسَ التُّهمة: لم يَبِنْ لعَليٍّ ﵁ أنَّه مَجبوبٌ إلَّا بعد قتلِه.
فحفِظَ الله بهذا ذِمَّة رسوله ﷺ مِن أن يجري فيها غَلَط يُشبه الغَدر، كما حفِظَها مِن أن يَجري فيها حقيقةُ الغَدر (٣).
هذا؛ ومِمَّا يَكشِفُ غِشاوةَ الإشكالِ عن فهم هذا الحديثِ:
ما جاء في روايةٍ أخرى للحديثِ بَسيطة، بمَساقٍ أكملَ وأوضح لتصوُّرِ الحادثة مِن هذا اللَّفظ المختصرِ في «صحيح مسلم»، يقول فيها علي ﵁:
«كَثُر على مارية أمِّ إبراهيم ابنِ النَّبي ﷺ في قِبطيٍّ ابنِ عمٍّ لها، كان يزورها، ويختلِفُ إليها، فقال رسول الله ﷺ لي: «خُذْ هذا السَّيف، فانطلِقْ إليه، فإن وَجَدتَّه عندها فاقتُله»، فقلتُ: يا رسول الله، أكون في أمرِك إذْ أرسلْتَني كالسِّكَة المُحماة لا يُثنِيني شيء، حتَّى أمضي لمِا أرسلتني به؟ أو الشَّاهدُ يَرَى ما لا يَرى الغائبُ؟ قال: «بل الشَّاهدُ يَرى ما لا يَرى الغائب!».
يقول عليٌّ ﵁: فأقبلتُ مُتوشِّحًا السَّيف، فوجدتُه عندها، فاخترَطتُ السَّيفَ، فلمَّا أقبلتُ نحوَه، عَرَف أنِّي أريده، فأتى نخلةً فَرَقَى فيها، ثمَّ رَمَى
стр. 1228
بنفسِه على قَفاه، وشَغَر برجليه، فإذا هو أجبُّ أمْسَحُ! ما له ما للرِّجال قليلًا ولا كثيرًا، فأغمدتُّ سَيْفي، ثمَّ أتيتُ النَّبي ﷺ فأخبرتُه، فقال: «الحمد لله الَّذي يَصْرِفُ عنَّا أهلَ البيت» (١).
قال أبو العبَّاس القرطبيُّ: «هذا يَدلُّ على أنَّ أمرَه بقتلِه إنَّما كان بشرطِ أن يِجدَه عندها على حالةٍ تَقْتَضي قتلَه، ولمَّا فَهِمَ عنه علي ﵁ ذلك سَأَله، فبيَّن له بَيانًا شافيًا، فزالَ ذلك الإشكال» (٢).
فبهذا يَتبيَّن: أنَّ هذا الرَّجل كان أَمَرَ النَّبي ﷺ بضَرْبِ عُنِقِه لمِا قد استحَلَّ مِن حُرمَتِه، لكن اشترطَ أن يجِدَه عند بيتِه على حالةٍ تَقتضي نقضَ عهدِه (٣)، ولذا بَعَث عليًّا ﵁ ليَرَى القصَّةَ، فإن كان ما بَلَغَه عنه حَقًّا قتَلَه، ولهذا قال ﵁ في حديثه: «أكونُ كالسِّكة المُحماة، أم الشَّاهد يَرى ما لا يَرى الغائب .. »؛ والأمرُ وإن كان مجرَّدَ تُهمةٍ، لكنَّها في جانبِ حَرَمِ النَّبي ﷺ جناية.
وليس أمره بقتلِه إقامةٌ لحدِّ الزِّنا، كما غلِط المُعترض في فهمِه، «لأنَّ إقامةَ حدِّ الزِّنا ليس هو ضرب الرَّقبة، بل إن كان مُحصَنًا رُجِم، وإن كان غير مُحصَنٍ جُلِد، ولا يُقامُ عليه الحدُّ إلَّا بأربعةِ شُهداء، أو بالإقرارِ المُعتَبرِ.
لكن لمَّا تَبيَّن أنَّه كان مَجبوبًا، عُلِم أنَّ المفسدَةَ مأمونةٌ منه بالمَرَّة» (٤).
ولو كان ما أَمَرَ به النَّبي ﷺ قضاءً مُبْرَمًا بالقتلِ، لمَا أوَكل إلى عليٍّ ﵁ إعمالَ نَظرِه في الحكمِ المُستحَقِّ، كما هو ظاهر من قوله: « .. بل الشَّاهد يَرى ما لا يَرى الغائب»، والرُّؤية هنا «أرادَ بها رؤيةَ القلبِ، لا رؤيةَ العَيْن! أي: أنَّ
стр. 1229
الشَّاهِدَ يَتبيَّن له مِن الرَّأيِ والنَّظرِ في الأمرِ، ما لا يَظهر للغائبِ، لأنَّ الشَّاهدَ للأمرِ يَتَّضح له ما لا يَتَّضح للغائب» (١).
وهذا ما جرى على وفقِه عليٍّ ﵁، حيث إنَّه لمَّا انكشَفَ له أنَّه مَجبوب، لم يَتَعرَّض له بالقتل، لأنَّه عَلِم أنَّ ذلك الإنسانَ لم يحمِله على إتيانِ بيتِ رسول الله ﷺ ، «إلَّا عِلْمُه بنفسِه أنَّه لا يُتَّهَم لكونِه مَجبوبًا، فغَلِط على نفسِه، ولو فهِم أنَّه لا يَكفي براءةُ الإنسان عند نفسِه، حتَّى تكونَ براءتُه عند غيرِه ظاهرةً مَعلومةً: لم يَفعلْ ذلك» (٢)، كقولِ النَّبي ﷺ لمِن رَآه مع زوجِه صَفيَّة ﵂ ليلًا: «على رِسلِكما؛ إنَّها صَفيَّة بنت حُيَّي .. » (٣).
فالحمد لله الَّذي يَصْرِفُ عن أهلِ بيتِه الظُّنونَ، كما يردُّ عن سُنَّتِه الطُّعونَ.
стр. 1230
المَبحث التَّاسع
نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديثِ دعاء النَّبي ﷺ بالخيرِ لِمَن آذاه أو لَعنه مِن المسلمين