المَطلب الثَّالث
دَفعُ المُعارضاتِ الفِكريَّةِ المُعاصرةِ
عن حديث أمرِه ﷺ بقتلِ المُتَّهم بأمِّ وَلدِه
لكيْ نَتحَقَّق الحكمةِ مِن أمرِ النَّبي ﷺ شرعًا وعرفًا، لا بدَّ أوَّلًا مِن تَبيُّنِ المُلابَساتِ الَّتي اكتنفت هذه القضيَّة، واستحضارِ سائرِ الرِّواياتِ في هذه الواقعةِ، لينكشفَ بذلك ما أُجمِل في تلك الرِّوايةِ المختصرة عند مسلم، وليُعلَم وجهُ الحقِّ فيما ابتدأه النَّبي ﷺ مِن إجراءٍ في القضيَّة، فنقول:
المُراد بأمُّ وَلَد رسولِ الله ﷺ في الحديث: ماريَّة أمُّ إبراهيم، الَّتي أهداها له المُقَوقِس صاحبُ الإسكندريَّة سنةَ سبعٍ مِن الهجرة (١)، ومَعَها أختُها سِيرين، وكانت ماريَّة نَزَلْت في عالِيةِ المدينة، وكان رَجلٌ مِن القِبْط ابنِ عَمٍّ لها (٢) يَتَردَّد إليها، ويَتَحدَّث إليها بحكمِ القَرابةِ والمَحْتِد.
فتَكلَّم حينها بعضُ النَّاسِ في فعلِه، وشَنَّعوا صورةَ ذلك.
وكان هو نصرانيًّا، ولم يأتِ أنَّه أسْلَم، حتَّى قال النَّاس: عِلْجٌ يدخُل على عِلْجَة! (٣) مع ما عُلِم مِن اختلاطِه إليها في الجُملة (٤)، فاستدَلَّ رسول الله ﷺ على هَتْكِه حُرمةَ بيتِ النُّبوَّة بنَقْضِهِ العَهْدَ (٥).
стр. 1227
والله سبحانه حافظٌ لأوامرِ رسولِه ﷺ ، فلا يَقَع شيءٌ منها غَلَطًا، فإنَّه مَحفوظٌ مَعصوم؛ فإذا أَمَرَ بشيءٍ على قضيَّةٍ تَستدعي ذلك الأمرَ بموجِبِ الحقِّ، وإن كان في باطنِ تلك القضيَّة ما لو عَلِم به رسول الله ﷺ لغَيَّر ذلك الأمر: جَعَل الله الأقدارَ حائلةً دون إنفاذِ ذلك المقَدَّم، حتَّى تُكشَف له ﷺ عن عواقبِ الأمورِ (١)؛ وهذا عينُ ما جَرى في هذه القَضيَّة!
وذلك: أنَّه لمَّا نَظرَ عليٌّ ﵁ في حالِ ذلك الإنسانِ، وَجَدَه مَجبوبًا، «وأظهرَ الله مِن حالِ المَرْميِّ أنَّه حَصور، كلُّ ذلك مُبالغةً في صِيانةِ حَرَمِ رسولِ الله ﷺ ، وإظهارًا لتكذيبِ مَن تَفَوَّهَ بشيءٍ مِن ذلك» (٢)؛ ولعلَّه لو رآه وعليه ثيابَه، وصَدَر منه ما يُضفي علىه لِباسَ التُّهمة: لم يَبِنْ لعَليٍّ ﵁ أنَّه مَجبوبٌ إلَّا بعد قتلِه.
فحفِظَ الله بهذا ذِمَّة رسوله ﷺ مِن أن يجري فيها غَلَط يُشبه الغَدر، كما حفِظَها مِن أن يَجري فيها حقيقةُ الغَدر (٣).
هذا؛ ومِمَّا يَكشِفُ غِشاوةَ الإشكالِ عن فهم هذا الحديثِ:
ما جاء في روايةٍ أخرى للحديثِ بَسيطة، بمَساقٍ أكملَ وأوضح لتصوُّرِ الحادثة مِن هذا اللَّفظ المختصرِ في «صحيح مسلم»، يقول فيها علي ﵁:
«كَثُر على مارية أمِّ إبراهيم ابنِ النَّبي ﷺ في قِبطيٍّ ابنِ عمٍّ لها، كان يزورها، ويختلِفُ إليها، فقال رسول الله ﷺ لي: «خُذْ هذا السَّيف، فانطلِقْ إليه، فإن وَجَدتَّه عندها فاقتُله»، فقلتُ: يا رسول الله، أكون في أمرِك إذْ أرسلْتَني كالسِّكَة المُحماة لا يُثنِيني شيء، حتَّى أمضي لمِا أرسلتني به؟ أو الشَّاهدُ يَرَى ما لا يَرى الغائبُ؟ قال: «بل الشَّاهدُ يَرى ما لا يَرى الغائب!».
يقول عليٌّ ﵁: فأقبلتُ مُتوشِّحًا السَّيف، فوجدتُه عندها، فاخترَطتُ السَّيفَ، فلمَّا أقبلتُ نحوَه، عَرَف أنِّي أريده، فأتى نخلةً فَرَقَى فيها، ثمَّ رَمَى
стр. 1228
بنفسِه على قَفاه، وشَغَر برجليه، فإذا هو أجبُّ أمْسَحُ! ما له ما للرِّجال قليلًا ولا كثيرًا، فأغمدتُّ سَيْفي، ثمَّ أتيتُ النَّبي ﷺ فأخبرتُه، فقال: «الحمد لله الَّذي يَصْرِفُ عنَّا أهلَ البيت» (١).
قال أبو العبَّاس القرطبيُّ: «هذا يَدلُّ على أنَّ أمرَه بقتلِه إنَّما كان بشرطِ أن يِجدَه عندها على حالةٍ تَقْتَضي قتلَه، ولمَّا فَهِمَ عنه علي ﵁ ذلك سَأَله، فبيَّن له بَيانًا شافيًا، فزالَ ذلك الإشكال» (٢).
فبهذا يَتبيَّن: أنَّ هذا الرَّجل كان أَمَرَ النَّبي ﷺ بضَرْبِ عُنِقِه لمِا قد استحَلَّ مِن حُرمَتِه، لكن اشترطَ أن يجِدَه عند بيتِه على حالةٍ تَقتضي نقضَ عهدِه (٣)، ولذا بَعَث عليًّا ﵁ ليَرَى القصَّةَ، فإن كان ما بَلَغَه عنه حَقًّا قتَلَه، ولهذا قال ﵁ في حديثه: «أكونُ كالسِّكة المُحماة، أم الشَّاهد يَرى ما لا يَرى الغائب .. »؛ والأمرُ وإن كان مجرَّدَ تُهمةٍ، لكنَّها في جانبِ حَرَمِ النَّبي ﷺ جناية.
وليس أمره بقتلِه إقامةٌ لحدِّ الزِّنا، كما غلِط المُعترض في فهمِه، «لأنَّ إقامةَ حدِّ الزِّنا ليس هو ضرب الرَّقبة، بل إن كان مُحصَنًا رُجِم، وإن كان غير مُحصَنٍ جُلِد، ولا يُقامُ عليه الحدُّ إلَّا بأربعةِ شُهداء، أو بالإقرارِ المُعتَبرِ.
لكن لمَّا تَبيَّن أنَّه كان مَجبوبًا، عُلِم أنَّ المفسدَةَ مأمونةٌ منه بالمَرَّة» (٤).
ولو كان ما أَمَرَ به النَّبي ﷺ قضاءً مُبْرَمًا بالقتلِ، لمَا أوَكل إلى عليٍّ ﵁ إعمالَ نَظرِه في الحكمِ المُستحَقِّ، كما هو ظاهر من قوله: « .. بل الشَّاهد يَرى ما لا يَرى الغائب»، والرُّؤية هنا «أرادَ بها رؤيةَ القلبِ، لا رؤيةَ العَيْن! أي: أنَّ
стр. 1229
الشَّاهِدَ يَتبيَّن له مِن الرَّأيِ والنَّظرِ في الأمرِ، ما لا يَظهر للغائبِ، لأنَّ الشَّاهدَ للأمرِ يَتَّضح له ما لا يَتَّضح للغائب» (١).
وهذا ما جرى على وفقِه عليٍّ ﵁، حيث إنَّه لمَّا انكشَفَ له أنَّه مَجبوب، لم يَتَعرَّض له بالقتل، لأنَّه عَلِم أنَّ ذلك الإنسانَ لم يحمِله على إتيانِ بيتِ رسول الله ﷺ ، «إلَّا عِلْمُه بنفسِه أنَّه لا يُتَّهَم لكونِه مَجبوبًا، فغَلِط على نفسِه، ولو فهِم أنَّه لا يَكفي براءةُ الإنسان عند نفسِه، حتَّى تكونَ براءتُه عند غيرِه ظاهرةً مَعلومةً: لم يَفعلْ ذلك» (٢)، كقولِ النَّبي ﷺ لمِن رَآه مع زوجِه صَفيَّة ﵂ ليلًا: «على رِسلِكما؛ إنَّها صَفيَّة بنت حُيَّي .. » (٣).
فالحمد لله الَّذي يَصْرِفُ عن أهلِ بيتِه الظُّنونَ، كما يردُّ عن سُنَّتِه الطُّعونَ.
стр. 1230
المَبحث التَّاسع
نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديثِ دعاء النَّبي ﷺ بالخيرِ لِمَن آذاه أو لَعنه مِن المسلمين
стр. 1231
المَطلب الأوَّل
سَوْق حديثِ دعاء النَّبي ﷺ
بالخيرِ لِمَن آذاه أو لَعنه مِن المسلمين
عن أبي هريرة ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ قال: «اللَّهم إنِّي أتِّخذُ عندك عهدًا لن تُخلِفَنيه، فإنَّما أنا بَشر: فأيُّ المؤمنين آذيته، شَتَمته، لَعنته، جَلدته، فاجعلْها له صلاةً وزكاةً، وقُربةً تُقرِّبه بها إليك يومَ القيامة» (١).
стр. 1232
المَطلب الثَّاني
سَوْق المُعارضات الفكريَّةِ المُعاصرةِ
لحديثِ دعاءِ النَّبي ﷺ بالخير لِمَن آذاه أو لَعَنه
حاصلُ ما أورده المخالفون على هذا الحديث في المعارضةِ التَّالية:
أنَّ الحديث يُوحِي بأنَّ النَّبي ﷺ يَستفزُّه غضبُه، فيلعنَ النَّاسَ ويُؤذيهم مِن غير عذرٍ مُوجِب، وهذا عينُ الظُّلم، وفيه مَنقصةٌ لمَقامِه وعصمتِه.
وفي تقرير هذا الاعتراض، يقول (عبد الحسين الموسوِيُّ): «قد عَلِم البَرُّ والفاجر، والمؤمن والكافر، أنَّ إيذاء مَن لا يستحقُّ مِن المؤمنين، أو جلدَهم، أوسبَّهم، أو لعنَهم على الغضبِ: ظلمٌ قبيح، وفسقٌ صريح، يربأ عنه عدول المؤمنين، فكيف يجوز على سيِّد النَّبييِّين، وخاتم المرسلين؟!» (١).
ويؤيِّد (جعفر السُّبحاني) هذا الاعتراض بقوله: «إنَّ صدورَ السَّب واللَّعن والجلد لا يخلو عن حالتين:
الأولى: أن يكون المَسبوب والمَجلود والمَلعون مُستحقًّا لذلك الفعل، .. ومثل هذا لو جاز، لا يحتاج إلى الاعتذار كما هو ظاهر الحديث، ولا يحتاج إلى أن يقول: إنَّما أنا بَشر؛ مثلها ما إذا لم يكن مُستحقًّا لذلك عند الله وفي واقع الأمر، ولكن قامت الأمارة الشَّرعيَّة على الاستحقاق في الظَّاهر، والنَّبي ﷺ مَأمور بالحكم بالظَّاهر والله يَتولَّى السَّرائر.
стр. 1233
الثَّانية: ما إذا لم يكُن هناك مُسوِّغ لهذه الأعمال، لا واقعًا ولا ظاهرًا، وإنَّما قام الفاعل بذلك مُتأثِّرًا عن قوى حيوانيَّة، وهذا هو المُتبادر من الرِّواية، بشهادة قوله: «إنَّما أنا بَشر»، ولازم ذلك أن يكون ﷺ فاحشًا، ولعَّانًا، وسبَّابًا .. » (١).
стр. 1234
المَطلب الثَّالث
دفع المُعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ
عن حديثِ دعاء النَّبي ﷺ لِمَن آذاه أو لَعنه مِن المسلمين
أمَّا ما أبداه المخالفون من دعوى معارضةِ الحديث لمقامِ النُّبوة، فجوابه:
أنْ لم يحصُل أن سَبَّ النَّبي ﷺ أو لَعَن أو جَلَد مَن لا يستحقُّ ذلك في ظاهرِ الأمرِ، حاشاه مِن ذلك! فهو المَبعوث رحمةً لهم، وقيامًا بالعدلِ بينهم؛ كلُّ ما في الأمر: أنَّه قد يظهر له ﷺ استحقاقُ ذلك منه على مَن وَقَع عليه، ويكون في باطنِ الأمرِ غير مُستحقٍّ له، وهذا الظَّاهر مِن قوله ﷺ : «أيُّما أحدٍ دَعَوتُ عليه مِن أمَّتي بدعوةٍ ليس لها بأهلٍ .. » (١).
وفي تقرير هذه الحقيقة، يقول المازَريُّ:
«المُراد بقولِه: «ليس لها بأهلٍ»: عندك في باطنِ أمرِه، لا على ما يظهر إليه ﷺ ممَّا تقتضيه حالتُه وجنايتُه حين دعائِه عليه، فكأنَّه ﷺ يقول: مَن كان باطنُ أمرِه عندكَ أنَّه مِمَّن تَرضى عنه، فاجعَلْ دعوتي عليه الَّتي اقتضاها ما ظَهَر إليَّ مِن مُقتضى حالِه حينئذٍ طهورًا وزكاةً، وهذا معنى صحيح لا إحالة فيه، وهو ﷺ مُتعبَّدٌ بالظَّواهر، وحسابُ النَّاس في البواطنِ على الله تعالى.
стр. 1235
فإن قيل: فما معنى قوله: «وأغضبُ كما يغضب البَشر»، وهذا يشير إلى أنَّ تلك الدَّعوة وَقَعت بحُكمِ سَوْرة الغَضب، لا على أنَّها مِن مُقتضى الشَّرع؟ ..
قيل: يحتمل أن يكون ﷺ أرادَ أنَّ دعوتَه عليه، أو سَبَّه، أو جلده، كان ممَّا خُيِّر بين فعلِه له عقوبةً للجاني، أو تركِه والزَّجْرِ له بما سِوى ذلك، فيكون الغضبُ لله سبحانه بَعَثه على لَعْنَتِه أو جلِده، ولا يكون ذلك خارجًا عن شَرْعِه، ولا مُوقِعًا له فيما لا يجوز.
ويحتمل أن يكون خَرَج هذا مَخرجَ الإشفاقِ منه ﷺ ، وتعليمِ أمَّتِه الخوفَ مِن تعدِّي حدودِ الله تعالى، فكأنَّه ﷺ يُظهِر الإشفاقَ مِن أن يكون الغَضبُ يحمِلُه على زيادةٍ يسيرةٍ في عقوبةِ الجاني، لولا الغَضبُ ما زادَها ولا أوقعَها، .. أو إشفاقًا منه ﷺ وإن لم يَقَع فيه» (١).
وأبدى القاضي عياض احتمالًا آخرَ قال فيه: « .. هو ﷺ لا يقولُ ولا يفعلُ في حالِ غضَبِه ورضاه إلَّا صِدْقًا وحقًّا، لكن غضبُه لله تعالى قد يحمِله على الشِّدة في أمرِه، وتعجيلِ عقوبةِ مُخالفِه، وتركِ ما قد أُبىح له مِن الإغضاءِ عنه والصَّفح، فقد جاء في الحديث: أنَّه ما انتقمَ لنفسِه قطُّ، إلَّا أن يُنتهَك حُرمة الله» (٢).
فعلى هذا؛ يكون معنى قوله ﷺ «ليس لها بأهلٍ»: أي مِن جِهة تَعيُّن التَّعجيل.
وأمَّا دعوى (السُّبحاني) أنَّ ما وَرد في الحديث إنْ صَدر منه ﷺ على مُستحَقٍّ، فلا حاجة معه إلى اعتذار .. إلخ:
فهذه سَوءةٌ من سَوءاتِ فهمه لكلام العرب، فليس في الحديث أيُّ اعتذار مِن الأساسِ! إنَّما فيه زيادة احتياطٍ منه ﷺ ورَعًا ووَجلًا أن يلقى الله تعالى بأدنى شُبهةِ حَقٍّ لأحدٍ في ذِمَّتِه.
стр. 1236
ولو كان في الحديث ما يَشِي بعدمِ استحقاقِ مَن وقع عليه لعنُه أو شتمُه أو جلدُه، لا في الظَّاهر، ولا في الباطنِ الَّذي في علمِ الله -كما يدَّعيه المعترض-: لكان أجدرَ بالنَّبي ﷺ في الحديث أن يستغفرَ ربَّه لنفسِه! ويُبديَ في لفظِه نَبراتِ الحُزن والنَّدمِ على ما فرَّط في حكمِه، لا المُشارطَةَ عليه تعالى، ثمَّ دُعاءِه لغيره، كما جاء في الحديث.
والحاصل أنَّ الحديث فيه مِن كمالِ شفقتِه ﷺ على أُمَّته، وجميلِ خُلقه، وكرم ذاتِه، حيث قَصَد مقابلةَ ما وَقعَ منه بالجبرِ والتَّكريم (١)، وهو خالٍ من أيِّ مَنقصةٍ للنَّبي ﷺ تغابى عليها المعترض، والحمد لله.
стр. 1237
المَبحث العاشر
نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث: «إنَّ أبي وأباك في النَّار»
стр. 1238
المَطلب الأوَّل
سَوْق حديثِ «إنَّ أبي وأباك في النَّار»
عن أنس ﵁ أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: «في النَّار»، فلمَّا قَفَّى (١) دعاه، فقال: «إنَّ أبي وأباك في النَّار». رواه مسلم (٢).
стр. 1239
المطلب الثَّاني
سَوْق المُعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِ
لحديثِ «إنَّ أبي وأباك في النَّار»
أُسُّ المعارضات الَّتي ألقى بها المخالفون في وجهِ الحديث: دعوى مدافعته للقرآنِ المُثبتِ لنجاةِ عمومِ أهلِ الفترةِ مِن العذابِ الأُخرويِّ، وأنَّ والدَ النَّبي ﷺ لا ريبَ عندهم مِن أولاءِ الَّذين شَمَلَتَهم تلك الآيات بالإعذار (١).
ففي تقرير هذا الاعتراض على الحديث، يقول (عبد الله بن الصِّديق الغُماري): «خبر الآحاد لا يُقَدَّم على القرآن الكريم .. وهذا الحديث بهذا اللَّفظ شاذٌّ مَردود، لمخالفتِه ما مَرَّ بيانه آنفًا -يعني: الآيات القرآنيَّة- .. » (٢).
ومحمَّد الأمين الشَّنقيطي (ت ١٣٩٣ هـ) -وإن لم يصرِّح هو بإنكار الحديث- يُفهَم مِن كلامِه النُّزوعُ إلى ردِّ دلالة الحديث بظواهرِ بعض آيات القرآن، فهو يجعلُ أبَوَي النَّبي ﷺ مِن أهلِ الفترة، وهم مَعذورون في الدُّنيا، لا يلحقهم عذابٌ فيها (٣)، فيقول في إثباتِ ذلك:
« .. قلتُ ما قلتُ اعتمادًا على نصٍّ مِن كتاب الله قطعيِّ المتن وقطعيِّ الدلالة، وما كُنْتُ لأرُدَّ نصًّا قطعيَّ المتنِ قطعيَّ الدلالة بنصٍّ ظَنيِّ المتن وظني
стр. 1240
الدلالة عند التَّرجيح بينهما؛ فهذا الحديث خبر آحاد، ومثله حديث أبي هريرة عند مسلم: «استأذنت ربِّي أنْ أزور أمِّي فأذِن لي، واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي»، ولكن أخبار الآحاد ظنيَّة المتن، فلا يُردُّ بها نصٌّ قرآنيُّ قطعيُّ المتن، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾؛ أي: ولا مُثيبين.
وهذا النصُّ قطعيُّ الدَّلالة، لا يحتمل غير ما يدلُّ عليه لفظهُ بالمطابقة، بخلاف حديث: «إنَّ أبي وأباك في النَّار»؛ فإنَّه ظنيُّ الدَّلالة؛ يحتمل أنَّه يَعني بقوله: «إنَّ أبي» عمَّهُ أبا طالب؛ لأنَّ العرب تسمي العَمَّ: أبًا، وجاء بذلك الاستعمالِ كتابُ الله العزيز .. والتَّحقيق في أَبَوي رسول اللَّه ﷺ أنَّهما مِن أهلِ الفترةِ .. » (١).
ثمَّ شرع في نفيِ عذابِ أهل الفترة بإطلاق، وسيأتي تفصيلُه.
فأمَّا (محمَّد الغزالي)؛ فكان الأجرأَ على الحَطِّ من الحديث، فعابَ -كعادته- على مَن تواردوا على قَبولِه قلَّةَ فقههِم في الدِّين! بل سوءَ أدَبِهم مع المقَام النَّبويِّ!
فتراه يقول: «قد سمعتُ بأُذني مَن يقول: الحديث صحيح، وهو يخصِّص عموم الآية، فأهل الفترة ناجون جميعًا -عَدَا عبد الله بن عبد المطلب .. ! - قلتُ له: ماذا فَعلَ حتَّى يستحقَّ وحده النَّار؟ كان عبد الله شابًا شريفًا عفيفًا حكى عنه التَّاريخ ما يَزينه! ولم يحك عنه ما يَشينه! والآية خَبر لا يتحمَّل استثناءً» (٢).
وقال: «رأيتُ نَفرًا مِن هؤلاء يَغشون المجامعَ مُذكِّرين بحديثِ أنَّ أبا الرَّسول ﷺ في النَّار! وشعرتُ بالاشمئزاز مِن استطالتِهم وسوءِ خُلقهم!
قالوا لي: كأنَّك تعترض ما نقول؟ قلت ساخرًا: هناك حديث آخر يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾، فاختاروا أَحَد الَحديثين .. قال أذكاهم بعد هنيَّة: هذه آية لاحديث! قلتُ: نَعم جعلتُها حديثًا لتهتمُّوا بها، فأنتم قلَّما تفقهون
стр. 1241
الكتاب! قال: كانت هناك رسالات قبل البعثة، والعرب من قوم إبراهيم، وهم متعبدون بدينه .. ! قلتُ: العَرب لا مِن قوم نوح، ولا مِن قوم إبراهيم، وقد قال الله تعالى في الَّذين بُعث فيهم سيد المرسلين: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ﴾ [سبأ: ٤٤] .. وللفقهاء كلام في أنَّ أبَوي الرَّسول ليسا في النَّار، يردُّون به ما تَروُون .. » (١).
أمَّا (يوسف القَرَضاوي)، وإن استشكل هو المتنَ جدًّا، لكنَّه لم يقتحِم حِماه كشأنِ الغزاليِّ، فكان مِمَّا قاله تعليقًا عليه:
« .. ما ذنبُ عبدِ الله بنِ عبد المطلب حتَّى يكون في النَّار، وهو مِن أهل الفترةِ، والصَّحيح أنَّهم ناجون؟ .. لهذا تَوقَّفتُ في الحديث حتَّى يظهر لي شيءٌ يَشفي الصَّدر.
أمَّا شيخنا الشَّيخ محمَّد الغزالي: فقد رفض الحديث صراحة! لأنَّه ينافي قولَ تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥]، وقولَه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤]، ﴿أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩].
والعَرب لم يُبعث إليهم رسول، ولم يأتهم نذير قبل محمَّد ﷺ كما صرَّحت بذلك جملة مِن آياتٍ في كتاب الله ﴿لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس: ٦] .. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ﴾ [سبأ: ٤٤].
ولكنِّي أُوثِر في الأحاديثِ الصِّحاح التَّوقف فيها، دون ردِّها بإطلاق، خشيةَ أن يكون لها معنى لم يُفتح علَيَّ به بعدُ» (٢).
هذا؛ ويزيد بعض الإماميَّةِ المُحْدَثينَ (٣) تناقضًا آخر بين الحديث والقرآن، وهو:
стр. 1242
أنَّ النَّبي ﷺ -بزعمِهم- لا زال تُنقَل روحه مِن ساجدٍ إلى ساجدٍ، وأنَّه لم يزل يُنقل مِن أصلابِ الطَّاهرين إلى أرحام الطَّاهرات، شاهد ذلك عندهم قولُ الله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٨ - ٢١٩]، وعلى هذا التَّقدير، فإنَّ جميع آباء محمَّد ﷺ كانوا مُسلمين غير مشركين! (١)
يقول (جعفر السُّبحاني): «شذَّ مَن قال إنَّ النَّبي ﷺ مع كثرةِ ما أنعم الله عليه، ووفور إحسانِه، لم يرزقه إحسان والديه .. فهذا النُّور الَّذي قدَّر في علمِه سبحانه أن يضيء العالم بجماله، ويغيِّر مصيرَ التَّاريخ برسالتِه، لا يحتضنه إلَّا أصلاب شامخة، وأرحام مطهَّرة، كنوح، وإبراهيم، ومن بعده، كلُّهم منزَّهون عن عبادة الأوثان، ورذائل الأعمال، ومَساوِئ الأخلاق» (٢).
стр. 1243
المَطلب الثَّالث
دفعُ المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ
عن حديثِ: «إنَّ أبي وأباك في النَّار»
فإنَّ مسألة مآلِ وَالِدَي النَّبي ﷺ مندرجة تحت بابِ عامٍّ مَيْسَمُه «حكم أهل الفترة» (١)، يتَّضح هذا مِن نفسِ ما استشهَدَ به المُعترضون مِن نصوصٍ على رَدِّ هذا الخبر؛ فالمنهجيَّة العلميَّة السَّليمة تقتضي التَّعريجَ أوَّلًا على هذا البابِ الأعمِّ، ليتَّضِحَ بتفصيلِ حكمِه الصَّوابُ في ما نحن فيه مِن فرعِه المُشكلِ على البعضِ؛ فنقول:
تَمدَّد خلافٌ عَريض بين العلماءِ في مَصير أهلِ الفترة، تَعدَّدت تفاصيله، وتنوَّعت فروعه، أصل الإشكال فيه راجعٌ إلى: أنَّ ظاهر الأحاديثِ المُثبتةِ لعذابِ بعضِ الجاهليِّين، مُعارِضٌ في الظَّاهرِ لأصلٍ قطعيٍّ في الشَّريعة، دَنْدَن عليه كلُّ مَن رَدَّ حديث مسلم هذا، وهو: أنَّ العقوبة الدُّنيويَّة والأخرويَّة لا تنزل بالعِباد إلَّا بعد بعث الرُّسُل إليهم، وقيام الحجَّة عليهم.
стр. 1244
فهذا الأصل قد تواردت نصوصُ الكتاب والسُّنة على تقريره وتأكيده، وذهبَ جماهير العلماء إلى تقديمِه والقضاءِ به على النُّصوص الجزئيَّة في بابِه، فتكون مَردودةً إليه؛ وهذا مَسلك جمهورِ الأشعريَّة مِن المُتكلِّمين، وكثيرٌ مِن أئِمَّة الحديث والفقه (١).
ولا شكَّ أنَّ الأخذ بهذا الأصل القطعيِّ، ومحاكمةِ ظاهر النُّصوص الَّتي جاءت في إلحاقِ العقوبة ببعضِ أهل الجاهليَّة إليه: هو القول الصَّحيح الجاري على مُقتضى المنهجيَّة العلميَّة الصَّحيحة، فإنَّ الأحكام الشُّموليَّة القطعيَّة الَّتي قامت عليها الشَّريعة في تكليف العباد، واستفاضت النُّصوص في الدَّلالة عليها -كمثلِ أنْ لا عَمل شرعيَّ إلَّا بنيَّة، ولا تكليف إلَّا مع القدرة، وأنَّ المُكلَّف لا يُعاقب بجُرم غيره، ونحو ذلك من الأصول المُحكمة في الشَّريعة- إذا جاء في ظاهرِ بعض النُّصوص ما يُناقض ذلك: فإنَّه لا يَصحُّ لنا القدح في ذلك الأصلِ القَطعيِّ، أو تجاوزه وعدم اعتبارِه.
فهذا ممَّا لا ينبغي أن نختلف فيه على الحديث.
إنَّما الشَّأن في الفهمِ الصَّحيحِ لِما ادُّعِي نقضُه من تلك الأخبار لأصلٍ مِن تلك الأصول المَرعِيَّة! فإنَّ الخبرَ إذا ساغَ حملُه على معنًى لا يتناقض مع أصلِ منها، وجب المَصير إليه، دون الهرولةِ إلى الإنكارِ جُزافًا من غير تثبُّتٍ أو توقُّفٍ.
وكان العلماء قد سعوا حثيثًا في تطبيقِ هذا المَنهج على مسألتِنا هذه بِما تضمَّنته من أخبارٍ في تعذيبِ بعضِ أهلِ الفترةِ، فحيث استقرَّ لديهم أنْ لا عذابَ إلَّا بعد قيامِ الحُجَّة، قصدوا إلى تأويلِ تلك الأخبار النَّبويَّة على مَعانٍ توافق هذا الأصل، فاختلفوا في ما تُحمَل عليه، على أقوال عدَّة:
منهم مَن ذهب إلى نَفيِ العذابِ عن أهل الفترة بإطلاق، فيَراهم بذلك ناجين في الآخرة: وهؤلاء جمهور الأشاعرة (٢)، وبعض فقهاءِ الشَّافعيَّة (٣)، وكان مَوقفُهم مِن أخبارِ العذابِ مُتباينًا على فريقين:
стр. 1245
فريقٌ: يقصُر التَّعذيب على مَن ذُكِر في النُّصوصِ فقط، ويفوِّضون علمَ سبب تَعذيبِهم إلى الله تعالى (١).
ولا يخفى أنَّ هذا المسلك في التَّفويض لا يُوفَّق بمثله بين المُتعارضات، وهذا الَّذي أنكرَه (محمَّد الغزاليُّ) على مُجادلِه، وله الحَقُّ في أن يُنكرَ عليه هذا المنطق في التَّفكير! فإنَّ القول بالتَّفويض مَشروع فيما تَقَصَّد الشَّرع إخفاءَ عِلْمِه عن المُكلَّف؛ ومسألتُنا خارجةٌ عن هذا النِّطاق، فهي استعلامٌ عن الحكمةِ مِن إخراجِ بعضِ الأفرادِ مِن عمومِ الخطابِ الإلهيِّ، قصدَ التَّوفيقِ بين كلماتِه -سبحانه- وبين أفعالِه، نفيًا للتَّخالف بينهما في الأذهانِ.
وليس ينزعُ إلى مثل هذا المسلكِ في الغالبِ إلَّا مَن يَنفي الحكمَةَ عن أفعالِه سبحانه، وقد أبانَ عن بطلانِ هذا العَقدِ أئمَّةُ السُّنةِ والجماعة، بما لا يسع بسطُه في هذا المَقام (٢).
وفريق آخر: رأى الأخبار الَّتي جاء فيها تَعذيبُ بعضِ أهل الفترة أخبارَ آحادٍ، لا يصحُّ الاعتماد عليها، خاصَّة وأنَّها عارضت الأصول القطعيَّة (٣).
وهذا أيضًا مسلكٌ علميٌّ غير سديد! فإنَّ الآحاد الصَّحيحة مُعتبرة في العقائد، فكيف إذا استفاضت وبلغت مبلغَ العِلم القطعيِّ بمجموعِها؟! كما الشَّأن في هذه الأحاديث المُثبتة لعذابِ بعضِ أهل الفترة؛ فلا مُسَوَّغ بعدُ لهذا المسلك في ردِّها (٤).
стр. 1246
وغير هؤلاء من أهل العلم مَن ذَهَب مذهبًا مختلفًا، حيث أثبتوا عذابًا لأهلِ الفترةِ، ويُوفِّقون بين نصوص العذاب والأصل السَّابقِ تقريره بسلوك ثلاثةِ مسالك في الجمع:
الأوَّل: أنَّ هؤلاء الَّذين جاء الَخبر بتعذيبِهم مِن أهل الجاهليَّة، كانوا على علمٍ بدعوة الرُّسل السَّابقين، فهم في الحقيقةِ مِمَّن قامت عليهم الحُجَّة بالرِّسالات السَّابقة.
هذا ما اختاره بعضُ أهل العلم على رأسهم النَّووي، وجعل حديث هذا الباب «إنَّ أبي وأباك في النَّار»: مِمَّا يُستنبط منه ذلك، فقال: «إنَّ مَن مات في الفترة على ما كانت عليه العَرَب مِن عبادةِ الأوثانِ فهو مِن أهلِ النَّار، وليس هذا مُؤاخذةً قبل بلوغ الدَّعوة، فإنَّ هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره مِن الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم» (١).
ومِمَّن قال بهذا القول نَفرٌ من العلماء ذَهبوا إلى أنَّ قريشًا ليسوا مِن أهل الفترة مطلقًا! كابنِ عطيَّة الأندلسيِّ (ت ٥٤٢ هـ) قال: « .. أمَّا صاحب الفترة فليس ككافر قريش قبل النَّبي ﷺ ، لأنَّ كُفَّار قريش وغيرهم ممَّن عَلِم وسَمِع عن نبوَّةٍ ورسالةٍ في أقطار الأرض فليس بصاحب فترةٍ، والنَّبي ﷺ قد قال: أبي وأبوك في النَّار، ورأى عمرو بن لُحي في النَّار، إلى غير هذا ممَّا يطول ذكرُه، وأمَّا صاحب الفترةِ يُفرَض أنَّه آدميٌّ لم يَطرأ إليه أنَّ الله تعالى بعث رسولًا، ولا دعا إلى دين، وهذا قليل الوجود» (٢).
قلت: وهذا قولٌ يَحتاج قائله إلى إثباتِ قيام الحجَّة على آحادِهم! وأنَّهم علِموا بصدقِ الأنبياءِ وبلغتهم الرِّسالة! وإلَّا فليس ذكرِ بعض الأعيان في بعض الأخبار بكافٍ لتعميم حالهم على باقي جنسِهم.
стр. 1247
ولو كان حكمُ أهلِ الفترةِ على وِزانٍ واحد مِن الهَلاك في الآخرة، لمَا وُجِد داعٍ لِأَن يسأله ﷺ بعض النَّاس عن مصير آبائهم!
المسلك الثَّاني: القول بأنَّ أخبارَ العذابِ مَحمولة على مَن بَدَّل وغَيَّر وأشركَ وشرَعَ لنفسِه دينًا جديدًا: وهذا قولٌ قرَّره الأبيُّ (١).
ويردُّه: أن عددًا مِن النُّصوص جاءت بعذابِ أفرادٍ لم يثبُت عنهم تشريع ولا تَبديل قطعًا.
القول الثَّالث: أنَّ النُّصوص الَّتي فيها الإخبار بعذابِ بعضِ أهل الفترة، هي إخبار عن مآلِ امتحانِهم يوم القيامة، غاية ما فيها انكشاف علمِ الله فيهم بسابقِ السَّعادةِ أو الشَّقاوةِ.
وأجِدُني أنزعُ إلى هذا القولِ في الحكم على أهل الفترة في الجملة، لقوَّةِ أدلَّتِه وتماسكها، فقد صَحَّت عدَّة أخبار في امتحانِ أهلِ الفترةِ يوم القيامة، من ذلك:
حديث الأسود بن سريع ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أربعة يحتجُّون يومَ القيامة: رجل لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرِم، ورجل مات في الفترة .. »، إلى أن قال: « .. وأمَّا الَّذي مات في الفترة فيقول: ربِّ، ما أتاني كتاب ولا رسول، فيأخذُ مواثيقَهم ليُطيعنَّه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النَّار، فوالَّذي نفس محمَّد بيدِه لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا» (٢).
وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: « .. فمَن اقتحمها كانت عليه بردًا وسلامًا، وَمن لا حقَّت عليه كلمة العذاب» (٣).
стр. 1248
وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁: « .. فيرفع لهم النَّار فيُقال، رِدوها، أو قال: ادخُلوها، فيدخلها مَن كان في علم الله سعيدًا أن لو أدرك العمل، قال: ويمسك عنها مَن كان في علم الله شقيًّا أن لو أدرك العمل، فيقول الله ﵎: إيَّاي عصيتم؟ فكيف برُسلي بالغيب؟!» (١).
فهذه الأحاديث أخالها نصوصًا في محلِّ النِّزاع، وبموجِبها أخَذَ جمهور السَّلف، وحكاه أبو الحسن الأشعريُّ عن مذهب أهل السُّنة (٢)، وهو ما نصره البيهقيُّ مِن مُعتقدهم (٣)، واختاره ابن حزم (٤)، وابن تيميَّة (٥)، وابن القيِّم (٦)، وابن كثير (٧)، وابن حجر العسقلاني (٨).
فإن قيل: فقد أنكرَ ابن عبد البرِّ أحاديثَ الامتحانِ هذه، بكونِ ما وَرَد في بابِها ليس بقويٍّ، فلا تقوم بها حجَّة؛ والآخرةُ دار جَزاء، لا دار عمل وابتلاء، فكيف يُكلَّفون دخولَ النَّار وليس ذلك في وُسعِ المَخلوقين؟ والله لا يكلِّف نفسًا إلَّا وُسعها! (٩)
فيُردُّ عليه بما أجاب بِه ابنُ كثير قال:
«أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح، كما قد نصَّ على ذلك غير واحد من أئمَّة العلماء، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يَقوى بالصَّحيح والحسن، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متعاضدةً على هذا النَّمط، أفادت الحُجَّة عند النَّاظر فيها.
стр. 1249
وأمَّا قوله (إنَّ الآخرة دار جزاء): فلا شكَّ أنَّها دار جزاء، ولا ينافي التَّكليف في عرصاتها قبل دخول الجنَّة أو النَّار، .. وقد قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢]، .. وفي الصَّحيحين في الرَّجل الَّذي يكون آخر أهل النَّار خروجًا منها: أنَّ الله يأخذ عهوده ومواثيقه ألَّا يسأل غير ما هو فيه، ويتكرَّر ذلك مرارًا ..
وأمَّا قوله: (كيف يكلِّفهم دخول النَّار، وليس ذلك في وسعهِم): فليس هذا بمانع مِن صحَّة الحديث، فإنَّ الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصِّراط، وهو جسر على جهنَّم أحدُّ مِن السَّيف وأدقُّ من الشَّعرة، .. وليس ما ورد في أولئك بأعظم مِن هذا، بل هذا أطمُّ وأعظم!
وأيضًا فقد ثبتت السُّنة بأنَّ الدَّجال يكون معه جنَّة ونار، وقد أمر الشَّارع المؤمنين الَّذين يدركونه أن يشرب أحدهم مِن الَّذي يرى أنَّه نار، فإنَّه يكون عليه بردًا وسلامًا، فهذا نظير ذلك، وأيضًا فإنَّ الله تعالى قد أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسَهم، .. وذلك عقوبةً لهم على عبادتهم العجل، وهذا أيضا شاقٌّ على النُّفوس جدًّا، لا يَتقاصر عمَّا ورد في الحديث المَذكور» (١).
فهذه مذاهب العلماء في توجيه الأخبارِ الَّتي جاءت في تعذيبِ بعضِ أهلِ الجاهليَّة (٢)؛ والقول الأخير منها بامتحانِ أهل الفترة مِمَّن جهلوا الحُجَّة أسعدُها بتآلف الأدلَّة، وأذهَبُ «للخصومات الَّتي كرِه الخوضَ فيه لأجلها مَن كرهه، فإنَّ مَن قطع لهم بالنَّار كلِّهم، جاءت نصوص تدفع قولَه، ومَن قطع لهم بالجنَّة كلِّهم، جاءت نصوص تدفع قولَه» (٣).
стр. 1250
ومع رجاحة هذا المذهب على باقي الأقوال في مسألة أهل الفترة، يُشكِل عليه بعض الأحاديث الَّتي ورَدَت بإثباتِ عذابِ القَبر لبعضِ مَن ماتِ في الجاهليَّة، منها:
حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: «دخل النَّبي ﷺ يومًا نخلًا لبني النَّجار، فسمِع أصوات رجالٍ مِن بني النَّجار ماتوا في الجاهليَّة يُعذَّبون في قبورِهم، فخرج النَّبي ﷺ فزِعًا، فأمَرَ أصحابَه أن يتعوَّذوا مِن عذاب القبر» (١).
ووجه الإشكال: أنَّ الحديث أثبتَ تحقُّقَ العذابِ لبعضِ أهلِ الجاهليَّة في قبورِهم قبل حصولِ الامتحانِ لهم يوم القيامة (٢)!
والجواب على هذا مِن وجهين:
الوجه الأوَّل: أنَّ الله لا يُعذِّب أهلَ الجاهليَّة على مُناقضةِ الأصولِ العَقديَّة فقط، فقد يُعذَّبون على مُنكراتٍ مِن الأفعالِ لا يجهلون قُبحَها فِطرةً وعُرفًا، كالظُّلمِ والاعتداءِ على حقوقِ الخَلْق.
شاهدُ ذلك: ما وَرَد في حديثِ جابر مِمَّا كُشِف للنَّبي ﷺ فيه مِن عذابِ أهل النَّار مِن المَاضين، يقول: « .. حتَّى رأيتُ فيها صاحبَ المِحْجَن (٣) يجرُّ قَصبَه في النَّار، كان يسرق الحاجَّ بمحجَنِه، فإن فُطن له قال: إنَّما تعلَّق بمِحجَني، وإن غفل عنه ذهب به! وحتَّى رأيتُ فيها صاحبةَ الِهرَّة الَّتي ربطتها فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل مِن خشاش الأرض .. » (٤).
стр. 1251
يقول الأُبِّي: «التَّعذيبُ الَمذكور في هذه الأحاديث على مَن بدَّل وغَيَّر مِن أهلِ الفترة، بما لا يُعذَر بِه مِن الضَّلال، كأن يكونَ وَأَدَ ابنةً، أو نحو ذلك مِمَّا هو مَعلومُ القُبحِ لَدى كلِّ العقلاءِ» (١).
فجائزٌ أن يكون ما سمِعه النَّبي ﷺ مِن عذابِ أهلِ الجاهليَّةِ في حائطِ بني النَّجار من هذا القَبيلِ.
والوجه الثَّاني: على فَرضِ القولِ بأنَّ التَّعذيب في القبرِ كان عِقابًا على الكفر، فإنَّ استشكالَ أحاديثِ الامتحان يوم القيامة إنَّما يَرِد على القولِ بأنَّ عامَّة أهل الفترةِ واقعون في الجهلِ في الدُّنيا، وأنَّهم يُعذَرون بجهلِهم هذا بإطلاقٍ.
بينما الصَّحيح أنَّ أهل الفترة على قسمين:
القسم الأوَّل: مَن فترَتُهم مِن جهةِ انقطاعِ الرُّسل فقط:
بحيث لم يُدرِكوا أيَّ نبيٍّ، وهم مع ذلك على عِلْمٍ بنَذاراتِ الأنبياءِ وحُجَج التَّوحيد وقبح التَّشريك: فهؤلاء مَحجوجون بهذه النَّذارات، لا يُعذَرون بتجاهلِهم وإعراضِهم عنها.
ففي مثلِ هؤلاء وَرَد بعضُ ما سَبق مِن نصوصِ السُّنةِ في عذابِ أهلِ الفترة، كالَّذي وَرَد في عذابِ أحَدِ أجوادِ العَرَب: عبد الله بن جدعان، لأجلِ إعراضِه، حيث سُئل النَّبي ﷺ عنه كونِه في الجاهليَّة واصلًا للرَّحم، مُطعمًا للمسكين، فهل ذاك نافعه؟ فقال: «لا ينفُعه، إنَّه لم يَقُل يومًا: رَبِّ اغفر لي خطيئتي يومَ الدِّين» (٢)، أي كان الفَرضُ أن يقولَ ذلك لِعِلمه بأنَّه الحقُّ.
أو ما وَرد في عذابِ عمرو بن لُحَيٍّ (٣):لأجلِ تَبديلِه لدينِ إبراهيم ﵇
стр. 1252
وتَوْثينِه، كما في قول النَّبي ﷺ فيه: «إنَّ أوَّل مَن سَيَّب السَّوائب، وعَبَدَ الأصنام: أبو خزاعة عمرو بن عامر، وإنِّي رأيته يجرُّ أمعاءَه في النَّار» (١).
بل بعض آياتِ القرآن نفسِها تُثبِت عِلْمَ كثيرٍ من العَرب بدعوةِ التَّوحيد، منها قوله تعالى مخاطبًا أصحابَ النَّبي ﷺ مُستذكرًا حالَهم قبل البعثة: ﴿وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
يقول ابن جرير في تفسير الآية: «وكنتم على طَرَف جهنَّم بكفرِكم الَّذي كنتم عليه، قبل أن يُنعِم الله عليكم بالإسلام، فتصِيروا بائتلافِكم عليه إخوانًا، ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلَّا أن تموتوا على ذلك مِن كفركِم، فتكونوا مِن الخالدين فيها» (٢).
وجه الشَّاهد مِنها: أنَّ هؤلاء المُخاطَبين بهذا المَنِّ الإلهيِّ مِن المُهاجرين وأنصارِ الأوس والخزرج، لو مَاتوا في جاهليَّتهم على ما كانوا عليه مِن عبادةِ الأوثانِ: لكانوا مُعَذَّبين غير مَعذورين، وهذا بنصِّ الآية، وفي هذا أبْيَنُ دلالةٍ على أنَّ حُجَّة التَّوحيد قد قامت في أنفسِهم قبل البِعثة النَّبويَّة.
لقد كان أهل يَثْرب مُختلِطين بأهلِ الكتابِ، يَتَسامعون أخبارَ كُتبِهم، ورسالاتِ أنبيائهم، وكان في العَرب مَن لازم التَّوحيد، مُحتجًّا به على أهلِها، كقِسِّ بنِ ساعدة الإيَادِي (٣)، ووَرقة بن نوفل (٤)، وزيد بن عمرو بن
стр. 1253
نُفيل (١) وهو يصدح في مَسامع قريش، مُسندًا ظهره إلى الكعبة قائلًا: «يا مَعاشر قريش، والله ما مِنكم على دين إبراهيم غيري .. » (٢)،
ويحتجُّ عليهم بأنَّ «الشَّاة خَلَقها الله، وأنزل لها مِن السَّماء الماء، وأنبتَ لها مِن الأرض، ثمَّ تذبحونها على غير اسم الله؟!» إنكارًا لذلك وإعظامًا له (٣).
وقد مرَّ قولُ مَن جعلَ أهلَ الجاهليَّة مُآخَذين، وليسوا مِن أهل الفترة المَعذورين، منهم النَّوَوي؛ وأفرط القَرافيُّ في دعوى الإجماع عليه (٤)!
ومَبنى قول هؤلاء كان مُؤسَّسًا على هذا الاعتبار: أنَّ العِبرة في المُؤاخذة بلوغُ النَّذارةِ نفسِها، وإن لم تكن على لسانِ النَّبي نفسِه (٥)، والله يقول: ﴿لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، وقالوا: إنَّما الآيات نَفَت إرسالَ نَذيرٍ يختصُّ بهؤلاء العَرب ويُشافِههم، وكون الزَّمانِ زمانَ فترةٍ، لا يمنع وجود بَقيَّةٍ مِن دعوةِ الرُّسلِ في بعضِ أنحاءِ الأرض.
والقسم الثَّاني: مَن فترتُهم مِن جِهةِ انقطاعِ نذاراتِ الرُّسل.
فهؤلاء فضلًا عن كونِهم لم يُدرِكوا نَبِيًّا، لم تبلغهم دعوة أيِّ منهم، أو بلغَت على وجهٍ من الشُّبهة واللَّبسِ يُحتَاج معه إلى مَزيد بيانٍ، فهؤلاء هم مَن
стр. 1254
يُعذَر بجهلهم في الدُّنيا، ويُمتحنون في عَرصات يوم القيامة، كما وَرَدت بذا سالف الأخبار.
يقول ابن القيِّم: «إنَّ العذاب يُستحَق بسَبَبين:
أحدهما: الإعراض عن الحجَّة، وعدم إرادة العلمِ بها وبمُوجبِها.
الثَّاني: العِناد لها بعد قيامها، وترك إرادةِ موجبها.
فالأوَّل: كفر إعراض، والثَّاني: كفر عناد.
وأمَّا كفر الجهل، مع عدم قيام الحُجَّة، وعدم التَّمكُّن مِن معرفتها: فهذا الَّذي نفى الله التَّعذيب عنه حتَّى تقوم حجَّة الرُّسل» (١).
فبهذا التَّقسيم نتحقَّق بأنَّ الخوضَ في تَعْيِينِ أفرادٍ بكونِهم مِن مَعذوري أهلِ الفترةِ: هو مِن الغَيبِ الَّذي لا يَنبغي الإقدامُ عليه إلَّا بنصٍّ مُبينٍ، وهذا أوَّل مَزْلقٍ مَنهجيٍّ زَلَّ فيه مَن أثبتَ النَّجاةَ لأبِ النَّبي ﷺ ، بصرفِ النَّظر عن مُصادمتِه للنَّقلِ النَّافي لدعواه!
وبه نعلم أيضًا: أنَّ أهل الفترة مِن العَرب ليسوا على وِزانٍ واحد، فإنَّ منهم مَن عذرُه قائم عند الله بجهلِه، ومنهم المُآخَذ على شركِه، لإبائِه بعد عِلمِه؛ وليس مِن غَرضِي هنا مُقارنةُ كلُّ فريقٍ من هذينِ بالآخر من حيث الكثرة والقِلَّة، ولا حجم كلٍّ منهما في جزيرةِ العَرب وقتَ البِعثة، بقَدْرِ ما يَنصبُّ اهتمامِي إلى تحديدِ تلك المَعالم المنهجيَّة في حكمِ كلٍّ فَريق منهما، وأصولِ الاستدلالِ على ذلك.
وبعد هذا التَّأصيل لحكم المسألةِ في عمومها، ندلفُ الآن إلى مَوضوعِنا الفَرعيِّ المُتعلِّق بحال والدِ النَّبي ﷺ ، فنقول: إذا تقرَّر ما سَبَق مِن تفصيل لأحكامِ أهلِ الفَترةِ؛ فإنَّ ما وَرَد في حَقِّ والِدِ نبيِّنا ﷺ مِن نصٍّ نَبويٍّ لا يخلو مِن أحَدِ حالَين:
الأولى: أن يكون أبُ النَّبي ﷺ قد بَلَغَته النَّذارة والحُجَّة.
стр. 1255
والثَّانية: أن لا تكون النَّذارة وحُجَّة التَّوحيدِ بَلَغته.
فإذا كانت الحالة الأولى: فإنَّ كُفرَه حينئذٍ يكون كفر إباءٍ وإعراض، حيث أبَى الانقيادَ للتَّوحيد في جملةِ مَن أبى مِن العَرب ممَّن بلَغَته دعوته، واستمرَّ على ما هو فيه مِن عبادةِ الأوثانِ، واستمرَأَ ما عليه قومُه، وهذا الإعراضُ والإباءُ كان مُتفَشِيًا في كثيرٍ من العَرَب.
فبناءً على تقديرِ هذا الاحتمال: تكون الحُجَّة قد قامت على والِدِ النَّبي ﷺ ، والَّذي دلَّنا على بلوغِها إيَّاه هذا الحديث الصَّحيح في مسلمٍ، حيث قرَّرنا أنَّ دخوله لا يكون إلَّا بعد بلاغ الحجَّة، فلولا هذا الحديث لتَوقَّفنا في حاله.
وأمَّا إن كانت الحالة الثَّانية: فإنَّ الحديثَ يكون إخبارًا منه ﷺ عن مآلِ أبيه بعد الامتحانِ يوم القيامة، وأنَّه لن يُجيب داعيَ الله وقتَها!
وفي تقريرِ هذا الجوابِ، يقول ابنُ كثير: «إخبارُه ﷺ عن أَبَويه وجدِّه عبد المطَّلِب بأنَّهم مِن أهل النَّار، لا ينافي الحديثَ الوارد عنه مِن طُرق متعدِّدة: أنَّ أهل الفترة، والأطفال، والمجانين، والصُّم، يُمتحنون في العَرصات يوم القيامة، .. فيكون مِنهم مَن يجيب، ومنهم مَن لا يجيب، فيكون هؤلاء مِن جملة مَن لا يجيب، فلا منافاة ولله الحمد والمنَّة» (١).
وأمَّا دعوى المُعترض الإِمَامِيِّ مِن أنَّ النَّبي ﷺ لم يَزَل تُنقَل روحه مِن ساجد إلى ساجد، واحتجَّ بآيةِ: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾، فيكون أبو النَّبي مؤمنًا بظاهر هذه الآية، فجوابه:
أن لا وجه للاستدلال على إيمانِ كلِّ آباءِ النَّبي ﷺ بهذه الآية، ولا أحَدَ مِن المُعتَبرين المُتقدِّمين قال بهذا التَّأويل فيما اطَّلعتُ عليه مِن كُتبِ التَّفاسير المُتقدِّمة، إنَّما هو قولٌ مُبتدعٌ مُتأخِّر.
стр. 1256
أقصى ما قِيل مُقاربًا لهذا المعنى المُدَّعى: ما رُوي عن عكرمة وعطاء، عن ابن عبَّاس في تفسيرِ هذه الآية، قال: «ما زالَ النَّبي ﷺ يتقلَّب في أصلابِ الأنبياء، حتَّى أخرجه نَبيًّا» (١)، وواضحٌ أنَّ المُراد بالأنبياء هنا: آدم، ونوح، وإبراهيم، وإسماعيل ﵈، هؤلاء فقط، وليس كلُّ آبائه ﷺ أنبياء؛ وهو مع هذا المُرادِ مَرجوحٌ أيضًا! ففي الآيةِ نفسِها قرينةٌ ترُدُّه، وهو ما بيَّنه الأمين الشَّنقيطيُّ بقولِه:
«اِعلم أنَّ قوله هنا: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾: قال فيه بعض أهل العلم: المعنى: وتقلُّبك في أصلابِ آبائك السَّاجدين، أي: المؤمنين بالله كآدم ونوح، وإبراهيم، وإسماعيل؛ واستَدلَّ بعضهم لهذا القول فيمَن بعد إبراهيم ﵇ مِن آبائه بقوله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨] ..
وفي الآية قرينة تدلُّ على عدم صحَّة هذا القول؛ أعني قوله تعالى قبله مقترنًا به: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾، فإنَّه لم يقصد به أن يقوم في أصلابِ الآباء إجماعًا، وأوَّل الآية مرتبطٌ بآخرها، أي: الَّذي يراك حين تقوم إلى صلاتِك، وحين تقوم من فراشِك ومجلسِك، ويرى وتقلبك في السَّاجدين، أي: المصلِّين، على أظهر الأقوال؛ لأنَّه ﷺ يتقلَّب في المُصلِّين قائمًا، وساجدًا وراكعًا .. » (٢).
هذا وجه من أوجِه تأويلِ هذه الآية الكريمة، وقد علِمت أنَّ المُراد بها الأنبياء خاصَّة، ومع ذلك فهو وجه مَرجوح (٣).
وأمَّا الوجه الثَّاني في معنى الآيةِ: وتَصرُّفك في ذهابِك ومَجيئِك في أصحابِك المؤمنين؛ وهذا قاله الحسن البصريُّ.
стр. 1257
والوجه الثَّالث: تقلُّبك في صَلاتِك مِن خلفِك، كما تَرَى بعينِك مِن قُدَّامك، وهذا قول مجاهد.
والرَّابع: أنَّ معنى الآية: أنَّ الله يرى تقلُّبَك في الرُّكوعِ والسُّجودِ، والقيامِ مع المُصلِّين في الجماعة، فهو يَراكَ وحدَك، ويَراكَ في الجماعة (١).
وهذا أوْجَهُ الوجوهِ في تأويلِ الآية، وهو الظَّاهرُ مِن مَعناها (٢)، وعليه أكثر المفسِّرين مِن السَّلَف والخَلف (٣)؛ والتَّعبير فيها عن المُصَلِّين بالسَّاجِدين لكونِ السُّجودَ حالةُ مَزيد قُربِ العَبدِ مِن ربِّه ، وهو أفضلُ الأركانِ على ما نَصَّ عليه جمعٌ مِن الأئِمَّة (٤)؛ فيكون الخَبَر برؤيتِه في الآيةِ «مقصودٌ به لازمُ معناه، وهو: أنَّ النَّبي ﷺ بمَحلِّ العنايةِ منه سبحانه، لأنَّه يعلَمُ توجُّهَه إلى اللهِ بالقيامِ له، ويَقبل ذلك منه، فهو يراك رؤيةً خاصَّةً -رؤيةَ إقبالٍ وتقبُّل- ويَراكَ في صلاتِك في جماعاتِ المسلمين في مَسجدِك، وهذا يَجمع مَعنى العِنايةِ بالمسلمين تَبعًا للعنايةِ برَسولِهم، وهذا مِن بَركتِه ﷺ ، وقد جَمَعها هذا التَّركيبُ القرآنيُّ العجيبُ الإيجازِ» (٥).
والقصدُ: أنَّ الآية لا دَلالة فيها صَريحة على ما ادَّعاه المُعترض، وغَايةُ ما قد يفهمه منها ظنِّيٌّ على التَّسليمِ بصحَّتِه، لاحتمالِها عِدَّة أوجه مِن التَّأويل، والدَّليلُ إذا تَطرَّق إليه الاحتمال، سَقَط به الاستدلال!
وبعد: فإنِّي ما رأيت للمتقدِّمين في مسألة مَصيرِ أَبِ النَّبي ﷺ كلامًا كالَّذي خاضَ فيه المتأخِّرون مِمَّن أثارها وخاض غَمراتها (٦)، فتنازعوا فيها.
стр. 1258
فما وسِع الأوَّلين مِن السُّكوت وترك التَّنازع في مثل هذه المسائل هو الأسلَمُ لِمن كان حريصًا على دينِه، والسَّلامة في الوقوف عند النَّص الشَّرعي من غيرِ لَيٍّ للمَعنى أو طعنٍ في المبنى، اقتفاءَ هوىً في النَّفسِ يتوهَّم به نُصرةً للنَّبي ﷺ في نَسَبه؛ وما أبعد ألأمر أن يكون كما اشتهى.
فأيُّ إذايةٍ له إذا ما نحن اتَّبعناه ﷺ في قولِه؟! أَفَنكون أشفقَ منه على آبائه؟! وأيُّ نقصٍ يَلحقُ سيِّد الخلائق ﷺ بكفرِ أبِيه؟! وهذا جَدُّه إبراهيم ﵇ يَقصُّ الله علينا كُفرَ أبيه، وأبو إبراهيم ﵇ أبٌ لرسول الله ﷺ بالنَّسَبِ البعيد.
يقول البيهقي في مَعرض سَردِه لبعضِ الرِّواياتِ في شركِ بعضِ آباءِ النَّبي ﷺ : « .. وأمرُهم لا يَقدحُ في نَسَبِ رسول الله ﷺ ، لأنَّ أنكحة الكُفَّار صحيحة، أَلَا تراهم يُسلِمون مع زوجاتِهم، فلا يلزمهم تجديد العَقد، ولا مُفارقتهنَّ إذا كان مثله يجوز في الإسلام» (١).
ولولا أنَّ المَقام هنا عِلميٌّ بَحت يَستدعي تحقيقَ القولِ في ما نُسِب إلى النَّبي ﷺ مِن حُكمٍ قَوليٍّ، ودفعَ شُبَه المُبطلين عن منهجِ شيوخِ الإسلامِ في النَّقد، لمَا أجَزتُ لنفسي الكلامَ في مثل هذه المسألة أصالةً، وربِّي أعلمُ بحالِ قلبي وأنا أقرِّر في هذا المَبحث ما قرَّره الحديث، ولَودِدتُ لو وَجدتُ أنا أيضًا فُرجةً عِلميَّةً مُعتبرةً أتنصَّل مِن خلالِها مِن دلالةِ حديثِه، حُبًّا في ما يحبُّه النَّبي ﷺ وتَقرُّ به عينُه، ولكنَّها الأمانة العلميَّة، والتَّجرُّد البَحثي، ولزومِ الغَرز النَّبويِّ.
وأنا في هذا كلِّه، عالمٌ بأنَّ التَّعظيمَ الحقيقيَّ لمحمَّدٍ -بأبي هو وأمِّي- هو في متابعة طريقتِه ﷺ ، والاهتداءِ بهَديِه، وتجنُّبِ نَهيِه، وإيثارِ سُنَّتِه على كلِّ أهواءِ الخَلْق، فمحبَّتُه أعظمُ مِن كلِّ مَحبوب منها، ولَن أكون أحبَّ له من أولياءِ الله الصَّالحين مِن سَلَف هذه الأمَّة، وقد قبِلوا الحديثَ وخَضَعوا لحُكمِه.
والله يَغفر لي تقصيري في حَقِّه.
стр. 1259
المَبحث الحادي عشر
نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث خَلوَتِه ﷺ بامرأةٍ مِن الأنصارِ
стр. 1260
المَطلب الأوَّل
سَوْق حديثِ خَلوَتِه ﷺ بامرأةٍ مِن الأنصارِ
عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاءت امرأةٌ مِن الأنصارِ إلى النَّبي ﷺ ، فخَلَا بها، فقال: «والله إنَّكُنَّ لأحبُّ النَّاس إليَّ»، متَّفق عليه (١).
стр. 1261
المَطلب الثَّاني
سَوْق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرة
لحديثِ خَلْوتِه ﷺ بامرأةٍ مِن الأنصارِ
احتجَّ المُعترِضون على بطلانِ الحديثِ بِما توَّهَموه من وقوعِه ﷺ به في الخُلوَةٍ المُحرَّمة، مع فيه من كلام مُفعَمِ بكلماتِ الحبِّ يُتنزَّه عنه العَفيف.
يقول (أحمد صُبحي مَنصور):
«في نفس الصَّفحةِ الَّتي جاء فيها هذا الحديث، يَروِي البخاريُّ حديثًا آخرَ، يَنهَى فيه النَّبي ﷺ عن الخلوة بالنِّساء، يقول الحديث: «لا يخلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ إلَّا مع ذي مَحرم».
وذلك التَّناقض المَقصود في الصَّفحةِ الواحدةِ في «صحيح البخاريِّ» يَدفع القارئَ للاعتقادِ بأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَنهى عن الشَّيء ويَفعله!» (١).
ويقول (نيازي عزُّ الدِّين):
«نجدُ في الحديث عبارة (فَخَلا بها)، لتترُك للشَّيطانِ مجالًا للوسوسة!
ثمَّ يقول لها: «والله إنَّكنَّ لأحبُّ النَّاس إليَّ»، مُستخدمًا نون النِّسوة، ليؤكِّد لنا أنَّ رسولَ الله يقصد النِّساء بالذَّات، وليس الأنصار بعامَّة، وأنا أستغربُ
стр. 1262
حقيقةً كيف نَقبل أن نُبقِيَ نحن المسلمين على مثلِ هذه الأحاديث في كُتبنا الدِّينيَّة المقدَّسة؟!» (١).
стр. 1263
المَطلب الثَّالث
دَفع المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ
عن حديثِ خَلْوتِه ﷺ بامرأةٍ أنصارِيَّة
أمَّا عمَّا أناطَ به المُعترضُ إنكارَه للحديث ممَّا استقرَّ في ذهنِه مِن لفظِ «الخَلوة»:
فليس في ما أخبر به الرَّاوي عن فعلِه ﷺ حرج، فلم يَعْنِ خَلوتَه ﷺ بالمرأةِ بحيث غَابَا عن أبصارِ النَّاس، إنَّما أراد أنَّهما تنحَّيا ناحِيةً «بحيث لا يَسمعُ مَن حَضَر شَكْواها، ولا ما دارَ بينهما مِن الكلام، ولهذا سمِعَ أنسٌ آخرَ الكلامِ فنَقَلَه، ولم ينقُل ما دارَ بينهما، لأنَّه لم يسمَعه» (١).
والدَّليل على ذلك، قول أنسٍ ﵁ نفسِه في روايةِ أخرى مُفصِّلةٍ: « .. فخَلَا معها في بعضِ الطُّرُق، حتَّى فَرَغَت مِن حاجَتِها» (٢).
فمثلُ هذه المفاوضةِ للمرأة الأجنبيَّة سِرًّا لا يَقدح في الدِّينِ عند أَمْنِ الفتنة (٣)؛ وشرطُ الخَلوةِ: أن تحتجِبَ أشخاصُهما عن النَّاسِ (٤)، ولأجلِ هذا
стр. 1264
القيدِ ترْجَمَ البخاريُّ للحديث بترجمةٍ دقيقة قال فيها: «ما يجوز أن يَخلُوَ الرَّجل بالمرأةِ عند النَّاس»؛ وهذا قد تَعَامَى عنه المُعترض في تشنيعِه على البخاريِّ!
ثمَّ إنَّ تلك الأنصاريَّةُ لم تكُن بمُفردِها وقتَ كلامِها للنَّبي ﷺ ، بل كانت برُفقةِ أولادِها، وهذا ما جاء صريحًا في روايةٍ للبخاريِّ يذكرُ فيها أنس ﵁ أنَّها «أتَتْ النَّبيَّ ﷺ مَعَها أولادٌ لها» وذَكَر الحديث (١).
وأمَّا ما استَشْنَعه المُعتَرِض مِن قولهِ ﷺ : «إنَّكُنَّ لأَحَبُّ النَّاس إليَّ»:
فهو هنا جاء بنونِ النِّسوةِ، وقد انفرَدَت به رواياتُ «الجامع الصَّحيح» دونِ باقي الصِّحاحِ الأخرى، والَّتي أثبتَتْه بلفظِ: «إنَّكم» للجمع المُذكَّر؛ إلَّا ما في روايةِ أبي ذرِّ الهَرويِّ لصحيح البخاريِّ، فهي فيه أيضًا بمِيمِ المُذَكَّر كالجماعةِ (٢)؛ وهذه الَّتي نراها مُوافقةً لرواياتِ الحديثِ عند أكثرِ المُصَنِّفين، بل وللمَوضعِ الآخر للحديثِ في كتابِ البخاريِّ نفسِه (٣).
فعلى هذا اللَّفظ «إنَّكم»: يكون المَعنِيُّ بالحُبِّ النَّبويِّ في حديثِه للمرأةِ الأنصاريَّة عمومَ الأنصارِ، والتَّذكيرُ فيه مِن بابِ «تغليبِ الرِّجال على النِّساء» (٤)، وعلى هذا المعنى دَرَج أئمَّة التَّدوينِ في ترجمتِهم للحديث، وجعلهم إيَّاه تحت الأبوابِ المَعْنيَّة بفضائلِ الأنصارِ (٥).
وأمَّا على روايةِ: «إنَّكنَّ» بنون النِّسوة: فمَعَ ما ذكرته من انفراد رُواة صحيح البخاريِّ بهذا اللَّفظ، ومُخالفةِ الهَرويِّ لهم فيه وهو مِن أتقَنِ رُوَاتِه -فإنَّه
стр. 1265
لا يَستقيم بحالٍ ولو على فَرْضِ صِحَّتِه أن يكونَ النَّبي ﷺ عَنَى بهذا الحُبِّ شخصَ المرأةِ المُخاطَبة، وإلَّا لخاطبَها بلفظِ الإفرادِ المُؤنثِّ المُباشِر: «إنَّكِ»!
ولفظُ الجَمعِ: «إنَّكُنَّ» يَفهم منه أيُّ عَرَبيٍّ نِسوةَ الأنصارِ عمومًا، أي: «أنَّ نساءَ هذه القَبيلة، أحَبُّ إليه ﷺ مِن نساءِ سائرِ القبائل مِن حيث الجُملة» (١)؛ وإذا سَقَطت شُبهةُ الاختلاءِ مِن فعلِه ﷺ بالأنصاريَّةِ، سَقَطت مَعَها وَساوِس الشَّيطانِ من ذِهْنِ المُعترضِ في المُرادِ بِحُبِّه ﷺ ؛ أعاذنا الله من شرِّ الوساوس.