← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 224

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

المَطلب الثَّاني سَوْق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرة لحديثِ خَلْوتِه ﷺ بامرأةٍ مِن الأنصارِ احتجَّ المُعترِضون على بطلانِ الحديثِ بِما توَّهَموه من وقوعِه ﷺ به في الخُلوَةٍ المُحرَّمة، مع فيه من كلام مُفعَمِ بكلماتِ الحبِّ يُتنزَّه عنه العَفيف. يقول (أحمد صُبحي مَنصور): «في نفس الصَّفحةِ الَّتي جاء فيها هذا الحديث، يَروِي البخاريُّ حديثًا آخرَ، يَنهَى فيه النَّبي ﷺ عن الخلوة بالنِّساء، يقول الحديث: «لا يخلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ إلَّا مع ذي مَحرم». وذلك التَّناقض المَقصود في الصَّفحةِ الواحدةِ في «صحيح البخاريِّ» يَدفع القارئَ للاعتقادِ بأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَنهى عن الشَّيء ويَفعله!» (١). ويقول (نيازي عزُّ الدِّين): «نجدُ في الحديث عبارة (فَخَلا بها)، لتترُك للشَّيطانِ مجالًا للوسوسة! ثمَّ يقول لها: «والله إنَّكنَّ لأحبُّ النَّاس إليَّ»، مُستخدمًا نون النِّسوة، ليؤكِّد لنا أنَّ رسولَ الله يقصد النِّساء بالذَّات، وليس الأنصار بعامَّة، وأنا أستغربُ

стр. 1262

حقيقةً كيف نَقبل أن نُبقِيَ نحن المسلمين على مثلِ هذه الأحاديث في كُتبنا الدِّينيَّة المقدَّسة؟!» (١).

стр. 1263

المَطلب الثَّالث دَفع المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ عن حديثِ خَلْوتِه ﷺ بامرأةٍ أنصارِيَّة أمَّا عمَّا أناطَ به المُعترضُ إنكارَه للحديث ممَّا استقرَّ في ذهنِه مِن لفظِ «الخَلوة»: فليس في ما أخبر به الرَّاوي عن فعلِه ﷺ حرج، فلم يَعْنِ خَلوتَه ﷺ بالمرأةِ بحيث غَابَا عن أبصارِ النَّاس، إنَّما أراد أنَّهما تنحَّيا ناحِيةً «بحيث لا يَسمعُ مَن حَضَر شَكْواها، ولا ما دارَ بينهما مِن الكلام، ولهذا سمِعَ أنسٌ آخرَ الكلامِ فنَقَلَه، ولم ينقُل ما دارَ بينهما، لأنَّه لم يسمَعه» (١). والدَّليل على ذلك، قول أنسٍ ﵁ نفسِه في روايةِ أخرى مُفصِّلةٍ: « .. فخَلَا معها في بعضِ الطُّرُق، حتَّى فَرَغَت مِن حاجَتِها» (٢). فمثلُ هذه المفاوضةِ للمرأة الأجنبيَّة سِرًّا لا يَقدح في الدِّينِ عند أَمْنِ الفتنة (٣)؛ وشرطُ الخَلوةِ: أن تحتجِبَ أشخاصُهما عن النَّاسِ (٤)، ولأجلِ هذا

стр. 1264

القيدِ ترْجَمَ البخاريُّ للحديث بترجمةٍ دقيقة قال فيها: «ما يجوز أن يَخلُوَ الرَّجل بالمرأةِ عند النَّاس»؛ وهذا قد تَعَامَى عنه المُعترض في تشنيعِه على البخاريِّ! ثمَّ إنَّ تلك الأنصاريَّةُ لم تكُن بمُفردِها وقتَ كلامِها للنَّبي ﷺ ، بل كانت برُفقةِ أولادِها، وهذا ما جاء صريحًا في روايةٍ للبخاريِّ يذكرُ فيها أنس ﵁ أنَّها «أتَتْ النَّبيَّ ﷺ مَعَها أولادٌ لها» وذَكَر الحديث (١). وأمَّا ما استَشْنَعه المُعتَرِض مِن قولهِ ﷺ : «إنَّكُنَّ لأَحَبُّ النَّاس إليَّ»: فهو هنا جاء بنونِ النِّسوةِ، وقد انفرَدَت به رواياتُ «الجامع الصَّحيح» دونِ باقي الصِّحاحِ الأخرى، والَّتي أثبتَتْه بلفظِ: «إنَّكم» للجمع المُذكَّر؛ إلَّا ما في روايةِ أبي ذرِّ الهَرويِّ لصحيح البخاريِّ، فهي فيه أيضًا بمِيمِ المُذَكَّر كالجماعةِ (٢)؛ وهذه الَّتي نراها مُوافقةً لرواياتِ الحديثِ عند أكثرِ المُصَنِّفين، بل وللمَوضعِ الآخر للحديثِ في كتابِ البخاريِّ نفسِه (٣). فعلى هذا اللَّفظ «إنَّكم»: يكون المَعنِيُّ بالحُبِّ النَّبويِّ في حديثِه للمرأةِ الأنصاريَّة عمومَ الأنصارِ، والتَّذكيرُ فيه مِن بابِ «تغليبِ الرِّجال على النِّساء» (٤)، وعلى هذا المعنى دَرَج أئمَّة التَّدوينِ في ترجمتِهم للحديث، وجعلهم إيَّاه تحت الأبوابِ المَعْنيَّة بفضائلِ الأنصارِ (٥). وأمَّا على روايةِ: «إنَّكنَّ» بنون النِّسوة: فمَعَ ما ذكرته من انفراد رُواة صحيح البخاريِّ بهذا اللَّفظ، ومُخالفةِ الهَرويِّ لهم فيه وهو مِن أتقَنِ رُوَاتِه -فإنَّه

стр. 1265

لا يَستقيم بحالٍ ولو على فَرْضِ صِحَّتِه أن يكونَ النَّبي ﷺ عَنَى بهذا الحُبِّ شخصَ المرأةِ المُخاطَبة، وإلَّا لخاطبَها بلفظِ الإفرادِ المُؤنثِّ المُباشِر: «إنَّكِ»! ولفظُ الجَمعِ: «إنَّكُنَّ» يَفهم منه أيُّ عَرَبيٍّ نِسوةَ الأنصارِ عمومًا، أي: «أنَّ نساءَ هذه القَبيلة، أحَبُّ إليه ﷺ مِن نساءِ سائرِ القبائل مِن حيث الجُملة» (١)؛ وإذا سَقَطت شُبهةُ الاختلاءِ مِن فعلِه ﷺ بالأنصاريَّةِ، سَقَطت مَعَها وَساوِس الشَّيطانِ من ذِهْنِ المُعترضِ في المُرادِ بِحُبِّه ﷺ ؛ أعاذنا الله من شرِّ الوساوس.

стр. 1266

المَبحث الثَّاني عشر نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لأحاديثِ دخولِ النَّبي ﷺ على أمِّ حرامٍ وأختِها

стр. 1267

المَطلب الأوَّل سَوْق أحاديثِ دخولِ النَّبي ﷺ على أمِّ حرامٍ وأختِها عن أنس ﵁ «أنَّ أمَّ سُلَيم كانت تبسُط للنَّبي ﷺ نِطَعًا (١)، فيَقِيلُ عندها على ذلك النِّطَع، فإذا نامَ النَّبي ﷺ أَخَذتْ مِن عَرَقِه وشَعْرِه، فجمَعَته في قارورةٍ، ثمَّ جمعته في سُكٍّ (٢) "؛ قال ثُمامة الرَّاوي عن أنس: فلمَّا حَضَر أنس بن مالك الوفاة، أوصى إلى أن يُجعَل في حَنوطِه مِن ذلك السُّك، قال: فجُعِل في حَنوطِه. رواه البخاريُّ (٣). وعن أنس بن مالك ﵁ أنَّه قال: كان رسول الله ﷺ يدخلُ على أمِّ حَرام بنت مِلحان ﵂ فتطعِمُه، وكانت أمُّ حرامٍ تحت عبادة بن الصَّامت ﵁، فدَخَل عليها رسول الله ﷺ ، فأطعَمَته، وجعلت تَفْلي رَأْسَه، فنَامَ رسول الله ﷺ ، ثمَّ استيقَظَ وهو يضحك، قالت: فقلتُ: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: «ناسٌ مِن أمَّتي عُرضوا عليَّ غُزاةً في سبيل الله، يركبون ثَبَج هذا البحر، ملوكًا على الأسِرَّة، أو: مِثل الملوكِ على الأسِرَّة» -شكَّ إسحاق (٤) - قالت: فقلتُ: يا رسول الله، ادعُ الله أن يجعلني منهم، فدعَا لها رسول الله ﷺ .

стр. 1268

ثمَّ وَضَع رأسَه، ثمَّ استيقظَ وهو يضحك، فقلتُ: وما يضحِكُك يا رسول الله؟ قال: «ناسٌ مِن أمَّتي عُرِضوا عليَّ غُزاةً في سبيل الله» -كما قال في الأوَّل- قالت: فقلتُ: يا رسول الله ادعُ الله أن يجعلني منهم، قال: «أنتِ مِن الأوَّلين». فرَكِبَتْ البحرَ في زمانِ معاوية بن أبي سفيان، فصُرِعت عن دابَّتها حين خَرَجت مِن البَحر، فهَلَكَت. متَّفق عليه (١).

стр. 1269

المَطلب الثَّاني سَوْق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ لدخول النَّبي ﷺ على أمِّ حرامٍ وأختِها مِن أشهرِ ما يورده الطَّاعنون مِن الاعتراضاتِ على هذين الحديثين أنَّ ظاهِرهما اختلاءَ النَّبي ﷺ بنِساءٍ أجنبيَّاتٍ. وفَلْيُ أمِّ حرامٍ ﵂ لرأسِه مُماسَةٌ بين مَن لا يحلُّ منهما ذلك، لانتفاءِ المَحْرَميَّة! وهذا كلُّه حَرَّمه النَّبي ﷺ على أمَّتِه، فكيف يقع هو فيه؟! (١)

стр. 1270

المَطلب الثَّالث دفعُ المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ عن دخولِ النَّبي ﷺ على أمِّ حرامٍ وأختِها أمَّا دعوى المُعترِض خلوةَ النَّبي ﷺ بأجنبيَّة عنه في الحديث، ومَسُّها له مِن غير مَحْرَميَّة: فالحديث خِلوٌ مِن إفادةِ معنى الخُلوة أو نفيها، غاية ما فيه التَّصريحُ بدُخولِ النَّبي ﷺ على أمِّ سُليم وأختِها، ولا يَلزم أن يكون البيتُ ليس فيه إلَّا واحدة وقتَ دخولِه، بل الغالب خلاف ذلك، فتنتفي الخلوة، لأجلِ أنَّ أمَّ حرامٍ كانت تُساكِن أختَها أمَّ سليم، فـ «بيتُهما واحد، ثمَّ لا مانعَ أن تكون الأُختان في بيتٍ واحدٍ كبيرٍ لكلٍّ منهما فيه مَعزل» (١). يدلُّ على هذا قول أنسٍ ﵁: «دَخَل النَّبي ﷺ علينا، وما هو إلَّا أنا وأمِّي وأمُّ حرام خالتي، فقال: قوموا فلِأصلِّي بكم .. » الحديث (٢). وعلى فَرْضِ دلالةِ الحديث على خلوة النَّبي ﷺ بأمِّ سُليم أو أختِها: فقد جاز ذلك كونُه مَحْرمًا لهما، ما يُفسِّر تمكينَه لأمِّ حرامٍ فَلْيَه لرأسِه الشَّريفِ، وقد نَقَل النَّووي اتِّفاقَ أهل العلم عليه، والأكثرُ على أنَّ ذلك مِن جِهة الرَّضاعة (٣).

стр. 1271

يقول ابنُ وهب (١): «أمُّ حرامٍ إحدى خالات النَّبي ﷺ مِن الرَّضاعة، فلذلك كان يَقِيل عندها، ويَنام في حِجْرها، وتَفْلي رَأْسَه» (٢). وهذا ما جَزَم به أبو القاسم ابن الجوهري (ت ٣٨١ هـ) (٣)، والدَّاودي (ت ٤٠٢ هـ)، والمهلَّب بن أبي صفرة (ت ٤٣٥ هـ)، وغيرهم من أهل العلم (٤). بل قال ابن عبد البرِّ: «لا يشكُّ مسلمٌ أنَّ أمَّ حرام كانت مِن رسول الله ﷺ لمحرم، فلذلك كان منها ما ذُكر في هذا الحديث .. »، ونَقَل عن يحيى ابن مُزَين (ت ٢٥٩ هـ) (٥) قولَه: «كانت منه ذاتَ مَحْرمٍ مِن قِبَل خالاتِه، لأنَّ أمَّ عبد المطَّلِب بن هاشم كانت مِن بني النَّجار» (٦). وأمَّا ما أورده الدُّمياطيُّ (ت ٧٠٥ هـ) (٧) على هذا التَّفسير بأنَّ «هذه خَؤُولة لا تَثبتُ بها مَحرميَّة، لأنها خَؤُولة مَجازيَّة، وهي كقوله ﷺ لسعد بن أبي وقاص ﵁: «هذا خالي»، لكونه مِن بني زُهرة، وهم أقارب أمِّه آمنة، وليس سَعدٌ أخًا لآمنة، لا مِن النَّسَب، ولا مِن الرَّضاعة» (٨)؛ فجوابنا عليه:

стр. 1272

أنَّ ابن مُزينٍ ما أراد بتعليلِه الأخيرِ كونَ بني النَّجار أخوالًا له ﷺ على الحقيقة، لمُجرَّد كونِ جدَّتِه العُليا منهم، كلَّا؛ فهذه -كما قالَ الدُّمياطيُّ- خُؤولةٌ مَجازيَّة لا تُثبت مَحرميَّة، وليس يخفى أمرُها على العَوامِّ، فضلًا عن مثلِ ابن مُزَينٍ، أو ابن وهبٍ وغيرهما من أهل العلم. إنَّما أراد ابن مزين وغيره بذلك: التَّدليلَ التَّاريخيَّ على أنَّ أصلَ الرَّضاع مَوجود في بني النَّجار لأحدِ أصولِ النَّبي ﷺ ، سواء مِن جِهة أبيه أو أمِّه، بحكمِ المُصاهرةِ الكائنةِ بين بني هاشمٍ وبني النَّجار؛ هذه الرَّابطة تقتضي وجودَ تزاورٍ بين أصحابِها ومُعايشة، كما حَصَل مِن آمنة بنت وهب -أمِّ رسول الله ﷺ حين قدِمت بمحمَّدٍ ﷺ على أخوالِه مِن بني عدِّي بن النَّجار بالمدينة (١). والغالب في مثل هذه الرَّوابطِ قديمًا ألَّا تُعدَمَ رَضاعًا يَتَخلَّلُها ويَنتشر بين أبنائِها، فأرادَ ابن مُزَين التَّنبيهَ بهذا على أنَّ أمَّ سُليم وأختَها مِن خالاتِ النَّبي ﷺ رضاعًا غير مُستبعد من هذه الجِهة المشروحةِ؛ فلمَّا أنْ وجدنا النَّبي ﷺ يُعامِل هاتَين الأُختين معاملةَ المَحارمِ دون سائرِ نساءِ المَدينةِ، مع ما علمناه من نِسبةِ أمِّ سليم وأختِها إلى أخوالِه مِن بني النَّجار: تحقَّقنا بهذا أنَّ له بهما صِلةً مَحْرميَّةً ما. فأمَّا مَحرميَّة النَّسَب: فقد وجدناها بعيدَة الوقوع، لأنَّ خفَاءَ النَّسبِ عن العربِ وقتئذٍ أقربُ إلى الإحالةِ. فلم يبقَ إلَّا القول بمَحْرميَّة الرَّضاع، وهو المُتعيِّن هنا، لانتشارها بين الأجانب في ذلك الوقت كما سبَق تقريره، وهي تخفى أحيانًا على أقربِ النَّاس ممَّن أُرْضِع، فضلًا عن البَعيد، والشَّواهد على ذلك كثيرة. مِن ذلك ما أخبرت به عائشة ﵂ قالت: «دَخَل علَّي رسول الله ﷺ وعندي رجلٌ قاعدٌ، فاشتَدَّ ذلك عليه، ورأيتُ الغَضبَ في وجِهه، فقلتُ: يا رسول الله، إنَّه أخي مِن الرَّضاعة، فقال: «اُنظُرنَ إخوَتَكُنَّ مِن الرَّضاعة، فإنَّما الرَّضاعة مِن المَجَاعة» (٢).

стр. 1273

فهذا رسول الله ﷺ قد خفِي عليه أمرُ رضاعِها مع ذاك الرَّجل، مع أنَّها زوجُه! (١) فإن عادَ الدُّمياطي ليعترض على وجود المَحرميَّة بما أخبر أنس ﵁: أنَّ النَّبي ﷺ لم يكن يدخلُ بيتًا بالمدينة غير بيتِ أمِّ سُليم، إلَّا على أزواجِه، فقيل له، فقال: «إنِّي أرحمُها، قُتل أخوها معي (¬٢») (٣)؛ يقول الدُّمياطي: «فبَيَّن تخصيصَها بذلك، فلو كان ثمَّةَ علَّةٌ أخرى لذَكَرَها، لأنَّ تأخيرَ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ لا يجوز» (٤). فجوابنا عليه: أنَّ السُّؤال الموجَّه إليه ﷺ لم يكُن مِن الأصلِ عن عِلَّةِ دخولِه ﷺ على امرأةٍ يَرَونها أجنبيَّة، فإنَّ هذا لا يُناسبه ما أجابَ به ﷺ من رحمتِه إيَّاها بعد مَقتلِ أخيها! فهذه العِلَّة يشتركُ فيها أيضًا غيرُ أخيها حرام بن ملحانَ مِن السَّبعين الَّذين قُتلوا معه في بئرِ مَعونة وغيرِها مِن مشاهدِ القِتال، وهؤلاء قد وَجد عليهم أهليهم كالَّذي وجدته أمُّ سليم على أخيها! ومع ذلك لم يكُن النَّبي ﷺ يزور أهليهم ولا يُعاملهم معاملةَ المحارِم، كما كان يفعله مع أمِّ سُليم وأختِها. فتعيَّن أن يكون سؤالهم عن غيرِ ذلك؛ والأقربُ أن يكونَ النَّبي ﷺ إنَّما سُئِل عمَّا لاحظوه مِن كثرةِ دخولِه عليها، وتخصيصِها بمزيد عناية.

стр. 1274

ومُحصَّل القول المفيد في هذا الحديث وأمثاله: أنَّ الفرق بين أهل العلمِ والمُعترضينَ المُحْدثين، يكمُن في أنَّ كِلا الفريقين رَأوا في الأحاديث حكايةَ فعلٍ نَبويٍّ يُعارض ما استقرَّ عندهم في الشَّريعة مِن النَّهي عنه: فأمَّا هؤلاء المُحْدَثون فهُرِعوا إلى تكذيبِ تلك الأخبار ضربة لازب! وأمَّا العلماء مع كونِهم أحرص على تنزيهِ نبيَّهِم ﷺ مِن اقترافِ ما يخالف شرعَه، قد سَلكوا مَسْلكًا آخر أبْرَك، نَفوا فيه أن يكون هذا الفعلُ المُخبَر عنه مُخالَفةً مِن الأساس! وأثبتوا المَحْرميَّةَ بينهما مِن جِهةٍ ما، ويكفي دلالةُ فعلِه ﷺ علىها، مضمومًا إليها مجموعُ القرائن التَّاريخيَّة وأقوالُ المتَقدِّمين المَسوقة آنفًا. مثالُ هذه المنهجيَّة المَنطقيَّة في الاستدلال: عينُ ما سَلَكَه ابنُ عبد البرِّ للخلوصِ إلى هذه النَّتيجة، فقد قال: «لا يشكُّ مسلمٌ أنَّ أمَّ حرامٍ كانت مِن رسول الله لمحرمٍ، فلذلك كان منها ما ذُكر في هذا الحديث. .»، وذكرَ ما مرَّ من قولِ ابنَ وهبٍ وابن مُزين في إثباتِ الخؤولة مِن الرَّضاعة، ثمَّ زادَ أن ساقَ الأحاديثَ النَّاهيةَ عن الخلوة، ثمَّ عقَّب عليها قائلًا: « .. وهذه آثارٌ ثابتةٌ بالنَّهي عن ذلك، ومحالٌ أن يأتيَ رسول الله ﷺ ما يَنهى عنه» (١). وبمثلِ هذا المسلكِ في معالجةِ المُشكلاتِ المَتنيَّة تأتلف النُّصوص ولا تختلف، ويُحفظ للحديثِ الصَّحيحِ مقامه، لا أن يُركنُ إلى إنكارِه لمجرَّد ما يبدو فيه من إشكالٍ؛ وبالله التَّوفيق.

стр. 1275

المَبحث الثَّالث عشر نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لأحاديثِ المتعلِّقة بإتيانِ النَّبي ﷺ نساءَه

стр. 1276

المَطلب الأوَّل سَوْق الأحاديثِ المتعلِّقة بإتيانِ النَّبي ﷺ نساءَه عن أنس بن مالك ﵁ قال: «كان النَّبي ﷺ يدور على نسائِه في السَّاعة الواحدة، من اللَّيل والنَّهار، وهُنَّ إحدى عشرة»، فقيل لأنس: أَوَكان يُطِيقُه؟ قال: كُنَّا نَتَحدَّث «أنَّه أُعطِيَ قوَّة ثلاثين»، متَّفق عليه، واللَّفظ للبخاري (١). وعن عائشة ﵂ قالت: «كانت إِحْدانا إذا كانت حائضًا، فأرادَ رسول الله ﷺ أن يُباشرها: أَمَرَها أن تَتَّزِر في فَوْرِ حيضتِها، ثمَّ يباشرُها، قالت: وأيُّكم يملكُ إرْبَه (٢) كما كان النَّبي ﷺ يملك إرْبه؟!» رواه البخاريُّ (٣). وعنها ﵂ قالت: إنَّ رجلًا سَأَل رسول الله ﷺ عن الرَّجل يجامع أهلَه، ثمَّ يُكسِل (٤)، هل عليهما الغُسل؟» وعائشة جالسة، فقال رسول الله ﷺ : «إنِّي لأفعلُ ذلك أنا وهذه، ثمَّ نغتَسِل» رواه مسلم (٥).

стр. 1277

وعن جابر ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ رأى امرأةً، فأتى امرأتَه زينب ﵂، وهي تمْعَس مَنيئةً لها (١)، فقضى حاجَتَه، ثمَّ خَرَج إلى أصحابِه، فقال: «إنَّ المرأةَ تُقبِل في صورةِ شيطان، وتُدبِر في صورةِ شيطان، فإذا أبصَرَ أحدُكم امرأةً فليأتِ أهلَه، فإنَّ ذلك يردُّ ما في نفسِه» رواه مسلم (٢).

стр. 1278

المَطلب الثَّاني سَوْق المُعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِ لأحاديث إتيانِ النَّبي ﷺ نساءَه أجلبَ المُخالفون على هذه الأخبارِ النَّبويَّةِ جملةً مِن الشُّبهات، ترتكز على دعوى الانتقاص مِن مَقامِ النَّبي ﷺ وأهلِ بَيتِه، تضمَّنتها المعارضات التَّالية: المعارضة الأولى: أنَّ في خَبَرِ طَوافِه ﷺ على نِسائِه ما يَتعارض مع المُستقِرِّ علمُه مِن حالِه، في قضائِه لَيالِيه قِيامًا وذِكرًا، ونهارَه دعوةً وجهادً وتدبيرًا لشؤون أمَّتِه، فلم يكُن بالمُستهلِك أوقاتَه بالمُضاجعةِ إلى هذه الدَّرجةِ مِن الهَوَس! كذا قالوا (١). المعارضة الثَّانية: أنَّ في خَبرِ إتيانِ النَّبي ﷺ لعائشةَ وغيرها مِن زوجاتِه وهُنَّ حُيَّض: هَتكٌ لحُرمةِ بيتِ النُّبوة! وذِكرٌ لخواصِّ فِراشِه بلا ضرورَة، وهو مع ذلك مُخالفٌ لأمرِ الله تعالى بعدَمِ قُربانِ الحُيَّض، في قوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] (٢).

стр. 1279

المعارضة الثَّالثة: أنَّ في خَبرِ جوابِه للسَّائل بحصولِ نفسِ ما سَأَل عنه مِن إكسالٍ له مع زوجِه عائشة، مُشيرًا إليها في المجلسِ: غَضًّا لما عُلِم عنه ﷺ مِن شدَّة الحياء، فضلًا عن مناقضتِه لحديثٍ آخرَ يجعلُ شرطَ الغُسلِ الإنزالَ، لا مُجرَّد الإيلاج (١). المعارضة الرَّابعة: أنَّ في خَبَرِ نَظَرِه ﷺ إلى امرأةٍ أجنبيَّةٍ، ما يُوحي باستيعابِه جميعَ هيئتِها، وإلَّا لم تَثُر شَهوتُه، وفي هذا ما يُناقض فريضةَ غضِّ البَصَر (٢).

стр. 1280

المَطلب الثَّالث دفع دعوى المُعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِ عن أحاديث إتيانِ النَّبي ﷺ نساءَه أمَّا جوابُنا على المُخالِفِ في مُعارضتِه الأولى، في أنَّ في طَوافِه ﷺ على نِسائِه، ما يَتَعارض مع المُستَقِرِّ علمُه مِن حالِه، في قضائِه لَيالِيه قِيامًا وذِكرًا .. إلخ، فنقول فيه ابتداءً: إنَّ هذا الطَّوافَ مِن النَّبي ﷺ على نسائِه في ساعةٍ كان قليلَ الوقوعِ منه لا مُطَّردًا، بل قد جاء في خَبرٍ صحيح ما يُشعِر بأنَّ ذلك كان يَقع منه عند إرادتِه الإحرامَ لا غير؛ وهو في قولِ عائشة ﵂: «كنتُ أُطيِّبُ رسولَ الله ﷺ ، ثمَّ يطوف على نسائِه، ثمَّ يُصبِحُ مُحرِمًا يَنضخ طِيبًا» (١). وفي تقرير هذه الفائدة، يقول الكَشْميري: «هذه واقعةٌ واحدةٌ في حَجَّةِ الوَداع، لم تَقع إلَّا مرَّةً واحدةً، وإن كانت ألفاظُ الرَّاوي تُشعِر بكونِها عادةً، ولكن عندي اتِّباعُ الواقعِ أَوْلى، لأنَّه لم يُعلَم في الخارجِ غير هذه الواقعة، فليَقصُرها على مَورِدها» (٢).

стр. 1281

والَّذي يعضدُ القولَ بهذه النُّدرة من فعله ﷺ : ما صَحَّ على لسانِ أنس ﵁ نفسِه من تقييدِ ذلك بيومٍ واحد، حيث روى: «أنَّ رسول الله ﷺ طافَ ذاتَ يومٍ على نسائِه في غسلٍ واحدٍ» (١)؛ وهذا مُشعِر بأنَّ خَبَره الأوَّل بلفظِ: «كان النَّبي ﷺ يدور على نسائِه .. »: لم يُرِد به معنى الاستمرار، فإنَّ صيغةَ (كان يفعل) يجوز أن تُستعمَل لإفادةِ مُجرَّد وقوعِ الفعل، وتأكيد مشروعيَّته، وهذا صادق بالمرَّة الواحدة، دون أن يدُلَّ على التَّكرار. ولَإِنْ كانت إفادةُ التَّكرار والاستمرار هي الأكثر في الاستعمال (٢)، فقد جاء ما يَصرف هذه الصِّيغةَ عن هذه الدَّلالة، ويُثبِتُ له معنى الوقوع المجرَّد. فليس إذن في حديث أنس ﵁ ما يُفيد كونَ طوافِه ﷺ بنسائِه عادةً مستمرَّة له، كما تعجَّل في فهمِه المُعترض؛ هذا أوَّلًا. ثمَّ ثانيًا: ما أزعَجَ هؤلاء من استكثارِ الرَّجل الفحل إتيانَ زوجاتِه في الحَلالِ؟ وأيُّ ضَيرٍ في ما فَعَله النَّبي ﷺ يمسُّ دينَه ومُروءته؟! إنَّ أمثالَ هذه الشُّبَه (البارِدة) المُستحدثة في زَمَنِ الاستغرابِ هذا، ما أُراها إلَّا وساوِس ألقاها شيطان الجهل في نفوسٍ مَريضةٍ مَصبوغةٍ بأثَرٍ للنَّصرانيَّة مُحرَّفة، ترى فيها الشَّهوةَ دَنَسًا، والانتشاءَ بها عَيْبًا وقَرَفًا؛ بحيث انطَمَست عن بَصائرِهم حقيقةٌ فطريَّة، لطالَما تغنَّى بها الإنسان من عهدِ البَشريَّةِ الأولى: أنَّ مِن كمالِ الرُّجولة والأنوثةِ معًا طَلَبُ تلك الشَّهوةِ، فمُتعَة النِّكاحِ مِن أجَلِّ النِّعَم الَّتي رَزقَها الله عبادَه، وحَفْنةٌ مِن نَعيمِ الجنَّة نُثِرت على وجهِ الدُّنيا، يَسعدُ بها مَن ذاقها بحقِّها، ويَشقى بها مَن تَعدَّى بها حدودَها. فيا لِعَيْبِ ما عَابَه البَارِدونَ على النَّبي ﷺ مِن فعلِه، وهو مَحْمَدةٌ اختَصَّه الله تعالى به ﷺ مِن حيث صِحَّةُ البِنْيةِ، وقوَّةُ الفُحوليَّة، وكمالُ الرُّجوليَّة، مع ما كان

стр. 1282

عليه ﷺ مِن الاشتغالِ بالعِبادةِ والعلومِ والجهاد؛ فأرغَم أنوفَ الرُّهبانِ في التَّبتُّل! وأوصى بنكاحِ الوَلودِ نَدْبًا للتَّنسُّل! هذا؛ وقد كان -بأبي هو وأمِّي- في غايةٍ مِن الجَهْد، والمُجاهداتِ، والمُكابَدات، حتَّى «خَرَج مِن الدُّنيا ولم يشبع مِن خبز الشَّعير» (١)؛ فمَن كانت هذه حاله، جرت عليه العادة بأن يَضعُف عن الجماعِ! إذْ كان مِن قَبيل الجمعِ بين الضِّدين، فإنَّ القُوَّة في النِّكاحِ لا تجامع قِلَّةَ الغذاءِ، لا طِبًّا ولا عادةً، إلَّا أن يَقَع على وَجهِ الخرقِ للعادةِ! وهذا ما أكرمَه به مَوْلاه في جملةِ ما وَهَبه مِن آياتٍ تخصُّه عن سائر النَّاس، لِيجمَعَ له بين الفَضيلتين في الأمور الاعتياديَّة، فيكونَ حاله كاملًا في الدُّنيا كما هو كامل في الآخرة (٢). ولله دَرُّ الخطَّابي حينَ أفصحَ عن هذه المعاني الرَّاقية بعباراتٍ جزلةٍ، ينافح بها عن نبيِّه ﷺ أشباهَ شُبَهِ زمانِنا كانت في زَمنه، أنقلها مع طولِها لحُسنِها، يقول فيها: «لقد سألوا عن إباحةِ الزِّيادة مِن عَددِ النِّساء للنَّبي ﷺ ، على مَبلغِ العَدد الَّذي أُبيح منهنَّ لأمَّته! وعن معنى ذلك! وفي إباحةِ المَوهوبة له! وهذا بابٌ له وَقع في القلوبِ، وعَلقٌ بالخواطرِ مِن النُّفوس، وللشَّيطان مَجالٌ في الوَسواس به، إلَّا عند مَن أُيِّد بفضلِ عقلٍ، وأُمِدَّ بزيادةِ علمٍ. وأوَّل ما ينبغي أن يحصُل مِن تَقدِمَة العلمِ في هذا: أنَّ رسولَ الله ﷺ كان بَشرًا، مخلوقًا على طِباعِ بني آدم في بابِ الأكلِ، والشُّرب، والنَّوم، والنِّكاح، وسائرِ مَآرب الإنسانِ الَّتي لا بَقاءَ له إلَّا بها، ولا صَلاح لبَدَنِه إلَّا بأخذِ الحظِّ منها، والنَّاس مُختلفون في تركيبِ طِباعهم، ومبلغ قُواهم. ومَعلوم بحكمِ المشاهدة، وبالامتحانِ مِن جِهة دلائلِ عِلْم الطِّب: أنَّ مَن صَحَّت خِلقتُه، وقويت بِنْيتُه، فاعتدلَ مِزاجُ بَدنِه، حتَّى تكون نُعوته ما نَطقَت به

стр. 1283

الأخبار المتواترة مِن صِفة رسول الله ﷺ ، وما نُعِت به فيها مِن صلاحِ الجسمِ، ونضارة اللَّون، وإشراب الحُمرة، وإشعار الذِّراعين والصَّدر، مع قوَّة الأسر، وشِدَّة البطش: كان دَواعي هذا الباب له أغلب، ونزاع الطَّبع منه إليه أكثر، لأنَّ هذه الفطرة الَّتي لا أفضل منها في كمال الخِلقة، ولا أقْوم منها في اعتدال البِنْية، وكان ما عداها مِن الخَلق، وخالفها مِن النُّعوت منسوبًا إلى نقصِ الِجبلَّة، وضَعفِ النَّحِيزة (١). وكانت العَرَب -خصوصًا- تَتباهى بقوَّةِ النِّكاح، وكثرة الوِلادة، وتَذمُّ مَن كان بخلافِ هذا النَّعت ... وكان قلَّةُ الرَّزءِ (٢) مِن الطَّعام، والاجْتِزاء بالعُلْقة من ذلك، والاكتفاء باليسير منه، في مذهب الحَمْد عِندهم والثَّناء والمدْح به: مُضاهيًا لمذْهَبِهم في المَدْحِ بالقوَّة على النِّكاح، وكثرةِ النَّسلِ والوِلادِ، وعلى العكس منه أن يكون رَغيبًا أكولًا .. قالت المرأة: (ابنُ أبي زَرْع، فما ابنُ أبي زَرْع! مَضْجِعُه كمسَلِّ شَطْبَة (٣)، وتُشْبِعُه ذِراع الجَفْرة (٤) .. )، تمدحُه بقلَّة الطُّعم كما ترى .. فهذا مذهبهم في هذا الشَّأن، ومَعانيهم في هذا الباب، فتأمَّل كيف اختارَ الله لنبيِّه ﷺ في كلِّ واحدٍ مِن الأمرين، فجَمَع له الفضائل الَّتي يزداد مِن أجلها في نفوسِهِم جلالةً، وفي عيونهم قدْرًا وفخامةً، ومِن النَّقائضِ الَّتي يُزدرَى بها أهلها نزاهةً وبراءةً، .. هذا إلى ما بعثه الله به مِن الشَّريعة الحنيفيَّة الهادمة لما

стр. 1284

كان عليه الأمر في دين النَّصارى مِن التَّبتلِ، والانقطاعِ عن النِّكاح، وهجرانِ النِّساء، فدعا إلى المُناكحةِ والمواصلةِ، وحَضَّ عليهما .. » (١). وأمَّا دعوى المعارضة الثَّانية من أنَّ في الحديث هَتكًا لحُرمةِ بيتِ النُّبوة، وذِكرًا لخواصِّ فِراشِه بلا ضرورَة، ومُخالفةً للنَّهيِ عن قُربانِ الحُيَّض: فليَعْلَم المُعترض بهذا أنَّ لفظَ المُباشرة في كلامِ عائشة ﵂ ليس مرادًا منه جماع، ولكن مُقدِّماتُه؛ وذلك قول العَرب: باشَرَ الرَّجل امرأتَه مُباشرةً وبِشارًا: إذا كان معها في ثوبٍ واحدٍ، فوَلِيت بَشرتُه بَشرتَها (٢). والَّذي يدلُّ على هذا المعنى مِن حديث عائشة نفسِه، قولها ﵂: « .. أمَرَها أن تَتَّزر»، أي: أن تَلُفَّ عليها إزارًا، مِن السُّرَة إلى الرُّكبة، أو قريبًا مِن ذلك (٣)، بحيث يحول ذلك دون مُلامسة الفَرْجِ وما حوله، والنَّظر إليه. فبِمثل هذه السُنَنِ العمليَّة ينبغي للمسلمِ فهم معنى الاعتزال في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾؛ أي أنَّه اعتزالٌ مَخصوصٌ بمَوْضعِ الأَذَى، فلا يُجامَعنَ في الفرجِ، ويبقى ما دون ذلك على الإباحةِ الأصليَّةِ. ذلك أنَّ من سألوا رسولَ الله ﷺ عن الحَيْض قومٌ مِن أهل المدينة، وقد كانوا قبل بيانِ الله لهم ما يَتبيَّنون مِن أمرِ ذلك لا يُساكِنون حائضًا في بيتٍ! ولا يُؤاكلونهنَّ في إناءٍ ولا يشاربونهنَّ! فعَرَّفهم الله بهذه الآية أنَّ الَّذي عليهم في أيَّامِ حيضِ نسائِهم: أن يجتَنِبوا جِماعَهُنَّ فقط، دون ما عَدا ذلك مِن مُضاجَعِتهنَّ، ومُؤاكلِتهنَّ، ومُشارَبتِهنَّ (٤). ترى حقيقة هذا المعنى في خَبرِ أنس رضي الله عنهقال: إنَّ اليهود كانوا إذا حاضَت المرأةُ فيهم، لم يُؤاكلوها، ولم يُجامعوهنَّ في البيوت، فسَألَ الصَّحابة النَّبيَّ ﷺ ،

стр. 1285

فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، إلى آخر الآية، فقال رسول الله ﷺ : «اِصنعوا كلَّ شيءٍ إلَّا النِّكاح»، فبَلَغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يُريد هذا الرَّجل أن يدَعَ مِن أمرِنا شيئًا إلَّا خالفنا فيه!» (١). فكما أنَّه ﷺ بيَّن جوازَ المباشرة للحُيَّضِ بقولِه في جوابِه لأصحابه، أكَّد هذا البيانَ اللَّفظيَّ بفعلِه، فنَقَلت زوجُه عائشة ﵂ هذا البَيانَ الفِعليَّ لأمَّتِه، كي لا يبقى مَقالٌ لمُتأوِّل، وأفادَت أمرَه ﷺ لهنَّ بالاتِّزارِ مِن بابِ الحِيطة. هذا كلُّ ما في الأمر! فيا بُعد ما أخبرَت به أمُّ المؤمنين عمَّا ادَّعاه المعترض مِن هَتكِ حُرمةِ النُّبوة! ويا سُحقَ ما أجملت في بيانِه ﵂ عن إفشاءِ سرِّ الزَّوجيَّة! وأمَّا الشُّبهة الثَّالثة من دعوى المعترض أنَّ الإخبارَ بإكسالِه مع زوجِه مُشيرًا إليها، غَضًّا لما عُلِم عنه ﷺ مِن شدَّة الحياء .. إلخ، فيُقال في كشفِها: ليس في ذكرِ الرَّجلِ لجماعِ أهلِه بمُجرَّدِه إفشاءً لسِرِّ زوجِه ولا هتكًا لأستارِ الحياء؛ إنَّما العَيْبُ أن يُفشيَ الزَّوج ما يجري بينه وبينها مِن أمورِ الاستمتاع وتفاصيل ذلك؛ هذا المُستهجَن عُرْفًا والمُحرَّم شرعًا. أمَّا مجرَّد ذكر الجِماع، فيقول النَّوويُّ: «إن لم تكُن فيه فائدةٌ، ولا إليه حاجة: فمَكروه، لأنَّه خلافُ المُروءة» (٢)، والفائدة في هذا الحديثِ ظاهرة، والمصلحة فيه مُتحقِّقة! فإنَّ جوابَه ﷺ للسَّائل بحكايةِ فعلِ ذلك مِن نفسِه: تعليمًا له بأوقعِ عبارةٍ في نفسِه، وترسيخًا للحكمِ بأوكدِ أسلوبٍ في ذهنه، مع ما فيه مِن زيادة البَيانِ، ونفيٍ للرِّيبة والظُّنون، فجازَ الجواب بتلك العِبارةِ، ولو بحضرةِ الزَّوجِ، إذا تَرتَّب مثلُ ما ذُكِر مِن المصلحة، شرطَ انتفاءِ وقوعِ أذىً وإحراج، وهو ما عَلِم النَّبي ﷺ -بحسبِ معرفتِه بأحوالِ السَّائل ومُستسَاغِ عُرفِه- انتفاءَه حالَ المسألة.

стр. 1286

يقول القاضي عياض في مَعرضِ استحسانِه لهذا الجوابِ النَّبويِّ للسَّائل وتعليلِه: «غايةٌ في البَيانِ للسَّائل، بإخبارِه عن فعلِ نفسِه، وأنَّه مماَّ لا تَرخُّص فيه، .. وفيه أنَّ ذكرَ مثل هذا على جهةِ الفائدةِ غير مُنكرٍ مِن القول، وإنَّما يُنكَر عنه الإخبار منه بصورةِ الفِعل، وكشفِ ما يُتسَتَّر به من ذلك، ويحُتشَمُ مِن ذِكره» (١). ودعوى المعترض مناقضة الحديث لغيره مِن الأخبارِ في اشتراطِها الإنزالَ لوجوبِ الغُسل، يعني جوابَه ﷺ لعتبان ﵁ حين سألَه عن الرَّجل يعجَلُ عن امرأتِه ولم يُمْنِ، فقال له: «إنَّما الماء من الماء» (٢)؛ وقولَه: «إذا أُعْجِلت أو أَقْحَطتَ فلا غُسل عليك، وعليك الوضوء» (٣): فهذان الحديثان وأشباههُما قد نُسخا بمثلِ الحديثِ الَّذي رَدُّوه لأجلِها، فلا إشكال، وهذا ما عليه جمهور أصحابِ رسول الله ﷺ وجماعةُ الفقهاء والمُحدِّثين (٤). يقول أُبيُّ بن كعب ﵁: «إنَّما كان الماء مِن الماء رخصةً في أوَّل الإسلام، ثمَّ نُهي عنها» (٥). وأمَّا دعوى المُعترضِ في الشُّبهة الرَّابعة من أنَّ خَبَرَ نَظَرِه ﷺ إلى أجنبيَّةٍ وإثارةِ شهوتِه يُوحي باستيعابِه جميعَ هيئتِها، وفي ذلك مخالفة لفريضةِ الغضِّ للبَصَر!: فليس في الحديث إطالةُ النَّبي ﷺ النَّظر إلى المرأةِ، ولا هو بشرطٍ أن يستوعِب هيأتَها حتَّى تَقَع في النَّفسِ شهوةٌ، بل تقع بنَظرِ الفجأةِ ولو بغير قصد،

стр. 1287

إذا كان المَنظور ظاهرَ الحُسن مثلًا، وهذا لا عَيب في نفسِه على صاحبِه، إذ لا مِلكَ للجِبِلَّة في دفعِه. فلمَّا كان هذا واردَ الحصولِ ولو للصَّالحين مِن أُمَّته، نَدَبهم ﷺ إلى جماعِ الحَليلةِ بقولِه ليُمتثل أمرُه، وبفعلِه ليُقتدى به، خوفًا عليهم مِن استحكامِ داعي فتنةِ النَّظَر، فيسكُنَ بذلك حَرُّ الشَّهوة، ويَحسِمَ المرءُ عن نفسِه ما يتوقَّع وقوعَه (١). وفي تقريرِ هذه الحكمة النَّبويَّة الجليلة، يقول ابن العَربيِّ: «هذا حديثٌ غريب المعنى، لأنَّ الَّذي جَرى للنَّبي ﷺ سِرٌّ لا يعلَمه إلَّا الله، ولكنَّه أذاعَه عن نفسِه، تسليةً للخلق، وتعليمًا لهم، وقد كان آدميًّا ذا شهوةٍ، ولكنَّه مَعصوم عن الزَّلة، وما جَرى في خاطرِه حين رأى المرأةَ لا يُؤاخَذ به شرعًا، ولا يُنقص مِن مَنزلتِه، وذلك الَّذي وَجد في نفسِه مِن إعجابِ المرأة هي جِبِلَّة الآدميِّين الَّتي تحقِّق بها صِفتها، ثمَّ غَلَبها بالعِصمة فانقطعت، وجاء إلى الزَّوجة ليقضي فيها حقَّ الإعجابِ والشَّهوة الآدميَّة بالاعتصامِ والعِفَّة» (٢). وخيرُ الهَدْيِ هَديُ محمَّد ﷺ .

стр. 1288

المَبحث الرَّابع عشر نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديثِ عَرْضِ أبي سفيان أمَّ حبيبة على النَّبي ﷺ

стр. 1289

المَطلب الأوَّل سَوق حديثِ عَرْضِ أبي سفيان أمَّ حبيبة على النَّبي ﷺ عن أبي زُمَيل قال: حدَّثني ابن عبَّاس ﵁ قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يُقاعدونه، فقال للنِّبي ﷺ : يا نبيَّ الله ثلاثٌ أعطِنيهنَّ، قال: «نعم». قال: عندي أحسنُ العرب وأجمله، أمُّ حبيبة بنت أبي سفيان، أزوِّجُكَها، قال: «نعم». قال: ومعاوية، تجعله كاتبًا بين يديك، قال: «نعم». قال: وتُؤَمِّرني، حتَّى أقاتل الكُفَّار كما كنتُ أقاتل المسلمين، قال: «نعم». قال أبو زُميل: ولولا أنَّه طلب ذلك مِن النَّبي ﷺ ما أعطاه ذلك، لأنَّه لم يكن يُسأل شيئًا إلَّا قال: «نعم». رواه مسلم (١).

стр. 1290

المَطلب الثَّاني سَوْق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ لحديثِ عَرْضِ أبي سفيان أمَّ حبيبة على النَّبي ﷺ أجمَعَت كلمةُ المُنكِرين للخَبرِ على كونِه مُصادمًا لحقيقةٍ تاريخيَّة قطعيَّة، وهي: أنَّ النَّبي ﷺ كان قد تَزوَّج أمَّ حبيبة بنتَ أبي سفيان قبل أن يُسلم أبو سفيان وقتَ فتح مكَّة بمدَّةٍ طويلة، فكيف يعرِضها أبو سفيان عليه ﷺ بعد فتح مكَّة عامَ ثمانٍ للهجرة؟! (١) وفي تقريرِ هذه المعارضة، يقول (إسماعيل الكرديُّ): «هذا الحديث حَكَم عليه كثيرٌ مِن الحُفَّاظِ بأنَّه مَوضوع مَكذوب، وذلك لأنَّه مِن المَعلوم الَّذي لا خلافَ حوله مِن سِيرةِ النَّبي ﷺ : أنَّه كان قد تَزوَّج من أمِّ حبيبة بنت أبي سفيان قبل أن يسلم بزَمَن، أقلُّ ما قيل فيه أنَّه تَزوَّجها سَنةَ ستٍّ أو سبعٍ من الهجرة، أي قبل أن يُسلم أبو سفيان بسنةٍ أو سَنتين، حيث أنَّ أبا سفيان أسلمَ عامَ فتح مكَّة سنة ثمانٍ» (٢). وقبله قرَّرَ عبد الله الغُماري مثل هذا الاعتراض على الحديث، وزاد عليه قولَه:

стр. 1291

«هذا الحديث شاذٌّ منكر، حتَّى قال ابنُ حزم: إنَّه مَوضوع! واتَّهم به عكرمةَ بن عمَّار، لأنَّه يخالف ما ثَبَت في كُتب السِّيرة، فالنَّبي ﷺ تَزوَّج أمَّ حبيبة بالحَبشة حين هاجَرت إليها .. وهذا مُتَّفق عليه عند أهلِ التَّاريخ؛ وقولُ أبي سفيان: (أريد أن تُؤمِّرني، قال: نعم)، قال القرطبيُّ: لم يُسمَع قطُّ أنَّه أمَّرَه إلى أنْ تُوفِّي، وكيف يُخلِف رسول الله ﷺ الوعدَ؟ هذا ممَّا لا يجوز عليه» (١).

стр. 1292

المَطلب الثَّالث دراسةُ المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ لحديثِ عَرْضِ أبي سفيان أمَّ حَبيبةَ على النَّبي ﷺ فهذا الحديث مِن الأخبارِ المشهورة بالإشكالِ في «صحيح مسلم»، ووجهُ إشكاله تاريخيٌّ قد لاحَ جليًّا في ما سِيق مِن كلامِ المُعتَرِضين عليه، وهذا يقتضي أن يكون خَطأً ووَهْمًا مِن راوِيه. وكان ردَّه قبل هؤلاءِ المُحْدَثين كثيرٌ مِن العلماءِ في القديم والحديث: منهم البيهقي (١)، وابن الأثير (٢)، والقاضي عياض (٣)، وابن هبيرة (٤)، وابن الجوزي (٥)، وابن تيميَّة (٦)، وابن القيِّم (٧)، والذَّهبي (٨)، والعَلائيُّ (٩)، وأبو العبَّاس

стр. 1293

القرطبي (١)، والسَّفَّاريني (٢)، ثمَّ أبو شهبة (٣)، والألبانيُّ (٤). أمَّا غير هؤلاءِ مِمَّن استعظمَ رَدَّه وهو في «الصَّحيح المُسند»: فرَأوا الحديث صحيحَ السَّند، مَقبولَ المتنِ ولو على وجهٍ مِن التَّأويل، وعلى رأسِهم: مسلم بن الحجَّاج حيث أودَعَه «صحيحَه»، وابنُ حبَّانَ حيث خرَّجَه في «صحيحِه» (٥)، وتبعهما على هذا التَّصحيحِ له: الجورَقاني (٦)، وابنُ الصَّلاح، والنَّووي (٧)، وابن كثير الدِّمشقي (٨)، وخليل مُلَّا خاطر الشَّافعي (٩) مِن المعاصِرين. مع اختلافِ هؤلاء في وجهِ التَّأويل الَّذي يُحمَل عليه الحديث، ممَّا أطالَ المقالةَ في تفصيلِه ابنُ القيِّم في كتابه البديع «جلاء الأفهام» بما لا أعلمُ أحدًا جرى على منوالِه فيه، وكان مَن بعده عَالةً عليه في ذلك (١٠)؛ حيث ذَكر جوابَ كلِّ طائفةٍ وما فيه مِن قَدحٍ، وانتهى إلى كونِ الحديثِ مَخلوطًا غيرَ محفوظٍ. فلذا ارتأَيتُ سَوْقَ هذه الأوجهِ في تأويلِ الحديث، ثمَّ إتباعها بنقدِ ابن القيِّم لها، بعينِ النَّاقد لكلِّ ذلك، فأقول: أمَّا القول الأوَّل: فوجهُ الحديثِ عند أربابِه: أنَّ أبا سفيانٍ إنَّما طَلَب مِن النَّبي ﷺ أن يُجدِّد له العَقْدَ على ابنتِه، ليَبْقى له وَجهٌ بين المسلمين. قال بهذا الوجه من التَّأويلِ محمَّدُ بن طاهر المقدسيُّ في كتابه «الانتصار

стр. 1294

لإِمَامي الأمصار» (١)، واحتَمَل له تأويلًا آخرَ قال فيه: «أو إنَّه تَوَّهم أن بإسلامِه يَنفسِخُ نكاحُ ابنتِه» (٢). وتبِعَ ابنَ طاهرٍ على هذا الجوابِ أبو عمرو ابن الصَّلاح (٣) والنَّووي، وزادَ هذا: «لعلَّه ﷺ أرادَ بقولِه (نعم): أنَّ مَقصودَك يحصُل، وإن لم يَكُن بحقيقةِ عَقدٍ» (٤). قلت: ولا يخفى ما في هذه التَّأويلات مِن نوعُ تَكلُّفٍ، والنَّص العَربيُّ المُبين لا مجالَ للكهانةِ أمامَه، وما ذَكَره ابنُ الصَّلاحِ في معنى الحديث ليس مَفهومًا مِنه لا نَصًّا ولا إيماءً ولا استنتاجًا! وليس هو احتمالًا مُتعيِّنًا (٥). وقد أُجيبَ عن هذا التَّأويلِ «بأنَّ في الحديث أنَّ النَّبي ﷺ وعَدَه، وهو الصَّادقُ الوَعد، ولم يَنقُل أحَدٌ قَطُّ أنَّه جَدَّد العقدَ على أمِّ حَبيبة، ومثل هذا لو كان لنُقِل، ولو نَقْلَ واحدٍ عن واحدٍ، فحيثُ لم يَنقُله أحَدٌ قطُّ، عُلِم أنَّه لم يَقَع» (٦)؛ مع أنَّ ألفاظَ الحديثِ صَريحةٌ في إنشاءِ العَقْدِ لا في تجديدِه (٧)، «وتوَهُّم فسخِ نكاحِها بإسلامِه بعيدٌ جدًّا» (٨). فلأجلِ ما في هذين الجَوَابَين مِن ضَعفٍ: صرَّح ابن الوَزير برَدِّهما (٩)، وكان ابن كثير -مع تصحيحِه للحديثِ- يُقِرُّ بضَعْفِهما (١٠)!

стр. 1295

بل قال ابنُ سَيِّد النَّاس (١): «هو جَوابٌ يتَساوَكُ هَزلًا»! (٢) القول الثَّاني: أنَّ معنى قوله «أزوِّجُكَها»: أي أرضَى بزواجِك بها، فإنَّه كان على رَغْمٍ منِّي، وبدون اختياري، وإن كان النِّكاحُ صحيحًا، لكن هذا أجملُ وأحسنُ وأكملُ، لما فيه مِن تأليفِ القلوب، وعلى هذا تكون إجابة النَّبي ﷺ له بـ «نعم»: لمجرَّد تأنيسِه، وأنَّه أخبره بعدُ بصحَّةِ العَقدِ (٣). وهذا الوجه من الجوابِ ضعيف، ولا يخفى شِدَّةُ بُعْدِ هذا التَّأويل مِن اللَّفظ، وعدم فهمِه منه: فإنَّ قوله: «عندي أجمل العرب أزوِّجُكها»: «لا يَفهَمُ منه أَحَدٌ أنَّ زوجَتَك الَّتي هي عصمةُ نكاحِك أرضى بزواجِك بها، ولا يُطابق هذا المعنى أنْ يَقول له النَّبي ﷺ : «نَعم»، فإنَّه إنَّما سَأل النَّبيَّ ﷺ أمرًا تكون الإجابةُ إليه مِن جهتِه ﷺ ، فأمَّا رِضاهُ بزواجِه بها، فأَمْرٌ قائمٌ بقلبِه هو، فكيف يطلبُه مِن النَّبيِّ ﷺ ؟! ولو قيل: طَلبَ منه أن يُقِرَّه على نكاحِه إيَّاها، وسَمَّى إقرارَه نكاحَا: لكان مع فسادِه أقربَ إلى اللَّفظ! وكلُّ هذه تأويلاتٌ مُستكرَهة، في غايةِ المنافرةِ للَفظِ ولمقصودِ الكلام» (٤). وأبعد مِن هذا الوجهِ في التَّعسُّفِ: ما ظَهرَ للزُّرقاني من كونِ المعنى له: «يُديم التَّزويج، ولا يُطلِّق كما فَعَل بغيرِها»! (٥) وحكايةُ هذا القولِ تُغني عن بيانِ فسادِه.

стр. 1296

القول الثَّالث: أنَّ مسألةَ أبي سفيان للنَّبيَّ ﷺ أن يزوِّجَه أمَّ حبيبة قد وَقَعَتْ في بعضِ خَرَجاته إلى المدينة وهو كافرٌ، حين سَمِع نَعْيَ زوجِ أمِّ حبيبة بأرضِ الحَبشة، أمَّا المسألة الثَّانية والثَّالثة مِن الحديث: فوَقَعتا بعد إسلامِه، لكنَّ الرَّاوي جمعَ الكلَّ في الحديث! يقول البيهقي عقِب استبعادِه صحَّةَ الحديث: « .. وإن كانت مسألته الأولى إيَّاه وَقَعَت في بعضِ خَرَجاتِه إلى المدينة وهو كافر، حين سَمِع نَعْيَ زوج أمِّ حبيبة بأرض الحبشة، والمسألة الثَّانية والثَّالثة وقعتا بعد إسلامِه، لا يحتمِل إن كان الحديث محفوظًا إلَّا ذلك، والله تعالى أعلم» (١). وتَبِع البيهقيَّ على هذا الاحتمالِ المنذريُّ (٢). وهذا الاحتمالِ منهما «أيضًا ضَعيف جدًّا؛ فإنَّ أبا سفيان إنَّما قَدِم المدينة آمِنًا بعد الهجرةِ في زمنِ الهُدنة، قُبَيل الفَتح، وكانت أمُّ حبيبة إذ ذَّاك مِن نساء النَّبي ﷺ ، ولم يَقدم أبو سفيان قبل ذلك إلَّا مع الأحزابِ عامَ الخندق، ولولا الهُدنة والصُّلح الَّذي كان بينهم وبين النَّبي ﷺ لم يقدم المدينة، فمتى إذن قَدِم وزَوَّجَ النَّبيَّ ﷺ أمَّ حبيبة؟! هذا غَلَطٌ ظاهر. وأيضًا؛ فإنَّه لا يَصِحُّ أن يكون تزويجُه إيَّاها في حالِ كُفرِه، إذ لا وِلايةَ له عليها! ولا تَأخَّرَ ذلك إلى بعدِ إسلامِه لمِا تقدَّم. فعلى التَّقديرين لا يَصحُّ قوله: «أزوِّجُك أمَّ حبيبة». وأيضًا؛ فإنَّ ظاهرَ الحديث يَدُلُّ على أنَّ المَسائلَ الثَّلاثة وَقَعت منه في وقتٍ واحدٍ! وأنَّه قال: «ثلاثٌ أَعْطِنيهن .. » الحديث، ومَعلومٌ أنَّ سؤالَه تأميرَه واتِّخاذَ معاوية كاتبًا إنمَّا يُتصَوَّر بعدَ إسلامِه، فكيف يُقال: بل سَأَل بعضَ ذلك في حالِ كفرِه، وبعضَه وهو مُسلم؟! وسياق الحديث يَردُّه» (٣).

стр. 1297

القول الرَّابع: «يُحتَمَل أن يكونَ أبو سفيان قال ذلك كلَّه قبل إسلامِه بمدَّةٍ تَتَقدَّم على تاريخِ النِّكاح، كالمُشترطِ ذلك في إسلامِه، ويكون التَّقدير: ثَلاثٌ إن أسلمتُ تُعطينيهنَّ .. » (١)؛ وهذا تَوجيهُ محبِّ الدِّين الطَّبري (٢) للحديث. وتفنيد هذا التَّأويل في قولِ ابن عبَّاسٍ راوي الحديث نفسِه إذ قال في أوَّلِه: «كان المسلمون لا يَنظُرون إلى أبي سفيان، ولا يُقاعدونه، فقال: يا نَبيَّ الله، ثلاثٌ أعطِنيهنَّ .. »؛ فيا سُبحان الله! هذا يَكون قد صَدَر منه وهو بمكَّة قبل الهجرة؟ أو بعد الهجرة وهو يجمع الأحزاب لحربِ رسول الله ﷺ ؟ أو وَقْتَ قدومِه المدينة وأمُّ حبيبة عند النَّبي ﷺ لا عنده؟! فما هذا التَّكلُّف البارد؟! وكيف يقول وهو كافر: «حتَّى أُقاتِلَ المشركين كما كُنت أقاتل المسلمين»؟ وكيف يُنكِر جفوةَ المسلمين له وهو جاهَدَ في قتالهِم وحربِهم وإطفاءِ نورِ الله؟! وهذه قصَّة إسلام أبي سفيان مَعروفة لا اشتراط فيها، ولا تعرُّضَ لشيءٍ من هذا» (٣). القول الخامس: لعلَّ أبا سفيان -بحُكمِ خروجِه إلى المدينة كثيرًا- قد جاءها حين كان النَّبي ﷺ آلَى مِن نِسائِه شهرًا واعتزَلهنَّ، فتَوَهَّم أبو سفيان أنَّ ذلك الإيلاء طلاق، وهذا كما توهَّمه عمر ﵁، فظنَّ وقوع الفرقة به، فقال هذا القول للنَّبي ﷺ متعطِّفًا له ومتعرِّضًا، لعلَّه يراجعها، فأجابه النَّبي ﷺ بـ «نعم»، على تقدير: إنْ امتَدَّ الإيلاءُ، أو وَقَع طلاقٌ، فلم يَقع شيءٌ مِن ذلك (٤). وهذا الجوابُ أيضًا في الضَّعف مِن جِنس ما قبله: «ولا يخفى أنَّ قوله: «عندي أجمل العَرب وأحسنُه أزوِّجُك إيَّاها»: أنَّه لا يُفهَم منه ما ذُكر مِن شأنِ الإِيلاء ووُقوعِ الفرقةِ به، ولا يَصِحُّ أن يُجاب بـ نعم.

стр. 1298

ولا كان أبو سفيان حاضرًا وقتَ الإيلاء أصلًا، فإنَّ النَّبي ﷺ اعتزلَ في مشرُبةٍ له، حَلَف أن لا يَدخل على نسائِه شهرًا، وجاء عمر بن الخطاب ﵁، فاستأذنَ عليه في الدُّخولِ مِرارًا، فأذِنَ له في الثَّالثة، فقال: أطلَّقت نساءَك؟ فقال: لا، فقال عمر: الله أكبر! واشتهَرَ عند النَّاس أنَّه لم يُطلِّق نساءَه، وأين كان أبو سفيان حينئذٍ؟!» (١). القول السَّادس: فوجه الحديثِ فيه: أنَّ أبا سفيان إنَّما سَأل النَّبي ﷺ أن يزوِّجه ابنتَه الأخرى (عَزَّة) (٢) أختَ أمِّ حبيبة! ولا يَبعُد أن يخفى تحريمُ الجمعِ بين الأختين على أبي سفيان، لحداثةِ عهدِه بالإسلام، وقد خَفِي هذا على ابنتِه أمِّ حبيبة، حيث سألت رسول الله ﷺ أن يَتزوَّج أختَها هذه، فقال: «إنَّها لا تَحِلُّ لي» (٣). فأراد أبو سفيان أن يزوِّجَ النَّبي ﷺ ابنتَه الأخرى، لكن اشتَبَه على الرَّاوي، وذَهَب وهمُه إلى أنَّها أمُّ حبيبة، فهذه التَّسمية مِن غَلطِ بعض الرُّواة، لا مِن قولِ أبي سفيان. وفي تحسينِ هذا الوجه، يقول ابنُ كثير: «الأحسنُ في هذا: أنَّه أرادَ أن يزوِّجه ابنتَه الأخرى عَزَّة، لمِا رَأَى في ذلك مِن الشَّرَف له، واستعانَ بأختِها أمِّ حبيبة كما في الصَّحيحين؛ وإنَّما وَهِم الرَّاوي في تسميتِه أمَّ حبيبة، وقد أفردنا لذلك جزءً مفردًا» (٤). وهذا التَّأويلُ مِن ابن كثيرٍ -وإن كان في الظَّاهر أقَلَّ فسادًا- هو ما يراه ابن القيِّم «أكذبُها وأبطلُها! وصريحُ الحديث يَردُّه، فإنَّه قال: أمُّ حبيبة أزوِّجُكَها،

стр. 1299

قال ﷺ : نعم .. فلو كان المَسئولَ تزويجُ أختِها لمَاَ أنعمَ له بذلك ﷺ » (١)، و «لقالَ: إنَّها لا تَحِلُّ لي، كما قال ذلك لأمِّ حبيبةَ (٢)، ولولا هذا، لكان التَّأويلُ في الحديثِ مِن أحسنِ التَّأويلاتِ» (٣)، لأنَّ «التَّأويلَ في لفظةٍ واحدةٍ أسهلُ» (٤)، وقد عَلِمتَ مع ذلك فسادَه. زِد على هذا أنَّ هذا الطَّلَب من أبي سفيان لا يُتَأتَّى فيه أصلًا قولُ راويه آخرَه: «لولا أنَّه طَلَب ذلك مِن النَّبي ﷺ ما أعطاهُ ذلك»! أمَّا قولُ آخرينَ: أنَّ الرَّاوي لم يُخطِئ في تسميتِها بأمِّ حَبيبة، لأنَّ كُنية (عزَّة) أمُّ حَبيبة أيضًا كأختها أمِّ المؤمنين! (٥) وتَشبَّث بهذا (مُلَّا خاطر) (٦) من المعاصرين ليرفعَ به الخطأَ عن الرَّاوي في تسميةِ المعروضةِ للزَّواج، وما يتبعُه من رفعِ الإشكال عن الحديث. فجواب ذلك: أنَّا لا نَجِد أحدًا صَنَّف في أسماءِ الصَّحابة قد ذَكر أنَّ كنية عَزَّة أمَّ حبيبة، بل إذا ترجموا لـ (عزَّة) هذه يعرِّفونها بأنَّها أختُ أمِّ حبيبة (٧)، ويبعُد أن يكون للأختين نفس الكُنية، ولا يُنبِّه عليه أحَد من المُختَصِّين. فلأجل ذلك نرى مَن نَقَل هذه المعلومةَ مِن بعضِ المتأخِّرين، نَقَلَها بصيغةِ التَّمريض (قِيل)! (٨)

стр. 1300

ثمَّ غَلَطٌ هنا أن يُقال إنَّ النَّبي ﷺ لم يُجِب أبا سفيان بالرَّفض اتِّكالًا منه على ما أجاب به أمَّ حبيبة، أو على ما كان اشتهر من تحريم الجمع بين الأختين (١)؛ فإنَّ قوله له: «نعم» لونٌ مِن التَّعمية على السَّائل! يَتنزَّه عنه النَّبي ﷺ ، وتأخيرٌ للبيانِ عن وقت الحاجة إليه، وأبو سفيان إنَّما يَرْقُب الجواب من النَّبي ﷺ لا من أمِّ حبيبة (٢). ودعوى اشتهار تحريمِ الجمع بين الأختين، لا يَمنعُ أن يُفَادَ بحكمِه مَن عُلِم جهلُه به بقرائن الحال، خاصةً مَن كان حديثَ إسلامٍ كأبي سفيان. أقول: فالحقُّ أنَّ الدِّفاع عن هذه الرِّواية ضَعيف غير متماسكٍ، وتغليطُ الرَّاوي بالوَهم أولَى مِن تأويلِ مَرْوِيِّه بالمُستكرَه مِن الوجوه، ترى مِصداقَ هذا التَّقعيدِ في بابِ المُشكلاتِ من الأخبار في قولِ ابن القيِّم بعدِ أن أتَمَّ نقْضَ توجيهاتِ هذا الحديث، قال: «هذه التَّأويلات في غايةِ الفَساد والبُطلان، وأئِمَّة الحديث والعِلْم لا يرضَون بأمثالهِا، ولا يصحِّحون أغلاطَ الرُّواة بمثلِ هذه الخيالات الفاسدة، والتَّأويلات الباردة، الَّتي يَكفي في العلمِ بفسادِها تَصَوُّرها وتأمُّل الحديث» (٣)، «ولا تفيد النَّاظرَ فيها عِلمًا، بل النَّظرُ فيها والتَّعرُّض لإبطالِها مِن مَناراتِ العِلم، والله تعالى أعلم بالصَّواب» (٤). قلت: ومِمَّا رُدَّ به هذا الحديث أيضًا: ما أشارَ إليه الغُماري آنفًا مِن قولِ القرطبيِّ: أنَّ النَّبي ﷺ في الحديث وَعَد أبا سفيانٍ أن يُؤمِّرَه، ليُقاتل المشركين كما كان يُقاتل المسلمين، لكن لم يَنقُل أحَدٌ أنَّ النَّبي ﷺ قد أمَّرَ أبا سفيانٍ على جيشٍ بالمرَّة. (٥)
следующие страницы →