القول الثَّالث: أنَّ مسألةَ أبي سفيان للنَّبيَّ ﷺ أن يزوِّجَه أمَّ حبيبة قد وَقَعَتْ في بعضِ خَرَجاته إلى المدينة وهو كافرٌ، حين سَمِع نَعْيَ زوجِ أمِّ حبيبة بأرضِ الحَبشة، أمَّا المسألة الثَّانية والثَّالثة مِن الحديث: فوَقَعتا بعد إسلامِه، لكنَّ الرَّاوي جمعَ الكلَّ في الحديث!
يقول البيهقي عقِب استبعادِه صحَّةَ الحديث: « .. وإن كانت مسألته الأولى إيَّاه وَقَعَت في بعضِ خَرَجاتِه إلى المدينة وهو كافر، حين سَمِع نَعْيَ زوج أمِّ حبيبة بأرض الحبشة، والمسألة الثَّانية والثَّالثة وقعتا بعد إسلامِه، لا يحتمِل إن كان الحديث محفوظًا إلَّا ذلك، والله تعالى أعلم» (١).
وتَبِع البيهقيَّ على هذا الاحتمالِ المنذريُّ (٢).
وهذا الاحتمالِ منهما «أيضًا ضَعيف جدًّا؛ فإنَّ أبا سفيان إنَّما قَدِم المدينة آمِنًا بعد الهجرةِ في زمنِ الهُدنة، قُبَيل الفَتح، وكانت أمُّ حبيبة إذ ذَّاك مِن نساء النَّبي ﷺ ، ولم يَقدم أبو سفيان قبل ذلك إلَّا مع الأحزابِ عامَ الخندق، ولولا الهُدنة والصُّلح الَّذي كان بينهم وبين النَّبي ﷺ لم يقدم المدينة، فمتى إذن قَدِم وزَوَّجَ النَّبيَّ ﷺ أمَّ حبيبة؟! هذا غَلَطٌ ظاهر.
وأيضًا؛ فإنَّه لا يَصِحُّ أن يكون تزويجُه إيَّاها في حالِ كُفرِه، إذ لا وِلايةَ له عليها! ولا تَأخَّرَ ذلك إلى بعدِ إسلامِه لمِا تقدَّم.
فعلى التَّقديرين لا يَصحُّ قوله: «أزوِّجُك أمَّ حبيبة».
وأيضًا؛ فإنَّ ظاهرَ الحديث يَدُلُّ على أنَّ المَسائلَ الثَّلاثة وَقَعت منه في وقتٍ واحدٍ! وأنَّه قال: «ثلاثٌ أَعْطِنيهن .. » الحديث، ومَعلومٌ أنَّ سؤالَه تأميرَه واتِّخاذَ معاوية كاتبًا إنمَّا يُتصَوَّر بعدَ إسلامِه، فكيف يُقال: بل سَأَل بعضَ ذلك في حالِ كفرِه، وبعضَه وهو مُسلم؟! وسياق الحديث يَردُّه» (٣).
стр. 1297
القول الرَّابع: «يُحتَمَل أن يكونَ أبو سفيان قال ذلك كلَّه قبل إسلامِه بمدَّةٍ تَتَقدَّم على تاريخِ النِّكاح، كالمُشترطِ ذلك في إسلامِه، ويكون التَّقدير: ثَلاثٌ إن أسلمتُ تُعطينيهنَّ .. » (١)؛ وهذا تَوجيهُ محبِّ الدِّين الطَّبري (٢) للحديث.
وتفنيد هذا التَّأويل في قولِ ابن عبَّاسٍ راوي الحديث نفسِه إذ قال في أوَّلِه: «كان المسلمون لا يَنظُرون إلى أبي سفيان، ولا يُقاعدونه، فقال: يا نَبيَّ الله، ثلاثٌ أعطِنيهنَّ .. »؛ فيا سُبحان الله! هذا يَكون قد صَدَر منه وهو بمكَّة قبل الهجرة؟ أو بعد الهجرة وهو يجمع الأحزاب لحربِ رسول الله ﷺ ؟ أو وَقْتَ قدومِه المدينة وأمُّ حبيبة عند النَّبي ﷺ لا عنده؟!
فما هذا التَّكلُّف البارد؟! وكيف يقول وهو كافر: «حتَّى أُقاتِلَ المشركين كما كُنت أقاتل المسلمين»؟ وكيف يُنكِر جفوةَ المسلمين له وهو جاهَدَ في قتالهِم وحربِهم وإطفاءِ نورِ الله؟! وهذه قصَّة إسلام أبي سفيان مَعروفة لا اشتراط فيها، ولا تعرُّضَ لشيءٍ من هذا» (٣).
القول الخامس: لعلَّ أبا سفيان -بحُكمِ خروجِه إلى المدينة كثيرًا- قد جاءها حين كان النَّبي ﷺ آلَى مِن نِسائِه شهرًا واعتزَلهنَّ، فتَوَهَّم أبو سفيان أنَّ ذلك الإيلاء طلاق، وهذا كما توهَّمه عمر ﵁، فظنَّ وقوع الفرقة به، فقال هذا القول للنَّبي ﷺ متعطِّفًا له ومتعرِّضًا، لعلَّه يراجعها، فأجابه النَّبي ﷺ بـ «نعم»، على تقدير: إنْ امتَدَّ الإيلاءُ، أو وَقَع طلاقٌ، فلم يَقع شيءٌ مِن ذلك (٤).
وهذا الجوابُ أيضًا في الضَّعف مِن جِنس ما قبله: «ولا يخفى أنَّ قوله: «عندي أجمل العَرب وأحسنُه أزوِّجُك إيَّاها»: أنَّه لا يُفهَم منه ما ذُكر مِن شأنِ الإِيلاء ووُقوعِ الفرقةِ به، ولا يَصِحُّ أن يُجاب بـ نعم.
стр. 1298
ولا كان أبو سفيان حاضرًا وقتَ الإيلاء أصلًا، فإنَّ النَّبي ﷺ اعتزلَ في مشرُبةٍ له، حَلَف أن لا يَدخل على نسائِه شهرًا، وجاء عمر بن الخطاب ﵁، فاستأذنَ عليه في الدُّخولِ مِرارًا، فأذِنَ له في الثَّالثة، فقال: أطلَّقت نساءَك؟ فقال: لا، فقال عمر: الله أكبر! واشتهَرَ عند النَّاس أنَّه لم يُطلِّق نساءَه، وأين كان أبو سفيان حينئذٍ؟!» (١).
القول السَّادس: فوجه الحديثِ فيه: أنَّ أبا سفيان إنَّما سَأل النَّبي ﷺ أن يزوِّجه ابنتَه الأخرى (عَزَّة) (٢) أختَ أمِّ حبيبة! ولا يَبعُد أن يخفى تحريمُ الجمعِ بين الأختين على أبي سفيان، لحداثةِ عهدِه بالإسلام، وقد خَفِي هذا على ابنتِه أمِّ حبيبة، حيث سألت رسول الله ﷺ أن يَتزوَّج أختَها هذه، فقال: «إنَّها لا تَحِلُّ لي» (٣).
فأراد أبو سفيان أن يزوِّجَ النَّبي ﷺ ابنتَه الأخرى، لكن اشتَبَه على الرَّاوي، وذَهَب وهمُه إلى أنَّها أمُّ حبيبة، فهذه التَّسمية مِن غَلطِ بعض الرُّواة، لا مِن قولِ أبي سفيان.
وفي تحسينِ هذا الوجه، يقول ابنُ كثير: «الأحسنُ في هذا: أنَّه أرادَ أن يزوِّجه ابنتَه الأخرى عَزَّة، لمِا رَأَى في ذلك مِن الشَّرَف له، واستعانَ بأختِها أمِّ حبيبة كما في الصَّحيحين؛ وإنَّما وَهِم الرَّاوي في تسميتِه أمَّ حبيبة، وقد أفردنا لذلك جزءً مفردًا» (٤).
وهذا التَّأويلُ مِن ابن كثيرٍ -وإن كان في الظَّاهر أقَلَّ فسادًا- هو ما يراه ابن القيِّم «أكذبُها وأبطلُها! وصريحُ الحديث يَردُّه، فإنَّه قال: أمُّ حبيبة أزوِّجُكَها،
стр. 1299
قال ﷺ : نعم .. فلو كان المَسئولَ تزويجُ أختِها لمَاَ أنعمَ له بذلك ﷺ » (١)، و «لقالَ: إنَّها لا تَحِلُّ لي، كما قال ذلك لأمِّ حبيبةَ (٢)، ولولا هذا، لكان التَّأويلُ في الحديثِ مِن أحسنِ التَّأويلاتِ» (٣)، لأنَّ «التَّأويلَ في لفظةٍ واحدةٍ أسهلُ» (٤)، وقد عَلِمتَ مع ذلك فسادَه.
زِد على هذا أنَّ هذا الطَّلَب من أبي سفيان لا يُتَأتَّى فيه أصلًا قولُ راويه آخرَه: «لولا أنَّه طَلَب ذلك مِن النَّبي ﷺ ما أعطاهُ ذلك»!
أمَّا قولُ آخرينَ: أنَّ الرَّاوي لم يُخطِئ في تسميتِها بأمِّ حَبيبة، لأنَّ كُنية (عزَّة) أمُّ حَبيبة أيضًا كأختها أمِّ المؤمنين! (٥) وتَشبَّث بهذا (مُلَّا خاطر) (٦) من المعاصرين ليرفعَ به الخطأَ عن الرَّاوي في تسميةِ المعروضةِ للزَّواج، وما يتبعُه من رفعِ الإشكال عن الحديث.
فجواب ذلك: أنَّا لا نَجِد أحدًا صَنَّف في أسماءِ الصَّحابة قد ذَكر أنَّ كنية عَزَّة أمَّ حبيبة، بل إذا ترجموا لـ (عزَّة) هذه يعرِّفونها بأنَّها أختُ أمِّ حبيبة (٧)، ويبعُد أن يكون للأختين نفس الكُنية، ولا يُنبِّه عليه أحَد من المُختَصِّين.
فلأجل ذلك نرى مَن نَقَل هذه المعلومةَ مِن بعضِ المتأخِّرين، نَقَلَها بصيغةِ التَّمريض (قِيل)! (٨)
стр. 1300
ثمَّ غَلَطٌ هنا أن يُقال إنَّ النَّبي ﷺ لم يُجِب أبا سفيان بالرَّفض اتِّكالًا منه على ما أجاب به أمَّ حبيبة، أو على ما كان اشتهر من تحريم الجمع بين الأختين (١)؛ فإنَّ قوله له: «نعم» لونٌ مِن التَّعمية على السَّائل! يَتنزَّه عنه النَّبي ﷺ ، وتأخيرٌ للبيانِ عن وقت الحاجة إليه، وأبو سفيان إنَّما يَرْقُب الجواب من النَّبي ﷺ لا من أمِّ حبيبة (٢).
ودعوى اشتهار تحريمِ الجمع بين الأختين، لا يَمنعُ أن يُفَادَ بحكمِه مَن عُلِم جهلُه به بقرائن الحال، خاصةً مَن كان حديثَ إسلامٍ كأبي سفيان.
أقول: فالحقُّ أنَّ الدِّفاع عن هذه الرِّواية ضَعيف غير متماسكٍ، وتغليطُ الرَّاوي بالوَهم أولَى مِن تأويلِ مَرْوِيِّه بالمُستكرَه مِن الوجوه، ترى مِصداقَ هذا التَّقعيدِ في بابِ المُشكلاتِ من الأخبار في قولِ ابن القيِّم بعدِ أن أتَمَّ نقْضَ توجيهاتِ هذا الحديث، قال:
«هذه التَّأويلات في غايةِ الفَساد والبُطلان، وأئِمَّة الحديث والعِلْم لا يرضَون بأمثالهِا، ولا يصحِّحون أغلاطَ الرُّواة بمثلِ هذه الخيالات الفاسدة، والتَّأويلات الباردة، الَّتي يَكفي في العلمِ بفسادِها تَصَوُّرها وتأمُّل الحديث» (٣)، «ولا تفيد النَّاظرَ فيها عِلمًا، بل النَّظرُ فيها والتَّعرُّض لإبطالِها مِن مَناراتِ العِلم، والله تعالى أعلم بالصَّواب» (٤).
قلت: ومِمَّا رُدَّ به هذا الحديث أيضًا:
ما أشارَ إليه الغُماري آنفًا مِن قولِ القرطبيِّ: أنَّ النَّبي ﷺ في الحديث وَعَد أبا سفيانٍ أن يُؤمِّرَه، ليُقاتل المشركين كما كان يُقاتل المسلمين، لكن لم يَنقُل أحَدٌ أنَّ النَّبي ﷺ قد أمَّرَ أبا سفيانٍ على جيشٍ بالمرَّة. (٥)
стр. 1301
نعم؛ قد أجابَ على هذه بعضُ مَن صحَّح الحديث بأنْ قال: «اِعتذَرَ النَّبي ﷺ عن عدمِ تأميِره مع وَعْدِه له بذلك: لأنَّ الوعدَ لم يكن مُؤَقَّتًا، وكان يَرتقبُ إمكانَ ذلك، فلم يَتَيسَّر له ذلك، إلى أن تُوفِّي رسول الله ﷺ ؛ أو لعلَّه ظَهَر له مانِعٌ شَرعيٌّ مَنَعه مِن تولِيَتِه الشَّرعيَّة؛ وإنَّما وَعَدَه بإمارَةٍ شَرعيَّة، فتَخلَّفَ لتَخلُّفِ شرطِها» (١).
وهذه أيضًا تأويلات تلحَقُ سابقاتِها في الضَّعفِ مِن وجوه:
أولاها: أنَّ مِن المُتحقَّق علمُه عند أهل الحديث أنَّه ﷺ لم يكُن يُولِّي الإِمارةَ أحدًا سأَلها أو حَرَص عليها (٢).
ثانيها: أنَّ وَعْدَ النَّبي ﷺ لا شكَّ كانَ مَسئولًا! فما كان مِن شأنِه -بأبي هو وأمِّي- أن يغفلَ عنه ولو بعد حين، فعلى تقديرِ أنَّه رأى أبا سفيان أهلًا للإمارة، لكن لم يَتَيسَّر له تَولِيَتَه: فلا أقَلَّ مِن أن يُوصِي به مَن بعدَه!
وحاشا صاحبَ الخُلُقِ العظيمِ أن يُبشِّرَ أحدًا بما يسُرُّه مِن مُنَاه، ثمَّ هو يغدو حالَ سبيلِه، ولا يحقِّق له مِن ذلك شيئًا.
ثالِثها: لو كان ثمَّةَ مانعٌ مِن تَولِيَة أبي سفيان عَلِمَه النَّبي ﷺ فيه كما ادَّعاه المُتأوِّل؛ لَأَعْلَمَ به أبا سفيان نفسَه، كما أعلمَ به أبا ذرٍّ ﵁ حين استأمرَه (٣)، حتَّى لا يجدَ السَّائل في نفسِه؛ ولو كان الأمر كذلك، لنُقل هذا المانع عادةً لعظيمِ شأنِ أبي سفيان في قومِه، وإذن لَطَارَ به أعداء بني أميَّة كلَّ مَطَار، ومَارَانا بِه منهم كلُّ نَظَّار!
стр. 1302
المَطلب الرَّابع
خلاصة القول في حديث عرض أبي سفيان لابنته على النَّبي ﷺ
وردُّ رَميِ ابن حزم له بالوَضعِ
الحاصل أنَّ الحديثَ لا يَخلُو مِن تخليطٍ، وهو غَلَط لا يَنبغي التَّردُّد فيه، والصَّواب أنَّه غير مَحفوظ (١)، وبذا عَلَّل متنَه مَن أشرنا إليهم سابقًا مِن الأئمَّة، وكان أقصى ما قِيل فيه من عبارةٍ ردٍّ، ما قاله الذَّهبي: أنَّه أصلٌ مُنكَر (٢).
وأبو محمَّد ابن حزم نفسُه قد نُقل عنه في روايةٍ أنَّه قال في الحديث: «إنَّه وَهم مِن بعضِ الرُّواة» (٣)؛ فهذا الكلام منه معقولٌ مُتماهٍ مع عبارةِ الأئمَّة في الحديث؛ لكنَّ النَّظر مُتَّجِهٌ إلى ما مَقالته الأشهر في الحديث: أنَّه موضوع! مع أنَّه في «صحيح مسلم»، واتِّهامه الشَّديد لعكرمة بن عمَّار راوِيه عن أبي زُميل بوَضعِه!
فقد روى محمَّد بن أبي نصر الحُميدي عنه قال: «قال لنا أبو محمَّد ابن حزم: هذا حَديث مَوضوع لا شَكَّ في وضعِه، والآفةُ فيه مِن عكرمة بن عمَّار، ولا يختلف اِثنان مِن أهلِ المعرفةِ بالأخبارِ في أنَّ النَّبي ﷺ لم يَتَزوَّج أمَّ حبيبة إلَّا قبل الفَتح بدَهرٍ، وهي بأرضِ الحَبشة، وأبوها أبو سفيان كافرٌ، هذا ما لا شكَّ فيه» (٤).
стр. 1303
فإذا كان الحديث موضوعًا في نظر ابن حزم، وكانت آفتُه عكرمة بن عمَّار، فالنَّتيجة أنَّ عكرمة وَضَّاع! فعليه اشتَدَّ نكيرُ العلماء على ابن حزمٍ، وبَالغوا في تخطِئتِه، وكان المُبادِر إلى هذه التَّخطئةِ فيما أحسِبُ: محمَّد بن طاهر المقدسيُّ، حيث عَقَّب على كلامِه هذا في الحديث، بأنْ قال:
«هذا كلامُه بعينِه ورُمَّتِه، وهو كلامُ رَجلٍ (مُجازفٍ) (١)، هَتَك فيه حُرمةَ كتابِ مسلم، ونَسَبَه إلى الغَفلةِ عمَّا اطَّلَع هو عليه، وصَرَّح أنَّ عكرمة بن عمَّار وَضَعَه، وهو ارتكابُ طريقٍ لم يسلكه أئمَّةُ أهل النَّقل وحفَّاظُ الحديث.
فإنَّا لا نَعلم أحدًا منهم نَسَب عكرمة إلى الوضعِ البتَّة، وهم أهلُ زمانِه الَّذين عاصروه، وعرفوا أمرَه، بل وَثَّقوه، وحملوا عنه، واحتجُّوا بأحاديثِه، وأخرجوها في الدَّواوين الصَّحيحة، واعتمد عليه مسلم في غير حديثٍ مِن كتابه الصَّحيح، وروى عنه الأئمَّة، مثل عبد الرَّحمن بن مهدي، وعبد الله بن المبارك، وأبي عامر العَقديِّ، وزيد بن الحُباب، فمَن بعدهم (٢)، وهم الأئمَّة المُقتدى بهم في تزكية الرُّواة الَّذين شاهدوهم وأخذوا عنهم» (٣).
ثمَّ ذَكر ابن طاهرٍ بسندِه عن وكيعٍ ينقُل عن عكرمة قال فيه: «كان ثقةً»؛ وعن يحيى بن مَعين قال: «عكرمة بن عمَّار صَدوق وليس به بأس، وفي روايته كان أمينًا وكان حافظًا».
وعن الدَّارقطني أنَّه قال: «عكرمة بن عمَّار يَماميٌّ ثِقة».
ثمَّ قال ابن طاهر: « .. فكان الرُّجوع إلى قولِ الأئمَّةِ الحُفَّاظ في تعديلِه أَوْلى مِن قولِه وحدِه في تجريحِه» (٤).
стр. 1304
وأنكرَ بعدُ ابنُ الصَّلاح على ابن حزمٍ مَقالَته في الحديث وراويه، وبالغ أيضًا في الشَّناعةِ عليه، فقال: «هذا القول مِن جَسَارتِه، فإنَّه كان هَجومًا على تخطئةِ الأئمَّة الكِبار، وإطلاقِ اللِّسان فيهم، .. ولا نعلَمُ أحدًا مِن أئمَّةِ الحديثِ نَسَب عكرمةَ بنَ عمَّار إلى وضعِ الحديث، .. وكان مُستَجابَ الدَّعوة» (١).
وقد كُنت أُمَنِّي النَّفسَ أنْ يكون لكلامِ ابن حزمٍ هذا حَظٌّ مِن النَّظر صحيح إذا ما حمَلَنا اصطلاحَ «الموضوع» عنده على: ما قام دَليلٌ على بطلانِ المتنِ، وإن كان راويِه لم يَتَعَمَّد الكذب، فيكون مَكذوبًا تَجَوُّزًا باعتبارِ مخالفةِ الواقع، النَّاتج عن غفلةِ الرَّاوي ونحوها مِن مَثاراتِ الغَلط في الرِّواية.
إلى أن وَجَدتُ في كلامِ ابن حزمٍ ما يُخْبي جَذوةَ مُنْيَتي تلك، حيث تَقصَّدُ مَعنى الكذِب مِن الرَّاوي عكرمة واضح فيه! وذلك فيما أثبتَه عنه ابن طاهرٍ المقدسيُّ أنَّه قال خِتامَ مقالتِه في الحديث: «ومثلُ هذا لا يكون خطأً أصلًا، ولا يكون إلَّا قصدًا، فنَعوذ بالله مِن البَلاء»! (٢)
فعلى هذا يكون ابن حزم أوَّلَ وآخرَ مَن يَتَّهم عكرمة بالوضع! وهذا الحكم مِنه لا يكون إلَّا عن غفلةٍ من التَّفرقةِ بين الوَهم والوَضع في الحديث، والله أعلم.
وابن حزمٍ وإن عَدَّه بعضُ العلماء مِن جملة علماء الجرح والتَّعديل (٣)، فإنَّه لا ريبَ عند كثيرين في عِداد المُتشَدِّدين في الجرح خاصَّة (٤)؛ ولكونِه كذلك، حَذَّرَ غيرُ واحدٍ مِن اعتمادِ أقوالِه مُفردةً في هذا الباب (٥).
стр. 1305
فلا ضَير بعدُ على المَقدسيِّ وابنِ الصَّلاح إذ شَنَّعا على ابنِ حزم حكمَه ذاك، فإنَّ مُقتضاه مخالفةَ النُّقادِ على سلامةِ «الصَّحيحين» مِن الوَضعِ، وإجماعِ الأئمَّةِ على براءةِ عكرمةَ مِنه؛ وإنمَّا الَّذي أردُّه عليهما: مُبالغتُهما في التَّشنيع على ابن حزمٍ استنكارَه للمتنِ، ومحاولتُهما ردَّ ذلك بما لا تَتَحمَّله عقولُ العلماء.
نعم؛ عكرمة بن عمَّار وإن كان غيرَ مُتَّهَم في نفسِه، فليس بذاك المُتقنِ! على خلاف ما يُوهِمه اقتصارُ ابن طاهر على كلامِ المُوثِّقين له، فإنَّه تُكلُّم فيه من أئمَّة كبارٍ له وضعَّفوه! كأحمد (١) ويحيى القطَّان (٢) وغيرهما (٣)، ووَصَمَه بعضهم بأنَّ في حديثِه نُكْرَة (٤).
فلِأجل ما قيل فيه تَرَكه البخاريُّ فلم يحتجَّ به في كتابه (٥)، وقد نَعَته ابن حجر بأنَّه: «صَدوق يغلط» (٦)، وقال المُعَلِّمي: «مَوصوفٌ بأنَّه يغلَط ويَهِم» (٧).
فمثلُه والحالُ هذه، لا يستَحقُّ ذاك التَّكلُّف في تأويلِ حديثِه للإبقاءِ عليه (٨)؛ فلا أسْلمَ مِن رَدِّه، والحكمِ بتَوْهيمِه فيه (٩).
стр. 1306
فإن قيل: فَلِمَ أخرجَ مسلمٌ له في «صحيحِه» وهو مُتكلَّم في ضبطِه بهذا النَّحوِ، فضلًا عمَّا في متنِ حديثِه عن أبي سفيانَ مِن نكارةِ؟
قلنا في جوابِ ذلك:
إنَّ عكرمة لم يحتجَّ به مسلم في كتابه إلَّا يَسيرًا، إنَّما أكثرَ له مِن الشَّواهد (١)، ومِن عوائد مسلم في «صحيحِه»: أنَّه يُخرِج مِن روايةِ مَن تُكلِّمَ فيه ما لم يُنكِروه عليه، أو ما وَافقه الثِّقاتُ عليه، ممَّا يدلُّ على أنَّه حفِظِه له (٢).
فلَعَلَّ مسلمًا لم تَبِنْ له نَكارةُ المتن، ولم يقنَع بما قيل في ذلك، وما في المتنِ من إشكالٍ قد أقنَعَه في إزاحَته إحدى تلك التَّأويلات السَّابقةِ الَّتي سردتها في توجيه الحديث، ولعلَّه لم يبلُغه مع هذا عن أحَدٍ مِن الأئمَّةِ طَعْنٌ في الحديثِ بخصوصِه؛ هذا مع ما في ظاهرِ إسناده مِن نَوعِ قُوَّة.
فكان كلُّ هذا باعثًا له لترجيحِ كفَّة القَبول، آجرَه الله على اجتهادِه، والله تعالى أعلم.
стр. 1307
المَبحث الخامس عشر
نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديثِ طَلاقِ النَّبيِّ ﷺ للجَوْنيَّة
стр. 1308
المَطلب الأوَّل
سَوق حديثِ طَلاقِ النَّبيِّ ﷺ للجَوْنيَّة
عن أبي أُسَيد السَّاعديِّ ﵁ قال: خَرَجنا مع النَّبي ﷺ ، حتَّى انطلقنا إلى حائطٍ يُقال له: الشَّوط (١)، حتَّى انتهينا إلى حائِطين، فجلسنا بينهما، فقال النبَّي ﷺ : «اِجلِسوا ها هنا»، ودَخَل، وقد أُتي بالجَوْنِيَّة (٢)، فأُنزلت في بيتٍ في نخلٍ، في بيتِ أُميمة بنتِ النُّعمان بن شراحيل، ومعها دايتُها (٣) حاضنةٌ لها.
فلمَّا دَخل عليها النَّبي ﷺ قال: «هَبِي نفسَك لي»، قالت: وهل تَهَب المَلِكَة نفسَها للسُّوقَة؟! قال: فأهْوَى بيدِه يضع يدَه عليها لتسكُن، فقالت: أعوذ بالله منك! فقال: «قد عُذتِ بمُعاذٍ»، ثمَّ خَرَج علينا، فقال: «يا أبا أُسيد، اُكْسُها رازِقِيَّتين (٤)، وألحِقها بأهلِها» (٥).
стр. 1309
المَطلب الثَّاني
سَوْق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ
لحديثِ طَلاقِه ﷺ الجونيَّة
أُوْرِدَ على الحديثِ بعض مُعارضاتٍ يَحومُ مُجملُها حول دعوى الحديثِ رغبةَ النَّبي ﷺ في إتيانِ امرأةٍ لا تحلُّ له، واستوهابِها دون رِضاها، وسَبِّها له جرَّاء ذلك.
يُلخِّصُ هذا المشهدَ، ما هامَ به خَيالُ (صبحي منصور) في قولِه:
«بالتَّمعُّنِ في هذه الرِّواية الزَّائفة، نَشهد رغبةً مَحمومةً مِن البخاريِّ لاتِّهامِ النَّبي ﷺ بأنَّه حاوَل اغتصاب امرأةٍ أجنبيَّة جيء له بها ..
ونفهمُ مِن القصَّة: أنَّها مَخطوفة جِيء بها رغم أنفِها، ..
والمرأةُ في تلك الرِّوايةِ المَزعومة لم تكُن تَحِلُّ للنَّبي ﷺ ، لذا يطلب منها أن تهبَ نفسها له دون مقابل، وترفض المرأة ذلك بإباءٍ وشَمم، قائلةً: «وهل تَهبُ الملِكة نفسها للسُّوقة؟!»، أي تسبُّ النَّبي ﷺ في وجهِه!
وبدلًا مِن أن يغضب لهذه الإهانة، يُصرُّ أن يَنال منها جنسيًّا!» (١).
стр. 1310
المَطلب الثَّالث
دفع المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ
عن حديث طلاقِه ﷺ الجونيَّة
أمَّا ما توهَّمه المُعترِضُ مِن كونِ الجونيَّة أجنبيَّةً عن النَّبي ﷺ وقتَ وقوعِ القصَّة:
فمُتحقِّقٌ عند المؤرِّخين والمُحَدِّثين نَقيضُ ذلك، فقد ثَبَت عَقْدُ النَّبي ﷺ عليها وإمْهَارُها كسائر نسائِه، وعلى هذا نقلَ ابن الأثير (ت ٦٣٠ هـ) الإجماع (١)؛ ومن مُستنداته: ما في روايةِ ابنِ سَعدٍ أنَّه اتَّفَق مع أبيها على مِقدارِ صداقِها، وأنَّ أباها قال له: «إنَّها رَغِبت فيك، وخَطبت إليك .. » (٢).
ولو تمهَّل المُعترض حتَّى ينظر في الرِّواية الَّتي أعقَبَت هذا الحديثَ في «صحيح البخاريِّ»، لانزاحَتْ عنه غِشاوة الفَهم المُنحرِف ذاك! أعني بها ما جاء عن سهل بن سعدٍ وأبي أُسيدٍ نفسِه ﵃ أنَّهما قالَا: «تَزوَّج النَّبي ﷺ أُميمةَ بنت شَراحيل، فلمَّا أُدخلِت عليه، بَسَط يده إليها .. » فذكرا الحديث (٣).
стр. 1311
لكن المُعترض لم يُبال بهذا الحديث، ولا أثار انتباهَه تبويبُ البخاريِّ عليه: «باب: مَن طَلَّق، وهل يواجه الرَّجل امرأتَه بالطَّلاقِ» (١)!
ويَظهرُ أنَّه قد الْتَبَسَ عليه قوله ﷺ في الحديث: «هَبِي نفسَك لي .. »، فحملَه على معنى الاسِتوْهابِ الَّذي يكون مِن الرَّجلِ لأجنبيَّةٍ يريد نِكاحَها، مع ما غُبِّي عليه مِن عدم جريانِ ذكرِ صورةِ العَقد في الحديث!
وقد تبيَّنَ لك قبلُ أنَّ الجونيَّة لم تكُن أجنبيَّةً وقتَ القصَّة بل زوجةً، والعَقْدُ بها لم يُذكَر في الرِّوايةِ اختصارًا واكتفاءً بعلمِ السَّامع به، وأنَّه إنَّما قال لها «هَبِي نفسَك لي»: لِما رأى مِن تمنُّعها وانحِيادِها عنه، فقال ذلك «تطيِيبًا لقلبِها، واستمالةً لها» (٢).
أمَّا جوابها له ﷺ بقولهِا: «وهل تَهَب المَلِكَة نفسَها للسُّوقَة؟!»:
فإنَّ الوصفَ بالسُّوقةَ ليس مِن بابِ الشَّتِيمة -كما هو دارجٌ عند عَوامِّ النَّاس، نِسبةً إلى أهل السُّوق- هذا جهلٌ بوَضعِ العربيَّةِ عند أهلِها وقتَ التَّنزيل؛ «إنَّما السُّوقة عند العَرب: مَن ليس بمَلِكٍ، تاجرًا كان أو غير تاجرٍ، بمنزلةِ الرَّعيَّة الَّتي تَسُوسها الملُوك، وسُمُّوا سُوقةً لأنَّ المَلِك يسُوقُهم فينساقون له، ويصْرِفهم على مُرادِه» (٣).
فكأنَّها استبعَدَت أن تَتزوَّج المَلِكَة مَن ليس بمَلِكٍ! بعد أن ظنَّت النَّبيَّ ﷺ مِن ذَوِي القصورِ والخُدَّامِ ونحوِ ذلك ممَّا يَتَحلَّى به المُلوكِ في سُلطانِهم؛ لكنَّه ﷺ لكريمِ شِيَمِه «لم يؤاخِذها بكلامِها، مَعذرةً لها لقُربِ عَهدِها بجاهِليَّتها» (٤)، بل أهْوَى بيدِه عليها يَتَلطَّفُها لتسكُن.
стр. 1312
لكن لمَّا رآها أصرَّت على حماقتِها حتَّى استعاذت منه ﷺ ، مع ما عُلم من قولِه ﷺ : «مَن استعاذَكم بالله فأعيذوه» (١): تَرَكَها ولم يَعُد إليها (٢)؛ وكان من كرمه أن مَتَّعها بعدَ فِصالِها بثَوبَيْن ثَمِينَينِ، مع أنَّها زوجةٌ مُفوضَّة، لم يُفوِّض لها النَّبي ﷺ شَيءٌ (٣)؛ ولكنَّها المُتعة الَّتي أَمَرَ الله بها للمُطلَّقة غيرِ المَدخولِ بها (٤).
стр. 1313
الفصل الخامس
نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة للأحاديث المُتعلِّقة بباقي الأنبياء
стр. 1314
المَبحث الأوَّل
نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث: «خلقَ الله آدمَ على صورتِه»
стр. 1315
المَطلب الأول
سَوْق حديث «خلقَ الله آدمَ على صورتِه»
عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ قال:
«خَلق الله آدم على صورته، طوله ستُّون ذراعًا، فلمَّا خلقه قال: اِذهب فسلِّم على أولئك النَّفر مِن الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيُّونك، فإنَّها تحيَّتك وتحيَّة ذرِّيَتك، فقال: السَّلام عليكم، فقالوا: السَّلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله، فكلُّ مَن يدخل الجنَّة على صورة آدم، فلم يزَل الخلقُ ينقصُ بعدُ حتَّى الآن» متَّفق عليه (١).
стр. 1316
المَطلب الثَّاني
سَوْق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ
لحديثِ «خلَقَ الله آدمَ على صورتِه»
هذا الحديث مِن الأخبارِ المَشهورةِ الَّتي يُمَثَّل بها على ردِّ الحديثِ من جِهة متنِه في بابِ العقائد، بدعوى معارضةِ شَطْرِه الأوَّل لأصلِ التَّنزيهِ الواجب في حقِّ الله تعالى أوَّلًا، ومعارضةِ شطرِه الأخيرِ للمُشاهَدِ في واقعِ الَحفْريَّاتِ وعلومِ الآثار ثانيًا.
فكان طعنُهم في الخَبرِ مُرتكِزًا على شُبْهَتين:
الأولى: أنَّ ظاهرَ الحديثِ خَلْقُ آدمَ على صورةِ الله تعالى، وهذا عَيْنُ التَّشبيه له سبحانه بخلقِه وتجسيمِه.
وفي تقريرِ هذا الاعتراضِ، يقول (ابنُ قِرناس): «مُختلِقُ هذا الحديث إمَّا ذو خلفيةٍ إسرائيليَّة، أو أنَّه مُتأثِّر بالإسرائيليَّات، لأنَّه اقتبَسَ مِن كتابِ اليهود المقدَّسِ عبارةَ: (خَلَقَ الله آدم على صورتِه)، وأصلُ العبارةِ: (فخَلَقَ الله الإنسانَ على صورتِه، على صورةِ الله خَلَقَه، ذَكرًا وأنثى خَلَقَهم) (١).
стр. 1317
والله ﵎ لم يخلُق آدمَ على صورتِه سبحانه، ولا قريبًا مِن صورتِه، لأنَّه تَنزَّه عن ذلك: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]» (١).
الشُّبهة الثَّانية: أنَّ القولَ بأنَّ خَلْقَ أبينا آدم ﵇ كان بهذا الحجمِ الكبير، وأنَّ ذرِّيتَه لازال خلقُهم ينقُص عن ذلك إلى الآن: دَعوى يخالِفُها المُشاهَدَ المَحسوسَ مِن آثارِ الماضِين.
بيان ذلك في ما اعترضَ به (الكرديُّ) على هذا الحديث، حيث قال: «الإشكال الأهمُّ لأنَّه غير قابل للتَّأويلِ: هو إثباتُ طولِ سِتِّين ذراعًا لآدم أبي البَشَر، والذِّراع عند العَرب إمَّا شرعيَّة -وهي ذراع اليَد، وتُقدَّر بـ ٢٤ إصبع، أي ٤٨ سنتمِترًا-، أو هاشميَّة -وهي ٣٢ إصبعًا، أي ٦٤ سنتمترًا-، فعلى القَوْلين، يكون طولُ آدمَ حوالي ثلاثين مِترًا! وأنَّ البَشَر مازالوا يَنقصُون حتَّى بلَغوا الطُّولَ الحالي (بين ١،٥٠ مترًا ومترين).
وهذا يخالفُ كلَّ ما اكتشَفَه علماء الآثارِ والحفريَّات عن أقدمِ هياكل البَشَر العَظميَّة، الَّتي لا يختلف طولها عمَّا عليه الإنسان الآن إلَّا يسيرًا، كما أنَّه لم يُلاحظ أنَّه هناك قِصَر تَدريجيٌّ لهياكلِ الإنسان على هذا النَّحو المذكور، بأن يكون طوله في الثَّلاثينات مترًا، ثمَّ يَتَدرَّج نحو العشرينات، فالعشرة أمتارٍ .. إلخ.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر العسقلانيُّ هذا الإشكالَ قال:
«يُشكل على هذا ما يوجد الآن مِن آثارِ الأُمَم السَّالفة، كديارِ ثَمود، فإنَّ مَساكنهم تدلُّ على أنَّ قاماتهم لم تكُن مُفرطةَ الطُّول على حسبِ ما يَقتضيه التَّرتيب السَّابق، ولا شكَّ أنَّ عهدَهم قديمٌ، وأنَّ الزَّمان الَّذي بينهم وبين آدم، دون الزَّمانِ الَّذي بينهم وبين أوَّل هذه الأمَّة، ولم يَظهر لي إلى الآن ما يُزيل هذا الإشكال» (٢).
стр. 1318
يقول الكرديُّ مُعقِّبًا على نصِّ كلامِ ابن حَجر: «وهذه مِن المرَّات القليلة الَّتي يَعترِفُ فيها بأنَّ هناك إشكالًا، وأنَّه غير قادرٍ على حلِّه!» (١).
стр. 1319
المَطلب الثَّالث
دفع دعاوى المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ
عن حديثِ «خَلَقَ الله آدمَ على صورتِه»
أمَّا جواب المُعارضة الأولى من دعوى تشبيهِ الحديثِ لله بخلقِه وتجسيِمه بإثباتِ الصُّورةِ له، فيقال فيه:
إنَّ أهل السُّنةِ في تفسيرِهم لهذا الحديثِ على مَذْهَبين مِشهورين، مُبتَنَيَينِ على مَرجعِ الضَّميرِ في قولِه: «على صورَتِه»، هل هو إلى اللهِ تعالى، أم إلى آدمَ ﵇؟
فذَهب فريقٌ مِن مُحَقِّقيهم إلى أنَّ الضَّميرَ فيه راجعٌ إلى آدم ﵇:
والمعنى: أنَّ الله تعالى خَلَق آدم على صورتِه الَّتي كان عليها مِن مَبدأ فِطرتِه إلى مَوْتِه، لم تَتَفاوت هيئتُه كما الحالُ مع بَنِيه، ولم يَتَنَقَّل بين الأطوارِ كذُرَّيَّتِهِ، فإنَّ كُلًّا منهم يكون نطفةً، ثمَّ علقةً، ثمَّ مضغةً، ثمَّ عظامًا وأعصابًا عاريةً، ثمَّ يكسوها لحمًا وجلدًا، ثمَّ يكون مَولودًا رضيعًا، ثمَّ طفلًا مترعرِعًا، ثمَّ شابًا، ثمَّ كهلًا، فشيخًا.
أمَّا آدم ﵇: فخَلَقَه الله ونفَخَ فيه الرُّوح حالَ كونِه على صورتِه الَّتي هو عليها.
стр. 1320
وهذا القول مَبنيٌّ على أنَّ الأصلَ في اللُّغةِ: رجوع الضَّمير إلى أقربِ مَذكورٍ، والشَّاهد على هذا العَوْدِ عندهم، قوله ﷺ بعدها في نفسِ الحديث: « .. طولُه ستُّون ذراعًا»، فعادَ الضَّميرُ أيضًا على آدم (١).
وفي تقريرِ هذا المعنى للحديثِ، يقول ابن حبَّان: «هذا الخبر تَعَلَّق به مَن لم يُحكِم صناعةَ العِلم، وأخَذَ يُشنِّع على أهلِ الحديثِ الَّذين يَنتحلون السُّنَن، ويَذبُّون عنها، ويَقمعون مَن خالفها، بأنْ قال:
ليست تخلو هذه الهاء مِن أن تُنسَب إلى الله أو إلى آدم؛ فإن نُسِبَت إلى الله: كان ذلك كُفرًا، إذْ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾! وإن نُسِبَت إلى آدم: تَعرَّى الخبرُ عن الفائدة، لأنَّه لا شكَّ أنَّ كلَّ شيءٍ خُلِق على صورتِه لا على صورةِ غيره!
ولو تَملَّق قائلُ هذا إلى بارئِه في الخلوة، وسأَله التَّوفيقَ لإصابةِ الحقِّ، والهداية للطَّريق المستقيم في لزومِ سُنَن المصطفى ﷺ ، لكانَ أوْلى به مِن القَدح في مُنتَحِلي السُّنَن بما يجهل معناه، وليس جهلُ الإنسان بالشَّيءِ دالًّا على نَفْيِ الحقِّ عنه لجهلِه به.
ونحن نقول: إنَّ أخبارَ المصطفى ﷺ إذا صَحَّت مِن جهةِ النَّقل لا تَتَضادُّ، ولا تَتَهاتَر، ولا تَنسخُ القرآن، بل لكلِّ خَبرٍ معنىً معلومٌ يُعلَم، وفصلٌ صحيحٌ يُعقل، يعقِله العالمون.
فمعنى الخبر عندنا بقوله ﷺ : «خَلق الله آدم على صورتِه»: إبانةُ فضلِ آدم على سائرِ الخلقِ، والهاء راجعةٌ إلى آدم، والفائدةُ مِن رجوع الهاء إلى آدم دون إضافتها إلى البارئِ جلَّ وعلا -جلَّ ربُّنا وتعالى عن أن يُشبه بشيءٍ من المخلوقين-: أنَّه جلَّ وعلَا جَعَلَ سبَبَ الخَلْقِ الَّذي هو المُتحرِّك النَّامي بذاتِه اجتماعَ الذَّكر والأنثى، ثمَّ زوال الماء عن قرارِ الذَّكر إلى رحِم الأنثى، ثمَّ تَغيُّر ذلك إلى العَلَقة بعد مُدَّة، ثمَّ إلى المضغة، ثمَّ إلى الصُّورة، ثمَّ إلى الوقت
стр. 1321
الممدود فيه، ثمَّ الخروج مِن قراره، ثمَّ الرَّضاع، ثمَّ الفِطام، ثمَّ المراتب الأُخَر على حسبِ ما ذكرنا، إلى حلولِ المَنيَّة به.
هذا وصفُ المتحرِّك النِّامي بذاتِه مِن خلقِه.
وخَلَق الله جلَّ وعلا آدمَ على صورتِه الَّتي خَلَقه عليها وطولُه ستُّون ذراعًا مِن غير أن يكون تَقدَّمه اجتماعُ الذَّكرِ والأنثى، أو زوالُ الماء، أو قرارُه، أو تغيير الماء علقةً أو مضغةً، أو تجسيمه بعده، فأبان الله بهذا فضلَه على سائرِ مَن ذَكَرنا مِن خلقِه، بأنَّه لم يكُن نطفةً فعلقةً، ولا علقةً فمضغةً، ولا مضغةً فرضيعًا، ولا رضيعًا ففطيمًا، ولا فطيمًا فشابًّا، كما كانت هذه حالةُ غيره؛ ضدَّ قولِ مَن زَعَم أنَّ أصحابَ الحديثِ حَشَويَّةٌ! يروُون ما لا يعقلون، ويحتجُّون بما لا يدرونَ!» (١).
وتقريرًا لهذا التَّوجيه للحديث، يقول الخطَّابي: «إنَّ ذريَّة آدمَ إنمَّا خُلِقوا أطوارًا، كانوا في مَبدأِ الخلقةِ نُطفةً، ثمَّ علقةً، ثمَّ مضغةً، ثمَّ صاروا صُوَرًا أجِنَّة، إلى أن تَتِمَّ مدَّة الحملِ، فيُولَدون أطفالًا، ويَنشَئون صِغارًا إلى أن يكبروا، فيتمُّ طول أجسامهم.
يقول ﷺ : «إنَّ آدمَ لم يكُن خلقُه على هذه الصِّفة، لكنَّه أوَّلَ ما تناولته الخِلقة، وُجِد خلقًا تامًّا، طوله سِتُّون ذراعًا» (٢).
وهذا ما رجَّحه الطَّيبيُّ أيضًا، وزاد عليه فوائدَ بأن قال: «تأويلُ أبي سليمانَ -يعني الخطَّابيَّ- للحديثِ في هذا المَقام سَديدٌ، يَجب المَصير إليه؛ لأنَّ قولَه: «طولُه» بيانٌ لقوله: «على صورتِه»؛ كأنَّه قيل: خُلِق آدم على ما عُرِف مِن صورتِه الحسنةِ، وشكلِه وهيئتِه مِن الجمالِ والكمالِ وطولِ القامة، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، وإنَّما خُصَّ الطُّولُ منها، لأنَّه لم يكُن مُتَعارفًا بين النَّاس .. » (٣).
стр. 1322
وأمَّا الفريق الآخر، فذَهبوا إلى عَوْد الضَّميرِ إلى الله لا إلى آدَم (١):
على رأسهم أحمد بن حنبل، فقد سُئل عن هذا حديث « .. على صورته» على صورةِ آدم؟ فقال: فأين الَّذي يُرْوَى عن النَّبي ﷺ : «أنَّ الله تَعَالَى خلق آدم عَلَى صورة الرَّحمن » (٢)؟! ..
ثمَّ قال: وأيُّ صورةٍ كانت لآدمَ قبل أن يُخلَق؟!» (٣).
لكن المُراد عند أصحابِ هذا القولِ مِن «الصُّورة» هنا: «الصِّفة»؛ كما تقول مَثلًا: عَرِّفني صورةَ هذا الأمر؛ أي: صِفَتَه (٤)؛ وصورةُ الشَّيء: مَجموع الصِّفاتِ الذَّاتيةِ الَّتي تُعرَف بها شخصيَّة الشَّيء، «ولا ريب أن الأدخلَ فيه هو الوَجه، ولِذا أظنُّ أنَّ غالبَ استعمالِ الصُّورةِ في الوَجْه، لأنَّه هو مَبدأ التَّمييز والمعرفة كثيرًا» (٥).
فعلى هذا يكون مَعنى الحديث على هذا الرَّأي: أنَّ الله خَلقَ آدمَ ﵇ على صِفَتِه ذا وجهٍ، مُتَّصفًا بالسَّمعِ والبَصر والكلام، كما أنَّ الله تعالى متَّصِفٌ بجنسِ هذه الصِّفات، فكأنَّه «وَضَع في بني آدم أُنموذجًا مِن الصِّفاتِ الإلهيَّةِ، وليس مِن الكائناتِ أحَدٌ يكون مَظهرًا كاملًا لتلكِ الصِّفاتِ إلَّا هو» (٦)، فيكون خلقُه على صورةِ الرَّحمن مِن هذه الحيثيَّة فقط، فلا يستلزم مُماثلة (٧).
стр. 1323
يقول أبو يعلى الفرَّاء (ت ٤٥٨ هـ): «ليس في حملِه على ظاهرِه ما يُحيل صفاتَه، ولا يُخرجها عمَّا تستحِقُّه، لأنَّنا نُطلِق تسميةَ الصُّورةِ عليه لا كالصُّوَر، كما أطلقنا تسميةَ ذاتٍ ونَفسٍ لا كالذَّواتِ والنُّفوس.
وممَّا يُبيِّن صِحَّة هذا: أنَّ الصُّورةَ ليست فِي حقيقةِ اللُّغة عبارةً عن التَّخاطيط، وإنَّما هي عبارة عن (حقيقةِ الشَّيء)، ولهذا تقُول: عرِّفني صورةَ هذا الأمر، ويُطلَق القول في صورةِ آدم على صورتِه سبحانه، لا على طريقِ التَّشبيه فِي الجسم والنَّوعِ والشَّكلِ والطُّول، لأنَّ ذلك مستحيلٌ في صفاتِه» (١).
ويزيد ابن القيِّم توضيحَ انتفاءِ التَّمثيلِ عن الحديثِ على هذا التَّوجيه الثَّاني قائلًا: «قولُه: ( .. على صورة الرَّحمن): لم يُرِد به تشبيهَ الرَّب وتمثيلَه بالمَخلوق، وإنَّما أرادَ به تحقيقَ الوجهَ، وإثباتَ السَّمعِ والبَصر والكلامِ صِفةً ومَحلًّا» (٢).
وبصرفِ النَّظر عن أرجحيَّة أحدِ هذين القَولين السُّنِّيَين السَّابقين للحديث، فلقد بانَ -بحمد الله- أنَّ الحديثَ على تَفسِيرَيْه سَالمٌ مِن غَوائل التَّشبيه، مُنَزَّه عن آفةِ التَّجسيمِ، فإنَّ نسبةَ الصُّورة إلى الله تعالى أتى عليها الذِّكر في عِدَّة أحاديث في الصِّحاح وغيرها (٣)، ونسبةُ ذلك إلىه سبحانه على ما يَليق بجمالِ وجهِه، وجلالِ سلطانِه، لا يَلزمُ منه تشبيهٌ بصُوَر خلقِه؛ تعالى ربُّنا عن ذلك عُلوًّا كبيرًا.
стр. 1324
كلُّ ما في الأمرِ: أنَّ الإِلْفَ وَقع ببعض الصِّفات الذَّاتيَّة لمَجِيئِها في القرآن، ووَقَعَت الوَحشةُ مِن الصُّورة لأنَّها لم تَأتِ في القرآن! ونحن نُؤمن بالجميع، ولا نقول في شيءٍ منه بكيفيَّةٍ ولا حَدٍّ (١).
أمَّا دعوى المعارضة الثَّانية من كونِ ما ذُكر من طولِ آدم ونقصانِ ذرِّيتَه في ذلك تدريجيًّا مُخالفٌ للمُشاهدِ مِن آثار ثمود ونحوها مِن الحفريَّات، الَّتي تدلُّ أحجامُ عماراتهم على نفسِ أطوالِنا، ومُؤدَّى ذلك أنَّ متوسِّط أطوالنا واحد لم يتغيَّر منذ آدم؛ فيُقال في جوابه:
قد مرَّ استشهادُ (الكرديِّ) على شُبهتِه هذه بنَصٍّ لابن حجر يَستشكل فيه متن الحديث، يستقوي بهذا النَّص على أهلِ السُّنة ويُحاجُّهم! وكذا فعل (عدنان إبراهيم) في حضِّه أهلَ السُّنة على اقتفاءِ أَثَرِ ابنِ حَجَرٍ في (عَقليَّتِه العلميَّة) (٢) حين رآه تَكَلَّم في مَتن هذا الحديث واستشكله!
وكان هاذان أحقَّ باقتفاءِ هذه النَّصيحةِ قبل غيرهما! إذ غاية ما بلغ به كلام ابن حَجر أن استشكل المتنِ، فهو -إذن- مُقِرٌّ بصِحَّته! والصِّحة والاستشكال قد يَجتمِعان في نَظَرِ العَالِمِ ولا ضَيْر، وكنَّا قرَّرنا في تمهيد هذه الرِّسالة بـ: أنَّ الاستشكالَ لا يَستلزم البُطلان (٣)، فلا ينبغي للحصيف أن يجَعَلَ العاقِلُ مِن عَجْزِه عن حَلِّهِ حُجَّةً لنَسْفِ النَّصِ مُطلَقًا! كما فَعلَ هاذان النَّاصِحان لأهلِ الأثَر.
لكن عجبي مِن ابنِ خَلْدونٍ (ت ٨٠٨ هـ)! كيف جَرَى على خلافِ هذا المَهْيعِ السُّنيِّ القَويمِ في مُعاملةِ الأخبارِ، فأنكَرَ ما في هذا الحديث من طُولِ الأوَّلينَ بدعوى ما رآه من حالِ عماراتِ ثَمود؛ حتَّى جَعَل الحديثَ فيه مِن أساطير القُصَّاص!
стр. 1325
فقد كان بهذا النَّعت للحديث أسبَقَ مِن ابنِ حَجَرٍ إلى الإشكال على متن الخبر بآثارِ ثَمودٍ؛ غير أنَّ الفرق المنهجيَّ الجوهريَّ بينهما: أنَّ ابن خلدون سارَعَ إلى إنكارِ المتنِ، بينما تَوَرَّع ابن حجرٍ عن هذه المَزَلَّة (١)!
وعند تأمُّلِ ما أشكلَ به ابن حَجَرٍ على متنِ الحديث، وإليه استَنَدَ مَن أنكرَه مِن المُعاصرين: نجد أنَّه مُبتَنًى على بِضعِ مُقدِّماتٍ، أَوْحَى مَجمُوعُها إلى ابن حجرٍ بالإشكالِ في متن الخَبر، هذه المُقدِّمات مُجمَلةٌ في ما يلي:
المقدِّمة الأولى: أنَّ قومَ ثمودٍ هم أقربُ زمانًا إلى آدم ﵇ مِنَّا إليه.
المقدِّمة الثَّانية: أنَّ ما نعهده مِن أَبْنِةٍ (الحِجْر) بأبوابِها الصَّغِرَةِ شمالَ غربِ الجزيرة العَربيَّة عائدةٌ إلى ثمود.
ففي هاتين المُقدِّمتين ما يُفيد ابنَ حجرٍ نتيجةً واحدةً: وهي استقرارُ طولِ بني آدمَ، وعدَم نُقصانِه منذ عهدِ ثَمودِ إلى زمنِه، وهي بهذا مخالفةٌ لما أفاده الحديث: مِن تَناقُصِ طُولِ بَنِيه عبر الزَّمَن عن السِّتين ذراعًا، وبشكلٍ مُطَّردٍ.
فمنشأ الإشكال عند ابن حجرٍ من امتناعِ الجَمْع بين هذه المَعلوماتِ جميعِها! إذْ كان مِن المَقبولِ أن تَقَع أطوالُ ثَمود في مَنزلةٍ بين طول آدم وأطوالِنا؛ أمَا وأبنِيَتُهم شاهدةٌ على أنَّ طولَهم في مِثلِ طولِنا، ففي ذلك دليل على أنَّ إحدى تلك المَعلومات السَّابقةِ خاطئة!
ولقد كان حقًّا على النَّاظرِ حينَهَا أن يَسْتَشكلَ مِن بين تلك المُقدِّمات السَّابقة أضعفَها مِن جِهة الثُّبوت، هذا البَديهيُّ في عملِ النَّاقد؛ لكن قد وَقَع نقد ابن حجرٍ على النَّقل الحَديثيِّ، ولم نَرَه يُشَكِّك في المَعلومةِ النَّقليَّة التَّاريخيَّة الأخرى بالمَرَّة! والَّتي هي عندي أساس ما بَنى عليه استشكالَه أصلًا، أعني بها: ما تَعَارف عليه النَّاسُ مِن نسبةِ آثارِ دِيارٍ مَنحوتةٍ في مكانٍ مَخصوصٍ مِن جزيرة العرب إلى ثمود!
стр. 1326
فآنَ الشُّروع في نَقدِ كلِّ مُقدِّمة ومعلومةٍ بَنى ابن حجرٍ عليها استشكاله على حِدةٍ، فأقول مستعينًا بالله:
قولُ ابن حَجرٍ في المقدِّمة الأولى: بأنَّ عهدَ ثمود «قديم، وأنَّ الزَّمان الَّذي بينهم وبين آدم، دون الزَّمان الَّذي بينهم وبين أوَّل هذه الأُمَّة» (١):
فقد ذكرَ هو برهانَ ذلك في مَوضعٍ آخر مِن كتابِه (٢)، وهو قولُ صالحٍ ﵇ لثمود: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ﴾ [الأعراف: ٧٤]، ومَعلوم أنَّ قومَ عادٍ أوَّل الأقوامِ الَّتي خُلِفَّت بعد الطُّوفان، كما في قولِ نبيِّهم هودٍ ﵇ لهم: ﴿وَاذكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩]، فهذا الاستدلال منه صحيح، فلا إشكال في هذه المقدِّمة.
وأمَّا مقدِّمته الثَّانية: من دعواه أنَّ ما هو مُشاهَد مِن أبنِية ثَمودٍ لم تكن مُفرِطةَ الطُّول، فيُقال في نقضها:
إنَّ هذه المَعلومة لا تقوم ابتداءً إلَّا على فَرْضِ صِحَّةِ ما تَنسِبه العامَّةُ إلى ثَمود مِن دِيارٍ مَنحوتةٍ في شمال الجزيرة، والَّتي تُسمِّيه الحِجرَ أو ديار صالحٍ؛ والحَقُّ أنْ لا دَليل يُثبِتُ جزمًا كون ما حَوَته تلك المنطقة مِن بيوتٍ مَنحوتة في تلك الصُّخور هي نفسُها مَساكن ثمود!
فقد بَرَز مِن الأثَريِّين والمُؤرِّخِين مَن يُرجِع بناءَ هذه الَمدائن بشكلِها الحاليِّ إلى أقوامٍ آخرين، منهم الأنباط، حيث اتَّخذوا (الحِجْرَ) عاصمتَهم الثَّانيةَ بعد عاصمتِهم الأولى (الَبتْراء)، فلا يُستَبعَد بعدُ إحداثَ الأنباطِ في عمارتِها الصَّخريَّة مِن التَّغيِير كما صَنعوه في عمارةِ (البَتراء)، ليشمَلَ ذلك فَتحاتِ الأبواب، بل واجهاتِ المَباني ذاتِها (٣).
стр. 1327
وعَينُ هذه المنطقة كانت مَعمورةً قبل الأنباطِ بالدَّدَانيِّين، ثمَّ باللِّحيانيِّين (١)، وهذا يَزيد مِن احتمالِ حدوثِ التَّغيير في عمارتِها.
فالقصدُ: أنَّ الجزمَ بأنَّ ما يُعهَد مِن تلك المبَاني الصَّخريَّة شمالَ غربِ الجزيرة هو عينُ مَباني ثمودٍ، وأنَّه لَمْ يُصِبها شيءٌ مِن التَّغيير مَن قِبَل الحضاراتِ المتلاحقة عليها عبر الزَّمن الطَّويل: الجزمُ بهذا ضَربٌ مِن المُجازفةِ المُفتقرةِ إلى البرهانِ العِلْميِّ والتَّواتر النَّقلي.
غايةُ العِلم في مثلِ هذا الأمر أن يكون ظَنًّا، ولا ينبغي لِما هو ظنِّيٌ أن يُستشكَل به ما تَواردت الأمِّة على قَبولِه مِن حديثِ رسولِ الله ﷺ ، فضلًا عن تعطيلِه به!
ثمَّ على التَّسليمِ بأنَّ هذه الأطلالَ هي عينُها ديار ثَمود: فقد كان يَصِحُّ لابن حجرٍ الاستشكالُ بهذه المقدِّمة لو كان الحديثُ يَلْزم مِن ظاهرِه اطِّرادُ النَّقْصِ بتَدَرُّجِ أطوالِ بني آدم عبر الأجيال على وَتيرةٍ واحدةٍ! وذلك بأن يكون مُعَدَّل التَّناقصُ في الطُّولِ والحجمِ مِن قَرْنٍ إلى آخر ثابتٌ لا يَتَغيَّر!
وهذه هي المَغلطة الَّتي زَّلَ فيها المُحْدَثون! وليس في ظاهر النَّص ما يُسْعِفُها البتَّة، فليس يُفيد متنُه إلَّا جنسَ التَّناقصِ في الطُّولِ فحسب؛ أمَّا درجات التَّناقص هذا أو اطِّراده عبر الأجيال، فليس في الحديثِ ما يَنْفِيه أو يُثبته.
فلذا جازَ لنا مِن جِهة النَّظر في الحديث أن نقول:
لا مانعَ من أن يكون التَّناقصُ على وتيرةٍ سريعةٍ بعد آدم في الأجيالِ الأولى مِن بَنِيه قبل الطُّوفان، ثمَّ تَباطَأَت وتيرة التَّناقص فيما بعد ذلك تدريجيًّا عبر آلاف السِّنين، وخَفَّ التَّقاصر، حتَّى وَصَل الحال إلى مثلِ ما نحن عليه اليَوم.
стр. 1328
بل يسوغ أن يُقال: أنَّ هذا التَّدرُّج نفسَه في النُّقصانِ كانت تختلِف وَتِيرتُه مِن جنسٍ بَشريٍّ إلى آخر في الزَّمن الواحد، فيبطُؤ في أقوامٍ، ويشتدُّ في آخرين.
شاهد ذلك: ما تَواتر في شريعتِنا وصُحف أهل الكتاب مِن خُلُوِّ أقوامٍ عَماليقَ ضِخام الأجسامِ، كالَّذين قاتَلهم بنو إسرائيل في زَمَنِ يوشع بن نون ﵇، وهو قولهم لنبيِّهم: ﴿يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢]، يقول ابن جرير: «سَمُّوهم جبَّارين: لأَّنهم كانوا بشدَّةِ بطشِهم، وعظيمِ خَلْقِهم -فيما ذُكِر لنا- قد قَهَروا سائرَ الأُمَم غيرهم» (١).
فقولنا بعدمِ اطِّرادِ وتيرةِ النَّقصِ عبر الأجيالِ، هذا في نَظَري أفضل ما يُجمَع به بين الحديثِ وبين بعضِ الآثار المُشاهَدةِ، وعليه ما نراه مِن آثار قديمةٍ تقربُ من أطوالِنا اليوم: تكون لأقوامٍ تباطَأَ فيهم التَّناقصُ، حتَّى قرُبوا في أطوالِهم مِن أطوالنا.
ثمَّ إنَّا نقول: إنَّ حديث أبي هريرة ﵁ هذا في نقصِ طول بني آدم ليس الدَّليل الشَّرعي الوحيدَ على إفراطِ طولِ أبينا آدم ﵇ والأجيالِ الَّتي جاءت بعده، ففي كتابِ الله تعالى ما يُشِير إلى ذلك، بل في المُكتشفات البيولوجيَّة والحَفْريَّةِ ما يَعضد ذلك.
بيان ذلك: أنَّ المُقرَّر من دلائلَ الشَّريعة فرطُ أعْمارِ البَشَر في الأُمَمِ السَّابقة الأولى، على غير ما نعهده في هذه الأحقابِ المتأخِّرة (٢)، فقد لَبِث نوحٍ في قَومِه ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَاّ خَمْسِينَ عَاماً﴾ [العنكبوت: ١٤].
وليس يخفى أنَّ هذا ليس بخَصِيصةٍ لنوح ﵇ ولا آيةً له، بل ميزة في الأوائل عمومًا، بَدَأت بآدم ﵇ حيث ناهزَ الألفَ سنة (٣)، ثمَّ تَتالَت بعدُ في أبنائِه.
стр. 1329
وفي تقرير ذلك يقول ابن تيميَّة: «أعمارُ بني آدم -في الغالبِ- كلَّما تأخَّر الزَّمانُ قصُرت ولم تطُل .. »، وذَكَر عُمْر آدمَ ونوحٍ، ثمَّ قال: «فكان الُعمْر في ذلك الزَّمان طويلًا، ثمَّ أعمارُ هذه الأمَّة ما بين السِّتين إلى السَّبعين، وأقلُّهم مَن يجوز ذلك» (١).
فإذا تَقرَّر هذا؛ فإنَّ هذا الطُّول في عُمْر الإنسانيَّة الأولى مُفْضٍ عند المُختَصِّين في علومِ البِنْياتِ الطَّبيعةِ إلى ضرورةِ امتلاكِ أولائكَ لأبدان كبيرةٍ تَتَحمَّل هذه الحياةَ الطَّويلةَ على الأرض! وهو ما يَتَّسق مع الدِّراساتِ الحديثةِ الَّتي تربِط بين عُمْر الكائنات الحيَّة وبين أحجامِها، حيث يقول أهل الاختصاص: إنَّ الأكبرَ حجمًا هو الأطولُ عُمْرًا في الجملة، لأنَّ طُولَ الحياة تستلزم جسمًا أكبرَ يُقاوم مَوانع البَقاء.
وقد أثبتت دراساتٌ إحصائيَّة عَديدة هذه الملاحظة، تؤكِّد العلاقةَ الطَّردية بين حجمِ الجسمِ وطولِ العُمْر، وفي هذه العلاقة التَّناسبيَّة بين الأعمارِ والأحجامِ جوابٌ لِمن يَسأل عن عِلَّةِ عَيشِ سَمكِ السَّلَمون -مثلًا- مدَّةً قصيرةً لا تجاوز الأربعَ سنين، بينما يَعيش الحوتُ القطبيُّ مُقوَّس الرَّأس قريبًا مِن مائتي سنة (٢).
إنَّ مِن المُستبعَد على ما تُؤكِّده هذه الشَّواهد العِلميَّة، أن يكون الإنسان الأوَّل ذا عُمْرٍ يتجاوز المئاتِ مِن السِّنين، يَصل إلى الألفِ في بواكيره، ثمَّ يكون
стр. 1330
بدَنُه مماثلًا لِما نعهدُه مِن أبدانِنا اليوم! والَّتي لا تَتَحمَّل إلَّا بِضْعَ عقودٍ مِن السِّنين، لتهرمَ بعدُ وتضعُف بِنيتُها بفعلِ الشَّيخوخة (١)؛ هذا مِن المُحال.
ومِن لطائف الأخبار في هذا الباب، ما وجدته لابن عمر ﵁ من إشارة لَطيفةٍ إلى هذا التَّلازمِ الواقعِ بين نقصانِ عُمْر الإنسانِ وخِلقَتِه! وذلك فيما رواه عنه مجاهد قال: قال ابنُ عمر: «هل تَدري كم لَبِثَ نوحٌ في قومِه؟ قلتُ: نعم، ألفَ سنةٍ إلَّا خمسين عامًا، قال: «فإنَّ النَّاسَ لم يَزدادوا إلَّا نقصًا في لحومِهم وأجسامِهم وأعمارِهم» (٢).
تَتَلمَّح هذا الرَّبطَ بين هذين الطُّولَين في التَّناسبِ -طولِ العُمرِ وطولِ الجسم- في قولِ المَقريزيِّ (ت ٨٤٥ هـ) أيضًا: «العَرَب العاربة الَّذين كانوا في الزَّمَن الغابر، وقد طالت مُدَدُهم في الحياة، وعظُمًت خلقتهم» (٣).
لكن عَجَبي لا ينقضي مِن عَالمٍ فقيهٍ مِن جهابذة القرنِ السَّادس، كيف انتبهَ إلى هذه العلاقةِ التَّناسبيَّةِ بين عُمْرِ الإنسان وحجمِه قبل قرونٍ مِن الزَّمن؟! أعني به ابنَ هُبيرة الوَزيرِ (ت ٥٦٠ هـ)، حيث قال في شرحِه لحديثِ أبي هريرة هذا:
«إنَّه لمَّا كانت أعمارُ الأوائلِ طِوَالًا، لم يَكُن يَقتضي طولٌ بلوغَ الأشدِّ منه؛ لأنَّ مُدَّتَه (٤) تُناسب ذلك الطُّول، وأنَّ ابتداءَ الخلق مِن ( .. ) (٥) الآدمي إلى أن
стр. 1331
يبلغ أشدَّه، فإنه يكون ما يخلُف عليه في مُدَّتِه أكبر ما يتخلَّل منه دائمًا إلى القوَّة والزِّيادة، فإذا حسبتَ هذا على مقتضى ما يستحقُّ العُمْر الَّذي هو الآن مِن السِّتين إلى السبعين، أو العُمْر الَّذي هو ستمائة أو سبعمائة وألف: كان قريبًا ممَّا ذُكِر أنَّ طولَه كان سِتِّين ذراعًا» (١)!
ثمَّ إنَّ مِن الآياتِ القرآنيَّة ما يشهد على فرطِ طول الأوَّلين:
منها ما وَصَفَ الله تعالى به أجسامَ عادٍ عند إهلاكِهم بأنَّهم ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، و ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، فهذا تَشبيهٌ لأجسامِهم وهي مُلقاةٌ على الأرضِ بأعجازِ الَّنخيلِ المُنقعرٍ، أي: المُقتلعٍ مِن أصولِه مَطروحًا على الأرضِ (٢).
وأعجازُ النَّخل: هي أصولُها وجذوعُها الَّتي قُطِعَت فُروعها (٣).
ومَفاد الآيتين: أنَّك ترى أجسامَ قَومِ عادٍ في طولِها عند إهلاكِها كأنَّها جذوع نخيلٍ مُلْقاةً على الأرضِ، وهذا التَّشبيهُ لا يَستقيم مع أجسادِنا الصَّغيرة المَعهودة اليوم، فالنَّخلُ التَّام النُّمو في الصَّحاري شبهِ الاستوائيَّةِ، يصل طولُه الأقصى إلى ٨٠ قدمًا، أي ٢٤ مترًا، بل يزيد على ذلك (٤).
وهذه الأطْوَال تُقارب جدًّا طولَ آدم ﵇ البالغِ ٢٨ مترًا! (٥)
ثمَّ تأمَّلْ قولَ ابن عبَّاس ﵁ في تفسيره لآيةِ: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦] قال: «عَادٌ مُكِّنوا في الأرض أفضلَ ممَّا مُكِّنت فيه هذه الأمَّة، وكانوا أطولَ أعمارًا» (٦)، لترَى تعزيزَ ما قرَّرناه آنفًا مِن تلك العلاقة الطرديَّةٍ التناسبيَّة بين طُولِ عمر الإنسانِ، وضخامةِ جسَدِه.
стр. 1332
فإنْ قيل: هذا المُقرَّر منك «يُخالِف كلَّ ما اكتشفَه علماءُ الآثارِ والحفريَّاتِ عن أقدمِ هياكلِ البَشَر العَظْميَّةِ، الَّتي لا يختلف طولُها عمَّا عليه الإنسان الآن إلَّا يَسيرًا» (١).
قُلنا في جوابه: إنَّ المُتَتبِّع لكثيرٍ مِن أخبارِ هذا المُجتمعِ (الحَفْريِّ الأثريِّ!) الغَربيِّ، لن يُعدَم من أربابِه تَفَشيًّا مَشِينًا لانعدامِ الحِيادِ في تَقريراتِ بُحوثِهم المزعومةِ، يَتَمثَّل تلاعبُهم هذا في الغِشِّ والتَّزييفِ وإخفاءِ الآثار غيرِ المَرغوب في إظهارها! سواء على المُستوى الحكوميِّ، أو السَّماسرة، ولصوصِ الآثار (٢).
كيف لا، والإقرارُ بعَمالقةٍ في الماضي أجدادًا للبَشر يضرب خُرافتهم في التَّطوُّر في مَقتلٍ! حيث يَفترِضُ الدَّاروِينيُّون بأنَّ الإنسانَ الحاليَّ مُنحدرٌ مِن قِرَدة جَنوبيَّة طولها لا يَتعدَّى المِترَ ونصفَه! .. فكيف يكون سَلفُه إنسانًا عِملاقًا؟!
стр. 1333
ومع الضَّباب الَّذي يَغشى هذا المجالَ ومُكتَشفَاته، فقد أعلَنَت بعضُ الفِرَق البحثيَّة الغَربيَّة عن هياكل بَشريَّةٍ عملاقةٍ اكتُشِفت في بقاعٍ مختلفةٍ من العالَم، مِن ذلك على سَبيلِ المثالِ:
ما عُثِر عليه بين عَامَيْ (١٩٣٤ و ١٩٣٩ م) قرب مدينة (هونج كونج) الصِّينيَّة، مِن أسنان طاحنةٍ بشريَّةٍ قديمةٍ كبيرةٍ جدًّا، هي أكبر مِن حجم أسناننا اليوم بستَّة أضعافٍ! حتَّى سمَّى (د. فايد نرايش faid naraych) - وهو عالم طبيعة أمريكيٌّ- صاحبَ هذه الأسنان بـ (الإنسان العملاق)، وهو يؤكِّدُ: أنَّ الإنسان تَسَلسل مِن أحجامٍ عملاقةٍ ذات جماجم كبيرةٍ، ثمَّ حَصَل النَّقص التَّدريجيُّ مع مرور الزَّمَن (١)!
بل عن قريب عهدٍ، عَثر بعض علماء الآثار العاملين قربَ سواحلَ الأَمازُون في الإكوادور وبِيرُو، على مَقابرَ عظامٍ بَشريَّة كثيرةٍ، تعود إلى أناسٍ يَصِل طولهم إلى ما يَقرب مِن ثلاثةِ أمتار! (٢)
والأخبار عن مثل هذه المُكتشَفاتِ يَتَزايد خروجُها عَلنًا مع مُرورِ الأيَّامٍ (٣).
ولا عَجَب؛ فإنَّ ما يُكتَشَف مِن هذه الهياكلِ العظميَّةِ العملاقةِ، قد كان مَعهودًا قبل زمانِنا هذا، دَوَّنَ أخبارَها علماءُ المسلمين في تَواريخِهم (٤)، مِن ذلك:
أنَّ قبرًا بمدينةِ (الكَرْك) في الأردن، كان يظنُّ النَّاس لضخامتِه أنَّه لنوح ﵇! وقد وجدوا فيه عظامًا عظيمةَ الحجم، يقول عنه ابن تيميَّة: «قد
стр. 1334
حدَّثني مِن ثقاتِ أهلِ المكانِ عن آبائهم مَن ذَكَر أنَّهم رَأوا تلك العظام الكبيرة فيه، وشاهدوه قبل ذلك مكانًا للزَّرع والحياكة؛ وحدَّثني مِن الثِّقات مَن شاهَد في المقابر القريبة منه رؤوسًا عظيمةً جدَّا، تُناسب تلك العظام، فعُلِم أنَّ هذا وأمثالَه مِن عِظام العَمالقةِ، الَّذين كانوا في الزَّمن القديم أو نحوِهم» (١).
ولله في خلقه شؤون!