← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 224

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

يبلغ أشدَّه، فإنه يكون ما يخلُف عليه في مُدَّتِه أكبر ما يتخلَّل منه دائمًا إلى القوَّة والزِّيادة، فإذا حسبتَ هذا على مقتضى ما يستحقُّ العُمْر الَّذي هو الآن مِن السِّتين إلى السبعين، أو العُمْر الَّذي هو ستمائة أو سبعمائة وألف: كان قريبًا ممَّا ذُكِر أنَّ طولَه كان سِتِّين ذراعًا» (١)! ثمَّ إنَّ مِن الآياتِ القرآنيَّة ما يشهد على فرطِ طول الأوَّلين: منها ما وَصَفَ الله تعالى به أجسامَ عادٍ عند إهلاكِهم بأنَّهم ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، و ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، فهذا تَشبيهٌ لأجسامِهم وهي مُلقاةٌ على الأرضِ بأعجازِ الَّنخيلِ المُنقعرٍ، أي: المُقتلعٍ مِن أصولِه مَطروحًا على الأرضِ (٢). وأعجازُ النَّخل: هي أصولُها وجذوعُها الَّتي قُطِعَت فُروعها (٣). ومَفاد الآيتين: أنَّك ترى أجسامَ قَومِ عادٍ في طولِها عند إهلاكِها كأنَّها جذوع نخيلٍ مُلْقاةً على الأرضِ، وهذا التَّشبيهُ لا يَستقيم مع أجسادِنا الصَّغيرة المَعهودة اليوم، فالنَّخلُ التَّام النُّمو في الصَّحاري شبهِ الاستوائيَّةِ، يصل طولُه الأقصى إلى ٨٠ قدمًا، أي ٢٤ مترًا، بل يزيد على ذلك (٤). وهذه الأطْوَال تُقارب جدًّا طولَ آدم ﵇ البالغِ ٢٨ مترًا! (٥) ثمَّ تأمَّلْ قولَ ابن عبَّاس ﵁ في تفسيره لآيةِ: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦] قال: «عَادٌ مُكِّنوا في الأرض أفضلَ ممَّا مُكِّنت فيه هذه الأمَّة، وكانوا أطولَ أعمارًا» (٦)، لترَى تعزيزَ ما قرَّرناه آنفًا مِن تلك العلاقة الطرديَّةٍ التناسبيَّة بين طُولِ عمر الإنسانِ، وضخامةِ جسَدِه.

стр. 1332

فإنْ قيل: هذا المُقرَّر منك «يُخالِف كلَّ ما اكتشفَه علماءُ الآثارِ والحفريَّاتِ عن أقدمِ هياكلِ البَشَر العَظْميَّةِ، الَّتي لا يختلف طولُها عمَّا عليه الإنسان الآن إلَّا يَسيرًا» (١). قُلنا في جوابه: إنَّ المُتَتبِّع لكثيرٍ مِن أخبارِ هذا المُجتمعِ (الحَفْريِّ الأثريِّ!) الغَربيِّ، لن يُعدَم من أربابِه تَفَشيًّا مَشِينًا لانعدامِ الحِيادِ في تَقريراتِ بُحوثِهم المزعومةِ، يَتَمثَّل تلاعبُهم هذا في الغِشِّ والتَّزييفِ وإخفاءِ الآثار غيرِ المَرغوب في إظهارها! سواء على المُستوى الحكوميِّ، أو السَّماسرة، ولصوصِ الآثار (٢). كيف لا، والإقرارُ بعَمالقةٍ في الماضي أجدادًا للبَشر يضرب خُرافتهم في التَّطوُّر في مَقتلٍ! حيث يَفترِضُ الدَّاروِينيُّون بأنَّ الإنسانَ الحاليَّ مُنحدرٌ مِن قِرَدة جَنوبيَّة طولها لا يَتعدَّى المِترَ ونصفَه! .. فكيف يكون سَلفُه إنسانًا عِملاقًا؟!

стр. 1333

ومع الضَّباب الَّذي يَغشى هذا المجالَ ومُكتَشفَاته، فقد أعلَنَت بعضُ الفِرَق البحثيَّة الغَربيَّة عن هياكل بَشريَّةٍ عملاقةٍ اكتُشِفت في بقاعٍ مختلفةٍ من العالَم، مِن ذلك على سَبيلِ المثالِ: ما عُثِر عليه بين عَامَيْ (١٩٣٤ و ١٩٣٩ م) قرب مدينة (هونج كونج) الصِّينيَّة، مِن أسنان طاحنةٍ بشريَّةٍ قديمةٍ كبيرةٍ جدًّا، هي أكبر مِن حجم أسناننا اليوم بستَّة أضعافٍ! حتَّى سمَّى (د. فايد نرايش faid naraych) - وهو عالم طبيعة أمريكيٌّ- صاحبَ هذه الأسنان بـ (الإنسان العملاق)، وهو يؤكِّدُ: أنَّ الإنسان تَسَلسل مِن أحجامٍ عملاقةٍ ذات جماجم كبيرةٍ، ثمَّ حَصَل النَّقص التَّدريجيُّ مع مرور الزَّمَن (١)! بل عن قريب عهدٍ، عَثر بعض علماء الآثار العاملين قربَ سواحلَ الأَمازُون في الإكوادور وبِيرُو، على مَقابرَ عظامٍ بَشريَّة كثيرةٍ، تعود إلى أناسٍ يَصِل طولهم إلى ما يَقرب مِن ثلاثةِ أمتار! (٢) والأخبار عن مثل هذه المُكتشَفاتِ يَتَزايد خروجُها عَلنًا مع مُرورِ الأيَّامٍ (٣). ولا عَجَب؛ فإنَّ ما يُكتَشَف مِن هذه الهياكلِ العظميَّةِ العملاقةِ، قد كان مَعهودًا قبل زمانِنا هذا، دَوَّنَ أخبارَها علماءُ المسلمين في تَواريخِهم (٤)، مِن ذلك: أنَّ قبرًا بمدينةِ (الكَرْك) في الأردن، كان يظنُّ النَّاس لضخامتِه أنَّه لنوح ﵇! وقد وجدوا فيه عظامًا عظيمةَ الحجم، يقول عنه ابن تيميَّة: «قد

стр. 1334

حدَّثني مِن ثقاتِ أهلِ المكانِ عن آبائهم مَن ذَكَر أنَّهم رَأوا تلك العظام الكبيرة فيه، وشاهدوه قبل ذلك مكانًا للزَّرع والحياكة؛ وحدَّثني مِن الثِّقات مَن شاهَد في المقابر القريبة منه رؤوسًا عظيمةً جدَّا، تُناسب تلك العظام، فعُلِم أنَّ هذا وأمثالَه مِن عِظام العَمالقةِ، الَّذين كانوا في الزَّمن القديم أو نحوِهم» (١). ولله في خلقه شؤون!

стр. 1335

المَبحث الثَّاني نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديثِ: «لم يكذبْ إبراهيم ﵇ إلَّا ثلاثَ كذِبات»

стр. 1336

المَطلب الأوَّل سَوق حديثِ: «لم يكذبْ إبراهيم ﵇ إلَّا ثلاثَ كذِبات» عن أبي هريرة ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لم يكذب إبراهيم النَّبي ﵇ قطُّ إلَّا ثلاث كذبات، ثِنتين في ذاتِ الله، قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقوله: ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وواحدة في شأنِ سارة، فإنَّه قدِم أرضَ جبَّارٍ ومعه سارة، وكانت أحسنَ النَّاس، فقال لها: إنَّ هذا الجبَّار إن يعلمْ أنَّكِ امرأتي يغلِبُني عليك، فإنْ سأَلك فأخبريه أنَّكِ أختي، فإنَّك أختي في الإسلام، فإنِّي لا أعلم في الأرض مسلمًا غيري وغيرك. فلمَّا دَخَل أرضَه رآها بعضُ أهل الجبَّار، أتاه فقال له: لقد قدِم أرضَك امرأةٌ لا ينبغي لها أن تكون إلَّا لك، فأرسل إليها، فأُتي بها، فقام إبراهيم ﵇ إلى الصَّلاة، فلمَّا دخلت عليه لم يتمالك أن بسَطَ يدَه إليها، فقُبضت يدُه قبضةً شديدةً، فقال لها: ادعي الله أن يُطلق يدي ولا أضرُّك، ففعلت، فعاد، فقُبِضت أشدَّ مِن القبضةِ الأولى، فقال لها مثل ذلك، ففعلت، فعاد، فقُبِضت أشدَّ من القبضتين الأوليَين، فقال: ادعي الله أن يطلق يدي، فلكِ الله أن لا أضرَّكِ، ففعلت، وأطلقت يدَه، ودعا الَّذي جاء بها فقال له: إنَّك إنَّما أتيتني بشيطان، ولم تأتني بإنسان، فأخرجها مِن أرضي، وأعطِها هاجرَ، قال: فأقبلَتْ تمشي،

стр. 1337

فلمَّا رآها إبراهيم ﵇ انصرف، فقال لها: مَهيم (١)؟ قالت: خيرًا، كفَّ الله يدَ الفاجر، وأخدم خادمًا». قال أبو هريرة ﵁: «فتلك أمُّكم يا بَني ماءَ السَّماء (¬٢») متَّفق عليه (٣).

стр. 1338

المَطلب الثَّاني سَوْق دعاوى الُمعارضات الفكريَّة المعاصرة لحديث «لم يكذب إبراهيم إلَّا ثلاث كذبات» مِمَّا ساقه المُعترضون على هذا الخَبر مِن شُبهاتٍ لإبطاله مُرتكِزٌ في مُعَارضَتين أساسَتين: المعارضة الأولى: أنَّ مِن صفاتِ الرَّسولِ أن يكون مَعصومًا مِن الكَذِب، وصدورُ الكذِب منه ولو مَرَّة مانعٌ مِن الوثوقِ بما يُخبِر به، وسَببٌ لتطرُّقِ التُّهمةِ إلى الشَّرائعِ كلِّها، فيُبطِل الاحتجاجَ بها. كذا ادَّعى الفخر الرَّازي (١)، وفي فُلكِ شُبهته هذه سَبَح غيرُ واحدٍ مِن الكُتَّابِ المُعاصرين، لنقضِ ما تَضمَّنه حديث أبي هريرة ﵁ هذا (٢). المعارضة الثَّانية: أنَّ ما وَرَد من أمثلةٍ عن إبراهيم ﵇ لا يدخلُ في حقيقةِ الكَذب، ولا يُطلَق الكذبُ على أَقوالِهِ تلك؛ فضلًا أن يُنسَبَ هذا القول إلى النَّبي ﷺ ، فالحديث الذي يَقول إنَّها كذِبٌ لا يكون صحيحًا، لمخالفتِه اللُّغةَ والواقعَ.

стр. 1339

وفي تقرير هذين الاعتراضين، يقول (أبو الأعلى المَوْدوديُّ): «لسُوءِ الحظِّ، وَرَد في روايةٍ مِن الرِّواياتِ: أنَّ إبراهيم ﵇ كَذَب في حياتِه ثلاثَ كذبات .. ففرقةٌ تغلو في عبوديَّة الرِّواية، إلى أن يعزَّ عليها صدقُ عِدَّة رُواةٍ من «الصَّحيحين» للبخاريِّ ومسلم، ولا تُبالي بأنْ تُثبتَ بذلك تهمةَ الكذبِ في حَقِّ نبيٍّ من الأنبياء، وفِرقةٌ تَهجُم على ذَخيرةِ السُّنَّة كلِّها، بسبِبِ هذه الرِّواية، وتقول برَفضِ جميعِ الأحاديث، لوجود مثلِ هذه الرِّوايات .. وهذا الحديث الَّذي ذُكِرت فيه الكَذِبات الثَّلاث لإبراهيم ﵇، ليس محلَّ الاعتراض لأجلِ أنَّه يُثبت الكذبَ في حقِّ نبيٍّ من الأنبياء فحسب، بل هذه الأمور الثَّلاثة نفسُها أيضًا مَحلُّ النَّظرِ والدِّراسةِ، ولقد رأيتَ -حقيقةً- كذبةً من هذه الكذبات آنفًا (١)، ولا يُطلِق الكذبَ على قوله هذا [إلَّا] رجلٌ قليل العَقلِ والفهمِ في هذا السِّياق! فضلًا أن تتوقَّع -معاذَ الله- عدمَ فهم النَّبي ﷺ إيَّاه! وأمَّا قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾: فلا يثبُت كونُه كذِبًا، إلى أن لا يَثْبُت أنَّ إبراهيم ﵇ كان صحيحًا مُعَافىً حينئذٍ حَقًّا! ولم يكُن يَشتكي بأدنى شيءٍ مِن المَرض، وهذا لم يُذكَر في القرآن، ولا في أيِّ روايةٍ مُعتبرةٍ، غير هذه الرِّواية الَّتي نحن بصدَدِ البحثِ فيها (٢). وأمَّا قوله في زوجتِه سارَة «إنَّها أختي»: فهو بنفسِه أمرٌ مُهمَل، يحكم عليه الإنسان بمُجرَّد سماعِه أنَّه لا يكون الواقعُ أبَدًا» (٣). ويفصِّل هذا (السُّبحاني) قائلًا: «لا دليلَ على أنَّه كَذَب في المَوارد الثَّلاثة المعروفة، .. وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، فليس بكذبٍ قطعًا، فإنَّ الصِّدقَ

стр. 1340

والكذبَ مِن صفاتِ الكلام الصَّادر عن جَدٍّ، وأمَّا الكلام الصَّادر لغايةٍ أخرى، كالهزلِ والاستهزاء الحقِّ، فلا يُوصَف بالكذب. وممَّا لا شَكَّ فيه أنَّ إبراهيم تَكَلَّم بما تَكَلَّم، ونَسَب كسْرَ الأصنام إلى كبيرِهم، بُغيةَ الاستخفاف بعقول القَومِ، حتَّى يُهيِّئ الأرضيَّة اللَاّزمة لأنْ يقولوا له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥]، فتتهيَّأ عندئذٍ أرضيَّة مناسبة لإفحامِهم، وتفنيدِ مَزاعمهم بألوهيَّة تلك التَّماثيل .. فالكلام المُلقَى لتسكيتِ الخصمِ وإفحامِه لا يُوصَف بالكذب، إذا كان هناك قرينةٌ واضحةٌ على أنَّه لم يصدر لغايةِ الجدِّ .. ونفترض أنَّه كذَبَ في هذه المَواضع الثَّلاثة، ولكنَّه ما كَذَب إلَاّ تقيَّةً وصيانةً لنفسِه عن تعرُّض العَدُوِّ الماكر، فقد امتثل واجبَه! فإنَّه إذا دافَع بهذه الكلماتِ عن دين الله، فقد امتثلَ المَعروف، فلِمَ لا تُقبَل شفاعَتَه؟! مع أنَّ مثل هذا الكذب أفضلُ مِن صدقٍ يَترتَّب عليه مَفسدة كبيرة» (١).

стр. 1341

المطلب الثَّالث دفعُ دعوى المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ عن حديث: «لم يكذب إبراهيم إلَّا ثلاث كذبات» أمَّا دعوى اعتراضهم الأوَّل من أنَّ صدور الكذب مِن الأنبياء ولو مرَّة واحدة، يَمنعُ مِن الوثوقِ بما أخبروا؛ فيُقال في الجواب عليه: إنَّه لا ريبَ في أنَّ الصِّدقَ مِن أعظمِ صِفاتِ الرُّسُلِ، وأنَّ الكذب مُحالٌ عليهم فيما يُبَلِّغونه عن الله تعالى على كلِّ حالٍ؛ نَقَل الاتِّفاقَ على ذلك القاضي عياض (١). وهذا بخلاف المَعاريضِ والتَّوريةِ في الكلام، فإنَّها غيرُ مُمتنعة الوقوعِ منهم ما كانت لداعٍ اقتضتها في غيرِ تبليغٍ؛ وما صَدَر مِن إبراهيم ﵇ هو مِن هذا البابِ، حيث تَرَخَّص فيها لغرض صحيح رآه. وبهذا قال ابنُ قتيبة (٢)، والماوَردي (٣)، والقاضي عِياض (٤)، وابن عطيَّة (٥)،

стр. 1342

وابن تيميَّة (١)، وابن القيِّم (٢)، والطُّوفي (٣)، وأبو عبد الله القرطبي (٤)، وابن حجر (٥)، وزكريَّا الأنصاري (٦)، وغيرهم. وقد أجابوا عن وجهِ تسميةِ النَّبي ﷺ لها مع ذلك بـ «كذباتٍ»، بأن قالوا: إنَّ للكلامِ نِسْبَتَينِ: نسبةً إلى قَصْدِ المُتكِّلم وإرادتِهِ مِن الكَلامِ. ونسبةً إلى السَّامِع، وما أرَادَ المتكلِّمُ إفهامَه إيَّاه. وعلى ذلك، فلا يخلو حالُ المُتكلِّم بخَبَرٍ مِن ثلاثةِ أحوال: الأوَّل: أن يُخبِر بما هو مُطابقٌ للواقع، مع إرادةِ إفهامِ السَّامع ما قَصَد مِن الخبر: فهذا صِدقٌ مِن الجِهتين. الثَّاني: أن يُخبِر المُتكلِّم بخبَرٍ خلافَ الواقع، ورَمى إلى إفهام السَّامعِ خلافَ ما قَصَدَ أيضًا: فهذا كذِبٌ مِن الجِهتين. الثَّالث: أن يقصِد مِن الخَبر معنىً صحيحًا مُطابِقًا، لكن أَرادَ إفهامَ السَّامع خلافَ ما قَصَد: فهذا صِدقٌ مِن جِهة إخبارِه بالمعنى الصَّحيح المطابق، وكذبٌ مِن جهةِ إيهامِ السَّامع ما هو خلاف غَرَضِه. فهذه الحال الثَّالثة هي الَّتي تُسَمَّى (المَعاريض)، وهي مُباحة عند الحاجةِ، لم يُرَخَّص فيها فيما يجب بيانُه، كالبَيعِ، والشَّهادة، والإفتاء، ونحو ذلك، وهذا باتِّفاق أهل العلم (٧).

стр. 1343

فبِنَظَرِ إبراهيم الخليل ﵇ إلى جِهة خلاف الواقع مِن جِهَتَيْ المعاريض، أطلَقَ على كلماتِه اسمَ الكذِب، ولو لم يُخبِر إلَاّ صِدْقًا (١)، ولكن قد سُمِّيت كذلك مِن بابِ التَّوسُّعِ في اللَّفظ. يتبيَّنُ هذا جَليًّا في مثالِ كلماتِه الثَّلاث: الأولى: نظرُه ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾: فقد كان اعتقاد قومِ إبراهيم ﵇ النَّظرُ في النُّجوم والكواكبِ، والاستدلالُ بها على ما سيحدُث، وهو ضَربٌ مِن ضُروبِ عبادَتِهم وتَعلُّقِهم بها (٢)، فأراد إبراهيم أن يوهِمَهم بنظرِه في النُّجومِ بأنَّه عَرَف مِن دَلَالتِها أنَّه سيَسقُم في المُستقبَل العاجل، وقَوَّى ذلك عندهم أنَّ كلَامَه ﵇ كان في مَعرضِ اعتذارٍ عن الخروجِ معهم، فالأنفعُ له والحالةُ هذه القَرار. فقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾: أرادَ به في المستقبلِ، بقرينةِ نظَرِه في النُّجوم، وإيهامِه المَذكور، وما كَذّب ﵇ في أنَّه سيسقَمُ؛ فإنَّ كلَّ إنسانٍ لا بُدَّ أنَّه مُعَرَّض لسَقَمٍ، وإنَّما أرادَ أن يتركوه ليَتَوَصَّل إلى تَكسيرِ أصنامِهم (٣). والثَّانية: قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾. فليس قَصْدُ إبراهيمَ ﵇ نسبةَ الفعلِ الصَّادِرِ عنه إلى الصَّنَم، وإنمَّا قَصَد تقريرَه لنفسِه وإثباتَه لها على أسلوبٍ تَعريضيٍّ يبلُغ فيه غَرَضَه في إلزامِهم الحُجَّة وتبكيتِهم. فمُرادُه ﵇ كان جَلِيًّا عند المُخاطَبِ أنْ يَتدبَّرَ حالَ مَعبوداتِه، كما ينبِّئ عنه قولُه بعدها: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣]، قاله تَهكُّمًا بهم، وتَعريضًا بأنَّ ما لا يُعرِب عن نفسِه، ولا يَدفع عنها، غيرُ أهلٍ للإلَهيَّة، وعلى

стр. 1344

تقديرِ أنَّها تَعقِلُ وتفعل، لاحتُمِلَ أنَّ الكبيرَ غَضِبَ مِن عِبادةِ الصِّغار معه، يشيرُ إلى أن رَبَّ العَالمين سبحانه يَغضبُ مِن عبادةِ شيءٍ دونه معه (١). يقول ابن حزم: «فلَم يَقُل إبراهيم ﵇ هذا على أنَّه مُحَقَّق، لأنَّ كبيرَهم فعَلَه، إذْ الكَذِبُ إنَّما هو الإخبارُ عن الشَّيءِ بخلافِ ما هو عليه قصدًا إلى تحقيقِ ذلك» (٢). فإذا تقرَّر أنَّ كلمات الخليلِ ﵇ ليست كَذِبًا في حقيقتِها، لانتفاءِ قصدِه الإخبارِ عن الشَّيء بخلافِ ما هو عليه -وهذا ما حَدَّ به ابن حزمٍ تعريفَ الكذِب كما رأيتَ- فإنَّ وجه تسميتِه لهذه المقالةِ كذبًا في حديث الشَّفاعةِ (٣) هو مِن قبيل المَجازِ كما سبق أن قرَّرناه. يقول الطَّاهر ابن عاشور: «الكلامُ والأخبارُ إنمَّا تَستقِرُّ بأواخِرِها وما يَعقُبها، كالكلامِ المُعقَّب بشرطٍ أو استثناءٍ، فإنَّه لما قَصَد تنبيهَهم على خطأِ عبادتِهم للأصنامِ، مَهَّد لذلك كلامًا هو جارٍ على الفَرْضِ والتَّقدير، فكأنَّه قال: لو كان هذا إلهًا لما رضِيَ بالاعتداءِ على شركائِه، فلمَّا حَصل الاعتداء عليهم بمَحضرِ كبيرِهم تَعيَّن أن يكون هو الفاعل لذلك، ثمَّ ارتقى في الاستدلالِ بأن سلَبَ الإلهيَّة عن جميعِهِم بقولِه: ﴿إِن كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ كما تقدَّم. فالمُراد مِن الحديثِ: أنَّها كذِباتٌ في بادئِ الأمرِ، وأنهَّا عند التَّأمل يظهر المقصود منها، وذلك أنَّ النَّهي عن الكذبِ إنمَّا عِلَّته: خَدْعُ المُخاطَب، وما يَتسبَّب على الخبر المَكذوبِ مِن جَريان الأعمالِ على اعتبارِ الواقعِ بخلافِه، فإذا كان الخبر يُعقَب بالصِّدق، لم يكُن ذلك مِن الكذب، بل كان تعريضًا، أو مَزحًا، أو نحوهما» (٤).

стр. 1345

فبان بهذا أنَّ ما بَدَر مِن إبراهيم ﵇ مِن جوابِ قومِه لم يقصد به إلَّا إثباتَ الفعلِ لنفسِه على الوجهِ الأبلغِ، مُضمَّنًا فيه الاستهزاءَ والتَّضليل، مُنتَفِيًا عنه العِلَّة مِن تحريمِ الكَذِبِ، فدَلَّ أنَّه خَرَج مَخرجَ التَّعريض، «كما إذا قال لك أُمِيٌّ فيما كتبته بخطٍّ رشيقٍ، وأنت شهيرٌ بحسنِ الخطِّ: أأنتَ كتبتَ هذا؟ فقلتَ له: بل كتبتَهُ أنتَ! فإنَّك لم تقصِد نَفْيَه عن نفسِك، وإثباتَه للأُمِيِّ، وإنَّما قصدتَ إثباتَه وتقريرَه لنفسِك، مع الاستهزاءِ بمخاطَبك» (١). وهذا ما سيفهَمه الأُميُّ نفسُه -بل وأيُّ إنسانٍ عاقلٍ- مِن هذا الأسلوب مِن الخطاب. والثَّالثة: قوله ﵇ لزوجِه سارةَ: «أخبريه أنَّكِ أُختي»: فلا أوضحَ مِن تَعليلِ إبراهيم ﵇ نفسِه لأمرِه إيَّاها بقوله لها: «فإنَّك أختي في الإسلام» مِن بابِ التَّعريضِ والتَّوريةِ في الكلامِ، فإنَّ مَن سَمَّى المسلمةَ أُختًا له قاصدًا أُخوَّة الإسلامِ، فليس بكاذبٍ قطعًا. لكنَّ النَّبي ﷺ وجدَّه إبراهيم ﵇ إنَّما أطلقَا عليه لفظَ الكذبِ: لمِا هو مقرَّرٌ «أنَّ الأختَ في الحقيقةِ المشاركةُ في النَّسَب، وأمَّا المشاركة في الدِّين فأختٌ على المَجاز، فأرادَ أنَّها كِذبةٌ على مُقتَضَى حقيقةِ اللَّفظةِ في اللُّغة» (٢) وعُرفِ النَّاس، لا أنَّها كذلك في حدِّ الحقيقةِ، ولكن من بابِ التَّجوُّزِ والتَّوسُّع في الكلامِ، لِتصَوُّرِها بصورةِ الكذِب في الظَّاهرِ، كما قد أقررناه سابقًا. والنَّبي ﷺ وإنْ تَوسَّعَ في إطلاقِ لفظِ الكذبِ على كلماتِ إبراهيم ﵇، مع كونِهنَّ مِن جملةِ المَعاريض: فليسَ يريد مع ذلك أنَّها تُذَمُّ منه ﵇، فإنَّ نفسَ الكَذبِ وإن كان في أصلِه قبيحًا، لكنَّه يحسُن في مَواضعَ (٣)! يقول ابن العربيِّ: «الكذب هو الخَبر عن الشَّيء بخلافِ مخبَرِه، كان بقصدٍ أو بغير قصدٍ، مَأذونًا فيه أو غير مأذون، ولم يُحرَّم لعينِه، ولا قُبِّح لذاته، لأنَّه قد

стр. 1346

يوجد الكذب في الشَّريعة واجبًا، كتخليصِ المُسلم مِن الظَّالم، وقد يوجد مُستحبًّا، ككذبٍ يدفع الضَّرر عن الكاذب .. ، وقد يكون مُباحًا ككذبِ الرَّجل لأهلِه» (١). فإذا كان الكذب في نفسِه منه المَمدوح والمَذموم، لم يمكن أن يُقال أنَّ النَّبي ﷺ مَدَح جدَّه ﵇ بالكذبِ المَذمومِ! فلذا نراه قد قيَّدَ وصفَه لها بكونها كذبًا «في ذاتِ الله»، «والقصدُ بهذا التَّقييد منه ﷺ نفيُ مَذمَّةِ الكذبِ عنه ﵇، لجلالةِ قدرِه في الأنبياءِ -صلواتُ الله عليه وعليهم أجمعين-» (٢). وإنَّما انحادَ النَّبي ﷺ عن وصفِها بالمَعاريضِ إلى وصفِها بالكذباتِ: تأكيدًا للمَدحِ بما يُشبه الذَّم! كقولِ النَّابغةِ (٣): ولا عَيْبَ فيهم غيرَ أنَّ سُيوفَهم *** بهنَّ فُلولٌ مِن قِراعِ الكَتائبِ (٤) وهذا الأسلوب يحسُن مثلُه حيث يكون المُستثنَى واضحَ الخروجِ مِن المُستثنَى منه -كما في هذا البيتِ المُستشهَد به- وهو الحاصل من النَّبي ﷺ في كلماتِ إبراهيم ﵇، فإنَّ الثَّلاثة المُستثناة ظاهرةٌ في خروجِها عن حَدِّ الكذبِ المَحْضِ المَذمومِ (٥).

стр. 1347

يقول أبو العبَّاس القرطبيُّ: «يُنبِّه بذلك على أنَّ الأنبياء ﵈ مُنزَّهون عن الكذب الحقيقيِّ؛ لأنَّهم إذا كانوا يَفْرَقُون مِن مثل هذه المعاريض الَّتي يجادلون بها عن الله تعالى وعن دينه، وهي مِن باب الواجبِ وتُعدُّ عليهم: كان أحرى وأوْلى أن لا يصدر عنهم شيءٌ من الكذب الممنوع» (١). فكأنَّه ﷺ قال في الحديث: لم يَصْدُر عن الخليلِ ﵇ كذِبٌ قطُّ، فإن كان كذَبَ، فهي هذه الكلماتُ الثَّلاثة! والحالُ أنَّهنَّ لسنَ بكذبٍ محض، بل مَعارِيضُ لوجهِ الله. فإن قيل: إذا كان الصَّادق المَصدوق ﷺ قد شَهِد لإبراهيم ﵇ بالبراءةِ عن ساحتِه، فما بال إبراهيم ﵇ يشهدُ هو على نفسِه بالكذبِ في حديثِ الشَّفاعةِ المشهورِ: « .. إنِّي قد كنتُ كَذَبتُ ثلاثَ كذباتٍ -وذكرَها- نفسِي نفسِي .. » (٢)؟! فجواب ذلك: أنَّا وإن أخرجناها عن مَفهومِ الكذباتِ باعتبارِ التَّورية وسَمَّيناها مَعاريضَ، فلا نُنكِر أنَّ صورتَها صورةُ التَّعريج عن المستقيمِ في الكلامِ (٣) بمجيئِها في صورةِ الكذبِ -كما أشرنا إليه آنفًا- إذْ كانت في حَقَّيْ المُخبَر والخَبر ظاهرُها بخلافِ باطنِها؛ فلمَّا جاءت بهذه الصُّورة -وإن لم تكُن هي كذِبًا في الباطنِ- أشفقَ إبراهيم ﵇ مِن المؤاخذةِ عليها يوم القيامة (٤)! وخافَ أن تُعَدَّ عليه، ويُعاتَبَ عليها بالنِّسبةِ إلى مَنصبِ الأنبياءِ، وعُلوِّ شأنهِم عن الكنايةِ بالحقِّ، مشفقًا أن يَقع

стр. 1348

ذلك منه مَوقعَ الكذبِ مِمَّن هو دونه (١)؛ فالوَزير قد يُؤاخَذ بما يُثابَ عليه السَّائس (٢)! و «حسناتُ الأبرارِ سيِّئات المُقَرَّبِين» (٣). فكونُه ﵇ تَكلَّم بشيءٍ يُشبه الكذبَ في الظَّاهرِ من غير إذنٍ خاصٍّ، «خَشِيَ أن لا يُصادَفَ اجتهادُه هذا الصَّوابَ مِن مُراد الله، فخشِي عتابَ الله، فتخلَّص مِن ذلك الموقف» (٤)، إذ رأى فعلَه حِجابًا عن استحقاقِ المَقامِ المَحمودِ، والأنبياء يُشفِقون ممَّا لا يُشفِق منه غيرهم إجلالًا لله؛ «ممَّا يدلُّك على أنَّ يوم القيامة تصفو فيه الأذهان، ويعظُم فيه مِن كلِّ أحدٍ التَّحرير حتَّى الأنبياء، ولم يكُن لإبراهيم وآدم ونوح -صلوات الله عليهم- لمَّا استعملوا التَّحريرَ وجَوَّدُوا التَّفتيشَ إلَّا هذا القَدْر» (٥)! فاللَّهم سلِّم سلِّم.

стр. 1349

المَبحث الثَّالث نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث فرارِ الحجرِ بثيابِ موسى ﵇

стр. 1350

المَطلب الأوَّل سَوق حديث فرارِ الحجرِ بثيابِ موسى ﵇ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ موسى ﵇ كان رجلًا حيِيًّا سِتِّيرًا، لا يُرى مِن جلدِه شيءٌ استحياءً منه، فآذاه مَن آذاه مِن بني إسرائيل، فقالوا: ما يستَتِر هذا التَّستُّر إلَّا مِن عيبٍ بجلدِه، إمَّا بَرص، وإمَّا أُدْرَة (١)، وإمَّا آفَة. وإنَّ الله أرادَ أن يُبرِّئه ممَّا قالوا لموسى، فخَلَا يومًا وحده، فوضع ثيابَه على الحَجَر، ثمَّ اغتسل، فلمَّا فَرغ أقبلَ إلى ثيابِه ليأخذُها، وإنَّ الحجَر عَدا بثوبِه! فأخذَ موسى عصاه وطَلَب الحَجر، فجَعَل يقول: ثوبي حَجَر! ثوبي حَجَر! حتَّى انتهى إلى مَلإٍ مِن بني إسرائيل، فرَأوه عُريانًا أحسنَ ما خَلَق الله، وأبرأه ممَّا يقولون. وقام الحَجَر، فأخذَ ثوبَه فلبِسَه، وطفِق بالحجرِ ضربًا بعصاه، فوالله إنَّ بالحجر لنَدْبًا مِن أثرِ ضربِه، ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا (٢)، فذلك قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ

стр. 1351

آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهاً﴾ [الأحزاب: ٦٩]» متَّفق عليه (١).

стр. 1352

المَطلب الثَّاني سَوْق المعارضاتِ الفكريَّة المُعاصرةِ لحديث فِرارِ الَحجرِ بثيابِ موسى ﵇ احتجَّ بعض الكُتَّاب المعاصرين على إبطالِ هذا الحديث بعدَّة شُبهاتٍ، أَوْلاها عندي بالتَّأمُّل والردِّ ثلاث: المعارضة الأولى: أنَّ الحالَ الَّتي بُرِّئ بها موسى ﵇ فيها كشفٌ مُحرَّم لعورتِه، وإسقاطٌ لقَدْرِه عند قَومِه: وفي تَقرير هذه الشُّبهة، يَتساءلُ (إسماعيل الكرديُّ): «هل يُعقَل أن يفضَحَ الله تعالى موسى على رؤوسِ أصحابِه، فيجعلَهم ينظرون إلى عورتِه، ويشاهدون خِصْيتَه، حتَّى يثبُتَ لهم أنَّه ليس بآدَر؟ وهل هذه طريقةٌ للدِّفاع عن الأنبياء؟!» (١). ويقول (عبد الحسين الموسوي): «إنَّه لا يجوز تشهيرُ كَليم الله ﵇ بإبداءِ سَوأتِه على رؤوسِ الأشهادِ مِن قومه، لأنَّ ذلك يُنقِصه ويُسقط مِن مَقامه، ولاسيما إذا رأوه يَشتدُّ عاريًا ينادي الحجرَ، وهو لا يسمع ولا يبصر! .. لقد كان في إمكانِه أن يبقى في مكانِه حتَّى يُؤتَى بثيابِه أو بساترٍ غيرها، كما يفعله كلُّ ذي لُبٍّ إذا ابتُلي بمثلِ هذه القصَّة» (٢).

стр. 1353

المعارضة الثَّانية: أنَّ واقعة ذَهابِ الحَجر بثيابِ موسى ﵇ -لو صَحَّت- فإنَّها تكون بأمرٍ مُعجزٍ مِن الله تعالى، فما كان يَصِحُّ لموسى ﵇ أن يَغضَبَ عليه إذن، فضلًا عن ضَربِه ومُناداتِه وهو جَمادٌ لا يَعقل! وفي تقرير هذا الاعتراض، يقول (عبد الحسين الموسوي): «هذه الحركةُ لو صَحَّت، فإنَّما هي مِن فعلِ الله تعالى، فكيف يَغضب منها كليمُ الله فيعاقب الحَجرَ عليها وما هو إلَّا مَقسورٌ على الحركةِ؟! وأيُّ أثرٍ لعقوبةِ الحَجَر؟!» (١). ويقول (الكرديُّ): «مِن إشكالاته أيضًا: مُناداة موسى للحَجَر، ثمَّ ضربه إيَّاه، مع أنَّه جمادٌ لا يعقل! ومع أنَّ حركته وسَيْره يُفيدان أنَّ ذلك تَمَّ بأمرٍ إعجازيٍّ مِن الله» (٢). المعارضة الثَّالثة: إنَّ المقصودَ بالآيةِ المُخْتَتَمِ بها في الحديثِ: تحذيرُ الأمَّةِ من إيذاءِ النَّبي ﷺ باتِّهامِه بما اتَّهَمت به بنو إسرائيل نبيَّها موسى ﵇، مِن السِّحر والكذبِ وغير ذلك ممَّا اتَّهمَته به، وبه فَسَّر الآيةَ عليٌّ ﵁، وهو مِن أعلمِ النَّاس بمعاني الآي الكريمِ. وفي تقرير هذا الاعتراضِ، يقول (الموسَوي): «الواقعة الَّتي أشارَ إليها بقوله -وذَكر الآية-: المَرويُّ عن أمير المؤمنين ﵇ وابن عبَّاس [﵃] أنَّها: اتِّهامهم إيَّاه بقتل هارون، وهو الَّذي اختارَه الجُبَّائي. وقيل: هي قضيَّة المُومِسة الَّتي أغراها قارون بقذفِ موسى ﵇ بنفسها. وقيل: آذوه مِن حيث نَسَبوه إلى السِّحر والكذب والجنون بعد ما رأوا الآيات.

стр. 1354

وإنَّي لأعجَبُ مِن الشَّيخين يُخرجان هذا الحديث والَّذي قبله (١) في فضائلِ موسى ﵇، وما أدري أيُّ فضيلةٍ بإبداء العَوْرةِ للنَّاظرين، وأيُّ وَزْنٍ لهذه السَّخافات؟!» (٢). وقال صالح أبو بكر: «الأصل في نشأةِ هذه القصَّة: هو الاستناد إلى الآية .. والمقصود هو أنَّ الله يحذِّر هذه الأمَّة مِن أن تؤذي النَّبي ﷺ باتِّهامِه بالسِّحر والكذب، أو الرَّغبة بالسُّلطان عليهم، مثل ما فَعَل بنو إسرائيل مع نبيِّهم موسى ﵇ .. والأذى الَّذي حدث لموسى مِن قومه هو اتِّهامه بالسِّحر والكذب، والرَّغبة بالسُّلطان عليهم، وهو ما حَدَث مِن قريشٍ للنَّبي ﷺ ، ولذلك جاءهم التَّحذير منه» (٣).

стр. 1355

المَطلب الثَّالث دفعُ المُعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِ عن حديثِ فِرارِ الحَجرِ بثيابِ موسى ﵇ أمَّا دعوى المعارضة الأولى: من كونِ الحالَ الَّتي بُرِّأ بها موسى ﵇ فيها كشف مُحرَّم لعورتِه، وإسقاطٌ لقدرِه عند قومِه: فإنَّا ننفي أن يكونَ للمُعترضِ بهذا دليلٌ على كونِ ما جَرى لموسى ﵇ من كشفِ عَوْرَتِه أمام الرِّجال مُحرَّمًا في شرعِه، بل الظَّاهر المُستفاد مِن الحديث أنَّ التَّسَتُّرَ لم يكُن وَحْيًا واجبًا بين الرِّجالِ في شرعِه ﵇، ولا وَرَد عنه النَّهيُ لهم عن التَّكشُّفِ في الجِنسِ الواحد، فلأجلِ أنَّ هذا كان مَعلومًا لدى قومِه، أنكرَ عليه ظَلَمَتُهم التَّسَتُّر عنهم (١). أمَّا احتِجابُ موسى ﵇ عن رؤيةِ الرِّجالِ له عاريًا، فلا يدلُّ ذلك منه على وجوبِ ذلك على قومِه، على ما تَقرَّر في الأصولِ أنَّ الفِعْلَ المُجرَّد لا يدلُّ على الوُجوبِ (٢)؛ ولكنْ كان اغتساله ﵇ خاليًا أخذًا في حَقِّ نفسِه بالأكملِ والأفضلِ.

стр. 1356

وأمَّا إخراجُه بين أظهرهِم عُريانًا ففيه تحقيقٌ لمصلحةِ البراءةِ، وقد علِمنا إباحةَ ذلك في الأصلِ (١)، ولولا هذه الإباحة لمَا قُدِّر لموسى ﵇ مِن ذلك حتَّى يُبرَّأ عندهم ممَّا آذوه به، فـ «إنَّ الله لا يقدِّر لنبيِّه ما ليس بجائزٍ في شَرْعِه» (٢). أمَّا افتراضُ المعترضِ أوْلوِيَّةَ بَقاءِ موسى ﵇ في مكانِه، حتَّى يُؤتى بثيابِه أو بساترٍ غيرها (٣): فإنَّ هذا من المُعترض مُقتَضى عجزِه عن مَزيدِ تأمُّلٍ لحَيْثِيَّاتِ الواقعةِ! وذلك أنَّ موسى ﵇ كان في خَلوةٍ وحده كما هو ظاهر الخَبَر، فليس ثَمَّة في ظنِّه مَن يَعْلَم بحالِه حتَّى يطلب منه بسَاترٍ! فلذا طَفِق يتبعُ الحَجَر بنفسه، فاتَّفَقَ أنْ جازَ على مقربةٍ من رجالٍ مِن قومِه فرَأَوه، فإنَّ جوانِبَ الأنهارِ -وإنْ خَلَتْ- لا يُؤمَن وجودُ قريبٍ منها، وقد بَنىَ موسى ﵇ الأمرَ أنَّه لا يَراه أحَدٌ على ما رآه مِن خَلاءِ المكانِ، حتَّى وَقَف عند مَجلسٍ لبني إسرائيل، فكان فيهم مَن قال فيه ما قال (٤). وأمَّا جواب المعارضةِ الثَّانية في دعوى المعترض سَفَاهة غضبِ موسى على الحَجٍ، وهو يعلمُ أنَّه مَقسورٌ على ذلك، مع ضَربِه ومُناداتِه وهو جمادٌ لا يَعقِل! فيُقال في جوابِه: إنَّ موسى ﵇ وإن كان نَبيًّا مِن أنبياء الله تعالى، لا يخرجه ذلك أن يكون مِن جملةِ بني آدم ممَّن تغلِبُ عليه طِباعُ البَشَر. فلِفَجأةِ ما ابتُلي به مِن ذهابِ ثيابِه، واستفظاعِه لانكشافِ عَوْرَتِه: لم يَلْوِ على شيءٍ إلَّا رَدَّ ثيابِه قبل أن يُرَى على ما يكرَه هو، وهذا مَقامٌ صَدْمَةٍ يَذهلُ فيه الرَّجل عن تَحَقُّقِ سَببِ تلك الحَركة، كما كان ذَهَل هو نفسُه بغَضَبِه عمَّا بِيَدِه، حتَّى ﴿أَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠]!

стр. 1357

فلمَّا أنْ أدرَكَ الحَجرَ مُستقرًّا مكانَه صَبَّ عليه جَمَّ غضَبِه حيث صَدَر عن الحَجر فِعْلُ مَن يَعقِل (١)! فانتقلَ عنده مِن حُكمِ الجَمادِ إلى حُكمِ الحيوان، ولذلك نَادَاه قبلُ، إذْ المُتَحرِّك يُمكن أن يَسْمَع ويُجيب، فلمَّا لم يُعْطِه ما أراد ضَرَبَه بعفويَّة (٢)، فإنَّ مَخلوقًا إذا أمكنَ أن يمشيَ، أمْكنَ أن يُحسَّ بالضَّرْبِ ويَخشاه (٣)! هذا؛ ولا أُحيل أن يكون ما صَدَر منه ﵇ مِن ضَربٍ للحجر مُجرَّد تنَفيسٍ جِبِليٍّ لا شعوريٍّ عن غَضبِه، كما يجري مثلُه لكثيرٍ مِن النَّاس ذَوي المَزاجِ الحادِّ حين تَعْطُب بعضُ آلاتِهم بعد إياسٍ مِن تَطويعِها، فتراهم يَضرِبون الآلةَ أو يركلونها بدافعِ الغَضَبِ والضَّجرِ! ليس ذلك إلَّا ردَّة فِعلٍ طبيعيَّة، مَدفوعين بفطرةِ الإنسانِ للانتقامِ مِمَّن آذاه، بغَضِّ النَّظر عن طبيعةِ هذا المُؤْذِي. ثمَّ إنَّ ضربَ موسى ﵇ للحَجَرِ كان لأجلِ فعلِ الحَجَر، «فلم يَدْرِ موسى ولا عَلِم مُرادَ الله تعالى بذلك، وأنَّه ممَّا يُبَرِّئه الله تعالى به» (٤)، حيث كان جَرْيُ الحَجَرِ معجزةً ظاهرةً له على قومِه، وكذا في حُصولِ النَّدْبِ فيه مِن ضَربِه بعصاه، كأنَّه أَثَرُ الجَرحِ إذا لم يَرتفِع عن الجِلْد (٥)؛ والمُراد من ذلك أنْ يقف حتَّى ينظُرَ إليه جماعةٌ مِن بني إسرائيل، ثمَّ يُشاهدوه حَجَرًا جَمادًا، فيعلموا أنَّما هي آيةٌ رادِعةٌ، عمَّا اختلقوه على نبيِّهم. يقول العِراقيُّ: «هذه معجزة لموسى ﵇ -يعني النَّدْبَ في الحَجر- بعد انقضاءِ المُرادِ مِن المعجزةِ الأولى، وهو فِرار الحَجَر بثوبِه، وإلجاؤُه إلى الخروجِ على بني إسرائيل على تلك الهيئةِ، وكأنَّ المعنى في هذه المعجزة أمور: أحدُها: بقاءُ هذا الأثَر في الحَجَر على طولِ الزَّمان، فيُتذَكَّر به هذه الواقعة، ويُعلَم به فضلُ موسى ﵇ وبراءته ممَّا اختلقوا عليه.

стр. 1358

ثانيها: أنَّه حَصَل عند السَّيد موسى ﵇ في ذلك الوقتِ حِدَّة، فلولا تَأثُّر الحَجَر بضربِه، وظهور أثَرِه فيه: لزادَتْ حِدَّةُ السَّيد موسى مِن عَدَم حصولِ مقصودِه، وهذا كتشبيهِ مَن يحاول أمرًا ولا يصِل إليه: بالضَّاربِ في حديدٍ باردٍ، فلولا تأثُّر الحَجر بالضَّرب لكان الضَّرب فيه كالضَّرب في حديدٍ باردٍ. ثالثُها: أنَّه لولا تأثُّر الحَجر بالضَّرب، وبقاء النَّدب فيه: لعَدَّ أهلُ السَّفاهةِ والجهلِ والعُتوِّ والاختلاقِ هذا عَبَثًا، فكان يحصُل لموسى ﵇ بذلك أذًى زائدٌ على ما تقدَّم، والقصد رفعُ الأذى عنه، لا جلبُه إليه» (١). وأمَّا جواب المعارضةِ الثالثة: في دعواه أنَّ المقصود بالآية الكريمةِ تحذيرَ الأمَّة من إيذاءِ النَّبي ﷺ كما آذت بنو إسرائيل موسى ﵇ حين اتَّهمته بالسِّحر والكذب أو قتلِ أخيه .. إلخ: فلا يُنكَر اختلافُ أهل التَّأويل في المُراد مِن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾. فإنَّ منهم مَن قال: إنَّ بني إسرائيلَ قالت أنَّ بموسى آفةً في جسَدِه من أدرةٍ أو برصٍ ونحوهما، كما ذكرنا في الحديث. وقيل: أنَّه صَعِد الجَبَل ومعه هارون، فمات هارون فقالوا: أنتَ قتلتَه، رُوي ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁. وقيل: أنَّ قارون استأجَرَ بَغِيَّةً لتقذف موسى بنفسِها على ملأٍ من بني إسرائيل، فعصمها الله، وبرَّأ موسى مِن ذلك، قاله أبو العالية (٢). والقول الرَّابع: أنَّهم رَموه بالسِّحر والجُنون، حكاه الماوَرديُّ (٣).

стр. 1359

أمَّا القولان الأخيران: فمَحْضُ اجتهادٍ مِن أصحابِها، وأَمارة الرَّفع فيها ضَعيفة. وأمَّا القول الثَّاني في ما رُوِيَ عن عليٍّ ﵁ (١): فعلى تقديرِ صِحَّتِه عنه، فلا تَعارُضَ بين قولِه وحديثِ أبي هريرة هذا؛ بما أبَان عنه الطَّحاوي في قولِه: «مَن لا عِلْم عنده مِمَّن وَقَف على هذين الحديثين يَرَى أنَّهما مُتضادَّان، وحاشا لله أن يكونا كذلك! لأنَّه قد يجوز أن تكون بنو إسرائيل آذتْ موسى ﵇ مِمَّا ذُكِر، مِمَّا كان، مِمَّا آذته به، في كلِّ واحدٍ مِن الحديثين، حتَّى برَّأه الله مِن ذلك بما بَرَّأه به مِن ذلك، ممَّا هو مَذكور في هذين الحديثين» (٢). وفي مثلِ هذا المَقام مِن الاختلافِ في التَّفسير يسوغ لنا أن نقول: إنَّ كلَّ الأقوالِ الأربعةِ السَّالفِ ذكرُها في الآيةِ لا تَضادَّ بينها، ما دام لفظُ الآية يتناولها كلَّها، لصدقِ أنْ يكون كلٌّ منها أَذيَّةٌ لموسى حقيقةً، وأنَّ الله برَّأه منها كلِّها مِمَّا اِفتَرَوه عليه. فالأربعةُ مِن قبيلِ اختلافِ التَّنوعِ بين أوجِه التَّفسير لا اختلافِ التَّضاد، وأصلُ كلِّها داخلٌ في بابِ «التَّفسير بالمثالِ»، ومعناه: «أن يَعْمدَ المفسِّر إلى لفظٍ عامٍّ، فيذكُرَ فَرْدًا مِن أفراده على سَبيل المثالِ لهذا الاسمِ العامِّ، لا على سَبيلِ التَّخصيصِ أو المُطابقة» (٣). وفي تقريرِ احتمالِ الآيةِ لتنوُّعِ مَحامِلها، يقول ابن جَرير: «أَوْلى الأقوال في ذلك بالصَّوابِ، أن يُقال: إنَّ بني إسرائيل آذَوْا نَبيَّ الله ببعضِ ما كان يَكرَه أن يُؤذَى به، فبَرَّأه الله ممَّا آذوه به، وجائزٌ أن يكون ذلك كان قِيلَهم: إنَّه أبْرَص،

стр. 1360

وجائزٌ أن يكون كان ادعاءُهم عليه قَتْلَ أخيه هارون، وجائزٌ أن يكون كلُّ ذلك، لأنَّه قد ذُكِر كلُّ ذلك أنَّهم قد آذَوْه به» (١). وفي حديث أبي هريرة هذا مثالٌ عجيبٌ على أذِيَّةِ بني إسرائيل لموسى ﵇ واختلافهم، فإنَّهم أوَّلًا خالفوا نبيَّهم ولم يتَّبعوه في طريقتِه، ثمَّ لم يكتفوا بذلك حتَّى لم يَحْمِلوا فِعْلَه الَّذي هو في غايةِ الحُسنِ على مَحملٍ حَسنٍ، وهو التَّمسُّك بمَحاسِن الأخلاق، بل جَعلوا سَبَبَه نَقْصًا في بَدَنِه! هذا الافتراء في نفسِه أذًى، وإن لم يَكُن واجبَ التَّنزيه عمَّا اختُلِق عليه. ثمَّ هم لم يذكروا ذلك على سَبيلِ الاحتمالِ، بل جَزَموا به! وأكدَّوا ذلك بأن أقسموا عليه، وحَصَروا الأمرَ فيه، فلم يجعلوا الحاملَ له عليه سِواه، وهذا غايةُ العُتوِّ، ونهاية التَّجَنِّي. فلهذا أظهر الله براءتَه بأمرٍ اشتمَلَ على عِدَّةِ خَوارق للعادات، وقَصَّ قصَّتَه على نبيِّه ﷺ ، كي يكونَ لأمتِّه في ذلك عِبرة (٢)؛ والحمد لله.

стр. 1361

المَبحث الرَّابع نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث لَطْمِ موسى ﵇ لملَكِ الموتِ

стр. 1362

المَطلب الأوَّل سَوق حديث لَطْمِ موسى ﵇ لملَكِ الموتِ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أُرسِل ملَك الموت إلى موسى ﵇، فلمَّا جاءه صَكَّه (١)، وفقأ عينه (٢)، فرَجع إلى ربِّه فقال: أرسلْتَني إلى عبدٍ لا يريد الموتَ! قال: فردَّ الله عينَه، وقال: اِرْجِعْ إليه، فقُلْ له يَضعْ يدَه على متنِ ثَورٍ، فلَه بما غطَّت يدُهُ بكُلِّ شعرةٍ سَنة. قال: أَي ربِّ، ثمَّ مَه؟ قال: ثمَّ الموتُ. قال: فالآن. فسألَ الله أن يُدنيه مِن الأَرض المقدَّسة رميةً بحجر. فقال رسول الله ﷺ : لو كنتُ ثَمَّ لأريتكم قبرَه إلى جانبِ الطَّريق، تحت الكثيب الأحمر» متَّفق عليه (٣).

стр. 1363

المَطلب الثَّاني سَوق المعارضات الفكريَّةِ المُعاصرة لحديث لطمِ موسى ﵇ لملَكِ الموتِ أحالَ هذا الحديثَ فِئامٌ مِن الخَلقِ مِن مُتقدِّمين ومتأخِّرين، صَعُبَ عليهم دَرْكُ مَراميه. فأمَّا المتقدِّمون: فلا أعلمُ مَن عُيِّن منهم مُنكِرًا للحديث شخصًا كان أو طائفةً، إلَّا ما نراه مِن نعتِ الأئمَّةِ لِمن تعرَّض له «بأنَّهم مِن المُلحِدة»، وممَّن وَقفتُ على نَعتِهم بذلك المَازريُّ (١). وكذا وصفَ ابن راهُويَه (ت ٢٣٨ هـ) مَن يَدَعُ هذا الحديثَ بأنَّه «مُبتدعٌ أو ضعيف الرَّأي» (٢). وحَشَرهم ابن خُزيمة في زُمرةِ «المبتدِعة»، وأَغفلَ تَعيينَ طائفةٍ بعينِها (٣). وأمَّا المنكرون للحديثِ مِن المتأخِّرين: فمن أشهرهم (أمين أحْسَن الإِصلاحي) (٤)، حيث كَتبَ مَقالًا يُدافع فيه عن بَلَديِّه (المَودوديِّ) أوردَ فيه تحت

стр. 1364

«مفهوم الدِّراسة النَّقدية للحديث» ثلاثةً مِن الأحاديث، منها هذا الحديث، وردَّها بقوله: «نرى حديثًا يَحِيك في الصَّدر بمُجرَّد سماعِه، ويُخالف مُسَمَّيات الدِّين ومَعروفات الشَّريعة، ويأباه العقل العامُّ في أوَّلِ وهلة» (١)! ومِمَّن اشتُهِر بإنكارِه الخبرَ أيضًا (محمَّد الغزاليُّ)، فقد غَمَز فيه في حوارٍ جرى له مع شابٍّ بقوله: «وقد وَقَع لي وأنا بالجزائر، أَنَّ طالبًا سَألني: أصحيحٌ أنَّ موسى ﵇ فَقأ عَين ملَك الموت عندما جاء لقبض روحِه بعدما استوفى أجله؟ فقلتُ له متبرِّمًا: الحديث مرويٌّ عن أبي هريرة، وقد جادل البعض في صحَّتِه. وعُدتُ لنفسي أفكِّر: إنَّ الحديثَ صحيحُ السَّنَدِ، لكن متنه يثير الرِّيبة؛ إذ يفيد أنَّ موسى يكره الموتَ، ولا يحبُّ لقاءَ الله بعدما انتهى أجله، وهذا المعنى مرفوضٌ بالنِّسبةِ إلى الصَّالحين، فكيف بأنبياء الله؟ وكيف بواحدٍ من أولي العزم؟ إنَّ كراهيته للموت بعدما جاء مَلَكُهُ أمرٌ مستغرب! ثمَّ: هل الملائكة تعرِض لهم العاهات الَّتي تعرض للبَشَر مِن عَمَى أَو عَور؟ ذاك بعيد .. ومَن وَصم منكر الحديث بالإلحاد فهو يستطيلُ في أعراض المسلمين! والحقُّ أنَّ في متنِه علَّةً قادحةً تنزل به عن رُّتبة الصِّحةِ. ورفضُه أو قبوله خلاف فكريٌّ، وليس خلافًا عقائديًا، والعلَّة في المتن يبصرها المحقِّقون، تخفى على أصحاب الفكر السَّطحي .. » (٢). وممَّن أنكره مِن العَصريِّين (مصطفى محمود)، حتَّى كاد ينطِق أنَّه مِن كِيْس البخاريِّ! حيث قال: «نقِفُ معًا أمام الحديث الَّذي رواه البخاريُّ عن سيِّدنا موسى حينما قضى ربُّنا عليه الموتَ، وأرسل له ملك الموت لقبض روحه ..

стр. 1365

ماذا قال لنا البخاريُّ؟ قال: إنَّ موسى رَفض أن يموتَ، وضَرَب مَلَك المَوت على عينه، ففقأها، فرَجَع ملَك الموت إلى ربِّه، فرَدَّ له بصره، كيف يجوز هذا؟ والقرآن يقول في قطعٍ لا لبس فيه: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [نوح: ٤] .. إنَّ الحديث واضحُ الزَّيْفِ، ومثلُه كَثيرٌ في البخاريِّ»! (١) فهذه إشارةٌ لبعضِ مَقالاتِ المُنكرين لهذا الحديث النَّبويِّ، قد اعتلُّوا لها بجُملةِ معارضاتٍ، هي على النَّحوِ التَّالي: المعارضة الأولى: أنَّ في فعلِ موسى ﵇ مع المَلَكِ، وشكايةِ الملَك منه: إخلالًا بما يَليق مِن الأدَب مع الله تعالى؛ إذْ كيف جازَ له إهانةَ رسولِه الملَكيِّ مِن غير نُصرةٍ مِن الله له؟ (٢) المعارضة الثَّانية: أنَّ في فِعلِ موسى ﵇ مُنافاةً لجَنابِ النُّبوة، ورتبةِ الرِّسالة، مِن جهتين: الجهة الأولى: أنَّ في فَقئِه لعَينِ الملَك مُراغمةً لمُرْسِلِه وهو الله تعالى، إذْ لو فَقَأ أَحدُنا عَينَ واحدٍ مِن النَّاسِ لَعُدَّ ذلك استطالةً، وبَغيًا، وفسقًا؛ فكيف حال مَن فَقأ عينَ مَلَكٍ مُقرَّب؟! لا ريب أنَّ فسقَه أعظم وأبيَن (٣). الجهة الثَّانية: أَنَّه مُنافٍ لما يَنبغي أن يكون عليه عِبادُ الله الصَّالحون مِن عظيم الرَّغبة والشَّوقِ للقاءِ الله؛ فضلًا عن خاصَّة عبادِ الله، وهم رُسل الله، الَّذين هم مَحلُّ الاقتداءِ، وأنَّ الَّذي يَدلُّ على انتفاءِ هذه الرَّغبة والشَّوق عند موسىعليه السلام، قول المَلَك لله تعالى: «أرسلْتَني إلى عبدٍ لا يُريد الموت!»، فـ «مالَّذي يكرهه موسى مِن هذا اللِّقاء الحَتم؟ إنَّ هذا الكُرْهَ تحوَّل إلى جزعٍ وغضبٍ، جَعلا موسى يفقأ عينَ الملَك كما يُقال» (٤).

стр. 1366

المعارضة الثَّالثة: كيف يرجع مَلَك الموت المأمور مِن الله تعالى بقبضِ روحِ موسى ﵇ دون تحقُّقِ ما لَه أُرْسِلَ؟! إنَّ في ذلك مخالفةً لأمرِ الله تعالى (١). المعارضة الرَّابعة: مِن المعلومِ أنَّ قوَّة البَشر «لا تثبتُ أمام قوَّة ملَك الموت، فكيف -والحال هذه- تمكَّن موسى ﵇ مِن الوقيعة فيه؟ وهلَّا دفعه الملَك عن نفسِه مع قدرتِه على إزهاق روحِه؟!» (٢). فهذه جُمْلةُ الاعتراضات الَّتي ساقها المنكرون للحديث، إبطالًا لما دلَّ عليه مِن المعاني.

стр. 1367

المَطلب الثَّالث دفعُ المعارضاتِ الفكريَّةِ الُمعاصرةِ عن حديث لطمِ موسى ﵇ لملَكِ الموتِ أمَّا الجواب عن المُعارِض الأوَّل: في أنَّ في فعلِ موسى ﵇ بالملَك، وعدمِ نصرة الله لرسولِه الملَكيِّ، إخلالًا بما يليق بالله .. إلخ؛ فيُقال فيه: إنَّ الإشكالَ بهذا عند التَّحقيق لا وُرود له بحالٍ، لأنَّه ما نَشَأ إلَّا بعد الإخلالِ بما تَجب مُراعاته من جهل موسى ﵇ في المرَّة الأولى بأنَّ الدَّاخل عليه ملَك، وبيانُ ذلك: أنَّ الأنبياء ﵈ قد يخفى عليهم حالُ المَلائكةِ أوَّل مَجيئهم، فلا يَعرفونهم، فمِن عَدَمِ مَعرفةِ إبراهيم الخليل ﵇ بهم: مَجيئه إليهم ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود: ٦٩ - ٧٠]. وهذا نبيُّ الله لوط ﵇، لم يَتبَيَّن له بادئَ الأمر أنَّ أضايفَه ملائكة، حتَّى خاف عليهم مِن قومِه فخاطَبَهم: ﴿يَاقَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ [هود: ٧٨]. وهذا نبيُّ الله داود ﵇، يُصغي إلى الملائكةِ يظنُّ أنَّهم خصومٌ مِن البَشر، ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢].

стр. 1368

ولذلك نقول: إِنَّما صَكَّ موسى المَلَكَ ولَطَمه لأنَّه رأى رجلًا «تَسَوَّر عليه منزِلَه ومَحلَّ أهلِه بغير إذنِه، وطلَب سلبَ روحِه! .. وقد ثَبَت في الشَّرعِ إباحةُ دفعِ الصَّائل بكلِّ مُمكنٍ، وإن آلَ إلى قتلِه» (١)؛ فلمَّا خَفِي عليه ﵇ أَنَّه مَلَكُ الموت، مع ما قاله له: «أجِبْ رَبَّك»! متجرِّدًا في هذا القولِ عمَّا يدلُّ على كونِه مِن عند الله: وَقعَ مِن موسى ﵇ ما وَقع مِن الصَّك، «فصادفت تلك الدَّفعةُ عينَه المركبَّة في الصُّورة البَشريَّة، لا العينَ الملَكيَّة» (٢). وإلى هذا التَّفسير للحديث ذَهب ابن خزيمة (٣)، وأَبو بكرٍ الكَلاباذي (٤)، وابن حبَّان (٥)، والخطَّابي (٦)، والمازَري (٧)، والقاضي عياض (٨)، وابن حجر العسقلاني (٩)، ومِن المتأخِّرين: القاضي محمَّد العلوي الإسماعيليُّ (١٠)، وعبد الرَّحمن المُعلِّمي (١١)، وغير هؤلاء مِن أَرباب التَّحقيق والرُّسوخ. يقول ابن حبَّان البستيُّ: «إنَّ الله -جلَّ وعلا- بعثَ رسولَ الله معلِّمًا لخلقهِ، فأنزل موضع الإبانة عن مُراده، فبلَّغ رسالته، وبيَّن عن آياتهِ بألفاظٍ مُجْمَلةٍ ومُفسَّرةٍ، عَقِلها عنه أَصحابُه

стр. 1369

أو بعضهم، وهذا الخبر مِن الأَخبار الَّتي يُدرِك معناه مَن لم يُحرَم التَّوفيقَ لإصابةِ الحقِّ، وذاك أنَّ الله -جلَّ وعلا- أَرسلَ ملكَ الموت إلى موسى رسالةَ ابتلاءٍ واختبارٍ، وأَمَرَهُ أن يقول له: أَجِب ربَّك أمرَ اختبارٍ وابتلاءٍ، لا أمرًا يريد الله -جلَّ وعلا- إمضاءَهُ، كما أمَرَ خليلَه -صلَّى الله على نبيَّنا وعليه- بذبحِ ابنِه أَمرَ اختبارٍ وابتلاءٍ، دون الأمر الَّذي أراد الله -جلَّ وعلا- إمضاءَه، فلمَّا عَزَم على ذبحِ ابنِه، وتَلَّه للجبين، فداه بالذِّبح العظيم. وقد بعث الله -جلَّ وعلا- الملائكةَ إلى رُسلِه في صُوَرٍ لا يعرفونها .. فكان مَجيء ملَك الموت إلى موسى ﵇ على غير الصُّورة التي كان يعرفه موسى عليها، وكان موسى غَيورًا، فرأى في داره رجلًا لم يعرفْهُ، فَشَال يدهُ فلطَمَهُ، فَأتَتْ لطمتُهُ على فقءِ عينِه الَّتي في الصُّورة الَّتي يتصوَّر بها، لا الصُّورة الَّتي خلقه الله عليها. ولمَّا كان مِن شريعتنا أنَّ مَن فَقأ عين الدَّاخلِ دارَه بغير إذْنهِ، أو النَّاظرِ إلى بيتهِ بغير جُناحٍ على فاعله، ولا حَرَجَ على مرتكبه؛ للأخبار الجمَّةِ الواردة فيه .. كان جائزًا اتِّفاقُ هذه الشَّريعة بشريعةِ موسى ﵇ بإسقاطِ الحرجِ عمَّن فَقأ عينَ الدَّاخل دارًا بغير إذنه، فكان استعمالُ موسى هذا الفعل مباحًا له، ولا حَرج عليه في فعله. فلمَّا رَجع مَلَك الموت إلى ربِّه وأخبرَه بما كان مِن موسى فيه، أمَرَه ثانيًا بأمرٍ آخر، أمرِ اختبارٍ وابتلاءٍ -كما ذكرنا قبل- إذ قال الله له: قل له: إن شئتَ فضع يدَكَ على متن ثورٍ، فَلَكَ بكلِّ ماغَطَّت يدُكَ بكلِّ شعرةٍ سَنة، فلمَّا عَلِم موسى كليمُ الله أنَّه مَلَك الموت، وأنَّه جاءَه بالرِّسالة مِن عند الله: طابَت نفسُهُ بالموت، ولم يسْتمهل، وقال: فالآن. فلو كانت المرَّةُ الأولى عرَفَه موسى ﵇ أنَّه ملَك الموت، لاستعملَ ما استعمل في المرَّة الأخرى عند تيقُّنِهِ وعلمِه به، ضدَّ قولِ مَن زَعم أنَّ أصحاب الحديث حمَّالةُ الحَطَب ورُعاةُ اللَّيل، يجمعون ما لاينتفعون به، ويروُون ما

стр. 1370

لا يُؤجرون عليه، ويقولون بما يُبطله الإسلامُ، جهلًا منه لمعاني الأخبار، وترك التفقُّهِ في الآثار، معتمدًا منه على رأيِه المنكوسِ، وقياسه المعكوس» (١). فهذا القولُ أوجهُ الأقوالِ في نظري في تفسيرِ الخبر، وأمْشاه مع المُحْكَمِ المَعلومِ مِن سُموِّ أَخلاقِ الأَنبياء، وصَلَابةِ ديانتهم، وتحاميهم عمَّا يقبحُ، ولم أَرَ -بحسب اطِّلاعي- مَن اعترضَ على هذا التَّوجيه، خِلافًا لبعضِ توجيهاتٍ أُخرى، كلُّها فُوِّقت لها سِهام النَّقد والاعتراض. وأمَّا جواب الجهةِ الأولى مِن المعارض الثَّاني: من دعواهم أَنَّ في فِعْلِه ﵇ مراغمةً منه، حيث اعتدى على رسولٍ لله، وكون ذلك لو فعَلَه أحد مِن الناس، لعُدَّ باغيًا فاسقًا .. إلخ؛ فيُقال في جوابه: إنَّ ذلك -كما قلنا- قد يَصحُّ لو عَلِمَ موسى ﵇ بأنَّ ذلك الدَّاخل عليه هو مَلَك الموت، وقد استبانَ خفاءُ ذلك على موسى ﵇، وأنَّ هذا هو اللَّائق الَّذي ينبغي حَمْلُ فعله عليه. ثمَّ إنَّ صنيعَ موسى ﵇ مع الملَك ليس بأقلَّ مِن صنيعِه بنبيِّ الله هارون ﵇، حين أخذ بلحيته وبرأسه يجرُّه إليه! «وكأنَّ الوحشةَ لمِا تضمَّنه حديثُ لطمِ ملَك الموت إِنَّما وقعت للمُنكرين دون أخذِه بلحيةِ أخيه هارون ﵇: لورودِ الأوَّل عن طريقِ الحديث لا القرآن! وإلَّا فكِلتا الحادثتين بينهما قدرٌ مُشترك» (٢). وفي تقرير هذا التَّشابه، يقول الكلاباذيُّ: «ليس الجرُّ، والخشونة، والغِلظة، والدَّفعُ، بأقلَّ من الدَّفعِ عنك بالخُشُونةِ والغِلظة، وهو الصَّكُّ واللَّطم، دفعٌ عنك بِغِلْظةٍ وخشونة فما سواه، وليس هارون بأَدْوَن منزلةً مِن مَلَك الموت -صلوات الله عليهما-، بل هو أَجلُّ قدرًا منه وأعلى مرتبة، وأَبينُ فَضْلًا .. ؛
следующие страницы →