المعارضة الثَّالثة: كيف يرجع مَلَك الموت المأمور مِن الله تعالى بقبضِ روحِ موسى ﵇ دون تحقُّقِ ما لَه أُرْسِلَ؟! إنَّ في ذلك مخالفةً لأمرِ الله تعالى (١).
المعارضة الرَّابعة: مِن المعلومِ أنَّ قوَّة البَشر «لا تثبتُ أمام قوَّة ملَك الموت، فكيف -والحال هذه- تمكَّن موسى ﵇ مِن الوقيعة فيه؟ وهلَّا دفعه الملَك عن نفسِه مع قدرتِه على إزهاق روحِه؟!» (٢).
فهذه جُمْلةُ الاعتراضات الَّتي ساقها المنكرون للحديث، إبطالًا لما دلَّ عليه مِن المعاني.
стр. 1367
المَطلب الثَّالث
دفعُ المعارضاتِ الفكريَّةِ الُمعاصرةِ
عن حديث لطمِ موسى ﵇ لملَكِ الموتِ
أمَّا الجواب عن المُعارِض الأوَّل: في أنَّ في فعلِ موسى ﵇ بالملَك، وعدمِ نصرة الله لرسولِه الملَكيِّ، إخلالًا بما يليق بالله .. إلخ؛ فيُقال فيه:
إنَّ الإشكالَ بهذا عند التَّحقيق لا وُرود له بحالٍ، لأنَّه ما نَشَأ إلَّا بعد الإخلالِ بما تَجب مُراعاته من جهل موسى ﵇ في المرَّة الأولى بأنَّ الدَّاخل عليه ملَك، وبيانُ ذلك:
أنَّ الأنبياء ﵈ قد يخفى عليهم حالُ المَلائكةِ أوَّل مَجيئهم، فلا يَعرفونهم، فمِن عَدَمِ مَعرفةِ إبراهيم الخليل ﵇ بهم: مَجيئه إليهم ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود: ٦٩ - ٧٠].
وهذا نبيُّ الله لوط ﵇، لم يَتبَيَّن له بادئَ الأمر أنَّ أضايفَه ملائكة، حتَّى خاف عليهم مِن قومِه فخاطَبَهم: ﴿يَاقَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ [هود: ٧٨].
وهذا نبيُّ الله داود ﵇، يُصغي إلى الملائكةِ يظنُّ أنَّهم خصومٌ مِن البَشر، ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢].
стр. 1368
ولذلك نقول: إِنَّما صَكَّ موسى المَلَكَ ولَطَمه لأنَّه رأى رجلًا «تَسَوَّر عليه منزِلَه ومَحلَّ أهلِه بغير إذنِه، وطلَب سلبَ روحِه! .. وقد ثَبَت في الشَّرعِ إباحةُ دفعِ الصَّائل بكلِّ مُمكنٍ، وإن آلَ إلى قتلِه» (١)؛ فلمَّا خَفِي عليه ﵇ أَنَّه مَلَكُ الموت، مع ما قاله له: «أجِبْ رَبَّك»! متجرِّدًا في هذا القولِ عمَّا يدلُّ على كونِه مِن عند الله: وَقعَ مِن موسى ﵇ ما وَقع مِن الصَّك، «فصادفت تلك الدَّفعةُ عينَه المركبَّة في الصُّورة البَشريَّة، لا العينَ الملَكيَّة» (٢).
وإلى هذا التَّفسير للحديث ذَهب ابن خزيمة (٣)، وأَبو بكرٍ الكَلاباذي (٤)، وابن حبَّان (٥)، والخطَّابي (٦)، والمازَري (٧)، والقاضي عياض (٨)، وابن حجر العسقلاني (٩)، ومِن المتأخِّرين: القاضي محمَّد العلوي الإسماعيليُّ (١٠)، وعبد الرَّحمن المُعلِّمي (١١)، وغير هؤلاء مِن أَرباب التَّحقيق والرُّسوخ.
يقول ابن حبَّان البستيُّ:
«إنَّ الله -جلَّ وعلا- بعثَ رسولَ الله معلِّمًا لخلقهِ، فأنزل موضع الإبانة عن مُراده، فبلَّغ رسالته، وبيَّن عن آياتهِ بألفاظٍ مُجْمَلةٍ ومُفسَّرةٍ، عَقِلها عنه أَصحابُه
стр. 1369
أو بعضهم، وهذا الخبر مِن الأَخبار الَّتي يُدرِك معناه مَن لم يُحرَم التَّوفيقَ لإصابةِ الحقِّ، وذاك أنَّ الله -جلَّ وعلا- أَرسلَ ملكَ الموت إلى موسى رسالةَ ابتلاءٍ واختبارٍ، وأَمَرَهُ أن يقول له: أَجِب ربَّك أمرَ اختبارٍ وابتلاءٍ، لا أمرًا يريد الله -جلَّ وعلا- إمضاءَهُ، كما أمَرَ خليلَه -صلَّى الله على نبيَّنا وعليه- بذبحِ ابنِه أَمرَ اختبارٍ وابتلاءٍ، دون الأمر الَّذي أراد الله -جلَّ وعلا- إمضاءَه، فلمَّا عَزَم على ذبحِ ابنِه، وتَلَّه للجبين، فداه بالذِّبح العظيم.
وقد بعث الله -جلَّ وعلا- الملائكةَ إلى رُسلِه في صُوَرٍ لا يعرفونها .. فكان مَجيء ملَك الموت إلى موسى ﵇ على غير الصُّورة التي كان يعرفه موسى عليها، وكان موسى غَيورًا، فرأى في داره رجلًا لم يعرفْهُ، فَشَال يدهُ فلطَمَهُ، فَأتَتْ لطمتُهُ على فقءِ عينِه الَّتي في الصُّورة الَّتي يتصوَّر بها، لا الصُّورة الَّتي خلقه الله عليها.
ولمَّا كان مِن شريعتنا أنَّ مَن فَقأ عين الدَّاخلِ دارَه بغير إذْنهِ، أو النَّاظرِ إلى بيتهِ بغير جُناحٍ على فاعله، ولا حَرَجَ على مرتكبه؛ للأخبار الجمَّةِ الواردة فيه .. كان جائزًا اتِّفاقُ هذه الشَّريعة بشريعةِ موسى ﵇ بإسقاطِ الحرجِ عمَّن فَقأ عينَ الدَّاخل دارًا بغير إذنه، فكان استعمالُ موسى هذا الفعل مباحًا له، ولا حَرج عليه في فعله.
فلمَّا رَجع مَلَك الموت إلى ربِّه وأخبرَه بما كان مِن موسى فيه، أمَرَه ثانيًا بأمرٍ آخر، أمرِ اختبارٍ وابتلاءٍ -كما ذكرنا قبل- إذ قال الله له: قل له: إن شئتَ فضع يدَكَ على متن ثورٍ، فَلَكَ بكلِّ ماغَطَّت يدُكَ بكلِّ شعرةٍ سَنة، فلمَّا عَلِم موسى كليمُ الله أنَّه مَلَك الموت، وأنَّه جاءَه بالرِّسالة مِن عند الله: طابَت نفسُهُ بالموت، ولم يسْتمهل، وقال: فالآن.
فلو كانت المرَّةُ الأولى عرَفَه موسى ﵇ أنَّه ملَك الموت، لاستعملَ ما استعمل في المرَّة الأخرى عند تيقُّنِهِ وعلمِه به، ضدَّ قولِ مَن زَعم أنَّ أصحاب الحديث حمَّالةُ الحَطَب ورُعاةُ اللَّيل، يجمعون ما لاينتفعون به، ويروُون ما
стр. 1370
لا يُؤجرون عليه، ويقولون بما يُبطله الإسلامُ، جهلًا منه لمعاني الأخبار، وترك التفقُّهِ في الآثار، معتمدًا منه على رأيِه المنكوسِ، وقياسه المعكوس» (١).
فهذا القولُ أوجهُ الأقوالِ في نظري في تفسيرِ الخبر، وأمْشاه مع المُحْكَمِ المَعلومِ مِن سُموِّ أَخلاقِ الأَنبياء، وصَلَابةِ ديانتهم، وتحاميهم عمَّا يقبحُ، ولم أَرَ -بحسب اطِّلاعي- مَن اعترضَ على هذا التَّوجيه، خِلافًا لبعضِ توجيهاتٍ أُخرى، كلُّها فُوِّقت لها سِهام النَّقد والاعتراض.
وأمَّا جواب الجهةِ الأولى مِن المعارض الثَّاني: من دعواهم أَنَّ في فِعْلِه ﵇ مراغمةً منه، حيث اعتدى على رسولٍ لله، وكون ذلك لو فعَلَه أحد مِن الناس، لعُدَّ باغيًا فاسقًا .. إلخ؛ فيُقال في جوابه:
إنَّ ذلك -كما قلنا- قد يَصحُّ لو عَلِمَ موسى ﵇ بأنَّ ذلك الدَّاخل عليه هو مَلَك الموت، وقد استبانَ خفاءُ ذلك على موسى ﵇، وأنَّ هذا هو اللَّائق الَّذي ينبغي حَمْلُ فعله عليه.
ثمَّ إنَّ صنيعَ موسى ﵇ مع الملَك ليس بأقلَّ مِن صنيعِه بنبيِّ الله هارون ﵇، حين أخذ بلحيته وبرأسه يجرُّه إليه! «وكأنَّ الوحشةَ لمِا تضمَّنه حديثُ لطمِ ملَك الموت إِنَّما وقعت للمُنكرين دون أخذِه بلحيةِ أخيه هارون ﵇: لورودِ الأوَّل عن طريقِ الحديث لا القرآن! وإلَّا فكِلتا الحادثتين بينهما قدرٌ مُشترك» (٢).
وفي تقرير هذا التَّشابه، يقول الكلاباذيُّ: «ليس الجرُّ، والخشونة، والغِلظة، والدَّفعُ، بأقلَّ من الدَّفعِ عنك بالخُشُونةِ والغِلظة، وهو الصَّكُّ واللَّطم، دفعٌ عنك بِغِلْظةٍ وخشونة فما سواه، وليس هارون بأَدْوَن منزلةً مِن مَلَك الموت -صلوات الله عليهما-، بل هو أَجلُّ قدرًا منه وأعلى مرتبة، وأَبينُ فَضْلًا .. ؛
стр. 1371
لأنَّه ﵇ نبيٌّ مُرسل .. ، وهو مع جليل قدرِه في نُبُوَّته، وعلوِّ دَرَجته في رسالتِه أخو موسى لأبيه وأمِّه، وأكبرُ سِنًّا» (١).
أمَّا الجواب عن الجِهة الثَّانية مِن المعارضة الثَّانية: وهي دعواهم أنَّ ذلك مُنافٍ لمِا ينبغي أن يكون عليه عباد الله الصَّالحون -عن أولي العزم من الرُّسل- مِن عظيم الشَّوق للقاء الله، وقد دلَّ الحديث على انتفاءِهِ في حقِّ موسى ﵇ في قولِ الملَك: «أرسلتنِي إلى عبدٍ لا يريد الموت»؛ فيُقال فيه:
أوَّلًا: ما ذكره مَلَك الموت ﵇ لربِّه هو مَبلغ علمِه مِن ظاهرِ حاله ﵇، وقد وَقَع نظير هذا الظَّن مِن الملائكةِ حين خَفِي عليهم حكمةُ الله تعالى في استخلافِه لأَصلِ البَشر آدمَ ﵇ في الأرض، حيث قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].
يقول محمَّد العلويُّ المكناسيُّ (ت ١٣٦٧ هـ): «فهذا الَّذي ظنَّه الملائكة بآدم ﵇ هو نَظير ما ظنَّه مَلَك الموتِ هنا بموسى ﵇، وهذا الَّذي أجابَ الله تعالى الملائكةَ به في هذه الآية، هو عينُ الجواب لملَك الموت هنا، المستفاد ممَّا اختاره موسى أخيرًا» (٢).
ثانيًا: حين تحقَّقَ موسى ﵇ في المرَّة الثَّانية كونَ الَّذي جاءه المرَّة الأولى ملَك الموت ﵇ لم يدفعه، بل حينما خيَّره بين البقاء في هذه الدُّنيا مُددًا طويلة بقدر ما تقع يده عليه مِن شعر الثَّور، وبين الموتِ: اختار ﵇ الموتَ! وفي هذا برهانٌ على زُهدِه عن البقاءِ في هذه الدُّنيا بعد إخبارِ الله تعالى له ببقائِه إن أراد آمادًا طويلة، وإيثارِه لقاءَ الله تعالى على الخلودِ فيها.
стр. 1372
وأمَّا الجواب عن المعارضة الثَّالثة: في دعوى أنَّ في رجوعِ ملَك الموتِ المأمورِ مِن الله تعالى بقبضِ روح موسى ﵇ دون تحقيقِ ما أُمر به مِن ذلك مخالفةٌ لأمرِ الله.
فيُقال فيه: لا برهان للمُعترض على أنَّ ما أُمِر به مَلَك المَوت مِن قَبضِ روحِ موسى ﵇ كان على سبيل الإيجاب والإلزام الفوريِّ! بل المعلوم مِن سُنَّة نبيِّنا ﷺ أنَّ أمْرَ الله بقبضِ روحِ الأنبياءِ هو في حقِّهم على سبيل التَّخيير.
فعن عائشة ﵂ قالت: كان النَّبي ﷺ يقول وهو صحيح: «إنَّه لم يُقبَض نبيٌّ حتَّى يَرى مقعدَه مِن الجنَّة، ثمَّ يُخَيَّر» (١).
فرجوع ملَك الموت دون تحقُّق ما أُمِر به، هو بسببِ ما ظنُّه مِمَّا فعله به موسى ﵇ أنَّه لا يريد الموت، وهو ما صَرَّح به لربِّه -كما جاء في الحديث-: «أرسلتني إلى عبدٍ لا يريد الموت! .. ».
هذا مع ما أُمِر به المَلَك ﵇ مِن التَّلطُّف في قبضِ روحِ كليمِ الله (٢)، فلأجلِ ذلك لم يُدافع موسَى حينَ لَطَمَه؛ فضلًا عن أنَّ اللَّطمة وما فوقها لا تضرُّ المَلَك في شيءٍ ولا تُؤذيه! اللَّهم إلَّا ما قد لحِق الصُّورة الظَّاهرة مِن تشوُّهٍ في تركيبة العينِ، أعادها الله كما كانت عند إرسالِ المُتصوِّر بها إلى موسى أوَّل مرَّة.
وفي هذا جواب المعارضة الرَّابعة أيضًا.
والحمد لله الَّذي تتِّم بنعمتِه الصَّالحات.
стр. 1373
المَبحث الخامس
نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديثِ طوافِ سليمان ﵇ على نسائِه في ليلةٍ
стр. 1374
المَطلب الأوَّل
سَوق حديثِ طوافِ سليمان ﵇ على نسائِه في ليلةٍ
عن أبي هريرة ﵁ قال (١):
«قال سليمان بن داود ﵉: لَأطوفَنَّ اللَّيلةَ بمائةِ امرأةٍ، تلِد كلُّ امرأةٍ غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقال له المَلَك: قُل إن شاء الله، فلم يقُل ونَسِي، فأطافَ بهنَّ، ولم تلِد منهنَّ إلَّا امرأةٌ نصفَ إنسان».
قال النَّبي ﷺ : «لو قال: إن شاء الله، لم يحنَثْ، وكان أرْجى لحاجتِه» أخرجه بهذا اللَّفظ البخاريُّ (٢).
стр. 1375
وفي رواية أخرى له ولمسلم: «سبعين امرأة» (١)، وفي رواية: «تسعين امرأة» (٢).
стр. 1376
المَطلب الثاني
سَوْق المُعارَضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ
لحديثِ طوافَ سليمان ﵇ على نسائِه في ليلةٍ
يَستند طَعْنُ مَن طَعَن في حديثِ أبي هريرة ﵁ مِن المُحْدَثين إلى ثلاثِ معارضاتٍ مَتنيَّة، هي على النَّحو التَّالي:
المعارضة الأُولى: أنَّ الحديث وَقَع فيه اختلافٌ في عَدِّ النِّسوةِ اللَّائي طافَ بهنَّ سليمان ﵇، ممَّا يدلُّ على اضطرابِه.
وفي تقرير هذا الاعتراضِ، يقول (الأمير الغُول): «هذا الاختلافُ هو مِن أكبرِ الأدلَّة على زَيْفِ وعدمِ صِحَّة هذا الحديثِ، والمَطلوب مِن الرَّاوي لهذه الأسطورة الفريدةِ في نوعِها، أن يُعلِن بشكلٍ مَعقولٍ للعَددِ المناسبِ، في الوقتِ المناسبِ، بحيث لا تجلِب هذه القضيَّة أنظارَ شُرَّاح البخاريِّ إليها!» (١).
أمَّا (عبد الحُسين الموسويُّ)، فقد تلهَّف إلى إلزاقِ هذا الاختلافِ بأبي هريرةَ ﵁ نفسِه! فتراه يقول: «إنَّ أبا هريرةَ قد اضطربَ في عِدَّةِ نساءِ سليمان، فتارةً روَى أنَّهن مائة امرأةِ كما سمعتَ، وتارةً روى أنَّهم تسعون، وتارةً روى أنَّهم سبعون، وتارةً أنَّهم ستُّون، وهذه الرِّوايات كلُّها في صَحيحي البخاريِّ ومسلم ومسندِ أحمد، فما أدري ما يقوله فيها المعتذِرون عن هذا الرَّجل؟!» (٢).
стр. 1377
المعارضة الثَّانية: أنَّ دعوى جِماع سليمانَ ﵇ لذاك العَدِد الكبيرِ مِن النِّساء في ليلةٍ مستحيلٌ من جِهة القدرةِ الخَلقيَّة للبَشرِ.
وفي تقرير هذه الشُّبهة، يقول (عبد الحُسين الموسويُّ): «القوَّة البشريَّة لَتَضعُف عن الطَّوافِ بهنَّ في ليلةٍ واحدةٍ مهما كان الإنسان قويًّا، فما ذَكَره أبو هريرة مِن طوافِ سليمان ﵇ بهنَّ مُخالفٌ لنَواميسِ الطَّبيعة، لا يُمكن عادةً وقوعُه أبدًا» (١).
ويزيد عليه (الغُول) إيغالًا في الشُّبهةِ فيقول: «بعيدًا عن الخوارقِ والمَعاجزِ للقوَّة والقدرة، وحتَّى مِن حيث الفترة الزَّمنية، فإنَّ فترة ليلةٍ واحدة لا تكفي مُطلقًا لقضاءِ وَطَرٍ مع مائةٍ مِن النِّساء» (٢).
المعارضة الثَّالثة: أنَّ ترْكَ سليمان ﵇ التَّعليقَ بالمَشيئةِ الإلهيَّة، مع تذكيرِ صاحبِه له بها، نوعٌ مِن الإعراضِ يتنزَّه عن مثلِه الأنبياء ﵈.
يقول (المُوسَويُّ): «لا يجوز على نبيِّ الله تعالى سليمان ﵇ أن يترك التَّعليقَ على المشيئة، ولاسيما بعد تنبيهِ المَلَك إيَّاه إلى ذلك، وما يمنعُه مِن قَولِ إن شاء الله؟ وهو مِن الدُّعاةِ إلى الله والأدِلَّاء عليه، وإنَّما يتركُها الغافلون عن الله .. وحاشا أنبياء الله عن غفلة الجاهلين» (٣).
ويزيد (إسماعيل الكرديُّ) قائلًا: «مِن الغَرائبِ ما وَرد في أحَدِ طُرق الحديث، مِن أنَّ سليمان ﵇ بعد أن ذكَّرَه صاحبه أنَّه: «لم يَقُل، ونسَيَ»، هذا في حيِن أنَّ النِّسيان قد يَقَع عند عدَمِ التَّذكير، أمَّا إذا ذُكِّر الإنسان بقولِ شيءٍ، ومع ذلك لم يقُله، فهذا لا يُسَمَّى نِسيانًا!» (٤).
стр. 1378
المَطلب الثَّالث
دَفعُ دعاوي المعارَضاتِ الفكريَّة المعاصرة
عن حديثِ طوافِ سليمان ﵇ على نسائِه في ليلةٍ
أمَّا الجوابُ عن دعوى المُعتَرضِ اختلافَ الرِّواياتِ في تعدادِ نِسوةِ سليمان ﵇:
فإنَّ مُحصَّلَ ما اختُلِف في ذلك مِن العَدد: سِتُّون، وسبعون، وتسعون، ومائة (١)، وكلُّ هذه في «الصَّحيحين»، وليس في «الصَّحيحِ» أكثرُ اختلافًا في العَدَد مِن هذه القِصَّة (٢)؛ وليست كلُّها مِن قولِ أبي هريرة ﵁، بل الاختلافُ مِن النَّاقلين عنه (٣).
وهذا الاختلافُ مع ما ذكرناه عنه لا يُوجِب اضطرابًا يقدح في الحديث، فإنَّ دعوى الاضطرابِ تَصِحُّ حين تعذُّر الجمع أو التَّرجيح بين الوجوهِ المختلفةِ حيث تساوت في القوَّة، أمَّا إنْ أمكنَ الجمعُ أو التَّرجيح فلا مدخلَ حينئذٍ للقول بالاضطراب (٤).
стр. 1379
وإنَّا لمُقِرُّون بتَعَسُّرِ الجمعِ بين تَفَاوتِ الأعدادِ في رواياتِ هذا الحديث إلَّا بتَكلُّفٍ تضيق النَّفس عن استساغته! (١) فلا داعي لهذا المسلك، وطريقُ التَّرجيحُ أَوْلى بالسُّلوكِ.
وبالنَّظر في هذه الرِّواياتِ المتخالفةِ وإن كان نُقَّالُها ثِقاتًا في الجملة، نجدهم -لا شَكَّ- مُتفاوتين في قوَّة الضَّبط والتَّيقُّظ في الرِّواية؛ فعلى هذا الأساسِ مِن النَّظَر في مَرَاتبِ الثِّقات واستدعاءِ الشَّواهدِ والمتابعاتِ: اختارَ البخاريُّ روايةَ «التِّسعين»: فإنَّه بعد إخراجِه لرواية «السَّبعين» مِن طريقِ مغيرة بن عبد الرَّحمن، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، قال: «قال شعيب وابنُ أبي الزِّناد: تِسعين، وهو أصحُّ» (٢).
فعلى فَرْضِ أنَّ هذا الاختلاف الحاصلَ بين الرُّواةِ في عَدد النِّسوةِ متساويةٌ أطرافه في القوَّة، فلا يؤولُ الاختلاف في هذا الحديثِ تحديدًا إلى اختلافِ مَعنى الخَبر، ولا يَنقُض المُرَادَ مِن حكايتِه؛ كمَثَل الاختلافِ المَشهورِ في حديث ثَمَنِ بَيعِ جابرٍ جَمَلَه للنَّبيِّ ﷺ (٣)؛ والحديث صحيح.
هذا؛ ولا أستبعِدُ أن يكون شَطَرٌ مِن هذا الاختلافِ في عَدَدِ النِّساء أصلُه ما يَقَع مِن الرُّواة أحيانًا مِن تَصحيفِ الكَلماتِ المتشابهةٍ! فأنتَ تَرَى أنَّ لفظَ «تِسعين» و «سَبعين» و «سِتِّين» متقاربة الرَّسم؛ وهذا «صحيح البخاريِّ» وهو كتاب واحد: قد اختلَفَت نُسَخُه في ضَبْطِ هذا اللَّفظ في المَوضعِ الواحد! (٤)
стр. 1380
فلا طائلَ -إذن- مِن تهويشِ المُعترِض بهذا الوَجه مِن الاختلافِ على الحديث.
وأمَّا قولُه في مُعارضتِه الثَّانية: من استحالةِ ما فَعَلَه سليمان ﵇ على الطَّبيعةِ البَشريَّة:
فهذا صحيحٌ من جِهةِ العادة كما قال، فإنَّ إنزالَ الرَّجُلِ في مثلِ ذلكِ العَددِ الكثيرِ مِن النِّساء تَتَابعًا يعجزُ عنه البَشر في أحوالهِم العاديَّة؛ غير أنَّ ما رتَّبَه على هذه المقدِّمة من شمولِها سليمانَ ﵇ قياسًا على سائر النَّاس نتيجةٌ خاطئة! فإنَّ سليمان ﵇ يفرُق عنهم في أنَّه نَبيٌّ مُؤيَّدٌ بخَرْقِ العاداتِ، وإرسالِ الآياتِ الباهراتِ؛ وتلك القُوَّة فيه مِن جملةِ هذه الخَوارق.
فأيُّ نَكارةٍ مِمَّن أمكنَه الله تعالى مِن رِقابِ الجِنِّ والإنسِ، أن تكونَ له هذه الهِبَة الجِسمانيَّة وإن لم يَأْلف سائرُ النَّاسِ مثلَها في أنفسِهم؟!
ثمَّ إنَّ الحديث ذَكَر صدورَ هذا الفعلِ مِنه ﵇ لغَرَضٍ مُعيَّنٍ، فليسَ عادةً له، ولا أرى لزوم قدرته ﵇ على فعل ذلك كلَّ يومٍ أو ترداده كثيرًا، ولا في الحديث ما يُشير إلى ذلك.
وأمَّا دعوى المُعترض عدم كفايةِ اللَّيلةِ الواحدةِ لإيقاعِ فعلِ سليمان ﵇ بذلك العَدد كلِّه؛ فيُقال في جوابها:
إنَّ تَمديدَ الزَّمَنِ مُنضَوٍ في ما قرَّرناه آنفًا مِن اختصاصِ الأنبياء بخَرْقِ العادةِ، فهذا الَّذي تيسَّر لسليمان ﵇ هو مِن جملةِ البَركة الَّتي يُؤتاها الأنبياء في أوقاتِهم؛ كما قد أوتِيَه من قبله أبوه داود ﵇ مِن بَركةِ الوَقتِ، ما كان يُيَسَّر له فيه خَتمَ زَبورِه تِلاوةً قبل أن تُسرَجَ دوابُّه (١)!
стр. 1381
ومثلُ ما وقع مِن نبيِّ الله سليمان ﵇ مَحجوبٌ عَنَّا عِلمُ حقيقتِه، فليس لنا غيرُ التَّسليمِ؛ والَّذي أوقعَ المُعترضَ في تلك المَغلطة، أنَّه استحضَرَ عند قراءته لهذا الحديث الوقتَ الَّذي يأخذُه عادةً في الوَطءِ!
وأمَّا دعوى المعترضِ في الشُّبهةِ الثَّالثة نبذَ سليمان ﵇ لتعليقِ عزمِه بالمشيئةِ الإلهيَّة:
فليس من شأنِ هذا المقامِ الرَّفيعِ فعلُ ذلك! حاشاه ﵇ مِن هذا الظَّنِ السَّقيمِ؛ كلُّ ما في الأمرِ أنَّ تذكيرَ المَلَكِ له بقولِ: إن شاء الله «تَذكيرٌ له بأن يَقولَ ذلك بلسانِه، لا أنَّه ﵇ غَفَل عن التَّفويضِ إلى الله تعالى بقلبِه» (١)؛ فهذا ثابتٌ في قلبِه، ولكن اكتفَى ﵇ بما قال تمنِّيًا على الله بعد سُؤالِه له أن يَفعل، فكأنَّه غَلَب عليه الرَّجاءُ في ربِّه لِما رَأى أنَّه نبيُّه قصَدَ بفعلِه نُصرةَ دينِه وأمرَ الآخرةَ، فغلَّب هذا الظَّن تَأوُّلًا، فتساهَل لأجله أن يقول ذلك لفظًا، حتَّى نسِيَ بعدُ أن يُجرِيَ على لسانِه ما ذُكِّر به مِن لفظِ المشيئةِ، لشيءٍ عَرَضَ له ﵇ (٢).
نظير هذا: ما اتَّفق لنبيِّنا ﷺ حين سُئِل عن أصحابِ الكهفِ، فوَعَد بالجوابِ غدًا جزمًا، فلما له من مَقامٍ عنه الله تعالى، وصدقِ وعدِه في تصديقِه وإظهارِ كَلِمتِه، والمَقام مقامُ إثبات نُبوَّةٍ تستدعي النُّصرة له: ذَهَل عن تعليقِ وعدِه بمشيئةِ الله لفظًا، وإن كان مفوِّضًا ذلك إلى ربِّه قَلْبًا؛ فتَأَخَرَّ الوَحيُ عنه؛ حتَّى أعلمه ربُّه وأدَّبَه بقولِه: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً (٢٣) إِلَاّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤].
وهذا لعُلوِّ مَناصبِ الأنبياء، ومَقامِ الاقتداءِ بهم، فإنَّهم يُعاتَبون على ما لا يُعاتَب عليه غيرهم (٣).
فاللَّهم صَلِّ على هذين النَّبِيَّيْن ما طَرَق في السَّماءِ طارق، وعلى سائرِ أنبيائِك المُؤيَّدِين بعَجيبِ الخوارِق.
стр. 1382
المَبحث السَّادس
دفع دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة عن حديثِ «نحن أحقُّ بالشَّك مِن إبراهيم .. »
стр. 1383
المَطلب الأوَّل
سَوق حديثِ «نحن أحقُّ بالشَّك مِن إبراهيم .. »
عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال:
«نحن أحقُّ بالشَّك مِن إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠].
ويرحمُ الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى رُكنٍ شديدٍ.
ولو لبثتُ في السِّجن طولَ ما لبِثَ يوسف، لأجبتُ الدَّاعي» متَّفق عليه (١).
стр. 1384
المَطلب الثَّاني
سَوق دعاوي المعارضات المعاصرة
على حديث: «نحن أحقُّ بالشَّك مِن إبراهيم ﵇»
تظافرَ جمعٌ مِن الكُتَّاب على الطَّعنِ في هذا الحديث بعدَّة اعتراضاتٍ، لكلِّ فقرةٍ من الحديث اعتراضٌ يخصُّها، وهي على النَّحو التَّالي:
المعارضة الأولى: أنَّ الشَّك خلافُ اليقين ونقيضه، وهو التَّردُّد بين شيئين، وفي الحديثِ إثبات وقوعِه لإبراهيم ﵇ -ولنبيِّنا ﷺ بالأولويَّة- في قدرةِ الله تعالى على الإحياء، وفي هذا نَقضٌ لما ثَبَت لهما بالوَحيِ مِن رسوخِ الإيمان، وكفرٌ ساذجٌ يَتنزَّه عنه الخليلان.
وفي تقرير هذه الشُّبهة، يقول (إسماعيل الكرديُّ): «أوَّلَ بعضُهم هذا الحديث بتأويلاتٍ مختلفة، لأنَّ ظاهرَه مَرفوض، فالآية لا تدلُّ على أنَّ إبراهيم شكَّ، بل تفيد أنَّه أراد رؤية معجزةِ الإحياء الكبرى بعَيني رأسه، ليقوى إيمانه، وينتقل من علم اليقين إلى عينِ اليقين، بدليل أنَّ الحقَّ لمَّا سأله ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى﴾، ولا شكَّ أنَّه صادق مُصدَّق في قوله، فكيف يُدَّعى أنَّه شَكَّ؟ وهل يمكن أن يخفى فهمُ الآية لهذه الدَّرجة على سيِّدنا رسول الله وهو سيِّد الفصحاء؟! والأنكى من ذلك أنَّ الرَّاوي لم يكتفِ باتِّهامِ إبراهيم بالشَّك، بل نَسب لرسول الله أنَّه أكثر وأحقُّ بالشَّك منه!» (١).
стр. 1385
المعارضة الثَّانية: اجتمع المفسِّرون على أنَّ لوطًا ﵇ أرادَ بقوله: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]: أي عشيرةً قويَّة مانعة، تمنعُ قومَه من إلحاقِ الفاحشةِ بأضيافِه (١)، وهذا منه تَمنٍ لسببٍ مَشروعٍ لا حَرَج فيه، ولا يَلزم منه ضعفُ الالتجاءِ إلى الله.
فكيف يُندِّدُ الحديثُ بلوطٍ ﵇ بدعوى سَهوِه عن الاستعانةِ بالله تعالى وحدَه، وغفلته عن كونِه ركنَه ومأواه؟ بل وتُطلَبُ الرَّحمةُ والمغفرة له جرَّاء تركه لذلك؟!
وفي تثبيت هذا الاعتراض، يقول (عبد الحسين الموسوي) في حقِّ الحديث: «هو تنديدٌ بلوطٍ ﵇ ورَدٌّ عليه، وتهمةٌ له بما لا يليق بمنزلته من الله ، وحاشاه أن يكون قليل الثِّقة بالله، وإنَّما أراد أن يستفزَّ عشيرته وذويه، ويستظهر بفصيلته الَّتي تؤويه، نصحًا منه لله في أمر عباده بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وحاشا رسول الله ﷺ أن يندِّد بلوطٍ أو يفنِّد قوله، ومعاذ الله أن يُظنَّ به إلَّا ما هو أهله، ولكنَّه ﷺ أنذرَ بكثرة الكذَّابة عليه!» (٢).
المعارضة الثَّالثة: أنَّ في الحديث تفضيلًا ليوسف ﵇ على نبيِّنا محمَّد ﷺ .
يقول الموسويُّ: «ظاهرٌ في تفضيل يوسف على رسول الله ﷺ ، وهذا خلاف ما أجمعت عليه الأمَّة وتواترت به الصِّحاح الصَّريحة، وثبت بحكم الضَّرورة بين المسلمين ..
إنَّه ﷺ لو ابتُلي بما ابتُلي يه يوسف لكان أصبر من يوسف، وأولى منه بالحزم والحكمة، وبكلِّ ما يتحَصْحص به الحقُّ، وهيهات أن يجيب الدَّاعي
стр. 1386
بمجرَّد أن يدعوه إلى الخروج، فتفوته الحكمة الَّتي آثرها يوسف .. فما خرج من السِّجن حتَّى تجلَّت براءته كالشَّمس الضَّاحية ليس دونها سحاب.
ولئن أخذ يوسف بالحزم فلم يُسرع بالخروج من السِّجن حتَّى تمَّ له ما أراد، فإنَّ رسول الله ﷺ قد مثَّل الصَّبر والأناة والحلم والحزم والعزم والحكمة والعصمة في كلِّ أفعاله وأقواله .. » (١).
стр. 1387
المَطلب الثَّالث
دفع دعاوي المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ
عن حديثِ «نحن أحقُّ بالشَّك مِن إبراهيم»
أمَّا الجواب عن المعارضة الأولى: في دعوى المعترضِ وقوعَ الشَّكِ من إبراهيم ﵇ وإثباته لنبيِّنا ﷺ بالأولويَّة في قدرةِ الله في الحديثِ:
فإنَّ ما يُقرِّره هذا الحديث خلاف هذا التَّوهم بالكُليَّة! فإنَّ المُراد من هذا الخَبَر أصالةً نفيُ الشَّك عن إبراهيم ﵇ في القدرةِ الإلهيَّة على الإحياءِ؛ وبيانُ ذلك:
في أنَّ طلبَ الخليل ﵇ رؤيةَ كيفيةِ الإحياء بعَيْنيه هو مِن قبيل الاستزادةِ مِن العلمِ، والرَّغبة في استكناهِ الحقائقِ، والتَّشوفِ إلى الوقوفِ على أسرارِ الخليقةِ ممَّا فَطر الله عليه الإنسان، طَمعًا منه للرُّقي مِن علمِ اليقين، إلى عينِ اليقين، فهو طلبٌ للطُّمأنينةِ فيما تَنزِع إليه نفسُه الشَّريفة مِن معرفةِ خفايا أسرارِ الرُّبوبية، لا طلبًا في أصلِ عقدِ الإيمانِ بالبعثِ الَّذي عَرَفه بالوحيِ والبرهان، دون المشاهدةِ والعَيان (١).
يقول ابن عطيَّة: «إذا تأمَّلتَ سؤالَه ﵇ وسائرَ ألفاظِ الآية لم تُعطِ شكًّا، وذلك أن الاستفهامَ بـ (كيف)، إنَّما هو عن حالِ شيءٍ موجودٍ مُتقرَّر الوجود عند
стр. 1388
السَّائل والمَسئول، نحو قولك: كيف علمُ زيد؟ وكيف نسجُ الثَّوب؟ ونحو هذا، ومتى قُلتَ: كيف ثوبك؟ وكيف زيد؟ فإنَّما السُّؤال عن حالٍ من أحوالِه.
وقد تكون (كَيْفَ) خبرًا عن شيءٍ شأنُه أن يُستفهم عنه بـ (كَيْفَ)، نحو قولك: كيف شئتَ فكُن، ونحو قول البخاري: كيف كان بدءُ الوحي.
و (كَيْفَ) في هذه الآية إنَّما هي استفهامٌ عن هيئةِ الإحياء، والإحياء مُتقرَّر، ولكنْ لماَّ وجدنا بعضَ المُنكِرين لوجودِ شيءٍ قد يُعَبِرُّ عن إنكارِه بالاستفهامِ عن حالَةٍ لذلك الشَّيء يَعلمُ أنَّها لا تَصِحُّ، فيلزَمُ مِن ذلك أنَّ الشَّيءَ في نفسِه لا يَصِحُّ، مثال ذلك: أن يقول مُدَّع: أنا أرفعُ هذا الجبل، فيقول له المكذِّب: أَرِني كيف ترفعُه! فهذه طريقةُ مَجازٍ في العبارة، ومعناها تسليم جَدَليٌّ، كأنَّه يقول: اِفرضْ أنَّك ترفعه، أرني كيف؟ فلمَّا كان في عبارة الخليل ﵇ هذا الاشتراكُ المَجازيُّ، خَلَّص الله له ذلك، وحمله على أن يُبَيِّن الحقيقة، فقال له: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فكمَّل الأمر، وتخلَّصَ مِن كلِّ شكٍّ، ثمَّ علَّل ﵇ سؤالَه بالطُّمأنينة» (١).
فلمَّا كان الوَهم قد يَتلاعبُ ببعضِ الخواطرِ، فيطرِّقَ إلى إبراهيمَ ﵇ شكًّا مِن هذه الآية، حتَّى قِيل أنَّها حينَ نَزَلَت قال بعضُ النَّاس: «شكَّ إبراهيم ولم يشكَّ نبيُّنا»! (٢) كان أنْ قَطَعَ النَّبي ﷺ دابِرَ هذا الوَهمِ بقوله: «نحن أحقُّ بالشَّكِ مِن إبراهيم»، وهذا صادرٌ مِن نبيِّنا ﷺ على الفَرْضِ الذِّهني، والتَّقدير الشَّرْطي، فكأنَّه قال: لو شَكَّ إبراهيم في إحياءِ الموتى، لكُنَّا نحن أحقَّ بالشكِّ منه، ولم نشُكَّ نحن، فهو إذْن أَوْلى وأحقُّ بألَّا يشُكَّ (٣).
стр. 1389
هذا هو البرهان المُسمَّى عند أئمة الأصولِ بـ «البرهانِ الشَّرطي المتَّصِل» (١)، وهو -كما ترى- تلازمٌ بين قضيَّتين في حكمهما مِن باب الأولويَّة.
وإن كان هذا لا يعني أنَّ إبراهيم ﵇ أرسخُ في اليقينِ مِن نبيِّنا ﷺ ! كما قد يُفهم غلطًا مِن صيغةِ التَّفضيل في «أحقُّ»، فإنَّ صيغة (أفعلُ) قد تأتي في اللُّغة: لنَفْيِ مَعنًى عن شَيْئَين، لا تفضيلَ أحدهما على الآخر حقيقةً، نحو قولك: الشَّيطان خيرٌ مِن زَيدٍ، وأنت تعني فقط: لا خيرَ فيهما، ونحو قوله تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧]، أي: لا خيرَ في الفَرِيقين كليهما (٢).
فكأنَّ النَّبي ﷺ أرادَ بهذه العَبارة: ما جَرَت به العادةُ في المخاطبةِ لمِن أرادَ أن يَدفعَ عن آخرَ شيئًا، فيقول: مهما أردتَ أن تقوله لفلانٍ مِن مَكروهٍ، فقُلْه ليَ، ويكون مَقصوده: لا تقُل ذلك أصلًا! (٣) ومَحصول هذا الكلام -كما قال ابن حبَّان- أنَّه لفظةُ إخبارٍ، مُرادُها التَّعليم للمُخاطَب (٤).
ولا يخفى على سَليمِ الذَّائقةِ ما أُفعِمت به العِبارة النَّبويَّة مِن حِسِّ التَّواضعِ الجميل، والأدبِ الجليلِ، مع أبِ الأنبياءِ الخليل، عليهما أفضل الصَّلاة والتَّسليم.
وأمَّا الجواب عن دعوى المخالِفِ في المعارضةِ الثَّانية: أنَّ الحديثَ يُندِّدُ بلوطٍ ﵇ إذ لم يلتجِئ في غفلةٍ منه إلى الله تعالى، فاستُغفر له لأجل ذلك، فيُقال فيه:
إنَّ النَّبي ﷺ عَنى بالحديثِ قولَ الله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي
стр. 1390
إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]، فأين في الآيةِ ما يَدلُّ صراحةً على أنَّ لوطًا ﵇ قد نَسِي ربَّه، أو أنَّه سها عن الاستعانة به سبحانه في ذلك الموقف الحَريجِ (١)؟!
غاية ما في الآية أنَّ لوطًا ﵇ تمنَّى لو كان ذا ذروةٍ من عشيرتِه ليَأوي إليها، لأنَّ «قومَه لم يكُن فيهم أحَدٌ يَجتمع معه في نَسَبِه، لأنَّهم مِن سَدوم (٢) وهي مِن الشَّام، وكان أصلُ إبراهيم ولوط مِن العراق؛ فلمَّا هاجَر إبراهيم إلى الشَّام، هاجر معه لوط، فبعث الله لوطًا إلى أهل سَدوم، فقال: لو أنَّ لي مَنَعة وأقاربَ وعشيرة، لكنتُ أستنصرُ بهم عليكم، ليدفعوا عن ضِيفاني» (٣).
فهذا التَّمني نفسه منه ﵇ لا حَرج فيه؛ إنَّما الَّذي أراده النَّبي ﷺ رفع التَّثريبِ عن لوطٍ في قولِه ذاك، إذْ كان في نصرٍ مِن ملائكةِ ربِّه من غيرِ أن يشعُر بذلك؛ على الصَّحيح مِن أقوال أهل العلم.
يقول ابن عبَّاس: «أغلقَ لوطٌ بابَه والملائكة معه في الدَّار، وهو يناظرُهم ويناشدُهم مِن وراءِ الباب، وهم يُعالجون تسوُّرَ الجِدار، فلمَّا رَأَت الملائكة ما يَلقى لوط بسببِهم: قالوا يا لوط إنَّ ركنَك لشديد، ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٨١]، فافتحْ البابَ ودَعْنا وإيَّاهم .. » (٤).
وقد قرَّرَ ابن حزمٍ هذا المعنى أيضًا بأحسنِ تَقرير، في قولِه:
«إنَّ لوطًا ﵇ إنَّما أراد مَنَعةً عاجلةً يمنع بها قومَه ممَّا هم عليه مِن الفواحش، مِن قرابةٍ أو عشيرةٍ أو أتباعٍ مؤمنين، وما جهِل قطُّ لوطٌ ﵇ أنَّه يأوي
стр. 1391
مِن ربِّه تعالى إلى أمنعِ قوَّةٍ وأشدِّ ركن، ولا جناح على لوط ﵇ في طَلَب قوَّةٍ من النَّاس، فقد قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١].
فهذا الَّذي طَلَبه لوط ﵇؛ وقد طلَب رسول الله ﷺ من الأنصار والمهاجرين مَنَعةً حتَّى يبلِّغ كلامَ ربِّه، فكيف ينكر على لوطٍ أمرًا هو فَعَله ﵇؟!
تالله ما أنكرَ ذلك رسول الله ﷺ ، وإنَّما أخبرَ أنَّ لوطًا كان يأوي إلى ركنٍ شديدٍ، يعني: مِن نصرِ الله له بالملائكة، ولم يكن لوطٌ علِم بذلك، ومَن اعتقدَ أنَّ لوطًا كان يعتقد أنَّه ليس له مِن الله ركنٌ شديد فقد كفَر، إذ نسَب إلى نبيٍّ من الأنبياء هذا الكفر» (١).
فتبيَّن أنَّ لوطًا ﵇ لم يترُك التَّوكُّل على الله، وإنَّما تمنَّى بعدُ سببًا مِن الأسباب المشروعة، مع ما يجوز في جَهرِه بقولِه ذلك مِن إبداءِ العُذرِ لأَضيافِه (٢)؛ فلمَّا كان ظاهر الكلامِ مِن ذكِره للسَّبب وحدِه قد يتَخايلُ منه السَّامع نسيانَه الالتجاءَ إلى الله تعالى، أرادَ النَّبي ﷺ أن يقطع هذا التَّخايل بإثباتِ إيواءِ لوطٍ إلى هذا الرُّكن الحقِّ في توكُّله.
ومما يدلُّ على هذا المعنى: روايةٌ للحديث أخرى عن أبي هريرة ﵁، يقول فيها النَّبي ﷺ : «قال لوط: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، قال: قد كان يَأْوي إلى رُكنٍ شديدٍ، ولكنَّه عَنَى عَشيرَتَه، فما بَعَثَ الله بعدَه نَبِيًّا إلَّا بَعَثه في ذروةِ قومِه» (٣).
يقول ابنُ بطَّال: «لا يُخرِج هذا لوطًا ﵇ مِن صفاتِ المتوكِّلين على الله، الواثقين بتأييده ونصرِه، لكنَّ لوطًا ﵇ أثارَ منه الغضبُ في ذاتِ الله ما يثير مِن
стр. 1392
البَشر، فكان ظاهرُ قولِ لوطٍ ﵇ كأنَّه خارجٌ عن التَّوكل، وإن كان مقصدُه مقصدَ المتوكِّلين، فنبَّه النَّبي ﷺ على ظاهرِ قولِ لوطٍ تنبيهه على ظاهرِ قولِ إبراهيم ﵇، أن كان مقصده غير الشَّك، لأنَّهم كانوا صفوةَ الله المخصوصين بغاية الكرامة» (١).
ثمَّ عبَّر الأُبِيُّ عن هذا المعنى بعبارةٍ أحسنَ، وزاد عليها بأن قال: «السِّياق إنَّما يدلُّ على أنَّ المقصود إظهار كمالِ هؤلاء السَّادة، ورزانة عقولهم؛ فمعنى قوله ﷺ : لقد كان يأوي إلى رُكنٍ شديد: أنَّ لوطًا ﵇ كان مطمئنَّ القلبِ بالاستنادِ إلى الله تعالى، غير ملتفتٍ عنه أصلًا، وإنَّما قال ما قال بلسانِه إظهارًا للعذر عند أضيافِه.
وقد وكَّد النَّبي ﷺ ثبوتَ لجْأِ لوطٍ إلى الله تعالى باللَّام المُؤذنة بالقَسم، وبـ (قد) المؤذنة بالتَّحقيق، وعبَّر بالمضارع وهو (يأوي): للتَّنبيه على استقرار ذلك منه، وعدم مفارقته إيَّاه.
فالكلام مَسوقٌ لدفع توهُّم إيواء لوطٍ ﵇ لغير الله تعالى، كما أنَّ قوله قبله: نحن أحقُّ بالشَّك من إبراهيم: مَسوقٌ لتنزيه ساحة إبراهيم ﵇ من الشُّكوك، وأنَّ ما صدر منه من سؤاله تعالى فالمقصود به شيءٌ آخر» ا. هـ (٢)
فأمَّا دعاؤه ﷺ للوطٍ ﵇ بالرَّحمة:
فلا يلزم من الدُّعاءِ بالرَّحمةِ وقوع المُترحَّم عليه في مَزلَّة، لأنَّ الدُّعاء بذلك يتأتَّى على سبيلِ التَّمدُّح أيضًا، وقد جَرَى مثله في كلامِ النَّبي ﷺ حين اتُّهِم بقسمةٍ للمغنمِ ضِيزَى، حيث قال: «يرحمُ الله موسى، قد أُوذي بأكثر مِن هذا فصَبر» (٣).
стр. 1393
ولا يُخالف هذا ما جاء في الرِّواية الأخرى لهذا الحديث بلفظ: «يغفِرُ الله للُوطٍ .. » (١) -وعليها مُعوَّل مَن قال أنَّ لوطًا أَتَى بخلافِ الأوْلى (٢) - فإنَّ هذه الرِّواية بالمغفرةِ له -مع كونِ رُواةِ التَّرحُّم أكثر مِن رُواتِها، فتكون أرجح- هي هنا بمعنَى: رفعِ المَلامة عنه ﵇، وهذا سائغٌ في عُرف العرب، أو تكون مجرَّد دعاءٍ مِن المتكلِّم لا مفهومَ له (٣).
وأمَّا جواب المخالفِ في المعارضة الثَّالثة: دعواه تفضيلَ الحديثِ ليوسف ﵇ على نبيِّنا ﷺ في الصَّبر والحكمة:
فإنَّما أثنى النَّبي ﷺ على يوسف ﵇ بحُسنِ الصَّبرِ وقوَّة العَزم، وهذا منه ﷺ غايةٌ في الأدبِ، وإحسان في إظهارِ منزلةِ يوسف ﵇ في التَّثبت والصَّبر؛ وما أخبرَ به ﷺ عن نفسِه هو منه على طريقِ التَّواضع لأخيه يوسف (٤)، والتَّواضع لا يُصغِّر الأكبرَ ولا يضع الأرفعَ! ولا يُبطل لذي حقٍّ حقًّا! ولكنَّه يوجب لصاحبِه فضلًا، ويكسبه جَلالًا وقدرًا (٥).
وفي ما قاله النَّبي ﷺ في حقِّ يوسف ﵇ إشعارٌ بأنَّه قد خُصَّ في تلك النَّازلة تحديدًا بمزيَّةِ صَبرٍ، ومَزيَّةِ جزالةٍ، ومَرتبةِ تثبيتٍ (٦)، فقال النَّبي ﷺ : أنَّه لو كان امتُحِن هو بهذا أو غيره مِن طولِ السِّجن، لكان الطَّبيعيُّ والأحبُّ إليه أن يَتَخلَّص مِن ذلك لأوَّلِ داعٍ، للنَّجاةِ مِن عذابِه وحبسِه، ولكان منه هذا أَخذًا بالحزمِ في الأمرِ؛ مخافةَ حوادث تَطوي، وانشغالِ الملِك بضرورةٍ، فينساه كما نسيَه مِن قبلُ ويشتغل عنه، فيبقى في سجنِه كما كان حاله معه! (٧)
стр. 1394
فإن قيل: إذا كان النَّبي ﷺ ذَكر هذا الكلام على جِهة المدحِ ليوسف، فما باله هو ﷺ يذهب بنفسِه عن حالةٍ قد مَدَح بها غيره؟ (١)
قُلنا: هذه شُبهة قد كفانا ابن عطيَّةٍ كشفها بأحسن ما يكون الكشفُ والبيان، فقال: «الوجهُ في ذلك: أنَّ النَّبي ﷺ إنَّما أخَذ لنفسِه وجهًا آخرَ مِن الرَّأي له جهةٌ أيضًا مِن الجودة، أي: لو كنتُ أنا لبادرتُ بالخروجِ، ثمَّ حاولتُ بيانَ عذري بعد ذلك، وذلك أنَّ هذه القَصص والنَّوازل إنَّما هي مُعرضة ليقتدي النَّاس بها يوم القيامة، فأراد رسول الله ﷺ حملَ النَّاس على الأحزمِ مِن الأمور.
وذلك أنَّ المتعمِّق في مثل هذه النَّازلة، التَّاركُ فرصةَ الخروجِ من مثل ذلك السِّجن، ربمَّا تنتج له مِن ذلك البقاءُ في سجِنه، وانصرفت نفسُ مخرجِه عنه، وإن كان يوسف ﵇ أَمِن مِن ذلك بعلمِه مِن الله، فغيره مِن النَّاس لا يأمن ذلك، فالحالة الَّتي ذَهب النَّبي ﷺ بنفسِه إليها حالةُ حزمٍ ومدحٍ، وما فَعَله يوسف ﵇ صبرٌ عظيمٌ وجَلَد» (٢).
فإن قيل أيضًا: إذا تقرَّر أنَّ الحديث سيقَ بيانًا لفضلِ هؤلاء الأنبياءِ، والدَّفع عنهم ما قد يُتوَّهم فيهم مِن الباطِل، فما وجهُ تناسب هذا المدحِ منه ﷺ ليوسف مع هذا المقصد الكليِّ للحديث؟
والجواب: أنَّ النَّبي ﷺ مدَحَه على الأناةِ والتَّصبُّر على وجهِ الخصوص، «وكان في طيِّ هذه المدحةِ بالأناةِ والتثبُّت: تنزيهُه وتبرئتُه ممَّا لعلَّه يسبِق إلى الوهم مِن أنَّه هَمَّ بزُلِيخا -امرأةِ العزيزِ- هَمًّا يُؤاخَذ به، لأنَّه إذا صَبر وتثبَّت فيما له أن لا يصبِرَ فيه -وهو الخروج مِن السِّجن- مع أنَّ الدَّواعي متوافرةٌ على الخروج منه، فلَأن يصبِرَ فيما عليه أن يصبِر فيه مِن الهمِّ أَوْلى وأجدر! والله أعلم» (٣).
стр. 1395
الفصل السادس
نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة للأحاديث المُتعلِّقة بالطَّبيعيَّات
المَطلب الأوَّل
سوق حديث التَّصبُّح بسبعِ تمَرات عَجوة
عن سعد بن أبي وقَّاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن تصبَّح كلَّ يومٍ سبعَ تمراتٍ عَجوةٍ (١)، لم يضرَّه في ذلك اليوم سَمٌّ ولا سِحر»، متَّفق عليه (٢).
وفي رواية للبخاريِّ: « .. لم يضره سمٌّ ولا سحر ذلك اليوم إلى اللَّيل، وقال غيره: سبع تمرات» (٣).
وفي رواية عند مسلم: «مَن أكَلَ سبعَ تمراتٍ ممَّا بين لابَتَيْها (٤) حين يُصبح، لم يضرَّه سمٌّ حتَّى يُمسي» (٥).
стр. 1398
المَطلب الثَّاني
سَوْقُ المُعارضاتِ الفِكريَّةِ المُعاصرةِ
لحديثِ التَّصبُّحِ بسبعِ تمَراتٍ عَجوة
لم يزل مَخبر هذا الحديث مَثارَ جدلٍ واسعٍ عند المُشكِّكين بسلامةِ منهج الشَّيخين في نقد المتونِ، حتَّى أصبحَ دَيْدنًا لبعضِهم عند التَّمثيل بما عَمِي المُحدِّثون عن نَكارتِه مع ظهورِ عِلَّته.
فذاك (أحمد أمين)، كان يرى أنَّ «البخاريَّ -على جليلِ قدرِه، ودقيقِ بحثِه- يُثبت أحاديثَ دلَّت الحوادث الزَّمنية، والمشاهدة التَّجريبيَّة، على أنَّها غير صحيحة .. »، وذكر مثالًا لذلك بحديث التُّصبُّح بسبع تمراتٍ عجوة (١).
وأشبهه في موقفه من الحديث (أبو ريَّة) حين ذكر هذا الخبر تمثيلًا للأحاديث المُشكلة الغَريبةِ (٢).
هذا الطَّعن في الحديثِ مَرجعه إلى ما يدَّعيه مُبطِلوه مِن نكارةٍ مَعنويَّةٍ فيه، لا يتقبَّلها العلمُ الطَّبيعيُّ الحديث، ولا التَّجربة العَمليَّة، خاصَّةً في ما يُزعَم مِن وقايةِ التَّمراتِ السَّبعِ لأثرِ السُّموم.
وفي تقريرِ هذا الاعتراضِ على الحديثِ، يقول (صالح أبو بكر): «هذا الحديث يجعل كلامَه ﷺ يخالف الواقع العلميَّ لمناهج الطِّب الَّذي يمارسه النَّاس في أنفسهم» (٣).
стр. 1399
ومثله قولُ (صُبحي مَنصور): «قد يَضع البخاريُّ حديثًا يُعرف أنَّ التَّجربة العمليَّة قد أثبتت كذبه، مثل حديث: مَن تصبَّح بسبع تمرات عجوة .. » (١).
بل بلغت الجُرأةُ ببعضِهم أن يستفِزَّ أهلَ الحديثِ حينَ مناظرتِهم به، بدعوتِهم إلى تجربةِ الحديثِ عَمليًّا إن كانوا مُوقِنين به! بأن يتصبَّحوا بسبع تمرات، ثمَّ يُسْقَوا سُمَّا مِخْبَريًّا فتَّاكًا! ثمَّ ليُنظرَ هل يدْفَعنَ عنه الموتَ كما يزعم حديثُهم؟!
стр. 1400
المَطلب الثَّالث
دَفعُ دعاوي المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ
عن حديثِ التَّصبُّح بسبعِ تمراتٍ عَجوة
إنَّ مِن أسبابِ الخطأِ المُتكرِّرِ عند المُنكرين لصِحاح السُّنَن عند النَّظرِ في الأخبار، إغفالَهم للقيودِ الَّتي تكبَح جِماحَ الخطابِ أن يُفهَم عامًّا على إطلاقِه!
وذلك أنَّ النَّصَ الشَّرعيَّ يَجري في سياقاتٍ لفظيَّة ومَعنويَّةٍ، وتحتفُّ به مِن القرائن والأحوال ما يَستوجِب حملَه على معنىً مُقيَّد دون عمومِ ظاهرِه، وأمثلة ذلك مِن الكتابِ والسُّنة مَبثوثة في باب ما يُخصَّص به عموم الكتابِ والسُّنة في كُتب الأصول (١).
فما أوْقَع المُبطلين لهذا الحديث بخصوصِه مُنزَلقٌ مَنهجيٌّ في تفسير النُّصوصِ الشَّرعيَّة، مُتمَثِّلٌ في أمرين:
أوَّلهما: حَملهم للَفظِ (التَّمر) في بعض الرِّواياتِ على عمومِ جنسِه، دون نَظرٍ في الرِّوايات المُقيِّدة بنوعٍ مُعَيَّنٍ منه.
ثانيهما: حَملهم لفظَ السَّمِ فيه على كلِّ سُمٍّ قاتلٍ وغير قاتلٍ، مِن غيرِ تَنقيبٍ عن مَقصد المُتكلِّم به، ولا مُراعاةِ القرائن المُحصِّلة لذلك.
стр. 1401
فأمَّا العموم الأوَّل: فالصَّحيح أنَّ الحديث لم يَعنِ كلَّ تمرٍ مِن أيِّ بلدٍ كان، بل هو مَخصوصٌ بتمرِ العَجْوة المَدَنيِّ (١).
وذلك: أنَّ الحديث مَداره على عامرِ بن سَعد بن أبي وقَّاص، يَرويه عن أبيه، رواه عن عامر هذا اثنان مِن ثقاتِ أصحابِه، بلفظين مختلفين: هاشم بن هاشم (٢)، وأبو طوالة عبد الله بن الرَّحمن (٣).
فأمَّا (هاشم بن هاشم): فرواه عنه بلفظ «تمراتٍ عَجوة»، ورواه عن هاشم جماعة مِن الرُّواة كلُّهم اتَّفَقوا على لفظِ العَجوة (٤).
وأمَّا (أبو طوالة): فرواه عنه بلفظ «سبع تمراتٍ» دون تَقيِيدٍ بالعجوة، وإن كان القَيد في روايتِه هو ببُقعةِ زرعِها: «ما بين لابَتَيها» (٥)، أي لابَتي المدينة.
وقد ذَكر أبو طوالة أنَّ لفظَ «العَجوة» لا يحفظه هو في الحديث، وإنَّما يسمَعه مِن النَّاس (٦)؛ على أنَّ أصحابه قد اختلفوا عليه أيضًا! فرواه عنه بعضهم بزيادة لفظ «العجوة» (٧).
وعندي أنَّ رواية هاشم بن هاشم الَّتي بلفظ «العجوة»، أصوبُ مِن روايةِ أبي طوالة، لبعضِ مُرجِّحاتٍ، منها:
أولًا: عدمُ اختلاف أصحاب هاشم عليه في لفظ «العَجوة»، عكسَ رِوايةِ
стр. 1402
«التَّمرات»، فالخلاف عن راويها أبي طوالة قَويٌّ، إذ في الرُّواة عنه مَن يذكر لفظ «العَجوة» بدل «التَّمرات»، وهنا يُقَدَّم المُتَّفَق عليه على المختلفِ فيه (١).
ثانيًا: لتخصيصِ «العَجوة» شواهد في أحاديث أخرى، مِنها:
ما جاء عن عائشة ﵁ مَرفوعًا: «إنَّ في عَجوةِ العاليةِ شفاءً -أو: إنَّها ترياق- أوَّلَ البُكرة» (٢).
وعن جابر ﵁ مَرفوعًا: «العَجوة مِن الجنَّة، وهي شفاء مِن السَّم» (٣).
وهذا القول بتَخصيصِ ما في الحديث بعَجوة المدينةِ أو (العالِيَة) (٤) مَذهبُ عامَّة أهل العلمِ، مع اختلافِهم في مَزِيَّتها الَّتي لأجلها اختُصَّت بذاك التَّأثير في السُّموم والسِّحر دون سائرِ التَّمور (٥).
حتَّى الَّذين صحَّحوا رواية أبي طوالة في «التَّمرات»، منهم مَن جعله مُقيَّدًا بروايةِ العَجوة -كعامَّة شُرَّاح الحديث-، ومِنهم مَن لم يُقيِّدها بذلك، فجَعَل حكم العَجوة يشمل التَّمر عمومًا (٦)، بأن يكون ذكر العَجوة مِن باب التَّنصيص على بعض أفراد العامِّ لمزيد خصوصيَّة أو اهتمام، فلا يقتضي التَّخصيص.
وعلى كلٍّ؛ سواء قلنا بهذا أو ذاك، فإنَّ المُتَّفَق عليه مِن كِلا الرِّوايتين أنَّ نوعَ التَّمر في الحديث: ما كان نخلُه نابتًا بين لَابَتي المدينة، فإنَّ «تخصيصَ تمرِ المدينة بذلك واضحٌ مِن ألفاظِ المتن» (٧).
стр. 1403
فمَن ذهب مِن المعاصرين إلى تعميمِه على كلِّ تمرٍ -مَدنيًّا كان أم غيره- فقد أبعد النّجعة بذلك! لأنَّه ألغى به القَيد الصَّريح في اللَّفظ النَّبوي مِن غير مقتضٍ صحيح.
نعم؛ قد أثبتَت الدِّراسات المُختبريَّة الحديثة نجاعةَ التُّمور عمومًا في الوقاية مِن أثرِ السُّمومِ، لكنَّها لا ترقى أن تُلغي القيدَ الوارد في الحديث، فليس في نصِّ الحديث ما يَنفي أن يكون في باقي أنواعِ التُّمور شَيءٌ مِن تلك الفاعليَّة المَوجودة في عَجوةِ المدينة، كما ليس فيه ما يَنفي أن يكون في باقي تُمور الدُّنيا شيءٌ مِن الأثر الَّذي يحدثه تمر المدينة، .. لكنَّه يبقى شيئًا مِن كلٍّ!
وعلى فرضِ اشتراكِ سائر التُّمور للعجوة في جنسِ التَّأثير في السُّموم والأسحار، فإنَّ عَجوةَ المدينةِ أكمل التُّمور وأنجعها في الوقاية مِن السَّم والسِّحر، ووِقاية غيرها ناقص بالنِّسبة إلى ما في العَجوة مِن بركةِ، فلأجل ذا تقصَّدها النَّبي ﷺ في لفظ حديثِه بالوَصيَّة دون غيرها مِن التُّمور (١).
وأمَّا في ما يتعلَّق بغَلط المُعترِضين في فهمِ لفظ «السُّم» الوارد في الحديث:
فإنَّ السُّموم في عُرفِ كلامِ العَرب لا ينحصر في ما يَقتلُ، بل يطلقونها ويَقصدون ما يَضرُّ منها جدًّا وإن لم يقتل، ولذا ترى شِمْرًا (٢) يقول: «ما لا يَقتل ويَسمُّ فهو: السَّوام، لأنَّها تَسمُّ، ولا تبلغ أن تَقتل، مثل: الزَّنبور، والعقرب، وأشباهها .. » (٣).
стр. 1404
فمِن هنا أوتي المُعترض، مِن ظنِّه أنَّ المعنى هو ما تَبادر إلى ذهنه مِن السُّموم الكيمائيَّة المُستحدثةِ الفتَّاكة في الحين! كمادَّة (البوتولِينوم)، أو غاز السَّارين مثلًا، وهذا معنى ما أبعدَ أن يقصِده النَّبي ﷺ مِن الحديث، فإنَّ هذا النَّوع قَلَّ أن يَتعرَّض له النَّاس في الجملة، وهو في حكم النَّادر جدًّا، ومُحال أن يقصِد بوصيَّتِه أمَّته شيئًا ندُر أن يقع فيهم.
ولذلك وجدنا أنَّ السِّحرَ لمَّا كان مُنتشرًا في النَّاس، وهم مُبتلَون به منذ القديم، أوصى النَّبي ﷺ أمَّته في الحديث نفسِه بما يدفعه عنهم، ودلالة الاقترانِ هذه ترجِّح أن يكون «السَّم» مثل «السِّحر» على معنى يكثر تلبُّس النَّاس به، وكثرة بلواهم به في كلِّ زمانٍ ومكان، فيكون المُراد الأنسب على ذلك: ما كان في الأشربةِ والأطعمة الرَّديئة أو المتعفِّنة، أو ما يَستنشقه النَّاس مِن الأبخرةِ والدَّواخن المُضرَّة في الهواء، أو في ما يكون مِن سمومِ الزَّنابير والعقارب ونحوها مِن الحشرات، فكلُّ هذا داخل في مُسمَّى السَّم لغةً وعُرفًا.
فهذا هو الأقومُ في المُراد بلفظ «السُّم»، والانصراف عن ظاهر إطلاقِ لفظِه في الحديث ليس أمرًا مُحدَثًا عند فقهاءِ الحديث، بل قد دَرج عليه بعض مُحقِّقيهم، كما تراه عند ابن القيِّم في قوله: «يجوز نفع التَّمر المَذكور في بعض السُّموم، فيكون الحديث مِن العامِّ المَخصوص، ويجوز نفعه لخاصيَّة تلك البَلد، وتلك التُّربة الخاصَّة من كلِّ سمٍّ» (١).
والَّذي سوَّغَ لنا القول بهذا النَّوع مِن السُّموم أنه المَعنيُّ بالحديث لا مطلقًا: ما عَمِي عنه المُتعجِّلون في الطَّعن على الحديث، مِن تلك البحوث والدِّراسات العلميَّة المتكاثرة المُجراة على التُّمور، حيث أثبتَت أثرَها الوِقائيَّ مِن أنواع السُّموم المختلفة الَّتي يتعرَّض لها الإنسان في حياته اليوميَّة.
فمن تلك الدِّراسات الحديثة: بَحث مُحكَّم نشره الدُّكتوران: عبد الكريم السَّلال، وأحمد ديسي، في مجلة علميَّة تُصدِرها جامعة «كامْبرِيدْج» البريطانيَّة،
стр. 1405
بعنوان: «دراسة تأثير خلاصة التَّمر على إبطالِ مفعولِ سمِّ الحيَّة والعَقرب»، حيث «تمَّ إعطاء أربعة مُتبرِّعين مِن (٩ - ١١) حَبَّة تمر لكلٍّ منهم، وقد أُخذت منهم قبل هذا عيِّنات مِن دمائهم، وكذا بعده بحوالي خمس ساعات.
فكشف الاختبار أنَّ عيِّنات الدَّم الَّتي أُخِذت بعد تناول التَّمر كانت مقاومة لسُمِّ الأفعى بنسبة (٨٣%)، ثمَّ وَجدت الدِّراسة أنَّ إعطاء (٥%) من خلاصة التَّمر أبطلت حوالي (٣٤%) و (٧١%) من النَّشاط السُّمي للأفعى والعقرب على التَّوالي، وأن (٢٠%) من خلاصة التَّمر أحبطت المفعول بنسب ما بين (٨٧%) و (١٠٠%»)! (١).
هذا؛ والتَّمر المُستعمَل في تلك التَّجربة مِن أَرْدَأِ أنواع التُّمور المتوافرة في أسواقِ الأردن! (٢) ليس هو مِن عجوة المدينة، ولا من أيِّ تمرها كلِّه!
بل قبل شهرين من الآن، تحصَّلت جامعةُ قابوس بسَلْطنة عُمان، على بَراءةِ اختراعٍ مِن قِبل المكتبِ الأمريكيِّ لبَراءاتِ الاختراع، عن اكتشافِ طَبِيبَيْن عندها لدواءٍ مُستخلصٍ مِن تمرِ العَجوة، يحمي المُصابَ من أخطرِ لَدغاتِ الأفاعي في غضونِ دقائق مَعدودة! (٣)
وأمَّا دراسات الغربيِّين لجدوى فاعليَّة التَّمر في السُّموم: فكثيرة أيضًا، أذكر منها على -سبيل التَّمثيل- دراسةً حديثةً نشرتها المجلَّة العلميَّة البريطانيَّة «The coversation» (٤) ، اهتدى فيها بعض الباحثين الفَرنسيِّين بمعيَّة باحثٍ سوريٍّ يُدعى: