← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 224

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

فأمَّا العموم الأوَّل: فالصَّحيح أنَّ الحديث لم يَعنِ كلَّ تمرٍ مِن أيِّ بلدٍ كان، بل هو مَخصوصٌ بتمرِ العَجْوة المَدَنيِّ (١). وذلك: أنَّ الحديث مَداره على عامرِ بن سَعد بن أبي وقَّاص، يَرويه عن أبيه، رواه عن عامر هذا اثنان مِن ثقاتِ أصحابِه، بلفظين مختلفين: هاشم بن هاشم (٢)، وأبو طوالة عبد الله بن الرَّحمن (٣). فأمَّا (هاشم بن هاشم): فرواه عنه بلفظ «تمراتٍ عَجوة»، ورواه عن هاشم جماعة مِن الرُّواة كلُّهم اتَّفَقوا على لفظِ العَجوة (٤). وأمَّا (أبو طوالة): فرواه عنه بلفظ «سبع تمراتٍ» دون تَقيِيدٍ بالعجوة، وإن كان القَيد في روايتِه هو ببُقعةِ زرعِها: «ما بين لابَتَيها» (٥)، أي لابَتي المدينة. وقد ذَكر أبو طوالة أنَّ لفظَ «العَجوة» لا يحفظه هو في الحديث، وإنَّما يسمَعه مِن النَّاس (٦)؛ على أنَّ أصحابه قد اختلفوا عليه أيضًا! فرواه عنه بعضهم بزيادة لفظ «العجوة» (٧). وعندي أنَّ رواية هاشم بن هاشم الَّتي بلفظ «العجوة»، أصوبُ مِن روايةِ أبي طوالة، لبعضِ مُرجِّحاتٍ، منها: أولًا: عدمُ اختلاف أصحاب هاشم عليه في لفظ «العَجوة»، عكسَ رِوايةِ

стр. 1402

«التَّمرات»، فالخلاف عن راويها أبي طوالة قَويٌّ، إذ في الرُّواة عنه مَن يذكر لفظ «العَجوة» بدل «التَّمرات»، وهنا يُقَدَّم المُتَّفَق عليه على المختلفِ فيه (١). ثانيًا: لتخصيصِ «العَجوة» شواهد في أحاديث أخرى، مِنها: ما جاء عن عائشة ﵁ مَرفوعًا: «إنَّ في عَجوةِ العاليةِ شفاءً -أو: إنَّها ترياق- أوَّلَ البُكرة» (٢). وعن جابر ﵁ مَرفوعًا: «العَجوة مِن الجنَّة، وهي شفاء مِن السَّم» (٣). وهذا القول بتَخصيصِ ما في الحديث بعَجوة المدينةِ أو (العالِيَة) (٤) مَذهبُ عامَّة أهل العلمِ، مع اختلافِهم في مَزِيَّتها الَّتي لأجلها اختُصَّت بذاك التَّأثير في السُّموم والسِّحر دون سائرِ التَّمور (٥). حتَّى الَّذين صحَّحوا رواية أبي طوالة في «التَّمرات»، منهم مَن جعله مُقيَّدًا بروايةِ العَجوة -كعامَّة شُرَّاح الحديث-، ومِنهم مَن لم يُقيِّدها بذلك، فجَعَل حكم العَجوة يشمل التَّمر عمومًا (٦)، بأن يكون ذكر العَجوة مِن باب التَّنصيص على بعض أفراد العامِّ لمزيد خصوصيَّة أو اهتمام، فلا يقتضي التَّخصيص. وعلى كلٍّ؛ سواء قلنا بهذا أو ذاك، فإنَّ المُتَّفَق عليه مِن كِلا الرِّوايتين أنَّ نوعَ التَّمر في الحديث: ما كان نخلُه نابتًا بين لَابَتي المدينة، فإنَّ «تخصيصَ تمرِ المدينة بذلك واضحٌ مِن ألفاظِ المتن» (٧).

стр. 1403

فمَن ذهب مِن المعاصرين إلى تعميمِه على كلِّ تمرٍ -مَدنيًّا كان أم غيره- فقد أبعد النّجعة بذلك! لأنَّه ألغى به القَيد الصَّريح في اللَّفظ النَّبوي مِن غير مقتضٍ صحيح. نعم؛ قد أثبتَت الدِّراسات المُختبريَّة الحديثة نجاعةَ التُّمور عمومًا في الوقاية مِن أثرِ السُّمومِ، لكنَّها لا ترقى أن تُلغي القيدَ الوارد في الحديث، فليس في نصِّ الحديث ما يَنفي أن يكون في باقي أنواعِ التُّمور شَيءٌ مِن تلك الفاعليَّة المَوجودة في عَجوةِ المدينة، كما ليس فيه ما يَنفي أن يكون في باقي تُمور الدُّنيا شيءٌ مِن الأثر الَّذي يحدثه تمر المدينة، .. لكنَّه يبقى شيئًا مِن كلٍّ! وعلى فرضِ اشتراكِ سائر التُّمور للعجوة في جنسِ التَّأثير في السُّموم والأسحار، فإنَّ عَجوةَ المدينةِ أكمل التُّمور وأنجعها في الوقاية مِن السَّم والسِّحر، ووِقاية غيرها ناقص بالنِّسبة إلى ما في العَجوة مِن بركةِ، فلأجل ذا تقصَّدها النَّبي ﷺ في لفظ حديثِه بالوَصيَّة دون غيرها مِن التُّمور (١). وأمَّا في ما يتعلَّق بغَلط المُعترِضين في فهمِ لفظ «السُّم» الوارد في الحديث: فإنَّ السُّموم في عُرفِ كلامِ العَرب لا ينحصر في ما يَقتلُ، بل يطلقونها ويَقصدون ما يَضرُّ منها جدًّا وإن لم يقتل، ولذا ترى شِمْرًا (٢) يقول: «ما لا يَقتل ويَسمُّ فهو: السَّوام، لأنَّها تَسمُّ، ولا تبلغ أن تَقتل، مثل: الزَّنبور، والعقرب، وأشباهها .. » (٣).

стр. 1404

فمِن هنا أوتي المُعترض، مِن ظنِّه أنَّ المعنى هو ما تَبادر إلى ذهنه مِن السُّموم الكيمائيَّة المُستحدثةِ الفتَّاكة في الحين! كمادَّة (البوتولِينوم)، أو غاز السَّارين مثلًا، وهذا معنى ما أبعدَ أن يقصِده النَّبي ﷺ مِن الحديث، فإنَّ هذا النَّوع قَلَّ أن يَتعرَّض له النَّاس في الجملة، وهو في حكم النَّادر جدًّا، ومُحال أن يقصِد بوصيَّتِه أمَّته شيئًا ندُر أن يقع فيهم. ولذلك وجدنا أنَّ السِّحرَ لمَّا كان مُنتشرًا في النَّاس، وهم مُبتلَون به منذ القديم، أوصى النَّبي ﷺ أمَّته في الحديث نفسِه بما يدفعه عنهم، ودلالة الاقترانِ هذه ترجِّح أن يكون «السَّم» مثل «السِّحر» على معنى يكثر تلبُّس النَّاس به، وكثرة بلواهم به في كلِّ زمانٍ ومكان، فيكون المُراد الأنسب على ذلك: ما كان في الأشربةِ والأطعمة الرَّديئة أو المتعفِّنة، أو ما يَستنشقه النَّاس مِن الأبخرةِ والدَّواخن المُضرَّة في الهواء، أو في ما يكون مِن سمومِ الزَّنابير والعقارب ونحوها مِن الحشرات، فكلُّ هذا داخل في مُسمَّى السَّم لغةً وعُرفًا. فهذا هو الأقومُ في المُراد بلفظ «السُّم»، والانصراف عن ظاهر إطلاقِ لفظِه في الحديث ليس أمرًا مُحدَثًا عند فقهاءِ الحديث، بل قد دَرج عليه بعض مُحقِّقيهم، كما تراه عند ابن القيِّم في قوله: «يجوز نفع التَّمر المَذكور في بعض السُّموم، فيكون الحديث مِن العامِّ المَخصوص، ويجوز نفعه لخاصيَّة تلك البَلد، وتلك التُّربة الخاصَّة من كلِّ سمٍّ» (١). والَّذي سوَّغَ لنا القول بهذا النَّوع مِن السُّموم أنه المَعنيُّ بالحديث لا مطلقًا: ما عَمِي عنه المُتعجِّلون في الطَّعن على الحديث، مِن تلك البحوث والدِّراسات العلميَّة المتكاثرة المُجراة على التُّمور، حيث أثبتَت أثرَها الوِقائيَّ مِن أنواع السُّموم المختلفة الَّتي يتعرَّض لها الإنسان في حياته اليوميَّة. فمن تلك الدِّراسات الحديثة: بَحث مُحكَّم نشره الدُّكتوران: عبد الكريم السَّلال، وأحمد ديسي، في مجلة علميَّة تُصدِرها جامعة «كامْبرِيدْج» البريطانيَّة،

стр. 1405

بعنوان: «دراسة تأثير خلاصة التَّمر على إبطالِ مفعولِ سمِّ الحيَّة والعَقرب»، حيث «تمَّ إعطاء أربعة مُتبرِّعين مِن (٩ - ١١) حَبَّة تمر لكلٍّ منهم، وقد أُخذت منهم قبل هذا عيِّنات مِن دمائهم، وكذا بعده بحوالي خمس ساعات. فكشف الاختبار أنَّ عيِّنات الدَّم الَّتي أُخِذت بعد تناول التَّمر كانت مقاومة لسُمِّ الأفعى بنسبة (٨٣%)، ثمَّ وَجدت الدِّراسة أنَّ إعطاء (٥%) من خلاصة التَّمر أبطلت حوالي (٣٤%) و (٧١%) من النَّشاط السُّمي للأفعى والعقرب على التَّوالي، وأن (٢٠%) من خلاصة التَّمر أحبطت المفعول بنسب ما بين (٨٧%) و (١٠٠%»)! (١). هذا؛ والتَّمر المُستعمَل في تلك التَّجربة مِن أَرْدَأِ أنواع التُّمور المتوافرة في أسواقِ الأردن! (٢) ليس هو مِن عجوة المدينة، ولا من أيِّ تمرها كلِّه! بل قبل شهرين من الآن، تحصَّلت جامعةُ قابوس بسَلْطنة عُمان، على بَراءةِ اختراعٍ مِن قِبل المكتبِ الأمريكيِّ لبَراءاتِ الاختراع، عن اكتشافِ طَبِيبَيْن عندها لدواءٍ مُستخلصٍ مِن تمرِ العَجوة، يحمي المُصابَ من أخطرِ لَدغاتِ الأفاعي في غضونِ دقائق مَعدودة! (٣) وأمَّا دراسات الغربيِّين لجدوى فاعليَّة التَّمر في السُّموم: فكثيرة أيضًا، أذكر منها على -سبيل التَّمثيل- دراسةً حديثةً نشرتها المجلَّة العلميَّة البريطانيَّة «The coversation» (٤) ، اهتدى فيها بعض الباحثين الفَرنسيِّين بمعيَّة باحثٍ سوريٍّ يُدعى:

стр. 1406

د. عبد السَّميع هنانو: إلى استخدامِ خُلاصةِ التُّمور لمعالجةِ بعضِ السُّمومِ المُنتشرةِ في بعضِ البِيئات جرَّاء الحروبِ والتَّلوُّثاتِ الصِّناعية، والمعروفة بـ (الدِّيُوكْسِينات)، وهي تتراكم في المَجاري المائيَّة والتُّربة. ذلك أنَّهم وَضعوا مُستحلَب التَّمر في ماءٍ به كميَّة مِن سُمِّ (الدِّيوكْسِينات)، فتفاجأوا باختفاءِ هذه المادَّة السُّميَّة في غضونِ دقيقة واحدة! وقد هَدتهم التَّجربة إلى استخدام هذا العلاج الحَيويِّ لمعالجة السُّمومِ الأخرى المنتشرة في أرجاء العالم كلِّه، مُؤكِّدين في ختام بحثهم هذا على «أنَّ نَخيلَ التَّمر أكثرُ فوائدَ ممَّا كان أجدادُنا يَتصوَّرونه!». ودراسة أخرى هي أعجب مِن أختِها السَّالفة: أجراها باحثون بريطانيُّون، ما دفعهم إلى القيامِ بها إلا وقوفهم على حديثِنا هذا في فضل العَجوة وتمرِ المدينةِ! فوجدوا الأثر البَليغ الَّذي يُحدثه التَّمر في العمليَّة المناعيَّة للكَبِد ضدَّ السُّموم. وإدراك أهميَّة هذه التَّجرية يتِمُّ بمعرفتنا أنَّ العمليات الاستقلابيَّة (الأَيْض) هي عمليَّات متواصلة في جسم الإنسان، ينتج عنها ما يُسمِّيه الأطبَّاء بـ «الجزيئات الحُرَّة»، وهي مركَّبات تفاعليَّة إذا تُركت تسبَّبت في أمراضٍ جسيمة، ومنها تسارع عمليَّات الهدم في خلايا البَدن، والوقوع في الشَّيخوخة المبكِّرة. وقد اكتشف الأطبَّاء أنَّ في الكَبد إنزيمًا مسئولًا عن إبطالِ مفعول السُّموم الَّتي تتخلَّف عن عمليَّات (الأَيْض) هذه، ولذا ترتفع نسبة هذا الأنزيمِ في الدَّم في حال دخول السُّمومِ في الجسم، وعند تجريب إطعامِ سبع تمراتٍ لأُناسٍ كلَّ يومٍ ولمدَّة شهر، كما فهموه من الحديث، وجدوا أنَّ مستوى ذلك الإنزيم في الدَّم قد صار في الحدود الطَّبيعية .. وبعد فحص هؤلاء في نفس التَّجربة، وجدوا أنَّ مُعدَّل الإنزيمِ لا يرتفع مع دخول السُّمومِ إلى الجسم، ممَّا دلَّ على أنَّ الجسم استغنى عن إفراز الأنزيم، لوجود وقايةٍ قويَّة فيه سابقة! لقد أكَّدت هذه الدِّراسةَ جمعيَّةٌ بريطانيَّة تُدعى " telepathy"، تهتمُّ بظاهرة الاستجلاء البصريِّ والسَّمعي، حيث أخذت عيِّناتٍ دمٍ من أُناسٍ يتعرَّضون للتَّسمُّم بمادَّة الرَّصاص من عوادم السَّيارات، أو صناعةِ البطَّاريات ونحو ذلك، مِمَّن

стр. 1407

يُعانون مِن مشكلِ عُنصر (الكاديوم)، الَّذي يؤدِّي إلى الفَشل الكلَوي وبعض التَّسمُّمات الخطيرة في الجسم، فوجدوا: أنَّ المُتطوِّعين حين تناولوا سبع تمراتٍ كلَّ يومٍ على الرِّيق، قلَّت نِسبة السُّمومِ جدًّا في أجسمامهم، لغِنى التَّمر بالموادِ الفيتوكيماويَّة الَّتي تقاوم السُّموم الدَّاخلية، وذلك بحشرِها تحت بشرة الجلد، أو إذابتها وإخراجها عبر البولِ والبُراز، فضلًا عن مقاومتها للجزيئات الحُرَّة النَّاتجة عن (الأَيْض) والأكسدة في الجِسم، فعمِلت خلاصة التَّمر المُتناولة عملَ المُضاداتِ الطَّبيعيَّة للسُّمومِ في الكَبد. وقد نشرت هذه الجمعية البريطانيَّة هذا البحث في مجلَّتها الدَّوريَّة " Telepathy"، ذكرت فيه رصدَ أجهزة الاستشعارِ لخطِّ طَيفٍ مُلتفٍّ على الجسم تشكَّل بعد هضم التَّمرات، وأنَّ هذه الهالَة تستمرُّ يومًا كاملًا، كما ورد في الحديث تمامًا! (١) ولعلَّ هذه الهالَة الطَّاقيَّة هي السَّبب في مقاومةِ طاقةِ الأسحارِ المُتَّجِهة إلى الإنسان إذا أكلها. فليت المُعترضين على الحديث مِمَّن ينتسب إلى الإسلام اقتدوا بهؤلاء الإفرنجةِ في معاملتهم لحديث رسول الله ﷺ معاملةَ المُجرِّب المُستفيد! أو ليتهم على الأقلِّ أخذوا بنصيحةِ مصطفى السِّباعي قديمًا، إذ وَصَّاهم بالتَّريُّث في إنكار هذا الحديث بخاصَّة، حيث قال: «إذا كان الطِّب الحديث لم يُوَفَّق في اكتشافِ سائرِ خواصِّ العجوة حتَّى الآن، أَفَليس مِن الخطأ التَّسرُّع إلى الحكم بوضعه؟! وهل ادَّعى أحد أنَّ الطِّب انتهى إلى غايته، أو أنه اكتشف كلَّ خاصَّة لكلٍّ مِن المأكولات والمشروبات والنَّباتات والثِّمار الَّتي في الدُّنيا؟!

стр. 1408

إنَّك لا تشكُّ معي في أنَّ إقدام مؤلِّف «فجر الإسلام» على القطع بتكذيبِ هذا الحديث جرأةٌ بالغة منه، لا يمكن أن تُقبل في المحيط العلميِّ بأيِّ حال، ما دام سنده صحيحًا بلا نزاع، وما دام متنه صحيحًا على وجه الإجمال، ولا يضرُّه بعد ذلك أنَّ الطِّب لم يكتشف حتَّى الآن بقيَّةَ ما دلَّ عليه مِن خواصِّ العَجوة. ويقيني أنَّه لو كان في الحِجاز مَعاهدُ طبيَّة راقية، أو لو كان تمرُ العاليةِ موجودًا عند الغربيِّين، لاستطاع التَّحليل الطبيُّ الحديث أن يكتشف فيه خواصَّ كثيرةً، ولعلَّه يستطيع أن يكتشف هذه الخاصة العجيبة، إن لم يكن اليوم، ففي المستقبل إن شاء الله» (١). وها قد تحقَّق ما رجاه السِّباعيُّ فيما أوردناه من دراساتٍ علميَّة، والله متمٌّ نورَه.

стр. 1409

المَبحث الثَّاني نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث الحبَّة السَّوداء شفاء

стр. 1410

المَطلب الأوَّل سَوْق حديثِ الحبَّةِ السَّوداءِ عن أبي هريرة ﵁ أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «في الحبَّة السَّوداء شِفاء مِن كلِّ داءٍ، إلَّا السَّام». قال ابن شِهاب: والسَّام: الموت، والحبَّة السَّوداء: الشُّونيز (١)؛ متَّفق عليه (٢).

стр. 1411

المَطلب الثَّاني سَوْق المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ لحديثِ الحبَّةِ السَّوداءِ أَورد المُعترضون على الحديث شُبهةً تتَّكِئ على أساس رفضِ الطِّب أن تكون تلك الحبَّة شفاءً لجميع الأمراض، والواقع شاهد على أنَّها لم تعالج بعض مَن تَداووا بها، فكيف تُنسَب هذه المُبالغة المخالفةُ للعلمِ والواقع إلى قولِ المَعصوم ﷺ ؟! أليس في رَواجِ مثل هذا الحديث في الأمَّة «استهزاءً بعقول المسلمين؟!» (١)، كذا قال أحد المُنكرين. وفي تقرير هذه الشُّبهة، يقول (صالح أبو بكر): «الحبَّة السَّوداء مَوجودة في كلِّ زمان ومكان بالأطنان، وكان لا بدَّ أن تكتسح أنواع الأمراض والبَلاء كما ينصُّ هذا الحديث، وحيث إنَّها لم تفعل شيئًا من ذلك، ولم تعترف مَعامل الدَّواء بفاعليَّتها على هذا النَّحو، فإنَّ نسبة هذا الحديث للنَّبي ﷺ سوف تكون سببًا في تكذيب الأُمم المتحضِّرة!» (٢). ويقول (نيازي عزُّ الدِّين): «لي صاحب أُصيب بالسَّرطان، واكتشف الأطبَّاء مَرَضه مبكِّرًا، وقالوا له أنَّ بالإمكان شفاءه -بإذن الله- إذا وافق على جراحةٍ

стр. 1412

مبكِّرةٍ للمرض، لكنَّه آمن أنَّ الحبَّة السَّوداء سوف تشفيه! وظلَّ يستخدمها شهورًا، إلى أن استفحل المرض، وعجز الأطبَّاء عن تقديم أيِّ عونٍ له، إلى أن مات!» (١).

стр. 1413

المَطلب الثَّالث دفع المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ عن حديثِ الحبَّةِ السَّوداءِ لا شكَّ أنَّ للحبَّة السَّوداء فوائد عظيمة في علاجِ كثيرٍ من الأمراض والوقاية منها، وسترى مِن البحوث الحديثةِ ما يزخر بالتَّجارب المُثبتة لتأثير هذه النَّبتةِ المُباركةِ في ما يُعجَز عن إحصائه مِن الأدواء المتنوِّعة الَّتي تصيب النَّاس. لكنَّ النَّبي ﷺ في حديثِه عن فضلِ الحبَّة السَّوداء في شفاءِ الأدواء، لم يُرد الاكتفاء بها عن التَّداوي لكلِّ مرضٍ بما يناسبه مِن الأدوية الأخرى، فهو نفسُه لم يصِفها لكلِّ مريضٍ اشتكى له! بل كان يُرشد أحيانًا إلى العَسل لِمن استطلق بطنُه، وأحيانًا بالحجامة لمِن أوجعه رأسُه .. إلخ. وهذا الحديث المشهور لا ريب أنَّه مُتداول في الأمَّة منذ عصر الصَّحابة ثمَّ التَّابعين وأتباعهم إلى يومنا هذا، لم يُنكره أحدٌ منهم بدعوى أنَّ الطِّب والواقع يكذِّبه، كما يدَّعيه مُتعجِّلة المعاصرين، لأنَّ أحدًا مِن عقلاء السَّلف ولا الخَلف فَهِم منه ما فهمِه هؤلاء مِن كفايةِ الحبَّة السَّوداء وحدَها في شفاءِ جميعِ الأمراضِ. ومَن تأمَّل ألفاظ الحديث، بَان له الخُلف الكبير بين المُراد منها وبين ذاك الفهم المُحْدَث، فإنَّه لو قدَّرنا مَجيء لفظ الشِّفاء بالتَّعريف في الحديث هكذا: « .. هو الشِّفاء لكلِّ داء» لرُبَّما لجعلَنا ذاك الفهمِ المُحدَث نوعَ اعتبارٍ وتأويل؛

стр. 1414

أَمَا وقد جاء لفظُ الحديث في «الصَّحيحين» بالتَّنكيرِ: «في الحبَّة السَّوداء شِفاء .. »، وفي لفظٍ عند مسلم: « .. إلَّا في الحبَّة السَّوداء مِنه شفاء» (١): فلا! بيان ذلك في تقرير أمرين: الأوَّل: أنَّ هذه الحروف في لفظِ المتنِ (مِن) و (في)، تُفهِم السَّامعَ معنى التَّبعيض والاجتزاء بالحرفِ الأوَّل، أمَّا الحرف الثَّاني (في) فتجعل الشِّفاء مظروفًا في الحبَّة السَّوداء على وجهِ (الظَّرفية المَجازيَّة)، وتفيد مجرَّد المُلابسة، تصلح للدَّلالة على تخلُّفِ المَظروف عن بعضِ أجزاءِ الظَّرف، لأنَّ الظَّرف يكون أوسع مِن المظروف غالبًا (٢)، وإنَّما جِيء بهذا الأسلوبِ للدَّلالة على تمكُّن مُلابسةِ الشِّفاء إيَّاها، وإيماءً إلى أنَّه لا يقتضي أن يطَّرِد الشِّفاء بها وحدَها في كلِّ حالةٍ. ثانيًا: لفظ «شِفاء» جاء في الحديث نكرةً، «والنَّكرة في سياقِ الإثباتِ لا تفيد العموم» (٣)، بل يفيد ظاهرها الإطلاق فقط، أي مُطلق الشِّفاء، لا الشِّفاء المطلق! فيكون المعنى بادي الرَّأي: أنَّ الحبَّة السَّوداء يُقال أنَّها (شِفاء): باعتبار شفائِها لكثيرٍ من الأمراضِ لا كلِّها، وهو نظير ما قاله المُفسِّرون في المُراد بكونِ العَسل ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] (٤). لكنْ لمَّا وجدنا آخر الحديث يؤكدُّ على عمومِ الأدواءِ بقوله ﷺ فيه: « .. لكلِّ داء» (٥)، قَرَنَّا بالدَّلالةِ السَّابقةِ دلالةً أخرى تفيد معنى (النِّسبيَّة) في

стр. 1415

الدَّواء نفسِه، أي: أنَّ الحبَّة السَّوداء شِفاء كاملٌ لبعضِ الأمراض، أمَّا باقي الأمراض وإن لم تعالجها الحبَّة السَّوداء بمُفردها، ففيها نِسبةٌ مِن شفاءِها، فتدخل في تركيبةِ الشِّفاء بوجه ما، وليس الشِّفاء الكامل الَّذي لا يُحتاج معه إلى غيره. وهذا ما أشار إليه ابن حجر بقوله: «معنى كونِ الحبَّة شفاءً مِن كلِّ داءٍ: أنَّها لا تُستعمل في كلِّ داءٍ صرفًا، بل ربَّما استُعملت مُفردةً، وربَّما استُعملت مركَّبةً، وربَّما استُعملت مسحوقةً، وغير مسحوقةٍ، وربمَّا استُعملت أكلًا، وشربًا، وسعوطًا، وضِمادًا، وغير ذلك .. » (١). فعلى هذا؛ لا بأس من حملِ الحديث على عمومِهِ لكن بهذا الاعتبار، بأن يكونَ المُراد بذلك ما هو أعمُّ مِن الإفرادِ والتَّركيب، وهذا لا مَحذور فيه، ولا خروج به عن ظاهر الحديث، بل بهذا التَّأويلِ نكون قد جمعنا بين كِلا الاعتبارين: التَّبعيض في الأدواء، والنِّسبيَّة في الدَّواء، ليتحقَّق كون الدَّواء المذكور في الحديث شفاءً لكلِّ داء في جميعِ الأحوال، سواء كان كاملًا بمفردِه، أو بنسبةٍ منه، مع اشتراك غيره معه. أمَّا أنَّها الشِّفاء الكامل لكثيرٍ مِن الأمراض: فأمرٌ معروف عند الأطبَّاء بل العامَّة في القديم والحديث، والمُتقدِّمون عدَّدوا كثيرًا مِن العِلل الَّتي تداويها الحبَّة السَّوداء في مؤلَّفاتهم عن الطِّب النَّبويِّ أو الأدويةِ بعامةٍ (٢)، والدِّراسات الطبيَّة الحديثة طافحة بذكر مزايا هذه النَّبتة في علاجِ كثير من الأمراض (٣). وأمَّا أنَّ الحبَّة السَّوداء فيها نِسبةٌ تدخل في دواءٍ كلِّ الأمراض: فذلك لأنَّ المعلومَ بداهةً أنَّ أيَّ داءٍ يصيب جسد الإنسان يكون لسببٍ خارجيٍّ: مثل

стр. 1416

البكتيريا، والفيروسات، والكيماويات، يصاحب هذا السَّبب الخارجيَّ قابليَّةٌ داخليَّة في الجسم لهذا المؤثِّر، ويتمثَّل في ضعفِ الجهاز المَناعي عن دفعِ تلك الأوبئة. وللحبَّة السوداء القدرة على مقاومةِ هذه العوامل الخارجيَّة ودفعِها عن الجسم، والتَّقليل من خطرِها، كما أنَّ لها القدرة على دعمِ المقاومةِ الداخليَّة لجميع الأمراض. وذلك أنَّها تُقوِّي الجِهاز المَناعيِّ في الجسم، وتزيد اللَّمفاويات والمُضادات الحيويَّة، وتحرِّض العَواملِ المضادَّةِ للأكسدةِ الَّتي أكثرَ الأمراض المُستعصية المتفشيَّة في هذه الأزمان، كأمراض السَّرطان، وتلفِ الكبِد والكُلى وتسمُّمِها، ونحو ذلك (١). وبهذا نفهم كيف أنَّ فيها نسبةً من شِفاءِ كلِّ داء! ولا يزال الأطبَّاء عاكفين على استكشاف المَزايا العلاجيَّة لهذه النَّبتة المُباركة، وتجريبِها على شتَّى الأوبئةِ، والخلوص إلى مقادير دقيقةٍ مِنها، لخلطِها مع أدويةٍ أخرى مساعدةٍ، تناسبًا مع كلِّ مَرضٍ على حِدة، فليس الشَّأن أن تبلعَ الحبَّاتِ هكذا كما اتَّفق، أو تشربه لوحده، ثمَّ ترجو موافقةَ ما في الحديث مِن موعود الشِّفاء، كما فَعل صاحبُ (نيازي)! والله الشَّافي.

стр. 1417

المَبحث الثَّالث نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث نفخِ الرُّوح في الجَنين

стр. 1418

المَّطلب الأوَّل سَوق حديث نفخِ الرُّوح في الجَنين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدَّثنا رسول الله ﷺ وهو الصَّادق المَصدوق، قال: «إنَّ أحدَكم يُجمَع خَلْقُه في بطنِ أمِّه أربعينَ يومًا، ثمَّ يكون علقةً مثلَ ذلك، ثمَّ يكون مُضغةً مثلَ ذلك (١)، ثمَّ يَبعثُ الله مَلَكًا، فيُؤمَر بأربع كلماتٍ، ويُقال له: اكتُب عملَه، ورزقَه، وأجلَه، وشقيٌّ أو سعيد، ثمَّ يُنفخ فيه الرُّوح .. » الحديث، وفي روايةِ مسلم: « .. ثمَّ يكون في ذلك عَلقةً مثل ذلك، ثمَّ يكون في ذلك مُضغةً مثلَ ذلك»، متَّفق عليه (٢). وعن حذيفة بن أسيد الغفاريِّ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إذا مَرَّ بالنُّطفة ثِنتان وأربعون ليلةً، بَعثَ الله إليها مَلَكًا، فصوَّرها وخَلَق سمعَها، وبصَرَها، وجلدَها، ولحمَها، وعظامَها، ثمَّ قال: يا ربِّ أَذكَرٌ أم أنثى؟ فيقضي ربُّك ما شاء، ويكتبُ المَلَك .. » الحديث، وفي رواية عنه: «أنَّ مَلَكًا مُوكَلًا بالرَّحَم، إذا أرادَ الله أن يَخلُقَ شيئًا بإذن الله، لبضعٍ وأربعينَ ليلةً .. »، ثمَّ ذكَر نحوَ حديثِه الأوَّل، أخرجه مسلم (٣).

стр. 1419

المَطلب الثَّاني سَوْق المُعارَضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ لحديث نفخِ الرُّوحِ في الجَنينِ يرتكز المخالفون لحديث نفخِ الرُّوح في الجَنين في دعوى بطلانِه على شُبهتين: الشُّبهة الأولى: دعوى التَّعارض الصَّريحِ بين خَبَرَيْ ابنِ مَسعودٍ وحذيفة بن أسيدٍ، وذلك: أنَّ حديث ابن مَسعودٍ ﵁ يجعلُ ظهورَ خِلقةِ الإنسان ومعها الكِتابة المَلَكيَّة بعد الأطوارِ الثَّلاثة لخلقِ الجَنين، وكلُّ طَورٍ منها يستغرق أربعينَ يومًا، أي بعد مائةٍ وعشرين يومًا؛ بينما يجعلهما حديثُ ابن أسَيدٍ ﵁ بعدَ الأربعين الأولى، لا الثَّالثة! وفي تقرير هذا الإشكال بين الحديثين، يقول (محمَّد الغزالي): «بين الرِّوايَتين تفاوتٌ واضح، فالأخيرة تُفيد أنَّ الكتابةَ المذكورةَ بعد أربعةِ شهورٍ، والأُولى تفيد أنَّ الكتابةَ بعد اثنينِ وأربعين يومًا» (١). الشُّبهة الثَّانية: مناقضة حديث ابن مَسعود ﵁ لمُكتشَفاتِ علم الأجِنَّة البَشريَّة الحديثة، القاطِعةِ بأنَّ الجنين إنَّما يَتشَكَّل على خِلقة الإنسان خِلالَ ستَّة

стр. 1420

أسابيع، أي بعد أربعين يومًا ونحوِها، وأنَّ مَرحلتَي العَلَقة والمُضغة هما ضِمنَ هذه المدَّة، وليس ذلك بعد مائةٍ وعشرين يومًا في ظاهر حديث ابن مسعود ﵁. وفي تقرير هذا الاعتراض على الحديث، يقول جواد عفانة: «هو مَردودٌ مَتنًا، لأنَّه مخالفٌ للعِلم، وما ثَبت يَقينًا أنَّ الجنين يَتشكَّل ويصبح خَلْقًا آخرَ على صورةِ إنسان بعد ستَّة أسابيع» (١).

стр. 1421

المَطلب الثَّالث دفع المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ عن حديثِ نفخِ الرُّوحِ في الجنينِ أمَّا دعوى المُعترضِ التَّخالفَ بين حديث ابن مسعودٍ وحديث حذيفة بن أسيدٍ، في كونِ الأوَّل يُثبت الكتابة والتَّخليق بعد الأربعين الثَّالثة، بينما يجعلها الثَّاني بعد الأربعين الأولى. فيُقال في جوابه: لا تعارض في واقعِ الأمرِ بين متنيهما، ووجه الجمع لائحٌ بين الخبرين، لكن لمِن أعطاهما حقَّهما مِن النَّظر، وكانت له ذائقة لُغويَّة سليمة. فأمَّا حديث ابن مسعود ﵁: فلا نُنكِر أنَّ ظاهرَه يُفيد عند التَّجريدِ أنَّ لكلِّ طَوْرِ من أطوارِ الجَنين المذكورة فيه مُدَّةَ أربعين يومًا، ومجموع ذلك مائة وعشرون (١). لكِن حين نظرنا في باقي أدلَّة هذا الباب، ألحقنا هذا الحديث في عِدادِ المُجمَلات المحتاجة إلى مُبيِّن، كونه ظَنيًّا مِن حيث المَفهوم! والسَّبب في هذا الإجمال والظَّنيَّة: أنَّ قولَه فيه: «مِثلَ ذلك» يحتمل العَودَ على مَذكورَين في الحديث قبله: إمَّا على (جمعِ الخلقِ)، أو على (مدَّة الأربعينَ يومًا).

стр. 1422

فإن قُلنا برجوعِه إلى الثَّاني -أي المُدَّة-: اختَلَّ التَّآلف بينه وبين حديثِ حذيفة حقًّا، إذْ معنى ذلك: أنَّه يُثبت لكلِّ مرحلةٍ مِن أطوارِ التَّكوينِ الجَنينيِّ الثَّلاثةِ أربعينَ يومًا، ومجموع ذلك مائة وعشرون، وهو بهذا مناقضٌ لحصرِ حديث حذيفةَ للأطوارِ كلِّها في مدَّة الأربعينَ الأولىن، ومخالفٌ لمكتشفاتِ علم الأجنَّة (١). أمَّا لو قُلنا برجوعِه إلى الأوَّل -أي أنَّ قولَه «مِثلَ ذلك» عائدٌ على (جمع الخلقِ) -: فحينئذٍ تتحقَّق بُغيَتُنا مِن انتفاءِ التَّخالفِ، إذ به تخلو رواية ابن مسعود من تحديد مدَّةِ كلِّ طَورٍ على حِدة، ويكون حديث حذيفةَ كالمُفصِّل والمُبيِّن له، حيث دلَّ على انطواءِ تلك الأطوارِ في مدَّة الأربعين الأولى مِن تكوينِ الجَنين، وعقيب ذلك تأتي الكتابة وتخلُّقه خلقًا آخرَ. القصدُ مِن هذا: أنَّ اسمَ الإشارة في قوله «مثل ذلك» لمَّا كان لفظًا يمكن صرفه إلى واحدٍ مِن اثنين ذُكِرا قبله في الحديث -وهما: جمع الخلق، أومدَّة الأربعين- كان بذا لفظًا مُجملًا، يحتاج إلى تعيِين أحدِ المعنَيين السَّالفين دون الآخر. والَّذي بيَّن لنا هذا المُجمَل وعَيَّن المقصودَ باسم الإشارة فيه: صريح حديثِ حذيفة ﵁، حيث يمتنِع به حملُ اسم الإشارة في حديث ابن مسعود في قوله «مثل ذلك» على المدَّة الزَّمنيَّة، وإلَّا تخالَف الحديثان بذلك كما قلنا. والَّذي يدُلُّك على لزومِ حملِ مُجملِ حديثِ ابنِ مسعود ﵁ على مُبيَّنِ حديث ابن أسيد: الرِّواية الأخرى لحديث ابن مسعودٍ نفسِه عند مسلمٍ، حيث جاءت بزيادة «في ذلك»، وذلك في قولِه: « .. ثمَّ يكون في ذلك عَلقةً مثلَ ذلك، ثمَّ يكون في ذلك مُضغةً مثلَ ذلك»، أي: في ذلك الوقتِ نفسِه الَّتي يُجمع فيه خلقُ الجَنين أربعين يومًا، هذا الظَّاهر مِن معناها.

стр. 1423

ولا يُقال هنا ما قاله بعض العلماء من أنَّ لفظَ «في ذلك» في روايةِ مسلمٍ إشارةٌ إلى المحَلِّ الَّذي اجتمعَت فيه النُّطفة (١)! فكأنَّك تقول: (ثمَّ يكون في بطنِ أمِّه عَلقةً مثلَ ذلك، ثمَّ يكون في بطنِ أمِّه مُضغةً مثلَ ذلك .. ): فإنَّ في هذا تكرارًا لا يفيد الحديثَ معنىً جديدًا، ولسانُ النَّبي ﷺ أبلغُ وأفصحُ مِن أن ينبِس بمثله! ومِمَّا يُوكِّد أيضًا ما قرَّرناه مِن عَوْدِ اسم الإشارة في قوله «في ذلك» إلى مدَّة الأربعين الأولى غير حديث حذيفة بن أسيد: حديثٌ عن جابر بن عبد الله ﵁ يرفعه: «إذا استقرَّت النُّطفة في الرَّحِم أربعينَ يومًا -أو أربعين ليلةً- بَعَث إليها مَلَكًا .. » الحديث (٢). وهذا موافق لحديث حذيفة بن أسيدٍ ﵁ في جعل الكتابةَ بُعَيد الأربعين الأولى، وحينها ينتهي طَوْرَا العَلقة والمُضغة، ويَتشكَّل الجنين على صورة الإنسان، وهو معنى قوله: «يُجمَع خلقُه». هذا؛ مع أنَّ جمهورَ الشُّراح قد نحوا إلى خلافِ هذا التَّقرير! (٣) حيث تَتابعوا على القولِ بأنَّ أطوار الجَنين المذكورةِ في حديث ابن مسعود ﵁ تستغرق مائةً وعشرين يومًا بمجموعها؛ فللنُّطفةِ أربعون يومًا في الرَّحِم، وللعَلَقةِ أربعون أخرى، وللمُضغة أربعون ثالثة، فهي أربعوناتٌ ثلاث تستغرقها أطوار تخلُّقِ الجنين على هيئة الإنسان؛ ووافقهم على ذلك كثيرٌ مِن الفقهاء، فرَتَّبوا على هذا

стр. 1424

الفهمِ للحديثِ مسائلَ عديدة، تَتعلَّق بِما تُلقيه المرأة ممَّا يَثبُت به حكم النِّفاس، وتنقضي به العدَّة والاستبراء، وتصير به المرأة أمَّ ولد، ونحو ذلك مِن مسائل الفروع (١). ولذلك نراهم يتَكلَّفون تفسيرَ حديث حذيفة بن أسيدٍ وتوجيهَه! فمنهم مَن حَملَه على بعض الأجِنَّة، وحمَلَ حديث ابنِ مسعود على البَعضِ الآخر، بدعوى تخصيصِ كلِّ واحدٍ مِن الحديثين بالآخر (٢)! وهذا مناقضٌ لدلالةِ العمومِ في كِلا الحديثين وسياقِهما. وذَهَب آخرون، كابن الصَّلاح (٣) وتبعه ابنُ تيميَّة (٤) وابن القيِّم (٥): إلى إمكانِ أن تكون الكِتابةُ المَلَكيَّة مَرَّتين، جمعًا بين الحديثين، فتكون الأولى عقيبَ الأربعين كما في حديث حذيفة، ثمَّ تكون الثَّانية عقب المائة والعشرين كما في حديث ابن مسعود (٦)؛ وزاد ابن تيميَّة: احتمالَ أن تكونَّ ألفاظُ حديث حذيفة بن أسيدٍ لم تُضبط حقَّ الضَّبط، ولهذا اختلَفَت رواتُه في ألفاظِه (٧)! فكذا قال الفريقان؛ وكِلا الاحتمالين عندي بَعيد. فأمَّا كون الكِتابة مَرَّتين: فالأظهرُ من الحديثين أنَّها واحدة (٨)؛ وأيُّ فائدة أن تُكرَّر الأجوبة على المَلَكِ مَرَّتين مُتباعدتين؟!

стр. 1425

ويبقى أنَّ في حديث حذيفة ذِكر العَظم واللَّحم، وأنَّ التَّصوير والتَّخليق مُقارِنانِ للكتابة، ولن يكون التَّلحيم والتَّخليق مرَّتين بداهةً! (١) هذا مع استصحاب خبرِ القرآن الكريم في مُوالاةِ خلقِ العِظام لطَورِ المُضغة مباشرةً، في قوله تعالى: ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً﴾ [المؤمنون: ١٤]، وخلقُ العِظام إنَّما هو ثابت في حديث حذيفة ﵁ بعد اثنين وأربعين يومًا، فلازم ذلك أنَّ تكون نشأة المُضغةِ قبلَه في تلك الأربعين الأولى، وليس في الثَّالثة (٢). وهذا عينُه ما يؤكِّده الطِّب التَّشريحي الحديث (٣)، كما قد أشرنا إليه سابقًا. وإنَّما تأتي الشُّبهة هنا على البعض حين يسمع روايةَ حذيفة: «إذا مَرَّ بالنُّطفة ثِنتان وأربعون ليلةً، بَعثَ الله إليها مَلَكًا .. » الحديث، فيتبادر إلى فهمِه منها أنَّ النُّطفة استغرقت مدَّة الأربعين كلَّها وزيادة، فكيف يكون التَّصوير بعدها مباشرةً وليست هي بمُضغة بعدُ؟! وعلى ذلك استشكل القاضي عياض ما قرَّرناه مِن المُراد بالحديث، فقال: «التَّصوير بإثرِ النُّطفة، وأوَّلِ العَلقة، وفي الأربعينِ الثاَّنية: غير مَوجود، ولا مَعهود!» (٤)؛ فدعاه هذا إلى تأويلِ التَّصوير في هذه الرِّواية بـ (التَّقدير). والأمرُ على خلاف ما ظنَّ، فليس في الحديث أنَّ جُرمَ النُّطفة نفسِها تبقى على حالهِا هذه المُدَّة كلَّها، وإنَّما في الكلام طَيًّا لأشياء مَعلومة في الذِهن، وهو

стр. 1426

أسلوب لغويٌّ سائر، كأن تقول مَثلًا مُشيرًا إلى طفلٍ أمامك: إذا مَرَّ بهذا الطِّفل ستُّون سنةً، فقد قرُبَت قِيامتُه، وليسَ معنى هذا أنَّه يَبقى طفلًا طيلة هذه السِّتين إلى أن يُتِمَّها، أو أنَّه لا ينتقل خلالها إلى طور الشَّبيبة فالكهولة! وإنَّما طُوي ذكر هذه المراحل في الكلام طَيًّا للعلمِ بها، كما طُوِيت في ذلك الحديث مراحل التَّكوين طيًّا، وإنَّما اقتُصِر على ذكر طَورِ النُّطفة فيه باعتبارِها أصلَ الجنين ومُبتَدَأه. وأمَّا في ما يخصُّ التَّشكيك في ضبطِ ألفاظ حديث حذيفة كما ادَّعاه ابن تيميَّة، فجوابه: أنَّ التَّردُّد في عددِ الأيَّام بين (أربعين) أو (خمسٍ وأربعين) ليس إلَّا في روايةِ عمرو بن دينار عن أبي الطُّفيل، ولا يَضرُّه إذا كان أصل الحديث لا يُشكُّ في صحَّتِه، وحديث ابن مسعود أشدُّ في اختلافِ بعض ألفاظه، كما سيأتي تفصيله. والَّذي اضطرَّ هؤلاءِ الأئمَّة إلى تكلُّف تأويلِ حديث حذيفة بن أسيد: اعتقادُهم أنَّ دلالةَ حديث ابن مسعودٍ على تخصيصِ كلِّ طَورٍ مِن الأطوار الثَّلاثةِ بأربعين يومًا! اعتمادًا على أنَّ حرف العطف (ثمَّ) في قوله ﷺ : « .. (ثمَّ) يكون علقةً مثل ذلك، (ثمَّ) يكون علقةً .. » يدلُّ على التَّراخي في التَّرتيب الزَّمَني مستلزمٌ للمُغايرةِ؛ فإذا كانت لمرحلةِ جمعِ الخلقِ الأولى أربعون يومًا، فإنَّ مَرحلتي العَلقة والمُضغة تأتيان بعدها مُستقلَّتين عنها، فليستا ضِمنها، لأنَّهما مَعطوفتان عليها بـ (ثمَّ)! والجواب عن هذا أن يُقال: إنَّ جملة «ثمَّ يُبعَث إليه المَلَك .. » هي المَعطوفة على قولِه: «يُجمع في بطنِ أمِّه»، ومُتعلِّقةٌ به، وليست مُتعلِّقةً بما قبله أي قوله: «ثمَّ يكون مضغةً مثل ذلك .. »! فعلى ذلك يكون قوله: «ثمَّ يكون علقةً مثل ذلك، ثمَّ يكون مضغةً مثل ذلك» كالجملةِ المعترضِة بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه، وهي مِن تمامِ الكلامِ

стр. 1427

الأوَّل: «إنَّ أحدكم يُجمَع خَلْقُه في بطنِ أمِّه أربعينَ يومًا .. »، فكأنَّها شارِحة ومفصِّلةٌ له. فليس المُراد -إذن- أنَّ جُمْلَتي العَلَقة والمُضغة تلحقانِ الجملةَ الأولى في الزَّمن، ولا أنَّهما من باب عطفِ المُغايرةٍ ولا تمييزًا بين المَراحل، بل هذا النَّسق في الخِطاب مَحمَله على أنَّه مِن ترتيبِ الأخبار، لا مِن ترتيبِ المُخبَر به في نفسِه، «وذلك جائز مَوجودٌ في القرآنِ والحديث الصَّحيح وغيره مِن لغةِ العَرب» (١). بيانُ ذلك: أنَّ حرف العطفِ (ثمَّ) وإن كان يأتي في الأصلِ لتَرتيب الأخبارِ مع التَّراخي، فإنَّه يُستعمل في كلامِ العرب لغيرِ معنى التَّرتيب أيضًا إن أفهَمَت قرينةٌ ذلك. شاهد هذا التَّخريجِ مِن أفصحِ الكلامِ: قولُ ربِّنا ﵎: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾ [السجدة: ٧ - ٩]، «فالمُراد هنا بالإنسانِ: آدم ﵇، ومَعلومٌ أنَّ تسويَتَه، ونفْخَ الرُّوح فيه، كان قبل جعلِ نسلِه مِن سُلالةٍ من ماءٍ مَهين، لكنْ لمَّا كان المقصود ذكرَه قدرةَ الله في مبدأِ خلقِ آدم وخلقِ نسلِه، عَطَف ذِكرَ أحدهِما على الآخر، وأخَّرَ ذِكرَ تسويةِ آدمَ ونفْخَ الرُّوح فيه، وإن كان ذلك مُتوسِّطًا بين خلقِ آدم مِن طينٍ، وبين خلقِ نسلِه» (٢). فهذا المِثال القرآنيُّ في صَرفِ حروفِ (ثمَّ) عن ظاهِرها، هو عينُ المُراد من أسلوبِ التَّعبيرِ في حديث ابن مسعود! وهو المُتعيِّن في تفسيرِه، وذلك لكي: يَتوافقَ مع حديثِ حذيفة الصَّريحِ في الدَّلالة على اجتماع الأطوار الثَّلاثة في الأربعين الأولى؛ هذا مِن جِهة.

стр. 1428

وليتطابقَ بعدُ مع يَقينيَّاتِ علمِ الأجِنَّة في ذلك، والَّتي تؤكِّد بآلاتِ الرَّصد والمشاهدةِ على انتقالِ الجنين بين تلك الأطوارِ الثَّلاثةِ في أربعينِه الأولى نفسِها، واكتمالِ صورةِ الإنسان بُعيد ذلك مباشرةً؛ هذا مِن جِهة أخرى. ومن جِهة ثالثة: فإنَّ في نفسِ حديث ابنِ مسعود في جملتِه الأولى: «يُجمَع خلقُه في بطنِ أمِّه أربعينَ يومًا» دلالةً مُحكَمةً على أنَّ الجَنين تجتَمِع خِلقتَه لتكون على هيئةِ الإنسان ما يناهز الأربعينَ ليلةً. فإن قيل: فقد ذكرتَ بأنَّ (ثُمَّ) قد تأتي في اللَّغة لغيرِ معنى التَّراخي الزَّمني إن أفهَمَت قرينةٌ ذلك، فما المعنى الَّذي أفادته (ثمَّ) في حديث ابن مسعود في لفظ البخاريِّ؟ قلنا: فائدة (ثمَّ) هو بيانُ ما بين تلك الأطوارِ الخَلقيَّةِ مِن التَّفاوت، وفضلٍ كلِّ طَورٍ على سابِقه، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: ١٧] (١). فإن قيل: فقد جاءت بعض رواياتِ حديث ابن مسعودٍ ﵁ مُصرِّحةً بأنَّ مرحلةَ الأربعين الأولى خاصَّةٌ بالنُّطفةِ فقط، وأنَّ العَلقة والمُضغَة تستغرق كلُّ واحدةٍ منهما بعدها أربعينَ يومًا على حِدة، نُقلت إلينا هذه بأسانيد صحيحة! فجوابُ ذلك: أنَّ هذه الرِّواية شاذَّة مردودة! والدَّليل على ذلك: أنَّ حديث ابن مسعود ﵁ أشهرُ طُرقِه ما جاء عن الأعمش عن زيد بن وَهب عنه، وعن الأعمش رواه خلائق مِن النَّاس، حتَّى قال ابن حجر: «كنتُ خرَّجته في جزءٍ مِن طرقٍ نحو الأربعين نفسًا عن الأعمش، فغابَ عنِّي الآن، ولو أمعَنتُ التَّتبُّعَ لزادوا على ذلك» (٢). أغلب هذه الطُّرقِ جاءت بنحوِ لفظِ «الصَّحيحين»: « .. يُجمَع خلقُه في بطنِ أمِّه أربعينَ يومًا»، أي مِن غير ذكرٍ لفظ (النُّطفة) في آخر الجملة الأولى.

стр. 1429

لكن بخلاف هذه الأغلبيَّة، جاءت بعض الطُّرق عن الأعمشِ على وجهٍ يُصَرَّح فيها بكونِ الأربعين الأولى خاصَّة بالنُّطفة، وأنَّ لكلٍّ مِن طَورِ العَلَقة والمُضغةِ أربَعينَه الخاصَّ. ولو نظرنا إلى بعضِ هذه الطُّرق النَّظر الإسناديَّ المُجرَّد، لحكمنا عليها بالصِّحة ظاهرًا، لثِقة بعضِ رُواتها عن الأعمش، لكنَّ السَّلامة مِن العِلل شرط في حقيقةِ النِّسبة. فمِن أصرحِ أمثلة تلك الطُّرقِ المخالفةِ: روايةُ جرير بن حازم، عن الأعمش، ولفظُها: «تكون النُّطفة في الرَّحِم أربعينَ ليلةً نُطفةً، وأربعين ليلةً علقةً، وأربعين ليلةً مُضغةً، ثمَّ يَبعث إليها مَلَكًا .. » الحديث (١). وجرير بن حازم -وإن كان ثِقةً عند أهل هذا الشَّأن- لكنَّه تَفرَّد هنا بهذا اللَّفظ، حيث رواه بالمعنى الَّذي فهِمه فأخطأ، وقد عُهِد عليه مثلُ هذا الخطأ مع قوَّةِ حفظِه، حتَّى قال ابن حبَّان: «كان يُخطئ، لأنَّ أكثرَ ما كان يُحدِّث مِن حفظِه» (٢). ولذا نجزِمُ بخطئِه في روايتِه هذه، وأنَّه قد شَذَّ فيها عن اللَّفظ الصَّحيح، لِما تَيقَّنَّاه مِن جِهة الطِّب على وجه الخصوصِ. كما أنَّنا نجزِم بخطأِ روايةِ: حفصِ بن عمر الحوضي، وسليمانِ بن حرب، ووهبِ بن جرير، ثلاثتُهم عن شعبة بن الحجَّاج، عن الأعمش، حيث زادوا لفظَ (نطفة) في الجملة الأولى للحديث، على هذا النَّحو: «إنَّ خلقَ أحدِكم يُجمَع في بطنِ أمِّه نطفةً أربعينَ ليلةً وأربعين يومًا، ثمَّ يكون علقَةً مثل ذلك، ثمَّ يكون مُضغةً مثل ذلك .. » الحديث (٣).

стр. 1430

فزيادة لفظِ (نطفة) في الجملةِ الأولى تجعلُ الكلامَ صريحًا في أنَّ الأربعين الأولى مُدَّةٌ خاصَّةٌ بالنُّطفة، والواقع أنَّها مُدَّة لجميع الأطوار الثَّلاثة كما قرَّرناه، والَّذي يَدلُّك على خطأِ هذه الزِّيادة، فضلًا عمَّا ذكرنا: مخالفةُ جماعةٍ مِن الثِّقاتِ مِن أصحاب شُعبة لأولئك الثَّلاثة عنه، حيث رَووها على اللَّفظ الصَّحيح بدون تلك الزِّيادة (١). ثمَّ نجزم أيضًا بخطأِ روايةِ: سَلمة بن كُهيل، حيث رواه عنه فِطر بن خليفة، عن زيد بن وهب، يرفعه عن ابن مسعودٍ بلفظ: «يُجمَع خلقُ أحدِكم في بطنِ أمِّه أربعين يومًا، ثمَّ يكون عَلقةً أربعين يومًا، ثمَّ يكون مُضغةً أربعين يومًا .. » الحديث (٢). وفِطرٌ وتلميذه سَلَمة -وإن كانا ثِقَتين في الجملة- غير أنِّي مَغلوبٌ على ظنِّ أنَّ الخطأَ في هذه الرِّواية مِن قِبَل فِطرٍ، لا مِن سَلمة بن كهيل شيخِه، فإنَّ مِن الأئِمَّة مَن كان يستضعِفُ فِطرًا، كالدَّارقطني (٣)، وابنُ عديٍّ (٤)، على خلافِ سَلَمة، فإنَّه كلمة إجماع! ومصداقُ هذا الظنِّ ما قاله ابن مهدي فيه: «أربعةٌ في الكوفة لا يُختلف في حديثِهم، فمَن اختلَفَ عليهم فهو يُخطئ، ليس هُم، فذَكَر منهم: سَلَمة بن كهيل» (٥).

стр. 1431

على أنَّ فِطرًا نفسَه قد رواه عنه الحسين بن محمَّد المرُّوذي -وهو ثقةٌ- باللَّفظ الصَّحيح الموافقِ لِما في «الصَّحيحين»، على النَّحو التَّالي: «يُجمع خَلقُ أحدِكم في بطن أمِّه أربعينَ ليلة، ثمَّ يكون علقَةً مثل ذلك، ثمَّ يكون مضغةً مثل ذلك .. » (١). وإن كان غيره مِن الثِّقات يَروُونه عن فطرٍ باللَّفظِ الخطأِ كما قد أشرنا إليه آنفًا، فإمَّا: أن يكون الحسين قد غلِط فيه على شيخِه فطر، أو أنَّه كان يتَثبَّت أحيانًا في هذه الرِّواية عن سَلمة بن كهيل، فيَروِيها على وجهِها الصَّحيح أحيانًا، ظانًّا أنَّ كِلا اللَّفظين يُؤَدِّيان نفسَ المعنى. وحاصل القول: أنَّ زيادة لفظ النُّطفة في هذه الرِّوايات شاذٌّ لا تصحُّ، وقد بانَ لك مَنشأ ذلك في ما تكلَّمتُ عليه مِن أسانيد، وأنَّه مِن تصرُّف الرُّواة بروايتِهم للمعنى الَّذي فهِموه (٢). ولو رُحنا نستقصي باقي الأسانيد الضَّعيفةِ لهذا الحديث (٣)، بمتونِها المخالفةِ للَّفظِ الصَّحيح، مَرفوعِها ومَوقوفِها: لطالَ بنا المقام جدًّا لكثرتها. وبعدُ؛ فإنَّه لا يشوِّشُ على هذا التَّقريرِ السَّابق في تحديدِ المُراد من حديث ابن مسعود نقلُ عِياضٍ لاتِّفاقِ العلماء على أنَّ الرُّوح تُنفخ في الجنينِ بعد أربعة أشهرٍ (٤)، وأخذِ بعضهم مِن ذلك أنَّ حديث ابن مسعود يدلُّ على أنَّ الجنين يَتَقَلَّب في مائةٍ وعشرين يومًا في ثلاثةِ أطوارٍ، كلُّ طورٍ منها في أربعين، لأنَّه حين تكمِلَة

стр. 1432

صورتِه يُنفخ فيه الرُّوح، وقد علِمنا أنَّها تُنفخ بعد أربعة أشهر، وهي مائة وعشرون يومًا (١). فإنَّنا نقول: إنَّ قولنا بدلالةِ حديث ابن مسعود على اجتماعِ خلقِ الجنين واكتمالِ أطوارِه الثَّلاثة عقيب الأربعين الأولى، لا يعارض اعتقادَنا بأنَّ الرُّوح تُنفخ بعد أربعة أشهر، فقضيَّة ما أثبتناه في معنى الحديث مِن وقتِ التَّخليق والكتابةِ شيء، وقضيَّة وقت نفخ الرُّوح شيء آخر. فلسنا مِمَّن يقول أصلًا بأنَّ النَّفخ يعقبُ اكتمالَ طورِ المُضغةِ والتَّخليقِ على الفَور (٢)، ولا في حديث ابن مسعود ما يدلُّ على تعيين وقت النَّفخِ بالتَّحديد حتَّى نُعارض بما اتَّفق عليه العلماء مِن توقيت النَّفخ، فإنَّ فيه بعد ذكرِ اكتمال طورِ المضغة: « .. ثمَّ يُنفخ فيه الرُّوح»، وقد مَرَّ أنَّ حرفَ العطف (ثمَّ) أصلُه أن يفيدَ التَّراخي، وأنَّه لا يُحاد عن هذا إلَّا بقرينة تفُهم خلافه، ولا وجود لها هنا، بل القَرائن تبقيه على أصلِه في عدم الفوريَّة (٣).

стр. 1433

هذا؛ وأجودُ مَن وقفتُ له مِن علماءِنا الأقدمين يقرِّر هذا التَّوفيق بين حدِيثي ابن مسعود وحذيفة بن أسيد مع المُشاهد من أشكال الأجنَّة عند سقوطِها: كمال الدِّين ابن الزَّمْلَكانيِّ (ت ٧٢٧ هـ)؛ فلَكَم سُعدت بتحريرِه لهذه المسألة بأقنعِ عبارةٍ، بعد أن أعياني العثور في كلامِ الشُّراحِ على مثلِه، بعد أن تَتابعت جمهرُتهم على فهمِ حديثِ ابن مسعودٍ على غير ما بيَّنته آنفًا، على قدرِ معارفِ زمانِهم، آجرَهم الله وأحسنَ لهم الثَّواب. يقول ابنُ الزَّملكانيِّ: «أمَّا حديث البخاريِّ -يعني حديثَ ابن مسعود: «إنَّ أحدَكم يُجمع خلقُه في بطن أمِّه» - فيدلُّ على ذلك، إذْ معنى «يُجمَع في بطن أمِّه» أي: يُحكَم ويُتقن، ومنه: رَجل جَميع، أي: مُجتمع الخلق، فهما مُتساويان في مُسمَّى الإتقانِ والإحكامِ، لا في خصوصِه. ثمَّ إنَّه يكون مُضغةً في حِصَّتِها مِن الأربعين، مُحكمةَ الخلقِ مثلما أنَّ صورة الإنسان مُحكمةٌ بعد الأربعين يومًا، فنصَبَ «مثلَ ذلك» على المصدر، لا على الظَّرف! ونظيرُه في الكلامِ قولُك: إنَّ الإنسان يَتَغيَّر في الدُّنيا مُدَّة عمرِه، ثمَّ نشرحُ تغيُّرَه، فنقول: ثمَّ إنَّه يكون رَضيعًا، ثمَّ فطيمًا، ثمَّ يافعًا، ثمَّ شابًّا، ثمَّ كهلًا، ثمَّ شيخًا، ثمَّ هرِمًا، ثمَّ يتوفَّاه الله بعد ذلك .. ، وذلك مِن باب ترتيبِ الأخبار عن أطوارِه الَّتي ينتقل إليها مُدَّةَ بقائِه في الدُّنيا. ومن الَمعلوم مِن قواعدِ اللُّغة العربيَّة، أنَّ (ثُمَّ) تفيدُ التَّرتيب والتَّراخي بين الخَبر قبلها وبين الخبر بعدها، إلَّا إذا جاءت قَرينةٌ تدُلُّ على أنَّها لا تفيد ذلك، مثل قوله : ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: ١٥٣ - ١٥٤]، ومِن المعلوم أنَّ وصيَّة الله لنا في القرآن جاءت بعد كتابِ موسى ﵇، فـ (ثمَّ) لا تفيد ترتيب المُخبَر عنه في الآية. وعلى هذا يكون حديث ابن مسعود ﵁: «إنَّ أحدَكم يُجمع خلقُه في بطنِ أمِّه أربعين يومًا، ثمَّ يكون في ذلك» أي: في ذلك العَدد مِن الأيَّام «عَلقةً»: مُجتمعةً في خلقِها «مثلَ ذلك»: أي مِثلما اجتمعَ خلقكُم في الأربعين، «ثمَّ يكون

стр. 1434

في ذلك»: أي في نفسِ الأربعين يومًا «مُضغةً»: مُجتمعةً مكتملةَ الخلقِ المُقدَّر لها «مثلَ ذلك»: أي مِثلما اجتمعَ خلقكُم في الأربعين يومًا» (١). الجميل في الأمر، أنَّ تجدَ قِلَّةَ العلماءِ الَّذين ذهبوا إلى ما قرَّرناه مِن تأويلِ أحاديث هذا الباب من جعلِ حديثِ حذيفة قاضيًا على حديث ابن مسعود: قد استَنَدوا في هذا المَنزعِ الفقهيِّ إلى أقوالِ علماء الطِّب في عصرِهم! وهذا مِن بَديع التَّوفيقِ مِنهم بين النَّقليَّاتِ في الشَّرع، والكَشْفيَّاتِ في باقي العلوم الصَّحيحة. لكن لمَّا لم يكُن كلام بعضِ الأطبَّاءِ وَقتئذٍ غيرَ مُثبتٍ على سبيل الجزم كما هو الحال اليوم، عمِل أكثر العلماءِ على تأويلِ هذه الحقيقة لظنِّيَتِها (٢). فأنت ترى مثل ابن حجرٍ في تنوُّع معارفِه، يَنقُل عن أحدِ أولاءِ القِلَّة تقريرَه لهذا النَّمط في توجيهِ النُّصوص، فيقول: «مَالَ بعضُ الشُّراح المتأخرُّون إلى الأخذِ بما دَلَّ عليه حديث حذيفة بن أسيد ﵁ مِن أنَّ التَّصويرَ والتَّخليقَ يقع في أواخرِ (٣) الأربعين الثَّانية حقيقةً، قال: وليسَ في حديثِ ابن مسعود ما يدفعُه. واستندَ إلى قول بعضِ الأطبَّاء أنَّ المَنِيَّ إذا حصَل في الرَّحم، حصَل له زبديَّة ورغوة في ستَّة أيَّام أو سبعة، مِن غير استمدادٍ من الرَّحم، ثمَّ يستمد مِن الرَّحم، ويَبتدئ فيه الخطوطُ بعد ثلاثةِ أيَّام أو نحوها، ثمَّ في الخامسِ عشر ينفذُ الدَّم إلى الجميع فيصير عَلقةً، ثمَّ تتميَّز الأعضاء، وتَمْتَدُّ رطوبةُ النُّخاع، وينفصل الرَّأس عن المنكِبين، والأطرافُ عن الأصابع، تَمييزًا يَظهر في بعضٍ ويخفى في بعضٍ، وينتهي ذلك إلى ثلاثين يومًا في الأقلِّ، وخمسةٍ وأربعين في الأكثر .. قال: فيكون قولُه (فيكتُبُ) معطوفًا على قوله (يُجمع) .. » (٤)، ثمَّ استرسلَ هذا المَنقول عنه في توجيهِ حديثِ ابن مسعود بما يقرُب مِن كلامِنا عليه.

стр. 1435

العجيب أنَّ ابنَ حجرٍ لم يَستسِغ مثلَ هذا النَّظر، فعَلَّق على مُجملِ هذا النَّقلِ مُضَعِّفًا له بقولِه: « .. كذا قال، والحَملُ على ظاهرِ الأخبارِ أوْلى، وغالبُ ما نُقل عن هؤلاء دَعاوى لا دَلالة عليها» (١)! وأقول للحافظ: فقد ظهرَ الآن أنَّ الدَّلالاتَ كلَّها عليها! بل مَن خالَف هذه الدَّعاوى الَّتي نقلتَها كان هو المناقضَ لحقائِق الطِّبِ الحديث، المخالِف مع ذلك للنَّظَرِ الأصوليَّ الرَّجيح. وبعد كلِّ هذه التَّقريراتِ والنَّقداتِ، يُمكِننا القولُ: أنَّ حديثَ ابن مسعود ﵁ غير مخالفٍ لحديث حذيفة بن أسيد ﵁، بل مُؤالِفٌ له ومُؤانس، ولا هو مُناقضٌ لحقائقِ الطِّب الجَنيني الحديث، بل سائرٌ في ركبِ إعجازِه ومُجانِس. فأرجو أنِّي أوضحتُ هذا إيضاحًا ينشرح لَهُ صدر الفاهم الآهل، والله سبحانه المَحمود حقًّا، وله المِنَّة في كشفِ ذلك وحده.

стр. 1436

المَبحث الأوَّل نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديثِ: «لولا بنو إسرائيل لم يخنِز اللَّحم»

стр. 1437

المَطلب الأوَّل سَوق حديثِ: «لولا بنو إسرائيل لم يخنِز اللَّحم» عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لولا بنو إسرائيل لم يخنِز (١) اللَّحم .. » متَّفق عليه (٢).

стр. 1438

المَطلب الثَّاني سَوْق المعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِ لحديث: «لولا بنو إسرائيل لم يخنِز اللَّحم» تَوارد الطَّاعنون في هذا الحديث على استصحابِ مُعطًى علميِّ مُشاهد في مُراغمَتِهم لهذا الخَبر، مَفادُه: أنَّ إنتانَ اللَّحم سببُه ماديٌّ بَحْتٌ قديم، أبانَ عن حقيقتِه العلمُ التَّجريبيُّ الحديث، فاللَّحم لابدَّ أن يفسُد، وهو كذلك منذ أن وُجد اللَّحم، وهذا ممَّا تدركه العقولُ بداهةً، فأيُّ علاقةٍ لهذه السُّنة الجارية على اللُّحومِ ببني إسرائيل؟! وفي تقرير هذه المعارضة، يقول (عبد الحكيم الفيتوري) (١): « .. إنَّ فسادَ اللَّحم وعفانتَه لا علاقة له بدينٍ ولا بجهةٍ ولا بلونٍ، وإنَّما تخضع لعوامل قرَّرَها العلم الحديث، مِن بكتيريا وفيروسات، وغير ذلك ممَّا هو مُقرَّر عند علماء العلومِ الحديثة، ولَعلَّ شطرَ هذه الرِّواية مُنتَج مِن مُنتجاتِ العُنصريَّة الدينيَّة والمِليَّة، لأنَّ رائحةَ التَّدافع المِليِّ بين المسلمين وغيرهم خاصَّةً اليهود، واضحةٌ وجليَّة فيه» (٢).

стр. 1439

وزاد (محمَّد عمراني حنشي) (١) على ما سبق بأن قال: «مِن المَعلوم لنا في عصرِنا الحاضر، وبحسب ما تَكشَّف لنا مِن علمٍ، أنَّ الخلايا الحيوانيَّة والنَّباتيَّة مُبرمَجة خِلقةً وفي الأَزَل -قدَرًا مَقدورًا لا رادَّ له- لتَتفسَّخ وتتَحلَّل عند مَوتٍ الجسد، إذْ بمجرَّد أن يُفارق جَسدٌ حَيوانيٌّ الحياةَ، فإنَّ الجهازَ العَصبيَّ يَتوقَّف عن إرسالِ إشاراتِه وتعليماتِه إلى باقي الجسد، فيكون هذا إيذانًا بأنَّ العَدَّ التَّنازليَّ لعمليَّة الهدم قد بَدأ .. وبموازاةٍ مع هذه العَمليَّة القهريَّة الذَّاتية خِلقةً وجِبلَّةً، فإنَّ الإنزيمات الخلويَّة والخمائر .. تَشرع بدورِها في تذْويبِ الخلايا .. ، فتجعلها تنفجِر في النِّهاية لتُلقيَ كلَّ ما بداخلها مِن سوائلَ .. » (٢).

стр. 1440

المَطلب الثَّالث دفع دعاوي المعارضات الفكريَّةِ المعاصرةِ عن حديث: «لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللَّحم» هذا الحديث أحدُ الأخبار النَّبويَّة الصَّحيحة الَّتي عجِلَ في رفضِها بعضُ المُحْدَثين، فجعلوا الطَّعنَ فيه باستنكارِ معنى متنِه سبيلًا لتهشيمِ المنهجِ النَّقدي عند المحدِّثين، حيث تضمَّن بزعمهم خَبرًا يكذِّبه العقل والقرآن أوضحَ تكذيب، إذْ اللَّحم لا بدَّ له أن يَفْسُدَ ويتَحلَّل، هذا ممَّا تدركه العقولُ والحوَّاس بداهةً، وإلَّا كانت قد امتلأت الأرض بجِيَف الحيواناتِ، فأحالوا بذا أن يصدر مثلُ هذا الحديث عن الصَّادق المَصدوقِ ﷺ . نعم؛ لا نَستريبُ في أنَّ هذا الخبر لو كان بالمعنى الَّذي فهمه المعترضونَ، لكان خبرًا غلطًا ظاهرَ البطلان، وما اختلف عليه عاقلان؛ لكن نُكتة الكلام الَّتي تغافل عنها العَجَلة: أنَّ أذكياء الدُّنيا في وقتِهم من علماء المسلمين قد صحَّحوا الحديثَ وقبلوه، ولم يرَوا فيه ما يُستنكر! فهل يُعقل أن يكون كلُّ أولائك المُحدِّثين والفقهاء -وعلى رأسِهم الشَّيخان- قد صَحَّحوا هذا الحديث، مع ظهور بطلانِه لبدائه العقول كما يَدَّعيه المُبطلون؟! هل بلَغَ السُّخف بعقولِ أئمَّةِ السُّنة هذا المبلغَ الَّذي لا يدركون به ما يَروُونه، ثمَّ هم يتَّفقون عليه جميعُهم مِن عهد الرِّوايةِ إلى الآن؟!
следующие страницы →