← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 224

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

المَبحث الأوَّل نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديثِ: «لولا بنو إسرائيل لم يخنِز اللَّحم»

стр. 1437

المَطلب الأوَّل سَوق حديثِ: «لولا بنو إسرائيل لم يخنِز اللَّحم» عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لولا بنو إسرائيل لم يخنِز (١) اللَّحم .. » متَّفق عليه (٢).

стр. 1438

المَطلب الثَّاني سَوْق المعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِ لحديث: «لولا بنو إسرائيل لم يخنِز اللَّحم» تَوارد الطَّاعنون في هذا الحديث على استصحابِ مُعطًى علميِّ مُشاهد في مُراغمَتِهم لهذا الخَبر، مَفادُه: أنَّ إنتانَ اللَّحم سببُه ماديٌّ بَحْتٌ قديم، أبانَ عن حقيقتِه العلمُ التَّجريبيُّ الحديث، فاللَّحم لابدَّ أن يفسُد، وهو كذلك منذ أن وُجد اللَّحم، وهذا ممَّا تدركه العقولُ بداهةً، فأيُّ علاقةٍ لهذه السُّنة الجارية على اللُّحومِ ببني إسرائيل؟! وفي تقرير هذه المعارضة، يقول (عبد الحكيم الفيتوري) (١): « .. إنَّ فسادَ اللَّحم وعفانتَه لا علاقة له بدينٍ ولا بجهةٍ ولا بلونٍ، وإنَّما تخضع لعوامل قرَّرَها العلم الحديث، مِن بكتيريا وفيروسات، وغير ذلك ممَّا هو مُقرَّر عند علماء العلومِ الحديثة، ولَعلَّ شطرَ هذه الرِّواية مُنتَج مِن مُنتجاتِ العُنصريَّة الدينيَّة والمِليَّة، لأنَّ رائحةَ التَّدافع المِليِّ بين المسلمين وغيرهم خاصَّةً اليهود، واضحةٌ وجليَّة فيه» (٢).

стр. 1439

وزاد (محمَّد عمراني حنشي) (١) على ما سبق بأن قال: «مِن المَعلوم لنا في عصرِنا الحاضر، وبحسب ما تَكشَّف لنا مِن علمٍ، أنَّ الخلايا الحيوانيَّة والنَّباتيَّة مُبرمَجة خِلقةً وفي الأَزَل -قدَرًا مَقدورًا لا رادَّ له- لتَتفسَّخ وتتَحلَّل عند مَوتٍ الجسد، إذْ بمجرَّد أن يُفارق جَسدٌ حَيوانيٌّ الحياةَ، فإنَّ الجهازَ العَصبيَّ يَتوقَّف عن إرسالِ إشاراتِه وتعليماتِه إلى باقي الجسد، فيكون هذا إيذانًا بأنَّ العَدَّ التَّنازليَّ لعمليَّة الهدم قد بَدأ .. وبموازاةٍ مع هذه العَمليَّة القهريَّة الذَّاتية خِلقةً وجِبلَّةً، فإنَّ الإنزيمات الخلويَّة والخمائر .. تَشرع بدورِها في تذْويبِ الخلايا .. ، فتجعلها تنفجِر في النِّهاية لتُلقيَ كلَّ ما بداخلها مِن سوائلَ .. » (٢).

стр. 1440

المَطلب الثَّالث دفع دعاوي المعارضات الفكريَّةِ المعاصرةِ عن حديث: «لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللَّحم» هذا الحديث أحدُ الأخبار النَّبويَّة الصَّحيحة الَّتي عجِلَ في رفضِها بعضُ المُحْدَثين، فجعلوا الطَّعنَ فيه باستنكارِ معنى متنِه سبيلًا لتهشيمِ المنهجِ النَّقدي عند المحدِّثين، حيث تضمَّن بزعمهم خَبرًا يكذِّبه العقل والقرآن أوضحَ تكذيب، إذْ اللَّحم لا بدَّ له أن يَفْسُدَ ويتَحلَّل، هذا ممَّا تدركه العقولُ والحوَّاس بداهةً، وإلَّا كانت قد امتلأت الأرض بجِيَف الحيواناتِ، فأحالوا بذا أن يصدر مثلُ هذا الحديث عن الصَّادق المَصدوقِ ﷺ . نعم؛ لا نَستريبُ في أنَّ هذا الخبر لو كان بالمعنى الَّذي فهمه المعترضونَ، لكان خبرًا غلطًا ظاهرَ البطلان، وما اختلف عليه عاقلان؛ لكن نُكتة الكلام الَّتي تغافل عنها العَجَلة: أنَّ أذكياء الدُّنيا في وقتِهم من علماء المسلمين قد صحَّحوا الحديثَ وقبلوه، ولم يرَوا فيه ما يُستنكر! فهل يُعقل أن يكون كلُّ أولائك المُحدِّثين والفقهاء -وعلى رأسِهم الشَّيخان- قد صَحَّحوا هذا الحديث، مع ظهور بطلانِه لبدائه العقول كما يَدَّعيه المُبطلون؟! هل بلَغَ السُّخف بعقولِ أئمَّةِ السُّنة هذا المبلغَ الَّذي لا يدركون به ما يَروُونه، ثمَّ هم يتَّفقون عليه جميعُهم مِن عهد الرِّوايةِ إلى الآن؟!

стр. 1441

حاشاهم؛ فهم سادات العُقلاء، وما كان لراوي الخبرِ أبي هريرة ﵁ أن يُشهِدَ العقلاءَ على كذبِه أو غفلتِه -وحاشاه مِنهما- بأن يُخبرَ النَّاس بحديثٍ لا يَتردَّد عقلاءهم في تكذيبِه! والخبر مَرويٌّ عنه في صحيفةِ همَّام بن منبِّه التَّابعي الجليل، الَّذي دَوَّن ما سمعه عن أبي هريرة ﵁ في صحيفتِه المُلقَّبةِ بـ «الصَّحيفة الصَّحيحة»، لشِدَّة إتقانِها عند العلماء، فهذه الكتابةُ عنه تُبعد أيَّ احتمالٍ لوقوعِ الغلطِ بالنِّسيان، وتُخرس دعوى مَن يُشكِّك في الرِّوايات بعدمِ تدوينِها. ثمَّ هو قد رواه مع همَّام غيرُ واحدٍ مِن جِلَّة التَّابعين الثِّقات (١)، مِمَّا يُحيل عن مَجموعِهم مَظِنَّة الخطأ بالمرَّة (٢).

стр. 1442

وأقول بعيدًا عن لوازم العاطفة تُجاه الأعلامِ من أمَّتِنا، مع عِلمي بضرورتها الدِّينيَّة: إنَّ العقلَ يُوجِب الآن تنزيهَ هؤلاء عن مثلِ هذا الغَلطِ المُدَّعى عليهم، هذا العقل نفسُه الَّذي يَتذرَّع به مَن يُورد تلك المعارضة العقليَّة على تصحيحِ المحدِّثين للحديث؛ إذْ لا يمكن «بمُقتضى العقل» أن يكون المقصود بالحديثِ: أنَّ اللَّحم لم يَكُن يفسُد بتاتًا قبل موسى ﵇ وقومه؛ كلَّا! «فكلُّ عاقلٍ يُدرك أنَّ الصُّخورَ وهي صخور تَتفتَّت، والحديد عل صلابتِه يَتجزَّأ ويَصدأ، والأجساد بلحمِها وعظمِها تَبلى بعد الموت، مُحالٌ أن يخفى بَدَهيٌّ مثل هذا على صحابيٍّ جليل، ولا على التَّابعين فمَن بعدهم، ولا على البخاريِّ ومسلم، ولا غيرهما ممَّن قَبِل الحديثَ وصحَّحه؛ مع كونِ متنه بهذا المعنى الَّذي يكذِّبه النَّظر هذا التَّكذيب الظَّاهر» (١). فسأُورد هنا أقوالَ أهلِ العلمِ في المُراد بالحديث، على ما يجعله مُوافقًا للعقل غير مُصادمٍ للبدهيَّات، مُنبِّهًا المُعترضين على سوءِ فهمِهِم لعربيَّة هذا النَّص، أدَّاهم إليه عَجلةُ الطَّبع -أو حبُّ الظُّهور! - إلى أن ينسبوا إلى المُحدِّثين تصحيحَ ما لا يقبله عقلٌ حصيف؛ هذا هو البغي باسمِ العلم، وترك التعقُّل في الأحكامِ باسم العقل! فمِمَّا قاله العلماء في تفسيرِ الحديث: القول الأوَّل: أنَّه لولا عِلمُ الله تعالى بما يَقع مِن بني آدم مِن المنع والشُّح، وبخاصَّة منهم بنو إسرائيل: لمَا جَعلَ اللَّحم يفسد، ولتنعَّمَ النَّاسُ به بلا فسادٍ، لكنَّه تعالى لمَّا سبق في علمِه أنَّ الشُّح سيجعل الأغنياءَ يَدَّخرون اللُّحومَ، بُخلًا بها على الفقراء: ابتدَرَهم الله تعالى بالمنعِ مِن ذلك بأن سَنَّ قانونَ الإنتانِ فيها مع الزَّمن (٢).

стр. 1443

وأصحاب هذا القول يَستأنسون في هذا بما رواه وهب بن منبِّه قال: وجدتُ في بعضِ الكتبِ عن الله تعالى: «لولا أنِّي كتبتُ الفناءَ على الميِّت، لحبَسَه أهلُه في بيوتِهم، ولولا أنِّي كتبتُ الفسادَ على الطَّعام، لخزَّنَته الأغنياء عن الفقراء» (١). ولستُ أنكِرُ ما في هذا التَّأويل مِن نوعِ تَكلُّفٍ! ويُغني عنه ما سيأتي ذكرُه من القولين الآخَرين: القول الثَّاني: أنَّ الله تعالى عندما أنزلَ على بني إسرائيل المَنَّ والسَّلوى، وكان قد تكفَّلَ لهم بما يَكفيهم منهما، خافوا انقطاعَ ما هُم فيه مِن نَعيمٍ، وأساءوا الظَّن بالمُنعِمِ عليهم! ففكَّروا في الادِّخار، وصاروا يكنِزون لحومَ السَّلوى (٢)، حتَّى ابتلاهم الله تعالى بفسادِها فسادًا سريعًا خارجًا عن المألوفِ والمُعتادِ عند غيرهم (٣). يقول البيضاويُّ: «قيل: لم يكن اللَّحم يخنز، حتَّى مُنع بنو إسرائيل عن ادِّخاره، فلم ينتهوا عنه، فأسْرَعَ الخَنزُ إلى ما ادَّخروا عقوبةً لهم» (٤). فعلى هذا ليس المُراد من الحديث أنَّ اللَّحم لم يكن يفسُد ولا يتحلَّل قبل بني إسرائيل البتَّة، ولكن المعنى: أنَّ اللَّحم لم يكن يفسُد على النَّاس قبل بني إسرائيل فسادَه لهم خاصَّة، كما لم يكن يفسد على مَن قَدَّده وادَّخَره مِن الأُمَم الَّتي لم تُنْهَ عن الادِّخار كما نُهيَت بنو إسرائيل. فتغيُّر اللَّحم على ذلك النَّحو الَّذي لم يألفوه مِن سُرعتِه وخبثِ رائحتِه، كان عقوبةً لهم، شَمَل أثرُها مَن بعدهم.

стр. 1444

وفي تقرير هذا المعنى، يقول ابن الملِك الحَنفيُّ (ت ٨٥٤ هـ): «إنَّه تعالى كان قد نهاهم في التِّيه -وقد أنزل عليهم المَنَّ والسَّلوى- أن يأخذوا فوقَ كفايتَهم، فخالفوا حِرصًا منها، فتَغيَّرت رائحة اللَّحم بسببِه، فإنَّهم ادَّخروا السَّلوى حتَّى أنتنَ لحمُه؛ فخَنْزُ اللَّحم شيءٌ عوقبت به بنو إسرائيل لسوءِ صَنيعهم فيه، وهو الادِّخار النَّاشئ مِن عدم الثِّقة بالله» (١). فالمُستفاد من الحديثِ في ما جَرى لبني إسرائيل بالعقوبة على هذا المعنى: أنَّ الفسادَ والإنتانَ أسرعَا إلى اللُّحومِ إسراعًا لم يكن مَألوفًا عندهم قبلُ -كما سبق تقريره-، مع ما ينبعث عن ذلك مِن روائح نتِنَةٍ وتَدويدٍ لم يَعهدوه. فصَحَّ بهذا الاعتبار المَشروح أن يُقال عقلًا: «لولا بنو إسرائيل لو يخنز اللَّحم» (٢). فهذا المعنى للحديثِ قَمِنٌ أن يكون مُراد النَّبي ﷺ -والله أعلم-، فالله تعالى قادر على خلق أسباب ذلك في زمنٍ ما، فيُسرِّع بها عمليَّة التَّحلُّل الطَّبيعيَّة للُّحومِ، على وتيرةٍ لم تكن عليها قبل ذلك، وكذا على خَلْقِ جراثيم جديدةٍ تزيد مِن شدَّة الفسادِ ونشوءِ تعفُّناتٍ وخبثِ غازاتٍ في عمليَّة التَّحلُّل لم توجد قبل ذلك؛ لا مانع مِن هذا كلِّه مِن جِهة العقل، ولا العلمُ الحديث يُحيله، ولا الحِسُّ قادرٌ على نَفيِه، كونه أمرًا قد مَضى ليس في حيِّز المُشاهدة. مِثلُ هذا -من جِهة الوقوعِ- كأيِّ مرضٍ جديدٍ نَشأ في مكانٍ مُعيَّن في زمنٍ غابر قديمٍ، ثمَّ ما لبِث أن انتشَرَ في النَّاسِ على اختلافِ أمكنتهم وأزمانهم، حتَّى اعتادَ النَّاس عليه، وتناسوا بعد قرونٍ مَنشأه الأوَّل وسَبَبه.

стр. 1445

والمقصود مِن هذا: بيان الفرقِ بين تحلُّل الأبدانِ وبين نَتَنِها؛ فإنَّ تَحلُّلها شيء -وهو حقيقة قديمةٍ بقدمِ الحيوانِ كما قد قرَّرناه- ونتَنُها وتَعفُّنها على الوجهِ الَّذي شرحناه شيءٌ آخر،؛ فلرُبَّما كان يَفنى الحيوانُ ويتَحلَّل مع الوقتِ الطَّويلِ، دون ما يلزم على ذلك عندنا مِن العَفن والإنتانِ في أوَّلِه؛ هذا مِن الأمورِ الغيبيَّة الَّتي لا يُقطع فيها بشيءٍ، ولا علماء البيولوجيا قادرون على جَلْبِ دليلٍ علميٍّ تاريخيٍّ عليه، اللَّهم إلَّا القول باطِّراد النَّواميس الخلقيَّة في القِدم! وليس هذا بلازمٍ. وكنَّا قدَّمنا القول بأنَّ التَّعفُّن ليس واجبًا مِن جِهة العقل، ووقوعه حِسًّا لا يلزم منه أزليَّتُه، والخالق سبحانه قادرٌ على تغيِير سُنَّة خَلقيَّة، أو منعِ جريانِها على بعض مخلوقاتِه، كتحريمِه أكلَ الأرضِ لأجسادِ الأنبياء ﵈. لتعلمَ بهذا أنَّ دعوى (عمراني حنشي) أنَّ تَلَف اللَّحم بالتَّعفُّن والإنتانِ سُنَّة كونيَّة قديمة: قولٌ لا طائل من وراءه، وتهويلٌ للقارئ بحشدِ مُصطلحاتٍ علميَّةٍ، لا تُجدي مع لبيبِ الفهم! لكن الأدهى مِن هذا كلِّه: افتراءُه على همَّام بن منبِّه تهمةَ الكذب! وأنَّه الَّذي اخترعَ هذا الخَبر! سبحانك هذا بُهتانٌ عظيم؛ لم يسبقه إليه أحَدٌ مِن علماء الأمَّة! فحسبُنا الله. والقول الثَّالث في معنى الحديث: أنَّ بني إسرائيل كانوا لشُحِّهم وحرصِهم يدَّخرون الأطعمة، حتَّى ما لا يصحُّ ادِّخاره كاللَّحم! فكانوا أوَّل مَن أشاعَ هذه السُّنة السَّيئة على خلاف عادة النَّاس، فصار ادِّخارُهم هذا سببًا في إشاعةِ هذا الشحُّ، حتَّى فضَّلوا ادِّخارَ الأطعمة شجعًا ولو فسدت بعد زمنٍ على أن ينفقوها في وجوه الخير. يقول البيضاويُّ: «المعنى: لولا أنَّ بني إسرائيل سنُّوا ادِّخار اللَّحم حتَّى خَنز، لمَا ادُّخر فلم يخنز» (١).

стр. 1446

فلأجل أنَّهم اشتهروا بهذا الشُحِّ في ادِّخار الأطعمة، كانت العربُ تُسميهم «الخُنَّاز»! (١). فصحَّ بذا أن يُقال عنهم: إنَّه لولاهم لما فَسَد اللَّحم والطَّعام، بمعنى: أنَّه لولا إشاعتهم هذه الطريقةَ الجشِعةَ في الادِّخار، لمَا شاعَ فسادُها بسببِه، فإنَّ هذا الفعلَ لم يكن معروفًا في النَّاس قبلهم، فـ «الحديث شبيهٌ بأن نقول: لولا الفِرنج لمَا طارَ العراقيُّون والحجازيُّون والمصريُّون بالطيَّارات، ولما تخاطبوا وبينهم المسافات الَّتي تهلك فيها الأشواط والأصوات. ولا تلازم في هذا بين الأوَّل والثَّاني إلَّا اختراع الأوَّل ما تمكَّن به الثَّاني أن يفعل، وهو تلازم عاديٌّ لا عقليٌّ، وكذلك لا تلازم بين بني إسرائيل وإخناز اللَّحم، إلَّا اختراعهم ما به تمكَّن اللَّحم مِن أن يخنَز، وهو ادِّخاره» (٢). وعلى هذا؛ تكون الأوَّلية في الحديث أوَّليةَ إشاعةٍ لسُنَّةِ الادِّخار، المُفضي إلى الإفسادِ، لا أوَّليَّةَ فسادِ اللَّحم نفسِه مِن حيث هو لحمٌ كما ظنَّه المُعترض. والَّذي يعضُد هذا التَّفسير للحديث ويجعله مَقبولًا: قضيَّةٌ لغويَّة مهمَّة، حين غَفل عن تحريرِها الطَّاعنون العَجَلَة، سَقطوا في سَوْءةٍ منهجيَّة: ذلك أنَّهم فهموا لفظَ (الخَنز) على عمومِه الدَّارج في بعض كُتب اللُّغة، ولم يتحقَّقوا معناه الخاصِّ الَّذي يُميِّزه عن مجرَّد معنى الإنتانِ والفساد. فإنَّ معنى لفظ «خَنَز» على وجهِ التَّدقيق: ما فَسَد بسببِ الادِّخارِ والخَزنِ خاصَّة، وليس مُطلق فسادِ الطَّعام! فإنَّ أصلَه مِن الفعل اللَّازم غير المُتعدِّي «خَزَن» بتقديم الزَّاي، وبتأخيرها «خَنَز»، وهما بمعنًى واحد، وهو من القلب المعروفِ في اللُّغة (٣).

стр. 1447

يؤيِّد هذا قول طَرَفة (ت ٦٠ ق. هـ) (١) في «ديوانه» (٢): ثمَّ لا يخزنُ فينا لحمُها *** إنَّما يخزَنُ لحمُ المُدَّخر ويقرِّر هذا المعنى الرَّاغب الأصبهانيُّ في قوله: «الخَزْنُ في اللَّحم أصله الادَّخار، فكُنِّي به عن نَتَنِه» (٣). وكذا الزَّمخشري في قوله: «خَنز: هو قلب خَزَن: إذا أرْوَح وتغيَّر، وهو مِن الخَزن بمعنى الادِّخار، لأنَّه سبب تغيُّره» (٤). فإذا كان لفظ «الخنز» بمعنى: الإنتانِ النَّاتجِ عن الادِّخار بخاصَّة، فإنَّ وروده في الحديث أشبه بالنَّص على صحَّة القولِ السَّابق لأهل العلمِ، وهو: سَبْقُ بني إسرائيل إلى تحزينِ اللُّحومِ وادِّخارِها حتَّى فسدت. فلا وجه البتَّة بعد هذا الاعتبار اللُّغويِّ لِمن أنكر الحديثَ على المُحدثِّين. وبأيِّ الأقوالِ الثَّلاثة أخذنا سلِم لنا الحديث مِن مُشاغباتِ المُحدَثين، وإن كان الأخيران أقواها، فالحمد لله ربِّ العالمين.

стр. 1448

الفصل السابع نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة للأحاديث المُتعلِّقة بالمرأة

стр. 1449

المَبحث الأوَّل نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث خلق المرأةِ من ضِلع

стр. 1450

المَطلب الأوَّل سَوْقُ حديث خلقِ المرأةِ من ضِلع عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «استوصوا بالنِّساء، فإنَّ المرأة خُلقت مِن ضِلع، وإنَّ أعوج شيءٍ في الضِّلع أعلاه، فإن ذهبتَ تُقيمه كَسرتَه، وإن تركتَه لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنِّساء» متَّفق عليه (١).

стр. 1451

المَطلب الثَّاني سَوق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ لحديث خلق المرأةِ مِن ضلع المعارضة الأولى: أنَّ الحديث «مِن مَحضِ الخيالِ والدَّسِّ الإسرائيليِّ» (١)، مَأخوذ مِن العهدِ القديم ما نصُّه: « .. وبَنى الرَّب الإله مِن الضِّلع الَّتي أخذَها مِن آدم امرأةً، وأحضرها إلى آدم، فقال آدم: هذه الآن عَظمٌ مِن عظامي، ولحمٌ مِن لحمي» (٢). وهذا ما أورثَ عند المُعترضِ يقينًا بأنَّ الحديث عقيدة يهوديَّة، تدلُّ على «أنَّ قاصَّ الحديث إمَّا يهوديٌّ، أو متأثِّر بالتُّراث اليَهوديِّ» (٣). المعارضة الثَّانية: في الحديث تَنقُّص ظاهرٌ للمرأةِ، واحتقار لمكانتها الاجتماعيَّة، فهو يُصوِّرها مجرَّدَ تابعٍ للرَّجل مُتفرِّع عنه، وأنَّها لجِبلَّتها المُعوَجَّة مَيئوسٌ مِن استقامتِها (٤). يقول (الأدهميُّ): «إنَّ العِوَج والاعوجاج لا تُحمل إلَّا دلالاتٍ هي غاية في السَّلبِية، وأنَّه ليس فيها ما يُوحي بأيِّ مَعانٍ إيجابيَّة .. إنَّ جعلَ المرأة موضوعًا

стр. 1452

للاستمتاعِ بها تحقيرٌ لها، وكأنَّها ليست شريكًا فيه، وكأنَّها أداة مُسخَّرة للرَّجل» (١).

стр. 1453

المَطلب الثَّالث دفعُ المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرة عن حديثِ خلق المرأةِ مِن ضَلعٍ تمهيد: لعلَّك بعد أن قرأتَ تلك الشُّبهاتِ المُصلطةِ على هذا الحديث، قد وقع في نفسك أنَّ هذا الرَّشقَ لحديثنا بحجارةِ المُعارضاتِ ليس مجرَّد استنكارٍ بَريءٍ لمِا أفاده مِن أصلِ خِلقةِ حوَّاء ومادّتها! بل مَرامِي حربِهم تلك على الحديث وأضرابِه أبعدُ مِن ذلك بكثير. إنَّه سَعيٌ لقطعِ جهيزةِ كلِّ نصٍّ شَرعيٍّ يُشتَمُّ منه تَبعيَّة المرأةِ للرَّجل، وتكليفه بالقيامِ على شؤونِها، في عصرٍ تحرَّرت فيه المرأة الرُّوميَّةُ مِن كلِّ حَقٍّ وواجب! وصَارت في وطنِها كالحَمَلِ السَّائب، مُنفلِتةً مِن كلِّ ما يُعكِّرُ حُرِّيَتها، مُعترضةً على كلِّ مَيْزٍ لها عن الرَّجلِ؛ فلو قدرت أن تُكلِّفه بالحَملِ في بطنِه والإرضاعِ مِن ثَديِه، لفَعلت! بدعوى لزوم المُساواة بين الجنسين. إنَّ الَّذي يجعلُ بعضَ مَن يَستميتُ في إنكارِ تخلُّقِ أُمِّنا مِن زوجِها آدم ﵇، أزعمُ أنْ ليس ذلك منه بالضَّرورةِ عن دافعٍ عِلميٍّ مَنهجيٍّ مُتجرِّد، بل أكثره عن عاملٍ نَفسيٍّ بَحْت، بخلفيَّةٍ فكريَّةٍ سابقة، وتحت ضغطٍ ثقافيٍّ غربيٍّ رهيب. إنَّها ثقافةٌ مُستوردة شَرِسة، تَقتنِص عقلَ المسلم للتنكُّرِ لسُنَّةِ نبيِّه؛ ونَزعةٌ نِسويَّة ناعمة، تجثم على صدرِ كلِّ مَن خفَّ دينُه وعقلُه، تُرهِبه بكلِّ ألقابِ

стр. 1454

الرَّجعيَّةِ والتَّخلُّفِ والظَّلاميَّة، إنْ هو أبى الانصياعَ لإغواءِها، وتَشبَّث بوحيٍ إلهيٍّ يُخالف تَصوُّراتها للحياةِ، ويُناقضُ نظرتَها لوظيفةِ كِلا الجِنسين على وجهِ البَسيطة. حتَّى صِرْنا نَرى لوائحَ هذه الحملةِ باديةً بلا مُواربةٍ، على ألسُنِ مَن يُزعَم فيهم النَّفحَ عن الدِّين، كحالِ (عدنان إبراهيم)! ذاك المُتحذلقُ الَّذي رأيتُه في إحدى خُطَبِه المرئيَّة السَّيارة جاهرًا بالإنكارِ صُراحًا على حديث النَّبي ﷺ بجُرأةٍ قلَّ مثيلُها، لا تُعهَد إلَّا مِن أساطينِ الحَداثة، يقول فيها: «كونُ المرأةِ خُلِقَت استقلالًا مِن طين، ابتدأ الله خلقها مِن طينِ الأرض كما ابتدأ آدم: هذا يكرِّس ويدعمُ نموذجًا في التَّفكير سيكون له ما بعده، سيختلف ضمن هذا الإطار تناول سائر قضايا المرأة عمَّا لو تناولناها من مَنظورٍ إطاريٍّ مختلف، يمكن أن نسميَّه نموذجَ أو إطار الاستتباع، فيه المرأة كذَيلٍ أو مُلحق بالرَّجل، لأنَّها مخلوقة من جزءٍ منه، من ضلعٍ من أضلاع الرَّجل». وبعد؛ فهذا أوان الشُّروع في نَسفِ هذه الشُّبهات عن هذا الخَبَرِ النَّبويِّ الصَّحيح، أقول فيه مستعينًا بالله: قد أجمعَ المسلمون قاطبةً على كونِ آدم ﵇ مَخلوقًا مِن سلالةٍ من طينِ الأرض، بمستندِ ما أخبرَ الخالق به في آياتٍ مِن مُحكمِ تنزيلِه. وأمَّا زوجُه حوَّاء، ففي طبيعةِ المادَّة الَّتي خُلِقت منها قولانِ لأهلِ العِلم: القول الأوَّل: أنَّها مَخلوقةٌ مِن أحدِ أضلاعِ آدم ﵇، وهذا مَذهب جماهيرِ المفسِّرين مِن السَّلف (١)، تراها فيما تُنوقِل عنهم مِن أقوالٍ عند تفسيرِهم لقولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]. منها: ما رَواه السُّدي في «تفسيره» (٢) عن ابن عبَّاس وابن مسعود ﵃، وأناسٍ آخرينَ مِن أصحابِ النَّبي ﷺ قالوا: «أُخرِج إبليس مِن الجنَّة ولُعِن،

стр. 1455

وأُسكِن آدم ﵇ حين قال له: ﴿اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، فكان يَمشي فيها وَحشِيًّا ليس له زوج يسكُن إليها، فنامَ نومةً فاستيقظ، وإذا عند رأسِه امرأةٌ قاعدة خلَقَها الله مِن ضلِعِه .. »، إلى آخر حديثِهم. وعن ابن عبَّاس ﵁ في قولِه تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ قال: خُلِقت المرأة مِن الرَّجل، فجُعِل نَهمُتها في الرِّجال، وخُلِق الرَّجل مِن الأرض، فجُعِل نهمتُه في الأرض» (١). وعنه قال: «حوَّاء مِن قُصَيْرَى (٢) آدم وهو نائم»، وعن: «حوَّاء خُلقت مِن آدم، مِن ضلع مِن أضلاعه»، ورُوي نحوه عن مجاهد (٣)، وقتادة (٤)، والضَّحاك، ومقاتل بن حيَّان، ورواه السُدِّي عن أشياخِه (٥). فهذا التَّفسير مِن هؤلاءِ الأعلامِ لا أعلَمُ لهم فيه مخالفًا مِن طَبقتِهم -فيما أحسبُ- حتَّى جَعَله ابن جَريرٍ قولَ أهلِ التَّأويل (٦)؛ فكان الفرضُ أن يُصار إليه، وحَسمُ مادةِ الخلافِ به. وكان مِمَّا احتجَّ به هؤلاء على تخلُّقِ حوَّاء مِن آدم تفسيرًا للآيةِ: حديثُنا هذا: «إنَّ المرأة خُلِقت مِن ضِلع»، حيث أنَّ ظاهرَه مُرشدٌ إلى مَعنى خَلقِها مِن الضِّلع الحقيقيِّ، وإخراجِها منه عند أصلِ الخِلقة، واحتملَ هذا المعنى عامَّةُ شُرَّاحِ الحديثِ (٧). القول الثَّاني: أنَّ حوَّاءَ خُلِقت مِن ترابٍ كما خُلِق آدم منه، ولم تُخلَق مِن ضلعِ ذاتِه؛ ولم يَرَوا هؤلاء أدلَّةَ القولِ الأوَّلِ صَريحةً فيما ذَهبوا إليه، وأنَّ المُرادَ

стр. 1456

عند أربابِ هذا القولِ مِن قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: أي مِن جِنسِها، نَظير قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً﴾ [النحل: ٧٢]، وقولِه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: ٢١]. ولذا قال (محمَّد عبدُه): «إنَّ المعنى هناك على أنَّه خَلق أزواجًا مِن جِنسنا، ولا يصِحُّ أن يُراد أنَّه خَلق كلَّ زوجةٍ مِن بَدنِ زوجِها!» (١). وكان الفخر الرَّازي (ت ٦٠٦ هـ) قد عَزى هذا القول إلى اختيارِ أبي مسلمٍ الأصفهاني المُعتزِليِّ (٢)! وزادَ (عدنان إبراهيم) دعمًا لهذا الاختيارِ الاعتزاليِّ بعضَ الأدلَّةِ القرآنيَّةِ، حسِبها أقربَ للقطعِ بنَفْيِ خلقِ حَوَّاء مِن آدم، وأَدْعى لتصحيحِ هذا القولِ دون قولِ جماهيرِ المُفسِّرين. مِن ذلك: استشهادُه بقولِه تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] على كونِ حوَّاء مخلوقةً مِن طينٍ كشأنِ آدم، بدعواه: دخولِها في النَّوعِ الإنسانيِّ الَّذي أفاده عمومُ اللَّفظِ في الآية، فتراه يقول: « .. حتمًا أنَّ الإنسان هنا -على ما جَرَت به عادةُ النَّظم الكريم، والذِّكر الحكيم- تَشملُ وتَضمُّ النَّوعين جميعًا، أي: بَدَأ خلقَ آدم وخلقَ حوَّاء من طين، .. هذا ما تُعطيه ظاهرُ هذه الآية، الَّتي تُوشك أن تكون نَصًّا في الموضوع» (٣)! وقد أبى (عدنانُ) إلَّا الشُّذوذَ كعادته عن علماءِ الأمَّة في تفسيرِهم لآية النِّساء: ﴿الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، حيث قال هو: «ستقولون: إنَّ ما في الآية: ﴿مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ هو آدم قطعًا وليست حوَّاء، وأنَّ ﴿زَوْجَهَا﴾ هي حوَّاء، وأنَّا سأصدِمُكم الآن! وسأصدم -تقريبًا- كلَّ المفسِّرين!

стр. 1457

لأقول: الَّذي استروِحُ إليه، وأستكينُ إليه: أنَّ النَّفسَ الواحدةَ هي حوَّاء! والزَّوج هو آدم! فلَم يَبْقَ مُتعلَّق لأحدٍ بهذه الآية، حتَّى يقول: نُصَحِّح حديثَ: «خُلِقَت مِن ضلع آدم» .. تعلمون لماذا؟ لسَببَين اثنين: قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، هل الزَّوج فيها الذَّكرُ أم الأنثى؟! .. لِنَعُد إلى القرآن، فخيرُ ما يُفسَّر به القرآن هو القرآن، ولنقرأ في سورةِ الأعراف: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]؛ فالزَّوجُ هنا واضحٌ أنَّه الذَّكَر، وآية الأعراف هي آية النِّساء ذاتُها! ليس هناك فرقٌ بينهما، ولا نعرف كيف غَفَل المفسِّرون عن التقاطِ هذه الإشارةِ القرآنيَّة! .. فقطعًا النَّفسُ الواحدةُ في الأولى هي المُؤنَّث: وهي حوَّاء، والزَّوج المُذكَّر: وهو آدم .. إذن؛ الأرجحُ في آيةِ النِّساءِ أن يُرادَ بالنَّفسِ الواحدةِ: حوَّاء، والزَّوج: هو آدم، فهل آدم خُلِق مِن حوَّاء وهو جزءٌ منها؟! غير صحيح طبعًا .. إنَّما ﴿مِّن﴾ بيانيَّة، أي: خُلِق مَن جنسِها ونوعِها زوجًا لها .. ». اهـ فهذا مجمل أدلَّةِ القولين في أصلِ خِلقةِ حوَّاء، وعليهما انْبَنى مَوقف أصحابِها من معنى حديثِ البابِ، فحيث أنَّ الحديث يحتمل لفظُه المعنيَّين السَّالفين جميعًا (١)، حقيقةً ومَجازًا: رَجَّح الفريقُ الأوَّل: القولَ بالحقيقةِ، استنادًا إلى أنَّ في الكلامِ الأصل الحقيقة، مع اعتضادِهم بظاهرِ آية النِّساء، وما سُقناه من بعضِ الآثارِ السَّلفيَّة المُصرِّحة بذلك. ورجَّح الفريق الثَّاني: المجازَ في الحديث على الحقيقة، إذ لم يجدوا دليلًا صريحًا في تَعيِّين مادةِ حوَّاء، فبقي الأصلُ عندهم في خِلقتِها أنَّها مِن نفسِ مادَّةِ زوجِها آدم؛ ثمَّ إنَّهم رأوا الحديثَ لم يَنسِبْ الضِّلع لآدم! وعليه خَرَّجوه مخرجَ

стр. 1458

الاستعارة، ومُؤدَّاه عندهم: أنَّ النِّساء خُلِقن مِن شيءٍ كالضِّلع في اعوجاجِه، أي خُلِقن خلقًا فيه اعوجاجٌ وشذوذٌ تُخالف به الرَّجل، فهي مَطبوعة على العِوَج معه، وجعلوا نظيرَ هذه الاستعارة في قولِ الله تعالى: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] (١)؛ فيكون الحديث على ذلك قد حُذِف منه المُشبَّه ووجهُ الشَّبه والأداة جميعًا، واستُعِير لفظُ المُشبَّه به للمُشبَّه على سبيلِ الاستعارةِ التَّصريحيَّةِ الأصليَّةِ (٢). والَّذي أكدَّ عندهم هذا المعنى مَجيءُ «الحديثِ بصيغةِ التَّشبيه في روايةٍ (٣) عن أبي هريرة بلفظ: «إنَّ المرأةَ كالضِّلع (٤) .. » (٥). وبعد؛ فالَّذي أَراه أقربَ للحقِّ في هذه المسألةِ: مَذهبُ جمهورِ العلماءِ مِن أهل التَّفسير والحديثِ أربابِ القولِ الأوَّل، لمِا ذكرتُ مِن أدلَّتِهم على ذلك آنفًا، أُعَزِّز رسوخَها في المُراد بدفعِ مُعارضاتِ القول الثَّاني، فأقول: أمَّا آية النِّساء: فهي وإن لم تُصرِّح بخلقِ حوَّاء مِن نفسِ آدم -هكذا باللَّفظ كما هي دعوى المُعترِض- إلَّا أنَّ الظَّاهر المَفهوم منها ابتداءُ خلقِ حوَّاء مِن نفسِ آدم (٦)، وأنَّه أصلها الَّذي اختُرعِت وأُنشئِت منه، وهذا أمرٌ لا مَدفَع له. يقول عبد الرَّحمن النَّتيفي (ت ١٣٨٥ هـ) (٧): «الأصلُ في النَّفسِ أن تُطلَق

стр. 1459

على روحِ الشَّخص، أو على روحِه وجَسدِه، أو على الشَّخص، فإطلاقُها على الجنسِ والماهيَّة لا قرينةَ عليه في الآية؛ وإذا دارَ الأمرُ بين الحذفِ وعَدمِه، فالأصلُ عَدمُ الحذفِ، ولا ضرورةَ تُلجِئ إلى الحذفِ هنا، ومِن أبعدِ البعيدِ أنْ يذكُر الله تعالى هذه الآيةَ ثلاثَ مرَّات، ولا يذكُر فيها ذلك المَحذوف الَّذي لا يتِمُّ المعنى إلَّا به» (١). فلأنَّه هو الظَّاهر مِن الآية، قال به أمثالُ ابن عبَّاس، ومجاهد، والسُّدي، وقتادة، وغيرهم مِن أعلمِ النَّاسِ بمعاني الوَحي، ولا أحسب المُعترضَ يَخالُ نفسَه بإزاِء هؤلاءِ شيئًا! وأمَّا ما يَدَّعيه أربابُ القولِ الثَّاني في تفسيرِ الآيةِ هو في حقيقتِه مُجرَّد احتمال، و «الأصل الظَّاهر لا يُترَك للاحتمالِ» (٢). وفوق هذا نقول: إنَّه لا بُدِّ مِن التَّشبُّثِ بهذا الظَّاهر مِن الآية «كيْ يصِحَّ قولُه تعالى: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، إذ لو كانت حوَّاء مُستقلَّة في خلقِها عن نفسِ آدم، لكان النَّاسُ مَخلوقِين مِن نَفْسَين، لا مِن نفسٍ واحدةٍ!» (٣). وهذا إلزام واضح؛ وبه تَعلَمُ إفراطَ (رشيد رضا) في دَعواه أنَّه لولا التَّوراة والآثار الواردة في خلقِ حوَّاء مِن آدم، لم يكُن ليخطر على بالِ قارئِ القرآنِ هذا المعنى مِن آية النِّساء (٤)! ولا مَجال لأمثالِ (عدنان إبراهيم) أنْ يزعمَ بأنَّ آية النِّساءِ مِن قَبِيلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً﴾ [النحل: ٧٢] ونحوِها مِن الآيات، لكي يتوسَّل بذلك إلى أنَّ المُرادَ بآيةِ النِّساءِ: الجنسَ والنَّوعَ، أي كما الحالُ في هذه الآيات.

стр. 1460

فهذا قِياسٌ منه فاسدٌ مِن عِدَّة أوجُه: أوَّلها: أنَّ ظاهرَ كلِّ نَصٍّ بحسبِه، فلا يَلزم مِن اتِّفاقِ نصَّينِ في العبارةِ أو بعض الألفاظِ، أن يتَّفِقا في ظاهرِ المَعنى المُرادِ. وشاهدُنا على ذلك: الآية نفسُها الَّتي استدلَّ بها المُعترض مِن سورة الرُّوم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾، فهي «لا تُنافي الآيات الدَّالة على خلقِ حوَّاء مِن آدم؛ لأنَّه لا يَتَوَهَّم أحدٌ أنَّ خلْق أزواجِنا مِن أضلاعنا! ولا خلق أزواج نبيِّنا من ذلك؛ بل واضحٌ أنَّ الأنفس هنا مُطلقة بإزاء الأجناس، والقرينة: عَدمُ صِحَّة الحقيقة» (١). فلا يصحُّ إذن أن يُقال في الآية: ظاهرُها أنَّ زوجاتِنا خُلِقْنَ مِن ذَواتِنا مَعاشرَ الرِّجال؛ فليس الظَّاهر منها ذلك أصلًا! لأنَّ الظَّاهرَ مِن كلِّ نَصٍّ ما تَبادر إلى فهم المُخاطَب، ورُكنُ ذلك مُراعاةُ سِياق الكلام، والقرائن، واستحضار باقي النُّصوص. بل الظَّاهر الحَقُّ منها أن يُقال: إنَّ الله خلقَ لكم نسائَكَم «مِن شكلِ أنفسِكم وجِنسِها، لا مِن جنسٍ آخرَ، وذلك لما بَين الاثنين مِن جنسٍ واحدٍ من الإلفِ والسُّكون، وما بين الجنسين المختلفين مِن التَّنافر» (٢). فهذا الَّذي نزعمُ أنَّه المُتوافق مع سياقِ الآية المقرِّرة لمعنى الامتنانِ على الزَّوجين بالمَودَّة والرَّحمة. فإذا تحقَّقنا هذا الأصل؛ فإنَّ الآيتين اللَّتين استشهد بهما المُعترض قد افترقتا مِن الأساسِ عن آيةِ النِّساءِ في اللَّفظِ نفسِه! فإنَّهما وَرَدتا بالفعلِ (جَعَل)، بخلافِ آية سورةِ النِّساء حيث وَرَدت بالفعلِ (خَلَق). وبين الفِعلَينِ فَرقٌ لِمن تَدبَّر! وهذا الاختلافُ في اللَّفظ مَقصودٌ للمُتكلِّم به سبحانه، بل هو مِن إعجازِ القرآن في بلاغتِه! وذلك لأنَّ آية النِّساء لمَّا كانت في

стр. 1461

خلقِ حوَّاء مِن آدم، ناسَبَ التَّعبير عنه بقوله: (خلق)؛ بينما آيَتا الأعراف والنَّحل: حين لم يُرَد بهما حقيقةُ الخلقِ مِن نفسِ آدم، عُبِّر عن ذلك بلفظِ (جعل)، لأنَّ الجعل لا يَلزم منه الخلق! فكلُّ خلقٍ جعل، وليس كلُّ جعلٍ خلْقًا، فبينهما عموم وخصوص. وفي تقرير هذا المعنى الفارقِ الدَّقيق بين اللَّفظين، يقول بدر الدِّين الزَّركشي (ت ٧٩٤ هـ): «الخَلق يكون عن عدمٍ سابقٍ، حيث لا يَتقدَّمه مادَّة ولا سبب مَحسوس، والجَعل يَتوقَّف على موجودٍ مُغاير للمَجعول، يكون منه المَجعول أو عنه، كالمادَّة والسَّبب، ولا يرِد في القرآن العظيم لفظ (جعل) في الأكثرِ مُرادًا به الخلق إلَّا حيث يكون قبله ما يكون عنه أو منه، أو شيئًا فيه مَحسوسًا، عنه يكون ذلك المخلوق الثَّاني، بخلاف (خلق)، فإنَّ العبارةَ تَقع كثيرًا به عمَّا لم يَتقدَّم وجودُه وجودٌ مُغاير يكون عنه هذا الثَّاني» (١). وحاصل القولِ: أنَّ مثل هذا التَّنوُّع في اللَّفظِ القرآنيِّ وتَباينِ سياقاتِ الآياتِ، ممَّا يدلِّل على أحقيَّةِ القولِ الأوَّلِ بالصَّواب، ومَن قال بأنَّ المَعنى خَلْقُها مِن جِنسِها ونوعِها لم يَأتِ بطائلٍ به، لأنَّ ذلك -كما يقرِّره ابنُ عاشور (٢) - لا يختصُّ بنوعِ الإنسانِ، فإنَّ أنثى كلِّ نوعٍ هي مِن نوعِه أيضًا (٣)!

стр. 1462

ثمَّ ظَهَرت لي إشارةٌ قرآنيَّةٌ أخرى، تفيد ما قرَّرْناه في مَعنى آية النِّساء أنَّها في خلقِ حوَّاء من نفسِ آدم: وهي الَّتي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]. فالله يُوجِّه الخطابَ فيها للنَّصارى قائلًا: إنْ كان عَجَبُكم مِن خلقِ عيسى ﵇ مِن غير ذَكَرٍ قد ساقَكَم إلى القولِ بألوهيَّتِه وبُنوَّتِه لنا، فقد علِمتُم أنَّ خلقَ آدم ﵇ أعجبُ مِن خلقِ عيسى ﵇، فإنَّه خُلِق مِن ترابٍ مِن غير ذكرٍ ولا أنثى! يحتجُّ عليهم بأنَّ المسيحَ هو مثل آدم عبدٌ وليس بإله. الشَّاهد عندي من هذا: أنَّ إفرادَ ذِكرِ آدم بهذه الخِلقة التُّرابيَّة العَجيبِة، دون قَرْنِ حوَّاء به فيها: دَالٌّ على اختصاصِ آدم بها دون حوَّاء وسائرِ الخلقِ! إذْ لا معنًى لإهمالِ ذكرِ حوَّاء في هذا المِثالِ الحِجاجيِّ لو امتازَت بنفسِ الحالةِ الخِلقيَّة الَّتي امتازَ بها زوجُها آدم مِن هذا الوصفِ الَّذي حاجَّ به الله تعالى النَّصارى، والله تعالى أعلم. ومُحصَّل القول في هذه المسألة: أنَّ لفظَ الزَّوجِ في آيةِ النِّساء: أُريد به الأنثى الأُولى الَّتي تنَاسل منها البَشر، وهي حوَّاء، وأُطلِق عليها اسمُ الزَّوج: لأنَّ الرَّجل يكون مُنفِردًا، فإذا اتَّخذَ امرأةً فقد صارا زوجًا في بيتٍ، فكلُّ واحدٍ منهما زَوجٌ للآخر (١). وأمَّا دعوى (عدنان إبراهيم) أنَّ لفظَ الزَّوج في آيةِ النِّساءِ عائدٌ إلى آدم، اعتمادًا منه على فهمِه الشَّاذ لآية الأعراف: هو فيها مخالفٌ للإجماع! فلا حاجة إلى تَكلُّفِ ردِّه. ثمَّ الصَّحيح أنَّ ﴿مِن﴾ في قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا﴾: تَبعيضيَّةٌ تفيد الابتداء، ومعنى التَّبعيض فيها: أنَّه سبحانه أخرجَ خلقَ حوَّاء مِن جزءٍ من آدم. وقد جاءت أقوال السَّلف في تحديدِ هذا الجزء في الضِّلع، فساغَ بهذا حملُ حديثِ: «خُلقت مِن ضلع» على حقيقتِه ولا حَرج.

стр. 1463

هذا الحملِ على الحقيقةِ، لا يَمنع منه ما جاءت به رواية أخرى للحديثِ بلفظ التَّشبيه: «إنَّ المرأة كالضِّلع .. »، لأنَّ قولنا أنَّ النَّبي ﷺ أخبرَ بخلقِ حوَّاء مِن ضلع آدم حقيقةً، لا يَعني نَفْيَنا للمقصِد الَّذي سِيقَ لأجله الحديث، وهو: اشتراكُ جملةِ النِّساءِ في صِفةِ الأصل الَّذي خُلِقن منه، وهي صفةِ الاعوجاج في الضِّلع. يقول ابن حجر: «المعنى أنَّ النِّساء خُلِقْنَ مِن أصلِ خَلقٍ مِن شيءٍ مُعوجٍّ، وهذا لا يخالِف الحديثَ الماضي مِن تشبيهِ المرأة بالضِّلع، بل يُستفاد مِن هذا نكتةُ التَّشبيه، وأنَّها عوجاء مثله، لكونِ أصلِها منه» (١). فما علينا بعدَ كلِّ ما سُقناه مِن دلائلَ على رجحانِ هذا الفهم للآيات والحديثِ النَّبويِّ، أن يأتي في مثلِ سِفْر التَّكوين خَبرٌ يوافق هذا التَّقرير الشَّرعيَّ! فقد عرَّفنا القارئَ الكريم قبلُ أنَّ ما جاءَ في صُحُف أهلِ الكتابِ مِمَّا يوافق نصوصَ دينِنا، هو ممَّا يعضُد هذه، ويَشهد لتلك بسلامةِ أصلِها مِن التَّحريف، فلا يَلزم أن يكون ما عندنا مِن أخبارٍ شرعيَّةٍ مُستَلًّا مِن تلك الصُّحف بدعوى التَّطابق، مادُمنا نقول بأنَّ مَصدر الوَحيِ الصَّحيح فيهما واحد (٢). فهذا مجمل الردِّ على دعوى المعترضِ في شُبهته الأولى. وأمَّا دعواه في شبهته الثَّانية تَنقُّصَ الحديثِ للمرأةِ واحتقارها بوصفِها بالاعوجاجِ، وأنَّها مجرَّد تابِعٍ للرَّجل؛ فيُقال في تفنيدِها: قد قدَّمنا الإشارةَ في ما سَلَف إلى أنَّ الحديثَ يُبِين عن وجهِ الشَّبَهِ بين المرأةِ والضِّلع الَّذي خُلِقت منه، وهو صِفة الاعوجاجِ، الَّذي هو في الضِّلع خَلْقًا، وفي المرأةِ خُلُقًا، والمَقصود بالاعوجاجِ في الحديثِ خاصٌّ بسلوكِ المرأةِ

стр. 1464

مع الزَّوجِ فقط، مُؤدَّاه عدمُ استقامتِها على ما يُريدُه دائمًا، للتَّبايُن الفِطريِّ الحاصلِ في العقول والعواطفِ بين الجِنسَيْن، لا أنَّها مُعوَجَّة في أخلاقِها وفهمِها مُطلقًا. والدَّليل على هذا التَّخصيصِ قوله ﷺ في آخرِ الخبرِ في رواية مسلم: « .. فإنْ استمتعتَ بها، استمتعتَ بها وبها عِوج، وإن ذهبتَ تُقيمها كَسَرتها، وكَسرُها طلاقُها» (١). ولا يخفى أنَّ الاستمتاع هنا هو ما يكون بين الزَّوجين، كما أنَّ الطَّلاق لا يكون إلَّا مِن الزَّوج لزوجتِه، وهو المقصود مِن كسرِ الضِّلع إذا أُريدَ إقامتُه. وقوله ﷺ : «وإنَّ أعوجَ شيءٍ في الضِّلع أعلاه»: تأكيدٌ لمعنى الكسرِ هذا، لأنَّ الإقامة أمرُها أظهرُ في الجهةِ العُليا، ويحتمِل أن يكون هذا ضَرْبُ مَثلٍ لأعلى المرأة، وهو الرَّأس! فبِهذا الرَّأس وما يحوِيه يحصُل الأذى للرَّجل؛ فضَرَبَ النَّبي ﷺ بكسرِها مَثَلًا على طَلاقِها، أي: إنَّكَ إن أرَدْتَ منها أن تترُكَ اعوجاجَها معك، أفضى الأمرُ إلى فِراقِها (٢). والحديث محتملٌ لأن يكون التَّشبيه فيه للنِّساء بالضِّلع لقاسمٍ آخرَ بينهما غير صفةِ الاعوجاج، وهو ما استنبطه ابن هُبيرة (ت ٥٦٠ هـ) بشفوفِ نَظره، عبَّر عنه في جميلِ كلماتٍ منه بقولِه: «قوله: «أعوج ما في الضِّلع أعلاه»، يعني به ﷺ فيما أُراه: أنَّ حُنوَّها الَّذي يَبدو منها، إنمَّا هو عن عِوَج خَلقٍ فيها، وهو أعلا ما فيها مِن حيث الرِّفعة على ذلك، فإنَّ أعلا ما فيها الحُنوُّ، وذلك الحنوُّ فيه عِوَج» (٣). فرحم الله الوزيرَ ابن هُبيرة، ما أرقَّ عبارَته! ولقد تأمَّلتُ كلامَه طويلًا، فوجدتُ قوَله مُتجلِّيًا في ذاكَ الحُنوِّ مِنها، ومَيَلانها بانحناءِها على أولادِها ومَن تُحِبُّ، رِعايةً لهم وشَفقةً وتَودُّدًا، انحناءٌ

стр. 1465

منها أشبه بشكلِ الضِّلع حقًّا، ناشئ عن فَرطِ عاطفةٍ جَبَلهَا الله عليه، ليُكمِل بها نقصًا في البيتِ لا تُسَدُّ ثُلمَته إلَّا بها. «أفليسَ في خلقِها مِن أحناءِ صدر الرَّجلِ تَعْيِينٌ لوظيفتها وتوجيه لرسالتها؟! بلى والله؛ إنَّ حُنوَّها على الزَّوجِ والوَلد، كحُنوِّ الضُّلوعِ على القلبِ والكَبد، والأسرة الَّتي تَشبُل (١) عليها المرأة، هي العضو الرَّئيسُ في جسمِ الأُمَّة، كما أنَّ الأجزاء الَّتي تَشبُل عليها الضُّلوع، هي الأعضاء الرَّئيسة في جسمِ الإنسان» (٢). ولكم طربتُ لكلامِ مُتولِّي الشَّعراوي (ت ١٤١٨ هـ) وهو ينفض غُبارَ التُّهمةِ عن هذا الحديث بسَلاسةِ عِبارة يقول فيها: «هذا الَوصف مِن رسول الله ﷺ ليس سُبَّة في حقِّ النِّساء، ولا إنقاصًا من شأنهنَّ؛ لأنَّ هذا الاعوجاج في طبيعة المرأة هو المُتمِّم لمهمَّتِها. لذلك نجد أنَّ حنانَ المرأةِ أغلب مِن استواء عقلِها، ومُهمَّة المرأة تَقتضي هذه الطَّبيعة، أمَّا الرَّجل: فعقلُه أغلب، ليناسِبَ مهمَّته في الحياة، حيث يُنَاط به العمل وترتيب الأمور فيما وُلِّي عليه» (٣). وبهذا نَتحَقَّق: أنَّ هذا العِوج في النِّساءِ أمرٌ طبيعيٌّ ناشئٌ عن عاطفتِهنَّ الجيَّاشة، عاطفةٍ قد تغلب على تصرُّفاتهنَّ في البيت، فينزَعِج لها عقلُ الزَّوجِ وطبعُه، لأجلها حَضَّ النَّبي ﷺ الأزواجَ على مُراعاةِ ذلك بمُداراتهنَّ، اِستمالةً للنُّفوس، وتألُّفًا للقلوب، فأوصى بـ «الرِّفق بهنَّ، وألَّا يُتَقصَّى عليهِنَّ في أخلاقِهنَّ، وانحرافِ طَباعِهن» (٤) عمَّا يريدُه الزَّوج، «فلا يَنبغي له أن يحمِلها على عقلِه، فيُكلِّفها مُقتضياتِ كلِّ رأيِه؛ .. فيكون في ذلك كالرَّاحِمِ لها، ويَبْنِي أمرَها على المُسامحة» (٥).

стр. 1466

وفي هذه الوصيَّة النَّبوية الجليلةِ المُضمَّنة في هذا الحديث: لَفْتٌ منه ﷺ لانتباهِ الرَّجلِ، إلى «أنَّ حُسنَ الخُلقِ مع المرأةِ: ليس كَفُّ الأذى عنها، بل احتمالُ الأَذى منها!» (١) فمَن رَامَ تقويمَهُنَّ على ما شاء، فاتَه النَّفعَ بهنَّ، وهو لا غِنى له عن امرأةٍ يَسكُن إليها، ويَستعين بها على مَعاشِه، فكأنَّه ﷺ يقول له: الاستمتاع بعيشِك معها، لا يتمُّ إلَّا بالصَّبر عليها. هذا ما يفهمَه كلُّ لَبيبٍ ساقَ الله ناصيتَه إلى الهُدى مِن هذا الحديثِ، وعلى هذا الفهمِ الحصيفِ ترجمَ المُحدِّثون الحديثَ في مُصنَّفاتهم، فأدرجوه في بابِ «الوصاةِ أو الوَصيَّة بالنِّساء» (٢)، وفي باب «مُداراة النِّساء» (٣)، وفي بابِ «حَقِّ المرأةِ على الرَّجل» (٤)، وفي باب «حُسنِ المُعاشرةِ بين الزَّوجين» (٥). فأين ما يتكلَّم عنه المُعترضون مِن احتقارِ النِّساءِ وازدراءهنَّ في الحديث؟!

стр. 1467

المَبحث الثَّاني نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث: «إذا دَعا الرَّجلُ اِمرَأتَه إلى فراشِه»

стр. 1468

المَطلب الأوَّل سَوْق حديث: «إذا دَعا الرَّجلُ اِمرَأتَه إلى فراشِه» عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دعا الرَّجل امرأتَه إلى فراشِه، فأبَت، فباتَ غضبانَ عليها، لعَنتها الملائكة حتَّى تُصبح» متَّفق عليه (١). وفي رواية لمسلم: «والَّذي نفسي بيده، ما مِن رجلٍ يدعو امرأتَه إلى فراشِها، فتأبى عليه، إلَّا كان الَّذي في السَّماء ساخطًا عليها، حتَّى يرضى عنها» أخرجه مسلم (٢).

стр. 1469

المَطلب الثَّاني سَوق المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ لحديثِ: «إذا دَعا الرَّجل امرَأته إلى فراشِه» مُحصَّل ما أُورِد على الحديثِ، معارضةٌ واحدةٌ أساسُها: دَعوى تَحيُّز الحديثِ للرَّجلِ دون المرأة، تُصَوَّر فيه مَتاعًا لقضاءِ شهوتِه متى ما شاء، دون أن يَحقَّ لها الاعتراض، وهو ما لا يجِب على الزَّوج أن يُؤدِّيه لها، ولا يَلحَقه ما يَلحقها مِن إثمٍ واردٍ في الحديث. وفي تقريرِ هذا الاعتراض على الحديث، يقول (نضال عبد القادر): «لقد تَحوَّلت المرأة في الفكرِ الدِّيني إلى مَتاعٍ وُجِد لخدمةِ الرَّجل، وإشباعِ شهواتِه ورَغباتِه الدُّنيويَّةِ والجنسيَّة، ولم يَعُد يُنظر إليها على أنَّها نفس إنسانيَّة، كما لم يعُد يحسِب حسابًا لإحساسِها، ولا لحاجاتِها ورغباتِها، وعلى الزَّوجة تلبيةُ رَغباتِ الزَّوجِ الجنسيَّة في أيِّ وقتٍ وفي جميع الأحوال» (١). ويقول (ابن قرناس): «هذه الأحاديث تُصوِّر الرَّجلَ وكأنَّه سَيِّد مَعبود، لا يجوز للمرأة أن تمتنع إذا ما رَغِب في جماعِها، ولو كانت في وضعٍ نفسيٍّ أو بَدنيٍّ لا تَستسيغ معه الجماع، أمَّا هو فله أن يَمتنع عن الجماعِ متى شاء، وللمُدَّة الَّتي يشاء» (٢).

стр. 1470

المَطلب الثَّالث دفعُ المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ عن حديث: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه» حملُ هذه النُّصوصِ على إطلاقِها ليس مُرادًا للشَّارع قطعًا، وإهمالُ المُقيِّدات الواردةِ في غيرها مِن النُّصوص وقواعد الشَّريعة، لَمِن أفدحِ الخَطايا المنهجيَّة الَّتي يقع فيها مُنكِرو السُّنَن؛ هي نفسُ الخطيئة الَّتي أَوْدَت بأربابِ المَقالاتِ البِدعيَّة الأولى في مُستنقَعِ الانحرافِ عن الدِّين، كحالِ الخوارج مع نصوصِ الوَعيد، وحال القَدريَّة والجبريَّة مع نصوصِ القَدر. فمَن تأمَّل هذا الحديث المُستشكلَ على وِفق مَقاصدِ الشَّرعِ، أيقنَ أنَّ قائلَه ﷺ لم يُرِد نَفيَ حقٍّ للمرأةِ في بُضعِ زوجِها، ولا إثباتَ حَقٍّ مُطلقٍ للزَّوجِ في إتيانِها مِن غيرِ اعتبارٍ لحالِ صاحبتِه! أين في الحديث أنَّ الزَّوجَ يَقضي وَطَرَه في زوجِه مَتى شاء ولو كانت عَيِيَّةً مريضةً؟ أو كانت كئيبةً حَزنًا يبلُغ بها دَرجةَ المَرض -مثلًا-؟ أو كانت مَشغولةً بأداءِ واجبٍ يَضيق به الوقت؟! ونحو ذلك مِن الأعذار. ليس في الحديث هذا؛ إنَّما يلحَقُ المرأةَ الوعيدُ فيه إذا ما تَمنَّعت عن زوجِها مِن غير عُذرٍ يُبيح ذلك، ممَّا يَؤُول إلى إضرارِه، وعلى هذا عَقَّبَ ابن حَجرٍ

стр. 1471

على قولِ البخاريِّ في تبويبِه لهذا الحديث فقال: «باب: إذا باتَت المرأة مهاجرةً فراش زوجِها»، فقال ابن حَجر: «أي بغيرِ سَببٍ لم يَجُزْ لها ذلك» (١). ولَإِنْ كان الحديثُ مُعْرِبًا عن عِظَم حَقِّ الزَّوجِ على زوجتِه -وهو لا شكَّ أصلٌ شَرعيٌّ عظيم لتقويمِ العَلاقةِ الزوجيَّة- فإنَّ المُستحِقَّ لهذا الحقِّ: إنَّما هو الزَّوجُ القائمُ بحقِّ زوجتِه، لا النَّاشز عنها المُفرِّط في حَقِّها؛ كمَن يمنعُها -مثلًا- مِن النَّفَقة، أو يُسِيء عِشْرتَها ويُؤذِيها، فهذا لها الحقُّ في الاقتصاصِ منه! بألَّا تُعطيه حَقَّه كاملًا، فتمنَعه مثلَ ما مَنَعها مِن حقِّها جزاءً وِفاقًا. أصلُ هذا في قولِ الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]. وفي تقرير هذا التَّفصيلِ، يقول الحسين المُظهِريُّ (ت ٧٢٧ هـ) في معرضِ شرحِه لهذا الحديث: «هذا إنَّما يكون إذا لم يَكُن غَضَبُ الزَّوجة بسَببِ ظُلمِ الزَّوجِ عليها، فأمَّا إذا كان الجُرم للزَّوجِ، بأن يُؤذيها ويَظلم عليها: فلم يَكُن على الزَّوجةِ بأسٌ بأن تَغضب على زوجِها» (٢). ثمَّ يُقال بعدُ زيادةً في تبيانِ المُراد الحقيقيِّ من الحديث: إنَّ المرأة إن كانت آثِمةً بِالنُّشوزِ عن فراشِ زوجِها، والتَّأبِّي عن قضاءِ حاجتِه، فإنَّ الزَّوجَ آثِمٌ في المُقابل إنْ هو فرَّطَ في حاجةِ زوجتِه أيضًا مِن غير بأسٍ يلحَقُ به أو مَشغلةٍ أو عدم طاقة، إذا كان يَلحقُ المرأةَ مَضرَّةٌ من ذلك، فقد جاء في الحديث: «وإنَّ لأهلِك عليك حَقًّا» (٣). وضابِطُ هذا الأمرِ راجعٌ إلى العُرفِ، داخلٌ في عمومِ قولِ الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩].

стр. 1472

فأمَّا تَغليظ الشَّرع لِوِزرِ الهاجرةِ لفراش الزَّوجيَّة على وِزر الهاجِر مِن الزَّوجين، وورودِ التَّرهيب في النَّص في حقِّ الزَّوجة دون الزَّوج، والَّذي بسببِه تَطرَّقت الشُّبهة إلى ذهنِ المُعترض ابتداءً، فأدَّاه إلى إنكارِه، فجوابُه: بأنْ يعلمَ أنَّ الرَّجل في هذا الأمرِ ليس كالمرأة؛ إذ كان أضعف تَحمُّلًا لدواعي الشَّهوة مِنها، وأرغبُ في المُواقعةِ مِن حيث الجملةِ، حتَّى أنَّه يَستحِلُّ طَرائقَ كان يَستقبحُ إتيانَ مثلِها لمجرَّدِ أن يَقضي إرَبَه! وهذا مُشاهَد غير مَنكورٍ مِن حالِ الرِّجال، في زَمَنٍ رَخُصَت فيه الأعراضُ، وابتُذِلَت فيه العَوْرات، وانتشرَت فيه الشَّهوات، وأُشهِر لها في الطُّرقات، وتَوَغَّلَت رَغمًا في البُيوتَات! يقول المُهلَّب بن أبي صُفرة (ت ٤٣٥ هـ): «إنَّ صبرَ الرَّجلِ على تركِ الجماعِ أضعفُ مِن صبرِ المرأة، وأقوى التَّشويشاتِ على الرَّجلِ داعيةُ النِّكاح، ولذلك حَضَّ الشَّارع النِّساءَ على مساعدةِ الرِّجال في ذلك» (١). وصَدق الله تعالى، إذْ رغَّبَ عبادَه في الزَّواج، وحذَّرَهم مِن مُواقعة الفاحشة، فقال ختامَ ذلك: ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً﴾ [النساء: ٢٨]. يقول طاووس بن كيسان في تفسيرها: «أي ضعيفًا في أمرِ الجِماع»، وفي روايةٍ عنه: «في أمورِ النِّساء، ليس يكون الإنسان في شيءٍ أضعفَ منه في النِّساء»! (٢) وأقرَّه الطَّبري على هذا المَعنى، ونَسَبَه إلى أهلِ العلمِ بالقرآنِ، فقال: «يَسَّرَ ذلك عليكم إذا كنتم غير مُستطِيعِي الطَّولِ للحرائر، لأنَّكم خُلِقتم ضعفاءَ عجَزَة عن تركِ جماعِ النِّساء، قَليلي الصَّبرِ عنه، فأَذِن لكم في نكاحِ فتَياتِكم المؤمناتِ عند خوفِكم العَنَت على أنفسِكم، ولم تجدوا طَولًا لحُرَّة، لئلَّا تزْنُوا، لقلَّةِ صبرِكم على تركِ جماع النِّساء؛ وبنحوِ الَّذي قُلنا في ذلك قال أهل التَّأويل» (٣).

стр. 1473

فمَن كان بهذه الصِّفة مِن الضَّعفِ عن المُواقعة، وكان النِّساءُ أصبَر منه على ذلك وأرْزَن، كانت المفسدةُ المُترتِّبة على كَبْتِه عن شهوتِه أعظمَ في حقِّه مِن المرأة؛ ومنه تَعلم لِمَ كان الأمرُ الشَّرعي لجنسِه بالتَّعجُّل إلى النِّكاحِ أَشدَّ وآكد مِن جنسِ النِّساء. فـ «يا معشرَ الشَّباب، مَن استطاعَ منكم البَاءَةَ فليتزوَّج» (١)! يقول الوَليُّ الدِّهلوي (ت ١١٧٦ هـ): «لمَّا كانت المصلحةُ المَرعيَّة في النِّكاح: تحصينَ فرجِه، وَجبَ أن تُحقَّق تلك المصلحة، فإنَّ مِن أصولِ الشَّرائع، أنَّها إذا ضُرِبَت مَظنَّةً لشيءٍ، سجل (٢) بما يحقِّق وجودَ المصلحة عند المَظِنَّة، وذلك أن تُؤمَر المرأة بمطاوعتِه إذا أراد منها ذلك، ولولا هذا لم يَتحقَّق تحصينُ فرجِه، فإن أَبَت، فقد سَعَت في ردِّ المصلحة الَّتي أقامها الله في عباده، فتوَجَّه إليها لعنُ الملائكةِ على كلِّ مَن سعى في فسادِها» (٣). فكلُّ هذا إنَّما شُرع لتحقيق مصلحةٍ جليلةٍ في نَظرِ الشَّريعة وهي حفظُ الفروجِ، فإنَّها إن امتَعنَتْ بهوَاها عن حاجةِ زوجِها والحالة هذه، فقد حالَت دون تحقُّقِ تلكم المَصلحة، بل تَسبَّبت في عَنَتِ الزَّوج، وتَسليطِ الوَساوِس عليه، فتؤُزُّه على تصريفِ شهوتِه كيف ما اتَّفق ولو بحرام -عياذًا بالله-؛ والرَّجل في هذا أقدرُ وأَجْرؤُ مِن المرأة؛ فضلًا عمَّا في هذا مِن تضنيكِ المَعايشِ في البيوت، وانفكاكِ ما بينهما من مَواثيقَ غَليظة، ورَواجِ سُوقِ العُهرِ في المُجتمعاتِ، والعِياذ بالله. يقول ابن هبيرة: «إنَّ الرَّجل إذا دعا امرأتَه إلى فراشِه فامتنعت: كانت ظالمةً بمنعها إيَّاه حقَّه، فتكون عاصيةً لله بمنعِ الحقِّ، وبالظُّلم، وبكُفرانِ العَشير،

стр. 1474

وبتكديرِ عَيشِ الصَّاحب، وبسوء الرُّفقة، وبكونها عرَّضَت زوجَها ونفسَها لفتنة؛ فلذلك لعَنَتها الملائكة حتَّى تُصبح، أو حتَّى تَرجع» (١). فلأجلِ هذا كلِّه، كان الوعيد في هذا الباب للنِّساء أشدُّ منه للرِّجال، وأحسَمُ لمادَّتِه، والله أعلم.

стр. 1475

المَبحث الثَّالث نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث: أنَّ النِّساء أكثر أهلِ النَّار وأنَّهنَّ ناقصات عَقْلٍ ودينٍ
следующие страницы →