على قولِ البخاريِّ في تبويبِه لهذا الحديث فقال: «باب: إذا باتَت المرأة مهاجرةً فراش زوجِها»، فقال ابن حَجر: «أي بغيرِ سَببٍ لم يَجُزْ لها ذلك» (١).
ولَإِنْ كان الحديثُ مُعْرِبًا عن عِظَم حَقِّ الزَّوجِ على زوجتِه -وهو لا شكَّ أصلٌ شَرعيٌّ عظيم لتقويمِ العَلاقةِ الزوجيَّة- فإنَّ المُستحِقَّ لهذا الحقِّ: إنَّما هو الزَّوجُ القائمُ بحقِّ زوجتِه، لا النَّاشز عنها المُفرِّط في حَقِّها؛ كمَن يمنعُها -مثلًا- مِن النَّفَقة، أو يُسِيء عِشْرتَها ويُؤذِيها، فهذا لها الحقُّ في الاقتصاصِ منه! بألَّا تُعطيه حَقَّه كاملًا، فتمنَعه مثلَ ما مَنَعها مِن حقِّها جزاءً وِفاقًا.
أصلُ هذا في قولِ الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦].
وفي تقرير هذا التَّفصيلِ، يقول الحسين المُظهِريُّ (ت ٧٢٧ هـ) في معرضِ شرحِه لهذا الحديث: «هذا إنَّما يكون إذا لم يَكُن غَضَبُ الزَّوجة بسَببِ ظُلمِ الزَّوجِ عليها، فأمَّا إذا كان الجُرم للزَّوجِ، بأن يُؤذيها ويَظلم عليها: فلم يَكُن على الزَّوجةِ بأسٌ بأن تَغضب على زوجِها» (٢).
ثمَّ يُقال بعدُ زيادةً في تبيانِ المُراد الحقيقيِّ من الحديث:
إنَّ المرأة إن كانت آثِمةً بِالنُّشوزِ عن فراشِ زوجِها، والتَّأبِّي عن قضاءِ حاجتِه، فإنَّ الزَّوجَ آثِمٌ في المُقابل إنْ هو فرَّطَ في حاجةِ زوجتِه أيضًا مِن غير بأسٍ يلحَقُ به أو مَشغلةٍ أو عدم طاقة، إذا كان يَلحقُ المرأةَ مَضرَّةٌ من ذلك، فقد جاء في الحديث: «وإنَّ لأهلِك عليك حَقًّا» (٣).
وضابِطُ هذا الأمرِ راجعٌ إلى العُرفِ، داخلٌ في عمومِ قولِ الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩].
стр. 1472
فأمَّا تَغليظ الشَّرع لِوِزرِ الهاجرةِ لفراش الزَّوجيَّة على وِزر الهاجِر مِن الزَّوجين، وورودِ التَّرهيب في النَّص في حقِّ الزَّوجة دون الزَّوج، والَّذي بسببِه تَطرَّقت الشُّبهة إلى ذهنِ المُعترض ابتداءً، فأدَّاه إلى إنكارِه، فجوابُه:
بأنْ يعلمَ أنَّ الرَّجل في هذا الأمرِ ليس كالمرأة؛ إذ كان أضعف تَحمُّلًا لدواعي الشَّهوة مِنها، وأرغبُ في المُواقعةِ مِن حيث الجملةِ، حتَّى أنَّه يَستحِلُّ طَرائقَ كان يَستقبحُ إتيانَ مثلِها لمجرَّدِ أن يَقضي إرَبَه!
وهذا مُشاهَد غير مَنكورٍ مِن حالِ الرِّجال، في زَمَنٍ رَخُصَت فيه الأعراضُ، وابتُذِلَت فيه العَوْرات، وانتشرَت فيه الشَّهوات، وأُشهِر لها في الطُّرقات، وتَوَغَّلَت رَغمًا في البُيوتَات!
يقول المُهلَّب بن أبي صُفرة (ت ٤٣٥ هـ): «إنَّ صبرَ الرَّجلِ على تركِ الجماعِ أضعفُ مِن صبرِ المرأة، وأقوى التَّشويشاتِ على الرَّجلِ داعيةُ النِّكاح، ولذلك حَضَّ الشَّارع النِّساءَ على مساعدةِ الرِّجال في ذلك» (١).
وصَدق الله تعالى، إذْ رغَّبَ عبادَه في الزَّواج، وحذَّرَهم مِن مُواقعة الفاحشة، فقال ختامَ ذلك: ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً﴾ [النساء: ٢٨].
يقول طاووس بن كيسان في تفسيرها: «أي ضعيفًا في أمرِ الجِماع»، وفي روايةٍ عنه: «في أمورِ النِّساء، ليس يكون الإنسان في شيءٍ أضعفَ منه في النِّساء»! (٢)
وأقرَّه الطَّبري على هذا المَعنى، ونَسَبَه إلى أهلِ العلمِ بالقرآنِ، فقال: «يَسَّرَ ذلك عليكم إذا كنتم غير مُستطِيعِي الطَّولِ للحرائر، لأنَّكم خُلِقتم ضعفاءَ عجَزَة عن تركِ جماعِ النِّساء، قَليلي الصَّبرِ عنه، فأَذِن لكم في نكاحِ فتَياتِكم المؤمناتِ عند خوفِكم العَنَت على أنفسِكم، ولم تجدوا طَولًا لحُرَّة، لئلَّا تزْنُوا، لقلَّةِ صبرِكم على تركِ جماع النِّساء؛ وبنحوِ الَّذي قُلنا في ذلك قال أهل التَّأويل» (٣).
стр. 1473
فمَن كان بهذه الصِّفة مِن الضَّعفِ عن المُواقعة، وكان النِّساءُ أصبَر منه على ذلك وأرْزَن، كانت المفسدةُ المُترتِّبة على كَبْتِه عن شهوتِه أعظمَ في حقِّه مِن المرأة؛ ومنه تَعلم لِمَ كان الأمرُ الشَّرعي لجنسِه بالتَّعجُّل إلى النِّكاحِ أَشدَّ وآكد مِن جنسِ النِّساء.
فـ «يا معشرَ الشَّباب، مَن استطاعَ منكم البَاءَةَ فليتزوَّج» (١)!
يقول الوَليُّ الدِّهلوي (ت ١١٧٦ هـ): «لمَّا كانت المصلحةُ المَرعيَّة في النِّكاح: تحصينَ فرجِه، وَجبَ أن تُحقَّق تلك المصلحة، فإنَّ مِن أصولِ الشَّرائع، أنَّها إذا ضُرِبَت مَظنَّةً لشيءٍ، سجل (٢) بما يحقِّق وجودَ المصلحة عند المَظِنَّة، وذلك أن تُؤمَر المرأة بمطاوعتِه إذا أراد منها ذلك، ولولا هذا لم يَتحقَّق تحصينُ فرجِه، فإن أَبَت، فقد سَعَت في ردِّ المصلحة الَّتي أقامها الله في عباده، فتوَجَّه إليها لعنُ الملائكةِ على كلِّ مَن سعى في فسادِها» (٣).
فكلُّ هذا إنَّما شُرع لتحقيق مصلحةٍ جليلةٍ في نَظرِ الشَّريعة وهي حفظُ الفروجِ، فإنَّها إن امتَعنَتْ بهوَاها عن حاجةِ زوجِها والحالة هذه، فقد حالَت دون تحقُّقِ تلكم المَصلحة، بل تَسبَّبت في عَنَتِ الزَّوج، وتَسليطِ الوَساوِس عليه، فتؤُزُّه على تصريفِ شهوتِه كيف ما اتَّفق ولو بحرام -عياذًا بالله-؛ والرَّجل في هذا أقدرُ وأَجْرؤُ مِن المرأة؛ فضلًا عمَّا في هذا مِن تضنيكِ المَعايشِ في البيوت، وانفكاكِ ما بينهما من مَواثيقَ غَليظة، ورَواجِ سُوقِ العُهرِ في المُجتمعاتِ، والعِياذ بالله.
يقول ابن هبيرة: «إنَّ الرَّجل إذا دعا امرأتَه إلى فراشِه فامتنعت: كانت ظالمةً بمنعها إيَّاه حقَّه، فتكون عاصيةً لله بمنعِ الحقِّ، وبالظُّلم، وبكُفرانِ العَشير،
стр. 1474
وبتكديرِ عَيشِ الصَّاحب، وبسوء الرُّفقة، وبكونها عرَّضَت زوجَها ونفسَها لفتنة؛ فلذلك لعَنَتها الملائكة حتَّى تُصبح، أو حتَّى تَرجع» (١).
فلأجلِ هذا كلِّه، كان الوعيد في هذا الباب للنِّساء أشدُّ منه للرِّجال، وأحسَمُ لمادَّتِه، والله أعلم.
المَطلب الأوَّل
سَوق حديث أنَّ النِّساء أكثر أهلِ النَّار
وأنَّهنَّ ناقصات عَقْلٍ ودينٍ
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطرٍ إلى المُصلَّى، فمَرَّ على النِّساء، فقال: «يا معشر النِّساء تَصَدَّقن، فإنِّي أُرِيتُكنَّ أكثرَ أهلِ النَّار» فقُلن: وبِمَ يا رسول الله؟ قال: «تُكثِرْنَ اللَّعن، وتَكفُرن العَشير، ما رأيتُ مِن ناقصاتِ عقلٍ ودينٍ أذهبَ للُبِّ الرَّجل الحازم مِن إحداكن!»، قُلن: وما نقصانُ دينِنا وعقلِنا يا رسول الله؟ قال: «أليسَ شهادةُ المرأةِ مثل نصفِ شهادةِ الرَّجل؟» قُلن: بلى، قال: «فذلك مِن نقصان عقلِها، أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم؟» قلن: بلى، قال: «فذلك مِن نقصانِ دينِها» مَّتفق عليه (١).
وفي رواية مسلم: «أمَّا نقصان العقلِ: فشهادةُ امرأتين تعدل شهادةَ رجلٍ، فهذا نقصان العقل، وتمكثُ اللَّيالي ما تصلِّي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدِّين».
стр. 1477
المَطلب الثَّاني
سَوق دعاوي المعارضات الفكريَّة المعاصرة
لحديث ناقصات عقلٍ ودين
أُورد على هذا الحديث جملةٌ من الاعتراضات، نجملها في التَّالي:
الاعتراض الأوَّل: أنَّ في كون النِّساء أكثر أهل النَّار: تفضيلًا للرِّجال على جِنسِهنَّ بأخلاقٍ فُطرن عليها في أصلِ الخِلقة حسب الحديث.
وفي تقرير هذه الشُّبهة، يقول سامر إسلامبولي: «المفهوم من هذه النُّصوص هو غياب العنصر الذُّكوري من النَّار إلى الحدِّ الأدنى، أي هم الأقليَّة في النَّار، ووجود الذُّكور في الجنَّة إلى الحدِّ الأعلى، أي هم الأكثريَّة، فالجنَّة للذُّكور، والنَّار للنِّساء .. » (١).
ويقول محمَّد زُهير الأدهمي: «يكفُرن العشير والإحسان! عبارات ذات دلالة على نوعٍ من البشر رخيصٍ عديم الإخلاص والوفاء، وهنَّ مفطورات على ذلك الخُلُق، فالحديث وصفٌ لطبيعتهنَّ، وتقريرٌ في أنَّهن كذلك مُقيمات على ذلك طبعًا وغريزة مغروزةً فيهنَّ، فلماذا يُحاسَبهنَّ على ذلك الحسابَ العسير؟!» (٢).
стр. 1478
الاعتراض الثَّاني: أنَّ وصفَ النِّساء بنقص العقل تحقير لهنَّ، وهو مخالف للآيةِ نفسِها المُستشهد بها على ذاك النَّقص! وذلك في قوله: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، حيث بيَّن الله فيها أنَّ علَّة اعتبارِ شهادة المرأة نصفَ شهادة الرَّجل هو نسيانها، لا نقص عقلِها كما في الحديث.
يقول إسلامبولي: «جعلُ الشَّهادة في الذِّمم الماليَّة لامرأتين عِوضًا عن رجل، ليس ذلك عائدّا لقصور ونقصان عقل المرأة أبدًا، والآية لم تذكر ذلك، بل صرَّحت بالسَّبب إلى أنَّه إذا ضلَّت إحداهما فتُذكِّرها الأخرى .. » (١).
ويقول زُهير الأدهمي: «معنى: تضِلَّ -أي في الآية- تنسى، بالإجماع فيما اطَّلعتُ عليه من مصادر .. والنِّسيان حالة نفسيَّة لا عقليَّة كما هو مشهور عند علماء وأطبَّاء النَّفس، هذه الحالة الَّتي هي نتيجة لتعرُّض المرأة إلى الحيض، فجسم المرأة يفرز هُرموناتٍ قبل فترة الحيض وفي أثنائها تؤدِّي إلى الشُّعور بالتَّوتر والضَّغط النَّفسي، ممَّا يؤدِّي بدوره إلى قلَّة التَّركيز وإمكانيَّة النِّسيان عند المرأة، فالنِّسيان على ذلك عارض، أسبابه نفسيَّة خالصة .. والنَّص القرآني لا يحتوي على أيَّة إشارة إلى أنَّ السَّبب في ذلك قلَّة عقلها .. وحدَّده باحتمال النِّسيان، هذا السَّبب الَّذي لا علاقة له بالعقل على الإطلاق» (٢).
ثمَّ يبني الأدهميُّ على هذه المعارضة المتوهَّمة لمعنى الآية، أنَّ وصفَ الحديث النِّساء بقلَّة العقل امتهانٌ لجنسهنَّ، فإنَّ قلَّة العقل مُنبئة عن حُمق صاحبه!
فيقول: «ما زلت أرى صعوبة كبيرةً في تحديد المدلول لعبارة (نقص العقل)، هل هو الحمق؟ .. » (٣)؛ ثمَّ نقل عبارةً لابن منظورٍ في شرحهِ لفظَ (الحُمق) بأنَّه «قلَّة العقل .. » (٤)، ولفظ (الطَّيش) بأنَّه «خفَّة العقل» (٥)، ليخرُج
стр. 1479
بعدُ مُرتاحَ النَّفسِ بـ «أنَّ وصفَ المرأة في هذا الحديث يكون على أنَّها صاحبة طيشٍ وحُمقٍ .. »!
الاعتراض الثَّالث: أنَّ الدِّين في حقيقته امتثالُ العبدِ الأمرَ واجتنابُه النَّهيَ، فوصفُ النِّساء بنقصِ الدِّين لتركهنَّ ما أُمِرن بتركِه في أصل الشَّرعِ يأباه العدل الإلهيُّ.
يقول صالح أبو بكر: «التَّعليل الوارد في الحديث لنقصان دين المرأة بسبب حيضها تعليلٌ لا يصدر عن النَّبي ﷺ ، لأنَّه خير مَن يعلم ويؤمن بعدالة الله في الخلق، .. إذا كان الحيض والنِّفاس طبيعةً مؤلمةً، كُتب على المرأة أن تعانيها كلَّ شهرٍ وكلَّ ولادة، فكيف يكتب الله عليها ما تتوجَّع منه، ثمَّ يجازيها في النِّهاية بجزاء المُتسبِّب في نقص دينه وعقله؟!» (١).
ويقول الإسلامبولي: «الدِّين هو الإيمان بالله واليوم الآخر والرِّسالة، وهذا حاصل وقائم في نفس المرأة في حالة الحيض والنِّفاس بشكل لازم، فليس عندها شكٌّ في ذلك أو نقصان .. » (٢).
ويقول الأدهميُّ: «إنَّ المرأة عندما تُختصُّ بالرُّخصة في أمر صلاتِها وصيامِها وقتَ الحيض والنِّفاس والرَّضاعة، لا يجوز وصفها بناقصة الدِّين، لأنَّها استعملت الرُّخصة، كما أنَّ الرَّجل المسافر لا يمكن أن يوصف بنقص الدِّين حين يقصر الصَّلاة ويجمع، ولو كان السَّفر من طبيعة شغله، فالله يُحبُّ أن تُأتى رُخصه كما يُحبُّ أن تُؤتى عزائمه، فكيف نَصِف مَن يأتي الرُّخصة بنقص الدِّين؟! .. » (٣).
стр. 1480
المَطلب الثَّالث
دفع دعوى المعارضات الفكريَّة المعاصرة
عن حديث ناقصات عقلٍ ودين
أمَّا دعوى المُعترضَيْن على الحديث تحيُّزَه للرِّجال ضدَّ النِّساء:
فليس في الحديث شيء مِن ذلك، ولا فيه إهانة للنِّساء وتحقير لقيمتهنَّ كما زعموه وأرادوا فهمَه مِن الحديث عنوةً؛ إنَّ الحديث مجرَّد إخبار نبويٍّ صادقٍ عن أمرٍ واقع في المستقبل، أدَّى إليه سببٌ قد بيَّنه المُخبر نفسُه ﷺ في خبرِه، تحذيرًا للمُخاطب مِن أن يشارك في ذاك الواقعِ بإتيانِه لسببِه.
وقد بيَّن ﷺ أنَّ مَن كانت حاله حالَ أهل النَّار، فإنَّ فيه دواء مِن ذلك بالاستغفار وإكثار الصَّدقة بقوله ﷺ لهن: «تصدَّقن وأكثِرن الاستغفار .. ».
فالنَّبي ﷺ -إذن- لا يصدر حكمًا في الخبر على أحدٍ، ولا هو فَضَّل فيه نوعًا على نوع، إنَّما هو حكاية منه لحالٍ واقعٍ أوحاه له الله به، بيَّن سبَبَه، وسبيلَ النَّجاة منه.
يظهر هذا المعنى المُراد من الحديث، بحديثٍ آخر يُساويه في قوَّة السَّند، ويَزيد عليه في تكرُّر سِياقاتِه وتعدُّد رواياته، هذا الحديث قوله ﷺ : «اطَّلَعتُ في الجنَّة فرأيتُ أكثرَ أهلِها الفُقراءَ، واطَّلَعتُ في النار فرأيتُ أكثرَ أهلها النِّساءَ» (١).
стр. 1481
فهذا الحديث، إن كان الشَّطر الأوَّل مِنه لن يَفهم منه كَيِّسٌ تفضيلًا للفقرِ على الغِنى والسَّعة، ولا حَثًّا للأمَّةِ على الافتقار والمَسكنة، فكذا ينبغي -تبعًا- ألَّا يُفهم مِن شطرِه الثَّاني تنقُّصًا مِن جنسِ النِّساء، ولا حَطًّا لقدرهنَّ!
وعليه نقول أنَّ الواقع المُخبر عنه في الحديث: هو كثرة النِّساء على الرِّجال في النَّار يوم القيامة، وليس في الخبرِ ذكرٌ لنسبةِ هذه الكثرة النِّسوية مقارنةً بعدد الرِّجال، ولا فيه الفارق بينهما أكبيرٌ هو أم صغير؛ هذا قد سَكت الحديث عنه.
فدعوى المُعترض «غيابَ العنصرِ الذُّكوري مِن النَّار إلى الحدِّ الأدنى .. ووجود الذُّكور في الجنَّة إلى الحدِّ الأعلى .. فالجنَّة للذُّكور، والنَّار للنِّساء» (١): تخرُّصٌ منه لا دليل عليه، ولا طائل منه إلَّا مجرَّد التَّهويل.
بل على النَّقيضِ منه، قد رجَّح بعض المُحقِّقين من أهل العلم كونَ النِّساء أكثر أهل الجَّنة في المآل أيضًا! بدلالةِ الأحاديث نفسِها الَّتي يَمتعض منها المُخالف؛ فإنَّ لكلِّ رجلٍ مِن أهل الجَّنة زوجتان مِن الإنسيَّات، كما جاءت به روايةٌ عن محمَّد بن سيرين، يُخبر فيها تذاكرَهم ذات يومٍ في الرِّجال: أهم في الجنَّة أكثر أم النِّساء؟ فقال لهم أبو هريرة ﵁: أَوَ لم يقُل أبو القاسم ﷺ : «إنَّ أوَّل زمرةٍ تدخلُ الجنَّةَ على صورةِ القَمر ليلةَ البَدر، والَّتي تَليها على أضوإِ كوكبٍ دُريٍّ في السَّماء، لكلِّ امرئٍ منهم زوجتان اثنتان، يُرى مُخُّ سوقِهما مِن وراءِ اللَّحم، وما في الجنَّة أعزب»؟ (٢)
فظاهرُ احتجاج أبي هريرة ﵁ على أنَّ النِّساء أكثر في الجنَّة: أنَّ الجنَّة إذا خَلَت عن العُزَّاب، وكان لكلِّ واحدٍ زوجتان، كان النِّساء مِثْلَيْ الرِّجال، فدلَّ على أنَّهن فيها أكثر مِن الرِّجال (٣).
стр. 1482
قال القاضي عياض: « .. هذا كلُّه في الآدميَّات، وإلَّا فقد جاء أنَّ للواحدِ مِن أهلِ الجنَّة مِن الحوريَّات العدد الكثير» (١)، وذلك لمِا في «الصَّحيحين» وغيرهما مِن حديثِ عبد الله بن قيس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «في الجنَّة خيمةٌ مِن لؤلؤةٍ مجوَّفة، عرضُها ستُّون ميلًا، في كلِّ زاويةٍ منها أهلٌ ما يَرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن» (٢).
ولا يُعارضه ما في حديث البابِ مِن كونِ النِّساء أكثر أهل النَّار، إذْ لا يلزم مِن أكثريَّتهن في النَّار نفيُ أكثريَّتِهنَّ في الجنَّة كذلك (٣)! بل نخرجُ مِن جملةِ هذه الأحاديث أنَّ أكثرَ بني آدمَ هم النِّساءُ (٤).
وعليه قال ابن تيميَّة: « .. النِّساء أكثر مِن الرِّجال، إذ قد صحَّ أنهنَّ أكثر أهل النَّار، وقد صحَّ لكلِّ رجلٍ مِن أهل الجنَّة زوجتان مِن الإنسيَّات سِوى الحور العين، وذلك لأنَّ مَن في الجنَّة مِن النِّساء أكثر مِن الرِّجال، وكذلك في النِّار، فيكون الخلق منهم أكثر» (٥).
أمَّا ما قد يُشكل على هذا التَّقرير، ممَّا جاء عن عمران بن حصين ﵁ مرفوعًا: « .. مِن أنَّ أقلَّ ساكني الجنة النِّساء» (٦): فيحتملُ أنَّ يكون الرَّاوي رواه بالمعنى الَّذي فهمه مِن أنَّ كونهنَّ أكثرَ ساكني النَّار، يلزم منه أنْ يكُنَّ أقلَّ ساكِني الجنَّة؛ وليس ذلك بلازمٍ لما قدَّمته؛ ويحتمل أن يكون ذلك: في أوَّل الأمر قبل
стр. 1483
خروج العُصاة مِن النَّار بالشَّفاعة، ولذلك أكَّدتُ على أنَّهن أكثر أهل الجنَّة مآلًا على كلِّ حال (١).
نعود إلى حديثنا، فنقول: لقد بيَّن النَّبي ﷺ للنِّساء وجهَ أكثريَّةِ نوعهنَّ في النَّار، حين رَبط ذلك بكثرةِ إتيانِه لمُوجِبَتين مِن مُوجباتِ العذاب، هما اللَّعن وكفران العشيرِ، فهذان وإنْ كانا في الرِّجال أيضًا، لكنَّهما في النِّساء أكثر وأظهر.
وذلك أنَّ ضعيفًا في جسده، محدودًا في سُلطته -مثل النِّساء-، إذا غضِب وأرادَ الانتقام والتَّشفي مِمَّن يراه قد آذاه أو أغضبه، قد لا يملك إلَّا لسانه لتصريف ذلك عليه! فيسوِّل الشَّيطان له حينها تردادَ السَّب له واللَّعنِ، وكثرة اللَّعن مظنَّة لوقوِعه على غير مُستحقِّه، فيرجع إثمه على اللَّاعن.
وكذا يَأُزُّه إلى غمطِ فضل مَن أحسن إليه، وهو قِحة في إنكارِ الجميل، لا يجوز ولو على وجهِ المُغاضبة؛ فهنا ينقلب المظلوم ظالمًا، وأحرى به أن يكون مُستقبحًا بين الزَّوجين خاصَّة، لما في ذلك من عواقب وخيمةٍ على البيتِ وحقوقِ الزَّوجيَّة.
حتَّى عُدَّ هذا الكُفران كبيرةً بذاته، بخلاف اللَّعن الَّذي قُيِّد في الحديث بالكثرة، والصَّغيرة إنَّما تصير كبيرةً بالكثرة (٢).
ثمَّ إنَّا لسنا ندَّعي -مع ذلك- فُشوَّ هذه الأخلاقِ الانفعاليَّة المذمومة في كلِّ النِّساء! حاشَى لله؛ فلسن كُلُّهن ينجرِرْنَ وراء الشَّيطانِ إرضاءً لدواخِلهنَّ ولو بحرام، أو شفاءً لصدروهنَّ بزور الكلام، بل فيهنَّ التَّقيَّات المُوفَّقات، الكابحات لجماحِ أهوائهنَّ في المخاصماتِ والمغاضبات، العالماتِ بوخيمِ حصائدِ الألسنة على أصحابِها في النَّار.
وفي ذلك دلالة واضحة على أنَّ ما ذُكر من المَذامِّ، ليس أمرًا قد فُطِر النِّساء عليه جبرًا، ولا ما يَعقُب ذلك مِن عذابٍ قَدرًا محتومًا على أفرادِهنَّ،
стр. 1484
بحيث لا تستطيع إحداهُنَّ الانفكاك عنها، إذن لمَا كان لتحذيرِ النَّبي ﷺ إيَّاهنَّ إتيانها وأمرِهنَّ بتوقِّي عقابِها أيَّةُ فائدة!
هنا يُعجبني كلامُ سديدٌ (لمحمَّد الغزالي) عن الحديثِ، يوضِّح فيه المقصودَ مِن خطابِ النَّبي ﷺ للمسلماتِ بهذا التَّحذير الشَّديد، ويَردُّ فيه على منَ حَرَّف معناه فيقول: «إنَّ عَرْض الحديث النَّبوي دون فقهٍ صالحٍ لَونٌ مِن تحريف الكلام عن مواضعِه، ومُصَاب الإسلام شديد مِن هذا التَّصرُّف! ..
صدْرُ هذا الحديث يَقِي الأسرةَ الإسلاميَّة شرًّا يَشِيعُ بين النَّاس، جُرثومتُه امرأةٌ تحيَا على خيرِ رَجُلِها، وتُنكِر فَضله وتَجحَد حقَّه؛ قد يُخطئ الرَّجل، وكلُّ بني آدمَ خطَّاءٌ، وينبغي أن تتجاوز المرأة هذا الخطأ العارض، وربمَّا كان الخطأ مِن وِجهة نظرها هي، ولكنها بدَلَ ذلك تَغضبُ غَضبًا طائشًا! وتَنْسَى في ثورتها كلَّ شيء، وتزعُم أنَّها ما رأت خيرًا قطُّ من زوجها، وقد تلعَنُ نفسَها وحظَّها وما حدَث أو ما يَحدث لها.
أليس مِن حقِّ النَّبي ﷺ أن يُحذِّر مِن هذا المسلك، وأن يَذْكُرَ لصاحباتِه أنَّهنَّ إنْ أصرَرْنَ عليه يَكُنَّ مِن أهل النَّار؟! .. » (١).
أمَّا زعم المُعارض في شُبهته الثَّانية من أنَّ وصفَ النَّبي ﷺ للنِّساء في الحديث بنقص العقل تحقير لهنَّ، وأنَّه مخالف لآيةِ سورةِ البقرة، والَّتي ذكرت علَّة النِّسيان فيهنَّ لا نقصان عقلهنَّ ... إلخ.
فمنشأ الشُّبهة عنده غلطه في تصوُّر المُراد من نُقصان العقل، حيث توهَّم أنَّ العقل في الحديث بمعنى «القوَّة الَّتي يُميَّز بها بين حقائقِ المعلومات» (٢)، وعليه ظنَّه يشير إلى حُمقِ النِّساء أو طيشهنَّ!
стр. 1485
فهذا المعنى الَّذي جعله المُرادَ من الحديث، ليس إلَّا معنًى مِن معاني العقل! ليس هو معنى العقل كلِّه (١)، وليس هو المُراد من الحديث حتمًا! إذ بيَّن النَّبي ﷺ نفسُه ماذا أراد مِن معناه فيه، حين جَعل مُقتضاه عدمَ مساواةِ شهادة المرأة لشهادة الرَّجل، من قوله تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢].
فإذا كان المُراد بالضَّلال في الآية: النِّسيان (٢) -إذ استظهار الشَّاهدة بأخرى مؤذِنٌ بقلَّة ضبطها في الأصل- فإنَّ مُراد النَّبي ﷺ بالعقل في الحديث هو ما به يُضبط العلم ويُثبَّت، وهذا معنًى من معاني العقل صحيحٌ، «وهي طريقة مَن اتَّبع حكمَ اللُّغة؛ لأنَّ العلم والعقل في اللِّسان بمعنًى واحد، فلا يفرِّقون بين قولهم عَقَلْتُ وعلمْتُ» (٣).
فإذا كان معنى العقل هنا راجعًا إلى أصلِه في اللُّغة، وهو ضبط المعلومةِ وتثبيتها في الذِّهن: فإنَّ وصفهنَّ في الحديث بنقصِ العقلِ لأجلِ النِّسيان وقلَّة الضَّبط هو على ظاهره؛ لأنَّ ذلك نقصٌ في المعلوم، وضبط المعلومِ وحفظه مِن أظهر مهامِ العقلِ ووظائفه، فإذا كان النَّقص في الصَّفات نقصًا في الموصوف بداهةً، فإنَّ النَّقص في هذه الوظائف العقليَّة نقصٌ في العقل، لكنَّه نقصٌ من جِهة ضعفِ بعضِ الصِّفاتِ، وليس نقصًا مُطلقًا.
يقول ابن تيميَّة: « .. العقل مصدرُ عَقل يعقِل عقلًا: إذا ضَبَط وأمسَكَ ما يعلَمه؛ وضبط المرأةِ وإمساكها لمِا تعلمه أضعفُ مِن ضبطِ الرَّجل وإمساكِه، ومنه سُمِّي العِقال عِقالًا، لأنَّه يُمسك البعيرَ ويجرُّه ويضبِطه، وقد شبَّه النَّبي ﷺ ضبطَ
стр. 1486
القلبِ للعلمِ بضبطِ العِقالِ للبَعير، فقال في الحديث المتَّفق عليه: «استذكروا القرآن، فلَهُو أشدُّ تفصِيًّا (١) مِن صدورِ الرِّجال مِن النَّعَم مِن عُقلِها» (٢).
وقال: «مَثَل القرآن مثل الإبل المُعقلَة، إن تعاهدها صاحبها أمسكَها، وإن أرسلها ذَهبت» (٣).
وفي الحديث الآخر: (أَعقِلُها وأتوكَّل أو أرسلها؟ فقال: بل اعقِلها وتوكَّل) (٤).
فالعقل، والإمساك، والضَّبط، والحفظ، ونحو ذلك، ضدُّ: الإرسال، والإطلاق، والإهمال، والتَّسيِيب، ونحوِ ذلك، وكلاهما يكون بالجسم الظَّاهر للجسم الظَّاهر، ويكون بالقلبِ الباطن للعلم الباطن، فهو ضبط العلمِ وإمساكه، وذلك مستلزم لاتِّباعه، فلهذا صار لفظ العقل يُطلق على العملِ بالعلم، كما قد بسطنا الكلام على مُسمَّى العقل وأنواعه في غير هذا الموضع» (٥).
هذا؛ وإنَّ وَصفَ النِّساء بنُقصانِ العقلِ على الوجه الَّذي شرحناه، إنَّما هو باعتبار الغالب، إذْ «الحكم على الكلِّ بشيءٍ، لا يستلزم الحكم على كلِّ فردٍ مِن أفراده بذلك الشَّيء» (٦).
стр. 1487
لكن لعلَّ المُعترضَ ينكر أنَّ النِّسيانَ يَعرِض للنِّساء أكثرَ مِن الرِّجال! وهذا إن دَلَّت عليه الآية الكريمة في البقرة، فإنَّا ننبِّهُه إلى أنَّ علماء الأعصابِ قد شهدوا أنَّ في ذاكرة المرأة ضَعفًا بالنسبةِ إلى ذاكرة الرَّجل، وأنَّها لا تستحضر الماضي كما يستحضره الرَّجل، هذا في الجملة.
يشهد بهذا البروفيسور (أُوتو فِينْجِر) الطَّبيب النَّمساوي، في كتابه المسمَّى «الجنس والأخلاق»، حيث أثبتَ أنَّ في ذاكرة المرأة ضعفًا مقارنةً بمثيلتها عند الرَّجل، فقال: «إنَّ التَّذكر هو التَّغلب على ما مضى مِن الزَّمن، واستحضاره في الذِّهن، ولا يمكن للمرأة -لأسبابٍ عضويَّة ونفسيَّة- السَّيطرةُ على هذه الموهبة؛ لأنَّ حياتها متقطِّعة، لا تذكر منها إلَّا اليسير؛ بخلاف الرَّجل، فإنه يمكنه تتبُّع سلسة حياته حلقةً فحلقة، ولا يغيب عنه جوهرها في أيِّ وقتٍ مِن الأوقات .. » (١).
بل زاد عليه آخرون بأن قرَّروا ضعفَ القُوَّة العاقلة لدى النِّساء مُقابل الرِّجال؛ والجيِّد في هذا أنَّ أبرز مَن أقرَّ منهم بهذا امرأة طبيبة! تُدعى (إليانور ماكُّوبي Eleanor maccoby)؛ وذلك في بحثٍ لها نشرته عُدَّ مِن أفضلِ ما قُدِّم في مجالِه في سِتِّينات القرن الميلاديِّ الماضي، أثبتت فيه تفوُّق الرِّجال على النِّساء في درجات الذَّكاء والمهارات العقليَّة، لاختلاف التَّركيبة الدِّماغية عند كلٍّ منهما، حتَّى صَرَّحت -بعد تجارب وملاحظات عديدة- بضعفِ الإنتاجِ النِّسوي والابتكار المفيد منهنَّ، أمامَ ما ينتجه الرِّجال في ميادين العلوم والأدب (٢)!
فلست أدري ما يقول المُعارض لهؤلاءِ المُتخصِّصين، وهو يدَّعي أنَّ النِّسيان مجرَّد عارضٍ لحالةٍ نفسيَّةٍ «لا علاقة له بالعقل على الإطلاق» (٣)!
стр. 1488
ماذا يقول مُدَّعو التَّسوية المُطلقة بين الذُّكور والإناثِ في كل شيءٍ، أمام هذه المُقرَّرات العلميَّة الَّتي تعرضها امرأةٌ باحثةٌ؟! إنَّهم يعترفون مُكرَهين بهذه الفروق المَحسوسة، «بيْد أنَّهم يَردُّون وجودَها إلى التَّقاليد الاجتماعيَّة الَّتي تسود العالم؛ ولَعمري إنَّ هذه التَّقاليد مُحِيَت بالحديدِ والنَّار في روسيا وغيرها مِن الدُّوَل الحمراء، ومع ذلك، وبعد نصفِ قرنٍ مِن التَّجربة الهائلة، لا تزال المرأة في وضعها الثَّاني، والرَّجل في المرتبة الأولى!» (١).
نعم؛ يوجد من النِّساء من يفُقن رجالًا عقلًا وضبطًا (٢)، ورجالٌ تحكمهم أحيانًا نساء! غير أنَّ الشُّذوذ لا يخدش القاعدة، بل يؤكِّد أنَّ الأصل كون المرأة دون الرَّجل في التَّفكير الموضوعيِّ والتَّدبير وإدارة المخاطر، وليس هذا عيبًا فيهنَّ مَعاذ الله! بل كمال في جنسهنَّ، فلو كُنَّ كالرِّجال في صلابة عقولهم ومنطقيَّتها ونقص عاطفتهم مقارنةً بهنَّ: لكان في ذلك جرحًا في أنوثتهنَّ! ولاختلَّ نظام الحياة بأكمله.
فسبحان الَّذي أعطى كلَّ شيءٍ خلقه ثمَّ هدى.
المَطلب الأوَّل
سَوق حديث «لَنْ يُفلح قَومٌ وَلَّوا أمرَهم اِمرأةً»
عن أبي بكرة ﵁ قال:
لقد نَفَعني الله بكلمةٍ سمعتُها مِن رسولِ الله ﷺ أيَّامَ الجَمل، بعد ما كِدْتُ أن ألحَقَ بأصحابِ الجَمَل، فأقاتلَ معهم، قال: لمَّا بَلَغ رسولَ الله ﷺ أنَّ أهلَ فارسٍ قد مَلَّكوا عليهم بنتَ كِسْرَى، قال: «لنْ يُفلِح قَومٌ وَلَّوا أمرَهم امرأةً». رواه البخاريُّ (١).
стр. 1491
المَطلب الثَّاني
سَوْق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ
لحديثِ: «لنْ يُفلح قومٌ ولَّوا أمرَهم امرأةً»
أكثرُ مَن ترى مُغتَاضًا مِن حديثِ أبي بكرة ﵁ هذا أولئك المُنافِحون عن المساواةِ المطلقةِ بين الجِنسَيْنِ، الصَّارِخون بحَقِّ النِّساءِ في المَناصبِ السِّياسيةِ العامَّةِ والمَهامِ القَضائيَّة، النَّاعون على الفقهاء تغاضيهم عمَّا لحق المسلماتِ من ظلمٍ سياسيٍّ واجتماعيٍّ مُستنده مثل هذا الخبر الغريب!
تقول فاطمة المرنيسيّ (١): «هذا الحديث هو الحجَّة الحاسمة لأولئك الَّذين يريدون إبعادَ النِّساء عن السِّياسية، كما نجده عند السُّلطات المعروفة بتشدُّدها مثل أحمد بن حنبل! .. هذا الحديث هامٌّ جدًّا، بحيث يستحيل عمليًّا التَّعرُّض لمسألة الحقوق السِّياسيَّة للمرأة دون الرُّجوع إليه ومناقشته واتِّخاذ موقف منه» (٢).
ويُعينهم على طَيْشِهم هذا زُمرةٌ مِن الإسلامِيِّين مُنكرين للحديث، على تفاوت بينهم في طُرق الاعتراضِ عليه وعلى ما ورد من الأخبار في ذلك، أكان
стр. 1492
مِن جهةِ الإنكار له جملةً، أو قَبولِه بنوعِ تحريفٍ لمعناه بما يَؤولُ في النِّهايةِ إلى شَرْعَنةِ مَطالِبِ النِّسْوِيِّين.
وليس مِن وُكدِنا هنا مناقشةُ تأويلاتِ القوم، ما داموا مُعترِفين بِصِحَّتِه، فإنَّ الهِمَّة مَصروفةٌ في هذا البحث إلى مناقشةِ ما يُبديه المُبطِلونَ مِن مُعارَضاتٍ لإبطالِ الحديثِ دون غيرهم.
ومُحصَّل حُجَّجِهم في انتقاضه متركِّزةٌ في دعوى مخالفتِه للواقِع والتَّاريخ، حيث اكتشفوا أنَّ مِن النِّساء مَن توَّلينَ منصبَ الحكمِ في القديم والحديث، فأفلحنَ في إدارة شؤون الدَّولة وتقوِيتِها على أحسنِ وجهٍ!
وفي تقرير هذه الشُّبهة، يقول (محمَّد سليمان الأشقر):
«إنَّ مِمَّا يدلُّ على بطلانِ هذا الحديث: أنَّه يَقتضي أنَّه لا يُمكن أن يُفلِح قَومٌ تَتولَّى رئاسةَ دولتِهم امرأةٌ في حالٍ مِن الأحوال، ومعنى هذا: أنَّه لو وُجِدت امرأةٌ على رأسِ إحدى الدُّوَل، ونَجَحت تلك الدَّولة في أمورِها الدُّنيويَّة، فيكون ذلك دالاًّ على أنَّ هذا الحديث كذِبٌ مَكذوب على النَّبي ﷺ !
وقد وُجِد في العصور الحديثة دُوَلٌ كثيرة تَوَلَّت رئاستَها نساءٌ، ونَجَحت تلك الدُّوَل نَجاحاتٍ باهرةٍ تحت رئاسةِ النِّساء، نذكرُ مِن ذلك: رئاسةَ (أندِيرًا غانْدي) للهند، ورئاسةَ (مارْغَريت تاتْشِر) لبريطانيا، وغيرهما كثيرٌ في القديم والحديث، وإنَّما قُلنا في الأمورِ الدنيويَّة، لأنَّ الحديث وَرَدَ على ذلك» (١).
ويقول (جمال البنَّا): «إنَّ القرآن نفسَه امتدحَ حكمَ امرأةٍ، وهي مَلكة سَبَأ، .. وكيف أنَّها أنقذَت قومَها من الحرب، بعد أن أشارَ عليها كبراؤُها ﴿قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [النمل: ٣٣]، ولا يُمكن لحديثٍ صحيحٍ أن يُخالف وقائعَ التَّاريخَ الثَّابتة، ولا نصوصَ القرآن الصَّريحة» (٢).
стр. 1493
ولم يُغفِل الطَّاعنونَ في الخَبرِ، أن يُسَوِّغوا إبطالَهم لمتنِه، بالتَّفتيش عن عِلَّتِه في الإسناد؛ فلم يَجِدوا ضحِيَّةً فيه يُعلِّقون عليه آفة متنِه -بزعمهم- إلَّا الصَّحابيَ راويه! أعني به أبا بكرةَ نفيع بن الحارث الثَّقفي ﵁.
فقالوا: قد جَلَده عمر ﵁ في شهادتِه مع اثنينِ آخرين على المُغيرة بن شعبة ﵁ بالزِّنا، لانعِدامِ شرطِ الشَّهادةِ ونِصابِها.
وفي تقريرِ هذا التَّعليلِ الإسناديِّ، يقول محمَّد الأشقر (ت ١٤٣٠ هـ):
«هذا الحديث هو المُستَند الرَئيسيُّ لكلِّ مَن يَتَكلَّم في هذا الأمر، ولم يَرِد هذا الحديث مِن روايةِ أيِّ صحابيٍّ آخر غير أبي بكرة، وتصحيحُ البخاريِّ وغيره لهذا الحديث وغيرِه مِن مَرويَّاتِ أبي بَكرةَ هو أمرٌ غَريبٌ لا يَنبغي أن يُقبَل بحالٍ (!).
والحُجَّة في ذلك: ما عُرِف في كُتبِ التَّاريخ الإسلاميِّ -كما عند الطَّبري، وابن كثير، وغيرهما- أنَّ أبا بكرة قَذَف المغيرة بنَ شعبة بالزِّنا، ووَصَل الخبر إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵃، فأمَرَ بحضورِ الرَّجُلَين مِن الكوفة إليه في المدينة، فسألهما عن ذلك، وطَلَب عمر ﵁ مِن أبي بكرة أن يَأتي بشهودِه على ما ادَّعاه، فلَمْ تَتِمَّ الشَّهادة الَّتي هي كما قال الله تعالى: أربعة شهود ..
ولذلك جَلَد عمر ﵁ أبا بكرة ثمانين جلدةً حَدَّ القذف بالزِّنا، ثمَّ قال له: تُبْ أقبَلْ شهادَتَك، فأبَى أن يَتوب! وأسقطَ عمر ﵁ بعد ذلك شهادَته، فكان أبو بكرة بعد ذلك إذا استُشهِد على شيءٍ، يأبى أن يَشهد، ويقول: إنَّ المؤمنين قد أبطلوا شهادَتي!
إنَّ الآية (١) تدمغُه بالفِسق وبالكذب، وهذا يقتضي ردَّ ما رواه عن النَّبي ﷺ ممَّا انفرد به، كهذا الحديث العَجيب: «لن يُفلِح قومٌ تملكهم امرأة»، فينبغي أن يُضَمَّ هذا الحديث إلى الأحاديثِ الموضوعةِ المكذوبةِ على النَّبي ﷺ » (٢).
стр. 1494
المَطلب الثَّالث
دفعُ المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ
عن حديثِ: «لن يفلح قومٌ وَلَّوا أمرَهم امرأةً»
يجمُل بنا قبلَ مُناقشةِ المُعترضِ في إنكارِه لمتنِ الخبرِ، التَّمهيدُ بالكلامِ عمَّا أثارَه مِن غُبارِ الشُّبهةِ على صَحابيِّ الحديثِ، فـ (الأشقرُ) بذا قد اقتحمَ مَهلكةً أيَّ مَهلكةٍ، حيث رَتَع في حِمَى صَحابيٍّ هو مَولًى لرَسولِ الله ﷺ ، بأمرٍ تَوهَّمَه مُوجِبًا لتَجريحِه.
فلقد رَضِيَ (الأشقرُ) أن يكونَ بهذا المَوقِف في ضِفَّة وأهلُ السُّنَةِ في الضِّفَّةِ المُقابِلة! شَعَر أمْ لَم يَشعُر، كيف لا، وقد ارتكب طريقًا لم يسلكها أئمَّةُ السُّنةِ والحديث، فإنَّا لا نَعلمُ أحدًا منهم حَشَرَ أبا بَكرة في زُمرةِ المَتروكين، وهم أهلُ زمانِه الَّذين عاصَروه، وعرَفوا أمرَه، بل وَثَّقوه، وعَرَفوا فضلَه، وحَملوا عنه، واحتجُّوا بأحاديثِه، وأخرجوها في الدَّواوين الصَّحيحة.
ففي تقريرِ الإجماع على قَبولِ روايتِه:
يقول أبو بكرٍ الإسماعيليُّ (ت ٣٧١ هـ): «لم يَمتنِع أَحَدٌ مِن التَّابعين فمَن بعدهم، مِن روايةِ حديثِ أبي بكرة ﵁ والاحتجاجِ بها، ولم يَتَوقَّف أحدٌ مِن الرُّواةِ عنه، ولا طَعَن أحَدٌ على روايتِه مِن جهةِ شهادتِه على المُغيرة» (١).
стр. 1495
ويقول ابن قدامة (ت ٦٢٠ هـ): «لا نعلمُ خلافًا في قبول روايةِ أبي بكرة، مع ردِّ عمر شهادته» (١).
وقال ابن القيِّم (ت ٧٥١ هـ): «قد أجمعَ المسلمون على قَبولِ رواية أبي بكرة» (٢)، ومثله قال ابن كثير (٣).
وقد بَلَغ مِن فضلِ هذا الصَّاحِبِ ﵁ علمًا ودينًا، أن تجتمِعَ له شَهادَتَا التَّابعين الجليلين الحَسنِ البَصريِّ ومحمَّد بنِ سِيرين بـ «أنَّه لم يَنزِل عليهما البَصْرةَ مِن أصحابِ النَّبي ﷺ مثلُ أبي بَكرة، وعمران بنِ حُصين» (٤).
ولَإِن كان (جمال البَنَّا) لا يُبالي بنَقْضِ إجماعٍ أو وِفاقِه، ولا يَأْلُو جُهدًا في تَسفيهِ مَذاهبِ الأسلافِ الصَّالحين بحُمقِ هواه؛ فكيف لِمثلِ (الأشقرِ) في علمِه ودينِه أن يُشيح بوجِهه عن هذا الإجماع؟!
ألا ليتَه فَكَّر بطريقةٍ أخرى، فجَعَل الأصلَ سَلامَة الصَّحابيِّ -فهو الأصلُ عنده في الأصحابِ يَقينًا- ثمَّ يبني على هذا الأصلِ تأويلَ ما يَتبادرُ منه خلافُه!
لكنَّه داءُ العَجَلة حين يُصيب قَلَمَ العالِمِ على غِرَّة! فتأُزُّه نَفسٌ نَفَرَت مِن مَفادِ خَبَرٍ ما، يسلُك بها مَسالِكَ مُوحِشةً في التَّأويلِ، لم يسلُكها فقيهٌ قبله.
أمَّا ما زَعمُه مِن أنَّ آيةَ: ﴿لَوْلا جَاءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] تدمَغُ أبا بكرةٍ ﵁ بالفسقِ والكَذبِ، المُقتضي لرَدِّ ما رواه عن النَّبي ﷺ :
فهذا منه باطلٌ بُنِي على باطلٍ! بيانُه: أنَّ الضَّمائر في هذه الآيةِ راجعةٌ إلى القَذَفَة، لا إلى الشُّهودِ! يظهرُ هذا في نفسِ قصَّةِ جلدِ عمرَ لأبي بكرة ﵃، يَحكيها بعضُ التَّابعين، منهم قسامة بن زهير (٥)، حيث يقول:
стр. 1496
«لمَّا كان مِن شأنِ أبي بكرة والمغيرة بن شعبة الَّذي كان، قال أبو بكرة: اِجتَنِبْ أو تَنحَّ عن صلاتِنا، فإنَّا لا نُصلِّي خلفَك! قال: فكَتَبَ إلى عمر في شأنِه، قال: فكَتَبَ عمر إلى المغيرة: « .. أمَّا بعدُ، فإنَّه قد رُقِي إليَّ مِن حديثِك حديثٌ، فإنْ يَكُن مَصدوقًا عليك، فلَأن تكون مِتَّ قبل اليومَ خيرٌ لك!».
قال: فكَتَب إليه وإلى الشُّهودِ أن يُقبلوا إليه، فلمَّا انتهوا إليه، دعا الشُّهود فشَهِدوا، فشَهِد: أبو بَكرة، وشبل بن مَعبد، وأبو عبد الله نافع، فقال عمر حين شهِد هؤلاء الثَّلاثة: «أَوْدُ المغيرةِ أربعةٌ!»، وشَقَّ على عمر شأنُه جدًّا، فلمَّا قام زِياد، قال: «لنْ تَشهدَ إن شاء الله إلَّا بحقٍّ»، ثمَّ شهِد قال: أمَّا الزِّنا فلا أشهَدُ به، ولكنِّي رأيتُ أمرًا قبيحًا، فقال عمر: الله أكبر! حدُّوهم! .. فجَلَدوهم» (١).
وعن أبي عثمان النَّهدي (٢) قال: «شهِد أبو بكرة، ونافع، وشِبل بن مَعبد، على المغيرة بن شعبة ﵃، أنَّهم نَظَروا إليه كما يَنظرون إلى المِرْوَد في المِكحَلَة، قال: فجاء زِياد -يعني رابعَ الشُّهداء- فقال عمر: «جاء رجلٌ لا يشهد إلَّا بالحقِّ!»، قال زياد: رأيتُ مجلسًا قبيحًا وانبهارًا.
قال أبو عثمان: فجَلَدَهم عمر الحدَّ» (٣).
وعن سعيد بن المسيِّب (٤) قال: «شهِدَ على المغيرة بنِ شعبة ثلاثةٌ بالزِّنا، ونَكَل زيادٌ، فحَدَّ عمر الثَّلاثة، وقال لهم: «تُوبوا تُقبَل شهادتكم»، فتابَ رجلان، ولم يتُبْ أبو بَكرة! فكان لا يُقبَل شهادتُه؛ وأبو بكرة أخو زيادٍ لأمِّه، فلمَّا كان مِن أمرِ زيادٍ ما كان، حَلَف أبو بكرة أن لا يُكلِّمَ زِيادًا أبدًا!» (٥).
стр. 1497
فكان أبو بكرة ﵁ بعد هذا إذا أتاه الرَّجل يستشهِدُه، قال له: «أشْهِد غيري، فإنَّ المسلمين قد فَسَّقوني» (١).
وفي روايةِ عبد الرَّحمن بنِ جَوْشَن (٢): «فقال أبو بكرة -يعني بعدما حَدَّه-: والله إنِّي لصَادِقٌ، وهو فَعَل ما شَهِد به» (٣).
يقول الذَّهبي عن إباءِ أبي بكرة استِتابةَ عمر له: « .. كأنَّه يقول: لم أقذِف المغيرة، وإنَّما أنا شاهدٌ، فجَنَح إلى الفرقِ بين القاذفِ والشَّاهدِ، إذْ نِصابُ الشَّهادةِ لو تَمَّ بالرَّابع، لتَعَيَّن الرَّجمُ، ولمَا سُمُّوا قاذفين» (٤).
فبيِّنٌ مِن مَاجْرَياتِ هذه القِصَّة أنَّ أبا بَكرة ﵁ إنَّما جَلَده عمر ﵃ لنقصانِ النِّصاب، وإنَّما جاءَ شاهدًا هو إليه، لِظنِّه أنَّ مَعه ثلاثةً يَشهدون بما شَهِد، فعَدمُ توبتِه لا تأثيرَ له في قَبولِ روايتِه للحديث، لأنَّ كمالَ النِّصابِ ليس مِن فِعْلِه؛ والَّذي جَرَى أنَّ العَدد «لمَّا نَقُص، أجراهُم عمر ﵃ مَجرى القَذَفَة، وحَدُّه لأبي بكرة بالتَّأويل، ولا يُوجِب ذلك تَفسيقًا، لأنَّهم جَاؤوا مَجيءَ الشَّهادة، وليس بصَريحٍ في القذفِ، وقد اختلفوا في وُجوبِ الحدِّ فيه، وسُوِّغ فيه الاجتهاد» (٥).
стр. 1498
فلذا قال أحمد بن حنبل: «لا يُرَدُّ خَبرُ أبي بكرةَ ولا مَن جُلِد معه، لأنَّهم جَاؤوا مَجيءَ الشَّهادة، ولمْ يأتوا بصريحِ القَذف، ويَسوغُ فيه الاجتهاد، ولا تُرَدُّ الشَّهادة بما يَسوغ فيه الاجتهاد» (١).
وقد عَلَّق ابنُ عَقيلٍ الحنبليُّ (ت ٥١٣ هـ) على كلامِ أحمدَ بقولِه: «لمَّا نَصَّ على أنَّه لا تُرَدُّ الشَّهادة في ذلك، كان تنبيهًا على أنَّه لا يُرَدُّ الخبَر؛ لأنَّ الخبرَ دون الشَّهادة، ولأنَّ نُقصان العَدد معنًى في غيره، وليس بمعنًى مِن جهتِه» (٢).
ووافقَهما أبو إسحاق الشِّيرازي (ت ٤٧٦ هـ) بقولِه: «أمَّا أبو بكرة ومَن جُلِد معه في القذف: فإنَّ أخبارَهم تُقبل، لأنَّهم لم يخرجوا مَخرجَ القذف، بل أخرجوه مَخْرجَ الشَّهادةِ وإنَّما جَلَدهم عمر ﵁ باجتهادِه، فلم يَجُز أن يُقدَح بذلك في عدالتِهم، ولم يُرَدَّ خبرُهم» (٣).
وحاصلُ قولِ الفقهاءِ في هذا، أنَّ في إبطالِ خَبَرِ المَحدودِ في القَذْفِ تَفصيلًا:
فإنْ كان المَحْدودُ شاهدًا عند الحاكِم بأنَّ فلانًا زَنى، وحُدَّ لعدمِ كمالِ الأربعة: فهذا لا تُرَدُّ به روايتُه؛ لأنَّه إنَّما حُدَّ هنا لعدمِ كمالِ نصابِ الشَّهادةِ الَّذي ليس مِن فعلِه، إذْ لو كَمُلوا لحُدَّ المَشهودُ عليه دونه.
وإن كان القذفُ ليس بصيغةِ الشَّهادةِ، كقولِه لعَفيفٍ: يا زَانٍ .. يا عاهر، ونحو ذلك: فهنا تبطُل روايتُه للأخبارِ حتَّى يتوبَ وينصَلِح (٤).
وفي تقرير هذا التَّقسيمِ في حكم المَحدودِ في قذفٍ، يقول أبو الخطَّاب الكلوذاني:
«إذا كان الرَّاوي مَحدُودًا في قذفٍ، فلا يخلو أن يكونَ قَذَف بلفظِ الشَّهادة، أو بغير لفظِها.
فإن كان بلفظِ الشَّهادة: لم يُرَدَّ خبرُه، لأنَّ نقصان عددِ الشَّهادةِ ليس مِن فعله، فلَم يُرَدَّ به خبره، ولأنَّ النَّاس اختلفوا: هل يلزمُه الحدُّ أم لا؟ (٥)
стр. 1499
وإن كان بغير لفظِ الشَّهادة: رُدَّ خبرُه، لأنَّه أتى بكبيرةٍ، إلَّا أن يتوب» (١).
ومع ما تقدَّم تقريرُه مِن اتَّفاقِ الأمَّةِ على قَبول أخبارِ أبي بكرة ﵁، مع كونِه محدودًا في شهادتِه على المغيرة: يَستنبِطُ الحصيفُ أنَّ الشَّهادةَ في هذا البابِ ليست كالرِّواية، فالمَحدود في الشَّهادةِ لعدمِ كمالِ النِّصاب إنَّما تُقبَل روايتُه دون شَهادتِه.
أمَّا القاذف بالشَّتمِ: فتُرَدُّ شهادته وروايته معًا، وبلا خِلافٍ، حتَّى يتوب (٢).
وقد مَرَّ معنا شاهدٌ لهذا التَّفصيلِ الفارقِ مِن كلامِ أبي بَكرة نفسِه، حيث كانَ يمْتَنِع عن الشَّهادةِ لأحدٍ (٣)، لكنَّه لم يَرد أنَّه امتنَع مِن تَحديثِ أحدٍ بما سَمِعه مِن مَولاه ﷺ ! ويكفي بهذا الفعل منه حُجَّةً على ما قرَّرناه.
ولنَأْتِ الآن إلى دَعوى المُعترضِ مُخالفةَ حديثِ أبي بَكرةَ للواقِع المُشاهَد مِن نَجاحاتِ بعضِ النِّسوةِ في تَدبيرِ الدُّوَل، فنقول:
مَن نَظَر إلى ما تَقتضيه أعباءُ السُّلطةِ مِن قَدْرٍ كبيرٍ من جزالةِ الرَّأيِ، وصَرامةِ العَزم، وهَيبةِ مَقامٍ في النُّفوس: عَرَفَ -لو صَدَق نفسَه- أنَّ المرأةَ لم تُخلَق لِأنْ تَتَولَّى الوِلايةَ المُطلقَة؛ لأنَّه يَعلمُ ما يغلِبُ عليها مِن رِقَّةِ العاطفةِ، وهَشاشةِ الطَّبعِ، وسرعةِ التَّأثُّر، وليس مِن شأنِ الرِّجال أصلًا أن يَهابوا مَكانَها الهَيْبةَ الَّتي تَلزَمُ السُّلطانَ تَدبيرًا وتنفيذًا.
فلأجلِ هذه النُّعوت عَلَّل العلماءُ «نهيَ النَّبيِّ ﷺ أمَّتَه عن مُجاراةِ الفُرسِ في إسنادِ شيءٍ مِن الأمورِ العامَّةِ إلى المرأةِ، وقد ساقَ ذلك في حديثِه بأسلوبٍ مِن شأنِه أن يَبعثَ القومَ الحَريصين على فلاحِهم وانتظامِ شملِهم على الامتثالِ: وهو أسلوبُ القطعِ، بأنَّ عَدَم الفلاحِ مُلازمٌ لتوليةِ المرأة أمرًا مِن سياساتِهم العامَّة» (٤).
стр. 1500
هذا النَّهي منه لا شكَّ أنَّه يشملُ كلَّ امرأةٍ في أيِّ عَصرٍ مِن العصور أنْ تَتولَّى أيَّ شيءٍ مِن الولاياتِ العامَّة، وهو عُموم مُستفادٌ مِن صيغةِ الحديثِ وأسلوبِه؛ فلا قيمة بعدُ لتأويلٍ يحصُر النَّهيَ في حالِ الفُرسِ فقط، أو في مَنصبِ الخلافةِ العُظمى فقط.
ذلك كلُّه تَحجيرٌ لإطلاقِ الحديثِ بلا دليلٍ، وهو خِلافُ ما فهِمَه الصَّحابة ﵃ وأئمَّة السَّلف مِن الحديث نفسِه، أوُّلهم راويه أبو بكرة ﵁، وهو أعلَمُ بما رَوَى، حيث لم يَستَثْني هؤلاءِ مِن عمومِ خَبرِه هذا امرأةَ، ولا قومًا، ولا شأنًا مِن الشُّؤون العامَّةِ، فهم جميعًا يَستدلُّون به على حُرمةِ تَولِّي المرأةِ للإمامةِ، والقَضاء، وقيادةِ الجيوشِ، وما إليها مِن سائرِ الولاياتِ العامَّة.
يقول أبو بَكر ابن العَربيِّ بعد سَوقِه حديثَ أبي بَكرة ﵁ هذا: «هذا نَصٌّ في أنَّ المرأة لا تكون خليفةً، ولا خِلافَ فيه» (١).
فهذا إذن إجماعُ العلماءِ في كلِّ عَصر (٢)، يَشهَد له تاريخ الإسلام، منذ عهدِ النُّبوةِ إلى سقوطِ الخلافة: أنَّ امرأةً لم تُوَلَّ الإمامةَ أو الإمارةَ أو القضاء، ولو كانت هي مِن أصلح النَّاس وأعلمِهم؛ وفي تقريرِ هذه الدَّلالة مِن فعلِ المسلمين، يقول ابنُ قدامة: «لا تصلُح للإمامةِ العظمى، ولا لتوليةِ البلدان، ولهذا لم يُوَلِّ النَّبي ﷺ ولا أحدٌ مِن خلفائه، ولا مَن بعدهم، امرأةً قضاءً، ولا ولايةَ بلدٍ فيما بَلغَنا، ولو جازَ ذلك لم يَخلُ منه جميعُ الزَّمان غالبًا» (٣).
أمَّا ما ينسِبُه البعضُ إلى ابن جرير الطَّبري مِن القولِ بصحَّةِ ولايتِها القضاءَ: فليس يَصحُّ النَّقل عنه بذلك.
стр. 1501
ثمَّ نقلُهم عن أبي حنيفة أنَّها تَقضي فيما يَصِحُّ أن تشهدَ فيه: قد حُمِلَ على معنى صِحَّةِ حكمِها في القضيَّة الواحدة ونحوِها على سبيلِ التَّحكيم والاستنابةِ فقط (١).
لكن لا بدَّ أن نعلمَ: أنَّ هذا الحكمَ المُستفادَ من الخَبَرِ في منعِ المرأة مِن إمامةِ العامَّة، ليس حُكمًا تَعبُّديًّا يُقصَد مجرَّدُ امتثالِه دون التماس حكمتِه، بل هو مِن الأحكامِ المُعلَّلة بمَعانٍ واعتباراتٍ لا يجهلها الواقفون على الفروقِ الطَّبيعيَّة بين جِنسَي الرَّجل والمرأة، وقد تقدَّم لَفْتُ الفِكرِ إلى بعضِها.
وصَدَق أحدُ الكُتَّاب الغَرْبيِّينِ إذْ يقول: «إنَّ الحياة هيِّنةٌ وطيِّبة، إذا عَلِم كلٌّ مِن الرَّجل والمرأة المحلَّ الَّذي خصَّصه الله لكلٍّ منهما!» (٢).
إنَّا لا نستنكِفُ أن نقولَ للعالَم أنَّ المرأة بمُقتضى الخَلقِ والتَّكوينِ مَطبوعةٌ على غرائز تُناسب إحدى أسمى المهمَّاتِ الَّتي خُلِقت لأجلِها: إنَّها مهمَّةَ الأمومة، وحضانةِ النَّاشئةِ، وتَربيتِهم وتَعليمِهم، وإقامةِ صَرْحِ الأمَّةِ على رِعايتِهم؛ فهذه المَهامُّ جَعَلتها ذاتَ تأثُّرٍ خاصٍّ بدَواعي العاطفة.
ثمَّ هي مع ذلك كلِّه تَعرِض لها عوارضُ طَبيعيَّة تَتكرَّر عليها في الأشهرِ والأعوام، مِن شأنِها أن تُضعِفَ قوَّتها المَعنويَّة والَجسديَّة، وتوهِنَ مِن عَزيمتِها في تكوين الرَّأي والتَّمسكِ به، والقدرةِ على الكفاحِ والمقاومةِ في سبيلِه.
والحقُّ أنَّ الإمامةَ والسِّياسةَ تستدعيان في أغلبِ أوقاتها عَزمًا وإقدامًا وجَلادة، وبعدًا في التَّفكير، وسدادًا في المنطق، وحسابًا دقيقًا للعواقب، وصبرًا مُضنِيًا، وضبطًا للعواطف، ففيهما مِن المزالق الخفيَّة، والأخطار الكامنة، ما الله به عليم؛ وللمرأةِ لِينٌ في القلب، ورِقَّة في المِزاج، وإحجامٌ عن المواقفِ الخَطِرة، وهو حَالٌ لا تُنكره النِّساء مِن أنفسِهنَّ.
стр. 1502
فإنَّها فوارق بين الجِنسينِ أزليَّةٌ أبديَّة، وخصائص قاهرةٌ لا يَدَ لإنسانٍ في تحويرِها، إلَّا حين يَستطيع تحويرًا في تركيبِ الدِّماغ وبنيةِ خلاياه -مثلًا-، أو حين يُبدِّل وظائفَ الأعضاء وفِطرة العواطف.
إنَّها فطرةٌ اقتضتها الحِكمة الإلهيَّة في التَّمييز بين الجِنسين بما تتطلَّبه عمارةُ هذا الكون، قائمةً على تقسيم الأعمال والوظائف، لتيسير كلُّ الكائناتِ إلى ما يُلائِمها وخُلق لها (١).
يقول محمَّد الغزاليُّ: «ستظلُّ المرأة هي اليد اليُسرى للإنسانيَّة، وسيظلُّ عملُها في البيتِ أكثرَ مِن عَملِها في الشَّارع، وسيظلُّ الرِّجالُ حمَّالي الأعباء الثِّقال في الشُّئون الخاصَّة والعامَّة، لأنَّ طاقةَ كلٍّ مِن الجنسين هكذا؛ ولأمرٍ ما لم يُرسل الله نبيَّةً مِن النِّساء، ولم يحكِ التَّاريخ إلَّا شواذًّا مِن الجنس النَّاعم قُمْن بأعمالٍ ضخمةٍ، على حين شُحِنت صفحاتُه بأسماءِ الرِّجال.
وإذا كانت المرأة لم تُختَر رسولًا، فقد استطاعت أن تكون زوجةً عظيمةً لرسولِ الله ﷺ ، وأن تُعينه إعانةً رائعةً على تبليغ الوحيِ وجهودِ النَّاس» (٢).
سَيثقُل هذا الحكمُ على نفوسِ النِّساء ونفوسِ الرِّجال الَّذين يُجاملونَهُنَّ، ولكن ماذا أعمل، وبين يَدَيَّ برهانٌ قاطعٌ ليس في استطاعتهنَّ أن يُنازعْنَني فيه، مع شدَّة ذكائهنَّ! ولا في استطاعِة أنصارهنَّ مِن الرِّجال أن ينَقضوه، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا!
لولا أن الرَّجل أقدر على التَّدبير والحكمِ مِن المرأة، «ما كان له عليها هذا السُّلطان وذلك الغَلَب، ولا استطاعَ أن يقودها وراءه كما يقاد الجَنيب، ولا أن يملكَ عليها أمْرَ فقرِها، وغِناها، وحبسها، وإطلاقها، وحجابها، وسُفورها، ويستأثر مِن دونها بوضعِ القوانين والشَّرائع الخاصَّة بها، مِن حيث لا ترى في نفسِها قوَّةً لدفعِها والخروج عليها» (٣).
стр. 1503
وإنَّا لنأسفُ حين نُقرِّر هذا الكلام إذا كانت المرأةُ ستفهمُ مِنه أنَّها في نظرِ الإسلام مُهانة، أو أنَّها محرومةٌ عنده مِن وضعٍ تَستحقُّه؛ هذا غَلَط! فالنِّساء شقائقُ الرِّجال، ولهُنَّ مِن الحُرمة والمكانةِ والحقوقِ الفطريِّة ما يكفلُ لهنَّ السَّعادة والاستقرار، وتكليفُ الإسلام أنْ يُعَينَهُنَّ قاضياتٍ أو حاكماتٍ ظلمٌ للطَّبيعةِ، وافتياتٌ على المصلحة! وإنَّ مُجرَّد توليَةِ أهلِ الحلِّ والعَقدِ لامرأةٍ عليهم، لتملِكَهم وتُدَبِّرَ دولَتَهم، مع علمِهم بما يعتري النِّساء مِن تلك النَّواقص السَّالفة، هو في حدِّ ذاتِه مِن عَدمِ فلاحِهم!
فأمَّا أن يُعترَضَ على هذا ببَلْقيسَ ملِكة سَبأ، وكيف أنَّ القرآن امتَدَح مُلكَها:
فهو على ما فيه اعتراضٌ بمثالٍ واحدٍ لا يَرُدُّ ما قرَّرناه سابقًا؛ فإنَّ القرآن لم يمدَح فيها مُطلق حُكمِها، بل إيمانَها وتسليمَها لحكمِ ربِّها ونبيِّه سليمان ﵇.
وأمَّا إنقاذُها لقومِها مِن وَيْلاتِ الحربِ، وسَوقِهم بعدُ إلى الإسلام:
فإنَّا لا ندَّعي على المرأة أنَّها إذا تَوَلَّت فمصير أحكامِها الغَيُّ والخطأُ كلَّ مرَّة! ولا في الحديث ما يُفهِم ذلك؛ إنَّما دَلَّ خبر الحديث على نفيِ الفَلاحِ في حكمِها في الجملة، لا اطِّرادًا في كلِّ أحكامِها.
هذا بعد التَّسليم بأنَّ منعَ بَلْقيس للحربِ كان مِن باب الحكم الرَّشيد، فإنَّ ما فعلته قد كان -بمفهومِ العلاقاتِ الدَّولية- استسلامًا لقوَّةِ دولةٍ غازية!
ثمَّ أيُّ دولةٍ بَقِيَت لبلقيس لتُحكَمَها أصلًا؟! وقد انمَحت وصارت رقعةً مِن دولةِ سليمان ﵇؟!
وبغضِّ النَّظر عمَّا كان من مَآلِ تصرُّفِها مِن خيرٍ لها ولقومِها، فلا يُقال أنَّها فعلته رغبةً في دينِ سليمان ﵇ وإلحاقِ قومِها به، بل كان منها فِعْلَ المَهزومِ بلا حربٍ، فـ «إنَّ المرأةَ لم تأتِ سليمانَ ﵇ إذْ أتَته مُسلِمةً، وإنمَّا أسلَمتْ بعد مَقْدَمِها عليه، وبعد مُحاورةٍ جَرَت بينهما ومُساءلة» (١).
стр. 1504
وما يدَّعيه المُعترضُ مِن أنَّ بعض حكوماتِ النِّساءِ في بعضِ مَماليك أوروبا كانت أرقى مِن حكوماتِ الرِّجال:
فعلى التَّسليمِ بأنَّ تلك النَّماذج المَذكورةِ ناجحات فعلًا بالمِقياس الدُّنيويِّ، فإنَّه لا تَنافي بينها وبين الحديث، إذ هي خارجةٌ عن عمومِ مَدلولِه أصلًا! بيانُ ذلك:
أنَّ الحكمَ في الدُّوَل الغَربيَّةِ الدِّيموقراطيَّةِ حكمُ مُؤَسَّساتٍ لا فرد، والنَّبي ﷺ يقول: «لا يُفلِحُ قومٌ تملِكُهم امرأة» (١)؛ فمَن تَرأَّسْنَ حكوماتِ تلك البُلدان، هل يقول عاقلٌ: أنَّهنَّ يَملِكنَ قومَهنَّ؟!
لا يُقالُ عنهنَّ ذلك، ولا هنَّ أُسنِد إليهنَّ أمرُ شُعوبهنَّ، فإنَّ الأمرَ ليس بيدِهنَّ كلَّه، ولا جُمَعَت لهنَّ السُّلطات الثَّلاثة كما كان حالُ سابقِ الملوكِ قبل قرونٍ؛ إنَّما حَدُّ إحداهنَّ أن تكون مُنفِّذة لبرنامجِ أحزابِ أغلبيَّة، مُقيَّدة في اقتراحاتها بموافقةِ مُمثِّلين عن الرَّعية.
فرُبَّ قَرارٍ سَعَت في تنفيذِه، رَجَعَت عنه مُكرَهةً، لامتناعِ مجلس الشَّعب عن إقراره! ورُبَّ مَشروعٍ سَعت في نجاحِه، قد أدارَه الرِّجال مِن وراء حِجاب! ورُبَّ بَرلمانيٍّ عن بلدةٍ صَغيرة، يَستدعيها إلى مجلسِ مُسائلةٍ، لينتِفَ ريشَها على المَلَأِ! بل لعلَّه كان سَببًا في عزلِها بالمرَّة، إذا تَدَاعى له جمهورُ مَن معه تحت قُبَّةِ البرلمان!
هذا إن لم تكُن دولتُها نفسُها مُسَيَرَّة مِن دولةٍ هي أعظمُ منها تَرغيبًا وتَرهيبًا!
ثمَّ إنَّا نَقول: إنَّ مُدَّعِي شَرَف الفلاحِ لتلك العِلْجاتِ لا يَستحِضرُ مِن الفَلاح إلَّا ما كان مَاديًّا دنيويًّا، وكأنِّي به قد أغفَل «الفَلاح في لسانِ الشَّرع، وهو تحصيلُ خيرِ الدُّنيا والآخرة، ولا يَلزم مِن ازدهارِ المُلْكِ أن يكون القوم في
стр. 1505
مَرضاةِ الله، ومَن لم يكُن في طاعةِ الله فليس مِن المُفلِحين، ولو كان في أحسنِ حالٍ فيما يبدو مِن أمرِ دنياه» (١).
فأيُّ نجاحٍ لمثلِ تلك الدُّوَل ونحن نرى فيها مِن الآفاتِ الاجتماعيَّة، والانحرافاتِ الأخلاقيَّة، والتُّفَكُّك الأُسَريِّ، والتَّسلُّطِ السِّياسيِّ، والجَشَعِ الرَّأسماليِّ، ما طَفَح به الكَيْل، حتَّى ضَجَّ به عقلائُهم تحذيرًا ليلَ نهار؟!
إنَّ مَن زيَّنت له نفسُه الانقباضَ عن مثل هذه الأخبار النَّبويَّة الصَّحيحة لا أقلَّ له مِن أن يأتِي بمثالِ امرأةٍ مُستَبِدَّة بالحكمِ، وُلِيَّت تدبيرَ أمرَ دولتِها، فتفوَّقت في سياستِها، وتمكَّنَت بسُلُطاتها مِن سَوْقِ شعبِها إلى العَدلِ والرَّفاه والمَنَعة!
وحين أقول هذا، لستُ أرمي في المقابلِ إلى إطلاقِ الفَلاحِ لكلِّ سلطانٍ ذكَرٍ! فكمْ جَرَّ كثيرُهم مِن وَيلاتٍ على البَرِيَّة، وكمْ نَشَرت أطماعُهم في الأمَّةِ مِن رَزِيَّة!
والله يُصلِحُ أحوالَ الرَّاعي والرَّعِيَّة، آمين.
стр. 1506
المَبحث الخامس
نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديثِ: «لولا حَوَّاءُ ما خَانَتْ أنثى زوجَها»
стр. 1507
المَطلب الأوَّل
سَوْق حديث: «لولا حَوَّاءُ ما خَانَتْ أنثى زوجَها»
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : « .. لولا حوَّاء لم تخُن أنثى زوجَها الدَّهر» متَّفق عليه (١).
стр. 1508
المَطلب الثَّاني
سَوْق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ
لحديثِ: «لولا حوَّاءُ ما خَانَتْ أنثى زوجَها»
استُنكِر متنُ هذا الحديث بعدَّةِ مُعارضاتٍ، مُحصَّلها في اثنَتَيْن:
المُعارَضة الأولى: أنَّ تخصيصَ الحديثِ لحوَّاءَ بالخيانةِ مُناقِضٌ للقرآنِ الكريم، حيث حُمِّل فيه آدم وِزرَ الخطيئةِ ابتداءً، وتُهمة حوَّاء بإغواءِ آدم بالشَّجرةِ مَزبورٌ في صُحُفِ أهل الكتاب، فدَلَّ على أنَّ أصلَ الخَبَرِ إسرائيليٌّ.
وفي تقرير هذا الاعتراض، يقول (محمَّد الغزالي): «ما خَانَت حوَّاء آدم، ولا أغرَته مِن الشَّجرة، هذا مِن أكاذيبِ التَّوراة! والقرآن صَريحٌ وحاكمٌ في أنَّ آدم هو الَّذي عَصى ربَّه! ولكنَّكم دون مستوى القرآن الكريم، وتَنقلون مِن المَرويَّاتِ ما يَقف عَقَبةً أمام سَيْرِ الدَّعوةِ الإسلاميَّةِ .. » (١).
وقد علَّق عليه يوسف القَرَضاويُّ مُقِرًّ له بقوله: «مِن حَقِّه أن يرُدَّ هذا الحديثَ بشِقَّيه، فاللَّحم يخنَزُ -أي يتغيَّر وينتُن- وفقَ السُّنَن الإلهيَّة قبل بني إسرائيل وبعدهم، وحوَّاء لم تخُن زوجَها، كما نَستَبِين ذلك مِن القرآن» (٢).
ويزيد (محمد عمراني حنشي) على ذلك قائلًا: «إنَّ كلَّ آياتِ القرآنِ الَّتي عَرَضَت لتلك الحادثة، تُخاطب آدمَ وحوَّاء مَعًا، وتذكُرُ إبليسَ صراحةً في التَّسبُّبِ
стр. 1509
في الغِواية .. وتحُمِّل آدمَ وزوجَه معًا تَبِعاتِ العصيانِ، إنْ لم تحمِّلها لأدمَ وحدَه! كما في سورة طه: ﴿فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾» (١).
المعارضة الثَّانية: أنَّ في الحديثِ عقيدةَ توريثِ الخيانةِ مِن حوَّاء لِبَناتِها.
وفي تقرير هذه الشُّبهة، يقول (سامر إسلامبولي): «هذا الحديث يُثبِت أنَّ الخيانةَ في النِّساءِ هي شيء طبيعيٌّ، وذلك مَوْروث غَريزيٌّ مِن خلال الأمِّ الأولى حوَّاء، والمَفروض حسب الحديثِ أنْ لا تُلَام أيَّةُ أنثى على فعلِ الخيانةِ، لأنَّ ذلك هو مِن طبعِها الَّذي جُبِلَت عليه!» (٢).
ويقول (إبراهيم المَطرودي) (٣): «إنَّ الحديثَ يجعلُ الذَّنبَ الَّذي وَقَعت فيه حوَّاء -على القولِ بوقوعِه منها- مُنتقِلًا إلى بناتِها بالوراثةِ ونزعِ العِرق، مع توبتِها منه وطلبِ المغفرة فيه! وهكذا يضطَرُّنا الحديث للقولِ بأنَّ الله تعالى يَغفرُ الذَّنبَ لصاحبِه، لكن يبقى أثرُه على مَن بعده مِن ذُرِّيته! ويَتَحمَّل أولادُه مِن بعده جريرةَ سَبْقِه لهم به!» (٤).
стр. 1510
المَطلب الثَّالث
دَفعُ المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ
عن حديثِ: «لولا حوَّاء ما خانَت أنثى زوجَها»
ليس في الحديثِ -بفضلِ الله- ما يُستنكَر عقلًا، ولا ما يخالفُ كتابَ الله تعالى إذا ما نحن فهمناه الفهمَ الصَّحيحَ المُوافِقَ للشَّريعةِ المُراعي لأصولِها، وهذا لا يكون إلَّا بعد تحديدِ المُرادِ بخيانةِ حوَّاء من الحديث أوَّلًا، فبِمُوجِب الكشفِ عن ذلك، يَنحَلُّ ما يتبعُ ذلك مِن إشكالاتٍ في معنى الخبرِ.
لقد أجمَعَت كلمةُ العلماءِ قاطبةً على أنْ لفظ الخيانةِ في الحديثِ ليس مَقصودًا منه خِيانةُ الفِراشٍ، فإنَّ ذلك لم يَقَع لامرأةِ نبيٍّ قطُّ (١)، ولم يكُن أصلًا مع حوَّاء رَجلٌ آخر معها في الدُّنيا غيرُ زوجها آدم ﵇ حتَّى يحتمِل الذِّهنُ للَّفظِ معنى الزِّنا؛ هذا ابتداءً.
فلأجل ذلك، نَحَى أهل العلمِ في بَيانِ مَعنى الخيانةِ الَّتي كانت مِن حوَّاء لزوجِها على قَولين مَشهورين:
القول الأوَّل: أنَّ المُراد بخيانةِ حَوَّاءٍ تَركُ زجرِها لزوجِها آدمَ حينَ عَزَم على الأكلِ مِن الشَّجرة؛ فكان تَرْكُ أمانةِ النُّصحِ له، والانسيابِ وراء رغبتِه، بمثابةِ الخيانةِ له.