التَّقطيعِ عند البخاريِّ ظاهرةٌ عامَّة في مُجمل رواياتِه، لا تختصُّ بهذه المَوضوعات والمِلفَّات، تمامًا مثل ظاهرة التَّقطيع الَّتي غَلَبت على كتابِ «تفصيلِ وسائلِ الشِّيعة» للحرِّ العاملي!
يُضاف إلى هذا كلِّه، أنَّ مُجرَّد العثورِ على بضعةِ مَوارد قليلةٍ .. لا يُثبت تُهمةً بهذا الحجم! لاسِيما وأنَّنا نعرفُ أنَّ هناكَ الكثيرَ مِن الرِّواياتِ -حتَّى في المَصادرِ الشِّيعيَّة! - يأتي مَقطعٌ منها في كتاب، وأكثر مِن ذلك في كتابٍ آخر، كلٌّ حسَبَ ما وَصَله، أو حسبَ طريقتِه» (١).
стр. 177
المَطلب الخامس
دفع دعوى تحايُدِ البخاريِّ عن الرواية عن أهل البيت
ليس مسلم بن الحجَّاج عند الإماميَّة مِمَّن يُقرَن بالبخاريِّ في هذه الدَّعوى، فإنَّهم يجدونَه يروي في «صحيحِه المُسند» عن جعفر الصَّادق سبعةَ عشر حديثًا (١)، ولا يجدون عن جعفر ولا روايةً واحدةً عند البخاريِّ في «صحيحِه».
واعتقادُ الإماميَّةِ لوجودِ عَداوةٍ بين البخاريِّ ورُواةِ أهل البيتِ: أمرٌ مُتخيَّل في أذهانِهم، ليس له في الخارج حقيقةٌ، وقد قدَّمنا قبلُ اعتزازَ البخاريِّ بأصولِ أهلِ البيتِ العُتَّقِ، وروايةِ مَناقبِهم في أكثرِ مِن بابٍ، ولذا رَوى من أحاديثِهم الكثيرَ في «جامِعه الصَّحيح».
ولقد بلغَ مجموعُ مَن رَوى عنهم البخاريُّ وحدَه مِن أهل البيتِ أو مَواليهم في «صحيحِه» وباقي كُتبِه: اثنين وخمسينَ راويًا (٢)، يَكفي أن نعلمَ أنَّ مَرويَّاتِ عليٍّ ﵇ وحده في «صحيحِه» أكثرُ مِن مَرويَّاتِ باقي الخُلفاء الرَّاشدين مُجتمعةً! حيث أورد له البخاريُّ ثمانيةً وتسعين حديثًا بالمُكَرَّر، وأصلُها أربعةً وثلاثين حديثًا بلا مُكرَّر؛ كما أنَّ مسلمًا أخرجَ له في «صحيحِه» ثمانيةً وثلاثين حديثًا.
стр. 178
كما روى البخاريُّ للحُسين بن عليٍّ ﵁ حديثين عن أبيه (١)، ومُسلمٍ روى من هذا أربعة أحاديث (٢).
ومِن عظيمِ إجلالِ أئمَّة الحديثِ لهؤلاءِ الرُّواةِ من أهل البيتِ بهذا الإسناد، أن جعلَ بعضُهم سندَ: الزُّهريِّ، عن علي بن الحُسين، عن الحُسين ﵁، عن عليٍّ ﵇: أصحَّ الأسانيد الذَّهبيَّة عند أهل السُّنة (٣).
فكيف يُقال بعد هذا أنَّ البخاريَّ مُعادٍ لرُواةِ أهل البيت؟!
واتِّهام الإماميَّةِ البخاريَّ بالطَّعنِ في جعفرٍ الصَّادقِ ﵁ لتركِه حديثَه:
فمَحضُ افتراءٍ عليه، إذ كان البخاريُّ أتقى لله وأعقلَ مِن أن يتَّخِذ مِثلَ هذا الإمام الشَّريفِ خصمًا له بين يدي ربِّه تعالى، وتَتَبيَّن براءتُه مِن الطَّعنِ فيه مِن وَجهين:
الأوَّل: أنَّ مُجرَّد خلوِّ أسانيدِ البخاريِّ في «الصَّحيح» مِن أحدِ الرُّواةِ لا يعني طعنًا منه فيه البتَّة، فإنَّه لم يَشترِط أصلًا استيعابَ جميعِ الثِّقاتِ في كتابِه، وقد تَركَ البخاريُّ الرِّواية عن عددٍ مِمَّن يُحسَب مِن أكابِر الثِّقاتِ.
فإنَّك لن ترى في كتابِه روايةً مُسنَدةً عن سُهيل بن أبي صالح (ت ١٤٠ هـ) (٤)، ولا عن حمَّاد بن سَلَمة (ت ١٦٧ هـ) (٥)، ولا عن محمَّد بن رُمح (ت ٢٤٢ هـ) (٦)، ولا عن أبي داود الطَّيالِسي (ت ٢٠٤ هـ)، بل ولا عن الشَّافعيِّ مع جَلالتِه!
وهذا أحمد بن حنبل وهو إمام الحديثِ وشيخُه، لم يذكره البخاري في كتابِه إلَّا مرَّتين، لم يُسند عنه فيهما إلَّا حديثًا واحدًا (٧).
стр. 179
وفي تقرير هذا الوجه من الرَّد، يقول أبو عبد الله الحاكم: «إنَّ كتابَيهما -يعني الصَّحيحين- لا يشتمِلان على كلِّ ما يَصِحُّ من الحديثِ، وإنَّهما لم يحكُما أنَّ مَن لم يُخرِجاه في كتابَيهما مجروحٌ أو غير صِدقٍ» (١).
وانظر بعدُ إلى عقلِ الخطيب البغداديِّ، وليُقتدى بإنصافِه -مع ما اشَتَهر عنه مِن القوَّةِ في الردِّ- لم يَستفزَّه ترك البخاريِّ روايةَ إمامِه الشَّافعيِّ في «صحيحه»، فلم يَبنِ قِبابًا مِن الأوهامِ -كما تفعل الإماميَّة- فيَصيح مِن أعلاها مُشنِّعًا: ويْلَك يا بُخاري، قد أزريتَ بنفسك!
بل بيَّن الخطيب بكلِّ مَوضوعيَّة وهدوء، أنَّ البخاريَّ لم يختر ترك الرِّواية عن إمامِه الشَّافعيِّ وأضرابِه مِمَّن تَقدَّم ذكرُهم لمعنى يُوجِب ضعفَهم عنده؛ ولكن -كما قال الخطيب- قد يفعلُه البخاريُّ استغناءً بما هو أعلى منهم، فيَروِي عَمَّن هو أكبرُ منهم سِنًّا وأقدمُ سَماعًا؛ ثمَّ ضَرَبَ أمثلةً مِن أقرانٍ للشَّافعي وشيوخٍ له أدركَهم، روَى عنهم البخاريُّ دونَه (٢)؛ والشَّافعي ماتَ مُكتَهِلًا، فلا يَرويه البخاريُّ نازِلًا؛ وإن كان قد رَوَى هو عن الحسين وأبي ثورٍ مسائلَ عن الشَّافعي (٣).
الثَّاني: أنَّ جعفرًا على فرضِ أنَّ البخاريَّ يَراه ناقصًا عن مَرْتَبة الضَّابط في الصَّحيح، فإنَّه لم يَشُذَّ بذلك عن اتِّفاق أهل هذا الفنِّ حتَّى يُشَنَّع عليه! فإنَّ مِن بعضِ النُّقاد مَن تكَلَّم في حديثِه أيضًا، كشيخِه أحمد بن حنبل، حيث قال: «جعفر بن محمَّد، ضعيفُ الحديث مُضطربٌ» (٤).
وحين سُئِل يحيى بن سعيد القطَّان عنه قال: «في نفسي منه شيءٌ، قيل: فمُجالِد؟ قال: مُجالِدٌ أحبُّ إليَّ منه» (٥).
стр. 180
وإن كان أكثرُ النُّقادِ على تَوثيقِ جعفرٍ (١).
فلعلَّ من أعدلِ الأقوالِ فيه ما حَرَّره الذَّهبي بقولِه: «جعفرٌ ثقةٌ صدوقٌ، ما هو في الثَّبَتِ كشُعبة، وهو أوثقُ مِن سهيل وابنِ إسحاق، وهو في وَزنِ ابنِ أبي ذئبٍ ونحوه، وغالبُ رواياتِه عن أبيه مَراسيل، وقد حدَّث عنه الأئمَّة، وهو مِن ثقاتِ النَّاس كما قال ابنُ مَعين» (٢).
أقول: بصَرفِ النَّظرِ عن أيِّ الأقوالِ أصدقُ حُكمًا على حديثِ جعفرِ بن محمَّد ﵁، فإنَّ البخاريَّ قد اجتهَدَ اجتهادًا صرفًا مِن حيث الصَّنعة النَّقديَّة لمَرويَّاتِ الرَّجل، فكان ماذا؟!
والبخاريُّ لا تَشوبُه في اجتهاده شائبةُ هوًى طائفيٍّ البتَّة، فإنَّه وإن ترَك الرِّوايةَ عنه في «صحيحِه الجامع»، فلِمعنًى في حديثِه نفسِه لا غير، وهذا لا يستلزم بحالٍ تَنقُّصًا من قدْرِ جعفرٍ، ولا مِن دينِه وعلمِه؛ حاشَاه!
فإنَّ البخاريَّ لو كان طاعنًا في هذا الإمامِ الشَّريفِ تَعصُّبًا كما تبهتُه به الإماميَّة، لَما رَوى عنه في كتابِه الآخر «الأدب المُفرد» حديثين عن المصطفى ﷺ (٣)!
بل لَما جَعَلَه حُجَّةً له في موضوعِ كتابِه «خلق أفعال العِباد»، حيث استدَلَّ بقولِه ﵁ أنَّ «القرآن كلام الله، وليس بمَخلوقٍ» (٤)!
ثمَّ إنَّ البخاريَّ وإن لم يُخرِج هو عن جعفرٍ الصَّادق، فقد خَرَّج لعليٍّ زين العابدين (ت ٩٣ هـ) (٥)، وللباقر محمد بن عليِّ (ت ١١٤ هـ) (٦)، وأخرج لمحمد بن
стр. 181
عمرو بن الحسن بن علي (ت ٩١ - ١٠٠ هـ) (١)، في آخرين مِمَّن قدَّمنا ذكرهم من أئمَّةِ آل البيت ﵃.
إنَّما آفةُ الإماميَّةِ وسرُّ شَغبِهم بجعفر على البخاريِّ، أنَّهم يَرون جعفرًا إمامًا مَعصومًا! بوصلةُ مَذهبهم في الفقه، لا يأتيه الباطلُ مِن بين يَدَيه ولا مِن خلفِه، أشبهَ ما يكون بالنَّبي! وهم يُريدون أن يُلزِموا سائرَ عُقلاء الأمَّة بهذا التَّخريفِ والجنون!
وغيرُ البخاريِّ من أئمَّةِ للحديثِ قد خَرَّجوا حديثَ جعفرٍ واحتَجُّوا به، كمسلمٍ وأصحابِ السُّنَنِ الأربعةِ؛ فهل نَفَعَهم هذا للسَّلامةِ مِن رَميِ الإماميَّةِ لهم بالنَّصبِ؟!
كلَّا؛ لنعلمَ أنَّ عيبَهم على البخاريِّ في هذه المسألةِ مُجرَّد هوىً أزَّته الخصومة لا غير.
стр. 182
المَطلب السَّادس
دفعُ تُهمةِ النَّصبِ عن البخاريِّ لإخراجِه عن رُواةِ النَّواصِب
قبل الخوض في نقدِ دعاوي الإماميَّةِ على البخاريِّ إخراجَه عن بعض النَّواصب، لا بدَّ من معرفة أنَّ هذه المسألةَ فرعٌ عن حكمِ روايةِ المُبتدِع، ومَذهبُ البخاريِّ فيها:
أنَّ الرَّاوي المُتأوِّلَ في بدعتِه، إذا كان مُسلمًا صادقَ اللَّهجة، مُتَجافيًا عن الكذبِ، ضابطًا للرِّواية: فإنَّ الأصلَ في مثلِ خبره أن يُقبَل (١)، سواءٌ أكان قَدريًّا، أو خارجيًّا، أو ناصبيًّا، أو شيعيًّا .. إلخ، فإنَّ لَنا صِدقُه، وعليهم بِدعتُه؛ إلَّا أن تكون بدعةً مُغلَّظةً، كبدعةِ التَّجهُّمِ مَثلًا، أو يُعلَم صاحبُها مُغاليًا في هَواه، مُفرِطًا فيه، فحديثُه بذا مَظِنَّة لوقوع الخَلل؛ ومثله قد يتَجافاه البخاريُّ، وهو ما عناه ابن الأخرم (ت ٣٠١ هـ) (٢) حين سُئِل: «لمَ ترَك البخاريُّ حديثَ أبي الطُّفيل؟ فقال: لأنَّه كان يُفرِطُ في التَّشيُّع» (٣).
стр. 183
أمَّا متى جمع الرَّاوي الغِلَظ والدَّعوة إلى بدعتِه، «تُجنِّب الأخذ عنه؛ ومتى جمع الخِفَّة والكَفَّ، أخذوا عنه وقبلوه، فالغلظ كـ: غُلاة الخوارج، والجهميَّة، والرَّافضة، والخِفَّة كـ: التَّشيُّع، والإرجاء؛ وأمَّا مَن استحلَّ الكذب نصرًا لرأيِه، كالخطابيَّة، فبالأَوْلى ردُّ حديثه» (١)، كما قرَّره الذَّهبي.
على هذا نهجُ كثيرٍ مِن نُقَّادِ الحديث في روايتِهم عن أهل البِدع، يَرونَ المَدار في قبول رواية المُبتدع على ضبطِه وصِدقِه، كما ذهب إليه أبو حنيفة، والشَّافعي، ويحيى بن سعيد القطَّان، وعلي بن المَديني، وهو المَشهور بقوله: «لو تركتُ أهل البصرة للقَدَر، وتركتُ أهلَ الكوفة للتَّشيع، لخربَت الكُتب» (٢).
وقال الجوزجانيُّ: «كان قومٌ يتَكلَّمون في القَدَر، منهم مَن يَزِن ويُتوهَّم عليه، احتملَ النَّاسُ حديثَهم، لمِا عرفوا مِن اجتهادِهم في الدِّين، وصدقِ ألسنتِهم، وأمانتِهم في الحديث، لم يُتوهَّم عليهم الكذب، وإنْ بُلوا بسوءِ رأيِهم» (٣).
وهذا عينُ ما توصَّل إليه الخطيب البغداديُّ بعد استقراءِ مُصنَّفاتِ الأئمَّة ونقداتهم للرُّواة، حيث أفادَ كلامًا فصلًا مُفيدًا في هذا الباب، يقول فيه:
«الَّذي نعتمدُ عليه في تجويزِ الاحتجاجِ بأخبارِهم -يعني أهلَ البدع- ما اشتهرَ مِن قَبولِ الصحابة أخبارِ الخوارجِ وشهاداتِهم، ومَن جرى مجَراهم مِن الفُسَّاق بالتَّأويل، ثمَّ استمرار عملِ التَّابعين والخالفين بعدهم على ذلك، لما رأوا مِن تحرِّيهم الصِّدقَ، وتعظيمِهم الكذب، وحفظِهم أنفسَهم عن المحظوراتِ مِن الأفعال، وإنكارِهم على أهلِ الرِّيَب والطرائق المذمومة، ورواياتِهم الأحاديث الَّتي تخالف آراءَهم، ويتعلَّق بها مُخالفوهم في الاحتجاجِ عليهم.
стр. 184
فاحتجُّوا بروايةِ عمران بن حطَّان، وهو مِن الخوارج، وعمرو بن دينار، وكان ممَّن يذهب إلى القَدر والتَّشيُّع، وكان عكرمة إباضيًّا، وابن أبي نجيح، وكان مُعتزليا، وعبد الوارث بن سعيد، وشبل بن عبَّاد، وسيف بن سليمان، وهشام الدُّستوائي، وسعيد بن أبي عروبة، وسلام بن مسكين، وكانوا قدريَّة، وعلقمة بن مرثد، وعمرو بن مُرَّة، ومسعر بن كدام، وكانوا مرجئة، وعبيد الله بن موسى، وخالد بن مخلد، وعبد الرَّزاق بن همَّام، وكانوا يذهبون إلى التَّشيع، في خلقٍ كثير يتَّسع ذكرُهم، دوَّنَ أهلُ العلم قديمًا وحديثًا رواياتِهم، واحتجُّوا بأخبارِهم، فصارَ ذلك كالإجماع منهم، وهو أكبرُ الحُجَج في هذا الباب، وبه يَقوى الظَّن في مُقاربةِ الصَّواب» (١).
فعلى تمام هذا النَّهج في تقيِيم روايات المُبتدعة جَرى عملُ البخاريِّ ومسلمٍ في كتابيهما، أي أنَّ المُعتَبَر في عدالةِ الرَّاوي هو كونُه بحيث لا يُظَنُّ به الاجتراءُ على الافتراءِ على النَّبي ﷺ (٢).
وقد أبان الحاكم عن هذا المَوقف مِن الشَّيْخين مِن تصرُّفهما في كتابيهما بقوله: «رواياتُ المُبتدعة وأصحاب الأهواء، رواياتُهم عند أكثر أهلِ الحديث مَقبولة، إذا كانوا فيها صادقين، فقد حدَّث محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ في «الجامع الصحيح» عن عبَّاد بن يعقوب الرَّواجني، .. واحتج أيضَّا بمحمَّد بن زياد الألهاني، وحريز بن عثمان الرَّحبي، وهما ممَّا اشتَهر عنهما النَّصب، واتَّفق البخاريُّ ومسلم على الاحتجاجِ بأبي معاوية محمد بن خازم، وعبيد الله بن موسى، وقد اشتهر عنهما الغلوُّ» (٣).
стр. 185
نقول هذا تأصيلًا لمنهجِ الشَّيخينِ في هذه المسألةِ على وجه العموم.
أمَّا عن الرُّواة الَّذين أخرج لهم الشَّيخان مِمَّن رُميَ بالنَّصب على وجه التَّفصيل:
فقد بلغوا في مجموعِهم ثمانية عشرَ راويًا، اتَّفق الشَّيخانِ على سبعة منهم، وانفردَ البخاريُّ بسبعةٍ، وانفردَ مسلمٍ بأربعةٍ.
وها هنا أمرٌ ينبغي التَّفطُّن له: وهو أنَّ علماء الجرح والتَّعديل عَدُّوا في مُصنَّفاتهم كثيرًا مِمَّن رُمِيَ ببدعة، وسَنَدهم في ذلك ما كان يُقال عن أحدٍ مِن أولئك أنَّه شيعيٌّ، أو خارجيٌّ، أو ناصبيٌّ، أو غير ذلك، مع أنَّ القول عنهم بما ذُكِر قد يكون مُجرَّد تَقوُّلٍ وافتراء (١).
فلأجل ذلك، اِرتأينا سردَ أسماء كلِّ مَن رُمي بالنَّصب من رُواة «الصَّحيحين» مع استيضاحِ حالِهم، كي نتبيَّن صدقَ هذه التُّهم أوَّلًا، ونعلَم وجهَ إخراجِ الشَّيخان لِمن ثبت فيه شيءٌ من ذلك، فنقول:
ينقسم الرُّواة المُتَّهمون بالنَّصبِ في «الصَّحيحين» أو أحدِهما إلى ثلاثةِ أقسام:
قسمٌ لم تثبُت عليه هذه التُّهمة.
وقسمٌ ثابتَة عنه لكن تابوا منها.
وقسمٌ لم يثبُت رجوعهم عنها؛ وإليك تفصيل كل قسم في الآتي:
القسم الأوَّل: مَن لم تثبُت عليه تُهمة النَّصب من رُواة أحاديث «الصَّحيحين»:
١ - قيس بن أبي حازم (ت ٩٧ هـ): روى له الشَّيخان، وقد رُمي قيسٌ بأنَّه «كان يحملُ على عليٍّ ﵁» (٢)، وهذا غير صحيحٍ عنه، فهو مِن أفاضل التَّابعين، بل عُدَّ التَّابعي الوحيدَ الَّذي روى عن العشرة المُبشَّرين بالجنَّة! (٣)
стр. 186
ومرَدُّ هذه التُّهمة إلى مُتشيِّعةِ الكوفة، حين خالَفهم في تقديمِ عثمان على عليٍّ ﵃ -وهو بَلديُّهم- عَدُّوه لذلك مُنحرفًا على عليٍّ ﵁! قاله يعقوب بن شيبة (ت ٢٦٢ هـ) (١).
٢ - أبو قلابة الجَرمي (ت ١٠٤ هـ): مِن كبار ثِقات التَّابعين، روى له الشَّيخان، ولم يثبُت عنه نصبٌ؛ أمَّا قولُ العِجليّ فيه: «كان يحمِل على عليٍّ ﵁، ولم يَروِ عنه شيئًا» (٢) مَردود، فإنَّ أحدًا لم يذكُره بنصبٍ، بل رَوى أبو قلابة عن عليٍّ ﵁ مُرسلًا (٣)، وهذا يُبيِّن مَزيدَ حرصِه على الرِّواية عنه ولَو بواسِطة، بل حَدَّث بخَبرٍ فيه منقبَةٌ لعليٍّ ﵁ في سُننِ ابن ماجه (٤).
٣ - ميمون بن مهران (ت ١١٧ هـ): لم يرمِه بالتَّحامل على عليٍّ إلَاّ العجليُّ، حيث قال: «كان يحملُ على عليٍّ ﵁» (٥)، وهذا لا يصحُّ، وقد نفى عنه الذَّهبي هذه التُّهمة من العجليِّ بقولِه: «لم يثبُت عنه حملٌ، إنَّما كان يُفضِّل عثمانَ عليه، وهذا حقٌّ» (٦).
وقد روى له مسلم في «صحيحه».
٤ - يزيد بن هارون (ت ١١٨ هـ): أحد أئمَّة السُّنة المشهورين، روى له الشَّيخان، لم يتَّهمه بالنَّصبِ إلَّا أحمد بن الصِّديق الغُماريُّ فيما أعلم، لما ورد عن يزيد أنَّه قيل له: «لِمَ تُحدِّث بفضائل عثمان، ولا تُحدِّث بفضائل عليٍّ؟ فقال: إنَّ أصحاب عثمان مأمونون على عليٍّ، وأصحاب عليٍّ ليسوا بالمأمونين على عثمان» (٧).
стр. 187
فقال الغُماريُّ: «هذا غَرر (١) النَّواصب! والواقع أنَّه بصريٌّ (٢) ناصبيٌّ، لا تُوافقه نِحلتُه، ولا يُساعده طبعُه على إملاءِ فضائل عليٍّ ﵇» (٣).
وهذا مِن تحامُلات الغُماريِّ على بعض أئمَّة السُّنة لنزغة التشيُّع الَّتي ابتُلي بها، وقد أوَّل كلامَه -إن كان مُجمَلًا- على عجلةٍ مِن غير بيِّنةٍ، وهو بهذه التُّهمة موغِلٌ في الشُّذوذ عن جماعة العلماء، فإنَّ أحدًا مِن نُقَّادِهم لم يَرمِه بمثلِ هذا المنكر، وليس مثلُ يزيدٍ في إمامتِه مِمَّن يخفى أمرُه أو يلتبس؛ وقد صحَّ عنه تحريجُه السَّماعَ عمَّن ينتقِصُ مِن عَليٍّ ﵁ (٤).
وأمَّا الجواب عمَّا ورد في كلام يزيد بن هارون نفسِه:
فمُرادُه منه: أنَّ كثيرًا مِن المُتشيِّعة لم يكونوا يَتورَّعون عن اختلاقِ رواياتٍ في ذمِّ عثمان وثَلبِه، فكان يزيد بن هارون بحاجةٍ في مقابل ذلك إلى إظهار فضائلِه، ردًّا على أكاذيبهم؛ وهذا بخلافِ شيعة عثمان، فقد كانوا -في الجملةِ- أشدَّ وَرعًا مِن أن يكذبوا على عليٍّ ﵁ بافتراء خبرٍ يقدح فيه، ومِن ثَمَّ لم يكُن يزيد بحاجةٍ إلى الاستكثار من روايةِ فضائل عليٍّ، بل كان واجب وقتِه إبراز فضائل عثمان ﵃ (٥).
٥ - محمد بن زياد الألهانيُّ (ت ١٣١ وقيل ١٤٠ هـ): مِن أفاضل التَّابعين، لم يرمِه بالنَّصب إلَّا أبو عبد الله الحاكم، والظَّاهر سلامتُه من هذا، فإنَّ كافَّة مِن تَكلَّم عنه مِن الأئمَّة لم يُشيروا إلى ذلك باستثناءِ الحاكم (٦)، وكان فيه شيءٌ من تَشيُّع، فلهذا عَقَّب عليه الذَّهبي بقولِه: «ما علمتُ هذا من محمَّدٍ» (٧).
стр. 188
وقد روى له البخاريُّ في كتاب المزارعة (١).
٦ - زياد بن علاقة الثَّعلبي (ت ١٣٥ هـ): روى عنه الشَّيخان، وهو مِن ثقاتِ المُعمِّرينَ عند النُّقاد، لم يثبُت عنه نَصبٌ، وقد شَذَّ الأزديُّ باتِّهامِه به (٢)، وكلامه مَردودٌ عند العلماء.
٧ - المغيرة بن مقسم (ت ١٣٦ هـ): ثقة مُدلِّس، روى له الشَّيخان، وَصَفه العجليُّ بأنَّه كان يحمل على عليٍّ ﵁ بعض الحملِ (٣)، وعامَّة العلماء لم يذكروا فيه ذلك، كما أنَّه خلاف الأصل فيه وهو كوفيٌّ (٤).
٨ - ثورِ بن يزيد الحمصيٍّ (ت ١٥٠ هـ): من ثقاتِ أتباعِ التَّابعين، لا تثبتُ عنه تُهمة النَّصب، وابن سعدٍ نقل عنه ما قد يُفهِم منه ذلك لكن بلا إسنادٍ (٥)؛ وقد كان ثورٌ يَمتنِع عن الوقيعة في عليٍّ ﵁، مع أنَّه كان مِمَّن قتلَ جدَّه في صِفِّين (٦).
وقد روى البخاري عنه ثلاثة أحاديث، ولم يروِ له مسلم شيئًا.
٩ - عبد الرَّحمن بن إبراهيم، المعروف بـ «دُحَيم» (ت ٢٤٥ هـ): ثقة مُتقن، لا أعلم أحدًا رماه بالنَّصب صراحةً إلَّا أنَّهم ذكروا عبارةً له مُحتمِلة (٧)، وكذا مَا وقفت عليه من تراجم المُتقدِّمين له لم أجد فيها بذلك (٨)، فالأظهر سلامتُه من النَّصب.
وله في البخاريِّ ثلاثة أحاديث فقط، ولم يُخرج له مسلم شيئًا.
стр. 189
القسم الثَّاني: مَن ثبت عليه النَّصب مِن رُواة أحاديث «الصَّحيحين»:
١ - مُرَّة بن شراحيل الهمداني (ت ٧٦ هـ): وهو مِن رجال الشَّيخين (١)، جاء عن عمرو بن مُرَّة قال (٢): سمعتٌ مُرَّة ينتقصُ عليًّا ﵁، فقلتُ له: تقول هذا لرجلٍ مِن أصحابِ النَّبي ﷺ قد سبق له خيرٌ؟! فقال: ما ذنبي إنْ كان خيرُه سبَقَني، وأدركني شرُّه!» (٣).
ولم أقف على أحدٍ رماه بالنَّصبِ أو أشار إلي ذلك مِمَّن ترجمَ له، فإنْ صحَّ عنه أنَّه كان يحملُ على عليٍّ ﵁، فذاك مُستغرب منه على كوفِيَّتِه! فلعلَّه أمرٌ كان تَلبَّس به مُرَّة أوَّل أمرِه، ثمَّ لم يَطُل عليه حتَّى تركه، فلذا لم يُعرَف عنه.
٢ - عبد الله بن شقيق العقيلي (ت ١٠٨ هـ): من ثقات التَّابعين، قال أحمد: «كان يحمل على عليٍّ ﵁» (٤)، وقال الذَّهبي: «فيه نصب» (٥)، وهكذا عامَّة العلماء على توثيقِه، على ما فيه من نَصبٍ، أدَّاه إليه تَعصُّبه لعثمان ﵁ (٦).
وقد روى له مسلم أحاديث، لكن لا علاقةَ لها برأيِه، ولم يروِ عنه البخاريِّ شيئًا.
٣ - نعيم بن أبي هند (ت ١١٠ هـ): مِن ثقات التَّابعين، يقول الذَّهبي: «نُعيم لونٌ غريب، كوفيٌّ ناصبيٌّ!» (٧).
انفردَ مسلم بأن أخرج عنه أخبارًا لا علاقة لها برأيِه، أمَّا البخاريُّ فلم يخرج له إلَّا حديثًا واحدًا مُعلَّقًا.
стр. 190
٤ - إسحاق بن سُويد البصريُّ (ت ١٣١ هـ): قال العجليُّ والصِّقليُّ: «كان يحمل على عليٍّ ﵁» (١)، ويذكرون أبياتًا تُنسب إليه، فيها مَديحٌ للخلفاءِ الثَّلاثةِ دونه (٢)؛ وكذا تُنسب إليه أبيات مُكمِّلة لها للأولى تمتدح عليٍّ ﵁ (٣)، وكلُّها لا نَتيقَّن نِسبَتها إليه؛ وإن ثبتت هذه الأخيرة أبطلَت كُلَّ ما وُصِم به مِن النَّصب.
ومع ذلك، لم يروِ عنه البخاريُّ إلَّا حديثًا واحدًا مَقرونًا بخالد الحذَّاء (٤).
وروى عنه مسلم حديثين (٥)، أحدهما مَقرونًا بخالدٍ أيضًا، والثَّاني في المُتابعات، ولا يضرُّهما الإخراج عن مثلِه على هذين السَّبيلين.
٥ - خالد بن سَلمة المَخزوميُّ (ت ١٣٢ هـ): ثقة مِن صغار التَّابعين، نصَّ على انحرافِه عن عليٍّ ﵁ جريرُ بن عبد الحميد، وابن معين (٦)، وفيه قال الذَّهبي: «هو مِن عجائبِ الزَّمان، كوفيٌّ ناصِبيٌّ! ويندُر أن تجدَ كوفيًّا إلَّا وهو يتَشيَّع» (٧).
روى عنه مسلم حديثًا واحدًا (٨) لا علاقة له برأيِه.
٦ - عبد الله بن سالم الوُحاظيُّ (ت ١٧٩ هـ): ثِقة صدوق في رِوايتِه (٩)، يروي أبو داود عنه أنَّه قال: «عليٌّ أعان على قتلِ أبي بكرٍ وعمر!» (١٠).
стр. 191
وهذه لا شكَّ مِن المَقالات الفاحشة المُزرية بالوحاظيِّ، لولا أنَّ سَندَ أبي داود فيه جهالةٌ في الواسطة! حيث قال: «حُدِّثتُ .. ».
ثمَّ إنَّ أبا بكرٍ ﵁ معلوم بالتَّواتر أنَّه مات ميتةً عاديةً ولم يُقتَل! وعمر ﵁ إنَّما قتلَه أبو لؤلؤة المَجوسيُّ، ولم يُعِن على ذلك أحدٌ من الصَّحابة؛ هذا مِن القطعيَّات التَّاريخيَّة، فكيف لهذا الرَّاوي أن يكذب هذه الكذبة السَّاذجة المفضوحة؟!
ولذلك أستبعد صدروها منه، وهو الَّذي أثنى الأئمَّة على تحفُّظِه للحديث، وعلى رجاحةِ عقلِه ونُبلِه؛ وأبو داود نفسُه -الَّذي نقل تلك العبارة عنه- قد رَوى عنه في «سُنَنِه» ثلاثة أحاديث (١)!
نعم؛ لا يعني هذا أن تُنفى التُّهمة عنه بالمرَّة، وإن كان مَقبولَ النَّقلِ باتِّفاق، يستحقُّ قول الدَّارقطني فيه: «هو مِن الأثبات في الحديث، وهو سَيِّء المذهب، له قول في عليِّ بن أبي طالب ﵁، قيل: يَسُبُّ؟ قال: نعم» (٢).
فأمَّا مسلمٌ فلم يروِ عنه شيئًا.
وأمَّا البخاريُّ، فلم يروِ عنه إلَّا حديثًا مُسندًا واحدًا (٣): حديثَ أبي أمامة الباهلي ﵁، أنَّه حين رأى سِكَّةً وشيئًا مِن آلة الحرث، فقال: سمعتُ النَّبي ﷺ يقول: «لا يدخلُ هذا بيتَ قومٍ، إلَّا أدخله الله الذُّل»؛ وهذا خبرٌ -كما ترى- لا علاقة له ببدعةِ النَّصب.
٧ - حصين بن نمير (ت ١٧١ - ١٨٠ هـ): ليس فيه إلَّا قول ابن أبي خيثمة: «أتيتُه، فإذا هو يحملُ على عليٍّ ﵁، فلم أعُد إليه» (٤)، ولستُ أعلمُ أحدًا مِمَّن ترجم له رَماه به إلَّا ابن أبي خثيمة! والكُلُّ على تعديلِه.
стр. 192
روى له البخاريُّ دون مسلم حديثين (١).
القسم الثَّالث: مَن ثبَتَ عليه النَّصب أوَّلًا، ثمَّ تَرَكه بعدُ:
١ - حَريز بن عثمان الرَّحبي (ت ٨٠ هـ): وهو أشهر مَن رُمِي بالنَّصبِ مِن رُواة البخاريِّ، وكان صَدَر عنه مِن ذلك بسبب حَنَقِه على عليٍّ ﵁ قتلَ آبائِه في صِفِّين، لكنَّه تابَ منه بأخرة كما حَكاه تلميذه أبو اليمان (٢)، فلذا أخرجَ له البخاريُّ (٣)، وهما حديثان عنده، كما قال ابن الأثير (٤).
وحريزٍ هذا فيه قال حمدون ابن الحاجِّ الفاسيُّ (ت ١٢٣٢ هـ) (٥) في نظمِه لـ «هُدى السَّاري» تحت باب مَن رُمي بالنَّصب من الرُّواة:
ومنهم حَريزُ بن عثمانَ كان لا *** محالةَ، ثمَّ تابَ والله أرحمُ (٦)
٢ - عمران بن حطَّان (ت ٨٤ هـ): وهذا أكثر ما يؤاخَذ البخاريُّ على تخريجه عنه، إذ كان رأسًا في الصُّفريَّة القَعَدِيَّة (٧) وخطيبَ الخوارج، قد وَثَّقَه غيرُ واحد، حتَّى قال أبو داود: «ليس في أهلِ الأهواءِ أصَحُّ حديثًا مِن الخوارج .. »، وذكَرَ منهم عمران بن حطَّان (٨).
فأمَّا مسلمٌ: فلم يروِ عن عمرانَ شيئًا.
стр. 193
والبخاريُّ إنَّما رَوى عنه روايتين لا أكثر (١)، إحداهما مُتابَعة بغيرها (٢)، ولا يضرُّ التَّخريج عمَّن هذا سبيلُه في المتابعات؛ والرِّواية الأخرى خرَّجها أصالةً (٣)، لكنَّها في الأحكامِ، ولا علاقة لها ببدعتِه البتَّة.
هذا؛ وقد نُقل عن عمران توبتُه مِن رأيِه الشَّنيعِ (٤)، والتَّائب مَقبول روايتُه حال تحمُّلها ولو في كفرِه بلا خلاف (٥)؛ فإن كان الأمر كذلك، فتُحمَل روايتُه المُفرَدة هذه الَّتي في البخاريِّ على أنَّ الرَّاوي عن عمرانَ -وهو يحيى ابن أبي كثير- أخذها عنه بعد توبتِه؛ أمَّا إن كان لم يتُب، فعلى «قاعدة البخاريِّ في تخريجِ أحاديثِ المُبتدِع، إذا كان صادِقَ اللَّهجة مُتديِّنًا» (٦).
وبعد؛
فعقِب النَّظر في جملةِ مَن ذُكر في هذه الأقسام مِمَّن رُمي بالنَّصب مِن رُواة أحاديث «الصَّحيحين»، وجدنا أنَّ أغلبَ هؤلاء مِمَّن لا يجوز أن يُوصَفوا بالنَّصب أصلًا، أعني بهم:
القسم الأوَّل بأكملِه، لعدم ثبوتِه عليهم، وهم تسعة رُواة.
ومعهم القسم الثَّالث: وهم راوِيان، لتركِهما له.
وثلاثةٌ مِن القسم الأوَّل: لعدمِ رُجحانِ ثبوتِ النَّصبِ عليهم، هم أقربُ إلى الشَّك، فالأصل فيهم السَّلامة أو التَّوقُّف على أقلِّ تقدير، وهم المُرَّقَمون في هذا القسم بـ: (١، ٤، ٧)، أوسَطُهم قد رُوِي له مَقرونًا أو مُتابَعًا بغيره من الثِّقات.
стр. 194
فمجموع هؤلاء: أربعة عشر راويًا، مِمَّن لا يجوز أن يُقال: «إنَّهم نواصبُ أخرجَ لهم الشَّيخان في كِتابيهما»، فهم بما ذكرنا خارجَ الحِسبة الجَدَليَّة مع الإماميَّة.
ليَبْقى معنا مِن الرُّواة الَّذي يغلِبُ على الظَّن تلبُّسهم بالنَّصبِ أو يُقطَع به: أربعةٌ فقط.
هؤلاء الأربعة إنَّما رَوى لهم الشَّيخان أحاديث قليلة جدًّا، بل وعلى مَذهبِ من يَشترط للرِّوايةِ عن أهل البِدَعِ أن لا يرويَ ما يُقوِّي بدعَتَه (١): فإنَّ هؤلاء الأربعة، قد خُرِّج لهم في «الصَّحيحين» ما لا يُقويِّ بدعتَهم، إنَّما هي نُتَفٌ في بعض (الفروعِ الفقهيَّة) أو (الأذكار)، فهم بعيدون في هذا عن التُّهمة جزمًا.
والشَّيخان لا يخرجان لأمثال هؤلاء إلَّا ما تبيَّن لهما قوَّته.
وبهذا تنفكُّ سُمعة الشَّيخين عن مَذمَّة الرِّواية عن النَّواصبِ في كِتابيهما، وأنَّ ما حَصَل فيهما مِن الرِّواية عن نَفَرٍ منهم قليل، فإنَّما كان بعد الثِّقة منهما بحفظِهم وصدِقهم، فيجوز -والحال كذلك- أن يُروَى عنهم ماداموا داخلَ حِمَى الإسلام، فإنَّ هؤلاء لم يبلُغوا أن يُكفِّروا عليًّا ﵁، ولا عادَوا جميعَ أهل البيت، وإنَّما حالُهم كما أوضحَه الذَّهبي في تقسيمٍ له بديعٍ، يقول فيه:
«كان النَّاس في الصَّدرِ الأوَّلِ بعد وَقعةِ صفِّينَ على أقسامٍ:
أهل سُنَّة: وهم أولو العِلم، وهم مُحبُّون للصَّحابة، كافُّون عن الخوضِ فيما شجَر بينهم؛ كسعدٍ، وابن عمر، ومحمَّد بن سلمة، وأُمَم.
ثمَّ شيعة: يَتَوالَوْن، ويَنالون مِمَّن حاربوا عليًّا، ويقولون: إنَّهم مُسلِمون بُغاةٌ ظَلَمَة.
ثمَّ نواصب: وهم الَّذين حاربوا عليًّا يومَ صفين، ويُقِرُّون بإسلامِ عليٍّ ﵁ وسابِقيه، ويقولون: خَذَلَ الخليفةَ عثمان ﵁.
стр. 195
فما علِمتُ في ذلك الزَّمان شيعيًّا كفَّر معاوية ﵁ وحزبَه، ولا ناصِبيًّا كفَّر عليًّا وحزبَه، بل دخلوا في سبٍّ وبُغضٍ؛ ثمَّ صار اليومَ شيعةُ زمانِنا يُكفِّرون الصَّحابة، ويَبرؤون منهم جهلًا وعدوانًا، ويَتعدُّون إلى الصِّديق -قاتلهم الله-.
وأمَّا نواصبُ وقتِنا: فقليلٌ، وما علِمتُ فيهم مَن يُكفِّر عليًّا ولا صحابيًّا ﵃» (١).
والحمد لله.
стр. 196
المَبحث الخامس
أبرز نماذج إماميَّة مُعاصرة تصدَّت لنقدِ «الصَّحيحين»
стр. 197
المَطلب الأوَّل
شيخ الشَّريعة الأصبهاني (ت ١٣٣٩ هـ)
وكتابه «القول الصُّراح في البخاريِّ وصَحيحه الجامع» (١)
يُعتبر كتاب (شيخ الشَّريعةِ) (٢) هذا بمثابةِ القاعدةِ التَّأصيليَّة النَّموذجيَّة لمِن جاء بعده مِن الإماميَّة المُعاصرين في مُعارَضةِ السُّنة، ونقدِ مُصنَّفات أهل الحديث، وهو أعظمُ شبهةً مِن سَلَفِه «تحيَّة القارِي» لعليٍّ عزّ الدِّين -وقد تقدَّمَ ذكرُه (٣) - وأوسعُ منه في إيراد الإشكالاتِ بدَرجاتٍ، غير أنه ماتَ قبل إتمامِه (٤).
وأغلبُ مَن أتى بعده مِن أهل مِلَّتِه إنَّما يُحيلون إلى كتابِه هذا دون كتاب عليِّ عزِّ الدين استغناءً عنه به (٥).
стр. 198
وقد تَنَّوعت مَطاعنُ (شيخِ الشَّريعةِ) في البخاريِّ و «جامعِه الصَّحيح» وتَباينت شُبهاته حوله حسبَ ترتيب أبوابِ كتابِه، حيث قسَّمَ مَوضوعاتِه إلى ثلاثةِ فصولٍ:
خصَّص الفصل الأوَّل: لإلزامِ البخاريِّ بأحاديث أغفلَها في فضائل عليِّ بن أبي طالب ﵁، وهذه أغلبُها لا ترتقي أصلًا إلى شرطِ البخاريِّ في الصِّحة، مثل حديث: «إنِّي تاركٌ فيكم ما إنْ تمسَّكتُم به لن تضلُّوا بعدي، أحدُهما أعظمُ مِن الآخر .. » (١).
أو يلزمه بما هو ساقط الإسناد مِن الأساسِ! كحديث: «عليٌّ بابُ حِطَّةٌ، مَن دَخل منه كان مؤمنًا، ومَن خَرَج منه كان كافرًا» (٢)!
أو يُلزِمه برَاوٍ مِن أهلِ البيتِ أهملَ ذِكرَه، أشهرهم جعفر الصَّادق، وذلك ليُثبت ما يدَّعيه مِن إضمارِ البخاريِّ لعداوةٍ لآلٍ البيتِ، فيسهُل عليه إسقاط اعتبارِ «صحيحِه» من قلب المُتشيِّع.
ولقد حَشا المؤلِّف فصلَه الأوَّل هذا بتهويلاتٍ كثيرةٍ، ودعاوي هائلةٍ، يستدعي بها قلَقَ القارئ، مِنها -مثلًا-: دعواه أنَّ شرطَ حُبِّ آلِ البيتِ الامتناعُ عن نقدِ أفرادهم بالمرَّة! (٣) وتحذيرُه مَن خَطَّأ فاطمةَ ﵍ في طَلبِها الميراثَ بالكُفر (٤).
لكن ليتَه بقِي على هذا النَّفَسِ التَّكفيريِّ فلم يزِد عليه قُبحَ التَّدليسِ والفِرى! كنِسبتِه تصحيحَ بعض الأخبار الباطلة إلى أئمَّة السُّنة وهم من ذلك براء (٥)،
стр. 199
وتعريجِه على سيرةِ البخاريِّ بما لا يخلو مِن لمزٍ في شخصِه، وطعنٍ في عَقيدتِه، والكذب عليه بنسبةِ القولِ بخلقِ القرآن إليه (١).
وأمَّا الفصل الثَّاني: فانتقى فيه ثلاثَ عشرة روايةً مِن «الجامع الصَّحيح»، ادَّعى أنَّها كذب، أكثرها مُتعلِّق بمقامِ النُّبوة، لم يُخلِها مِن ثلبِ بعضِ الصَّحابة، حتَّى فارَ فائِرُه فيها على ابن تيميَّة لنُصرته السُّنة ونقَلتها.
وقد أكثر المؤلِّف في هذا الفصلِ النَّقلَ عن كُتب أهلِ السُّنة وشروحِهم للأحاديث، إيغالًا منه في تثبيت شُبَهِه في قلب المُغفَّل، بعضها مَحضُ تلبيسٍ وقلبٌ للحَقائقِ، ما يلبثُ القارئ اللَّبيب أن تنكشِفَ له عند استبراءِ مَراجِعه الَّتي يُحيل إليها، لتُظهر كذبَه في الإحالات.
وبعضُها الآخر: الإشكالُ واقعٌ منه -بادئَ الأمر- حقيقةً، لكنْ لا يُحتاج في كشفهِ إلَّا إلى سِعة اطِّلاعٍ مِن القارئ على الرِّوايات، مع حُسنِ استعمالٍ لعلومِ الآلةِ حتَّى تتفكَّكَ الشُّبهة وتندحِضَ تِباعًا، وأهل الحديثِ قد أدَّوا ما عليهم في هذا الباب على أكملِ وجه.
مثال ذلك في هذا الفصل: ما أخرجه البخاريُّ عن ابن عبَّاس ﵃: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ أحَقَّ ما أخذتُم عليه أجرًا كتابُ الله» (٢).
فقال (شيخ الشَّريعة) مُتعقِّبًا إيَّاه: «هذا الخبر مَرويٌّ عن عائشة -أيضًا- عن رسول الله ﷺ ، وقد عَدَّه ابنُ الجوزي في «الموضوعات»، وأدرجها في الأحاديثِ الموضوعةِ والرِّواياتِ المَكذوبة!
قال: روى عمرو بن المخرم البصريُّ، عن ثابت الحفَّار، عن ابن مليكة (٣)، عن عائشة ﵂ قالت: سألتُ رسول الله ﷺ عن كسبِ المُعلِّمين، فقال: «إنَّ أحقَّ ما أُخِذ عليه الأجرُ كتابُ الله». قال ابن عَدي: لِعمرٍو أحاديث
стр. 200
مَناكير، وثابتٌ لا يُعرَف، والحديثُ منكرٌ، وفي الميزان: ثابت الحفَّار عن أبي مليكة بخبرٍ مُنكر» (١).
كذا قال؛ وعند الرُّجوعِ بالحديث إلى مَظانِّه الأصليَّة، نجدُ أنَّ البخاريَّ أورَدَه ضمنَ «كتاب الطِّب»، في باب «الشَّرط في الرُّقية بقطيع من الغنم»، مِن حديث ابن عبَّاس في سياقٍ آخر! يقول فيه: أنَّ نفرًا مِن أصحابِ النَّبي ﷺ مَرُّوا بماءٍ، فيهم لَديغ أو سَليم، فعَرَض لهم رجلٌ مِن أهلِ الماء، فقال: هل فيكم مِن راقٍ؟ إنَّ في الماء رجلًا لَديغًا أو سليمًا، فانطلقَ رجلٌ منهم، فقرأَ بفاتحةِ الكتابِ على شَاءٍ، فبَرَأ! فجاءَ بالشَّاءِ إلى أصحابِه، فكرِهوا ذلك، وقالوا: أخذتَ على كتابِ الله أجرًا! حتَّى قدموا المدينة، فقالوا: يا رسول الله، أخذَ على كتابِ الله أجرًا، فقال رسول الله ... » الحديث.
بينما الَّذي أورده ابن عديٍّ (٢) -وعنه ابنُ الجوزي (٣) - هو حديثٌ آخر لعائشة، لا علاقة له بحديث ابنِ عبَّاس في البخاريِّ! ففيه سؤالها إيَّاه ﷺ عن كسبِ المُعلِّمين.
ورجالُ سَندِ البخاريِّ غير رجالِ ابن عَديٍّ (٤)، وليس في رجالِ البخاريِّ مَن يُتَّهم، ولذلك عَمَّى (شيح الشَّريعة) على قُرَّائه إسنادَ البخاريِّ ومتنَ حديثِه كاملًا، كي لا يُلحظَ هذا التَّباين! وقد جنى بسوءِ قصدِه هذا على نفسِه، ولم يضُرَّ البخاريَّ بشيء.
وأمَّا الفصل الثَّالث: فليسَ فيه مِمَّا يَستدعي النَّظر، غير قدحِه في دينِ خمسةٍ مِن الصَّحب الكِرامِ والتَّنقيص من حِفظهِم، وهم: أبو هريرة، وأبو موسى
стр. 201
الأشعري، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزُّبير، وعبد الله بن عمر ﵃، مُجاهرًا بسَبِّهم وإعلانِ رِدَّتهم، والتَّشنيعِ على البخاريِّ حيث أخرجَ عنهم (١)، بما لا جديدَ فيه غير ترديدِ شُبهاتِ أسلافِه المُنحرفةِ عن السَّلف الصَّالحين.
стр. 202
المَطلب الثَّاني
محمَّد جواد خليل
وكتاباه «كشف المُتواري في صحيح البخاري»
و «صحيح مسلم تحت المجهر»
ألَّف هذا الباحث اللُّبنانيُّ مَوسوعتين جَمَعَتا مِن الشُّبَه على «الصَّحيحين» ما لم يجمعه رافَضيٌّ غيره فيما وقفتُ عليه، بحيث تَضمَّنتا طعونَ مَن سبقه وزيادة، ولعلَّهما آخرُ ما أُلِّف في بابِ الطَّعنِ في «الصَّحيحين» مِن كُتَّابِ الإماميَّة إلى ساعة كتابتي لهذا البحث.
فأمَّا كتابه «كشف المُتواري»: فواقعٌ في ثلاثِ مجلَّداتٍ، استوعبَ فيها الكلامَ على (تسعمائةٍ واثنين وخمسين) حديثًا مِن «صحيح البخاريِّ»! يَستدلُّ ببعضِها لإثباتِ مذهبِه، وأكثرُها للطَّعنِ في صحَّتِها متنًا، ويتطرَّق أحيانًا إلى أسانيدها إن رَمقَ فيها أيَّ راوٍ تُكلُّم فيه ولو كلامًا خفيفًا مُتجاوَزًا.
وأمَّا كتابه الآخر «صحيح مسلم تحت المجهر»: فهو اختصار لكتابه الأصل «صحيح مسلم بين القداسة والموضوعية»، نقدَ فيه قرابةَ ألفِ حديثٍ في «مسلم» في أربعةِ مُجلَّدات، ارتأى اختصارَه في هذا، قد ضَمَّنه خمسةً وأربعين بابًا، في كلِّ باب حديثٌ واحد -على الأقلِّ- مَطعون فيه.
стр. 203
ولقد صرَّح الكاتبُ بالغَرض مِن وَضعِ كتابِه «المُتواري» -ويلحقُه في ذلك كتابُه عن مسلم- بأنَّه: ألَّفه فهرسًا لأجل تسهيل رجوعِ طائفتِه إلى أحاديثِهما عند مناقشةِ أهلِ السُّنةِ، حِسبةً منه لنصرةِ باطِله، بعد قَلقِه مِن تساهُلِ طائفتِه في عَزوِ الأخبارِ النَّبويَّة إلى مظانِّها الصَّحيحة، وضعفهم في معرفةِ مَصادِرها عند أهل السُّنة، وتسرُّعِهم إلى تكذيبِ وجودِ أحاديث بادِّعاءِهم فقدَها في بعض الطَّبعاتِ الحديثة، مع أنَّها في طبعاتٍ أصَحَّ وأتقن موجودة!
يقول: « .. لذا قمتُ بجمعِ الأحاديثِ الَّتي طالما يحتاجُها إخواني، ووَضعتُها ما بين دَفَّتي هذا الكتاب، ومِن تلك الأحاديث ما فيه نَظَر، وعليه علامات استفهام، ومنها ما يُخالف الشَّريعة، ويَتعارض مع السُّنة النَّبوية الشَّريفة، ومنها ما يحطُّ مِن منزلةِ وشأنِ الرَّسول ﷺ ، مُضافًا إلى الأحاديثِ الَّتي تسخرُ من بقيَّة الأنبياء والمرسلين» (١).
ولقد رتَّبَ المؤلِّف كتابَيه من حيث الكُتب والأبواب والأحاديث حسب ترتيبها الموجود في «الصَّحيحين»، مقتصرًا فيهما على «الأحاديث التي يجب أن يتوقَّف المسلم المُوحِّد عندها» (٢).
و (جواد خليل) في مُقدِّماتِ كتابه الأوَّل منهما غير مكترث من أن يقذعَ القولَ في شخصِ البخاريِّ بخاصَّة، وأن يُجهد قلَمه لتسفيهِ «صحيحِه»، فهو الَّذي يرى البخاريَّ رجلًا سيِّءَ الحفظ! (٣) يَروِي عن المَجرُوحين البَيِّن جَرحهُم، وأنَّه فوق ذلك ناصِبيٌّ، «يطمس فضائلَ أهل البيت، في حين أنَّه قامَ بوضعِ واختلاقِ رواياتٍ في صحابةٍ، وهم مِمَّن كان الطَّعن فيهم أولى» (٤).
стр. 204
فلقد وقع المؤلِّف بهذه النَّفسية المضطربةِ بالغيظِ على البخاريِّ في كثيرٍ مِن الخطايا المنهجيَّة، منها:
انتزاعه للنَّتائج الحُكميَّة مِن مُسلَّماتٍ أوَليَّة: كأنْ يهرِفَ في بعضِ تعليقِاته بالطَّعنِ على أيِّ حديثٍ فيه فضيلةٌ لصَحابيٍّ، لمُجرَّد أنَّه صحابيٌّ، فالحَقُّ عنده أن يكون مِن أهل النِّفاق!
بل كان من فظيعِ استنتاجاته: استدلاله على تفشِّي النِّفاقِ في الصَّحابةِ، بقولِ ابن أبي مليكة: «أدركتُ ثلاثين مِن أصحابِ النَّبي ﷺ ، كلُّهم يَخافُ النِّفاق على نفسه»! وحكاية مثل هذا الهراء تُغني عن إبطالِه، مع قولِه بعدها: «الشَّاهد على ذلك: ما تقوله العامَّةُ بتعريفِ الصَّحابي: أنَّه مَن لَقِي النبَّي ﷺ في حياته مُسلمًا، وماتَ على إسلامِه .. إذن، فعبدُ الله بن أبيِّ بن سلول -هذا المُنافق- يُدرَج مع الصَّحابة!» (١).
ومعلومٌ عند وِلدانِ الكَتاتيبِ، أنَّ الرَّجل إذا كان على عهد النَّبي ﷺ مَعلوم النِّفاق، فإنَّ ذلك مِن مَوانع اتِّصافِه بالصُّحبةِ أصلًا.
فهكذا أغلبُ حالِه في تَعَقُّباتِه لأحاديثِ «الصَّحيحين»، كثير الإلزامِ لأهلِ السُّنةِ بما لا يَلزم، تراه -مثلًا- يَردُّ حديثَ رُؤيا النَّبي ﷺ نفسَه يُعطي فضلَ لَبنٍ شَرِبه لعمر ﵁، وتأويلَه إيَّاه بالعلم، فيُعارِضه (جوادٌ) بالحديثِ المشهورِ في إنكارِ امرأةٍ على عمر نهيَه عن المغالاةِ في المهور (٢)! بدعوى: أنْ كيف يجتمعُ علمُه هذا، مع استدراكِ هذه العامِيَّة عليه؟! حيث اختلط في عقله بين الأعلَمِيَّة والعِصمة.
ليختمَ بعدُ نقدَه لهذا الحديث بظَريفِ قولِه: « .. ثمَّ ألَا يعلمُ أهلُ العامَّةِ بأنَّ الفضائلَ لا تُكتَسبُ بالرُّؤيا والأحلام؟!» (٣).
стр. 205
نعم، هذا إذا كانت واردةً في أضغاثِ أحلامك المُزعجة! أمَّا رؤيا الأنبياء فحَقٌّ ووَحْي، كما اعترفت به أنت نفسُك بعد هذا الموضع بصفحاتٍ! (١)
لكنَّ التَّحامُلَ يودي بصاحبِه إلى التَّغابي والتَّغافل!
فرع: نموذجٌ مِن طَعْنِ (جواد خليل) بأخبارِ «الصَّحيحين»: أحاديث سهوِ النَّبي ﷺ في الصَّلاة:
العجيب مِمَّا تقدَّم مِن عَبثِ الكاتِب، أنْ يُعلِنَ توصُّلَه إلى مَرمى أهلِ الحديث مِن اختلاقِ ما اختلقوه مِن أخبارِ «الصَّحيحين»، واكتشافِه للُمؤامرةِ الَّتي باعوا لأجلِها الدِّينَ.
وذلك في سياقِ طعنِه في أخبارِ سَهوِ النَّبي ﷺ في الصَّلاة، حيث قال: «حاشا رسولَ الله ﷺ أن ينسَى كمْ صَلَّى! وكلُّ ما يُقال في ذلك، فهو لتبريرِ ما صَدَر مِن الحكَّام، الَّذين كانوا يصلُّون وهُم سُكارى، ولا يَدرون كم صَلُّوا! .. وهذا هو دَأبُ أهلِ العامَّة: الطَّعنُ في النَّبي الأكرم، وذلك لإخراجِ أمثالِ الوليدِ مِن وَحْل التَّاريخ» (٢).
وهذا كلامُ مَن جانبَ الحقَّ والفطرة، ونقضُه مُجلّى في عِدَّة وجوه:
الوجه الأوَّل: أنَّ السَّهوَ أو النِّسيانَ في المَرءِ -أحيانًا قليلةً- ليس سُبَّةُ ولا وصمةَ عارٍ حتَّى نُنَزِّه عنه مَن هو بَشَرٌ مثلنا، ولو كان هو نبيًّا رفيعًا؛ فهذا نبيُّ الله آدم ﵇ يقول عنه ربُّه: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ [طه: ١١٥]، وقال موسى ﵇ مُعتذرًا للخضر: ﴿قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣].
بل قال ربُّنا في حَقِّ نبيِّه محمَّدٍ ﷺ نفسِه: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤].
стр. 206
الوجه الثَّاني: القولُ بعِصَمَة الأنبياءِ مِن السَّهو والنِّسيان، فضلًا عن مُخالفتِه لصريحِ آي الكتابِ، هو مُخالفٌ للفطرةِ البَشريَّة الَّتي أجراها الله تعالى على البَشَر دلالةً على نقصِهم، والأنبياء لا شكَّ مِن جُملتِهم وإن كانوا أكملَهم؛ فذانِك أصلٌ في بني آدم كلِّهم، ومَن أخرجَ الأنبياءَ مِن هذا الأصلِ مُلزمٌ هو بالدَّليل؛ وأنَّا للإِماميَّةِ به؟! وقد نُقِل الإجماعُ على جَوازِ ذلك فيهم ﵈ (١).
الوجه الثَّالث: أنَّ السَّهو قد يَقَعُ مِن الإنسانِ وهو خاشِعٌ في صلاتِه، خاضعٌ فيها لربِّه، ولا مُنافاة بينهما، وهذا واقعٌ بالتَّجربة، مَعلومٌ مِن أحوالِ النَّاس.
الوجه الرَّابع: إنَّ وقوع السَّهوِ مِن النَّبي ﷺ في صلاتِه في بضعِ مرَّاتٍ قليلةٍ طيلةَ حياتِه المُبارَكة، لا يجعلُه بحالٍ في عِدادِ السَّاهين أو اللَّاهين، كما وَدَّ الكاتبُ أن يُصوِّره تَهويلًا وتشنيعًا، فمثلُ هذه النُّعوتِ المُشينة، لا يَصحُّ إطلاقُها إلَّا على مَن كان ذلك ديدَنَه -كما أشرنا إليه آنفًا-، وليس في أخبارِ سَهوِه ﷺ ما يُشير إلى تكرُّرِ ذلك منه.
هذا على ما أجراه الله تعالى على نبيِّه مِن ذلك السَّهو من جليلِ الحِكَم التَّشريعيَّة، حتَّى عَدَّ ابن القيِّم «سهوَه ﷺ في الصَّلاةِ مِن تمامِ نعمةِ الله على أُمَّتِه، وإكمالِ دينِه، ليقتدوا به فيما يُشرِّعه لهم عند السَّهو» (٢).
الوجه الخامس: ما ادَّعاه من وضعِ هذه الأحاديث تسويغًا لِما صَدَر مِن بعضِ الأمراءِ من تخليطٍ في ركعاتِ الصَّلاةِ جرَّاء سُكرِهم، فهو من المؤلِّف مُغالطةٌ ومُكابرة، تقتضي عدمَ تفريقِه بين السَّهو والسُّكْر! فلا صِلة بين سهو العاقلِ الصَّاحي في صلاتِه، وبين صلاته وهو سكران.
ثمَّ إنَّ استشهاده بالوليد بن عقبة زيادةٌ منه في الغَيِّ، فإنَّ الوليدَ حين صَلَّى الفجرَ أربعًا لسُكرِه، لم يعتذر لمَن خلفَه بهذه الأحاديث، ولا الخليفة عثمان ﵁ سَوَّغَ فِعْلَتَه كما يُسَوَّغ للسُّهاةِ، بل عاقبَه!
стр. 207
وخُلاصة القول في مثلِ أحاديث هذا الباب:
أنَّا لا نُثبِتُ للَّنبي ﷺ فِعلًا تَضمَّن صِفةً، أو نَنفي عنه ذلك، إلَّا بدليلٍ مِن كتابٍ أو أَثَرٍ صحيحٍ؛ وإلَّا فتَخيُّرنا الكَمالاتِ له على مَزاجِنا مُطلقًا أمرٌ لا ينضبِطُ، والآخذون بهذا المنهج، واقعون -لا مَحالةَ- في وَرطةٍ مع آي الكتاب، مع مثلِ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١]، وقولِه تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]!
فالأعلى قدرًا للنَّبي ﷺ ، أن نَضَعه في المنزلةِ الَّتي وَضَعه فيها ربُّنا ﵎، مِن غير إفراطٍ يرفعُه عن بشَريَّتِه، ولا تفريطٍ يُخرجه عن نُبوَّتِه.
ومع ما وقع فيه المؤلِّف من خطايا منهجيَّة ومغالطات علميَّة كثيرة، إلَّا أنَّ كتابه قد اشتمل على جملةِ لا يُستهان بها مِن شُبهاتٍ مُغلَّفة بغشاءِ الاستشكالِ العلميِّ البَريء، تقتضي الوقوفَ عندها بحزمٍ وقوَّة، لبيان زيفِ دعاويها لمن يقع عليها، كي لا تلبِّس على طلَاّب الحقائق الشَّرعية، ناهيك عن عوامِّ المسلمين.
стр. 208
المَطلب الثَّالث
محمَّد صادق النَّجمي
وكتابه «أضواء على الصَّحيحين»
خَطَّ (النَّجمي) هذا الكِتابَ باللِّسانِ الفارسيِّ، ثمَّ نُقِل بعد موته إلى العَربيَّة (١)، لم يقصُره على تعقُّبِ «البخاريِّ» حتَّى ألحق به صِنوه مسلم، فعُدَّ سِفرُه هذا مِن أهمِّ ما كتَبتهُ الشِّيعة الإماميَّة وأكثرها مَطاعِن في «الصَّحيحين»، فلذا حرِصوا على نشره بكِلتي لُغَتَيه على أوسعِ نطاقٍ.
ولقد أبانَ الكاتبُ في مقدِّمته له عن غَرضِ وَضعِه إيَّاه، فقال:
«هكذا أصبحَ الكتابان «صحيح البخاري» و «صحيح مسلم» مَدارَ العقائد عند أهلِ السُّنة، وهذه الأمور هي الَّتي دَعَتْنا إلى البحثِ والتَّنقيبِ في «الصَّحيحين»، وكشفِ حقيقتِهما وماهِيَّتهما، كي تَتجَلَّى الحقائقُ الَّتي استَترَت خلفَ الأستارِ السَّميكة مِن التَّقاليد، والعَصبيَّات، والظُّلمات، والأوهام، الَّتي ظَلَّت مَسدولةً لفترةٍ تزيد على ألفِ سنةٍ» (٢).
стр. 209
وترتيب الكتاب على المَوضوعاتِ بحسب اختيار المؤلِّف، لا على أبوابِ «الصَّحيحين»، حيث جعَلَه على ثمانيةِ فصول:
الفصل الأوَّل: تَكلَّم فيه عن سِيَرِ الحديثِ وأهميِّته، مُقتفيًا أثر (جعفرٍ السُّبحانيَّ) في أغلاطِه نفسِها في هذا الباب (١)! وزادَ هو ما ادَّعاه تَأخُّرًا لتَدوينِ الحديثِ عند أهل السُّنة، زاعمًا أنَّ الشِّيعةَ كانوا أسبقَ إلى التَّدوين منهم!
ولستُ أدري: أيَّ رافضيٍّ سبَّابٍ للصَّحابة سَبَق إلى تصنيفِ كتابٍ حديثيٍّ بأسانيدِه هو يَعنيه! فإنَّ أوَّلَ كتابٍ حَديثيٍّ ينسبونه لطائفتهم هو كتابُ سَليم بن قيس الهِلالي (ت ٨٥ هـ) (٢)، يعدُّه بعضهُم -حسب شيخِهم النُعمانيِّ (٣) - «أصلًا مِن أكبرِ كُتبِ الأصولِ الَّتي روَوْها مِن حَمَلةِ حديث أهلِ البيتِ، بل هو أقدَمُها» (٤).
لكن الحقُّ أنَّ الكتاب مَوضوعٌ عليه، غير مَوثوقٍ بما فيه عند أكابرِ الإماميَّة (٥)؛ ولم يكُن للـ (نَّجميِّ) غَرضٌ من هذه الدَّعوى، إلَّا إسقاطَ اعتبارِ «الصَّحيحين» بحُجَّة تأخُّرِ تصنيفِهما عن زمن النُّبوة.
وأمَّا الفصل الثَّاني: فترجَم في المؤلِّف للشَّيخين ترجمةً مُوجزةً، شانَها بقدحِ أمانتِهما، والطَّعنِ في عَقدِهما، وازدراءِ أفهامِهما، ينقل في ذلك نصوصَ افتراءاتِ «القول الصُّراح» لشيخ الشَّريعةِ لأصبهانيِّ (٦).
стр. 210
ولا غرابةَ أن تصدُر هذه الجهالةُ مِن مثلِه بمرتبةِ إمامينِ جليليْن من أئمَّة الحديث كالبخاريِّ ومُسلم، فهو الَّذي صَيَّرَ مالكَ بنَ أنس ووهبَ بنَ مُنبِّه مِن مَشايخِ البخاريِّ في الحديثِ! (١) وقد وُلد البخاريُّ بعد موتِهما بسنواتٍ.
وأمَّا الفصل الثَّالث: فنقَل فيه (النَّجميُّ) كلامَ بعض العلماء في الثَّناءِ على «الصَّحيحين»، مُتندِّرًا في ذلك ببعضِ الرُّؤى الَّتي نُقِلت في فضائلِ البخاريِّ، وهذا مِمَّا يراه المؤلِّف غلوًّا وتَنطُّعًا، مع علمِه أنَّ المُترْجِمين للبخاريِّ إنَّما حكوا مثلَ هذه الرُّؤى استئناسًا واستبشارًا، لا احتجاجًا.
وكان مِن قبيحِ جَهالاتِ المؤلِّف المنبئةِ عن ضحالةِ علمِه وسوءِ طويَّتِه:
نِسبتُه لأهلِ السُّنة تسميَّتَهم للكُتبِ السِّتة بـ (الصِّحاح)، لكونِ «جميع ما وَرَد فيها مِن الأحاديث والرِّوايات -سواء مِن وجهةِ نظرِ مُؤلِّفيها، أو مِن وجهةِ نظرِ علماءِ أهلِ السُّنة- صحيحةً ومُطابقةً للواقع، وأنَّهم يَعتقدون بأنَّ كلَّ ما جاء في هذه الصِّحاح السِّتة، ونُسِب إلى الرَّسول ﷺ ، فإنَّه قد خرج مِن بين شَفَتي رسولِ الله ﷺ » (٢).
فلَيْتَه قدِر أن ينقل هذا الهُراءَ عن أحَدٍ مِن علماء السُّنةِ، حتَّى ننظُر في وجهِ كلامِه؛ وكلُّ حَديثيٍّ عندنا مُبتدئٍ يعلمُ أنَّ أربابَ السُّنَن الأربعةِ لم يشترطوا الصِّحة في ما ساقوه مِن أخبارَ في مُصنَّفاتهم، وإنَّما أطلق عليها بعض العلماء تلك التِّسمية لأنَّ أغلب ما فيها صحيح أو مَقبول، ومن ركائز الفقهاء في الاحتجاج.
وأمَّا الفصل الرَّابع من كتابِه: فساقَ فيه ما رآه أدلَّة على ضَعفِ «الصَّحيحين» وسُقمِهما، منها دعواه ضعفُ أسانيدِها، فينقلُ فيه عن ابن حَجرٍ «أنَّ الحفَّاظَ وعلماءَ فنِّ الرجالِ، ذكروا أنَّ ضعفاءَ رُواتِهما يبلغُ الثَّلاثمائة شخصٍ» (٣).
стр. 211
فأمَّا ما أحالَ إليه المؤلِّف في «هُدى السَّاري» لابن حجر، فعند الرُّجوعِ إليه نجده خاليًا مِمَّا أفادته عبارَته! فإنَّما ذكَرَ ابن حَجرٍ في هذا الموضع من كتابه الرُّواةَ المُتكَلَّمَ فيهم بأدنى كلامٍ وفيهم الثِّقات، لا المَفروغَ مِن ضَعْفِهم (١)! ولا يلزمُ مِن مُجرَّد كلامِ أحدٍ في راوٍ، تحُّققَ كلامِه فيه من حيث الواقِع، ومَعروفٌ أنَّ الشَّيخين قد يُخرجان لمِن فيه كلامٌ في مَواضع مَعروفة، تبيَّن لهما صِدقه في ما رَواه؛ هذا إن لم يكن الرَّاوي في رأيِهما ثابت العدالة والضَّبط (٢).
ثمَّ قول المؤلِّف في موضعٍ آخر من فصلِه هذا: «إنَّ الأحاديث غير الصَّحيحة والضَّعيفة، يبلغُ عددُها فوق ما عَدَّه ابن حَجرٍ كما نقل عنه الحُفَّاظ، حيث قال: إنَّها لا تَتَجاوز المائةَ وعشرة أحاديث، ضعيفةٌ مِن جهةِ المتنِ» (٣):
هو نقلٌ مَشحونٍ بالكذبِ، فإنَّ الَّذي ذَكَره ابن حجر عِدَّةَ الأحاديث الَّتي أعَلَّها الدَّارقطني وبعضُ العلماءِ مِن جِهة أسانيدِها، مع الإجابةِ عن ذلك كُلِّه أو أكثره (٤)؛ فإنَّه ذكَرَ الأحاديثَ الَّتي انتقِدت على الشَّيخين، فقَسَّمها أقسامًا، جلُّها مُتعلِّق بصناعةِ الإسنادِ، ولا تَمسُّ المتونَ بسوءٍ، لا كما تَقوَّله المؤلِّف، وعَزَاه مَيْنًا للحافظِ (٥).
وأمَّا الفصل الخامس: فخصَّصه (النَّجميُّ) للطَّعنِ في أحاديثِ الصَّفاتِ الإلهيَّةِ الَّتي أخرَجاها، فجرى في مِضمارِ المُعتزلةِ في إنكارِها لرؤيةِ الله تعالى يومَ القيامة، وأنكرَ معها كثيرًا مِن الصِّفاتِ الذَّاتيةِ الخَبريَّة، ثمَّ عرَض لمُعتقدِ الإماميَّة في هذا الباب من الاعتقاد؛ لكَأنَّما تقرأُ فيه عَقْدَ القاضي عبد الجبَّار الهمداني!
стр. 212
وأمَّا الفصل السَّادس: فخاضَ فيه الكاتبُ في النُّبوات، وقارنَ بين أهلِ السُّنة والشِّيعة الإماميَّة في هذا الباب، ورَدَّ جملةً مِن أحاديث «الصَّحيحين» في ذلك، كحديثِ كذباتِ إبراهيم ﵇، وطعنِ موسى ﵇ لعَينِ المَلَك.
وأمَّا الفصل السَّابع: فحشدَ فيه ما يزعُمه من أحاديث في «الصَّحيحين» تَنتقصُ قدرَ الرَّسول ﷺ ، مِنها ما كان تَقدَّم مِن أحاديثِ السَّهو في الصَّلاة والنِّسيان.
وحين عَرَّج على حديث شَقِّ صدرِ النَّبي ﷺ صغيرًا، نَفى القصَّة جملةً وتفصيلًا، وعلَّة ذلك عنده: أنْ «لو كان لهذه القصَّة حقيقة كسائر القضايا، لذكرَها أئمَّةُ أهل البيت، الَّذين هم أدرَى بما في البيت، بينما تَراهم لم يَدَعوا صغيرةً ولا كبيرةً ممَّا تمُتُّ بحياةِ الرَّسول ﷺ وتاريخِه، إلَّا وَذَكرُوها» (١).
لكن واقعُ مُصنَّفاتِ طائفتِه تُكذِّب ادِّعاءَه هذا وتوهن حُجَّتَه؛ وإلَّا: فأينَ نَقْل الإماميَّةُ لسيرةِ النَّبي ﷺ بالسَّندِ المُتَّصل الصَّحيحٍ أصلًا؟! بل أين اعتناؤُهم بأحاديثِه ﷺ في شَتَّى الأبوابِ الشَّرعية الأخرى؟! المُعتني بذلك أعزُّ فيهم -والله- مِن الغُرابِ الأعصم، فإنَّهم لا يتناقلون من الرِّواية إلَّا ما كان عن أئمَّتهم في الأعمِّ الأغلب (٢).
وفي هذا الفصلِ أيضًا: مَا يدلُّ على جهل الكاتبِ بأدلَّةِ مَذهبِه الَّذي ينتصرُ له: فتراه يستنكر متونًا في «الصَّحيحين»، هي في أمَّاتِ كُتبِ الإماميَّة لو كان يعلمُ!
تراه -مثلًا- في استقباحِه حديثَ بولِ النَّبي ﷺ قائمًا، بداعي أنَّه «ليس فقط لا يَتلاءم ومَقام النُّبوة فحسب، بل إنَّه يُشين بأيِّ فردٍ مِن الأفراد! ممَّن له معرفة سطحيَّة بالمعارف الدينيِّة! أو يكون مُحترمًا عند نفسه!» (٣).
стр. 213
مع أنَّ جعفرًا الصَّادق -مَن يعتبرُه هو وأرباب فِرقته مَنبعًا للتَّشريع- يُجيب مَن استفتاه عن التَّبولِ قائمًا، قائلًا: «لا بأسَ به» (١)!
أمَّا الفصل الأخير مِن كتابِه: فقد خَصَّصه النَّجمي للقدحِ في خلافةِ الخُلفاء الثَّلاثة الأُوَل ﵃، مُدَّعيًا أحقيَّةَ عليٍّ ﵁ بها دونهم، لفضائلَ ساقَها له حَشاها بالغَثِّ والسَّمين.
وحاصل القول: أنَّ الكاتب في ما مَضى مِن الفصول كلِّها: مُكثرٌ مِن التَّناقض، يُثبت القولَ ثمَّ ينقضُه بعدُ بصفحات! مع جُرأةٍ عجيبةٍ على الكذب والتَّلبيس.
فكان -مثلًا- يَدَّعي على علماء السُّنةِ أنَّهم يقولون بعصمةِ «الصَّحيحين»، وأنَّهما مُنَزَّهين «مِن أنْ تَنالهما الآراءُ والأفكارُ وإبداء الرَّأي فيهما، وأنَّ البحثَ والتَّحقيقَ فيهما، يكادُ يكون تَوهينًا لهما، وهذا بمثابةِ التَّوهين للقرآن، ولا توبةَ ولا غفرانَ لِمن يقومُ بذلك»! (٢).
ثمَّ هو بعد هذا التَّعميمِ العَقيمِ، يأتي بعد صفحةٍ واحدةٍ فقط، ليُلغي تُهمتَه تلك مِن غير شعورٍ، مُقرًّا بأنَّ «هناك علماء مِن أهلِ السُّنةِ أنفسِهم قد نظروا إلى «الصَّحيحين» نظرةَ المحقِّقِ البحَّاثة، فوَضَعوا ما احتواه الصَّحيحان على طاولةِ التَّشريح، وَوازَنوهما بالمِعيارِ الواقعيِّ» (٣)!
وآفةُ الكَذَّاب النِّسيانُ! والحمد لله.
стр. 214
الفصل الثاني
القرآنيُّون منكرو السُّنة وموقفهم من «الصَّحيحين»
стр. 215
المَبحث الأوَّل
تاريخ إنكار السُّنة
كان لظاهرة إنكار السُّنة النَّبوية بوادر آخرَ عهدِ الصَّحابة ﵃ في حالات نادرة لا اعتبارَ بها نتيجةَ شبهاتٍ عارضةٍ، سُرعان ما تنكشف ببيانٍ وجيزٍ مِن أحدِ الصَّحابة أو التَّابعين.
كما جرى في مجلسٍ تحديثٍ لعمران بن حصين ﵁، قيل له فيه: «يا أبا نجيد، لا تحدِّثنا إلَّا بالقرآن؛ فقال له عمران: أنتَ وأصحابُك يقرؤون القرآن، أكنتَ مُحدِّثي عن الصَّلاةِ وما فيها، وحدودَها؟! أكنت مُحدِّثي عن الزَّكاةِ في الذَّهب، والإبل، والبَقر، وأصنافِ المال؟! ولكن قد شهدتُ وغبتَ أنت.
ثمَّ قال: فرَضَ علينا رسول الله ﷺ في الزَّكاة كذا وكذا .. ، فقال الرَّجل: أحيَيْتَني أحياكَ الله!» (١).
ولقد كانت عامَّة بلادِ المسلمين في مَنأىً عن هذا الانحرافِ أوَّلَ أمرِها، حتَّى بدأت شرارتها في الاشتعال في بلادِ العراقِ مِن قِبل أفرادٍ لا يُمثِّلون فرقةً مُستقلَّة بذاتِها، أو اتِّجاهًا جماعيًّا مُؤثِّرًا (٢)؛ ثمَّ ما فَتِئ الأمر يتَطوَّر رُوَيدًا بعد