← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 224

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

المَبحث الخامس نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديثِ: «لولا حَوَّاءُ ما خَانَتْ أنثى زوجَها»

стр. 1507

المَطلب الأوَّل سَوْق حديث: «لولا حَوَّاءُ ما خَانَتْ أنثى زوجَها» عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : « .. لولا حوَّاء لم تخُن أنثى زوجَها الدَّهر» متَّفق عليه (١).

стр. 1508

المَطلب الثَّاني سَوْق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ لحديثِ: «لولا حوَّاءُ ما خَانَتْ أنثى زوجَها» استُنكِر متنُ هذا الحديث بعدَّةِ مُعارضاتٍ، مُحصَّلها في اثنَتَيْن: المُعارَضة الأولى: أنَّ تخصيصَ الحديثِ لحوَّاءَ بالخيانةِ مُناقِضٌ للقرآنِ الكريم، حيث حُمِّل فيه آدم وِزرَ الخطيئةِ ابتداءً، وتُهمة حوَّاء بإغواءِ آدم بالشَّجرةِ مَزبورٌ في صُحُفِ أهل الكتاب، فدَلَّ على أنَّ أصلَ الخَبَرِ إسرائيليٌّ. وفي تقرير هذا الاعتراض، يقول (محمَّد الغزالي): «ما خَانَت حوَّاء آدم، ولا أغرَته مِن الشَّجرة، هذا مِن أكاذيبِ التَّوراة! والقرآن صَريحٌ وحاكمٌ في أنَّ آدم هو الَّذي عَصى ربَّه! ولكنَّكم دون مستوى القرآن الكريم، وتَنقلون مِن المَرويَّاتِ ما يَقف عَقَبةً أمام سَيْرِ الدَّعوةِ الإسلاميَّةِ .. » (١). وقد علَّق عليه يوسف القَرَضاويُّ مُقِرًّ له بقوله: «مِن حَقِّه أن يرُدَّ هذا الحديثَ بشِقَّيه، فاللَّحم يخنَزُ -أي يتغيَّر وينتُن- وفقَ السُّنَن الإلهيَّة قبل بني إسرائيل وبعدهم، وحوَّاء لم تخُن زوجَها، كما نَستَبِين ذلك مِن القرآن» (٢). ويزيد (محمد عمراني حنشي) على ذلك قائلًا: «إنَّ كلَّ آياتِ القرآنِ الَّتي عَرَضَت لتلك الحادثة، تُخاطب آدمَ وحوَّاء مَعًا، وتذكُرُ إبليسَ صراحةً في التَّسبُّبِ

стр. 1509

في الغِواية .. وتحُمِّل آدمَ وزوجَه معًا تَبِعاتِ العصيانِ، إنْ لم تحمِّلها لأدمَ وحدَه! كما في سورة طه: ﴿فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾» (١). المعارضة الثَّانية: أنَّ في الحديثِ عقيدةَ توريثِ الخيانةِ مِن حوَّاء لِبَناتِها. وفي تقرير هذه الشُّبهة، يقول (سامر إسلامبولي): «هذا الحديث يُثبِت أنَّ الخيانةَ في النِّساءِ هي شيء طبيعيٌّ، وذلك مَوْروث غَريزيٌّ مِن خلال الأمِّ الأولى حوَّاء، والمَفروض حسب الحديثِ أنْ لا تُلَام أيَّةُ أنثى على فعلِ الخيانةِ، لأنَّ ذلك هو مِن طبعِها الَّذي جُبِلَت عليه!» (٢). ويقول (إبراهيم المَطرودي) (٣): «إنَّ الحديثَ يجعلُ الذَّنبَ الَّذي وَقَعت فيه حوَّاء -على القولِ بوقوعِه منها- مُنتقِلًا إلى بناتِها بالوراثةِ ونزعِ العِرق، مع توبتِها منه وطلبِ المغفرة فيه! وهكذا يضطَرُّنا الحديث للقولِ بأنَّ الله تعالى يَغفرُ الذَّنبَ لصاحبِه، لكن يبقى أثرُه على مَن بعده مِن ذُرِّيته! ويَتَحمَّل أولادُه مِن بعده جريرةَ سَبْقِه لهم به!» (٤).

стр. 1510

المَطلب الثَّالث دَفعُ المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ عن حديثِ: «لولا حوَّاء ما خانَت أنثى زوجَها» ليس في الحديثِ -بفضلِ الله- ما يُستنكَر عقلًا، ولا ما يخالفُ كتابَ الله تعالى إذا ما نحن فهمناه الفهمَ الصَّحيحَ المُوافِقَ للشَّريعةِ المُراعي لأصولِها، وهذا لا يكون إلَّا بعد تحديدِ المُرادِ بخيانةِ حوَّاء من الحديث أوَّلًا، فبِمُوجِب الكشفِ عن ذلك، يَنحَلُّ ما يتبعُ ذلك مِن إشكالاتٍ في معنى الخبرِ. لقد أجمَعَت كلمةُ العلماءِ قاطبةً على أنْ لفظ الخيانةِ في الحديثِ ليس مَقصودًا منه خِيانةُ الفِراشٍ، فإنَّ ذلك لم يَقَع لامرأةِ نبيٍّ قطُّ (١)، ولم يكُن أصلًا مع حوَّاء رَجلٌ آخر معها في الدُّنيا غيرُ زوجها آدم ﵇ حتَّى يحتمِل الذِّهنُ للَّفظِ معنى الزِّنا؛ هذا ابتداءً. فلأجل ذلك، نَحَى أهل العلمِ في بَيانِ مَعنى الخيانةِ الَّتي كانت مِن حوَّاء لزوجِها على قَولين مَشهورين: القول الأوَّل: أنَّ المُراد بخيانةِ حَوَّاءٍ تَركُ زجرِها لزوجِها آدمَ حينَ عَزَم على الأكلِ مِن الشَّجرة؛ فكان تَرْكُ أمانةِ النُّصحِ له، والانسيابِ وراء رغبتِه، بمثابةِ الخيانةِ له.

стр. 1511

وفي تقرير هذا المعنى، يقول ابن الجوزي: «خيانةُ حوَّاء زوجَها كانت في تَرْكِ النَّصيحةِ في أمرِ الشَّجرةِ، لا في غير ذلك» (١). وقال ابن هُبيرة بعد تقريره لهذا المعنى في الحديث: « .. فعلى هذا، كلُّ مَن رأى أخاه المؤمنَ على سبيلِ ذلك، فتَرَكَ نُصحَه بالنَّهي عن ذلك النَّهي، فقد خانَه» (٢). ومُؤدَّى هذا القول الأوَّل: أنَّ آدم ﵇ كان هو المُبتدرَ إلى الأكلِ مِن الشَّجرة، العازمَ ابتداءً على اقترافِ المَعصيةِ، وأنَّه كان الأَوْلَى بحوَّاءَ أن لا تَتَّبع الهوى مثلَه، بل حقُّها أن تكُفَّه عن غَيِّه، لأنَّها بِطانَتُه، لكنَّها تركته حتَّى سايَرته في معصيتِه، فشاركته أكلَ الشَّجرة، فعُدَّت بذلك خائنةً لِمن كان حقُّه عليها أن تَذُبَّ عنه شُؤمَ المَعصيةِ، لا أن تُذهبَ عنه وحشةَ الانفرادِ بالمَعصية! ولا يخفى ما في هذا القَولِ مِن نَقضِ دَعوى نَبزِ الحديثِ بالذُّكوريَّة (٣)، وتأصُّلِ النِّساءَ في الشرِّ، فإنَّ المُتَّهَم ابتداءً فيه بالمَعصيةِ -كما ترى- آدمُ لا حوَّاء! والَّذي كان مِن أُمِّنا أنَّها تَرَكت واجبَ النُّصحِ له، ثمَّ اتَّبَعَته في عَيْنِ مَعصيتِه. ولا يُقال أنَّ هذا المَعنى يُناقض ما في كتابِ الله تعالى مِن إغراءِ الشَّيطانِ لهما جميعًا، مثلِ قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠]؛ فإنَّ آدمَ كان هنا الأرْغَبَ في الشَّجرةِ، والأعزمَ على فعلِ ما وَسوَس به الشَّيطان لهما جميعًا، أمَّا حوَّاء وإن كان قد وَقَع في نفسِها مِن ذلك شيءٌ، فإنَّها لم تستَبِح فعلَ ذلك إلَّا بعد استباحةِ زوجِها له، وكان الفَرْضُ أن تَنْهاه، لا أنْ تُقِرَّه على باطلٍ. ومُحصَّل القول الأوَّل: سَبْقُ آدمَ إلى الأكلِ من جِهةِ عَزمِه على ذلك، وبهذا يَستقيم قولُهم بأنَّ الخيانةَ في الحديثِ: تَركُ حوَّاء نُصحَ آدم؛ وإلَّا لَوْ كانا بادَرا

стр. 1512

إلى الفعلِ جميعًا بُعَيْد الوَسْوَسة، وتَوَافقا عليه ابتداءً: لمَّا صَحَّ انفرادُ حوَّاء بوَصفِ الخيانةِ دون آدم، بل لَكان وَصْفُ آدم بذلك أَوْلى، لتَرْكِه نُصحَ زوجِه وهو القَوَّام عليها. وأمَّا القول الثَّاني لأهل العلم فمحصِّله: أنَّ الشَّيطان لمَّا وَسْوَس لآدم عليه السلاموحوَّاء، وغرَّهُما بأكلِ الشَّجَرة كِليهما: صارَت حوَّاءُ بعد ذلك تُحرِّضُ زوجَها وتُزَيِّنُ له ذلك، «فجاءَ الوَسْواسُ نافِخًا في نارِ هذه الشَّهواتِ الغَريزيَّة، مُذَكِيًّا لها، مُثيرًا للنَّفسِ بها إلى مخالفةِ النَّهي، حتَّى نَسِيَ آدمُ عهدَ ربِّه، ولم يكُن له مِن العَزم ما يَصرِفه عن متابعةِ امرأتِه، ويَعتصم به مِن تأثيرِ شيطانِه» (١). يقول القاضي عياض: «إنَّ إبليسَ إنَّما بَدَأ بحوَّاء، فأغْوَاها وزَيَّن لها، حتَّى جَعَلَها تأكلُ مِن الشَّجرة، ثمَّ أتَتْ آدم، فقالت له مِثلَ ذلك، حتَّى أكَلَ أيضًا هو» (٢). ويقول ابن حجر: «فيه إشارةٌ إلى ما وَقَع مِن حوَّاء في تزيِينِها لآدمَ الأكلَ مِن الشَّجَرةِ، حتَّى وَقَع في ذلك، فمعنى خيانتِها: أنَّها قَبِلَت ما زَيَّن لها إبليس، حتَّى زيَّنته لآدم» (٣). وكما هو بَادٍ من شرحِ هذا القول، ليس فيه ما يُنافي الخبرَ القرآنيَّ -بحمد لله-، فإنَّ تحريضَ حوَّاء لآدم وترغيبها له في الشَّجرة لا يَتَنافى مع كونِ إبليسَ هو مَن تَسَبَّب بالغِوايةِ لهما ابتِداءً، وأنَّ آدم قد غَرَّه الشَّيطان أيضًا ووَسْوَس له كما وَسْوَس لزوجِه حوَّاء؛ غاية ما جاء في الحديث زيادةٌ تفصيليَّةٌ يَسيرة لم تَرِد في مُجملِ الخَبرِ القرآنِيِّ، ولا شَكَّ أنَّ السُّنةَ تأتي مُفصِّلةً لِما أُجمِل في القرآن، وزائدةً عليه أحيانًا في ما سَكَت عنه ممَّا لا يَنقضُ أصلَه.

стр. 1513

والحاصل مِن كِلا القَولين لأهل العلم: أنَّ الواردَ في القرآنِ: كونُهما أكَلا مِن الشَّجرة بعد الوَسوسة لهما جميعًا، فعُوقِبا على فعلِهما جميعًا، وورد فيه أيضًا نسبةُ العصيانِ لآدم وحدَه، في قولِه تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]: فأمَّا على القولِ الأوَّل: فلا تُشكل عليه الآية أصلًا، لأنَّ فيه أنَّ آدم هو المُبادر إلى الأكلِ، وكانت تابعةً له في ذلك، مع تركِ النُّصحِ له. وأمَّا على القولِ الثَّاني: فحلُّ ما قد يظهر بينهما من تخالف بأن نقول: إنَّ الآيةَ جاءت في سياقِ آياتٍ خَصَّت آدمَ بالذِّكر وحدَه، بدءً من قصَّةِ خَلْقِه، ثمَّ سجودِ الملائكةِ له، ثمَّ عَهْدِ الله إليه بعَدواةِ الشَّيطان له؛ فلمَّا أنْ وَقَع مِن آدمَ ما وقَع مِن المَحظور، نُسِبَت إليه المَعصيةُ بخصوصِه -مع وقوعِها مِن زوجِه أيضًا- باعتبارِه المَعْهودَ إليه بعِصيانِ عَدُوِّه ابتداءً، وكونِه القوَّامَ على أهلِه انتهاءً! ولكون مآل ذلك ستلحَقُه شقاوته هو دون زوجِه، مصداق قول ربَّنا تعالى له: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧]. فلذلك كلِّه خُصِّ آدم ﵇ بالمَعصية في هذا السِّياق. وسواءٌ قُلْنَا بأنَّ خيانةَ حَوَّاء مِن قَبِيل تركِ النُّصحِ لآدم -كما القولُ الأوَّل- فإنَّ ذلك يَدلُّ على أنَّ آدمَ ﵇ قد اغتَرَّ بوَسواسِ الشَّيطانِ، وهذا موافقٌ للقرآن. أو قلنا أنَّ الخيانةَ مِن قَبِيل تَرغيبِها له في الشَّجَرةِ -كما القول الثَّاني- فلا يَتَنافى مع ما في القرآن من أنَّ الشَّيطان غَرَّ آدم أيضًا! ليظهر أنَّ الحديث على كِلَا المَعنَيَيْنِ لا مَدْخَل لأحدٍ أن يَدَّعي عليه الانتحالَ مِن التَّوراة؛ فإنَّ التَّوراة تجعلُ الوَسْواسَ متوجِهًا إلى حَوَّاءَ وحدها دون آدم! وأنَّ آدم إنَّما أكَل رضوخًا لتَزيِين زوجِه له ذلك، كما ورد به الإصحاحُ الثَّالث مِن سِفْرِ التَّكوين (١).

стр. 1514

ثمَّ على التَّسليم بأنَّ خَبَرَنا هذا وافقَ خبرَ أهلِ الكتاب؛ فقد بَيَّنا قبلُ مِرارًا أنَّ ذلك جائز الوقوعِ، لِنَفْيِنا أن تكونَ جميعُ أخبارِهم مُحرَّفَة، بل يكون وِفاقُ نصوصِ شرعِنا لها دَليلًا على سلامِتِها من التَّحريفِ، فلا يَلزم أن تكون مُقتَبَسًةً منها. تبقى دعوى المعارضةِ الثَّانية في تَوريثِ الشَّرِ والذَّنبِ لبناتِ حوَّاء، كما يزعُمه المُعترِض مُرادًا للحديث، فيُقال في نفيها: كلَّا، ليس هذا مُرادًا مِن هذا الحديث الشَّريف! حاشاه ﷺ مِن نسبةِ الظُّلم إلى الفعلِ الإلهيِّ، فقد تَقرَّر آنِفًا أنَّ خِيانةَ حوَّاء هي مِن نوعِ تركِ النَّصيحة لآدم، أو من نوعِ زيادةِ تَزيِين المَنهيِّ له. مثل هذا السُّلوكِ الَّذي كان من حوَّاء -بمفهومِه العامِّ- خِصلةٌ مُطَّرِدةٌ في نفوسِ النِّساء في الجملة، و «خيانةُ كلِّ واحدةٍ منهنَّ بحسبِها» (١)، وليس في الحديث ما يُفيد لزومَ أن يشملهُنَّ هذا الطَّبعُ جميعَهنَّ. فعلى هذا، يكون مُراد الحديث مُجرَّد البَيانِ عن اطِّرادِ الحالِ، وانتقال القابليَّة للشَّيءِ مِن الأصلِ إلى فروعِه. وفي تقريرٍ هذا المَعنى مَقصِدًا للحديثِ، يقول محمَّد بهجت البَيْطار (ت ١٣٩٦ هـ) في شرحِه: «إنَّ طبيعةَ النِّساءِ واحدةٌ، واستعدادُهنَّ واحدٌ في الخِلْقةِ والقابليَّة، لا فرقَ بين حوَّاء وغيرها مِن اللَّائي جِئْنَ بعدها، وقد خُلِقَت حوَّاء -وهي أمُّ النِّساء- قابلةً للخيانة والخَطأ، فخُلِقَت بناتُها مثلَها في ذلك الاستعداد والقبول، وفي تلك الخِلقة والصِّبغة، لا تتفاوت بين أفراد النِّساء في ذلك. ولو أنَّ حَواء خُلِقت غير قابلةٍ لذلك: لمَا وَقَع منها شيءٌ ممَّا ذكرنا، لأنَّها غير قابلةٍ له، كما خُلِقت الملائكة غير قابلةٍ للعِصيان، ولكانت بناتُها غيرَ قابلاتٍ ولا مُستعدَّاتٍ لشيءٍ منه! فلم يَقع منهنَّ شيء، لأنَّ الطَّبيعة واحدة.

стр. 1515

وعلى هذا قيل: «ولولا حَوَّاء ما خانَت امرأةٌ زوجَها»؛ أي: لو خُلِقَت غيرَ قابلةٍ للخيانة، لكانت بناتها مثلها غير قابلاتٍ للخيانةٍ، وإذا لمْ تَكُن حوَّاء ولا بناتُها قابلةً للخيانة، لم تقع منهنَّ، وهذا بيِّنٌ. والحديث يَشرح نظريَّةً مِن نظريَّاتِ علمِ النَّفس، هي: أنَّ الاستعدادَ الفِطْريَّ في النَّوعِ الإنسانيِّ واحدٌ في الجديد والقديم، فاستعدادُ الإنسان الفِطريِّ في القرونِ المُظلمةِ الوسطى، مثل استعدادِه في القرن العشرين، واستعدادُ الشَّرقيِّين المَغلوبين على أمرهِم، المُستعمَرين مِن جميع نواحي الاستعمار، مثل استعدادِ الألمانيِّين والفرنسيِّين والإنجليز، وإنمَّا يكون التَّفاوُت والاختلاف بالمُحيطاتِ والبيئاتِ الحاكمةِ على الإنسان، ويكون أيضًا باستعمالِ الاستعدادِ وهُجرانِه. ولو أنَّنا أخَذْنا طفلَ أعلمِ فيلسوفٍ إنجليزيٍّ، ووضعناه في أحضانِ أُمَّة عريقةٍ في الجهالة والتَّأخر، لجاء ذلك الطِّفل مثلَهم جاهلًا متأخِّرًا، ولو أخذنا طفلًا مِن هذه الأمَّة الجاهلة، ووَضعناه في بيتِ ذلك الفيلسوف الإنجليزيِّ، لجاء مُتعلمًّا مهذَّبًا، وربمَّا فاق فلاسفة الإنجليز أنفسِهم» (١). فهذا جوابٌ -كما تراه- مَتين مُتماسِك؛ ومِمَّا يُؤيِّده: حديث النَّبي ﷺ في حَقِّ آدم نفسِه حينما جاءَه مَلَك المَوت، فقال له: أَوَلم يبْقَ مِن عُمري أربعون سنةً؟! فقال المَلَك: أَوَلم تُعطِها ابنَكَ داود؟! قال النَّبي ﷺ : «فجَحَد آدم، فجَحَدت ذريَّتُه، ونَسِيَ آدم، فنسِيَت ذُريَّتُه، وخَطِئ آدم، فخَطِئت ذُريَّتُه» (٢). فليس معنى هذا الحديث أنَّ الله كَتَب الجحودَ والنِّسيانَ والخطيئةَ على بني آدم عُقوبةً أن جحَدَ أبوهم آدم ونسِيَ! وأنَّه لو لمْ يَجحُد وينْسَى عطاءَه من

стр. 1516

عُمرِه لداود لمَا نَسِيَت ذرِّيته مطلقًا! بل المُراد: بيانُ تَوحُّد الطَّبعِ الآدميِّ الفِطريِّ في البَشريَّة جمعاء، لأنَّهم مِن طينة أبيهم، فكانت قابليَّتُهم للنِّسيانِ والخَطيئة، مِن مُرتكزات التَّركيبةِ النَّفسيَّةِ البَشريَّةِ. والحمد لله على توفيقه وهدايتِه.

стр. 1517

المَبحث السَّادس نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحَديثِ الشُّؤم في الدَّار والمرأة والفَرس

стр. 1518

المَطلب الأوَّل سَوق حَديثِ الشُّؤم في الدَّار والمرأة والفَرس عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: سمعتُ النَّبي ﷺ يقول: «إنَّما الشُّؤم في ثلاثة: في الفَرس، والمرأة، والدَّار» (١) متَّفق عليه. وعنه ﵁ أنَّه ﷺ قال: «لا عدوى ولا طِيَرة، والشُّؤم في ثلاث: في المرأة، والدَّار، والدَّابة» (٢) متَّفق عليه. وعن سهل بن سعد السَّاعدي ﷺ ، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنْ كان في شيءٍ، ففي المرأة، والفَرس، والمسكن» (٣) متَّفق عليه. وعن جابر ﵁ يُخبر عن رسول الله ﷺ قال: «إن كان في شيءٍ ففي الرَّبْع (٤)، والخادم، والفَرس»، يعني الشُّؤم، رواه مسلم.

стр. 1519

المطلب الثَّاني سَوْق المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ لحديثِ الشُّؤم في الدَّار والمرأة والفَرس هذا الحديث مِن قديمِ الأخبار الَّتي أثارت لَغَطًا مِن قِبَلِ مُتَمَعقِلةِ كلِّ زمان، يدَّعون تَضادَّها مع الثَّابتِ مِن كونِ الشَّريعة قد أبطلت الطِّيرة ونهت عن التَّطيُّر. وقد بَلَغ حَنقُ أهلِ العلمِ بهؤلاءِ المُهَرْوِلين إلى إبطالِ مِثل هذه السُّنَن بمجرَّدِ الرَّأي -طمعًا في رَدْعِهم عن غَيِّهم، وتَنفيرِ غيرِهم عن زَيْغِهم- أن نعتوهم بـ (المُلحِدَة)! (١) لكن أبَى هذا الجِذْر إلَّا أن يُخرِج فروعَه الخبيثة، فكان لهؤلاء خَلَفٌ مِن مَلاحدةِ هذا العصرٍ، مَن قالوا لأسلافِهم: ما قُلتم شيئًا إزاءَ ما نقول! بعد أن تتبَّعوا آثارَهم في نقضِ رواياتِ هذا البابِ، وشَنَّعوا على الشَّيخين تصحيحَهما للحديث. كان من هؤلاءِ على سبيل المثال: (صالح أبو بكر)، الَّذي تحذلَق في عَربيَّةِ الحديث قائلًا: «إنَّ الشُّؤم أصلًا مِن خصالِ المشركين وطِباعهم، وقد نَشأ في أنفسِهم نتيجةً لعدم إيمانهم بقضاء الله وقدره، .. فكيف تكون دَعوة النَّبي ﷺ مُركَّزةً على إبطال

стр. 1520

هذه العقيدة، ثمَّ يؤيِّدها بحديثٍ مثل هذا؟! ويُحدِّد الشُّؤمَ في أهمِّ نِعَم الله على خلقِه، وهي: الدَّار، والمرأة، والفَرس؟!» (١). فهذه هي الدَّعوى الأولى: أنَّ الحديثَ يُناقض ما استَقرَّ في الشَّريعة مِن نهيِها عن التَّطيُّر، بإثباتِ ضدِّ ذلك في ثلاثة أمور. وأمَّا الدَّعوى الثَّانية: فهي أنَّ الحديثَ يَزْدَري المرأة ويُهينها، حيث يجعلها مَشئومةَ بطَبعِها. وفي تقرير هذه الشُّبهة، يقول (زهير الأدهميُّ): «إنَّ حصَر الشُّؤم في ثلاثةٍ تكون المرأة واحدة منها: تحقيرٌ لها، واستصغارٌ لقيمتِها، ونَيْلٌ مِن كرامتِها، وأكثر مِن ذلك كلِّه، نَراه ظُلمًا في حقِّها بأن تكون مَوصوفةً بالشُّؤم» (٢).

стр. 1521

المَطلب الثَّالث دفعُ المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ عن حديثِ الشُّؤمِ في الدَّارِ والمرأةِ والفَرسِ أسلفنا التَّنبيه مِرارًا على أنَّ كثيرًا مِن مزالق الطَّاعنين في الأخبارِ ناتجٌ عن سوءِ استيعابٍ للمَعنى المُراد منها، ناتجٌ ذلك عن جهلِهم بأحكامِ اللَّغةِ وقواعد البيانِ تارةً، ومُجمَل سُنَّةِ النَّبي ﷺ وأقوالِ صَحابتِه ووَرَثتِهم مِن أهل العلمِ تارةً أخرى، واستحضارُ هذا كلِّه أثناء النَّظر في النُّصوصِ هو المُعِينُ لاستقاء أنسبِ الأوجه الَّتي تُحمَل عليها. وإنَّ لنا في مَوقفِ الطَّاعنين من هذا الحديث لَعِبرةً! فإنَّه لَمِن أَبْينِ المُثُلِ على الخَلَل المَنهجيِّ في الفهمِ المعاصرِ للنُّصوصِ الشَّرعيَّة، وذلك: أنَّ النُّكتة في الحديثِ مُضَمَّنة في المُتَعلَّقِ المحذوفِ للجار والمجرور في قولِه: « .. في المرأة، والدَّار، والفَرس»، الَّذي هو خَبر لـ «الشُّؤم». فإذا سايَرنا المُعترضون على ضرورةِ تَقديرِ هذا المُتعلَّق المَحذوف، فإنَّا سائلوهم: بماذا نُقدِّره؟ هل نُقدِّره بـ: (كائن) مَثلًا؟ فيكون المعنى: «الشُّؤم كائِنٌ في المرأةِ، .. » أي: هو كائِنٌ مِن عَملِ النَّاس أو في طبائعِهم في هذه الثَّلاثة، فيكون توصيفًا منه للواقعِ.

стр. 1522

أم نُقدِّره بـ: (جائز)، فيكون الحديث بهذا أنَّ «الشُّؤمَ مَشروعٌ أو ضَرورةٌ في المرأةِ، والدَّارِ، والفرس»؟! فإذا افترضنا أنَّ الحديثَ محتملٌ لكِلا هذين المَعنيَين في تقديرِ المَحذوف منه، فما المُوجِب العِلميُّ عند المُعترِضين لترجيحِ أحدِ التَّقديرين دون الآخر؟ فإن قالوا: الحديثِ أفادَ التَّقديرَ الثَّاني، وهو الظَّاهر مِن عبارتِه! فيُقال جوابًا لهم: إنَّ ظاهرَ النصِّ ما سَبَق إلى فهمِ قارئِه من معناه، وأفادَه مُرادَ صاحبِه، وهذا مَبنيٌّ على سياقِ كلامِه فيه، مع مُجمل كلامِه في باقي نصوصِه؛ بهذا يَتبيَّن لنا كون فهمِنا ظاهرَ النَّص أم لا. خُذْ هذا التَّأصيلَ ونزِّله على حديثَنا هذا؛ هل ترى مُنصِفًا يَفهم مِن هذا الحديثِ أنَّ صاحبَه يُجيز الطِّيَرةَ في هذه الثَّلاثة؟ مع أنَّه قد صَدَّره بتحريمِ الطِّيرة مُطلقًا؟! حيث قال: «الطِّيَرة شِرك .. »؟! هل بَلغت مِن سذاجةِ راوي الحديثِ أن يَأتي بجُملَتين مُتناقضين في الَخبرِ الواحدِ نفسِه، بحيث تُكذِّب إحداهما الأخرى في الحين، ثمَّ لا يَتَفطَّن لهذا التَّضاربِ ولا أحدٌ مِن الأئمَّة بعده؟! فما الدَّاعي بعدُ لاختيارِ المعترض للتَّقدير الثَّاني غير الجهل أو الهوى؟! والنَّبي ﷺ إنَّما ابتدأهم بنفي الطِّيرة، ثمَّ قال: «الشُّؤم في ثلاث .. »، قطعًا لتوهُّم المعنى المَنفيِّ في الثَّلاثة الَّتي أخبَر أنَّ الشُّؤم يكون فيها، فقال: «لا عدوى، ولا طِيرة، والشُّؤم في ثلاثةٍ .. »، فابتدأهم بالمُؤخَّر مِن الَخبَر تعجيلًا لهم بالإخبارِ بفسادِ العدوى والطِّيرة المتوهَّمة مِن قوله: «الشُّؤم في ثلاثة .. ». وهذا من جميلِ الأوجهِ الَّتي قرَّرها ابن القيِّم مِن معاني الحديث (١)، وهو الَّذي أركُن إليه، والله أعلم بالصَّواب. إنَّ التَّقدير الصَّحيحَ المُرشِدَ إلى المعنى الحقِّ مِن هذا الحديث هو ما يجعله موافقًا لباقي الأخبارِ الشَّرعية، غير مُصادمٍ لها، مَقبولًا مِن جِهة اللُّغةِ وأساليبِ

стр. 1523

الخِطاب، فعلى هذا المنهج القويمِ نبتني تفسيرَنا للحديث، وهذا ما يقتضي مِنَّا أن نبدأ فيه بتبيانِ مَعنى (التَّطيُّر) عند العرب أوَّلًا، ثمَّ ندلِف إلى أمثلِ أوجهِ ذلك مِمَّا يُحمَل عليه الحديث، فنقول: إنَّ التَّطير والتَّشاؤم بمعنى واحدٍ (١)، وأصله: الشَّيء المَكروه مِن قولٍ أو فعلٍ أو مَرئيٍّ، والتَّطيُّر قبلِ الإسلامِ كان مِن وجوهٍ، حكى بعضَها الحَليميُّ (ت ٤٠٣ هـ) فقال: «كان يُحكى عن العَرب مِن زجرِ الطَّير وإزعاجِها عن أوكارِها عند إرادةِ الخروجِ للحاجةِ، فإن مَرَّت على اليمينِ، تفاءلت به، ومَضت لوجهِها، وإن مرَّت عن الشِّمال، تشاءَمت به، وقعدت. وكانوا يَتطيَّرون بصوتِ الغُرابِ، ويناولونه البَين، وكانوا يستدلُّون بمجاوباتِ الطَّير بعضها بعضًا على أمورٍ بأصواتِها في غيرِ أوقاتِها المعهودةِ على مثل ذلك. وهكذا الظِّباء إذا مَرَّت سانحةً، ويقولون: إذا برَحت مساءً بالسَّانح بعد البارح، وسمُّوا هذا وما شابهه تطيُّرًا، لأنَّ أمور ذلك عندهم وأكثره كان ما يقع لهم مِن قِبَل الطَّير، فسمُّوا الجميع تَطيُّرًا مِن هذا الوجه .. » (٢)؛ ثمَّ استرسل في حكايةِ صُورٍ أخرى مِن التَّطَيُّر سالفة، كانت عند الأعاجم قبل الإسلام. إلى أن جاء الشَّرع، فنَفى ذلك وأبطلَه كلَّه، ونَهى عنه، وأخبرَ أنَّه ليس له تأثير بنفعٍ ولا ضرٍّ، وهذا مَعنى قوله ﷺ : «لا طِيَرة .. » (٣)، وفي حديث آخر: «الطِّيَرة شِرك» (٤)، يقول النَّووي في معناه: «أي اعتقادُ أنَّها تنفع أو تضرُّ إذا عملوا

стр. 1524

بمُقتضاها، مُعتقِدين تأثيرها، فهو شِرك، لأنَّهم جعلوا لها أثرًا في الفعلِ والإيجادِ» (١). فإذا كان هذا هو الأصلَ الشَّرعيَّ في مسألةِ التَّشاؤم أو التَّطيُّر، فإنَّه قد جاءت بعضُ أحاديث قد يَفهمُ مِن ظاهرِها غيرُ فقيهٍ، أنَّ الشُّؤمَ يكون سِمةً مُلازمةً للمرأةِ والدَّار والفَرس! وهذا ما ينفيه الفقهاء عن الشَّريعة، فكانوا إن اختلفوا في توجيه تلك الأخبار والتَّوفيق بينها وبين ما هو مُسلَّم من تقبيحِ التَّطيُّر، أيْنَعت ألبابُهم عن عِدَّة أوجهٍ مِن التَّأويلات الحَسنة والتَّوجيهات الدَّقيقة. فقد انتقيتُ من هذه التَّوجيهات للمُعترضِ أحسنَها مَأخذًا ودليلًا فيما أرى، ليَتخيَّر بعدُ مِنها ما يَدفع عنه إشكالها عن ذِهْنِه إن رغب! هذا ليَعلمَ بعدَ جوَلانِ ناظِرَيْه في تَنوُّعِ هذه الأجوبةِ من العلماء وحِدَّةِ أذهانِهم في فتقِ المُشكلاتِ: انغلاقَ بابِ فهمِه! وانفتاحَ أبوابهم؛ وضيقَ عطَنه عن السُّنَنِ وانشراحَ صدروهم لها! لعلَّه أن يوقِنَ بمَسيسِ حاجتِه إلى التَّواضع، بمُراجعةِ ما حَبَّروه حول ما يُشكِل عليه قبل الاغترارِ بظاهرِ فهمِه القاصر المَقودِ بزمامِ الهَوى والتَّحيُّز الفكريِّ. وإليك تفصيل جواباتِهم، فأقول: قد تَنوَّعت مَشاربُ العلماءِ في النَّظَرِ إلى حديثِ «الشُّؤم في ثلاثةٍ»، إلى عِدَّة أوجهٍ مِن أوجُهِ التَّوجِيه: الوجه الأوَّل: اِعتمادُ روايةٍ للحديثِ في التَّقيِيد بالشَّرط: «إن يَكُن مِن الشُّؤم شيءٌ حقٌّ ففي .. »، و «إن كان الشُّؤم في شيءٍ .. » ونحوهما، ورَدُّ روايةِ الجزمِ إليها: فكأنَّ روايةِ الشَّرطِ هذه مِن قَبيل التَّعليقِ على المستحيل، ليكون بها جواب الشَّرط مُستحيلًا، كقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، أي: لكنَّه لن يستقرَّ مكانَه، فلن تَراني.

стр. 1525

فمعنى الحديث على هذا الوجه: أنْ لو كان الشُّؤم في شيءٍ حَقًّا، لكان في المرأة والَفرس والدار، والحاصلُ أنَّ الشُّؤمَ ليس في هذهِ الثَّلاثةِ ولا في شيءٍ، فغيرُ هذه أولى ألَّا يكون فيها! يقول القاضي عياض: «وَجه تعقيبِ قولِه: «ولا طِيرة» بهذه الشَّرطية، يدلُّ على أنَّ الشُّؤم أيضًا مَنفيٌّ عنه، والمعنى: أنَّ الشُّؤمَ لو كان له وجود في شيءٍ، لكان في هذه الأشياء؛ فإنَّها أقبلُ الأشياء لها، لكنْ لا وجودَ له فيها، فلا وجودَ له أصلًا» (١). كذا قيل؛ وهذا التَّوجيهُ وإن كان بادئ الرَّأي مَقبولًا، لكنَّه مُتَعَقَّبٌ بأنَّ روايةَ الشَّرطِ ليست نَصًّا في الاستثناء، لاحتمالِ أن تكون قد خرجت مَخرجَ قولِه الآخر: «قد كان فيمَن قبلكم مِن الأُمَم مُحَدَّثون، فإنْ يكُن في أمَّتي منهم أحَدُ فإنَّه عمر بن الخطَّاب»! (٢) ولذا ارتأى شهاب الدِّين الآلوسيُّ (ت ١٢٧٠ هـ) لمعنى التَّعليق في هذه الرِّواية الَّتي بالشَّرط: أن تكونَ «للدَّلالةِ على التَّأكيدِ والاختصاصِ، نظيرُه في ذلك: إن كان لي صَديقٌ فهو زيد، فإنَّ قائله لا يريد به الشَّكَ في صَداقةِ زيد، بل المبالغةُ في أنَّ الصَّداقةَ مختصَّةٌ به، لا تَتَخطَّاه إلى غيره» (٣). ولستُ أنزِعُ إلى ما جنح إليه الطَّحاوي -وتبِعه الألبانيِّ (٤) - من تَرجيح روايةِ الشَّرطِ على روايةِ الجزمِ، بدعوى أنَّ فيها زيادة علمٍ، مُؤيِّدين اختيارَهم بأمرين: الأوَّل: بنُصوصِ النَّهي عن الطِّيَرة عامَّةً. الثَّاني: بحديثٍ لعائشة ﵂: أنَّ رجلان مِن بني عامر دخلا علىها، فأخبراها أنَّ أبا هريرة ﵁ يُحدِّث عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: «الطِّيرة في الدَّار، والمرأة، والفَرس»، فغضبِت! فطارت شُقَّة منها في السَّماء، وشقَّة في الأرض،

стр. 1526

وقالت: والَّذي أنزل الفرقان على محمِّد ما قالها رسول الله ﷺ قطُّ، إنمَّا قال: «كان أهل الجاهليَّة يتطيَّرون مِن ذلك» (١). وعليها قال الطَّحاوي: «إذا كان ذلك كذلك، كان ما رُوي عنها ﵂ ممَّا حفِظَته عن رسول الله ﷺ مِن إضافتِه ذلك الكلام إلى أهل الجاهليَّة أَوْلى مَّما رُوي عن غيرها فيه عنه ﷺ ؛ لحفظِها عنه في ذلك ما قصُر غيرها عن حفظِه عنه فيه، فكانت بذلك أوْلى مِن غيرها، لا سيما وقد رُوي عن رسول الله ﷺ في نفيِ الطِّيرة والشُّؤم .. » (٢). ومُحصَّل كلامِه أنَّ هذا الاستدراك مِن عائشة على أبي هريرة في هذه الرِّوايةِ هو مِن جنسِ استدراكِها على ابن عمر في البكاءِ على الميِّت، بمعنى أنَّ ذلك كان في واقعةٍ خاصَّة، لا على العموم (٣). لكنَّا مع ذلك نقول: إنَّ عائشةَ نفسَها قد تُعُقِّبَت في إنكارِها ذلك! بنفيِ أن يكون رَدُّها للحديثِ حُجَّةً على مَن رَوى إثباتَ ذلك إليه ﷺ ، وهذا ما تراه في كلامِ ابن عبد البرِّ، بعد سَوقِه لكلامِها، فقال: «أهلُ العلمِ لا يَرَون الإنكارَ عِلمًا، ولا النَّفيَ شهادةً ولا خبرًا!» (٤). وقد علمتَ قبلُ أنَّ البخاريَّ ومسلمًا أخرجا روايةَ الإثباتِ مِن حديث ابن عمر ﵁ بألفاظٍ، منها أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا عَدوى ولا طِيرة، وإنَّما الشُّؤم في ثلاثة .. »، وقد عَلِمتَ أيضًا أنَّ تصدير هذه الرِّواية بنفي الطِّيرة دالٌّ على أنَّ ما بعده لا يُناقض هذا الحكم، ومانع مِن تَوهُّمِ أنَّ رواياتِ الإثباتِ تخالفُ نصوصَ نفيِ الطِّيرة.

стр. 1527

وكذا أخرج روايةَ الإثباتِ الشَّيخان مِن حديث سهل بن سعد ﵁. وأخرجها مسلم عن جابررضي الله عنه، وهذه كلُّها مَرَّت معنا عند سَوقِنا لأحاديث هذا الباب؛ وجاء أيضًا مِن روايةِ أبي هريرة ﵁، كما قد مَرَّ علينا في قصَّةِ سؤالِ الرَّجلين لعائشة عن روايتِه. فهؤلاء نَفرٌ مِن جِلَّة الصَّحابة، قد رَوَوا حديثَ الإثباتِ والجزمِ، وليس هو راوٍ واحد حتَّى يَتطرَّق إليه احتمال الخَطأ فيُستَسهَل توهِيمُه؛ ولا يُعقل أن تُردَّ رواية جمعِهم لرواية واحد؛ وبهذا تعقَّبَ ابنُ الجوزي عائشةَ ﵂ في ردِّها لروايةِ أبي هريرةَ ﵁، لأنَّ ذلك -في حقيقتِه- «رَدٌّ لصريحِ خبرٍ رَواه جماعةٌ ثِقات، فلا يُعتمَد على ردِّها» (١). وكون النَّبي ﷺ أضافَ هذا القولَ إلى قول الجاهليَّة -كما في روايةِ عائشة عنه- لا يَلزم منه نَفْيُ باقي الرِّواياتِ في نسبةِ ذلك مِن قولهِ هو ﷺ أيضًا! إذ لا تَعارض بين النِّسبتين؛ بل الصَّواب حملُ كلِّ روايةٍ على المعنى المُناسِب لها، إعمالًا لكلا الدَّليلين. وهذا ما وُفِّق له غيرُ أربابِ هذا الوجهِ الأوَّل في أوجهٍ مِن التَّأويل أخرى لهذا الحديث، هي في التَّالي: الوجه الثَّاني: أنَّ هذه الثَّلاثة في الحديث مُستَثناة مِن الطِّيرة، بمعنى: أنَّ الطِّيرة مَنهيٌّ عنها، إلَّا أن يكون له دارٌ يكره سُكناها، أو امرأة يكره صُحبتها، أو فَرس أو خادم كذلك، فليُفارِق الجميعَ بالبَيعِ، أو الطَّلاق، ونحوه، ولا يقيم على الكراهةِ والتَّأذي به، فإنَّه شُؤمٌ عليه بهذا الاعتبار من الكراهة. فمِمَّن سَلَك هذا المَسلك في التَّوجيه: أبو محمَّد ابن قتيبة (٢)، وكذا الخطَّابي في شرحِه للحديث حيث قال: «معناه: إبطال مَذهبهم في الطِّيرة بالسَّوانح والبَوارح من الطَّير والظِّباء ونحوها،

стр. 1528

إلَّا أنَّه يقول: إن كانت لأحدِكم دارٌ يكره سُكناها، أو امرأةٌ يكره صُحبتها، أو فَرَس لا يُعجبه ارتباطُه، فليفارِقها، بأن يتنقل عن الدَّار، ويبيع الفرس، وكان مَحلُّ هذا الكلام مَحلَّ استثناءِ الشَّيء مِن غيرِ جنسِه، وسبيله سبيل الخروج مِن كلامٍ إلى غيره» (١). وقال: «اليُمْن والشُّؤم سِمَتان لمِا يصيب الإنسانَ مِن الخيرِ والشَّر، والنَّفع والضُّر، ولا يكون شيءٌ مِن ذلك إلَّا بمشيئةِ الله وقضائِه، وإنمَّا هذه الأشياء مَحالٌّ وظروف، جُعلت مواقعَ لأقضيتِه، ليس لها بأنفُسها وطباعِها فِعلٌ ولا تأثيرٌ في شيءٍ. إلَّا أنَّها لمَّا كانت أغلبَ الأشياء الَّتي يقتنيها النَّاس، وكان الإنسان في غالبِ أحوالِه لا يستغني عن دارٍ يسكنها، وزوجةٍ يعاشرها، وفرسٍ يرتبطه، وكان لا يخلو مِن عارضِ مكروهٍ في زمانِه ودهرِه: أُضيفَ اليُمن والشُّؤم إليها إضافةَ مكانٍ ومحلٍّ، وهما صادران عن مَشيئةِ الله سبحانه» (٢). يقول أصحاب هذا القول الثَّاني: مَزيَّة هذا التَّوجيه أنَّه مُوافق لحديثِ أنس بن مالك ﵁ قال: «قال رجلٌ: يا رسولَ الله؛ إنَّا كُنَّا في دارٍ كثيرٍ فيها عددُنا، وكثيرٌ فيها أموالُنا، فتحوَّلنا إلى دارٍ أخرى، فقلَّ فيها عددُنا، وقلَّت فيها أموالُنا، فقال رسول الله ﷺ : ذَرُوها ذَميمةً» (٣)! وفي تفسيرِ هذا الأمرِ النَّبويِّ يقول ابن قُتيبة: «إنَّما أَمَرهم بالتَّحوُّل مِنها لأنَّهم كانوا مُقيمين فيها على استثقالٍ لظلِّها، واستيحاشٍ بما نالهم فيها، فأمَرَهم بالتَّحوُّل؛ وقد جَعل الله تعالى في غرائز النَّاس وتركيبِهم استثقالَ ما نالهم السُّوء فيه، وإن كان لا سببَ له في ذلك، وحُبَّ مَن جَرى على يدِه الخير لهم، وإن لم يُرِدهم به، وبُغضَ مَن جرى على يده الشَّر لهم، وإن لم يُردهم به» (٤).

стр. 1529

ومثله قال القاضي عِياض: «قيل معناه: أنَّ هذه الأشياء مِمَّا يطول التَّعذُّب بها، وكراهة أمرِها، وذلك لملازمتِها بالسُّكنة والصُّحبة، وإنْ دَفَع الإنسان ذلك عن اعتقادِه، فكلامُه ﷺ بذلك بمعنى الأمر بفراقِ ذلك، وزوالِ التَّعذب به، كما قال: اترُكوها ذميمةً .. » (١). فعلى هذا الوجه تكون إضافة الشُّؤم إلى هذه الثَّلاثة في الحديث إضافة مَجازٍ وتوسُّع، بمعنى أنَّ الشَّر قد يحصل مُقارنًا لها وعندها، لا أنَّها هي عينُها مِمَّا يوجِب الشُّؤم؛ كأن تكون المرأة قد قدَّر الله عليها أن تتزوَّج عددًا مِن الرِّجال ويموتون معها! فلا بُدَّ مِن إنفاذِ قضائِه وقدرِه؛ فتُوصف المرأة بالشُّؤم لذلك، وكذلك الفَرس، وإن لم يكن لشيءٍ مِن ذلك في حقيقته فعلٌ ولا تأثيرٌ (٢). هذا الوجه من المعنى قد نُقل مُسندًا عن مالكِ بن أنس، وأقرَّه أبو داود عليه، حيث رَوى عنه في «سُننِه» أنَّه سُئل عن هذا الحديث، فقال: «كم مِن دارٍ سَكَنها ناسٌ فهَلَكوا، ثمَّ سَكَنها آخرون فهلكوا» (٣). يقول المازَريُّ: «أمَّا ذِكرُه الشُّؤمَ في الدَّار والمرأة والفَرس، فإنَّ مالكًا أخَذَ هذا على ظاهرِه ولم يتأوَّله، .. فإنَّ هذا محملُه على أنَّ المُراد به: أنَّ قَدَر الله سبحانه رُبَّما اتَّفق بما يكره عند سُكنى الدَّار، فيصير ذلك كالسَّبب، فيُتسامح في إضافةِ الشُّؤم إليه مجازًا واتِّساعًا» (٤). وقال ابن العربيُّ في شرح كلامِ إمامِه: «ليس هذا مِن إضافة الشُّؤم إلى الدَّار، ولا تعليقه بها، وإنَّما هو عبارة عن جري العادة فيها، فيخرج المرء عنها صيانةً لاعتقاده عن التعلُّق بباطل .. وعن هذا وَقع الخَبر» (٥).

стр. 1530

ويؤكِّد القرطبيُّ على أنَّ هذا هو المَعنيُّ من كلام مالكٍ فيقول: «يعني بذلك: أنَّ هذه الثَّلاثة أكثر ما يتشاءم النَّاس بها، لملازمتهم إيَّاها، فمَن وَقَع في نفسِه شيءٌ مِن ذلك فقد أباح الشَّرع له أن يتركه، ويستبدلَ به غيرَه ممَّا تطيب به نفسُه، ويسكن له خاطرُه، ولم يُلزمه الشَّرع أن يُقيمَ في موضعٍ يكرهه، أو مع امرأةٍ يكرهها، بل قد فسَح له في تركِ ذلك كلِّه، لكن مع اعتقاد أن الله تعالى هو الفعَّال لما يريد، وليس لشيءٍ مِن هذه الأشياء أثَر في الوجود» (١). والمُراد في المآلِ عند أصحاب هذا القول الثَّاني: حسمُ المادَة، وسدُّ الذَّريعة، لِئلَّا يوافِق شيء مِن ذلك القَدَر، فيعتقد مَن وَقع له أنَّ ذلك من الطِّيرة، فيقع في اعتقاده ما نُهي عن اعتقادِه -أي اعتقاد أنَّ هذه الأمور مُؤثِّرة بذاتِها، وشريرةٌ بطبعِها- فكان أن دلَّ عندهم الحديث بالإشارةِ إلى اجتنابِ مثل ذلك، وأنَّ الطَّريق فيمن وَقع له ذلك في الدَّار -مثلًا- أن يُبادر إلى التَّحول منها، لأنَّه مَتى استمرَّ فيها ربَّما حمله ذلك على اعتقادِ صحَّة التَّطير والتَّشاؤم (٢). التَّوجيه الثَّالث للحديث: أنَّ المُراد بالشُّؤم فيه النَّكدُ والشَّقاء الَّذي يجده المرء لقلَّةِ الموافقةِ وسوءِ الطِّباع؛ وذلك أنَّه «قد يُسمَّى كلُّ مكروهٍ ومحذورٍ شُؤمًا ومَشأمة» (٣). وهذا ما مال إليه الحَليمي في تفسيرِه الحديثَ بقوله: «إنَّ الشُّؤم الَّتي وُصفت هذه الثَّلاثة إنَّما هو المَضار والمفاسد، وليس مِن قِبَل الطِّيرة» (٤). ويقول القاضي عِياض: «قد يكون الشُّؤم هنا على غيرِ المفهوم منه مِن معنى التَّطيُّر، لكن بمعنى قلَّة الموافقة وسوءِ الطِّباع» (٥).

стр. 1531

والمقصود عندهم: أنَّ هذه الثَّلاثة المذكورة في الحديث مِن أوسعِ منابع الشَّقاء في حياةِ الإنسان، لمِا فيها مِن طولِ ملازمة وملابسةٍ للمرءِ طول عمرِه، وهو معنى ما نقله مَعمر بن راشد (١) عن بعضِ سَلفِه حين قال: «سمعتُ مَن يفسِّر هذا الحديث يقول: شُؤم المرأة إذا كانت غير وَلود، وُشؤم الفَرس إذا لم يُغز عليه في سبيل الله، وشُؤم الدَّار جار السُّوء» (٢). فهذا التَّمثيل للثَّلاثة المذكور الوارد في هذا الأثرِ عن معمر مبنيٌّ على ما ذكروه من معنى الشُّؤم في هذا التَّوجيه الثَّالث، الَّذي هو بضدِّ اليُمن والبَركة. وعليه قالوا: إنَّ المرأة العاقر، أو اللَّسِنة المُؤذية أو المُبذِّرة بمالِ زوجِها سفاهةً، ونحو ذلك؛ وكذا الدَّار الجدِبة أو الضَّيِقة، أو الوَبيئة الوَخيمة المَشرب، أو السَّيِئة الجيران، وما في معنى ذلك؛ وكذا الدَّابة الَّتي لا تلِد ولا نسل لها، أو الكثيرة العيوبِ الشَّنيئة الطَّبع، وما في معنى ذلك: كلُّ هذا شيءٌ ضَروريٌّ مُشاهد معلومٌ، ليس هو مِن باب الطِّيرة المَنفيِّة في النُّصوص الأخرى في شيء، ذلك أمرٌ آخر عند مَن يعتقده، يعتقد أصحابها بأنَّها نَحسات على صاحبها لذاتِها! وذلك مِن وحي الشَّيطان يوحيه إلى أوليائِه. فالمقصود أنَّ الشُّؤم المُثبتَ في هذا الحديث عند أرباب القول الثَّالث أمر مَحسوس ضروريٌّ مُشاهد، ليس مِن باب الطِّيرة المَنفيَّة الَّتي يعتقدها أهل الجاهليَّة ومَن وافقهم (٣)؛ وإلى هذا المعنى كان مذهبُ تَقيِّ الدِّين السُّبكي (٤). ويُشبه هذا التَّوجيه ما جاء في حديث سعد بن أبي وقاص يرفَعه: «مِن سعادةِ ابنِ آدم ثلاثة، ومِن شقوة ابن آدم ثلاثة، مِن سعادة ابن آدم: المرأة

стр. 1532

الصَّالحة، والمسكن الصَّالح، والمركب الصَّالح، ومِن شقوة ابن آدم: المرأة السُّوء، والمسكن السُّوء، والمركب السُّوء» (١). فإن قيل: فلِمَ اقتصر حديث «الشُّؤم في ثلاث» على ذكرِ الشِّقوة والمنافرة، دون ذكر السَّعادة والمُؤالَفة، كما في هذا الحديث الأخير؟ قلنا: لأنَّه مِن بابِ الاكتفاءِ بذكر أحَدِ الطَّرفين وإرادة ضدِّه معه! كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، أي: والبردَ (٢)، فحُذف البَرد اكتفاءً بذكر الحرِّ الدَّال على مُقابِله، «ولكن جرى ذكر الحرِّ، لأنَّ العرب كانوا في مكانِهم أكثرَ مُعَانَاةً له مِن البرد» (٣). فكذا يُقال في هذا الحديث: قد جرى ذكر الشِّقوة والنَّكد فيه، لأنَّ النَّاس فيها أكثر مُعاناةً في هذه الثَّلاثة! غير أنَّ أرباب هذا التَّوجيه الثَّالث يُنبِّهون إلى: أنَّ هذه الشِّقوة وعدمَ الموافقة الظَّاهرة المقصودة في الحديث، تختصُّ في كلِّ نوعٍ ببعضِه لا بجميعِه، فمصدرُ شقاءِ بعض النَّاس زوجتُه، ومصدر شقاء آخرينَ مسكنُه، وآخرون شقاءهم مركبُهم، وبه صرَّح ابن عبد البرِّ: «أنَّه يكون لقوم دون قوم، وذلك كلُّه بقَدَر الله تعالى» (٤). وبالجملة؛ فإنَّ إخباره ﷺ بالشُّؤمِ أنَّه يكون في هذه الثَّلاثة، ليس فيه إثباتُ. وأمَّا التَّوجيه الرَّابع الأخير للحديث فمحصِّله: أنَّ التَّشاؤم مِن النَّاس كائنٌ في هذه الثَّلاثة عادةً.

стр. 1533

أي أنَّ الحصر في هذه الثَّلاثة إنَّما مردُّه إلى عادة النَّاس، لا بالنِّسبة إلى حقيقتها وخِلْقَتها (١)، إذْ النَّاس مُتَشائِمون بغيرِها أيضًا، «وإنَّما خُصَّت هذه الثَّلاثة بالذِّكر لطولِ مُلازَمَتها» (٢)، و «لأنَّ ضَررَها أبلغُ مِن ضَررِ غيرِها» (٣). فكأنَّ الحديثَ يقول على هذا المعنى: التَّشاؤم الباقي عند كثيرٍ مِن النَّاس هو في المرأةِ والدَّارِ والفَرس، فيكون خَارجًا مَخرجَ الإخبارِ، نائيًا عن مَخرجِ الإقرار، غايتُه جمعُ خَبرٍ عن غالبِ عادةِ ما يُتشاءَم به، فليس هو خَبرًا عن الشَّرع، والقصد منه إخبارُه ﷺ عن الأسباب المثيرةِ للطِّيرةِ الكامنةِ في الغرائز، فأخبرنا بهذا لنأخذَ الحذَرَ منها (٤). فعلى هذا الوجهِ يكون المعنى في روايةِ الشَّرط السَّابقة «إن يَكُن الشُّؤم في شيءٍ ... »: أي إنْ يَكُن الشُّؤم في شيءٍ باقيًا في عاداتِ النَّاسِ ونفوسِهم ففي هذه الثَّلاثة. والقصد من بسطي القول في أوجه معنى هذا الحديث الشَّريف: أوَّلًا: التَّنبيه على أنَّ مَن اعتقدَ أنَّ رسول الله ﷺ نَسب الطِّيرة والشُّؤم إلى شيءٍ من الأشياء على سبيل أنَّه مُؤثِّر بذلك دون الله، فقد أعظم الفِرية على الله وعلى رسوله، وضَلَّ ضلالًا بعيدًا!

стр. 1534

ثانيًا: أنَّ مَن تأمَّل مجموعِ هذه الأوجه من معاني الحديث، تبيَّن للفاهمِ أنَّ الحديث لا يُزري بالمرأةِ أبدًا! ولا يُلصق الشَّر بها، ولا أنَّه ساواها بالجمادِ والحيوان -حاشاها- كما يشَنِّع به المُبطلون. وإنَّما خُصَّت هي بالذِّكرِ مع سائر الأمورِ الثَّلاثة مُوافقةً: لطولِ مُلازمتها للمِرءِ (١)، أو لأنَّ ضَررَها إذا أضرَّته أبلغُ مِن ضَررِ غيرِها (٢)، أو لكون الإنسانِ لا يخلو مِن عارضِ مكروهٍ في زمانِه ودهرِه منها، فأُضيفَ اليُمن والشُّؤم إليها إضافةَ مكانٍ ومَحلٍّ ليس إلَّا؛ وفي هذا كلِّه إشارة إلى تحذيرِ النَّاس مِن اعتقادِ الشُّؤمِ فيها، وعدم نسبةِ الشُّرور الواقعةِ إليها بهذا الاعتبار؛ فهذا الحديث بهذا أحرى أن يكون دفاعًا عن المرأة لا كما يزعم المُعترضون! فإن قيل: إن كان الأمر على هذا المعنى، فالرَّجل قد يكون شُؤمًا على المرأة كذلك! فلِم خُصَّت المرأة بالذِّكر في الحديث دون الرَّجل؟ فالجواب: لأنَّ المرأة مَطلوبة لا طالبة! شأنها في ذلك شأن الدَّار والفَرس. فالرَّجل يأتيها ليأخذها عنده ليَصلُح بها شأنُه، كما أنَّه يأتي الدَّارَ فيشتريها أو يبتنيها، ويأتي الخيل فيقتنيها، كلُّ هذا ليَصلُح شأنُه؛ فإذا ما انقلب الحال ضدَّ ما ابتغاه، وفسُدت عليه مَعيشته مِن إحدى هذه المَطلوباتِ، وفشل مشروعُه منها في الحياة: تعكَّر عليه مزاجُه، وانقذف في قلبِه مِن الكُره لها بحسبِ ما يُلاقيه منها مِن أذى، فيحصُل أن يَزِلَّ إلى اعتقادِ الشُّؤم في إحداها لكبيرِ الواردِ الكريهِ على قلبِه، فهُنا نُبِّه إلى التزامِ الشَّريعة في ردودِ أفعالِه، وحُذِّر من الوقوع في مَناهيها، بما سبق بسطُه في ما مضى من أقوال العلماء، والله تعالى أعلم.

стр. 1535

المَبحث السَّابع نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديثِ: «يَقطعُ الصَّلاةَ المرأةُ والحمارُ والكلب»

стр. 1536

المَطلب الأوَّل سَوق حديث: «يَقطعُ الصَّلاةَ المرأةُ والحمارُ والكلب» عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قامَ أحدُكم يصلِّي، فإنَّه يستُره إذا كان بين يديه مِثلُ آخِرَة الرَّحْل (١)، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرَّحل، فإنَّه يقطع صلاتَه الحمار، والمرأة، والكلب الأسود»؛ قال عبد الله بن الصَّامت: يا أبا ذرٍّ، ما بالُ الكلب الأسود، مِن الكلب الأحمر، مِن الكلب الأصفر؟ قال: يا ابنَ أخي، سألتُ رسول الله ﷺ كما سَألتني فقال: «الكلبُ الأسود شيطانٌ» رواه مسلم (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يَقطعُ الصَّلاةَ المرأةُ، والحمارُ، والكلب، ويَقِي ذلك مِثلُ مؤَخِّرةِ الرَّحل» رواه مسلم (٣).

стр. 1537

المَطلب الثَّاني سَوق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ لحديث: «يَقطعُ الصَّلاةَ المرأةُ والحمار والكلب» المعارضة الأولى: أنَّ في الحديثِ تَنقُّصًا مِن قَدْرِ المرأة حينَ سوَّاها بالكلاب والحَمير. وهذه الشُّبهة أوَّلُ ما يقابُلك به المُنكرون للحديث، وأكثر ما يَسُوقونه في اعتراضاتِهم، لِما تَسْتَجلبه مِن تعاطفِ قليلات الفهمِ مِن النِّساء، استقواءً بنفخاتِ رَبَّاتِ النَّزْعاتِ منهنَّ لإطفاءِ نورِ هذا الحديث، والله مُتِمٌّ نورَه. فاسمع لفاطمة المرنيسيِّ وهو تقول بعد أن سمعت هذا الحديث لأوَّل مرَّة: «صدمتُ جدًّا بهذا الحديث! ولم أعده أبدًا إلَّا مع أمل أن يُمحى من ذاكرتي بقوَّة الصَّمت؛ كنتُ أردِّد لنفسي: أنا الَّتي أجد نفسي ذكيَّةً، مبدعةً، طيِّبةً، عاطفيَّةً، متحمِّسةً كما لا يمكن أن تكون ابنة ستة عشر سنة، متسائلةً: لماذا قال الرَّسول مثل هذا الحديث الّذي يؤلمني؟!» (١). وفي سبيل إلزاقِ هذه التُّهمة بالحديث يقول (نضال عبد القادر): «إنَّه يحتقِر النِّساء، حيث نُسِب إليه أنَّهنَّ .. في مُستوى الحمارِ والكلب، نُسِب إليه أنَّه قال: الكلب والحمار والمرأة تقطع الصَّلاة إذا مرَّت أمام المصلِّي، فاصلةً بينه وبين القِبلة» (٢).

стр. 1538

وتشَبَّث بأهداب هذه التُّهمة آخرون، كصالح أبو بكر (١)، وزكريا أوزون (٢)، وغيرهما كثير. المعارضة الثَّانية: أنَّ الحديث مُعارَضٌ بأحاديث أخرى هي أصَحُّ منه، تنقضُ ما فيه مِن أحكام، وهذا دلَّهم على اختلاقِه، وأبعدُ عن أن يكون قولَ النَّبي ﷺ . فأوَّل هذه الأحاديث: حديث عائشة ﵂: حيث ذُكر عندها ما يقطع الصَّلاة، فقالوا: يقطعُها الكلب والحمار والمرأة، قالت: «لقد جعلتمونا كِلابًا! -وفي رواية: شبَّهتمونا بالحُمر والكِلاب- لقد رأيتُ النَّبي ﷺ يصلِّي، وإنِّي لبَينه وبين القِبلة، وأنا مضطجعةٌ على السَّرير، فتكون لي الحاجة، فأكره أن أستقبله، فأنسلُّ انسلالًا» (٣). يقول (ابن قرناس): «هذا الحديث جاء برواياتٍ مُختلفةِ الصِّيغ، ولكنَّنا اخترنا هذه الرِّواية، لأنَّ فيها رَدًّا لأمِّ المؤمنين على قاصِّ الحديث .. مُؤكِّدةً أنَّ المرأة لا تقطع الصَّلاة، وأنَّ هذا الحديث لا يمكن أن يقوله رسول الله» (٤). وبدعوى استنكارِ عائشة لهذا الخبر، تَشَبَّث المُعترِضون به حُجَّةً في إبطالِه (٥). والحديث الثَّاني: حديث ابن عبَّاس ﵁: فقد صحَّ عنه قال: «أقبلتُ راكبًا على حمارٍ أَتَانٍ (٦)، وأنا يومئذٍ قد ناهزتُ الاحتلام، ورسول الله ﷺ يُصلِّي بمنًى

стр. 1539

إلى غير جدار، فمرَرتُ بين يَدَيْ بعضِ الصَّف، وأرسلتُ الأتان تَرتعُ، فدَخلتُ في الصَّفِ، فلم يُنكَر ذلك عَليَّ» (١). يقول (محمَّد الغزالي): «إنَّ ابنَ عبَّاس مَرَّ بحمارٍ يركبه أمام الجماعة، فصلَّى، فلم تفسُد له صلاة، والكلاب أبيضُها وأسودُها سواء!» (٢). والحديث الثَّالث: حديث أبي سعيد الخدري: يرفعه: «لا يَقطع الصَّلاة شيءٌ، وادْرَءوا ما استطعتم، فإنَّما هو شيطان». يقول الغزاليُّ: «وجمهرة الفقهاء رَفَضَت هذا الحديث (٣)، واستدلَّت بأحاديث أخرى تُفيد أنَّ الصَّلاة لا يقطعها شيء .. » (٤)، يعني مثل حديثِ أبي سعيد هذا (٥). ثمَّ ذكَرَ بعده تصحيحَ (أحمد شاكر) (٦) لِما أخرجه الدَّارقطني عن صخر بن عبد الله بن حرملة، أنَّه سمع عمرَ بن عبد العزيز، يقول عن أنس ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى بالنَّاس، فمرَّ بين أيديهم حمار، فقال عياش بن أبي ربيعة: سبحان الله! سبحان الله سبحان الله! فلمَّا سلَّم رسول الله ﷺ ، قال: «مَن المسبِّح آنفًا سبحان الله؟»، قال: أنا يا رسول الله، إنِّي سمعتُ أنَّ الحمار يقطع الصَّلاة، قال: «لا يقطع الصَّلاة شيء» (٧).

стр. 1540

ولم يُخفِ (الغزاليُّ) إعجابَه بما ذَهبَ إليه أحمد شاكر مِن كونِ أحاديث قطع الصَّلاة بالأمور الثَّلاثة مَنسوخة، لمجرَّدِ أنَّ هذا القول منه يدفعُ عن الإسلام وصمةَ عَارِ الحديث أمامَ عُلوجِ الغَرب! فتراه يقول: « .. لستُ مِمَّن يَبنُون العَلَالي على الخلافاتِ في فروعِ الفقه، وإنَّما تَعْنِيني سُمعة الإسلام، عندما يُسافر امرؤٌ متعصِّبٌ إلى أوربا وأمريكا، ثمَّ يذكر للنَّاس أنَّ المرأة والكلب والحمار سواءٌ في إفسادِ الصَّلاة عند مرورِها!» (١).

стр. 1541

المَطلب الثَّالث دفع المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ عن حديث: «يَقطعُ الصَّلاةَ المرأةُ والحمار والكلب» أمَّا دَعوى المُعترض إِهانةَ الحديثِ للمرأةِ إذ عدلها بالكلابِ والحَمير، فيُقال في جوابِه: إذا كان اقترانُ الأشياء في النَّظم اللَّفظيِ (١) غير مُوجبٍ لاقترانِها في الحُكم عند عامَّةِ أهلِ الأصول (٢): فإنَّ الاقتران في ذاتِ الحُكمِ لا يوجب الاقترانَ في القَدْرِ والمَكانةِ مِن بابِ أَوْلى عند عامَّة العقلاء! كما إذا قال فقيهٌ -مثلًا-: إنَّ تَغيِيبَ الرَّجُل حَشَفتَه في فرجِ امرأتِه أو أجنبيَّةٍ يوجب الغُسلَ؛ فلا يَفهم منه راشدُ العقلِ أنَّهم يُسَوُّون بين الزَّوجةِ والمَزنيِّ بها في القَدْر! أمَّا دعوى (الغزاليِّ) رفضَ جمهرةِ الفقهاءِ لهذا الحديث، لمِعارضتِه أحاديثَ أخرى تُفيد أنَّ الصَّلاة لا يقطعها شيء، فالرَّد عليه: أن يُنبَّه إلى أنَّ الفقهاء إنَّما اختَلفوا في فقهِ الحديث، ولم يرفضوه كما ادَّعى!

стр. 1542

وجمهورُ الفقهاء حين جَنحَ إلى كونِ الصَّلاة لا يقطعها شيءٌ مِن تلك الثَّلاثة ولا مِن غيرها (١) مُستَدلِّين لذلك بنصوصٍ أخرى هي أقوى دلالةً عندهم في هذا الباب: لم يَتوجَّهوا إلى حديثِ أبي ذرٍّ ﵁ ونحوه بالرَّفضِ؛ فلولا أنَّهم على الإقرار بصحَّة هذه الرِّوايات في قطعِ الصَّلاة، مَا اختلفوا إزاءَها على مَسلكين: قِسم رآها مَنسوخةً: ومِمَّن سَلَك هذا المَسلك في النَّسخِ: الطَّحاويُّ، وبعض الفقهاء (٢). والنَّاسِخُ عندهم: حديث ابن عبَّاس في مرورِ الأَتانِ بين يَدَيْ الصَّف، وكان في حَجَّة الوَداع آخرَ عُمر النَّبي ﷺ ، قالوا: فإذا نُسِخ منها الحمار، دَلَّ على نَسْخِ الباقي (٣). ونَسَخه أيضًا حديث عائشة في اعتراضِها بين يَدَيْ صلاةِ النَّبي ﷺ ، «فإنَّا نَعلمُ أزواجَه -خصوصًا عائشة- ما حَكينَه عنه مِمَّا يَتكرَّر في كلِّ ليلةٍ هو النَّاسخ، لأنَّه لو حَدَث شيءٌ عَلِمنَ به» (٤). وقد تُعُقِّب هذا المَسلك بما قاله النَّووي: « .. مِنهم مَن يدَّعي نسخَه بالحديثِ الآخر: «لا يقطعُ صلاة المرءِ شيءٌ، وادرءوا ما استَطَعتم»؛ وهذا غير مَرضيٍّ، لأنَّ النَّسخَ لا يُصَار إليه إلَّا إذا تَعَذَّر الجمع بين الأحاديث وتأويلُها، وعَلِمنا التَّاريخ، وليس هنا تاريخ، ولا تَعذَّر الجمع والتَّأويل، بل يُتَأوَّل على ما ذَكرناه، مع أنَّ حديث: «لا يَقطع صلاةَ المرءِ شيءٌ .. » ضَعيف» (٥). قلتُ: وهو كما قال، فإنَّ حديث أبي سعيد ﵁ هذا «لا يَقطع الصَّلاة شيءٌ» مِن روايةِ مُجالد بن سعيد، قد ضعَّفه الجمهور وَرَمَوه بالاختلاطِ بأخرة،

стр. 1543

وهذا مِن روايةِ حمَّاد بن أسامة عنه، وهو مِمَّن سَمِع منه بعد الاختلاط (١)، ولذا قال العُقيليُّ في مثل روايتِه هذه: «فيها لِين وضَعف» (٢). وأمَّا ما نَقَله (محمَّد الغَزاليُّ) عن أحمد شاكر مِن استدلالٍ على نسخِ أحاديثِ القطعِ: بحديث صخر بن عبد الله بن حرملة، حين سمع عمر بن عبد العزيز يقول عن أنسٍ ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى بالنَّاس، فمرَّ بين أيديهم حمار، فقال عياش بن أبي ربيعة: سبحان الله! .. وأنَّ النَّبي ﷺ قال آخرَه: «لا يقطعُ الصَّلاة شيء»: فهذا الحديث لم يُصِب شاكرٌ في تصحيحِه! حيث انفردَ به صخر بن عبد الله المدلجي، لم يَروِ عنه إلَّا بكر بن مُضر، ولم يُوثَّق بتوثيقٍ مُعتَبر (٣)، فمثلُه لا يُحتجُّ به إذا انفرد، فناسبَ أن يقول ابن حجرٍ فيه: «مَقبول» (٤): أي حيث تُوبِع، ولم يُتابع هو على روايتِه هذه. فضلًا عن أنَّ حديثَ هذا الرَّاوي مضطَرِبٌ في إسنادِه، وقد صَوَّب الدَّارقطنيُّ (٥) والإشبِيليُّ (٦) إرسالَه عن عمر بن عبد العزيز. ومُحصَّل القول في هذه الأخبار النَّافية لقطعِ الصَّلاة، قولُ ابن عبد الهادي: «إنَّها كلَّها ضِعاف» (٧)، وقول ابن رجب بعده: «لا يثبتُ منها شيءٌ» (٨). أمَّا القسم الثَّاني من العلماء -وهم الأغلَب-: فقد سَلكوا في أحاديث القطعِ مَسلكَ التَّأويل، مُستَنِدين إلى أنَّ «الأحاديثَ إذا تعارَضت، ووُجِدَ في

стр. 1544

معاني بعضِها تَضادٌّ، فالسَّبيل أن تُأوَّلَ على وجه التَّوفيق بينها، ونفيِ التَّضاد والاختلاف عنها» (١). وقالوا: القطعُ في حديث أبي ذرٍّ وأبي هريرة ليس المَقصد به إبطالَ الصَّلاة مِن أصلِها، حتَّى يكون فيها وجوب الإعادة؛ يؤيِّده: أنَّ النَّبي ﷺ لمَّا سَأله الرَّاوي عن الحكمةِ في الأسودِ من الكلاب، قال: لأنَّه شيطان، «وقد عُلِم أنَّ الشَّيطان لو مَرَّ بين يَدَي المُصلِّي لم تَفسُد صَلاتُه» (٢). فهذا ابن عبَّاس ﵁ -وهو أحدُ رُواةِ قطعِ الصَّلاة بالأمورِ الثَّلاثة (٣) - لم يحمِله على ظاهرِه مِن بُطلانِ الصَّلاةِ، ولكنْ على الكراهِية، فقد قيل له: «أيَقطَع الصَّلاةَ المرأةُ، والكلبُ، والحمارُ؟ قال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، فما يقطعُ هذا؟! ولكن يُكْرَه» (٤). فلأجل أصالة هذا المَسلك من التَّأويل وأَوْلَوِيَّتِه في الجمعِ بين النُّصوصِ، قال الجمهور: إنَّ في حديث عائشة وابن عبَّاس المُتَقَدِّمين نفيَ القطعِ الَّذي هو بمعنى إفسادِ الصَّلاة، والمنع مِن التَّمادي فيها، أمَّا حديث أبي ذرٍ وأبي هريرة: ففيهما إثباتٌ للقطعِ على معنى آخر غير إفسادِ الصَّلاة (٥). واختلفت مآخذهم على أيِّ معنى يُحمَل هذا القطعِ: فمنهم مَن حَمله على معنى المبالغةِ في الخوفِ على فسادِها بالشُّغلِ بتلك الأمور الثَّلاثة: كما تقول للمادِح: «قطعتَ عُنقَ أخيك»، أي: «فعلتَ به فِعلًا يُخاف عليه هلاكُه منه، كمَن قَطع عُنقَه» (٦).

стр. 1545

فتأويل الحديث على هذا: أنَّ المرأةَ تَفتِن، والحمار يَنهق بأنكرِ الأصوات، مع لَجاجتِه وقِلَّة تأتِّيه عند دفعِه ومخالفتِه، والكلبُ يُروِّع فيُشوِّش الفكرَ في ذلك، مع نفورِ النَّفس منه، لاسيما الأَسْود، وكراهةِ لونِه، وخوفِ عادِيَتِه، حتَّى تنقطعَ عليه الصَّلاة بهذه الأمور وتَفسد، فلمَّا كانت هذه الأمور آيلةً إلى القطعِ، جعَلَها قاطعةً بهذا الاعتبار (١). ومنهم من حَمَله على معنى نقصِ الصَّلاة لا نقضها: وهذا مذهب الشَّافعيِّ (٢)، ورجَّحه الخطَّابي (٣)، والبيهقيُّ (٤) وغيرهما (٥)، وحكاه النَّووي قولَ الجمهورِ (٦). ووَجه النَّقصِ عند بعضِهم فيها: أنَّ القلب ينشَغِلُ بهذه الأشياء عن الإقبالِ على صلاتِه، والبُعدِ عن الاشتغالِ عنها، وقطعِها المُصلِّي عن مُواطأةِ القلبِ واللِّسان في الذِّكر، فذلك معنى قطعِها للصلَّاة. ومثل هذا التَّعبير بهذا المعنى في كلامِهم شائعٌ مُستفيض، «فيقول القائل إذا تَكلَّم بين يَديه مُتكلِّم وهو مُقبل على صلاتِه: قطعتَ عليَّ صلاتي، أي: شَغلتَ قلبي عنها» (٧). وقد تُعُقَّبَ هذا التَّوجيه لمعنى النَّقصِ في القطع: بأنَّ المُصلِّي قد يكون أعمَى! وقد يكون ذلك ليلًا في ظلمةٍ! بحيث لا يَشعُر به الَمارُّ ولا مَن مَرَّ عليه! مع أنَّ الحديثَ يَعمُّ هذه الأحوال كلَّها؛ وأيضًا: قد يكون غيرُ هذه الثَّلاثة أكثرُ إشغالًا للمُصلِّي، كالوحوش والخَيل المُسوَّمَة! ولا يقطع الصَّلاة مرورُ شيءٍ من ذلك.
следующие страницы →