← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 224

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

المَطلب الثَّالث دفع المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ عن حديث: «يَقطعُ الصَّلاةَ المرأةُ والحمار والكلب» أمَّا دَعوى المُعترض إِهانةَ الحديثِ للمرأةِ إذ عدلها بالكلابِ والحَمير، فيُقال في جوابِه: إذا كان اقترانُ الأشياء في النَّظم اللَّفظيِ (١) غير مُوجبٍ لاقترانِها في الحُكم عند عامَّةِ أهلِ الأصول (٢): فإنَّ الاقتران في ذاتِ الحُكمِ لا يوجب الاقترانَ في القَدْرِ والمَكانةِ مِن بابِ أَوْلى عند عامَّة العقلاء! كما إذا قال فقيهٌ -مثلًا-: إنَّ تَغيِيبَ الرَّجُل حَشَفتَه في فرجِ امرأتِه أو أجنبيَّةٍ يوجب الغُسلَ؛ فلا يَفهم منه راشدُ العقلِ أنَّهم يُسَوُّون بين الزَّوجةِ والمَزنيِّ بها في القَدْر! أمَّا دعوى (الغزاليِّ) رفضَ جمهرةِ الفقهاءِ لهذا الحديث، لمِعارضتِه أحاديثَ أخرى تُفيد أنَّ الصَّلاة لا يقطعها شيء، فالرَّد عليه: أن يُنبَّه إلى أنَّ الفقهاء إنَّما اختَلفوا في فقهِ الحديث، ولم يرفضوه كما ادَّعى!

стр. 1542

وجمهورُ الفقهاء حين جَنحَ إلى كونِ الصَّلاة لا يقطعها شيءٌ مِن تلك الثَّلاثة ولا مِن غيرها (١) مُستَدلِّين لذلك بنصوصٍ أخرى هي أقوى دلالةً عندهم في هذا الباب: لم يَتوجَّهوا إلى حديثِ أبي ذرٍّ ﵁ ونحوه بالرَّفضِ؛ فلولا أنَّهم على الإقرار بصحَّة هذه الرِّوايات في قطعِ الصَّلاة، مَا اختلفوا إزاءَها على مَسلكين: قِسم رآها مَنسوخةً: ومِمَّن سَلَك هذا المَسلك في النَّسخِ: الطَّحاويُّ، وبعض الفقهاء (٢). والنَّاسِخُ عندهم: حديث ابن عبَّاس في مرورِ الأَتانِ بين يَدَيْ الصَّف، وكان في حَجَّة الوَداع آخرَ عُمر النَّبي ﷺ ، قالوا: فإذا نُسِخ منها الحمار، دَلَّ على نَسْخِ الباقي (٣). ونَسَخه أيضًا حديث عائشة في اعتراضِها بين يَدَيْ صلاةِ النَّبي ﷺ ، «فإنَّا نَعلمُ أزواجَه -خصوصًا عائشة- ما حَكينَه عنه مِمَّا يَتكرَّر في كلِّ ليلةٍ هو النَّاسخ، لأنَّه لو حَدَث شيءٌ عَلِمنَ به» (٤). وقد تُعُقِّب هذا المَسلك بما قاله النَّووي: « .. مِنهم مَن يدَّعي نسخَه بالحديثِ الآخر: «لا يقطعُ صلاة المرءِ شيءٌ، وادرءوا ما استَطَعتم»؛ وهذا غير مَرضيٍّ، لأنَّ النَّسخَ لا يُصَار إليه إلَّا إذا تَعَذَّر الجمع بين الأحاديث وتأويلُها، وعَلِمنا التَّاريخ، وليس هنا تاريخ، ولا تَعذَّر الجمع والتَّأويل، بل يُتَأوَّل على ما ذَكرناه، مع أنَّ حديث: «لا يَقطع صلاةَ المرءِ شيءٌ .. » ضَعيف» (٥). قلتُ: وهو كما قال، فإنَّ حديث أبي سعيد ﵁ هذا «لا يَقطع الصَّلاة شيءٌ» مِن روايةِ مُجالد بن سعيد، قد ضعَّفه الجمهور وَرَمَوه بالاختلاطِ بأخرة،

стр. 1543

وهذا مِن روايةِ حمَّاد بن أسامة عنه، وهو مِمَّن سَمِع منه بعد الاختلاط (١)، ولذا قال العُقيليُّ في مثل روايتِه هذه: «فيها لِين وضَعف» (٢). وأمَّا ما نَقَله (محمَّد الغَزاليُّ) عن أحمد شاكر مِن استدلالٍ على نسخِ أحاديثِ القطعِ: بحديث صخر بن عبد الله بن حرملة، حين سمع عمر بن عبد العزيز يقول عن أنسٍ ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى بالنَّاس، فمرَّ بين أيديهم حمار، فقال عياش بن أبي ربيعة: سبحان الله! .. وأنَّ النَّبي ﷺ قال آخرَه: «لا يقطعُ الصَّلاة شيء»: فهذا الحديث لم يُصِب شاكرٌ في تصحيحِه! حيث انفردَ به صخر بن عبد الله المدلجي، لم يَروِ عنه إلَّا بكر بن مُضر، ولم يُوثَّق بتوثيقٍ مُعتَبر (٣)، فمثلُه لا يُحتجُّ به إذا انفرد، فناسبَ أن يقول ابن حجرٍ فيه: «مَقبول» (٤): أي حيث تُوبِع، ولم يُتابع هو على روايتِه هذه. فضلًا عن أنَّ حديثَ هذا الرَّاوي مضطَرِبٌ في إسنادِه، وقد صَوَّب الدَّارقطنيُّ (٥) والإشبِيليُّ (٦) إرسالَه عن عمر بن عبد العزيز. ومُحصَّل القول في هذه الأخبار النَّافية لقطعِ الصَّلاة، قولُ ابن عبد الهادي: «إنَّها كلَّها ضِعاف» (٧)، وقول ابن رجب بعده: «لا يثبتُ منها شيءٌ» (٨). أمَّا القسم الثَّاني من العلماء -وهم الأغلَب-: فقد سَلكوا في أحاديث القطعِ مَسلكَ التَّأويل، مُستَنِدين إلى أنَّ «الأحاديثَ إذا تعارَضت، ووُجِدَ في

стр. 1544

معاني بعضِها تَضادٌّ، فالسَّبيل أن تُأوَّلَ على وجه التَّوفيق بينها، ونفيِ التَّضاد والاختلاف عنها» (١). وقالوا: القطعُ في حديث أبي ذرٍّ وأبي هريرة ليس المَقصد به إبطالَ الصَّلاة مِن أصلِها، حتَّى يكون فيها وجوب الإعادة؛ يؤيِّده: أنَّ النَّبي ﷺ لمَّا سَأله الرَّاوي عن الحكمةِ في الأسودِ من الكلاب، قال: لأنَّه شيطان، «وقد عُلِم أنَّ الشَّيطان لو مَرَّ بين يَدَي المُصلِّي لم تَفسُد صَلاتُه» (٢). فهذا ابن عبَّاس ﵁ -وهو أحدُ رُواةِ قطعِ الصَّلاة بالأمورِ الثَّلاثة (٣) - لم يحمِله على ظاهرِه مِن بُطلانِ الصَّلاةِ، ولكنْ على الكراهِية، فقد قيل له: «أيَقطَع الصَّلاةَ المرأةُ، والكلبُ، والحمارُ؟ قال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، فما يقطعُ هذا؟! ولكن يُكْرَه» (٤). فلأجل أصالة هذا المَسلك من التَّأويل وأَوْلَوِيَّتِه في الجمعِ بين النُّصوصِ، قال الجمهور: إنَّ في حديث عائشة وابن عبَّاس المُتَقَدِّمين نفيَ القطعِ الَّذي هو بمعنى إفسادِ الصَّلاة، والمنع مِن التَّمادي فيها، أمَّا حديث أبي ذرٍ وأبي هريرة: ففيهما إثباتٌ للقطعِ على معنى آخر غير إفسادِ الصَّلاة (٥). واختلفت مآخذهم على أيِّ معنى يُحمَل هذا القطعِ: فمنهم مَن حَمله على معنى المبالغةِ في الخوفِ على فسادِها بالشُّغلِ بتلك الأمور الثَّلاثة: كما تقول للمادِح: «قطعتَ عُنقَ أخيك»، أي: «فعلتَ به فِعلًا يُخاف عليه هلاكُه منه، كمَن قَطع عُنقَه» (٦).

стр. 1545

فتأويل الحديث على هذا: أنَّ المرأةَ تَفتِن، والحمار يَنهق بأنكرِ الأصوات، مع لَجاجتِه وقِلَّة تأتِّيه عند دفعِه ومخالفتِه، والكلبُ يُروِّع فيُشوِّش الفكرَ في ذلك، مع نفورِ النَّفس منه، لاسيما الأَسْود، وكراهةِ لونِه، وخوفِ عادِيَتِه، حتَّى تنقطعَ عليه الصَّلاة بهذه الأمور وتَفسد، فلمَّا كانت هذه الأمور آيلةً إلى القطعِ، جعَلَها قاطعةً بهذا الاعتبار (١). ومنهم من حَمَله على معنى نقصِ الصَّلاة لا نقضها: وهذا مذهب الشَّافعيِّ (٢)، ورجَّحه الخطَّابي (٣)، والبيهقيُّ (٤) وغيرهما (٥)، وحكاه النَّووي قولَ الجمهورِ (٦). ووَجه النَّقصِ عند بعضِهم فيها: أنَّ القلب ينشَغِلُ بهذه الأشياء عن الإقبالِ على صلاتِه، والبُعدِ عن الاشتغالِ عنها، وقطعِها المُصلِّي عن مُواطأةِ القلبِ واللِّسان في الذِّكر، فذلك معنى قطعِها للصلَّاة. ومثل هذا التَّعبير بهذا المعنى في كلامِهم شائعٌ مُستفيض، «فيقول القائل إذا تَكلَّم بين يَديه مُتكلِّم وهو مُقبل على صلاتِه: قطعتَ عليَّ صلاتي، أي: شَغلتَ قلبي عنها» (٧). وقد تُعُقَّبَ هذا التَّوجيه لمعنى النَّقصِ في القطع: بأنَّ المُصلِّي قد يكون أعمَى! وقد يكون ذلك ليلًا في ظلمةٍ! بحيث لا يَشعُر به الَمارُّ ولا مَن مَرَّ عليه! مع أنَّ الحديثَ يَعمُّ هذه الأحوال كلَّها؛ وأيضًا: قد يكون غيرُ هذه الثَّلاثة أكثرُ إشغالًا للمُصلِّي، كالوحوش والخَيل المُسوَّمَة! ولا يقطع الصَّلاة مرورُ شيءٍ من ذلك.

стр. 1546

ولذا كان الأقربَ عندي مِن هذا التَّوجيه للنَّقص، ما أحسنَ ابنُ رَجبٍ صَوْغَه في بيانِ العِلَّة الَّتي لأجلِها خُصَّت هذه الثَّلاثة بالاحترازِ منها، في قولِه: «لمَّا كان المُصلِّي مُشتغلًا بمناجاةِ الله، وهو في غايةِ القُربِ منه، والخُلوةِ به، أَمَر المُصلِّي بالاحترازِ مِن دخولِ الشَّيطانِ في هذه الخُلوة الخاصَّة، والقُربِ الخاصِّ؛ ولذلك شُرِعَت السُّترة في الصَّلاة، خشيةً مِن دخول الشَّيطان، وكونه وَليجةً في هذه الحال، فيقطع بذلك مَوادَّ الأُنسِ والقربِ؛ فإنَّ الشَّيطان رَجيم مَطرود مُبعَد عن الحضرة الإلهيَّة، فإذا تَخلَّل في محَلِّ القُربِ الخاصِّ للمُصلِّي، أوجَبَ تَخلُّلُه بُعْدًا وقطعًا لموادِّ الرَّحمة والقُربِ والأُنس. فلهذا المعنى -والله أعلم- خُصَّت هذه الثَّلاث بالاحتراز منها، وهي: المرأة: فإنَّ النِّساءَ حَبائلُ الشَّيطان، وإذا خَرَجت المرأة مِن بيْتِها استشرفَها الشَّيطان .. والكلب الأسود: شَيطان، كما نصَّ عليه الحديث. وكذلك الحمار: ولهذا يُستعاذ بالله عند سماع صوتِه باللَّيل، لأنَّه يَرى الشَّيطان. فلِهذا أَمَر ﷺ بالدُّنوِّ مِن السُّترة، خشيةَ أن يقطع الشَّيطان عليه صلاتَه، وليس ذلك مُوجِبًا لإبطالِ الصَّلاة وإعادتِها -والله أعلم- وإنَّما هو: مُنقِصٌ لها، كما نصَّ عليه الصَّحابة، .. كما سبق ذكرُه في مرورِ الرَّجل بين يَدَي المُصلِّي، وقد أَمر النَّبي ﷺ بدفعِه وبمقاتلتِه، وقال: «إنَّما هو شيطان» (١)، وفي رواية: «إنَّ معه القرين» (٢)، لكنَّ النَّقصَ الدَّاخلَ بمرورِ هذه الحيوانات -الَّتي هي بالشَّيطان أخصُّ- أكثرُ وأكثر؛ فهذا هو المُراد بالقطعِ، دون الإبطال والإلزام بالإعادة» (٣).

стр. 1547

وقريبٌ جدًّا مِن هذا التَّعليلِ النَّفيسِ لمعنى القطعِ: ما التَفت له بعضُ المتأخِّرين في شرحِ الحديث، حين أجرى القطعَ على حقيقتِه؛ لا بمعنى الفسادِ للصَّلاة، ولا بمعنى قطعِ الخشوع، ولكن بمعنى قَطعِ الوَصلةِ الَّتي بين المُصلِّي وربِّه حين يُناجي وهو بينه وبين القِبلة، والرَّحمة الَّتي تُواجهه كلُّها عبارةٌ عن تلك الوَصلة، فإذا مرَّ بين يَديَه تلك الأشياء الثَّلاثة، فقد قطعتْ تِلك الوَصلة حقيقةً. وفي تقرير هذا المعنى اللَّطيف لقطعِ الصَّلاة في الحديث، يقول الكَشميريُّ: «إنَّ المُصلِّي يُناجي ربَّه ويواجهه، كما أخرج أبو داود عن سهل ﵁ في باب الدُّنو من السُّترة: «إذا صلَّى أحدُكم إلى سُترة، فليَدنُ منها، لا يقطع الشَّيطان عليه صلاته»؛ فتِلك المناجاة والمواجهة قائمة بينه وبين القِبلة ما دام يُصلِّي، فإنَّ ربَّه بينه وبين القبلة. ولذا حَكَم الشَّرع على المارِّ أنَّه شيطان، لأنَّه مرَّ بين العبد ومَولاه، فأراد أن يحصُرَ تلك المواجهة، لِئلَّا يضيق الطَّريق على المارِّين، .. فأَمَر المارَّ أن لا يمُرَّ بين يَدي سُترة، ولكن يمرُّ وراءها، وهدَّده وحذَّره ووعَده، فلو مَرَّ بعد هذه التَّمهيدات (١) أيضًا، لم يكُن إلَّا شيطانًا مقصودُه الحيلولة بينه وبين ربِّه، وقطعُ تلك الوَصلة الَّتي قامت في الصَّلاة، وهو عند أبي داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا قال: «مَن استطاع منكم أن لا يَحول بينه وبين قبلتِه أحدٌ فليفعلْ». وعلى هذا لا أتأوَّل في أحاديثِ القطع، وأحملُها على ظاهِرها. وأقول: إنَّ المرأة والكلب والحمار كلُّها تقطع الصَّلاة، أي: تلك الوَصلة، وهذا كما إذا جَرى بينك وبين أحدٍ مُحادثة، فلو قَعد رجلٌ في الوَسط، تراه أنَّه قَطَع كلامَك ومحادثَتك، فهو أيضًا نوعٌ مِن القطعِ أيضًا بدون تأويل، ولا بُعد فيه، فإنَّ الشَّريعة قد تُخبر عن الغائباتِ بما تراه ولا نَراه، فأخبَرَت بإقامةِ

стр. 1548

الوَصلة، وكذلك أخبرت بقطعِها عند المرور، فما لنا أن نُنكِرَه أو نؤوِّلَ فيه؟!» ا. هـ (١). قلتُ: ومَع كلِّ هذه التَّأويلات للحديث، فما ضَرَّ الحديثَ إن جَهلِنا نحن حِكمتَه! فإنَّ تَعليلَ الأحكامِ الشَّرعيَّة يكون مَعلومًا لنا تارة، ومجهولًا لنا أخرى، وقد يكون مَعلومًا لكلِّ أحدٍ بأدنى نَظَر، وقد يكون مَعلومًا لأناسٍ دون غيرهم. والعلماء سمَّوا ما لا تُعقَلُ عِلَّتُه بـ «الحكمِ التَّعبُّدي» (٢)، وهو ما تَمحَّضَ للتَّعبُّد بامتِثالِه كما جاء، دون معرفةٍ لحقيقةِ معناه، وإن كان لا بُدَّ له مِن معنى في نفسِه، لاستحالةِ العَبث على الله تعالى، لكنَّه قد لا يُدرَك لدِقَّتِه (٣). فلا ريبَ أنَّ حديث القطعِ هذا، سواء كان مَعلومَ العِلَّة أو تَعبُّديًّا، فإنَّا نَتلقَّاه على الرَّأس والعَين كما تلقَّته العلماء، وإن اختلفوا بين مُتأوِّلٍ له -وهم الجمهور- وقائلٍ بالنَّسخ. أمَّا عَدى هؤلاءِ مِمَّن رَأى لفظَ القطعِ في الحديث على معنى إفساد الثَّلاثة المذكورة في أحاديث القطعِ للصَّلاة حقيقةً (٤)، أو ببعضِها دون الآخر (٥)، فقد أجابوا هم أيضًا عمَّا ظاهرُه المعارضة لذلك، وجمعوا بين النُّصوص في هذا الباب، أن منعوا تنزُّلَ حكمِ حديث أبي ذرٍ وأبي هريرة على حَدِيثي عائشة وابن عبَّاس، ما لا يتَّسِع له المقامُ لبسطِ أقوالِهم فيه.

стр. 1549

والشَّاهد من سَوقِي لأقوالِهم تلك: أنَّ أحدًا منهم ما رَدَّ حديثًا بحديث! بل مُعتَصمُهم الجمعُ بين أحاديث هذا الباب، كلٌّ حَسَبَ ما أتاه الله من آلةِ فهمٍ وإدراك، والله يجزيهم عنَّا وعن الإسلام خير الجزاء. فإن قال قائل: فقد أنكَرَت عائشة ﵂ حديثَ القطع بالثَّلاثة بأن قالتِ غاضبةً: «قد شبَّهتُمونا بالحمير والكِلاب»! قُلنا: الَّذي أنكرته عائشة: ما سمعته مِن فَتوىً بقطعِ المرأة للصَّلاة، ولم يُنقَل لها حديثٌ في هذا البابِ لتُنكِرَه أصلًا! بيانُ ذلك: في ما جاء عن عروة بن الزُّبير، قال: قالت عائشة: ما يَقطعُ الصَّلاة؟ قال: فقُلنا المرأة والحمار، فقالت: «إنَّ المرأة لدابَّة سوء .. » (١). وعن الأسود، عن عائشة، (بَلَغها أنَّ ناسًا يقولون): إنَّ الصَّلاة يقطعها الكلب والحمار والمرأة، قالت: ألا أُراهم قد عَدَلونا بالكلاب والحمر .. » (٢). وعن القاسم قال: بلَغ عائشة ﵂ أنَّ (أبا هريرة ﵁ يقول): إنَّ المرأة تقطع الصَّلاة، فقالت: «كان رسول الله ﷺ يُصلِّي فتقعُ رجلي بين يديه .. » (٣). فكما يظهر مِن هذه الرِّوايات جَليًّا: أنَّ عائشة ﵂ لم تُذكَر لها روايةٌ واحدة لحديثٍ مُسندٍ إلى النَّبي ﷺ حتَّى ترُدَّه، إنَّما أجابت عمَّا سمعته مِن حكمِ بعض النَّاسِ بإفسادِ المرأة لصلاة الرَّجلِ، فشَنَّعت على قائلِ ذلك، ورَدَّت قوله بما فهِمته من فعلِ رسول الله ﷺ معها والمُقتضي لعدم قطعِها للصَّلاة، بِغضِّ النَّظر عن صحَّةِ فهمِها لِما رأته، فهي مجتهدةٌ تَدور في ذلك بين الأجر والأجرين، وقد «استَدلَّت بحديثِها هذا على أنَّ المرأة لا تقطع الصَّلاة، وأنكرت التَّسويةَ بين المرأةِ والحمارِ والكلبِ في ذلك، وهذا يُشعِر بمُوافقتِها على الحمارِ والكلبِ» (٤).

стр. 1550

وختامًا أقول: إنَّ الطَّعن في خبر عن رسول الله ﷺ لا يكون إلَّا: بالطَّعنِ في دينِ الرَّاوي وعدالتِه، أو تَضعيفِه في ضبطِه وحفظِه؛ وهذان قد أعاذَ الله منهما حديثَ القطعِ هذا يَقينًا، لأنَّه من روايةِ أربعة من الصَّحابة: أبي ذرٍ الغفاريّ، وأبي هريرة، وابن عبَّاس -وقد مَرَّت روايَتهم-، ثمَّ أنس بن مالك (١)، وعن هؤلاء حمَل الحديث عشرات مِن الرُّواة الثِّقات. فمِن أين سيأتي الخَلل في ضبطِ هذا الحديثِ، وقد اتَّفق على لفظِه كلُّ هؤلاء الجهابذة؟! وحسبك بهؤلاء الأربعةِ دينًا ووَرعًا وحفظًا.

стр. 1551

المَبحث الثَّامن نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحَديث رَضاعُ الكَبيرِ

стр. 1552

المَطلب الأوَّل سَوْق حديث رضاع الكبير عن عائشة ﵂: أنَّ أبا حذيفة ﵁ -وكان مِمَّن شهِد بدرًا مع رسول الله ﷺ تَبنَّى سالمًا، وأنكحَه بنتَ أخيه هند بنتَ الوليد بنِ عتبة، وهو مَوْلى لامرأةٍ مِن الأنصار، كما تَبنَّى رسولُ الله ﷺ زيدًا، وكان مَن تَبنَّى رجلًا في الجاهليَّة، دعاه النَّاس إليه، ووَرِث مِن ميراثه، حتَّى أنزلَ الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، فجاءت سَهلةُ النَّبيَّ ﷺ .. فذَكَر الحديث. كذا عند البخاريِّ (١). وتكمِلة الحديث عند مسلم: «فجاءت سَهلةُ بنت سهيل إلى النَّبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إنِّي أرَى في وجهِ أبي حذيفة مِن دخولِ سالمٍ، وهو حَلِيفه، فقال النَّبي ﷺ : «أرْضِعِيه»، قالت: وكيف أُرضِعه وهو رَجلٌ كبيرٌ؟! فتَبسَّم رسول الله ﷺ ، وقال: «قد علِمتُ أنَّه رَجلٌ كبيرٌ» (٢).

стр. 1553

المَطلب الثَّاني سَوق دعاوي المعارضاتُ الفكريَّة المعاصرة لحديثِ رضاعِ الكَبيرِ أجلبَ طوائف مِن المُحْدَثين -بشتَّى مَشاربِهم الفكريَّة- على هذا الحديثِ بأوْقارٍ من الشُّبهات، وبالغوا في التَّشنيعِ عليه، حتَّى زعموا أنَّ «مخالفةَ هذا الحديث لأصولِ الدِّينِ لا تحتاج إلى برهان»! (١) ونستطيع إرجاع هذه المُعارضاتِ المتواترةِ على الحديث إلى اعتراضين أساسَين: الاعتراض الأوَّل: أنَّ الرَّضاعةَ المعتبرة في القرآن تمامها الحَولان، وما وَرَد في هذا الحديث مِن تحريمِ الرَّضاعِ للكبيرِ مُناقضٌ لصريحِ كتاب الله تعالى، بل ولِأحاديث أخرى موافقةٍ لنصِّ الكِتاب. وفي تقرير هذه المعارضة، يقول إسلامبولي: «مِن المعلوم بالضَّرورة عند علماء المسلمين أنَّ الرَّضاعةَ مُعتبرةٌ إلى حَدِّها الأعلى الَّذي حَدَّده الله في القرآن، وهو حَولين فقط، قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].

стр. 1554

والصَّواب هو أنَّ الرَّسول أعلم النَّاس بهذا الحكم القرآنيِّ الثَّابت، ولا يمكن أن يخالف ما نزل عليه من الوحي، ممَّا يؤكِّد بطلان وكذب هذا الادِّعاء، والافتراء عليه في مخالفته للحكم القرآنيِّ، وهذا الحديث على افتراضِ صحَّته، لوَجب استمرار مفعوله على يوم الدِّين وعموميَّته للنَّاس كلِّهم» (١). والاعتراض الثَّاني: أنَّ في أمرِ سهلةَ بارتضاعِ سالمٍ منها كشفٌ لعورتها لأجنبيِّ بالنَّظر والمسِّ، وذاك لا يجوز في الشَّريعة. يقول ابن قرناس عن هذا الحديث: أمرٌ صارَ «يتَندَّر غير المسلمين به على الإسلام، ويَسخرون مِن تَشريعاتِه، بسببِ أنَّ بعض الفقهاء يصِرُّون على اعتبارِ رضاعةِ الكبيرِ يَحرُم بها ما يحرُم مِن رضاعةِ الطِّفل .. [فـ] كيف يُمكن أن يَضَعَ رجلٌ حَلَمةَ ثديِ امرأةٍ أجنبيَّة في فمِه؟!» (٢).

стр. 1555

المَطلب الثَّالث دفعُ دعوى المعارضات الفكريَّةِ المعارضةِ عن حديثِ رَضاعِ الكبيرِ أمَّا دعوى المعارضةِ الأولى من مجاوزة الحديث لتوقيتِ الرَّضاعِ المُحرِّم بالحَولين: فقبل الشُّروعِ في تفاصيلِ جوابِه بما فيه دحضُ حُجَّتِه، لابدَّ مِن الإشارةِ ابتداءً إلى أنَّ الأمَّة متَّفقة على أنَّ الرَّضاع بالجملةِ يحرُم منه ما يحرُم مِن النَّسب، أعني أنَّ المُرضِعةَ تُنزَّل منزلةَ الأمِّ، فتحرُم على الرَّضيع وكلُّ ما يحرم على الابنِ مِن قِبَل أمِّ النَّسب، لقولِ النَّبي ﷺ : «يحرُم مِن الرَّضاع ما يحرُم مِن النَّسب» (١). واختلفوا فيما عدا ذلك مِن بعض التَّفاصيل، مِنها مسألة حديثِنا هذا رضاع الكبير. فأمَّا الجمهور مِن الصَّحابة: منهم عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة، وابن عبَّاس ﵃، ثمَّ عامَّة التَّابعين مِن بعدهم، وأئمَّة الفقه

стр. 1556

والحديث في الأمصارِ (١)، كأبي حنيفة (٢)، ومالك (٣)، والشَّافعي (٤)، وأحمد (٥): هؤلاء قالوا أنَّ الرَّضاع لا يُحرِّم إلَّا ما كان في مُدَّتِه مِن الحَولين. وأسَّسوا مَذهبَهم هذا على أدلَّةٍ مِن الكِتاب والسُّنة؛ فمِن القرآن: قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. ففي هذه الآية أنَّ إتمامَ الرَّضاعة على الحَوْلين، ولازمه مِن جِهة المفهومِ نفيُ الزِّيادة وإلغاءُ أثرِها؛ كما يوضِّحه أبو العبَّاس القرطبي في قوله: «هذه أقصى مدَّة الرَّضاع المحتاجِ إليه عادةً، المُعتبرِ شرعًا، فما زادَ عليه بمدَّةٍ مؤثِّرةٍ غير مُحتاجٍ إليه عَادةً، فلا يُعتَبر شَرعًا، لأنَّه نادرٌ، والنَّادرُ لا يُحكَم له بحكمِ المُعتادِ» (٦). وأمَّا مِن السُّنة: فخبر عائشة ﵂ قالت: دَخَل عليَّ رسول الله ﷺ وعندي رجلٌ قاعد، فاشتَدَّ ذلك عليه، ورأيتُ الغَضَب في وجهِه، فقلتُ: يا رسول الله، إنَّه أخي مِن الرَّضاعة، فقال: «اُنظُرْنَ مَن إخوَتُكنَّ مِن الرَّضاعة، فإنَّما الرَّضاعة مِن المجَاعة» (٧). ومعناه: أنْ يتأمَّلْنَ ما وَقَع مِن ذلك الرَّضاع: هل هو صحيحٌ بشرطِه مِن وقوعِه في زَمن الرَّضاعة، ومِقدار الارْتِضاعِ؟ فإنَّ الحكم الَّذي يَنشأ مِن الرَّضاع إنَّما يكون إذا وقع الرَّضاع المُشترَط، ومِن شرطِ ذلك: أن يكون في الَّذي إذا

стр. 1557

جاعَ كان طعامُه الَّذي يُشبِعه هو اللَّبَن مِن الرَّضاع، وليس حيث يكون الغِذاء بغيرِ الرَّضاع. فكأنَّه ﷺ قال: لا رَضاعةَ مُعتبرةٌ إلَّا المُغنية عن المَجَاعة، وذلك حيث يكون الرَّضيع طفلًا يَسدُّ اللَّبَنُ جوعَتَه، لا حين يكون الغِذاء بغيرِ الرَّضاع في حالِ الكِبَر، لأنَّ مَعِدَة ذاك ضعيفةٌ يكفيها اللَّبن، وبه يَنبتُ لحمُه، وبهذه التَّغذية من اللَّبن يَصير جُزءً مِن المُرضِعَة، فيشتركُ بهذا في الحُرمةِ مع أولادِها (١). ولا شكَّ في كونِ مُطلَقِ الأمرِ بالتَّحقُّقِ مِن وقوعِ الرَّضاعةِ في زَمن المَجاعةِ شاملًا لعائشةَ ﵂ وغيرِها، وتأكَّدت دَلالةُ الأمرِ على الوجوبِ فيه برؤيةِ الغضبِ في وجهِه ﷺ ، واشتدادِ الأمرِ عليه؛ هذا مع كونِه ﷺ لم يَستيقِن بَعدُ عَدمَ الأُخوَّة (٢). ومِمَّا استَدلَّوا به أيضًا من الآثار: قول ابنِ مسعود ﵁: «لا رضاع إلَّا ما شَدَّ العظمَ، وأنبتَ اللَّحمَ» (٣). وكذا حديث أمِّ سَلَمة ﵂ مَرفوعًا: «لا رضاع إلَّا ما فَتَق الأمعاء في الثَّدي، فكان قبل الفِطام» (٤). وما وَرَد عن ابن عبَّاس ﵁ مَوقوفًا ومَرفوعًا: «لا رضاع إلَّا ما كان في الحَوْلين» (٥).

стр. 1558

فكلُّ هذه الآثار واردةٌ بأداةِ القَصر، صريحةٌ في أنَّ الرَّضاع المُحرِّم إنمَّا يكون في الحَوْلين لا غير، واضحةُ الدَّلالة على أنَّ الرَّضاع المُعتَبر شرعًا إنَّما يثبت حكمه متى كان الرَّضيع يستغني باللَّبن عن غيره؛ وهذا ما لا يثبتُ في رَضاع الكَبير. لكن عائشة ﵂ قد احتجَّت بما رَوَته في شأنِ سهلة بنت سهيل مع سالم، حيث فهِمت منه مُطلق تحريمِ الرَّضاعِ دون تقيِيدٍ بالحَوْلَين، فلذا كانت تأمرُ بناتِ إخوتِها وبناتِ أخواتها أن يُرضِعن مَن أحَبَّت أن يَراها ويدخلَ عليها -وإن كان كبيرًا- خمسَ رَضعات، ثمَّ يدخل عليها (١). لكن سائر أزواج النَّبي ﷺ قد خالفنها في هذا الفهم، وأَبَيْنَ أن يَدخُلَ عليهنَّ بتلك الرَّضاعةِ أَحدٌ مِن النَّاس، إلَّا أن يَرضع في المَهد، وقُلنَ لها: «والله ما نَرى هذا إلَّا رُخصةً أرْخَصَها رسول الله ﷺ لسالمٍ خاصَّة» (٢). وقولُ عائشة ﵂ هذا -على ما كسَاها الله به مِن جلالِ العلمِ وجميلِ الفَهمِ- اجتهادٌ منها خلافُ مجموعِ دلائلِ الكتابِ والسُّنة، وما جرى عليه فهمُ الأئمَّةِ لقضيَّةِ سَهْلة مع سالمٍ ﵃. فأمَّا دلائل الوحيِ: فقد مرَّ ذكر أشهرِها قريبًا. وأمَّا عَملُ الأمَّة: فقد نَقلَ الباجيُّ (ت ٤٧٤ هـ) انعقادَ الإجماعِ على عدمِ التَّحريم برضاعةِ الكَبير (٣). وقال القاضي عياض: «الخِلافُ إنَّما كان أوَّلًا، ثمَّ انقطع» (٤). وحَكى الخطابيُّ (ت ٣٨٨ هـ) ذهابَ عامَّةِ أهلِ العلمِ إلى حديث أمِّ سَلَمة ﵂ في إنكارِها لفهمِ عائشةَ ﵂، فلم يَروا العملَ بمذهبِها فيما رَوته، وحَمَلوه على أحد وَجهين:

стр. 1559

إمَّا على النَّسخ، أو الخصوصِيَّة لسالمٍ وامرأةِ أبي حذيفة (١). والأصل في القول بهذا الوجهِ الثَّاني من الخصوصيَّة: جَزمُ أمَّهاتِ المؤمنينَ بذلك (٢)؛ وعليه ردَّ القرطبيُّ الوجهَ الأوَّلَ في النَّسخ فقال: «أطلقَ بعضُ الأئمَّة على حديثِ سالمٍ ﵁ أنَّه مَنسوخ، وأظنُّه سَمَّى التَّخصيصَ نَسْخًا، وإلَّا فحقيقةُ النَّسخِ لم تَحصُل هنا على ما يُعرَف في الأصول» (٣). والمُوجِب لقصرِهنَّ حديثَ عائشة ﵂ على سَهلة وسالم ﵄ أمور: الأوَّل: أنَّ مسلكَ التَّخصيصِ به تأتلفُ جميع الأدلَّةِ القرآنيَّة والسُّنيَّة في هذا الباب، فلا يُلغى منها شيءٌ (٤). وهذا بخلافِ مَذهبِ مَن جوَّزَ رَضاعَ الكبيرِ وحَرَّمَ به مطلقًا، فإنَّه مخالفٌ لِما مَرَّ مِن قاعدة الرَّضاع في القرآنِ وتمامِه في الحَولين؛ ومخالف لحديث: «إنَّما الرَّضاعة مِن المجَاعة»، وفي هذا الحديث تأسيسُ قاعدةٍ كليَّة، تعتبرُ التَّحريمَ فقط في مُدَّة ما تُغني فيه الرَّضاعةُ عن الطَّعام (٥)؛ هذا من جِهة النُّصوص.

стр. 1560

أمَّا موجب التَّخصيص من جِهة المعنى: فلأنَّ الشَّريعةَ إنَّما جَعلت للرَّضاعِ تلك الحُرمةَ لأجلِ ما أشبهَ به النَّسَب في استبقاءِ حياةِ الطِّفل، واختلاطِ لَبَنِ المُرضِع بلحمِه ودمِه حين لا يُغني عنه غيره (١). وأمَّا المُوجِب الثَّالث: فالظَّرف الاجتماعيُّ الاستثنائيُّ لورودِ الحديث، وهو مُقتضى تقريرِ الخصوصيَّة: حيث أبانت عائشة نفسُها «أنَّ أبا حذيفة ﵁ تَبَنَّى سالمًا، .. كما تبنَّى رسول الله ﷺ زيدًا، وكان مَن تبنَّى رجلًا في الجاهلية دَعاه النَّاس إليه، وورِث مِن ميراثه، حتَّى أنزل الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ .. ». فأصلُ قصَّة سهلةَ وسالمٍ ﵄ إنَّما كان نتيجةَ إلغاءِ التَّبنِّي في المجتمعِ الإسلاميِّ، وهذه حالةٌ خاصَّة لا تقعُ إلَّا زَمن التَّشريع، فكان وقوعُ التَّرخيص مُترتِّبًا على إلغاء ذلك الَّذي أدَّى إلى خُلطةِ مثلِ سالمٍ بسَهْلة، وتنزيلِها إيَّاه منزلةَ الوَلد، مع عجزِ المُتَبنَّى عن استقلالِه ببَيتٍ، لقِلَّةِ ذات اليَدِ، وحاجتهم إليه. وفي تقريرِ هذا المعنى الدَّقيق لموجب التَّخصيص، يقول الطَّاهر ابن عاشور: «لا ينبغي أن يُشكَّ في أنَّ إذْنَ النَّبي ﷺ لسهلة بنت سهيل في أن يَدخل عليها سالمٌ مولى أبي حذيفة -مُتبنَّى أبي حذيفة زوجِها- إنَّما كان على وجهِ الرُّخصة لها، إذْ كان حكم إرجاعِ المُتَبنَّين إلى الحقيقةِ -في اعتبارِهم أجانبَ مِن جِهةِ النَّسَب- حُكمًا قد فاجَأَهم، في حين كان التَّبنِّي فاشيًا بينهم، وكانوا يجعلون للمُتبنَّين مثل ما للأبناء، فشَقَّ ذلك عليهم، وامتثلوا أمرَ الله في إبطاله. وكانت سهلة زوجُ أبي حذيفة بحالِ احتياجٍ إلى خدمة سالمٍ واختلاطِه بهم، إذ لم يكن إلَّا بيتٌ واحد، فعَذَرها رسول الله ﷺ ، ورَخَّص لها أن يَدخُل سالمٌ عليها وهي فُضُل (٢)، وجَعل تلك الرُّخصة مُعضدةً بعمَلٍ يُشبه ما يُبِيح الدُّخولَ

стр. 1561

أصالةً، محافظةً على حكمِ إبطالِ التَّبنِّي بقدرِ ما تمكن المحافظة في مَقامِ الرُّخصة ومَقامِ ابتداءِ التَّشريع، فإنَّ للتَّدريج في أوائلِ التَّشريع أحوالًا مختلفة» (١). وحاصل القولِ: أنَّه لا يَصِحُّ أن يُثبَتَ للتَّبَنِّي بعد النَّهي مثلُ حُكمِه قبل النَّهي، لأنَّ التَّبنِّي أُبطِل مِن الأساس، فلا ينبغي أن يَتعلَّق به حكم؛ وبه يُفهَم أنَّ «الخطابَ في سالمٍ قضيَّةٌ في عينٍ لم يأتِ في غيره، وسَبق له تَبَنٍّ وصِفَةٌ لا توجد بعدُ في غيره، فلا يُقاس عليه» (٢). وأمَّا إن جاء أحدٌ بالتَّبنِّي بعد ذلك جهلًا منه، فهو الجاني على نفسِه بفعلِ ما قد حُرِّم، فلا تُثبَت له الرُّخصة الَّتي ثَبَتَت لسَهلة (٣). فإن قيل: فلِم لمْ تثبُت الرُّخصة لغير سهلة ﵂ مِمَّن يشركها في المشقَّة والاحتياج بها مِن المُتَبنِّين في المَدينة؟ (٤) فجوابه: بمطالبةِ السَّائلِ أوَّلًا أن يُثبت في ذاك الوقت وجودَ مَن كان كحال سهلة وسالمٍ مُتلبِّسًا بأثرِ التَّبنِّي قبل تحريمِه، وواقعٌ جرَّاءه في المشقَّة والحَرج! هذا أمرٌ لا يُتكلَّم فيه إلَّا بنقل ثابت. وإن كُنَّا مع ذلك نقول: قد يتَّفِق التَّحريم للتَّبني آنذاك وبعضَ الأولادِ المُتَبنَّين صِغار، فيُدرَك حالُهم بإرضاعِهم. أو يكون بعضهم قد كان كبيرًا وقت إلغاء التَّبنِّي، لكن لم تكُن عليه مَشقَّة مِن دخولِه على مَن كانت أمَّه بالتَّبني، لكونِها -مثلًا- مِن قواعدِ النِّساء، ومعها مَن يلازِمها في البيتِ مِن أهلٍ ونحوهم، فينتفي معه حَرج الخَلوة. أو يكون الوَلد المُتبنَّى غَنيًّا مُستقلًّا ببيتٍ لوحده، لا حاجةَ له في السُّكنى معهم، ولا حاجة لهم في خُلطتِه؛ إلى غير ذلك من الحالاتِ الَّتي لا يُحتاج معها إلى رُخصة.

стр. 1562

وأمَّا المُوجِب الرَّابع لتخصيصِ الحديث: فإنَّ مِن حَموِ (١) المرأةِ زمنَ النُّبوة مَن كان في حاجةٍ لتردادِ دخول بيتِ زوجِها، ومعلوم حالُ فقرِ الصَّحابة وقتَها وصِغر بيوتِهم، ومعرفتُهم بنهيِ النَّبي ﷺ لهم عن الدُّخولِ على النِّساء (٢). فلو كان رضاع الكبير مُحرِّمًا بإطلاقٍ، لأقبلوا على الرَّضاعِ مِن زوجاتِ إخوانِهم ليتنفيَ الحَرَج بينهم بالمرَّة! فلمَّا لم يَقع ذلك منهم، مع الحاجة إليه، ولم يُؤثَر أنَّ النَّبي ﷺ رخَّص لأحدٍ غير سهلة مع توفُّرِ الدَّواعي: دَلَّ ذلك على أنَّ مُطلقَ الحاجةِ لا تُبيح رَضاع الكبير، فضلًا عن أن تكون لغيرِ حاجة (٣) كما شَنَّع به بعضُ المُغفَّلينَ على الحديث (٤). وجريُ عَملِ الصَّحابةِ على منعِ الرُّخصة في ذلك للكبيرِ إن دَلَّ على شيءٍ، فعلى أنَّ حكم واقعة سهلة لو كان عامًّا، لكانَ انتشارُه في الأمَّةِ أظهرَ وأوسعَ مِن أن يُحصَر في امرأةٍ واحدةٍ! لحاجةِ النَّاسِ الشَّديدةِ إلى معرفتِه والأخذِ به (٥)، فدَلَّ «على أنَّه حديثٌ تُرِك قديمًا ولم يُعمَل به، ولا تَلقَّاه الجمهور بالقَبول على عمومِه، بل تَلقَّوه بالخصوص»، كما يقول ابن عبد البرِّ (٦).

стр. 1563

وعلى هذا تُوقَف قضيَّة سهلةَ في مَحلِّها، وتُستَصحَبُ عموماتُ الأدلَّة في عدمِ تحريمِ رضاعِ الكبير، ويُثبَتُ لعائشةَ الأجرُ الواحد لاجتهادِها، والله راضٍ عنها. أمَّا دعوى المُعترضِ إذنَ الحديثِ لمكاشفةِ عوراتِ النِّساء .. إلخ؛ فجواب ذلك أن يُقال له: لا يلزم من إرضاعِ سهلة ﵂ سالمًا أن يكون بإلقامِ الثَّديِ -كما وَلَه إليه فهمُ المُعترِض- وذلك لأنَّ الرَّضاع عندهم يحصُل التَّحريمُ به بأيِّ وَسيلةٍ يصِلُ فيها لَبَن المُرضِعةِ إلى جَوفِ المُرتضِع، «سواء كانَ بشُربٍ، أو أكلٍ بأيِّ صفةٍ كان، حتَّى الوَجور (١)، والسَّعوط (٢)، والثَّرد (٣)، والطَّبخ، وغير ذلك، إذا وَقع ذلك بالشَّرطِ المذكورِ مِن العَدد، لأنَّ ذلك يطردُ الجوعَ» (٤)، وبذا أناطَ النَّبي ﷺ حكمَ التَّحريمِ، كما ما مرَّ في حديثِ أمِّ سلمة: «لا رضاع إلَّا ما فَتَق الأمعاء»، وحديث عائشة: «إنَّما الرَّضاعة مِن المَجاعة». يقول القاضي عياض في هذين الحديثين: «تضَمَّن الردَّ على داود في قوله: لا يحرِّم الرَّضاع حتَّى يلتقمَ الثَّديَ، ورأى أنَّ قوله : ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إنَّما ينطبق على مُلتقِم الثَّدي، وقد نبَّه ﷺ على اعتبارِ ما فَتَق الأمعاء، وهذا يوجَد في اللَّبن الواصلِ إلى الجوفِ صبًّا في الحلق، أو الْتِقامًا للثَّدي، ولعلَّه هكذا كان رضاع سالم، يصبُّه في حلقِه، دون مسِّه ببعضِ أعضائِه ثديَ امرأةٍ أجنبيَّة» (٥).

стр. 1564

فطالما أنْ لا ضرورةَ تقصُر سالمًا على اِلتقامِ الثَّديِ، والحالُ أنَّ بلوغَ لبَنِها إلى جوفِه كافٍ لتحقيقِ التَّحريم، فإنَّ النَّبي ﷺ «لم يُرِد منها: ضَعِي ثديَكِ في فِيه، كما يُفعل بالأطفال، ولكن أرادَ: اِحْلِبي له مِن لبنِك شيئًا، ثمَّ ادفعيه إليه ليشربه؛ ليس يجوز غير هذا» (١). وفي التَّأويل لهذا الحديثِ اعتبارٌ لـ «قاعدةِ تحريمِ الاطِّلاعِ على العَورة؛ فإنَّه لا يُختلف في أنَّ ثَدي الحُرَّة عورة، وأنَّه لا يجوز الاطِّلاع عليه، لا يُقال: يُمكِن أن يَرتضع ولا يطَّلِعَ؛ لأنَّا نقول أنَّ نفسَ التقامِ حَلَمَةَ الثَّدي بالفَمِ اطِّلاع، فلا يجوز» (٢). فإلى هذا مَذهبُ جمهورِ الأئمَّة (٣)، بل نقلَ ابن عبد البرِّ الإجماعَ عليه (٤). وبه تنمحي الإشكالات عن واقعةِ سهلة وسالم، بتَسْهيلٍ مِن الله وتسليمٍ.

стр. 1565

المَبحث التَّاسع نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث سِنِّ عائشةَ عند زواجِها بالنَّبي ﷺ

стр. 1566

المَطلب الأوَّل سَوق حديث سِنِّ عائشةَ عند زواجِها بالنَّبي ﷺ عن عائشة ﵂ قالت: «تزوَّجني النَّبي ﷺ وأنا بنتُ ستِّ سِنين، فقدِمنا المدينة، فنزلنا في بني الحارث بن خزرج، فوَعكتُ، فتمَرَّق (١) شعري، فوَفى جُميمةً (٢)، فأتتني أمِّي أمُّ رومان، وإنِّي لفي أرجوحة، ومعي صواحب لي، فصرَخَت بي فأتيتُها، لا أدري ما تريد بي، فأخَذَتْ بيدي، حتَّى أوقفتني على بابِ الدَّار، وإنِّي لأنهجُ (٣)، حتَّى سَكَن بعض نَفَسي، ثمَّ أخذتْ شيئًا من ماءٍ فمسحتْ به وجهي ورأسي. ثمَّ أدخلتني الدَّار، فإذا نِسوةٌ مِن الأنصارِ في البيت، فقُلْنَ: على الخيرِ والبركةِ، وعلى خير طائرٍ! فأسلمتني إليهنَّ، فأصلَحْنَ مِن شأنِي، فلم يرُعْني إلَّا رسول الله ﷺ ضحًى، فأسلمتني إليه، وأنا يومئذٍ بنت تسعِ سنين» متَّفق عليه (٤).

стр. 1567

المَطلب الثَّاني سَوقُ المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ لحديثِ سِنِّ عائشة عند زواجها بالنَّبي ﷺ فلا يزال علماءُ المسلمينَ منذ عهدِ النُّبوَّةِ إلى وَقتنا الحاضر، مُجمِعين على أنَّ زواجِ النَّبي ﷺ بعائشةِ تمَّ وعمرها ستُّ سنين، ودخوله بها كان في التَّاسعة من عمرها، هذه مُسلَّمة نقليَّة لم تحتج إلى مَزيد فحصٍ وتَنقير منذ عُلِمت. ولذا قال ابنُ حزمٍ بعد أن ساقَ روايةَ البخاريِّ ومسلم في سِنِّ زواج عائشة: «هذا سِنُّ عائشةَ مَنصوصٌ، لا تَكلُّف فيه» (١)، وقال فيه: «هذا أمرٌ مَشهورٌ، غَنيٌّ عن إيرادِ الإسناد فيه» (٢). وقال ابن عبد البرِّ: «ابتَنى بها ﷺ بالمدينةِ وهي ابنة تسعٍ، لا أعلمُهم اختلفوا في ذلك» (٣). وقال ابن كثير: «تزوَّجها وهي ابنةُ ستِّ سنين، وبنَى بها وهي ابنة تسعٍ، ما لا خلافَ فيه بين النَّاس» (٤).

стр. 1568

فعلى هذا جرى اعتقادُ الأمَّةِ قرونًا مُتطاولة، إلى أن صارَت هذه الحادثةُ مِن أكثرِ الرِّوايات الحديثيَّة إسالةً لمدادِ الطَّعنِ في صدِقها اليومَ! يتأبَّطُ شرَّ هذه الحَملةِ المغرضةِ جَوقةٌ من الحُقوقِيِّين المُستغربين، وأربابُ النَّزعات النِّسوية الحديثة؛ يقولون لنا مُتحَزِّنين: كيفَ لرجلٍ في مَقامِ النُّبوة، أن يَتزَّوج صَبيَّةً صغيرةً، وينتهكَ فيها براءةَ الطُّفولة؟! وبذا صارت أخبارُ سِنِّ زواجِ عائشة ﵂ فتنةً لطائفتين: طائفة كافرةٍ بالدِّين كلِّه، اتَّخَذَتها مَطيَّةً لبَثِّ الشُّبهةِ في قلوبِ المسلمين على رسولِهم الكريم؛ أنَّه مُجرَّدَ كَهلٍ شَهْوانيٍّ لم يَسْلَم مِن سادِيَتِه حتَّى الأطفال! فلا يَفتأ عُبَّاد الصَّليبِ من التَّذكير بهذه الشُّبهة في كلِّ مَحفلٍ يُتيح لهم نفخَ كِيرهم في وجه الإسلامِ وأهلِه (١). اسمعْ -مثلًا- للقِسِّ المَعْمَدانيِّ (جِيرِي فايْنِز)، كيف عَوَى في إحدى خُطَبِه في حَقِّ نبيِّنا ﷺ فقال: «أُعلِنُ بأنَّ الرَّسول كان يَتَحرَّش بالأطفالِ، وتَزوَّج اثنتي عشر زوجةً، إحداهنَّ لها تسعُ سنوات .. » (٢). يقول هذا عدوُّ الله، وهو يَعلم أنَّ مثلَ هذا الزَّواج ممَّا تُقرِّه مِلَّتُه! وفَعَلَه أشياخُه في عصرِ المَسيحيَّة الأولى، فإنَّه يجِدُ في «مَوسوعتِهم الكاثوليكيَّة»، الإقرارَ بأنَّ مريم البَتولَ خُطِبَت للزَّواج مِن يوسف النَّجار وعمرها لا يجاوِزُ الثِّنتي عشرة سنةً! وكان خَطيبُها على مَشارفِ التِّسعين مِن عمرِه! (٣) وأمَّا الطَّائفة الثَّانية فتَنْتَسِبُ للإسلامِ، قد رَاعها ضَجيجُ الطَّائفة الأولى، وأقلقَها رُكامُ الشُّبَهِ المَنثورةِ في حقِّ نبيِّنا وزوجِه على صفحاتِ المَجلَّات

стр. 1569

والشَّبكات، وبرامجِ الفضائيَّات، فطفِقوا تَوقِّيًا مِن صُداعِ ذلك ينكرون الرِّوايةَ بالمرَّة! وحَشدوا لنيلِ وطرِهم في ذلك كلَّ شُبهة نقليَّةٍ أو نَظريَّة، واتَّهموا لذلك فقهاءَ الإسلامِ وأئمَّةَ السُّنةِ بنسبةِ ما لا يَليق نسبتُه للنَّبي ﷺ ! وأنَّهم حُمَّالُ وِزْرِ هذا الغَمز الغربيِّ فيه وفي دينِه! وكِلا الطَّائفتين على ضَلالٍ مُبين، وإن تَفاوَتتا في درجاتِه. فالثَّانية -وإن رَامَت في ظاهرِ قولِها الذَّبَ عن الرَّسول ما يَشينُ سيرَته العَطِرة- قد جَنِفَت عن طريقِ الحقِّ في الذَّبِّ عن هذا الدِّين، حتَّى صارَت عِبئًا عليه! كلُّ همِّها طمسُ الحَقائق المُسلَّم بها عند المسلمين، إرضاءً للغَربِ الحاقدِ، ولو على حسابِ منهج النَّقدِ العلميِّ الإسلاميِّ للأحداثِ والوَقائع. لقد أبانت هذه الفتنة عن رأسِها أوَّلَ أمرِها أواسطَ القرن الماضي على يَدِ بعض المُثقَّفِين في بلادِ مِصر على وجهِ الخصوصِ في حدودٍ ضيِّقة، كان مِن أبرزِهم في ذلك (عبَّاس العَقَّاد) (١) في كتابه الذَّائع: «الصِّديقة بنتُ الصِّديق»، حيث حاوَل جُهدَه هَدَرًا نقضَ رواياتِ سِنِّ زواجِ عائشة ﵂، وتَكلَّفَ الإقناعَ بكونِ سنِّها وقت ذلك فوق الثِّنْتي عشرة سنة (٢). تَبِعه في ما بعدُ (شَوقي الضَّيف) (٣) في كتابه «محمَّد خاتم المرسلين»، لكن بتقدير عُمْريٍّ آخر! تخرَّصَ فيه كونَ عمرِها حين زواجِها قد ناهزَ العشرين سنةً (٤).

стр. 1570

وقبل هذين الأديبَينِ حازَ شُؤمَ السَّبقِ إلى إنكارِ خبرِ عائشةَ ﵂ رَجل هِنديٌّ يُدعَى (حَقُّ غُو)، في كتابٍ له أسماه «لماذا أنكرتُ الحديث؟!» (١)، تصدَّى له وقتها بلديُّه حبيب الرَّحمن الأعظمي (ت ١٤١٢ هـ) بردٍّ سمَّاه «نصرة الحديث في الرَّد على منكري الحديث». كما قد تَصدَّى بعدُ للرَّدِ على (العقَّاد) ثُلَّة مِن فضلاءِ مصر آنذاك، يَتقدَّمهم مُحدِّثُهم أحمد شاكر (ت ١٣٧٧ هـ)، في بحثٍ نَشَره في طَيَّاتِ كتابِه «كلمة الحقِّ» (٢) سنةَ (١٣٦٣ هـ). ثمَّ تبِعَه (بِشر الفارس) (٣) على نقضِ دعاوي العقَّادِ في مجلَّةِ «المقتطف» (٤). مرَّت بعدَ ذلك عُقود خَفَّ فيها الكلام قليلًا في مَوضوعِ سنِّ عائشة ﵂، غير بِضْع مُناوشاتٍ هناك وهناك مِمَّن يَرى نفسَه مُقتدرًا على الكتابةِ والنَّقدِ وقتَها، وإن كان على باطلٍ في تصوُّراتِه. إلى أن عادَت الحربُ الغَربيَّة الفكريَّة على الإسلامِ أشدَّ ما تكون في التِّسعيناتِ وما بعدها من القرنِ الماضي، بتِرسانةٍ إعلامِيَّة عَلمانيَّةٍ همجيَّة، فرَضَت نظْرَتَها بالقَهرِ على بيوتاتِ المسلمين. تَرى توصيفًا لهذه الحالة الانهزاميَّة -فيما نحن بصدد دراسته من الحديث- ماثِلًا في مُثقَّفٍ بحجمِ البروفِيسُور (شَنَفاس T.O.shanavas) (٥) ، وذلك في مَقالٍ له

стр. 1571

نقديٍّ نَشره سنةَ (١٩٩٩ م)، حيث أنكر حديثَ تزويجِ عائشةَ ﵂ في التَّاسعة، بما يَراه أدلَّةً تاريخيَّةً تُسند مَقالَه، يقول في مُستَهَلِّه: «سألني مرَّةً صَديقٌ مَسِيحيٌّ: إن كُنتُ سأزوِّج ابنتي ذاتَ الأعوام السَّبعة لرجلٍ في الخمسين مِن عمره، أجبتُه بالصَّمت، .. استمرَّ وقال: إذا كنتَ لا تريد ذلك، فكيف تَقبلُ زواجَ الطِّفلة البريئةِ عائشة، ابنة التِّسع سنوات، مِن النَّبي؟! قلتُ له: بأنِّي لا أملِكُ إجابةً! .. ابتسمً صديقي، وترَكَ في قلبي جُرحًا». هذا الكاتب المَجروح مِن أوائلِ مَن تجاسر من المُحْدَثين على إحياءِ مَواتِ الرُّدودِ القديمةِ على حديثِ زواجِ عائشة في التَّاسعة؛ فرَاجَ مقالُه هذا بعد ترجمتِه في مَيادين الفكر العَربيَّة والغربيَّة، سواءٌ بنشرِ نَقَداتِه، أو العَزوِ إليه، أو باستنساخِ مَقالِه، أو بانتحالِ أفكارِه وسَرِقتها (١)! ثمَّ تَقَحَّم النَّاسُ بعدَه حِمَى هذا الحديثِ! مِن غيرِ أثارةِ علمٍ، ولا نَباهة فهم، إلى أن بلَغَ الدَّاء مَن يُحسَب على العلمِ وأهلِه، وفي بلادِ الحَرَمَين نفسِها! فهذه تُدعَى (سُهيلة زين العابدين)، عضوٌ بالاتِّحادِ العالميِّ لعلماء المسلمين! لا تجِد غضاضةً من أن تستنكِر هذا الحديثَ في مَقالَين مُتتابِعين (٢)، غايتُهما استنساخُ شُبهاتِ (إسلام بِحيري) المَسروقةِ عينِها دون إبداعِ شبهةٍ! الأمرُ نفسُه اجترحَه كاتبٌ هنديٌّ آخر يُدعَى (راشد شَاز)، في مقالٍ مَنشور بإحدى الجرائد السُّعوديَّة (٣)، بعنوان: «الإسلام بحاجة لمفسِّرين جُدد»، اجترَّ فيه نفس الشُّبهات من غير طائل.

стр. 1572

أمَّا (رزق الطَّويل) فكان السَّباقَ مِن كُتَّابِ الجزيرةِ العَربِيَّة إلى استنكارِ هذه الرِّوايات في سِنِّ عائشة في إحدى مَقالاتِه الصُّحفيَّة (١)؛ لم يَلبث أن صكَّه (خليل مُلَّا خاطر) في كتابٍ له بَسيطٍ أسماه: «زواجُ السَّيدة عائشة، ومَشروعية الزَّواج المبكِّر، والرَّد على مُنكري ذلك». وهكذا توسَّعت رُقعةُ الشُّبهةِ رويدًا رويدًا، لتبلُغَ أقاصيَ العالم الإسلاميِّ: فمِن بلادِ السِّندِ شَرقًا: حيث تَقبع شراذمُ المُنكرينَ للسُّنَن، حيث يبرُز رأسُهم (غُلام جِيلَاني)، يُعلنها في جموعِ قُرَّاءِه قائلًا: «إنَّ هذه الأحاديث الَّتي لم تُنقد متونها، هي غير صحيحة، لأنَّ بِنتًا صغيرةً في هذا السِّن، والَّتي كانت في غايةِ الضَّعفِ مِن الحُمَّى الَّتي أصابتها، لا يُمكن أن تَتَحمَّل الجماع!» (٢). إلى بلاد المغربِ الأقصى غربًا: حيث تَلقَّف مَقالَ (البِحيريِّ) جموعٌ مِمَّن يسعى لتحريفِ مُدوَّنة الأسرة المغربيَّة بما يَتَوافق وتوصياتِ (سيداو) (٣)؛ كما تراه في مَقالٍ لأحد كُتَّاب الصُّحف عندهم، يقول فيه: «إنَّ نقد رواية سنِّ عائشة حينَ الزَّواج، جدَّ فيها جَديد، هو ما نشرته الصَّحافة المصريَّة، ونقلته صحُف أخرى عنها، ومن بينها الصُّحف المغربيَّة، والقرائن الَّتي جمعها صاحب البحث تؤدِّي إلى أنَّ الزَّواج تمَّ وكان سنُّ عائشة ﵂ بين السَّابعة عشر والثَّامنة عشر، وليس سنُّ التَّاسعة! وقد كان المفروض في هذا الصَّدد أن يتولَّى نخبة من العلماء من المجلس العلمي الأعلى والمجالس المحليَّة ودار الحديث الحسنيَّة الموضوعَ! واستخلاص ما يجب استخلاصه من نقد الرِّوايات، ومقارنة بعضها ببعضٍ بأسلوبٍ علميٍّ رصينٍ، يحقُّ الحقَّ ويُبطل الباطل في هذا الصَّدد ..

стр. 1573

لا شكَّ أنَّ إيجاد قرائن تاريخيَّة، واعتماد نقد السَّند، وغير ذلك ممَّا جمعه الباحث يفتح الباب أمام الباحثين في الرِّواية الحديثيَّة، وفي التَّاريخ، لعلَّهم يصلون إلى رأيٍ جديد، وحقيقةٍ جديدةٍ في الموضوع، تزيح عن الأمر ما يكتنفه، وتدفع الحرج لدى كثيرٍ من النَّاس الَّذين لم يعُد يقبلون تزويج الأطفال في سنٍّ غير مَقبول ولا مُناسب» (١). ومحصِّل معارضات هؤلاءِ بشتَّى طوائفِهم لحديثِ زواجِ عائشة ﵂، مرتكزةٌ في سِتِّ مُعارضاتٍ، على النَّحو التَّالي: المعارضة الأولى: أنَّ أسماء بنت أبي بكر ﵂ إذا كانت تكبُر عائشةَ بعشرِ سنين وهذا ما ينسِبُه المُعترضون إلى المصادرِ التَّاريخية وأنَّ عُمْرَ أسماء أختِها مع البعثة النَّبوية كان أربعة عشر عامًا، فإنَّ عُمْر عائشة ﵂ مع البِعثة يكون إذن أربع سنوات، مُؤَدَّى ذلك: أنَّ النَّبي ﷺ حين عَقَد عليها، كانت بنتَ أربع عشرة سنة، ودخوله بها وهي بنت ثماني عشرة سنة. يقرِّر هذه الشُّبهة (إسلام بحيري) بقوله: «بالاستنادِ لأمَّهاتِ كُتبِ التَّاريخِ والسِّيرةِ المُؤصَّلةِ للبعثة النَّبوية: الكامل، تاريخ دمشق، سير أعلام النُّبلاء، تاريخ الطَّبري، البداية والنِّهاية، تاريخ بغداد، وفيات الأعيان، وغيرها الكثير .. تكاد تكون مُتَّفقةً على الخطِّ الزَّمني لأحداث البعثة النَّبويَّة .. تقول كلُّ المصادر التَّاريخيَّة السَّابق ذكرها: إنَّ أسماء كانت تكبر عائشة بـ (١٠) سنوات، كما تَروي ذات المصادر بلا اختلافٍ واحدٍ بينها: أنَّ أسماء وُلِدَت قبل الهجرة للمدينة بـ (٢٧) عامًا، ما يَعني أنَّ عُمْرها مع بدءِ البعثةِ النَّبويَّةِ كان (١٤) سنة، وذلك بإنقاصٍ مِن عمرها قبل الهجرة (١٣) سنة، وهي سنوات الدَّعوة النَّبويَّة في مكَّة، لأنَّ (٢٧ - ١٣= ١٤ سنة).

стр. 1574

وكما ذكرت جميعُ المصادر بلا اختلافٍ: أنَّها أكبر مِن عائشة بـ (١٠) سنوات، إذن يتأكَّد بذلك أنَّ سِنَّ عائشة كان (٤) سنوات مع بدء البعثة النَّبوية في مكَّة، .. ومُؤدَّى ذلك بحسبة بسيطةٍ: أنَّ الرَّسول عندما نكَحَها بمكَّةَ في العام العاشر مِن بدءِ البعثةِ كان عمرها (١٤) سنة، .. وأنَّه -كما ذُكِر- بنَى بها بعد أربعِ سنوات وبضعة أشهر، ... فيصبح عمرها آنذاك (١٤+٣+١= ١٨ سنةً كاملةً)! وهي السِّن الحقيقيَّة الَّتي تَزوَّج فيها النَّبي الكريم عائشة» (١). المعارضة الثَّانية: أنَّ أبناء أبي بكر الصِّديق وُلِدوا في الجاهليَّة، كما ذَكره الطَّبري، وبهذا تكون عائشة وُلِدت قبل البِعثة، ويكون عُمْرها يزيد عند الهجرةِ على ثلاثةِ عشرَ عامًا ولا بدَّ. يقرِّر هذه الشُّبهة (إسلام بحيري) بقوله: «إنَّ الطَّبَري يجزِمُ بيقينٍ في كتابه «تاريخ الأُمَم» بأنَّ كلَّ أولادِ أبي بكر قد وُلِدوا في الجاهليَّة، وذلك ما يَتَّفق مع الخطَّ الزَّمني الصَّحيح، ويكشف ضعفَ روايةِ البخاريِّ، لأنَّ عائشةَ بالفعلِ قد وُلِدت في العام الرَّابع قبل بدء البعثة النَّبويَّة». المعارضة الثَّالثة: أنَّ عائشة ﵂ تذْكُر أنَّها لم تَعقِل أبَوِيْها إلَّا وهُما يَدينان الدِّين، وذلك قبل هجرةِ الحبشةِ كما ذَكَرت، وأنَّ النَّبي ﷺ كان يَزورهم في بيتِهم بُكرةً وعشيًّا، وهذا يُبَيِّن أنَّها كانت وقتَها عاقلةً لتلك الزِّيارات! والهجرةُ إلى الحبشة كانت في العام الخامس مِن البِعثة. فلو كانت عائشة وُلِدَت العام الرَّابع مِن البعثة -كما عند البخاريِّ- لكانت لا تزال رضيعةً وقتَ الهجرة الحبشيَّة، ولما قدِرَت أن تَعقِل أبَوَيها على الدِّين، ولا زياراتِ النَّبي ﷺ لهم. يقول البِحيري: «بالحسابِ الزَّمنيِّ الصَّحيح، تكون عائشة في هذا الوقت تبلغ (٤ سنوات قبل البعثة + ٥ سنوات قبل الهجرة الحبشة) = ٩ سنوات، وهو العمر الحقيقيُّ لها آنذاك».

стр. 1575

المعارضة الرَّابعة: أنَّ خولة بنت حكيم عَرَضت على النَّبي ﷺ بعد وفاةِ خديجة الزَّواج مِن عائشة أو سَودة ﵅ (١)، وما كانت خولة لتعرِضَ عائشةَ عليه إلَّا على سَبيل جاهزيَّتِها للزَّواج. وفي تقريرِ هذا الاعتراض، يقول (عبَّاس العقَّاد): «إنَّ السَّيدة خَولة اقترَحتها على النَّبي ﷺ وهي في السِّنِ المناسبةِ للزَّواجِ، على أقربِ التَّقديرات إلى القَبول، إذْ لا يُعقَل أنَّها تُشفِق عليه مِن حالِ الوحدةِ الَّتي دَعَتْها إلى اقتراحِ الزَّواجِ على النَّبي ﷺ ، وهي تُريد له أن يَبْقى في تلك الحالةِ أربعَ سنواتٍ أو خمس سنواتٍ أخرى!» (٢). المعارضة الخامسة: أنَّ المُطعم بن عدي قد سَبَق إلى خطبةِ عائشةَ لابنِه جُبير، ولن تكون هذه الخطبة بينهما إلَّا قبل إسلام أبي بكر، إذ يَبعُد انعقادُها مع افتراق الدِّينين، ممَّا يدلُّ على أنَّ ميلادَ عائشة كان قبل الإسلام. يقول العقَّاد: «إنَّ السَّيدة عائشة كانت مَخطوبةً قبل خطبتها إلى النَّبي ﷺ ، وإنَّ خطبةَ النَّبي كانت في نحوِ السَّنة العاشرة للدَّعوة، فإمَّا أن تكون قد خُطِبت لجبير بن مطعم: لأنَّها بَلَغت سِنَّ الخطبة، وهي قرابة التَّاسعة أو العاشرة، وبعيدٌ جدًّا أن تنعقد الخطبة على هذا التَّقدير مع افتراق الدِّين بين الأسرتين، وإمَّا أن تكون قد وُعِدَت لخطيبِها وهي وَليدة صغيرة، كما يَتَّفق أحيانًا بين الأُسَر المتآلفة، وحينئذٍ يكون أبو بكر مسلمًا عند ذلك، ويُستَبْعَد جدًّا أن يَعِدَ بها فَتًى على دينِ الجاهليَّة قبل أن تتَّفق الأُسرتان على الإسلام، فإذا كان أبو بكر ﵁ قد وَعَد بها ذلك الوَعد قبل إسلامِه، فمعنى ذلك أنَّها وُلِدَت قبل الدَّعوة! وكانت تُناهز العاشرةَ يومَ جَرى حديثُ زواجها وخطبتِها للنَّبي ﷺ » (٣).

стр. 1576

وبعد أن نَقَلِ البِحيريُّ رأيَ العقَّاد هذا، قال مؤكِّدًا له: « .. وهنا نتوقَّف مع نتائج مهمَّة جدًّا، وهي: لا يُمكن أن تكون عائشة مَخطوبةً قبل سِنِّ السَّادسةِ لشَابٍ كبير، لأنَّه حاربَ المسلمين في بدرٍ وأُحد، كما أنَّه مِن المستحيل أن يخطُب أبو بكر ابنتَه لأحدِ المشركين، وهم يُؤذون المسلمين في مَكَّة، ممَّا يدلُّ على أنَّ هذا كان وعدًا بالخطبةِ قبل بدءِ البعثةِ النَّبوية، حيث كان الاثنان في سِنٍّ صغيرة، وهو ما يؤكِّد أنَّ عائشة وُلِدت قبل بدء البعثة النَّبويَّة يَقينًا». المعارضة السَّادسة: أنَّ الحديثَ مُعارِض لقولِ النَّبي ﷺ : «لا تُنكَح البِكرُ حتَّى تُستَأذن». يقول البِحيري: «كيف يقول الرَّسول الكريم هذا ويفعلُ عكسَه؟! فالحديث الَّذي أورَده البخاريُّ عن سِنِّ أمِّ المؤمنين عند زواجِها، ينسب إليها أنَّها قالت: كنتُ ألعبُ بالبناتِ -بالعَرائس- ولم يسألها أحدٌ عن إذنها في الزَّواج مِن النَّبي ﷺ .. وحتَّى موافقتها في هذه السِّن لا تنتج أثرًا شرعيًّا، لأنَّها موافقة مِن غير مُكَلَّف ولا بالغٍ ولا عاقل».

стр. 1577

المَطلب الثَّالث دَفعُ المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ عن حديثِ سِنِّ عائشة عند زواجِها بالنَّبي ﷺ تمهيد: أرى لِزامًا قبل الشُّروعِ في تفنيدِ هذه المُعارضاتِ الَّتي تخصُّ الحديثَ، أن أُنبِّه إلى أصلِ الشُّبهة الَّتي تَمخَّضت مِن رَحِمها تلك المُعارضات، والباعث الحقيقيِّ إلى هذه الاستشكالاتِ، وهو: عدمُ إدراك الفارق الكبير بين الأزمنةِ والبيئات والأعرافِ المختلفة المتعلِّقة بالزَّواج والبَاءة. فإنَّ مِن التَّجَني في الأحكام، أن يُوزَن حَدَث ما مُنفصلًا عن زمانِه ومكانِه وظروفِ بيئتِه، فتُهدر فروق القُدراتِ الجِسميَّة والذِّهنيَّة عبر العصور؛ ولَإِن كانت العِبرة في تمامِ الزَّواجِ نُضج الزَّوجين والقدرةِ على الإنجاب، فإنَّ مِن العَيْبِ قياسُ زَواجِ عُقِدَ في مكَّةَ قبل أربعة عشر قرنًا، بما يَحدُث اليومَ عند ضِبَابِ الغربِ ومَن دَخَل جُحرَهم مِن مُستغربينا! فالَّذي على المُعترِض أن يَفهمَه قبل اعتراضِه على مثل هذه الأحاديث: أنَّ قدرةَ النِّساءِ على النِّكاح ولوازمه -مِن جِماعٍ وولادةٍ وغير ذلك- ليست على وِزانٍ عُمْريٍّ واحد، بل تختلف مِن زَمنٍ إلى زَمن، ومِن بيئةٍ إلى بيئةٍ، بل مِن عِرْق إلى عِرْق، لاختلافِ عَوامل المُناخ، والتَّغذية، والثَّقافة؛ هذا ليس قولي أنا، بل ما تُؤكِّده دراسات الأطبِّاء في علمِ الخُصوبةِ ومُؤثِّراتها.

стр. 1578

ففي تقرير هذه الحقيقةِ العِلميَّة، يقول (د. سْبِيرُوَا فاخوري): «يكون تَقَدُّم البلوغ في بعضِ الأحيانِ نتيجةَ أسبابٍ وِراثيَّة في الأسرة، أو المحيطِ الجغرافيِّ، كالبيئةِ، والمناخِ، وحرارةِ الجوِّ .. » (١). وتقول الطَّبيبة الأمريكيَّة (د. دُوشْنِي): «إنَّ الفتاةَ البيضاءَ في أمريكا، قد تبدأ في البلوغَ عند السَّابعةِ أو الثَّامنة، والفتاة ذات الأصل الإفريقيِّ عند السَّادسة! .. ومِن الثَّابتِ طِبيًّا أنَّ أوَّل حَيضةٍ تَقَع بين سنِّ التَّاسعة والخامسة عشرة»؛ وهذا ما نَقَلته إحدى الدَّوْريات الطِّبيَّة للأطفالِ في أمريكا، حيث أكَّدوا أنَّ الفتيات الأمريكيَّات يبلُغن مُبكِّرًا، ما بين سِنِّ العاشرة إلى الحادية عشر، ومنهن حالات في الثَّامنة والتَّاسعة! (٢). ولازِلْنا نسمعُ مِن جدَّاتِنا كيف كُنَّ في وقتهِنَّ قبل جِيلَيْن أو ثلاثة، تتزوَّجُ إحداهنَّ مُبكِّرًا في الثَّانيةِ عشر أو أقلَّ من ذلك، مُقتدراتٍ مُؤَهَّلات لذلك في العلمِ والجِسم! فكان الأمر مُعتادًا عندهنَّ، يحكينه عن وقتٍ قَريب مِنَّا؛ فكيف الظَّنُّ بالنِّساءِ قبل أربعةِ عشر قرنًا مِن الزَّمَن، وفي بيئةٍ حارَّةٍ كجزيرة العَرب؟! لا شكَّ عندي أنَّهنَّ أولى ببُكورِ البلوغِ والنُّضج، فضلًا عن أنَّ مُجتمعاتهنَّ كانت «تختفي فيها مرحلةُ المراهقة، وينَتقِل الفَردُ وقتَها مِن الطُّفولةِ إلى الرُّشد مباشرة» (٣). فلا يكاد ينقضي عَجَبي مِمَّن يَنتسِبُ إلى الإسلام، كيف له أن يُنكر زواجَ عائشة ﵂ في التَّاسعة استبشاعًا منه لذلك؟ في الوقتِ الَّذي يُقِرُّ كُتَّاب الغَربِ بأنَّ زواج العَربيَّات في القديم مُبكِّرًا -في ما نعتبره اليوم سِنًّا للطُّفولة- أمر طَبيعيٌّ بحكمِ ظروف ذلك الزَّمان وعاداته؟!

стр. 1579

فاسمع لـ (وُل دْيُورَانْت) يقول في كتابِه الشَّهير «قصَّة الحضارة»: «إنَّ المُناخَ من العوامل الَّتي تؤثِّر في الأخلاق الفرديَّة، ولعلَّ حرارة الجوِّ في بلاد العرب كانت من أسباب تقوية الغريزة الجنسيَّة، والنُّضج المُبكِّر .. وكانت البَنات يُزوَّجْن في العادةِ قُبَيل سِنِّ الثَّانية عشرة، ويُصبحن أمَّهاتٍ في الثَّالثة عشرة أو الرَّابعة عشرة، ومُنهنَّ مَن كُنَّ يتزوَّجن في سِنِّ التَّاسعة أو العاشرة» (١). وتقول المُستشرقة البريطانيَّة (كارين أمْسترُونج): «لم تَكُن خطبةُ محمَّد ﷺ عائشة أمرًا عجيبًا، حيث عُقِدت زيجاتٌ لفتياتٍ أصغرَ مِن عائشة، لتوثيقِ تحالفاتٍ أو لغير ذلك، استمرَّت هذه الممارسة في أوربا إلى ما بعد بدايةِ العصرِ الحديث، ولم يكُن هناك شَكٌّ أنَّ إكمالِ الزَّواج لم يَتمَّ، إلَّا عندما تخطَّت عائشة سِنَّ البلوغ، عندما كان يُمكن أن تتزوَّج مثل أيِّ بنتٍ أخرى» (٢). فهذا ما أردتُ التَّنبيه عليه: أنَّ في إرجاءِ دخولِ النَّبي ﷺ بعائشة بعد عَقدِ زواجِهما بثلاثِ سنين كاملاتٍ، لخَيرُ دليلٍ على مُراعاتِهم لقدرةِ عائشة على تكاليفِ الزَّوجية، ولو كان الغَرَض تفريغُ شهوةٍ في طفلةٍ غَريرةٍ كما يزعُم الأفَّاكون، لأخَذَها وهي بنتُ سِتٍّ، فما الفرق إذن؟! لقد كانت عائشة ﵂ على صِغَر سِنِّها ناميةً ذلك النُّموَّ السَّريع الَّذي تنموه نساء العَرب، والعِبرة بالمرأةِ في قِطعتها وعقلِها، لا في عُمْرِها، وعائشةُ وإن كانت صَغيرة السِّن، لكنَّها اختُصَّت بعقلٍ فاقَ كثيرًا مِن الأشياخ، وفي بحرِ علومِها الَّتي بثَّته مِن بيتِ زوجِها لَخيرُ شاهدٍ. يقول (محمَّد الغزالي)، ولَنِعْمَ ما قال: «إنَّ عائشة يومَ بَنَى بها الرَّسول، كانت أهلًا للزَّواج يَقينًا، وما نَشُكُّ في أنَّ الدَّافع الأوَّلَ لهذا الزَّواجِ كان تَوثيقَ العلائقِ بين النَّبي الكريم وصاحبِه الأوَّل،

стр. 1580

وهو الدَّافع لتزوُّجه مِن حفصة بنتِ عمر بن الخطاب لمَّا آمَت مِن زوجِها، ولم تكُن حفصة امرأةً ذاتَ جمالٍ، ولكن هذا العُنصر لم يكُن المانع مِن هذه، ولا الدَّافع إلى تلك» (١). نعم؛ لو كان غَرَض النَّبي ﷺ تَتبُّعَ مَبارِدِ شَهوتِه، والتَّلهِي بغرائزِ صَبْوتِه، لاتَّخذَ لنفسِه بِكْرًا حسنةً في كلِّ مرَّةٍ يَتَزوَّج! وهو الَّذي لَبِث -بأبي هو وأمِّي- خمسًا وعشرين سنةً مع زوجِه الثَّيبِ الأولى وهي تكبره في السِّن ﵂، لم تُحدِّثه نفسُه أن يُدخِلَ عليها بِكْرًا! فلمَّا ماتت ﵂، لم يَتزوَّج بعدها بِكرًا غير عائشة، فقد كان ﷺ يُراعي في زواجِه اعتبارات اجتماعيَّة وسياسيَّة توحي له بتعزيزِ الرَّوابط حينًا، وجبرِ الكسورِ حينًا آخر، ومَدِّ الجسور بين صاحبِ الدَّعوة، وأشتاتٍ مِن الأتباع والأُسَر الَّتي تَزحمُ جزيرة العرب، في أيَّامٍ كانت مَليئةً بالأزماتِ والمُحرجاتِ. وهنا يُعجِبني أن أسوق كلامًا حَسَنًا لعائشة بنت الشَّاطئ (ت ١٤١٩ هـ)، فهو على طولِه قد سدَّ ثقوبَ الفِكر الَّتي تسَّلَلَت من خلالِها شبهاتُ هذا الباب، فاحكمته بأحسنِ ما يكون البَيان، تقول فيه: «لم تُدهَش مكَّة حين أُعلِن نبأُ المصاهرةِ بين أعزِّ صاحِبين وأوفى صَديقين، بل استقبلته كما تستقبلُ أمرًا طبيعيًّا مَألوفًا ومُتوقَّعًا، ولم يجِد فيها أيُّ رَجلٍ مِن أعداء الرَّسول أنفسِهم مَوْضعًا لمَقال، بل لم يَدُر بخَلَدِ واحدٍ مِن خصومِه الألدَّاءِ أن يتَّخذ من زواجِ محمَّد ﷺ بعائشة مَطعنًا أو مَنفذًا للتَّجريحِ والاتِّهامِ، وهم الَّذين لم يتركوا سبيلًا للطَّعن عليه إلَّا سَلكوه، ولو كان بهتانًا أو زورًا. وماذا عساهم يقولون؟! هل يُنكرون أن تُخطَب صبيَّة كعائشة لم تَتجاوز (التَّاسعة) مِن عمرها؟ .. وأيُّ عَجَبٍ في مثل هذا؟ وما كانت أوَّلَ صبيَّةٍ تُزَفُّ في تلك البيئة إلى رجلٍ في سِنِّ أبيها، ولن تكون كذلك أُخراهنَّ.
следующие страницы →