فأمَّا ما أحالَ إليه المؤلِّف في «هُدى السَّاري» لابن حجر، فعند الرُّجوعِ إليه نجده خاليًا مِمَّا أفادته عبارَته! فإنَّما ذكَرَ ابن حَجرٍ في هذا الموضع من كتابه الرُّواةَ المُتكَلَّمَ فيهم بأدنى كلامٍ وفيهم الثِّقات، لا المَفروغَ مِن ضَعْفِهم (١)! ولا يلزمُ مِن مُجرَّد كلامِ أحدٍ في راوٍ، تحُّققَ كلامِه فيه من حيث الواقِع، ومَعروفٌ أنَّ الشَّيخين قد يُخرجان لمِن فيه كلامٌ في مَواضع مَعروفة، تبيَّن لهما صِدقه في ما رَواه؛ هذا إن لم يكن الرَّاوي في رأيِهما ثابت العدالة والضَّبط (٢).
ثمَّ قول المؤلِّف في موضعٍ آخر من فصلِه هذا: «إنَّ الأحاديث غير الصَّحيحة والضَّعيفة، يبلغُ عددُها فوق ما عَدَّه ابن حَجرٍ كما نقل عنه الحُفَّاظ، حيث قال: إنَّها لا تَتَجاوز المائةَ وعشرة أحاديث، ضعيفةٌ مِن جهةِ المتنِ» (٣):
هو نقلٌ مَشحونٍ بالكذبِ، فإنَّ الَّذي ذَكَره ابن حجر عِدَّةَ الأحاديث الَّتي أعَلَّها الدَّارقطني وبعضُ العلماءِ مِن جِهة أسانيدِها، مع الإجابةِ عن ذلك كُلِّه أو أكثره (٤)؛ فإنَّه ذكَرَ الأحاديثَ الَّتي انتقِدت على الشَّيخين، فقَسَّمها أقسامًا، جلُّها مُتعلِّق بصناعةِ الإسنادِ، ولا تَمسُّ المتونَ بسوءٍ، لا كما تَقوَّله المؤلِّف، وعَزَاه مَيْنًا للحافظِ (٥).
وأمَّا الفصل الخامس: فخصَّصه (النَّجميُّ) للطَّعنِ في أحاديثِ الصَّفاتِ الإلهيَّةِ الَّتي أخرَجاها، فجرى في مِضمارِ المُعتزلةِ في إنكارِها لرؤيةِ الله تعالى يومَ القيامة، وأنكرَ معها كثيرًا مِن الصِّفاتِ الذَّاتيةِ الخَبريَّة، ثمَّ عرَض لمُعتقدِ الإماميَّة في هذا الباب من الاعتقاد؛ لكَأنَّما تقرأُ فيه عَقْدَ القاضي عبد الجبَّار الهمداني!
стр. 212
وأمَّا الفصل السَّادس: فخاضَ فيه الكاتبُ في النُّبوات، وقارنَ بين أهلِ السُّنة والشِّيعة الإماميَّة في هذا الباب، ورَدَّ جملةً مِن أحاديث «الصَّحيحين» في ذلك، كحديثِ كذباتِ إبراهيم ﵇، وطعنِ موسى ﵇ لعَينِ المَلَك.
وأمَّا الفصل السَّابع: فحشدَ فيه ما يزعُمه من أحاديث في «الصَّحيحين» تَنتقصُ قدرَ الرَّسول ﷺ ، مِنها ما كان تَقدَّم مِن أحاديثِ السَّهو في الصَّلاة والنِّسيان.
وحين عَرَّج على حديث شَقِّ صدرِ النَّبي ﷺ صغيرًا، نَفى القصَّة جملةً وتفصيلًا، وعلَّة ذلك عنده: أنْ «لو كان لهذه القصَّة حقيقة كسائر القضايا، لذكرَها أئمَّةُ أهل البيت، الَّذين هم أدرَى بما في البيت، بينما تَراهم لم يَدَعوا صغيرةً ولا كبيرةً ممَّا تمُتُّ بحياةِ الرَّسول ﷺ وتاريخِه، إلَّا وَذَكرُوها» (١).
لكن واقعُ مُصنَّفاتِ طائفتِه تُكذِّب ادِّعاءَه هذا وتوهن حُجَّتَه؛ وإلَّا: فأينَ نَقْل الإماميَّةُ لسيرةِ النَّبي ﷺ بالسَّندِ المُتَّصل الصَّحيحٍ أصلًا؟! بل أين اعتناؤُهم بأحاديثِه ﷺ في شَتَّى الأبوابِ الشَّرعية الأخرى؟! المُعتني بذلك أعزُّ فيهم -والله- مِن الغُرابِ الأعصم، فإنَّهم لا يتناقلون من الرِّواية إلَّا ما كان عن أئمَّتهم في الأعمِّ الأغلب (٢).
وفي هذا الفصلِ أيضًا: مَا يدلُّ على جهل الكاتبِ بأدلَّةِ مَذهبِه الَّذي ينتصرُ له: فتراه يستنكر متونًا في «الصَّحيحين»، هي في أمَّاتِ كُتبِ الإماميَّة لو كان يعلمُ!
تراه -مثلًا- في استقباحِه حديثَ بولِ النَّبي ﷺ قائمًا، بداعي أنَّه «ليس فقط لا يَتلاءم ومَقام النُّبوة فحسب، بل إنَّه يُشين بأيِّ فردٍ مِن الأفراد! ممَّن له معرفة سطحيَّة بالمعارف الدينيِّة! أو يكون مُحترمًا عند نفسه!» (٣).
стр. 213
مع أنَّ جعفرًا الصَّادق -مَن يعتبرُه هو وأرباب فِرقته مَنبعًا للتَّشريع- يُجيب مَن استفتاه عن التَّبولِ قائمًا، قائلًا: «لا بأسَ به» (١)!
أمَّا الفصل الأخير مِن كتابِه: فقد خَصَّصه النَّجمي للقدحِ في خلافةِ الخُلفاء الثَّلاثة الأُوَل ﵃، مُدَّعيًا أحقيَّةَ عليٍّ ﵁ بها دونهم، لفضائلَ ساقَها له حَشاها بالغَثِّ والسَّمين.
وحاصل القول: أنَّ الكاتب في ما مَضى مِن الفصول كلِّها: مُكثرٌ مِن التَّناقض، يُثبت القولَ ثمَّ ينقضُه بعدُ بصفحات! مع جُرأةٍ عجيبةٍ على الكذب والتَّلبيس.
فكان -مثلًا- يَدَّعي على علماء السُّنةِ أنَّهم يقولون بعصمةِ «الصَّحيحين»، وأنَّهما مُنَزَّهين «مِن أنْ تَنالهما الآراءُ والأفكارُ وإبداء الرَّأي فيهما، وأنَّ البحثَ والتَّحقيقَ فيهما، يكادُ يكون تَوهينًا لهما، وهذا بمثابةِ التَّوهين للقرآن، ولا توبةَ ولا غفرانَ لِمن يقومُ بذلك»! (٢).
ثمَّ هو بعد هذا التَّعميمِ العَقيمِ، يأتي بعد صفحةٍ واحدةٍ فقط، ليُلغي تُهمتَه تلك مِن غير شعورٍ، مُقرًّا بأنَّ «هناك علماء مِن أهلِ السُّنةِ أنفسِهم قد نظروا إلى «الصَّحيحين» نظرةَ المحقِّقِ البحَّاثة، فوَضَعوا ما احتواه الصَّحيحان على طاولةِ التَّشريح، وَوازَنوهما بالمِعيارِ الواقعيِّ» (٣)!
وآفةُ الكَذَّاب النِّسيانُ! والحمد لله.
стр. 214
الفصل الثاني
القرآنيُّون منكرو السُّنة وموقفهم من «الصَّحيحين»
стр. 215
المَبحث الأوَّل
تاريخ إنكار السُّنة
كان لظاهرة إنكار السُّنة النَّبوية بوادر آخرَ عهدِ الصَّحابة ﵃ في حالات نادرة لا اعتبارَ بها نتيجةَ شبهاتٍ عارضةٍ، سُرعان ما تنكشف ببيانٍ وجيزٍ مِن أحدِ الصَّحابة أو التَّابعين.
كما جرى في مجلسٍ تحديثٍ لعمران بن حصين ﵁، قيل له فيه: «يا أبا نجيد، لا تحدِّثنا إلَّا بالقرآن؛ فقال له عمران: أنتَ وأصحابُك يقرؤون القرآن، أكنتَ مُحدِّثي عن الصَّلاةِ وما فيها، وحدودَها؟! أكنت مُحدِّثي عن الزَّكاةِ في الذَّهب، والإبل، والبَقر، وأصنافِ المال؟! ولكن قد شهدتُ وغبتَ أنت.
ثمَّ قال: فرَضَ علينا رسول الله ﷺ في الزَّكاة كذا وكذا .. ، فقال الرَّجل: أحيَيْتَني أحياكَ الله!» (١).
ولقد كانت عامَّة بلادِ المسلمين في مَنأىً عن هذا الانحرافِ أوَّلَ أمرِها، حتَّى بدأت شرارتها في الاشتعال في بلادِ العراقِ مِن قِبل أفرادٍ لا يُمثِّلون فرقةً مُستقلَّة بذاتِها، أو اتِّجاهًا جماعيًّا مُؤثِّرًا (٢)؛ ثمَّ ما فَتِئ الأمر يتَطوَّر رُوَيدًا بعد
стр. 216
ذلك قُبيلَ نهاية القرن الثَّاني، فبرَزَت شراذم أنكرَت حُجيَّة السُّنة في التَّشريع، وطائفة أخرى أنكرَت حُجيَّة الآحادِ منها بالخصوص (١)، قد أَقْبَرهما الشَّافعيُّ بكتابٍ سَمَّاه «جمِاع العلم»، ردَّ فيه على كِلتا الطَّائفتين.
فأمَّا إنكارُ السُّنةِ على هيئةٍ مُؤثِّرة، انتهجتها تيَّاراتٌ عَقديَّة لها ذِكرٌ في التَّاريخ:
فكان لَبِنته مِن جِهة التَّأصيل على أيَدي الخوارجِ الأُوَل، ثمَّ غُلاة الشِّيعة، لا نفيًا منهم أن تكون مصدرَ تَشريعٍ في نفسِها، ولكن مِن جهةِ الطَّعن على النَّقَلة بداعي مُعارضةِ مَرويَّاتِهم بالقرآن، أو تكفيرِهم بالمرَّة.
يقول عبد القاهر البغدادي (ت ٤٢٩ هـ) عن الخوارج:
«أنكروا حجيَّةَ الإجماع والسُّنَن الشَّرعيَّة، وأنَّه لا حُجَّة في شيءٍ مِن أحكام الشَّريعةِ إلَاّ مِن القرآن، ولذلك أنكروا الرَّجمَ والمسحَ على الخُّفين، لأنَّهما ليسا في القرآن، وقطعوا يدَ السَّارق في القليلِ والكثيرِ، لأنَّ الأمرَ بالقطعِ في القرآنِ مطلق، ولم يقبلوا الرِّوايةَ في نصابِ القطعِ، ولا الرِّواية في اعتبار الحرز فيه .. » (٢).
ولقد ضرَبَ عموم الأمَّة صفحًا عن هذا القولِ دهرًا مِن الزَّمَن، فلم تَقُم لهذه البدعة النَّكراء قائمةٌ بعد ذلك لقرون مُتطاولةٍ، قد صارت أكثرُ أقوالها في ذمَّةِ التَّاريخ تُدرَّس لأجلِ الاعتبارِ، بفضلِ ما سخَّره الله تعالى من جهودِ المُحدِّثين في نقضِ أصولِها، وفضحِ جهلِ أصحابِها، والتَّشديدِ على كلِّ مَن تفوَّه بهذه الشُّبهةِ منذ زَمنٍ مُبكِّرٍ.
стр. 217
من ذلك قول أيُّوب السَّختياني: «إذا حَدَّثت الرَّجلَ بالسُّنة، فقال: دَعْنَا مِن هذا، وحدِّثنا مِن القرآن، فاعلمْ أنَّه ضَالٌّ مُضِلٌّ!» (١).
стр. 218
المَبحث الثَّاني
عَودُ مذهب إنكارِ السُّنة مِن الهند
بيدَ أنَّ شرارَة هذا القول الأثيم عادت لتشتَعِل مِن جديدٍ في أزماننا المتأخرَّة، بفعلِ أيادٍ إمبرياليَّةٍ خَبيثةٍ، ألقت بفَتيل نارٍ استشراقيٍّ على ربوعِ البلادِ الإسلاميَّةِ نهايةَ القرنِ التَّاسعِ عشر، بدءً بشبهِ الجزيرةِ الهنديَّة، الَّتي أينعت أرضها برؤوس بليدة تَقحَّمت في سُعارِ نارِ هذ الفتنة، فبرز منهم مَن كان يسعى في التَّنظير لها والدَّعوة إليها، كحال (السِّير أحمد خان) (١)، و (عبد الله جكرالوي) (٢)، مُحتذين في ذلك تعاليم شيوخِهم المُستشرِقين بأنَّ القسمَ الأكبرَ مِن الحديثِ ليس إلَاّ نتيجةً للتَّطور الدِّينيِّ والسِّياسيِّ والاجتماعيِّ للإسلامِ في قرونِه الأولى (٣)، و «أَنَّ الأحاديث إنَّما اختلقَها الفقهاء وأصحاب الفِرَق، وأنَّ الشَّافعي
стр. 219
هو الَّذي استحدَثَ مبدأَ حُجِيَّة السُنَّة، وكان العمل قبله على السُنَّةِ المذهبيَّة ..
وأنَّ الرَّسول ﷺ لم يترُك أوامرَ ولا أحكامًا سِوى القرآن» (١)!
ثمَّ انتقَلَت هذه الفتنة بعد تَقسيم الهندِ إلى بلادِ السِّندِ باكستانَ، تحت مسمَّى فرقةِ (البَرْوِيزيِّين) (٢)، فلم يلبثوا أن شنُّوا الغارةَ بدورهم على السُّنةِ ودواوينِها على حين غرَّةٍ من المسلمين المُنهَكين مِن بطشِ المُحتلِّ البريطانيِّ، مُتذرِّعين في ذلك بشعارات التَّجرُّد وغربلةِ التُّراث، مُنادين بالتَّحرُّر مِن أغلالِ الأسلافِ باسم «الإصلاح».
يشهد المباركفوري (٣) على هذه الحقبة العصيبة من تاريخ المسلمين في تلك الأصقاع النَّائية فيقول:
«إنَّ رجلًا قد خرجَ في (الفِنجاب) مِن إقليمِ الهند، وسَمَّى نفسه بأهلِ القرآن، وشتَّان بينه وبين أهل القرآن! بل هو مِن أهل الإلحاد! وكان قبلَ ذلك مِن الصَّالحين؛ فأضَلَّه الشَّيطان، وأغواه، وأبعدَه عن الصِّراط المستقيم، فتَفوَّه بما لا يَتكلَّم به أهل الإسلام!
فأطالَ لسانَه في ردِّ الأحاديث النَّبويَّة بأسرِها ردًّا بليغًا، وقال: هذه كلُّها مَكذوبة، ومُفتريات على الله تعالى، وإنَّما يجب العمل بالقرآن العظيم فقط، دون أحاديث النَّبي ﷺ ، وإن كانت صحيحةً متواترةً! .. وغير ذلك مِن أقوالِه الكفريَّة؛ وتَبِعه على ذلك كثيرٌ مِن الجهَّال، وجعلوه إمامًا؛ وقد أفتى علماء العصرِ بكُفرِه وإلحادِه، وخرَّجوه عن دائرِة الإسلام، والأمر كما قالوا» (٤).
стр. 220
لكنْ مِن حفظِ الله تعالى لهذا الدِّين الخاتَم، أن باءت جهود التَّابع والمَتبوع بالفشل! ووَلْوَل المَكَرَة حسرةً على نفورِ المسلمين عن إحداثِ إسلامٍ يوافق الهوى الصَّليبي؛ حسرةٌ لم يستطِع المستشرق (جُب) كظمَها وهو يلوم الهنود على مُقاومتهم للحركةِ التَّخريبيَّة الَّتي كان عرَّابها (أحمد خان)، قائلًا: « .. لسوءِ الحظِّ؛ ظَلَّ قسمٌ كبيرٌ من المسلمين المُحافظين -ولاسيما في الهند- لا يخضعون لهذه الحركاتِ الإصلاحيَّة المُهدِّئة! وينظرون إلى الحركةِ الَّتي تَزعَّمتها مدرسةُ (علي كره) بالهند، ومدرسةُ (محمَّد عبده) بمصر، نظرةً كلَّها رِيبٌ وسوء ظنٍّ! لا تقِلُّ عن ريبتهم في الثَّقافة الأوربيَّة نفسها» (١).
стр. 221
المَبحث الثَّالث
تجدُّد دعوى إنكارِ السُّنة في مصر
وفي الوقت الَّذي كان يحاول فيه علماء الهند إطفاءَ لهيبِ هذه البدعة المُتطايرةِ في ربوعِ بلادِهم، تطايرت شراراتها جِهة الغربِ، مُصيبًا فَيْحُها بلاد العَرَب، ثمَّ توسَّعت رقعة الحريقِ تتراءا للنَّاظرين في كتاباتٍ مِصريَّةٍ مُتناثرةً، بين مؤَلَّفٍ مُستقلٍّ ومَقالٍ في صحيفةٍ (١).
ووَا أسفي على (رشيد رضا)! كيف طوَّعت له نفسُه فسَحَ المجال لبعضِ هذه الأقلام أن تبرُز في مجلَّتِه «المنار» (٢).
لكن لم تدُم جذوة هذه الدَّعوة إلى ترك السُّنة طويلًا، حتَّى خبا سُعارُها شيئًا فشيئًا في مُجتمعاتٍ سُنِّيَةٍ مذهبيَّةٍ مُحافظةٍ، لم تزَل على فِطرتِها الدِّينيَّة الرَّافضةِ لكلِّ فكرٍ هدَّامٍ دخيلٍ؛ الأمر الَّذي استفزَّ أربابها لِلَمْلَمة شَتاتها بعدُ بعقودٍ، في شبه كيانٍ فكريٍّ مُتكاتفٍ، يسعى لنشرِ أفكارِه في المجتمعات الإسلاميَّة بشكلٍ مُنظَّمٍ، مَدعومًا من جِهات غربيَّةٍ لم تزل مُصرَّةً على تطويع الإسلام، وعلى يدِ بعضِ أساتذةِ الجامعاتِ المصريَّة بخاصَّة.
стр. 222
شاهد ذلك: ما تسمعه من حكايةِ عَرَّابِهم (أحمد صبحي مَنصور) لقصَّةِ هذا المذهب، في حوارٍ له مع إحدى القنوات الإخباريَّة السُّعوديَّة، حيث قال فيه: « .. لقد بدأنا كحركةٍ إصلاحيَّةٍ عام ١٩٧٧ م، عندما كنتُ أقوم بالتَّدريسِ في جامعةِ الأزهر، وبعد أن قُبِض علينا، وتركتُ الأزهرَ عام ١٩٨٧ م، أصبحنا مجموعةً كبيرةً مِن أساتذة جامعاتٍ ومُحامين وغير ذلك، وازدادَ التَّعاطف معنا».
وكان ممَّا زعمَه في تصريحِه أيضًا، أنَّ بدءَ الوجود التَّاريخيِّ لهذه الفِرقةِ المُعاصرة عائدٌ إلى تقريراتٍ لـ (محمَّد عبده) في هذا الباب من الاحتجاجِ بالسُّنة، فزعم أنَّ (عبدُه) كان خارجًا «عن السُّنةِ وعن التَّصوُّفِ، فقد انتقدَ البخاريَّ، وأنكرَ الشَّفاعة؛ لكنَّ تلميذَه الشَّيخ (رشيد رضا) خانَ مَبادئَه، وتعاوَنَ مع السَّلفية»!
ثمَّ أبانَ (صبحي منصور) عن أصولِ طائفتِه: أنَّها قائمة على الاكتفاءِ بالقرآن وحده في التَّشريعِ، وعلى ردِّ ما سواه مِن النُّصوص المَنسوبةِ إلى النَّبي ﷺ ، وأنَّ من أغراضِ دعوتِهم: بيان تعارضِ كثيرٍ من هذه السُّنَن مع القرآن، وشَدَّد في ذلك على «صحيح البخاريِّ» بخاصَّةٍ، ونَبَزه بأوصافٍ جُزافٍ، فادَّعى أنَّ الأحاديث لا تعدو أن تكون «كلامًا أو سُنَّةَ البخاريِّ، وأنَّها نصوص بَشريَّة!
فما دامَ أنَّ الله قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣]، فليس هنالك بعدَ ذلك أيُّ إكمالٍ، كأنْ يأتي البخاريُّ بعد مائتي سنةٍ ليُكمِل نقصًا؛ فنَرى في هذا اتِّهامًا مُبطَّنًا منهم للرَّسول، بأنَّه لم يبلِّغ جزءً مِن الدَّين، وتَرَكه لأبي هريرة وللبخاريِّ ولغيرهم» (١)!
стр. 223
المَبحث الرَّابع
الأصول الَّتي قام عليها مذهب إنكارِ السُّنة
ارتكز هؤلاء المُنكرون لحجيَّة السُّنةِ في تأسيس دعوتِهم على شبهاتٍ عديدةٍ، ترجع في مُجملِها إلى أصلين جامعيَن:
الأصل الأوَّل: كفايةُ القرآن وحدَه في التَّشريع:
يقول (عبد الله جِكْرالوي) (١) في تقرير هذا الأصل: «إنَّ الكتابَ المَجيد ذكَرَ كلَّ شيء يحتاج إليه في الدِّين مُفصَّلا ومَشروحًا مِن كلِّ وجهٍ، فما الدَّاعي إلى الوحيِ الخَفيِّ؟ وما الحاجة إلى السُّنة؟!» (٢).
ولقد استدلُّوا على أصلِهم البِدعيِّ هذا، ببعض آياتٍ مِن القرآن، فهموا منها قصرَ الدِّين على القرآنِ دون سُنَّة مُبلِّغِه، فمِن ذلك:
قوله سبحانه: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقوله : ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١].
стр. 224
لكن علماء القرآن بحقٍّ لم يُفوِّتوا بيانَ خطأِ الاستدلالِ بالآيتينِ على ما أرادَ المُنكرون منها، فقالوا: الكتاب في الآية لفظ مُجملٌ، والمُراد به في الآية الأولى: اللَّوح المَحفوظ، بدلالةِ السِّياقِ (١).
وعلى التَّسليمِ بأنَّ المُراد به القرآن، فمِن عدمِ تفريطِ الكتابِ في شيءٍ: أنه بيَّن لنا وجوب الأخذِ عن الرَّسول ﷺ سُنَّته وتفاصيل التَّشريعات! فكلُّ هذه التَّفصيلاتِ النَّبويَّةِ داخلةٌ في مُسمَّى الكتاب، باعتبارِها مأخوذةً مِن القرآنِ تأصيلًا.
كما قال أبو العبَّاس القرطبيُّ (ت ٦٥٦ هـ): «مِن الأحكام والشُّروط ما يوجد تفصيلُها في كتابِ الله تعالى: كالوضوء، وكونِه شرطًا في صِحَّة الصَّلاة؛ ومنها ما يوجد فيه أصلُه: كالصَّلاة، والزَّكاة، فإنَّهما فيه مُجمَلتان؛ ومنها ما أصلُ أصلِه: وهو كدلالةِ الكتابِ على أصليَّة السُّنةِ والإجماعِ والقياسِ، فكلُّ ما يُقتبَس مِن هذه الأصول تفصيلًا، فهو مَأخوذٌ مِن كتاب الله تأصيلًا» (٢).
فالقصدُ من هذا أنَّ تفاصيل التَّشريعات الَّتي لم تَرِد في القرآن، كعددِ الرَّكعات، وأنصبةِ الزَّكوات، وغيرِها مِن العبادات والمُعاملاتِ: هي بيانٌ لصِفة التَّشريعِ، وما كان كذلك فهو مِن التَّشريع نفسِه.
وأمَّا الآية الثَّانية: فالمُراد منها إقامة الحُجَّة على المشركين المُتعنِّتين في طلبِ الآياتِ الحِسيَّةِ على صدقِ محمَّد ﷺ ، ببيانِ أنَّ في القرآن كفايةً على صدقِه في نُبَّوته.
فلا دخلَ إذن للآيةِ في تفصيلاتِ التَّشريع أصلًا، ويتأكَّد هذا بالنَّظر إلى سِباقِ الآية الكريمة، في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠].
стр. 225
والأصل الثاني عند المُنكرين: التَّشكيكُ في حفظِ السُّنةِ مِن الضَّياعِ:
وهو نتاجٌ للأصل الأوَّل؛ ذلك أنَّ المُنكرين متوهِّمون أنَّ الله إنَّما تكفَّل بحفظِ كتابِه لا بحفظِ سُنَّة نبيِّه، الأمر الَّذي أفهمَهم لِمَ لمْ تُدوَّن في عصر النُّبوة، كما ترى ذلك في قول (أحمد بَرويز): «اِعلم أنَّ الله لم يتكفَّل بحفظ شيء سوى القرآن، ولذا لم يجمع الله الأحاديث، ولا أمر بجمعها، ولم يتكفَّل بحفظها .. » (١).
وما دام أنَّ رُواة أحاديث السُّنة غيرُ مَعصومين مِن الخطَأ والكذبِ فيها، دلَّ ذلك عنهم على أنَّ الدِّين ليس في حاجة إلى السُّنة، وإلَّا لنُقِلَت إلينا بالتَّواتر كما نُقلِ القرآن.
وهذه دعوى -لا شكَّ- ساقطة، فإنَّ الحفظَ التَّام الَّذي أراده الله ليس لمُجرَّدِ حفظِ الحروفِ والمباني، دون حفظٍ لما تَضمَّناه مِن أحكامٍ ومَعاني، فإنَّ ما جاء مُجملًا في القرآن أو عامًّا، فإنَّ الله أوكل مهمَّة تبيِينه وتَفصيلِه قولًا وتطبيقًا للنَّبي ﷺ ، كما في صريح قول الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].
فهذه الآية قد دلَّت على أنَّ فهمِ القرآن معيارُه أقوال النَّبي ﷺ وسيرته، حفظًا لمعانيه مِن تلاعبِ الأهواء ومَزالقِ التَّأويل غير المتناهية، وهذا قصدُ مَن أطلق من السَّلفِ أنَّ «السُّنة قاضيةٌ على كتابِ الله، أرادوا أنَّها مُبيِّنة للكتابِ، مُنبِّئةٌ عمَّا أراد الله تعالى فيه» (٢).
فإذا كانت السُّنَة على هذه الحال من بيانِ الكتاب، كان مِن تمامِ حفظِ هذا الكتاب للنَّاس أن يُحفَظ لهم مُفسِّره، مِمَّأ يقتضي أنَّ «حفظَ الله تعالى لسُنَّة نبيِّه ﷺ ، هو مِن جنسِ حفظِه لكتابِه» (٣).
стр. 226
ذلك لأنَّا مُقرُّون جميعُنا بأنَّ النبيَّ ﷺ مَبعوث لأهلِ زمانِه ولمَن بعدَهم إلى يوم القيامة بعامَّة، وخَتْم الرُّسْلِ به ﷺ مُستلزم لحفظ أقواله التَّشريعيَّة المُفصِّلة لآيِ القرآنِ لمن بُعِث إليهم، كي تقوم الحُجَّة على الكُلِّ بتَمامِها (١)؛ وإلَّا صارت الآيات الآمِرةُ بطاعةِ النَّبي ﷺ ، والاحتكامِ إليه، والاقتداءِ بهَديِه، والمُحَذِّرة مِن مَعِصيَتِه: آمرةً لنا -نحن معاشرَ من لم يَتشرَّف برؤيتِه- بما لا يُستَطاع! وهذا -لا شكَّ- مُحالٌ في الشَّرع؛ أو تكون مَحصورةً فيمَن لَقِيَه ﷺ فقط دون مَن جاء بعده، وهذا مُخالفٌ للإجماعِ (٢).
ثمَّ يُقال للمُنكرين: لو كانت أقوالُه وأفعاله ﷺ حرامٌ على الأمَّة أن تهتديَ بها -كما تقولون- مع وجود القرآن، فلماذا لم تنزل ولو آية واحدةٌ تصرِّح بتحريم هذا الاهتداء وتحذير الصَّحابة ومن بعدهم منه، كما جاء التَّصريح القرآنيُّ بباقي المُحرَّمات عليها؟! مع ما نعلمه من كونِ النُّفوس مجبولةً على الاقتداء بأسلافِها العُظماء، والنَّبي ﷺ لا شكَّ أعظمِ ما تُعظِّمِه الأمَّة مِن الخلقِ.
فعلى التَّسليم للمُنكرين بعدم ورودِ ما يَدلُّ على وجوب اتِّباعه ﷺ في سُنَّته، فإنَّ مَظنَّة وقوع ذلك من أصحابه وأمَّتِه قويَّةٌ جدًّا، إذن لجاء النُّص القرآنيُّ صريحًا في تَنبيهِ الأمَّةِ على تركِ ذلك! ولم يأتِ النَّص، فدلَّ على المشروعيَّة؛ أقول هذا تنزُّلًا، وإلَّا فالدَّلائل النَّقليَّة الآمرة باتِّباع سُنَّته أكثر مِن أن تُحصى في هذا المقام، والله أعلم.
ثمَّ هل تناسى المُنكرون لحجيَّة السُّنة بأنَّ مَن نَقلوا القرآن إلينا، هم أنفسُهم مَن نقلَ إلينا السُّنَن؟!
إنَّ مِمَّا يتعامى المُنكرون عن التَّنبُّه له في مثل هذا المقام، أنَّ التَّأييدَ الإلهيَّ والعنصرَ البَشريَّ القائِمَين على حفظِ القرآن هما القائمان على حفظِ السُّنة على سواء! فالقرآن محفوظ في نفسِ الوِعاء النَّقليِّ الَّذي حُفظت به السُّنة، وهو الإسناد
стр. 227
المُتصِّلِ إلى النَّبي ﷺ ؛ فبانَ أنَّ التَّفريق بين مُتماثلينِ في أصلِ النَّقلِ هو مِن أبطلِ الفروقاتِ عقلًا ودينًا.
فإن كان هذا التَّفريق عند المُنكرين لأجل كونِ القرآن مَرويًّا بالتَّواتر: فإنَّ في السُّنة النَّبويَّة مُتواترٌ كثيرٌ أيضًا! مع أنَّهم لا يُفرِّقون في أصلِ إنكارِهم للسُّنة بين مُتواترِها وآحادِها.
فإذا ثَبَت الخُلف في دعوى المُنكِرين، ثبتَ بطلان ما ذَهبوا إليه، مع بطلانِ قولِهم بعدمِ الحاجةِ إلى شيءٍ في التَّشريعِ غيرِ القرآن، لأنَّا نلزمُهم بأوقاتِ الصَّلواتِ، وعددِ ركعاتها، وأنصبة الزَّكوات، ونحو ذلك من التَّشريعات.
فإن اعترضَ بأنَّ هذا التَّفسير النَّبويَّ مُتواترٌ عمليًّا: فقد أقَرَّ لنا بحجيَّة هذا القسمِ مِن السُّنة، مع نفيِه بادئ الأمرِ للحاجة في التَّشريع إلى غير القرآن أصلًا! فقد كفانا بهذا الجواب لنقضِ دعواه.
لكن نزيده جوابًا آخر فنقول: إنَّ نقلَ السُّنة -في مُجملِها- عن الصَّحابةِ مُتواتر أيضًا، وعن التَّابعين، وهكذا؛ فيصير قولهم ببُطلانِ السُّنة مُتضمِّنًا لتهمة الصَّدر الأوَّل ﵃ بالتَّقوُّل على الشَّريعة -والله قد زكَّاهم في القرآن- إذْ أحدثوا أمرًا جليلًا في الإسلام لم يُأمروا به، بل كان حَقُّهم أن يَنهوا طُلَّابَهم عن الأخذِ بما يَرْوُونه لهم من أقوالِ النَّبي ﷺ وأفعالِه؛ لكنَّهم على عكس ذلك قد أقرُّوهم على تداوُلِ تلك السُّنَن المَرويَّات، والعملِ بها، ونقلِها لمِن بعدهم.
ومِن قبيل هذا التَّناقضِ أيضًا -وما أكثر تناقضاتِهم-:
أن يستدلَّ أربابُ هذا المسلكِ بحديثِ «النَّهيِ عن كتابةِ الحديثِ» (١) على إسقاطِ حُجيَّة السُّنة، وهم يتركون في مُقابله أحاديثَ الحثِّ على حفظِها، وتبليغِها، والتَّحذير مِن رَدِّها! والنَّاهي والآمر واحدٌ، لكنَّ الهوى يُعمي ويصمُّ!
стр. 228
ولَك أنْ تَعجبَ أيضًا مِمَّن يُنكر ما زاد عن القرآن مِن السُّنة وهو يلوك روايةً فيها الأمرُ بعرضِ الحديثِ على القرآن (١)، كحديث: «إذا سمعتم عنِّي حديثًا فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافقه فاقبلوه، وإلَّا فردُّوه» (٢)؛ فليتَه كان صحيحًا، بل مُنكَرٌ مُتهاوي الإسناد! قال فيه الشَّافعي: «ما رواه أحدٌ يثبُت حديثه في شيء صغُر ولا كبُر» (٣)، وقال عنه ابن معين: «حديث وضعته الزَّنادقة» (٤).
وعلى مَن يُحاجُّ به لو كان مُعتقدًا نفيَه الزَّيادة على القرآن، أن يُعمِله أوَّلًا على هذا الحديثِ نفسِه، لأنَّه -كما ترى- حديثٌ زائدٌ عن القرآن (٥)!
يقول ابن عبد البرِّ: «قد عارض هذا الحديث قومٌ من أهل العلم فقالوا: نحن نعرض هذا الحديث على كتاب الله قبل كلِّ شيء، ونعتمد على ذلك، قالوا: فلمَّا عرضناه على كتاب الله ، وجدناه مخالفًا لكتاب الله! لأنَّا لم نجد في كتاب الله ألَّا نقبل من حديث رسول الله ﷺ إلَّا ما وافق كتاب الله، بل وجدنا كتاب الله يطلق التَّأسي به، والأمر بطاعته، ويحذِّر المخالفةَ عن أمره جملةً على كل حال» (٦).
стр. 229
فلأجل ما مرَّ على ناظِريك من هذه الضَّلالات الهدَّامة للدِّين ومثيلاتها، اشتدَّ العلماء في الحكم على شُذَّاذِ هذا المسلكِ بما لا تراه لهم في طوائفَ أخرى تجرَّأت هي أيضًا على شيءٍ مِن السُّنة النَّبوية، لبلوغِ أولائك ذروةَ القِحة في إنكارِ ما هو مَعلومٌ مِن دينِنا بالضَّرورةِ، ممَّا هو أصلٌ في قيام الإسلامِ بأكمله؛ قد استحقُّوا على ذلك قولَ السُّيوطي فيهم: «إنَّ مَن أنكرَ كونَ حديثِ النَّبي ﷺ قولًا كان أو فعلًا -بشرطِه المعروفِ في الأصول- حُجَّة: كَفَرَ وخرجَ عن دائرةِ الإسلامِ، وحُشِر مع اليهود والنَّصارى، أو مع مَن شاء الله مِن فِرق الكفرة .. » (١).
وحاصل القول لهذا المَقام:
أنَّ في الإجماعِ اليقينيِّ المُتحقِّقِ مِن أئمَّة السَّلفِ والخلفِ، لدليلًا كافيًا على فسادِ ما أملتهُ سَمادير الضَّلالِ على أربابِها، مِن إنكارِ وحيِ السُّنة في هذا الزَّمان، وأحسبُ أنَّ المعترضَ على كلامِ أهل الحديثِ مِن هؤلاءِ المُنكرين للسُّنة، لو تخلَّص من رِبقة الجهل، وطالَع شواهدَ سِيَرِهم، وجُهدَهم في خدمةِ سُنَّة نبيِّهم روايةً ودِرايةً: لأخسأَ شيطانَه، ولعادَ قالِبًا لأسيادِه المُستشرقينَ ظَهر المِجَّن، وأذعنَ في اتِّباعِ سبيل المؤمنين، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم.
ولقد تجرَّأ بعضُ هؤلاء في زمانِنا للتَّعرُّضِ للصِّحاحِ مِن الأخبارِ النَّبوية، بالطَّعنِ في متونِها، وإفسادِ دلالاتِها، بشتَّى المُعارَضات، فجعلوا «الصَّحيحين» بخاصَّةٍ نصبَ سِهامِهم، لمكانتِهما العظيمة عند المُسلمين، فإنَّهم وإن كانوا لا يحتاجونَ لمُعارضةِ الأحاديث بشيءٍ، لإنكارِهم لها مِن الأصل، كما قال أحد رؤوسِهم (جراغ علي الهنديُّ): «إنَّ معاييرَ الصِّدق والأصول العقليَّة لا حاجةَ لإقامتها لتمييزِ الحديث، لأنَّ الحديث في حَدِّ ذاتِه شيءٌ لا يمكن الاعتماد عليه، ولا اعتبارَ لمِا يتحدَّث عنه» (٢).
стр. 230
ولكن هم يجهَدون في هذه المقارناتِ الاعتراضيَّة للأحاديث، لأجلِ إسقاطِ اعتبارِها مِن قلوبِ أهل السُّنة، وتشكيكِهم فيها، وسيأتي ذكر أمثلةِ ذلك من بعض كتاباتهم مُتعرِّضين لنقدها -بإذن الله تعالى- في التَّالي:
стр. 231
المَبحث الخامس
أبرز القرآنيين الَّذين توجَّهوا إلى «الصَّحيحين» بالنَّقد
стр. 232
المَطلب الأوَّل
محمود أبو ريَّة (١)
وكتابه «أضواء على السُّنة المحمَّدية»
لا يكاد المرءُ يَسمع عن موضوعِ الطَّعنِ في أحاديث السُّنة والغمزِ في رُواتِها، إلَّا قفز إلى ذهنه اسمُ (أبو رَيَّة) سِراعًا، لِما عُرِف به مِن أوَّليَّةٍ في تقحُّمِ هذه المَخاضةِ النَّتِنَةِ مِن التَّشكيكِ في مِصداقيَّة التَّدوين لها، ومُعارضتِه لِما تلقَّته الأمَّة بالقَبولِ مِن أخبارِ «الصَّحيحين» وغيرهما، بألوانٍ مِن شُبَهٍ مَلأتْهُ إلى مُشاشِه.
أمَّا تطاوُله فوق ذلك على الصَّحبِ الكِرام ﵃، ورَميُه لحافِظِهم أبي هريرة ﵁ في دينِه، وقدحِه بأمانتِه، وتَبجُّحِه بكشِفِ هَناتِه للنَّاس: فذاك أمرٌ أغربُ مِن مُفاخرَة الحَصى للشُّهُب، والقدحِ في نورِ الصُّبحِ على لسانِ الدُّجى!
قد بَدَت أُولَى أماراتِ انحرافِه سنةَ (١٣٦٣ هـ) حينَ شُوهِد في مجلَّة «الفتح الإسلامي» (٢) مُتجشِّمًا الدِّفاعَ عن القرآن، مُستبطِنًا في ذلك غمْزًا بالسُّنةِ لا تُخطِئُه قريحة، وازدراءً لرُواتِها بألفاظٍ قبيحةٍ.
стр. 233
إلى أن أسفَرَ عن عَدائِه للسُّنَةِ صُراحًا في مَقالٍ له أسماه: «الحديث النَّبوي»، نشرَته مجلَّة «الرِّسالة» (١)، فيه بَشَّرَ بإخراجِ كتابِه القُنبلة: «أضواء على السُّنةِ النَّبويَّة»، ليُحدِثَ به بعدُ «بَلْبلةً في الأفكارِ عند مَن لم يَتَعمَّقوا في دراسةِ السُنَّة» (٢)، كحالِ زُرافاتٍ مِن أدعياءِ الحَداثةِ، وصَناديدِ العَلمنةِ، الَّذين تكَالبوا آنَذاكَ -ولازالوا (٣) - على الثَّناءِ عليه في كتابِه هذا.
ثمَّ راحوا يحثُّون أربابِ القَرارِ في مِصر لفسحِ مجالِ النَّشرِ له، رغمًا عن أنوفِ علماءِ الأزهرِ! فلم تكُن وَجاهةُ هؤلاء لتُلزم وزارةَ الثَّقافة بمنعِ ذلك، وقد حالَ بينهم وبين سَعيِهم هذا للمنعِ برقِيَّةٌ خَطَّها أحَدُ أقطابِ الأدَبِ العَربيِّ وقتها، يَحكي تفاصيلَها (أبو ريَّة) ونَشوةُ الانتصارِ منه على مَن أطعَموه العِلمَ صغيرًا تَملؤُ صدرَه، حيث قال: « .. عَلِمَ أخيرًا بالأمرِ نَصيرُ الدِّين والفكرِ: (طَه حُسين)، فطَلَب أصولَ الكتابِ مِن وزارةِ الثَّقافةِ، ولمَّا اطَّلَع عليه، أعادَه علينا مع خطابٍ، دَحَض فيه ما رَماه الأزهرُ به، وصَرَّح في جَلاءٍ أنَّه مُوافق للدِّينِ كلَّ الموافقةِ، لا يُخالفه ولا يَنبو عنه في شيءٍ مُطلقًا، وأنَّه مُفيدٌ فائدةً كبيرةً جدًّا في علمِ الحديث»! (٤)
وهكذا فليَكُن جَلَدُ الفاجرِ، في الدَّفعِ عن الباطل بِالباطِل!
هذا الكتاب -مع كلِّ الجَلَبة الَّتي رافقت صدوره- لم يُضِف فيه صاحبُه جديدًا إلى البحث العِلميِّ، بل ولا إلى أصلِ الشُّبَه والطُّعون الَّتي قالها أسلافُه مِن مُنكري السُّنَن، فلم يكُن أبو ريَّة إلَّا مِن مُستنقَع المُستَشرِقين يَمْتَح، وعن مائِهم الآسِن يَصدُر.
стр. 234
«إنَّما الَّذي فاقَهم فيه، أنَّه أكثر خُبْثًا ودَناءةً، وأسوأُ أدَبًا مع الصَّحابةِ الأُمَناء، وأجرأُ على الكذبِ، والبُهتِ، والخياناتِ العِلميَّة» (١).
لكنَّ حُرَّاس الشَّريعةِ لم يَسكتوا له حتَّى تَتابَع مُحقِّقوهم على كشفِ جَهالاتِه وتَبيِينِ زَغَلِ كِتابِه، بَلَغوا بها أربعةَ عشرَ مُؤلَّفًا (٢)، أجودُها في نَظَري: كتاب «الأنوار الكاشِفة» للمُعَلِّمي، لِما لمُؤلِّفه مِن فهم عميقٍ لعلومِ الحديث، هو عندي مِن نَوادِر العصرِ في ذلك؛ ثمَّ بعده كتاب «ظُلمات أبي ريَّة» لمحمَّد عبد الرَّزاق حمزة، والفصول المُخصَّصة للرَّد عليه مِن كتابِ «الدِّفاع عن السُّنة وردُّ شُبَه المستشرقين» لمحمَّد أبو شهبة، و «السُّنة ومَكانتها في التَّشريعِ الإسلاميِّ» لـ د. مصطفى السباعي.
فلم تبقَ بعدهم -بفضلِ الله- حاجةٌ لرَدٍّ جديد، لولا أنَّ آراءَه قد عادت إلى الظُّهور مجدَّدًا عند (أبي بكر صالح) و (إسماعيل كردي) و (سامر إستانبولي) وغيرهم مِن أعداء السُّنَن المعاصرين.
تقيِيم كتاب «الأضواء» ومُؤلِّفِه:
والَّذي يُمكِنُنا الخلوص إليه بعد تَصَفُّحنا لتلك الرُّدودِ السَّالف ذكرها مع الكتابِ المَردود، مُحصَّلٌ في الأفكارِ التَّالية:
أوَّلًا: أنَّ الرَّجل غيرُ مَوثوقٍ فيما يَنقُل، فتراه يَزيد أحيانًا في النَّصِ الَّذي ينقُده كلمةً يُفسِد بها مَعناه، لينسجِمَ مع ما يُريد هو دون مُرادِ قائِله، فمثالُ ذلك:
اختلاقه قولًا نَسَبه إلى «صحيح البخاريِّ» زُورًا، زَاعمًا أنَّه في «فتح الباري»، حيث نَسَبَ إليه أنَّ «عبدَ الله بن عمرو ﵁ أصابَ زامِلَتَين مِن كُتب أهلِ الكتابِ، وكان يَرويها للنَّاسِ (عن النَّبي ﷺ »)! (٣)
стр. 235
كذا قال، وشَرْحُ ابن حَجرٍ خلوٌ مِن هذا اللَّفظِ الأخيرِ «عَنْ النَّبِيِّ»، وابن عمروٍ ﵁ يَبرؤُ إلى ربِّه أن يَنسِب تلك الصُّحف إلى قولِ نبيِّه ﷺ ؛ وعند الله تجتَمِع الخصوم (١).
ثمَّ كثيرًا ما يُنقص (أبو ريَّة) كلمةً مِن نصٍّ يستدلُّ به، أو يُسنِد القولَ إلى غيرِ صاحبِه تضليلًا منه وتمويهًا، وهو القائل في فواتح كتابه: «الكذب هو أبو الرَّذائل كلِّها، سواء أكان عن عمدٍ ام غير عمد» (٢)! فقد ذَكَر السِّباعي وقائع تشهد على كذبات (أبو ريَّة) تلك أثناء مُناقشتِه له فيما كَتَبَه في حقِّ أبي هريرة ﵁ (٣)، مختتمًا ذلك بقوله: « .. ومِن عدالةِ الله أنَّا أمسكنا بأبي ريَّة مُتلبِّسًا بجريمةِ الكذبِ العمدِ كما رأيتَ» (٤)!
لترجع على نفسِ (أبو ريَّة) دَعوتُه حين دَعا بقولِه: « .. فلعنةُ الله على الكاذبين مُتعمِّدين أو غير مُتعمِّدين»!
ثانيًا: أنَّ (أبو ريَّة) يَستدلُّ لشُذَّاذِ أفكارِه بنصوصٍ قيلَت في مَوضوعٍ غيرِ المَوضوع الَّذي يستدلُّ عليه، إيهامًا للقارِئ أنَّه مُؤيَّد فيما يَقولُ بعُلماءَ أقدمينَ (٥)؛ كـ «اعتصام» الشَّاطِبي، و «الجامعِ» لابن عبد البرِّ.
فهل هؤلاءِ انتهوا إلى ما انتهى إليه أبو ريَّة مِن طعنٍ في حجيَّة السُّنة ورواتِها الأعلام؟!
ولَإن كان (أبو ريَّة) نفسه لا يَرتضي مَضامين تلك المُصنَّفاتِ السُّنيَّة، ولا مناهج مُؤلِّفيها، فإنَّ شغفَه بالتَّدليسِ على قُرَّائِه، وإقاعِهم في شِّراك حِيَله، دفعاه إلى هذا الأسلوبِ الَّذي أجابَ مَن استشكَلَه عليه بقولِه: «الأحاديث الَّتي أُورِدُها في سياقِ كلامِي للاستدلالِ بها على ما أريد في كتابي: إنَّما أسوقُها لِكَي
стр. 236
نُقنِعَ مَن لا يَقتنع إلَّا بها، على اعتبارِ أنَّها عنده مِن المُسَلَّمات التي يُصدِّقها ولا يُماري فيها»! (١)
فسعيًا لتحقيق هذا المقصِد، نرى (أبو ريَّة) مهتمًّا بالنَّقل عن (رشيد رِضا) وفيما أخطأ فيه اجتهادُه تحديدًا، لِما يَعلَمُه مِن مَكانتِه العِلميَّة المَرموقةِ في عَصرِه، وإلَّا «لو كان رشيدٌ حَيًّا حين أصدَرَ أبو ريَّة كتابَه، لكانَ أوَّلَ مَن يَردُّ عليه في أكثرِ مِن مَوضعٍ في ذلك الكتاب» (٢).
ثالثًا: تحريفُه لظواهرِ النُّصوصِ عمدًا، وتحكُّمه في مُراداتِها تحكُّمًا يُمليه الهَوى لا البحث المَوضوعيُّ، كادِّعائِه -مثلًا- أنَّ أبا هريرة ﵁ لديه كِتابَان مَخطوطَانِ حَفِظَهما عن رسولِ الله ﷺ (٣)؛ فهِم هذا مِن قوله ﵁: «حفِظتُ عن رسولِ الله ﷺ وِعَاءين، فأمَّا أحدُهما فبَثَثتُه، وأمَّا الآخر فلو بثَثتُه لقُطع هذا البلعوم» (٤).
وظاهرٌ جدًّا من هذا النَّص العَربيِّ المُبين، أنَّ أبا هريرة لم يقصِد ما تقَوَّله (أبو ريَّة)، ولا أحدٌ فهِم أنَّ عنده كتابين، أو كتابًا واحدًا! «وإنَّما قَصَد ﵁ وفَهِم النَّاس عنه: أنَّه حَفِظ ضَرْبَين مِن الأحاديث: ضربٌ يتعلَّق بالأحكام ونحوِها، ممَّا لا يَخاف هو ولا مثلُه مِن روايتِه، وضربٌ يتعلَّق بالفِتَن وذمِّ بعضِ النَّاس، وكلُّ أحدٍ مِن الصَّحابة كان عنده مِن هذا وهذا» (٥).
رابعًا: أنَّه في سبيلِ تأكيدِ الفكرةِ المُستَولِية عليه، يرفضُ نصوصًا أجمَعَ العلماء على صِحَّة نقلِها، مِن حيث يَعتمِد على رواياتٍ مَكذوبةٍ نَصُّوا على بُطلانها! ككثيرٍ من الحكاياتِ المَرويَّةِ في كُتبِ الأدباء، ونَوادِر المَجالِس (٦)، مِمَّا
стр. 237
لا سَنَد له ولا زِمام، بل لا يُعرَف أحيانًا قائِلُها! كالَّتي نراها في «حياةِ الحيوانِ الكبرى» للدَّميري، و «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني، «وهذا نفسُه المنهج العِلميُّ الَّذي قَدَّمه المُستشرِقون وأتباعُهم لتزيِيفِ المفَاهيم الأساسيَّة والأصِيلة» (١).
و (أبو ريَّة) وإن كان غَرضُه إسقاطَ اعتبارِ السُّنة، وإهدارَ جُهدِ نَقَلَتِها، فهو لأجلِ تحقيقِ ذلك، يَنقُل ما يُسنِده مِن كُتبِ أعدائِهم مِن الإماميَّة، كـ «تفسير الخوئي»، شَغوفًا بالتَّزلُّفِ إلى أربابِ مَذهبِهم، والمَيلِ بمُؤلَّفاتِه إلى ما يَهواه أصحابُ الخُمُسِ مِن مَلَالي لبنان وغيرها (٢).
стр. 238
وهذا ما لمَّحَ إليه المُعجَب به (محمَّد حمزة) بقولِه: «إنَّ حماسَ أبي ريَّة الشَّديد لانتقادِ آراءِ أهلِ السُّنة، أوقَعه -مِن حيث لا يشعر- في قبولِ مَقولات شيعيَّةٍ، بقي الشِّيعة إلى اليوم في كتاباتِهم يُغذُّون بها مِخيالهم الاجتماعيَّ، كفضلِ عليٍّ على بقيَّةِ الخلفاء الرَّاشدين، والعنت الَّذي لقيته فاطمة ابنة الرَّسول ﷺ مِن أبي بكر» (١).
فلأجلِ هذا التَّلوُّنِ العَقديِّ عند (أبو ريَّة)، والتواءِ قَلَمِه بحسب ما يُمليه هَواه، نجِد أنَّ النَّاقلين عنه مِن خصومِ السُّنَةِ يَنتمون إلى غير تيَّار فكريٍ واحد، ففيهم القرآنيُّ (٢)، والعَلمانيُّ (٣)، وفيهم العَقلانيُّ المُتشرِّع (٤)، فضلًا عن الشِّيعةِ الإماميَّة كما أسلفنا به الذِّكر (٥).
فلأجلِ ما تقدَّم من خليطِ انحرافاتِه صعُب عليَّ تصنيفه في خانةٍ فكريَّةٍ مُحدَّدة، وإن كُنَّا ارتأينا حشْرَه مع زُمرةِ المُنكرين للسُّنةِ أصالةً، فلأنَّ الكُلَّ مُتَّفِقٌ على وُلوغِه في هذه البائقةِ، وانتشارِ رأيِه بخصوصِ الطَّعنِ في أكثر السُّنَن، واهتبالِه بالقرآنِ وحدَه كما يدَّعي، وهذه اللَّبِنةُ الأساسةُ الَّتي شَيَّد عليها القرآنيُّون صرْحَ مذهبِهم بعدُ، مع زعمه أنَّه غيرُ مُنكرٍ للسُّنةِ في أصلِها.
يظهر لك هذا الموقف في مثلِ قولِه: « .. إنَّ الَّذي يجبُ التَّصديق به، واعتقاده، إنَّما هو الخبرُ (المُتواتر) فحسبْ؛ وليس عندنا كتابٌ يجبُ اعتقاد كلِّ ما جاء به اعتقادًا جازمًا يبعث اليقين إلى القلب غير القرآن الكريم، الَّذي جاء مِن طريقِ (التَّواتر) .. أمَّا الأخبار الَّتي جاءت مِن طريقِ الآحاد، وحَمَلتها كتبُ الحديثِ، فإنَّها لا تُعطي اليقينَ، وإنَّما تُعطىي الظَّن، والظنُّ لا يُغني مِن الحقِّ شيئًا!» (٦).
стр. 239
وبعد هذه الخُلاصة عن (أبو ريَّة)، فإنِّي مُقرٌّ بأنِّي لم أجد مَن ترجمَ له ترجمةً تُنبئ عن مُستواه العِلميِّ، وتصنيفِه الفكريِّ، بل أيَّ ترجمةٍ تاريخيَّة كيفما كانت! ولو مِن مُقَرَّبيه، ولو بعد موتِه! «فكأنَّما تَواصى النَّاس على إخمالِ ذكرِه، ولولا أنَّه يُعاد ذكرُه عند الطَّاعنين في السُّنة والحديث، مُستشهِدين بكتابِه، وعند المُدافعين عنها نقضًا لكلامِه: لكان نَسْيًا مَنسِيًّا، وهذا مِن عجيب صُنع الله به!» (١).
وبهذا يتَّضح أنَّ كتابَ (أبو ريَّة) ليست له أيَّة قيمةٌ علميَّة مُعتبرةٍ، لأمرين بارزين فيه:
أوَّلًا: خُلوُّ الكتاب مِن المنهج المَوضوعيِّ النَّقديِّ القويم، وهو الَّذي يدَّعي أنَّه «أعلم من الشَّافعي وأبي حنيفة!» (٢).
ثانيًا: خلوُّ كاتِبه مِن الأمانة العِلميَّة (٣)، وهو -مع ذلك- لا يَرْعوي أن يَنبُزَ مَن عَلَّموا الدُّنيا أمانةَ العلمِ وبراعة التَّحقيقِ بالغفلةِ أو الكذب.
ولعلَّ هذه النَّفس المغرورةَ بجهلِها المُركَّب، هي ما دَعَت أستاذَه الأديب الصَّادقَ الرَّافعي (ت ١٣٥٦ هـ) أن يَقول له قولتَه اللَّاذِعة: «ليتَك كنتَ مَجذوبًا يا أبا ريَّة .. ولكنَّك لا تصلُح مَجذوبًا ولا عاقِلًا» (٤)! ..
وصدقَ ﵀.
стр. 240
المَطلب الثَّاني
أحمد صبحي منصور (١)
وكتابه «القرآن وكفى مصدرًا للتَّشريع الإسلامي»
مِن أبرزِ من تعاهدَ حملَ رايةِ منكري حجيَّة السُّنة في العقودِ الثَّلاثةِ الأخيرة، حتَّى أوذي في سبيلِ نشرِ هذا المُعتقد الفاسد -كما يتَبجَّح به- مِن قِبَل السَّاسةِ بتحريضٍ مِن علماءِ الأزهرِ مِرارًا، ممَّا اضطرَّه إلى الخروج مِن بلدِه مصرَ إلى أمريكا، هنالك يُسِّرت له سُبل بثِّ سمومِه الفكريَّة في وسائل الإعلامِ، ثمَّ لمَّها جُلَّها في مُؤلَّفه الأشهرِ: «القرآن وكفى مصدرًا للتَّشريع الإسلاميِّ».
ولقد بلغ بـ (صبحي) غروره أن يُعلن وراثته لمدرسة (محمَّد عبده) في الاجتهاد الإسلاميِّ بعد أن ذبُلت! بل هو أوفى له من تلميذه (العاقِّ) محمَّد رشيد رضا -كما يسمِّيه-! في جملة لغوٍ يقول فيه: «جئتُ أنا وحيدًا في جامعة الأزهر سنة ١٩٧٥ م حينما كنت أستاذًا مساعدًا، وبدأت الطَّريق لوحدي أنفضُ عنِّي -ما أسماه عبدُه- أوساخَ الأزهر! .. وأنفجرت في وجهي ومَن سار معي ألغامٌ
стр. 241
كثيرة؛ إلى أن عُبِّد هذا الطَّريق بعد ذلك، وأصبح سهلًا لِمن جاء بعدنا .. حتَّى لم يعُد غير مَقبولٍ اجتماعيًّا أن تُهاجم البخاريَّ» (١).
فلأجل ما للرَّجل مِن أفكارٍ خطيرةٍ تعود على سفينةِ الإسلامِ بالخرمِ، تهافتت عليه خفافيش العَلمانيَّة في الوَطنِ العربيِّ (٢)، بل ومؤسَّسات التَّنصير في الغَربِ (٣)، قصدَ تمكينِه مِن نشرِ مَقالاتِه الهدَّامةِ على أوسعِ نطاقٍ فيما تُوفِّره له مِن وسائل إعلاميَّة، وندواتٍ فكريَّة (٤).
والرَّجلُ على ما يدَّعيه من انحصار الأحكام في القرآن وحده، لا يَستنكِف أن يُعلنِ الانسجامِ التَّام بين مَذهبِه وبين الاتِّجاه العَلمانيِّ المُناوئ لتنزيل الشَّريعة، فتراه يقول: «إنَّ الفضولَ الصُّحفي والمَعرفيَّ، والسُّؤمَ مِن إعادة اجترارِ مقولاتِ الفكرِ السُّنيِّ، وعجزِه عن مُواكبةِ العصر: أدَّى إلى الالتفاتِ للفكرِ القرآنيِّ، الَّذي يؤكِّد الانسجامَ بين الإسلامِ والدِّيمقراطيةِ، وحقوقِ الإنسان، والحريَّة الدينيَّة، والعلمانيَّةِ المؤمنة .. » (٥).
لأجل ذلك نراه يخوض في مَسبَّةِ أهلِ السُّنة كثيرًا، يُشنِّع عليهم ما يراه تقديمًا للمَرويَّات على آيِ القرآن؛ ولأنَّه لا بُدَّ أن يذكُر أمثلةً مِن تلك المَرويَّاتِ المُختلَقةِ، ليُقيم بها الحُجَّة عليهم، رَكزَّ سهامَ طعنِه في البخاريِّ خاصَّة، لمِا يعلمُه مِن توافقهم على تعظيمه.
стр. 242
فكان ممَّا يقوله في حقِّ أعلام الأمَّة: «لا يشفعُ لك هنا أنَّك تستشهدُ بالقرآن الكريم، فلا قيمةَ للقرآن الكريم عندهم، القرآن الكريم عندهم كالصَّبي غير الرَّاشد، يحتاجُ إلى وَليِّ أمرٍ، أو إلى وَصيٍّ يتكلَّم عنه، والبخاريُّ وسُنَّته عندهم هو الوَصيُّ على القرآن، وبه عندهم يُمكن فهمُ القرآن .. ولو تعارضَ حديثٌ للبخاريِّ -كحديثِ الشَّفاعة- مع مائةٍ وخمسين آية قرآنيةً، تمسَّكوا بحديثِ البخاريِّ، ولم يَأبهوا بالقرآنِ كلِّه» (١).
ومِن قبيحِ صفاتِ هذا الرَّجل المُعربة عن قلَّةِ أدبِه مع الأولياءِ بعد أن حشر الخلفاء الرَّاشدين في زمرة المنافقين (٢)، وجعلِه فتوحاتهم للبلدان ناشرةً للكفر (٣) -وليس بعد هذا الكفر ذنب! - تَجرُّؤه على وَصمِ البخاريِّ بالكذَّابِ، ووضعِ الحديثِ على النَّبي ﷺ ، بل رميِه بالعَداوة للإسلامِ ورسوله (٤)!
وقلَّ مَن أعلمه ولغَ في مثل هذه المقذَعة مِن المُعاصرين، بل سوَّغ نبزَ البخاريَّ بكلِّ المستقبحاتِ لمجرَّد أن رأى في «صحيحه» أحاديث عارَضَت فهمَه هو للقرآن؛ وعند نظرنا في دعوى التَّعارض هذه: يظهر اعوجاج فهمه للآية أو الحديثِ، بل لكليهما! والأمثلة مِن كلامِه على هذا كثيرة، من ذلك:
ما أورده في كتابه «القرآن وكفى» (٥)، في سياقِ طعنِه الجُمليِّ بأحاديث مُباشَرة الحائِض، يزعم أنَّها تُعارض نهيَ القرآن مِن إتيانِها، جهلًا منه بالفرق بين المباشرة دون الفرج -وهذه الواردة في الأحاديث- وبين الإيلاج، مع وضوح هذا الفرقِ في الأحاديثِ نفسِها الَّتي طَعنَ فيها.
стр. 243
فإن كان هذا حاله مع الوحيِ المُبِين -وقد أغبى عنه فهمُه- فهو لكلامِ أئمَّة الحديثِ أعوج فهمًا! نظير زعمِه -في نفسِ مَقالِه الأوَّل هذا في البخاريِّ- أنَّ الذَّهبيَّ «وَصَلَ إلى نتيجةِ: أنَّ علماء هذا الشَّأن لم يَتَّفقوا على توثيق راوٍ أو تضعيفِه».
وهذه فريةٌ لم يقُلها الذَّهبيُّ قطُّ -وحاشاه- ولكن تابَعَ فيها (صبحي) أستاذَه في التَّحريفِ (أبو ريَّة)! (١)
إنَّما عبارة الذَّهبي قولُه: « .. ولكنَّ هذا الدِّينَ مُؤيَّدٌ مَحفوظٌ مِن الله تعالى، لم يَجتمع علماؤُه على ضلالةٍ، لا عَمْدًا ولا خطأً، فلا يَجتمِعُ اثنانِ على توثيقِ ضعيفٍ، ولا على تضعيفِ ثقة»! (٢).
وأُراني لا أحتاج إلى بيان الفرقِ بين العِبارتين لِمن عنده مسكة فهم.
ومِن ذلك أيضًا: دعواه أنَّ الحاكمَ النَّيسابوريَّ لم يَضع كتابَه «المُستدرك» إلَّا للمُقارنة بين مَرويَّات البخاريِّ ومسلم! .. وحسبُك بهذا أمارةً على تعالُمِه وقلَّةِ دينِه، إن كان له دينٌ؛ وكلّ حديثيٍّ يعلم أنَّما قصد الحاكم بذا استدراكَ أحاديث لم يخرجها الشَّيخان في صحيحيهما مع أنَّها على شرطهما.
فهل يحقُّ لمثل هذا أن يهمِس ببنتِ شفةٍ في حقِّ سُنة النَّبي ﷺ ومُصنَّفاتها؟! فضلًا عن أن يَتطاول على جهابذةِ المحدِّثين؟! أم يحقُّ لمثله أن يبديَ رأيًا في ما تعلَّق بالإسلام أصلًا؟!
العجيب في الأمر، أنَّ الرَّجل على كثرةِ ما يصدر منه مِن كذباتٍ وتحريفات، أقرُّ له بصدقِ حكمٍ أصدره في مقالته الكَذوبة تلك، يعني بها غيرَه،
стр. 244
وهو أحقُّ النَّاس بها! أعني بذا قوله: «حين يتَعلَّق الأمرُ بالآخرة، والخلود في الجنَّة، أو الخلود في النَّار، فإنَّ الدِّين عندنا هو (الحائط المائل)، وهو سوقُ الأغراضِ المستعملةِ، الَّتي يتكاثر فيها الحُواة والمُحتالون والأفَّاقون، ويأتي إليه الزَّبائن فيستَسهلون التَّعامل مع الحواة والمُحتالين والأفَّاقين، ويرجعُ كلُّ زبونٍ مُقتنعًا بأنَّه يوم الدِّين سيكون في أعلى علِّيِّين به»! (١).
стр. 245
المَطلب الثالث
صالح أبو بكر (١)، وكتابه: «الأضواء القرآنيَّة لاكتساح الأحاديث الإسرائيليَّة وتطهير البخاريِّ منها»
بمقدور أيِّ قارئٍ لكتابِ هذا الرَّجل إذا ما قابَلَه بأسوتِه «أضواءِ» (محمود أبو ريَّة)، أن يخلُص إلى أنَّ كتاب الأوَّل ما هو إلَّا نسخةٌ مُعدَّلة مِن الثَّاني لا غير، لم يكَد يَأتي فيه بزائدٍ مُبتكرٍ؛ فلقد تابعَ (أبو ريَّة) على تخبُّطاته وجهلِه فيه، واعتمد على أوهامِه وتخرُّصاته، «بل نستطيع القولَ أنَّ الجزءَ الأوَّل منه خلاصة لكتاب أبي ريَّة» (٢).
فكأنَّ المؤلِّف ما أرادَ إلَّا أن يُحيِي ذكرَ (أبو ريَّة) بعد أن كاد يخمُد، «يظهر هذا في كثرةِ الاقتباساتِ وطولهِا، حتَّى لتبلغُ الصَّفحاتِ العديدة؛ كما تظهرُ أيضًا في المنهجِ الَّذي استخدَمه المُؤلِّف، والَّذي لا يختلِفُ عن مَنهجِ أبي ريَّة» (٣) في إنكارِ الرِّوايةِ، والتَّشنيعِ على أهلِ الحديثِ، واتِّهامِ أبي هريرة ﵁ بالكذِب (٤).
стр. 246
وكتاب (صالح) ينقسِمُ إلى جُزأين:
الأوَّل منهما: خَصَّه لقضيَّةِ الحديثِ ومَراجِعِها العلميَّة، منذ الخلافةِ الأولى إلى عصرِنا هذا.
أمَّا الثَّاني: فأودَعَه نماذجَ ممَّا يراه إسرائيليَّات مَدسوسة على البخاريِّ، بَلَغ بها (مائةً وعشرين) حديثًا، مُتعقِّبًا كُلًّا منها بالإنكارِ وإبراءِ النَّبي ﷺ ، بل وإبراءِ البخاريِّ منها أحيانًا، يعني عدمَ تقصُّدِه اختلاقَها، وإنَّما اغترَّ في ذلك برُواتِها الكَفَرة! فيقول: «التَّعقيب القرآنيِّ على كلٍّ منها، بما يثبِت أنَّها دخيلةٌ على كلامِ النَّبي ﷺ ، وبما لا يُسيء إلى البخاريِّ، الَّذي حسْبُه -عند ربِّه- صدقُ نيَّتِه وإخلاصه، حتَّى يعلمَ المسلمون كيف استطاعَ الشَّيطان أن يستخدمَ أعوانَه مِن كُفَّار الإنسِ في الكيدِ للإسلامِ والمسلمين»! (١).
يَلين هذا اللِّين في الكلامِ عن البخاريِّ لأجل ما يعلمه من عظيم منزلتِه في قلوب المسلمين لا غير، فإنَّه لا يَتورَّع مِن أن يرمِيَ بعدُ غيره من المحدِّثين بكلِّ نقيصةٍ! وأن يعيب على المُصنِّفين اقتنائَهم «كُتبًا غريبةً» يوهمونَ بها قدرتَهم على تحقيقِ الأسانيدِ وتقريرِ أحوالِ الرِّجال، وهم في نظرِه «سُذَّجٌ قد انطَلَت عليهم دَسائس الذِّميِّين، وألاعيبُ الزَّنادقة في روايتهِم للمَوضوعات» (٢).
وأمَّا عملُه في كتابه «الأضواء القرآنيَّة»:
فمنهج المؤلِّف -في الجملةِ- فيه خالٍ مِن الصِّناعةِ الحَديثيَّة، إنَّما هو -كما أسلفنا ابتداءً- استنساخ لكتاب (أبو ريَّة)، ثمَّ نَفَخَه بعريض العبارات؛ فإذا ما استشكلَ فيه حديثًا بعقلِه، أو مَجَّه بذوقِه، ما كان شيءٌ أيسرَ عليه مِن نسبتِه إلى «وحيِ الخيالِ الشَّارد، أو الكيد الإسرائيليِّ اللَّعين» (٣).
стр. 247
وهكذا عامل أغلبَ أحاديث «الصَّحيحين»، كلُّ حديثٍ فيهما لم يستوعِبه ألحَقَه في الحال بالإسرائيليَّات!
ولمَّا أرادَ أن يُدلِّل على شُبهتِه في إسرائيليَّة المَنقول، وبعد نسفِه لجهودِ البخاريِّ في جمع الصِّحاحِ مِن الحديث، فاجأَ القارئَ بمعلومةٍ خطيرةٍ لم ينتبه لها إلَّا حضْرَتُه! عنونَ لها بعنوانٍ لافتٍ يقول فيه: «اعتراف صريحٌ من البخاريِّ بوضع الحديث»! (١).
وليسَ أحدٌ مِن طلبةِ الحديثِ فضلًا عن أئمَّتِهم يجهل أنَّ الوضعَ واقِعٌ في كثيرٍ مِن الأحاديث، فما الجديد في هذا العنوان؟! لكن الغَباوة أن يُحتجَّ بهذا البعضِ فيُحكَم به على الكلِّ.
مثلُ هذا الجهل المنهجيِّ في الاستدلالِ، أدَّى بالمؤلِّف إلى جملةٍ مِن التَّناقضات العلميَّة، من ذلك:
أنَّه في الوقت الَّذي يَدَّعي فيه ترجيحَ مسلمٍ لكذبِ عكرمة مولى ابن عباسٍ، يزعمُ أنَّ مسلمًا خرَّج له حديثًا لأجلِ أن يُقويَّ به حديثًا رواه سعيد بن جبير في المَوضوعِ نفسه (٢)!
ومتى كانت رواية الكَذَّاب عاضدةً لغيرِها أصلًا؟! فضلًا عن تقويتها لرواية إمامٍ ثبتٍ كسعيد بن جبير؟!
ثمَّ هو لفرط جهله بطبيعة المرويَّات، يرى أن الاختلافَ في رواية بعض ألفاظِ الأحاديث المُتعلِّقة بالموضوعِ الواحدِ: دالٌّ على الوضعِ والدَّس، هكذا ضربة لازبٍ! ومثَّلَ لذلك بأمثلة، منها -مثلًا- ما أجاب به علي ﵁ من سألَه: هل عنده كتابٌ غير القرآن؟ فورد عنه عباراتٌ مختلفةٍ في ثمانِ روايات، ساقَها البخاريُّ في كُتبٍ مختلفةٍ مِن «صحيحه».
стр. 248
ففهِم هو من هذا الاختلاف في العباراتِ تناقضًا مُسقطًا لأصل الخبرِ! الأمر الَّذي لم يفطِن له البخاريُّ نفسه، ولا أحدٌ مِن العلماء قبله وبعده!
وقد غفل المسكين عن أنَّ عليًا ﵁ قد سئُل مِن غير واحدٍ مِن التَّابعين، ثمَّ قد غَبِيَ عن أنَّ الجمعَ يَسيرٌ بين هذه الرِّواياتِ، فإنَّ الصَّحيفة كانت واحدةً، وجميعُ ما ذُكر فيها مَكتوبٌ فيها حقًّا، فكان كلُّ واحدٍ مِن الرُّواة ينقل عنه ما حفِظَه (١).
وأمَّا تفسيرات الرَّجلِ لاختياراتِ البخاريِّ في كتابِه، فهو يهرف فيها بأيٍّ كلامٍ، فمِن ذلك:
اتِّهامه اصطفاءَ البخاريِّ للمتونِ بالانحيازِ إلى السُّلطةِ الحاكمةِ، وذلك أنَّه فَسَّر عدمَ روايتِه في «صحيحه» عن الأئمَّة الصَّادق والكاظم مِن آل البيت، بكونِه في ذلك متأثِّرًا بحكمِ الأمويِّين للشَّام (٢)!
ومعلومٌ بداهةً أنَّ البخاريَّ عاشَ في العصرِ العَباسيِّ لا الأمويِّ، وهو بعكس ذلك عصرٌ يعادي بني أميَّة، ويقرب مُبغضيهم! (٣) مع العلم أنَّ البخاريَّ قد خرَّج حقًّا لغيرهم مِن أئمَّة آل البيتِ، كما سبق به البَيان.
وستأتي أمثلةٌ كثيرة لمُعارضاتِه المُهترئةِ لأحاديثِ «الصَّحيحين»، في بابِها المُناسب من الباب الثَّالث من هذا البحث، والله من وراء القصد.
стр. 249
المَطلب الرَّابع
نيازي عزُّ الدِّين (١)
وكتابه «دين السُّلطان، البرهان»
يُعدُّ (نيازي) مِن أبرز أعداء السُّنَن المعاصرين جلَدًا في مُعارضةِ متونِ «الصَّحيحين»، فكتابُه هذا مِن مَصادر الطُّعونِ الَّتي اعتمدها عَددٌ مِن المعاصرين في هجمَتِهم على «الصَّحيحين» (٢)، واقعٌ هو في مجلَّدٍ كبيرٍ قارب عدُّ صفحاتِه الألفَ، تقوم فكرتُه على شبهةٍ أساسةٍ تابعَ فيها (جُولدْسِيهر) ثمَّ (أبو ريَّة) (٣)، منها تنبثق باقي الشُّبَه الَّتي أودَعَها في كتابِه، ومضمونها:
دعواه أنَّ السُّنة وضَعها علماء الحديثِ بأمرِ معاوية بن أبي سفيان ﵁، وأنَّ وضعَ الشَّيخين لكِتابيهما كان مُحاباةً للحُكَّام في وقتهما، وتحقيقًا لمطامعِهم السِّياسيَّة، فكان بهذا جملةُ الفقهاء والمحدِّثين جنودًا للسُّلطان لا لدين الله تعالى!
стр. 250
وهذه فِرية لا تُسندها مِسكة دليلٍ ولا شاهد تاريخ، تسقطُ اعتبارَ الكتابِ من أساسِه (١)، يقول مصطفى السِّباعي في معرضِ ردِّه عليها: «هذه دعوى جديدة، لا وجود لها إلا في خيالِ كاتِبها، فما رَوَى لنا التَّاريخ أنَّ (الحكومة الأمويَّة) وَضَعَت الأحاديثَ لتُعمِّمَ بها رأيًا مِن آرائِها، ونحن نسأله: أين هي تلك الأحاديث الَّتي وضعتها الحكومة؟! إنَّ علماءنا اعتادوا ألَّا ينقلوا حديثًا إلَّا بسندِه، وها هي أسانيد الأحاديث الصَّحيحة محفوظةٌ في كُتبِ السُّنة، ولا نجدُ في حديثٍ واحدٍ مِن آلافِها الكثيرة، في سندِه عبد الملك، أو يزيد، أو الوليد، أو أحد عُمَّالهم كالحجَّاج، وخالد بن عبد الله القسري، وأمثالهم، فأين ضاعَ ذلك في زوايا التَّاريخ لو كان له وجود؟!» (٢).
ويقول المُعلِّمي: «أبو هريرة، والمغيرة، وعمرو، ومعاوية، صحابيُّون ﵁، وكلُّهم عند أهل السُّنة عُدول، ثمَّ كانت الدَّولة لبني أميَّة، فلو كان هؤلاء يَستحِلُّون الكذبَ على النَّبي ﷺ في عيبِ عليٍّ ﵁، لامتلأَ الصَّحيحان -فضلًا عن غيرهِما- بعَيْبِه وذمِّه وشتمِه، فما بالُنا لا نَجِدُ على هؤلاء حديثًا صحيحًا ظاهرًا في عَيْبِ عليٍّ، ولا في فضلِ معاوية؟!» (٣).
لكن المُؤلِّف مع ذلك مُصرٌّ على عِمايتِه في اتِّهامه لأبي هريرة ﵁ بالكذبِ (٤)، كما زعَمَ أنَّ كعبَ الأحبارِ قد دَسَّ في الإسلامِ نصوصًا كثيرة مِن كُتب أهلِ الكتابِ المُحرَّفة (٥)، ثمَّ جاء الشَّيخان فأودَعاها في «صَحيحَيهما» (٦)، هكذا مِن غير حَسيبٍ ولا رقيبٍ، ولا انتبَه لذلك أحَدٌ مِن الأمَّة قبله!