وكتاب (صالح) ينقسِمُ إلى جُزأين:
الأوَّل منهما: خَصَّه لقضيَّةِ الحديثِ ومَراجِعِها العلميَّة، منذ الخلافةِ الأولى إلى عصرِنا هذا.
أمَّا الثَّاني: فأودَعَه نماذجَ ممَّا يراه إسرائيليَّات مَدسوسة على البخاريِّ، بَلَغ بها (مائةً وعشرين) حديثًا، مُتعقِّبًا كُلًّا منها بالإنكارِ وإبراءِ النَّبي ﷺ ، بل وإبراءِ البخاريِّ منها أحيانًا، يعني عدمَ تقصُّدِه اختلاقَها، وإنَّما اغترَّ في ذلك برُواتِها الكَفَرة! فيقول: «التَّعقيب القرآنيِّ على كلٍّ منها، بما يثبِت أنَّها دخيلةٌ على كلامِ النَّبي ﷺ ، وبما لا يُسيء إلى البخاريِّ، الَّذي حسْبُه -عند ربِّه- صدقُ نيَّتِه وإخلاصه، حتَّى يعلمَ المسلمون كيف استطاعَ الشَّيطان أن يستخدمَ أعوانَه مِن كُفَّار الإنسِ في الكيدِ للإسلامِ والمسلمين»! (١).
يَلين هذا اللِّين في الكلامِ عن البخاريِّ لأجل ما يعلمه من عظيم منزلتِه في قلوب المسلمين لا غير، فإنَّه لا يَتورَّع مِن أن يرمِيَ بعدُ غيره من المحدِّثين بكلِّ نقيصةٍ! وأن يعيب على المُصنِّفين اقتنائَهم «كُتبًا غريبةً» يوهمونَ بها قدرتَهم على تحقيقِ الأسانيدِ وتقريرِ أحوالِ الرِّجال، وهم في نظرِه «سُذَّجٌ قد انطَلَت عليهم دَسائس الذِّميِّين، وألاعيبُ الزَّنادقة في روايتهِم للمَوضوعات» (٢).
وأمَّا عملُه في كتابه «الأضواء القرآنيَّة»:
فمنهج المؤلِّف -في الجملةِ- فيه خالٍ مِن الصِّناعةِ الحَديثيَّة، إنَّما هو -كما أسلفنا ابتداءً- استنساخ لكتاب (أبو ريَّة)، ثمَّ نَفَخَه بعريض العبارات؛ فإذا ما استشكلَ فيه حديثًا بعقلِه، أو مَجَّه بذوقِه، ما كان شيءٌ أيسرَ عليه مِن نسبتِه إلى «وحيِ الخيالِ الشَّارد، أو الكيد الإسرائيليِّ اللَّعين» (٣).
стр. 247
وهكذا عامل أغلبَ أحاديث «الصَّحيحين»، كلُّ حديثٍ فيهما لم يستوعِبه ألحَقَه في الحال بالإسرائيليَّات!
ولمَّا أرادَ أن يُدلِّل على شُبهتِه في إسرائيليَّة المَنقول، وبعد نسفِه لجهودِ البخاريِّ في جمع الصِّحاحِ مِن الحديث، فاجأَ القارئَ بمعلومةٍ خطيرةٍ لم ينتبه لها إلَّا حضْرَتُه! عنونَ لها بعنوانٍ لافتٍ يقول فيه: «اعتراف صريحٌ من البخاريِّ بوضع الحديث»! (١).
وليسَ أحدٌ مِن طلبةِ الحديثِ فضلًا عن أئمَّتِهم يجهل أنَّ الوضعَ واقِعٌ في كثيرٍ مِن الأحاديث، فما الجديد في هذا العنوان؟! لكن الغَباوة أن يُحتجَّ بهذا البعضِ فيُحكَم به على الكلِّ.
مثلُ هذا الجهل المنهجيِّ في الاستدلالِ، أدَّى بالمؤلِّف إلى جملةٍ مِن التَّناقضات العلميَّة، من ذلك:
أنَّه في الوقت الَّذي يَدَّعي فيه ترجيحَ مسلمٍ لكذبِ عكرمة مولى ابن عباسٍ، يزعمُ أنَّ مسلمًا خرَّج له حديثًا لأجلِ أن يُقويَّ به حديثًا رواه سعيد بن جبير في المَوضوعِ نفسه (٢)!
ومتى كانت رواية الكَذَّاب عاضدةً لغيرِها أصلًا؟! فضلًا عن تقويتها لرواية إمامٍ ثبتٍ كسعيد بن جبير؟!
ثمَّ هو لفرط جهله بطبيعة المرويَّات، يرى أن الاختلافَ في رواية بعض ألفاظِ الأحاديث المُتعلِّقة بالموضوعِ الواحدِ: دالٌّ على الوضعِ والدَّس، هكذا ضربة لازبٍ! ومثَّلَ لذلك بأمثلة، منها -مثلًا- ما أجاب به علي ﵁ من سألَه: هل عنده كتابٌ غير القرآن؟ فورد عنه عباراتٌ مختلفةٍ في ثمانِ روايات، ساقَها البخاريُّ في كُتبٍ مختلفةٍ مِن «صحيحه».
стр. 248
ففهِم هو من هذا الاختلاف في العباراتِ تناقضًا مُسقطًا لأصل الخبرِ! الأمر الَّذي لم يفطِن له البخاريُّ نفسه، ولا أحدٌ مِن العلماء قبله وبعده!
وقد غفل المسكين عن أنَّ عليًا ﵁ قد سئُل مِن غير واحدٍ مِن التَّابعين، ثمَّ قد غَبِيَ عن أنَّ الجمعَ يَسيرٌ بين هذه الرِّواياتِ، فإنَّ الصَّحيفة كانت واحدةً، وجميعُ ما ذُكر فيها مَكتوبٌ فيها حقًّا، فكان كلُّ واحدٍ مِن الرُّواة ينقل عنه ما حفِظَه (١).
وأمَّا تفسيرات الرَّجلِ لاختياراتِ البخاريِّ في كتابِه، فهو يهرف فيها بأيٍّ كلامٍ، فمِن ذلك:
اتِّهامه اصطفاءَ البخاريِّ للمتونِ بالانحيازِ إلى السُّلطةِ الحاكمةِ، وذلك أنَّه فَسَّر عدمَ روايتِه في «صحيحه» عن الأئمَّة الصَّادق والكاظم مِن آل البيت، بكونِه في ذلك متأثِّرًا بحكمِ الأمويِّين للشَّام (٢)!
ومعلومٌ بداهةً أنَّ البخاريَّ عاشَ في العصرِ العَباسيِّ لا الأمويِّ، وهو بعكس ذلك عصرٌ يعادي بني أميَّة، ويقرب مُبغضيهم! (٣) مع العلم أنَّ البخاريَّ قد خرَّج حقًّا لغيرهم مِن أئمَّة آل البيتِ، كما سبق به البَيان.
وستأتي أمثلةٌ كثيرة لمُعارضاتِه المُهترئةِ لأحاديثِ «الصَّحيحين»، في بابِها المُناسب من الباب الثَّالث من هذا البحث، والله من وراء القصد.
стр. 249
المَطلب الرَّابع
نيازي عزُّ الدِّين (١)
وكتابه «دين السُّلطان، البرهان»
يُعدُّ (نيازي) مِن أبرز أعداء السُّنَن المعاصرين جلَدًا في مُعارضةِ متونِ «الصَّحيحين»، فكتابُه هذا مِن مَصادر الطُّعونِ الَّتي اعتمدها عَددٌ مِن المعاصرين في هجمَتِهم على «الصَّحيحين» (٢)، واقعٌ هو في مجلَّدٍ كبيرٍ قارب عدُّ صفحاتِه الألفَ، تقوم فكرتُه على شبهةٍ أساسةٍ تابعَ فيها (جُولدْسِيهر) ثمَّ (أبو ريَّة) (٣)، منها تنبثق باقي الشُّبَه الَّتي أودَعَها في كتابِه، ومضمونها:
دعواه أنَّ السُّنة وضَعها علماء الحديثِ بأمرِ معاوية بن أبي سفيان ﵁، وأنَّ وضعَ الشَّيخين لكِتابيهما كان مُحاباةً للحُكَّام في وقتهما، وتحقيقًا لمطامعِهم السِّياسيَّة، فكان بهذا جملةُ الفقهاء والمحدِّثين جنودًا للسُّلطان لا لدين الله تعالى!
стр. 250
وهذه فِرية لا تُسندها مِسكة دليلٍ ولا شاهد تاريخ، تسقطُ اعتبارَ الكتابِ من أساسِه (١)، يقول مصطفى السِّباعي في معرضِ ردِّه عليها: «هذه دعوى جديدة، لا وجود لها إلا في خيالِ كاتِبها، فما رَوَى لنا التَّاريخ أنَّ (الحكومة الأمويَّة) وَضَعَت الأحاديثَ لتُعمِّمَ بها رأيًا مِن آرائِها، ونحن نسأله: أين هي تلك الأحاديث الَّتي وضعتها الحكومة؟! إنَّ علماءنا اعتادوا ألَّا ينقلوا حديثًا إلَّا بسندِه، وها هي أسانيد الأحاديث الصَّحيحة محفوظةٌ في كُتبِ السُّنة، ولا نجدُ في حديثٍ واحدٍ مِن آلافِها الكثيرة، في سندِه عبد الملك، أو يزيد، أو الوليد، أو أحد عُمَّالهم كالحجَّاج، وخالد بن عبد الله القسري، وأمثالهم، فأين ضاعَ ذلك في زوايا التَّاريخ لو كان له وجود؟!» (٢).
ويقول المُعلِّمي: «أبو هريرة، والمغيرة، وعمرو، ومعاوية، صحابيُّون ﵁، وكلُّهم عند أهل السُّنة عُدول، ثمَّ كانت الدَّولة لبني أميَّة، فلو كان هؤلاء يَستحِلُّون الكذبَ على النَّبي ﷺ في عيبِ عليٍّ ﵁، لامتلأَ الصَّحيحان -فضلًا عن غيرهِما- بعَيْبِه وذمِّه وشتمِه، فما بالُنا لا نَجِدُ على هؤلاء حديثًا صحيحًا ظاهرًا في عَيْبِ عليٍّ، ولا في فضلِ معاوية؟!» (٣).
لكن المُؤلِّف مع ذلك مُصرٌّ على عِمايتِه في اتِّهامه لأبي هريرة ﵁ بالكذبِ (٤)، كما زعَمَ أنَّ كعبَ الأحبارِ قد دَسَّ في الإسلامِ نصوصًا كثيرة مِن كُتب أهلِ الكتابِ المُحرَّفة (٥)، ثمَّ جاء الشَّيخان فأودَعاها في «صَحيحَيهما» (٦)، هكذا مِن غير حَسيبٍ ولا رقيبٍ، ولا انتبَه لذلك أحَدٌ مِن الأمَّة قبله!
стр. 251
وأمَّا عَملُ (نيازي) في الكتاب:
فقد بدأه ببضعِ مقدِّماتٍ فَصَّل فيها بعضَ الأصولِ الَّتي يقوم عليها تسويدُه، حيث قَسَّم أحاديث «الصَّحيحين» على أربعين فصلًا، كثيرًا ما يُكرِّر الحديثَ تحتَ أكثرِ مِن مَوضعٍ بلا فائدةٍ زائدةٍ، غير الحشو والاستكثار! (١).
مِن هذه الفصول -مثلًا- «ما تعلَّق بالأحاديثِ الَّتي يُناقض متنُها مَعاني القرآن الكريم»، و «أحاديث تُناقض بعضَها»، و «أحاديث تناقض أخلاق الرَّسول ﷺ »، وفصل «في الشَّواهد على إشراكِنا الحاليِّ!»، حيث يَرى أنَّ قولَ المُسلمينِ بأنَّ السُّنة وحيٌ، إشراكٌ بالله تعالى في تشريعِه وألوهيَّتِه! (٢) وليس يَدري المسكين بأنَّ قول المُسلمين بأنَّ السُّنة وَحي ناجمٌ عن أنَّ السُّنة في أصلِها من عند الله تعالى، أوحى بها إلى نبيِّه إمَّا إلهامًا أو إقرارًا، فليس النَّبي ﷺ إلَّا مُبلِّغًا، لا مُشرِّعًا في حقيقتِه مع الله.
يقول (نيازي) في بيانِ خُطَّةِ كتابِه:
في كتابي هذا، سوف أدرس -فقط- «صحيح البخاريِّ»، ثمَّ آتي على ذكر أحاديث «مسلم» بتركيز أقلٍّ .. لأنَّ غايتي مِن الدِّراسة، ليس حصر الحديث وتبيان الموضوع فحسب، وإنَّما مَقصدي من الدِّراسة: إظهار وتوضيح حقيقةٍ تَغاضى عنها أغلبُ المسلمين اليوم، وتلك الحقيقة هي: تناقضُ أغلبِ الأحاديثِ المَرويَّة في «الصَّحيحين» مع صريحِ القرآن الكريم» (٣).
فكان ممَّا خلُص إليه المؤلِّف فيه بعد دراستِه لأحاديثهما:
أنَّه لم يجد مِن ذلك في «الصَّحيحين» يوافق القرآن، سِوى (أربعمائةٍ وتسعةٍ وثمانين) حديثًا! ثمَّ هذا القليل لا يلزم عنده منه أن يكون مِن قول النَّبي ﷺ
стр. 252
حقيقةً (١)! بل هواه إلى ردِّ كثيرٍ منها، هذا مع اعترافِه بعدم مُناقضتِها للقرآن، بدعوى أنَّها متونَها مِن المواضيع الشَّكليَّة الَّتي لا تأثير لها في الإسلام، كما الحال مع حديث: «احفوا الشَّوارب، وأرخوا اللِّحى» (٢)، فهو لا يرى في هذا الحديث فائدةً أصلًا!
وهكذا كثيرًا ما يُورِّطه ذوقُه الرَّديء في اتِّهامِ الحديثِ ورواتِه باختراعِ ألفاظٍ في المتونِ افتراءً على الدِّين، كحديثِ أبي ذرٍّ ﵁ الَّذي فيه: « .. قال: هذا آدم، وهذه الأسْوِدة عن يَمينه وشِماله نَسَم بَنِيه .. ».
هذا الحديث قد أقلق مضجعَ (نيازي) وأغاضَه، إذ لم يسبِق لحضْرته أن سَمِع بكلمةَ «الأسْوِدَة» (٣) ولا عَلِم بمعناها! وطالما أنَّ عربِّيًا مثلَه لا يعرفها، فهي إذن مُختلَقةٌ لا معنى لها في لسان العرب! ثمَّ راح يُفسِّر للقارئ سببَ هذه البائقة، بـ «أنَّ راوي هذا الحديث لا يُتقِن العرَبيَّة، ولم يعرف عند نقلِ الحديث معنى (السَّواد)، فكتَب (أسوِدة)! وجَعلَ الَّذي على اليمين أيضًا مِن الأسودة الَّتي لا معنى لها» (٤)!
المُضحك من هذا، أنَّه مع عجزِه عن تفهُّمِ مثل ذاك الكلامٍ العَربيِّ المُبين، وتَعسُّفه في (فبركةِ) أسبابٍ لوضعِ الحديث لم تخطر على قلب بشر: يعاتبُ العلماء على تقصيرِهم -بل جُبنِهم- عن مُصارحةِ مَتبوعيهِم بما في «الصَّحيحين» مِن مَكذوباتٍ! تهدم أُسَّ العقيدة والشَّريعة برُمَّتها، وبما فيها مِن مُناقِضاتٍ لكتاب الله تعالى في الأحكامٍ والأخبارٍ، كما فَعلوا ذلك -دون تَهيُّبٍ- بأحاديث مَوضوعةٍ أخرى في غيرهما مِن مُصنَّفات الحديث.
стр. 253
فلماذا هذا التَّحاشي من نقدِ «الصَّحيحين» -في نظره-؟ أفلا عاملوا الكلَّ مُعاملةً واحدةَ؟!
يقول نيازي: «لا يَهمُّنا السَّندُ، طالما تَبيَّن لنا أنَّ المتنَ ليس مِن الله، ولا يُطابق كلامَ الله، وما أحاديثُ الإمامين البخاريِّ ومسلم -رحمهما الله- في هذا المَقام، إلَّا كأحاديث أخرى اعتَرفَ العلماء بأنَّها مَوضوعة، دون أن تكون لهم الجرأةُ الكافيةُ لقولِ الحقِّ» (١).
ولتَعجَبْ معي مَرَّةً أخرى -وما أكثرَ عجائب الرَّجل- مِن إقحامِ (نيازي) قُرَّائه في عالمٍ مِن الإثارة النَّفسيَّة الغَريبة، على نَمط كُتَّاب الرِّوايات البُوليسيَّة! فلقد هَمَس في آذانهم باكتشافِه سِرًّا محوريًّا خطيرًا عن سببِ إيرادِ البخاريِّ لتلك الأحاديث المَوضوعةِ كلِّها في كتابِه، مع ظهورِ بُطلانها للعالَم كلِّهِ! يقول:
«إنَّ للبخاريِّ رسالةً سِريَّةً، يحاول أن يُنبِّهنا إلى ما يحدُث في الدِّين .. » (٢)، إنَّه «لم يكُن مُوافقًا على كلِّ ما يُقال عن الرَّسول ﷺ مِن أحاديث غير صحيحةٍ، ولكنَّه مِن خشيةِ السَّيافِ، كان لا يجرؤُ على الإجهارِ بها عَلَنًا! فوَضَعَها في كتابِه «الصَّحيح»، حتَّى يلمَحَها كلُّ مُؤمنٍ غَيورٍ على دينه» (٣).
ولله في خلقِه شؤون!
ولأجل أن يكون كلام الرَّجل عَمليًّا، لا مُجرَّد عتابٍ عاطفيٍّ، اقتَرَح على العلماءِ مَشروعًا مِعياريًّا لإنقاذِ الأمَّة ممَّا أُلزق بدينِها مِن أكاذيبِ أسلافِهم، متسائلًا بصيغة الاستنكار: «لماذا لا يجتمع علماء المسلمين، ليدرسوا أحاديث البخاريِّ ومسلم مِن جديدٍ، ويَعرضوها على آياتِ الله في القرآن الكريم؟!» (٤).
стр. 254
لكنَّه سرعانَ ما تراجع عن هذا المُقترحَ مِن أساسِه، وقنَّط القارئ مِن جدوى جوابِه، ذلك أنَّ السُّنة النَّبويَّة -مهما حاولنا تنقيتها عنده- لا تعدو أن تكون «فهمَ الرَّسولِ الخاصِّ والمَحدود بإنسانيَّتِه بالزَّمانِ والمكانِ»؛ فكان الحلُّ المريحُ «أن نطيع أمرَ الرَّسولِ الدَّائم .. -وطاعة الرَّسول واجبةٌ على كلِّ المسلمين المؤمنين برسالتِه-: «مَن كَتَب عنِّي غير القرآن فليمحُه» (١)!
فأيُّ تناقضٍ هذا؟! بين إنكارِه قبلُ لمِا زادَ عن القرآن مِن الحديث، ثمَّ استدلالِه هو على كلامِه هذا بـ (حديثٍ) فيه الأمر بمحوِ (الحديثِ)! وليس هو في القرآن؟! مع عدم اعترافِه بالأحاديث مِن الأصل! وستأتي دراسة نماذج مِن مُعارضاتِه لأحاديث «الصَّحيحين» في مكانها المُناسب من الباب الثَّالث للبحث -إن شاء الله-.
стр. 255
المَطلب الخامس
ابن قرناس (١)
وكتابه «الحديث والقرآن»
يزعم (ابن قرناس) أن غرضه من تأليفِ هذا الكتابِ: البرهنة على كفايةِ القرآن في التَّديُّنِ، واستغناء المسلمِ به عن الأحاديثِ النَّبويَّة، تصديقًا بأنَّ النَّبي ﷺ لم يوحَى إليه غير القرآن، وأنَّ تلك المَروِيَّات المنسوبة إليه هي السَّببُ في تفرقةِ الأمَّة، وأنَّ الأمَّة لو اعتمدوا على القرآن وحده دون تأويل، لما تَفرَّقوا واختلفوا مِن بعد ما جاءهم البَيِّنات.
لقد أطنبَ القولَ في توكيدِ هذه الأصولِ البدعيَّة في مُقدِّمة كتابه، ومِمَّا مهَّد به لها قوله فيها: «هذا الكتابُ يقومُ على عرضِ نَزرٍ يسيرٍ مِن الأحاديث على كتابِ الله ، لإثباتِ أنَّ الحديث لا يُمكن أن يكون صَدَر مِن رسولِ الله ﷺ بصورتِه الَّتي في كُتبِ الحديث، ولا يُمكن أن يكون جُزءً مِن دين الله» (٢).
ولإثبات هذا الادِّعاء اختارَ (ابن قرناس) أكثرَ مِن (مائتي وخمسين) روايةً مِن «صحيح البخاريِّ» مظهرًا تعارضَها مع القرآن، مقارنًا لها بما في كتاب الرَّافضةِ «الكافي» حاوِيَةِ الأكاذيب! مُرتِّبًا إيَّاها حسب ترتيبِها في «الجامعِ
стр. 256
الصَّحيح»، مُبيِّنًا غَرَضَه من التَّركيزِ على كتابِ البخاريِّ دون سائرِ مُصنِّفاتِ الحديث في قولِه:
«يستحيلُ أن نناقش كلَّ الأحاديث المَنسوبة للرَّسول، فقد اكتفينا بمناقشةِ بعضِ أحاديثِ البخاريِّ، كمُمَثِّل للأحاديثِ السُّنِيَّة، إضافةً إلى عدد قليلٍ من الأحاديث الواردة في كتابِ «الكافي» لتمثيلِ أحاديثِ الشِّيعة» (١).
وقد بيَّن ابن قرناس طريقة تأليفِه للكتابِ في المقدِّمة نفسها، وأنَّه قسَّمه إلى خمسةِ أقسام، فقال:
«يتعرَّض القسم الأوَّل إلى الأحاديث بشكل عامٍّ، والَّتي تتناول كافَّة المواضيع.
أمَّا القسم الثَّاني: فيتعرَّض لما تقوله الأحاديث عن الحكَّام والسَّلاطين، لأنَّ التَّحول عن الدِّين القويم جاء بمباركتهم.
والقسم الثَّالث: يعطي فكرة عن رسول الله في كتب الحديث، وعن جرأتها على الله ﷻ في القسم الرَّابع.
أمَّا القسم الأخير: فقد عرضنا فيه عددًا من الأحاديث الواردة في كتاب (الكافي) للكُليني» (٢).
والمُؤلِّف مع هذه الفذلكة الفارغة مُفتقِرٌ إلى تحصيلِ أوَّلِيَّات علمِ الحديث، مُستمرئٌ أن يضعَ نفسه قاضيًا على عُلمائِه، جامحٌ في جَهالتِه بمَناهج المُصنِّفين في السُّنة، فكان مِن غُبنِ آراءِه تلك -مثلًا- أنْ أنكرَ عليهم إخراجَ أحاديثِ الصِّحابِ ﵃، دون تصريحِهم لفظًا برفعِها إلى النَّبي ﷺ !
يقول: «إن المُتمعِّن في كتابِ البخاريِّ لوحدِه، سيجد أنَّ قرابة ثُلثِ الكتابِ نصوصٌ لا تُنسب إلى الرَّسول، بل إلى مَن هم دونه، .. وكأنَّ مَن هم دون الرَّسول لهم نصيبٌ في دين الله» (٣)!
стр. 257
ومثَّل لذلك بحديث ابن عمر ﵁: ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، قال: «نَسَختها الآيةُ الَّتي بعدها» (١).
فقال: «هذا منسوبٌ لمِن هو دون الرَّسول، ولذلك كان يجبُ ألَّا يكون في كُتب الحديث» (٢)، وقد عَمِي عن أنَّ قولَ ابن عمرَ له حكمُ الرَّفع، لأنَّ مثله لا يُقال بالرَّأي، فضلًا عن الرِّواياتِ الأخرى في نفسِ البابِ، والَّتي تُصرِّح برفعِ هذا إلى النَّبي ﷺ .
ثمَّ أتبعَ (ابنُ قرناسٍ) هذا بعمايةٍ أخرى عن مصطلحات القومِ، وذلك أنَّه أساء الظَّنَّ بعدالة أهل الحديث لمُجرَّد أنَّ فيهم من وُصف بالتَّدليس، وهو يفهِم لفظَ (التَّدليس) على المعنى الدَّارج عند العامَّة، الَّذي هو بمعنى (التَّحيُّلِ في الكذبِ)، فاعتقدَه دليلًا يُطعَن به في عدالةِ حَمَلة السُّنَن، قائلًا: « .. وِمنهم مَن دَلَّس على الرَّسولِ، مع سبق الإصرار والتَّرصُّد»!
فأمَّا أوَّل حديثٍ استفَتَح به كتابَه، يُنبيك عن سقوط أمانته في النَّقد وأحقيَّته بمفهومه للتَّدليس القبيح:
ما رُوي عن أبي سعيد الخدري مَرفوعًا: « .. أخرجوا مَن كان فيه قلبه مِثقال حبَّةٍ من خردلٍ من إيمان .. ».
يقول ابن قرناس فيه: «إذا كان الحديث قال به الرَّسول، فمَن أخبَرَه بخَبرِ الجنَّة والنَّار، وهما مِن عالمِ القيامةِ الَّذي لم يُخلق بعد؟! ... وكلُّ ما سيحدثُ في يومِ القيامةِ هو مِن عالَم الغيب، الَّذي تَفَرَّد الله -سبحانه- بعلمِه لوحده: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً﴾ [الجن: ٢٦]» (٣).
كذا قال، واضعًا يَدَه على الآية بعدها -كاليهود- يستُرها ألَّا تفضحَ هواه، وتُسقط دعواه! وهي قوله تعالى بعدها: ﴿إِلَاّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ [الجن: ٢٧].
стр. 258
ويكفيكَ لتعلمَ مقدار عقلِ الرَّجل، ومَدى أهليَّته للنَّقد، أن تقرأ ما تعقَّب به قوَله ﷺ : «لا أحدَ أغْيَرُ من الله، ولذلك حَرَّم الفواحش»، حيث فَسرَّ تَعسُّفًا معنى الفاحشةِ بمُطلق الجِماع! أي: أنَّ الله تعالى يَغار مِن ممارسةِ عبدِه للجنسِ مُطلقًا!
نعم والله، هكذا فهِمَ الحديثَ! وزادَ أن استنكرَ على مَن يُصدِّق هذا الخبر بشدَّةٍ، وراحَ يُعدِّد للقارئ فوائد الشَّهوةِ الجنسيَّة تطمينًا لقلوبِهم! يقول: «هذا القول تجنٍّ فاحش على الذَّات الإلهيَّة، فالله هو مَن خَلق الخلق، وجَعَل فيهم غريزةَ الجنس لكي يَتَناسل البَشرَ ويبقون .. » (١).
وهكذا تكون بدائع الفوائد وإلَّا فلا!
و (ابن قرناسٍ) وإن كان يحاول جهدَه بيانَ العِلل الَّتي لأجلِها استنكرَ حديثًا ما، غير أنَّه يُبهِم ذكرَ ذلك كثيرًا، فتراه يستنكر الحديث دون إبداء سببٍ ظاهرٍ، وهذا النَّفيُ الجازم منه إمَّا أن يكون لخبرٍ غَيبيٍّ بَلَغه، أو أن يكون لمانعٍ عقليٍّ يقطع بعدم إمكانِ ذلك؛ وكلُّ ذلك لا وجود له.
كما الشَّأنُ -مثلًا- مع حديث ابن عباس ﵁: «إنَّ النَّبي ﷺ سَجَد بالنَّجم، وسَجَد معه المسلمون، والمشركون، والجنَّ، والإنس»، فقال ابن قرناس: «بطبيعةِ الحال هذا لم يحدُث، ولا يُمكن أن يكون حَدَث»، .. ثمَّ سَكَت! (٢)
وسيأتي رَدُّ بعضِ مُعارضاتِه لأحاديث «الصَّحيحين» مِمَّا نراه يستحقُّ شيئًا من النَّظر في مكانها المُناسب مِن الباب الثَّالث في هذا البحث -إن شاء الله-.
стр. 259
المَطلب السادس
سامر إِسلامْبُولي (١) وكتابه «تحرير العقل من النَّقل:
دراسة نقديَّة لمجموعة من أحاديث البخاريِّ ومسلم»
أغار (إسلامبولي) على «صحيح البخاريِّ» وصِنوه «مسلم» في عدَّةِ مؤلَّفاتٍ ومَقالاتٍ سَخَّرها للطَّعنِ في جملة وافرة من أحاديثهما (٢)، اتخذَّ فيها أحاديث الكِتابين ميدانًا لتجاربِه المخبريَّة، إذ أنَّهما في نظرِه «محلُّ تسليمٍ عند المسلمين، وهم يعدُّون كتابَيهما أصحَّ الكُتبِ بعد كتابِ الله تعالى، فإذا كان في البخاريِّ ومسلمٍ هذا الكَمُّ مِن الأحاديث المردودة متنًا، أو مشكِلةً في دلالتِها -وهي ليست للحصرِ- فما بالكم بغيرها مِن الكُتبِ، سواء عند السُّنة أم الشِّيعة؟!» (٣).
فسامرٌ إذن يَتَغيَّا بذلك إثباتَ صدقِ دعواه في أنَّ «مادَّة الحديث النَّبوي، مادَّة تاريخيَّة لا قداسةَ لها أبدًا، ومُنتفٍ عنها صفةُ الوحيِ الإلهيِّ التَّشريعيِّ» (٤).
стр. 260
والكِتاب -في الجملة- أوهى بناءً وأضعف منطقًا مِن محاولةِ مَن يطعنُ في أحاديث «الصَّحيحين» وهو مُؤمنٌ بالسُّنةِ في الجملة، ككتابِ (إسماعيل الكرديِّ)، دون أن يفهَمَ منهجَ المُحدِّثين في التَّصحيحِ والتَّضعيف، ولا كيفيَّة الخروجِ مِن التَّعارضِ الظَّاهري (١).
لقد مَهَّد المؤلِّف لهذا الكتاب بعدَّة مُقدِّمات مبعثرةٍ، عامَّتها إنشائيٌّ، مرتكز على استثارة العاطفةِ (٢)، لا يكاد يُحيل إلى أحدٍ مِن علماءِ الشَّريعةِ قديمِهم أو مُحدَثِهم، ولكن يحيل القارئ إلَّا إلى إصداراته الأخرى فقط.
فمِن تلك الأصولِ الَّتي أفاضَ القولَ فيها في مُقدِّماتِه تلك: تقريرُه سبقَ العقلِ لـ «النَّقل، فالنَّقل نِتاجٌ لتفاعلِ العقلِ مع الواقع، ممَّا يؤكِّد هيمنةَ العقل، وسيادته على النَّقل» (٣).
وقد توجَّه في الكتاب بالسُّخطِ على سَلَف الأمَّة جمعاء، وأسقطَ ما انفردوا به من جُهدٍ في حفظ تراث نبيِّهم عن سائر الأُمَمِ، فقال: «علمُ مصطلح الحديثِ كذبةٌ وخدعةٌ كبيرةٌ، فهو ليس علمًا أصلًا! سواء تعلَّق ذلك بالسَّند والمتن، فالنَّتيجة واحدة: الضَّياع للمسلمين! وعندما جعل المسلمون مادَّةَ الحديث النَّبوي وحيًا ومصدرًا تشريعيًا، أُصيبوا بالتَّخلُّف والانحطاطِ، وابتعدوا عن المنهجِ الرَّبانيِّ المتمثِّل بالقرآن» (٤).
стр. 261
وهكذا نهج سبيل البُهتِ إلى آخر مقدِّماته الَّتي استغرقت منه نصفَ الكتاب، والنَّصفُ الثَّاني حشاه بالطَّعنِ في خمسين حديثًا اختارَها مِن «الصَّحيحين».
فهل يُفهم من هذا كلِّه أنَّ (سامرًا) يُقرِّر كذب كلِّ الأحاديث النَّبويَّة؟!
يجيب قائلًا: «لم أقُل ذلك؛ وإنَّما قُلت: إنَّ الوضعَ والكذبَ على لسانِ النَّبي ﷺ قد فَشا بعد وفاتِه» (١).
نعم؛ هو -كما قال- لا يَعتدُّ بالحديثِ ولا يَرفعُ به رأسًا في احتجاجٍ ولا استئناسٍ من الأساس، غير أنَّه يَعتقد أنَّ للعقلِ وظيفةً تكمُن في القيام بـ «عمليَّة الفرزِ» في الحديث النَّبوي، وذلك «حسبَ الأدوات المعرفيَّة الجديدة، فيُحتفَظ بالصَّواب، ويُستبعَد الخطأ» (٢).
وما دور علمِ الإسنادِ والحديثِ إذن؟
يُجيب قائلًا: «ليسا أساسًا لمعرفةِ صِحةَّ الحديث، بل هو القرآن والعلم أوَّلًا ..
فمنذ متى صار معرفةُ النَّاس وأحوالهِم علمًا له مَعايير وقواعد؟! ..
إنَّ العلم هو مجموعةُ قواعد وقوانين يَتمُّ البرهنةُ عليها مِن الواقعِ والفلسفة، فتصير مِعيارًا وميزانًا .. فهل الإسناد هو عِلمٌ بهذا المفهوم؟!» (٣).
هكذا يَتسائل المؤلِّف تساؤل المُستنكرِ الفَهِيم.
لكن سرعانَ ما ناقض كلامَه بعد هذا التَّقرير بأسطرٍ مناقضةً فاحشةً، حث أراد أن يبيِّن للقارئِ المعيارَ الَّذي يُنسَب به الحديث إلى النَّبي ﷺ ، فقال: « .. إنْ وافق متنُ الحديث القرآن، وانسجَمَ معه بين يديه لا يتجاوزه، يَتمُّ النَّظر في سَندِه: فإن صَحَّ على غَلبةِ الظَّنِ، ننسبُه إلى النَّبي ﷺ ، وإن لم يَصحَّ سنده
стр. 262
ننسبه إلى الحكماء والعلماء .. » (١)!
كيف وقد نفيتَ قبلُ هذا النَّظر جملةً أن يكون عِلمًا بالمرَّة؟!
لأجل هذا الخبط كلِّه أقول:
إنَّ تنكُّبَّ (سامرٍ) لهذا المنهج الحديثيِّ القويمِ، واغترارَه بعقليَّتِه الفارغة، واحتقارَه لعامَّة المسلمين وخاصَّتهم مِن المُحدِّثين والفقهاء، أفضى به إلى نتيجةٍ طبيعيَّة، أعربَتْ عنها بعضُ قوارِع فتاويه الَّتي قَفَته بأمرٍ عظيم!
فهو من أباحَ للمرأةِ الزَّواج برجلٍ آخر للجماع إذا عجز زوجُها الأصليُّ عن ذلك، مع بقائها في عصمة الأوَّل!
وهو من أجاز تبعًا لذلك استئجارَ الرَّحِم للحمل (٢)!
وهو من أنكرَ الحجاب أن يكون من الإسلام (٣).
وقد أوجبَ على الحائض والنُّفساء الصِّيام! وأباحَ لهنَّ الزَّواج من أهل الكتاب! (٤) وغير ذلك مِن رَفَثِ شذوذاتِه الَّذي ابتلاه الله بها، جزاءَ طعنِه في السُّنةِ وحَملتِها مِن أولياء الله تعالى.
ومَن يُضلل الله فلا هاديَ له.
стр. 263
الفصل الثالث
التَّيار العَلمانيُّ ومَوقفه مِن «الصَّحيحين»
стр. 264
المَبحث الأوَّل
تعريف العَلمانيَّة
العَلمانيَّة: نسبةٌ غير قياسيَّةٍ إلى العَالَم، يُحيل اللَّفظَ بهذا الضَّبط في أصلِه «إلى الحياة الدُّنيا، وما ليست له قَداسة، مُقابل الشُّؤون الكَنسيَّة» (١)؛ وقيل: نسبة إلى العِلم، ولذا يضبطها بعضُهم بكسرِ العَين «العِلمانيَّة» (٢)، ومُقتضاها: «أنَّ الجدير بالمُجتمعات الإسلاميَّة أن تستبدل بارتباطها الدِّيني الارتباطَ العِلميَّ» (٣).
والصَّواب الضَّبط الأوَّل لهذا المصطلح بفتحِ العين (٤)، ومنهم مَن يختار مَدَّها (العَالمانيَّة) (٥)، حفاظًا على نسبتها القياسيَّة إلى العالَم أو العصر؛ بدلالة لفظِها في اللُّغاتِ الأجنبيَّة، فإنَّ كلمةَ الباحثين قد أجمعت على أنَّ ترجمةَ هذا المصطلح مِن مَصادره الإنجليزية هو: (secularism)، مُشتق مِن أصلِه (saeculum)، والَّتي تعني: القرنَ الزَّمني (٦)، وهو نفسُه في الفرنسية، أو يقولون (laique)، فيكون
стр. 265
مُرتبطًا عندهم بالأمور الزَّمَانيَّة، أي: بما يحدث في هذا العالَم وعلى هذه الأرض، في مُقابل الأمور الروحانيَّة المُتعلِّقة بالغيبيَّات وما وراء الطَّبيعة.
ولعلَّ من ترجمَها بنِسبتِها إلى (العِلم)، فنَطَقها بكسر العَين أوَّل مرَّة، قد انطوى صدرُه على تضليلِ المُتلقِّي للكلمة، عن طريقِ تهذيبها وتعديلها لِما حقُّه أن يُترجم بـ «اللَّادينيَّة» أو «الدُّنيويَّة» (١)، بينما هي في لُغاتِها الأصليَّة لا صِلة لها بالعِلم (٢).
ومع تعدُّدِ آراءِ العُلماءِ في أصلِ العلمانيَّة وضبطِها، يكادُ يكون مَدلول العلمانيَّة المُتَّفق عليه: عزلُ الدِّين عن الدَّولة وحياة المُجتمع، وإبقاءه حَبيسًا في ضمير الفرد، لا يتجاوز العلاقة الخاصَّة بينه وبين ربِّه، فإن سُمح له بالتَّعبير عن نفسِه، ففي الشَّعائر التَّعبُّديَّة والمراسم المُتعلِّقة بالزَّواج والوفاة ونحوها» (٣)؛ وبعبارة أدقّ وأشمل: هي فصل الوَحي أو المُقدَّس المُتَجاوَز كليًّا أو جزئيًّا عن مفهوم الحقيقة والمنفعة الإنسانيَّتين (٤).
стр. 266
المَبحث الثَّاني
نشأة العَلمانيَّة، ومُسوِّغات ظهورها عند الغَرب
ظهرت العَلمانيَّة في أوربا الغربيَّة في القرن السَّابع عشر، في مجتمعاتٍ تَدين في مُجملها بالنَّصرانيَّة، بدينٍ يَفتقد لمُقوِّمات إدارة الحياة مِن حيث التَّشريعاتِ في المُعاملات كما في الإسلام.
فكانت المُصيبة الَّتي أوقعَ فيها رجال الكنيسةِ أهل تلك المُجتمعات، أنْ حكَّموا عليهم ما لا يَصلُح أن يُحكَم به من دينهم المُحرَّف، حتَّى أقاموا به نظامًا «ثِيُوقراطيًّا» (١)، يدَّعي فيه باباواتِ الكاثوليكِ أنَّهم يَسُوسونَ رَعاياهم باسم الله وأمرِه (٢).
فجثموا بذلك على صدور النَّاس قرونًا مديدة، ناصروا فيها الخُرافةَ المُعادية للعقول، وحارَبت العَلماءَ بدعوى الهرطقة، وصادَروا أفكارَهم، وأكلوا أموالَ المُغفَّلين بباطلِ صكوكِ الغُفران، وسانَدوا المُلوكَ والإقطاعيِّين في سلبِ أرزاقِ النَّاس، حتَّى سادَ ظلامُ الجهلِ ونيران الظُّلمِ أصقاع أورُبا (٣).
стр. 267
إلى أن تيَقَّظ بعض الغُفل من الأوربيِّين إلى ضرورةِ التَّخلُّص مِن هذا الاستبدادِ السُّلطَويِّ باسم الدِّين، بعد أن فقدوا الثِّقة في الكنائسِ أن تكون مصدرًا للمعرفة؛ فظَهَرت بينهم في القرنين الخامس عشرِ والسَّادس عشر مَقالاتٌ فسلفيَّةٌ، باعثةٌ لسلطانِ العقلِ على حسابِ النَّقل، ووُضِعَت المَعايير تلوَ الأخرى في تنظيمِ أمور الدَّولة، وانبهرَ النَّاس بنتائج العلوم التَّجريبيَّة والفَلَكيَّة وتطوُّرِها (١).
حتَّى إذا ضاقَت الشُّعوب ذرعًا بطُغيانِ ملوكِها ورجالِ الدِّين، صارَت المُعارَضات تشتدُّ تباعًا، إلى أن قامت ثورة الفِرنسيِّين بفلَّاحيهِم ومِهنيِّيهم علي السُّلطتين السِّياسية والدِّينيَّة سنة (١٧٨٩ م)؛ بل والقساوسةُ الصِّغار أيضًا! قاموا كلُّهم في جبهةٍ واحدةٍ يُقاتلون أرباب السُّلطة؛ فارتُكِبت في سبيل ذلك مجازِر فظيعة، وانسلخَ النَّاس من دينِ الكنيسةِ أفواجًا (٢).
لقد تمخَّضت عن هذه الثَّورة نتائج بالغةِ الخطورة، حيث وُلِدت لأوَّل مرَّةٍ في تاريخ أوربا النَّصرانيَّةِ جمهوريَّةٌ عَلمانيَّة، تقوم فلسفتُها على الحكم باسم الشَّعب وحدَه، لا باسم الله، وعلى إبعاد الدِّين عن شؤونِ الحياة، وعلى الحُريَّاتِ الفرديَّة بدلًا مِن التَّقيُّدِ بالأخلاقِ الدِّينيَّة، وعلى دستورٍ وَضعيٍّ عقليٍّ، بدلًا مِن قوانين الكنيسةِ، إلى أن تَفشَّى هذا الوَضع السِّياسيُّ الفكريُّ تدريجيًّا في كاملِ أوربا (٣).
стр. 268
المَبحث الثَّالث
تَمَدُّد العَلمانيَّة إلى العالَم الإسلاميِّ وأسبابُه
لقد كان للغَزوِ العسكريِّ الفرنسيِّ والبريطانيِّ للبلدانِ الإسلاميَّةِ الأثرُ البليغ في نقلِ تعاليم العَلمانيَّة الأوربية إلى أروِقةِ حُكمِها، ثمَّ الانتقالِ إلى دعوةِ شعوبِها إلى اعتِناقِها فِكريًّا واجتماعيًّا، عبر بعثاتِ الاستشراقِ ووَسائلِ الإعلامِ الحديثةِ المُتحكَّم فيها آنذاك.
وكان مِن دَهاء جَلَّادِ فرنسا العَسكريِّ «نابوليون بونابارت»، أنَّه مع شحن سُفنه المُتَّجِهة إلى مصرَ بالمَدافع، جَعَل بجنبِها حَيِّزًا للمَطابِع! فجلب معه من بلادِ الإفرنجِ إليها فكرةَ الحضارةِ الغربيَّة مَقروءةً في كلِّ بيتٍ.
ونظرًا لقوَّة أوربا العسكريَّة والاقتصاديَّة، زَحَفت العَلمانيَّة بقوَّةٍ، وانتشرت بين أبناء الإسلامِ سراعًا بين أروقة الحكم ونوادي النُّخَب المُثقَّفة؛ بذا اعتَرَف بعضُ مُفكِّري العَلمانيَّة العَربيَّةِ (١): أنَّ العَلمانيَّة لم تقبلها الأُمَّة في جملتها يومًا بديلًا عن شريعةِ رَبِّها، بل لم تَدخل بلادَهم إلَّا عُنوةً بالحديدِ والنَّار، لا بالفكرِ
стр. 269
والإقناع؛ فلذا شيَّدوا لها المَدارس، وأقاموا عليها أساتذةً مُستَشرقين يُعلِّمون النَّشءَ أنماطًا جديدةً مِن التَّفكير دخيلة، ويبثُّون في عقولهم أفكارًا مَغلوطةً عن الإسلام، ويُزيِّنون في أنظارِهم أساليبَهم المُستحدثةَ للحياة (١).
ومع أنَّنا مَعاشر المُسلمين، تكاد تَنعدِم عندنا الأسبابُ الباعثةُ لأهلِ أوربا للثَّورة على الدِّين، واستحداثِ العَلمانيَّة بديلًا له؛ فإنَّ دينَهم يَفتقرُ إلى التَّشريعات الشَّاملة، ولا يَرسُم مَعالم للحكمِ، بينما دينُنا دين عقيدةٍ وشريعةٍ، نَظَّم حقوق النَّاس مِن الفَرد إلى الدَّولة.
كما أنَّ رجالَ دينِهم كانوا أعداء العلوم الكونيَّة والفِكر المُتعقِّل، بينما دينُنا رَحَّب بذلك كلِّه، بل جهابذةُ العلومِ لم يَبرُزوا إلَّا تحت ظِلِّه؛ ولم يَدَّعي منهم أحَدٌ أنَّه يحكم باسم الله، ولا أنَّه مَعصومٌ من الله، إلَّا ما كان مِن بعضِ الدُّوَلِ البَّاطنيَّة المنحرفة في فارس والشَّام ومصر، سُرعانَ ما أجهزَ عليها المُسلمون ونَكَّلوا بزَنادِقتها.
فلقد كان الأصلُ -بالنَّظر إلى هذه الاعتبارات المُنشئة لفكرة العلمنة- أن تبقى بلادُ الإسلام مَنيعةً عن قَبولِ ضَلالِها واحتضان دُعاتها؛ لكنَّ انبهارَ النُّخَب السِّياسيَّة والفكريَّة منهم بسطوةِ الحضارةِ الغربيَّة، حتَّى أنَّهم رَبطوا سَفَهًا «بين النَّهضة العَربيَّة، وبين النَّهضة الأوربيَّة في كلِّ شيءٍ! فرَبطوا مُستقبلَهم بأوربا على هذا النَّحو، وانجرفوا في سبيل «النَّهضة العربيَّة» نحوَ التَّصوُّراتِ العَلمانيَّة الغربيَّةِ للمُجتمع، على المُستوَيين الفِكريِّ والسِّياسي» (٢).
هذا؛ مع ما كانَ عليه جملة المُسلمين مِن ضَعفٍ نَفسيٍّ إزاءَ هذه الغلبة، وقابِليَّةٍ منهم لاتِّباعِها، وتخويفِهم من إثارةِ النَّزعات الطَّائفيَّة والعِرقيَّة، سبيلًا لإقناعِهم بضرورةِ الادِّثارِ بثوبِ العَلمانيَّةِ، فإنَّها بزعمهم على مَقاس الكُلِّ مسلمًا
стр. 270
أو غير مسلم، ليخلصوا إلى كونِ «العَلمانيَّة هي الحماية الحقيقيَّة لحريَّة الدِّين والعقيدة والفكر وحريَّة الإبداع، وهي الحماية الحقَّة للمجتمع المَدنيِّ، ولا قيام له بدونها» (١).
ناهيك عمَّا كان عليه عامَّة المُسلمين مِن جهلٍ مُدقعٍ بحقيقةِ الدِّينِ، وانكبابٍ على التَّصديق بالخُرافات، وتلمُّسِ البَركاتِ على أعتابِ المَشيخاتِ، وتطوافٍ بالقبورِ والمَزارات، وانحسارِ دور كثيرٍ من العُلماء عن واجب المُدافعةِ لذلك والنُّزول في ميادين الإصلاحِ، وهم يرون الغُزاة يتسلَّلون إلى قصورِ السَّلاطين، ويشترون ذِمَم العساكر! ويوظِّفون عُمَلاء لتفعيلِ خُطَطِ التَّغريب، ويبعثون أحزابًا مُوكَلةً بترسيخِ الهَيمنةِ الغَربيَّةِ في شتَّى مُؤسَّساتِها.
فكلُّ هذا ساهَم بقسطِه في ترسيخ الأفكارِ العَلمانيَّة بقرائح كثيرٍ مِن المُثقَّفين المُنتسبين للإسلام، ورسمِها منهجًا للحياةِ في دساتير الحُكمِ، ومناهج التَّعليم.
وجَديرٌ بالذِّكر، أنَّ الاتِّجاه العَلمانيَّ الخالصَ في البلادِ العربيَّةِ، بَدأ مِن أساسِه اتَّجاهًا فكريًّا نَصرانيًّا أرثوذوكسيًّا، حيث كانت أغلبُ الدَّعواتِ إلى تحريرِ المرأة مِن قيودِ الدِّين، وبَثِّ النَّعراتِ القوميَّةِ العربيَّة دون الإسلاميَّةِ، والنُّزوعِ إلى مفهومِ الدَّولةِ القُطريَّةِ الضَّيِقة دون اسم السَّلطنة العُثمانيَّة: هو دَيدَن مُفكِّرين وأُدباء نصارى الشَّامِ على وجهِ الخصوص، وقد أصدروا لنَشرِ ذلك في مجتمعاتهم عِدَّة صُحفٍ ومَجلَّات (٢).
فالعَلمانيَّة إذن في أصلِها خيارٌ غير إسلاميٍّ، ابتدرها نَفرٌ غيرِ مسلمين، زكَّاه لديهم العداءُ المستكِنُّ للإسلام، والإعجابُ المفرط بما بلَغَه أعداءهم الكاثوليك مِن سَطوة، إلى درجةِ الانبهارِ والتَّقليد لحضارتهم الأوربيَّة.
стр. 271
أمَّا المُتأثِّرون بالحضارةِ الغربيَّة مِن أبناء المدارِس الشَّرعيَّة، فكان مَبدأ تأثيرها مِن مِصر، حيث ظلَّت هذه النَّزعة التَّوفيقيَّة بين أصول الشَّريعة والقوانين الغربيَّة سائدة في فئة مِن الشَّرعيِّين، كـ (علي يوسف البَلصفوي) (١)، و (جمال الدِّين الأفغانيِّ)، وبصورة أوضحَ عند (عليِّ عبد الرَّازق) (٢) في كتابِه «الإسلام وأصول الحكم» المَنشورِ بُعيْدَ سقوطِ الخلافةِ العُثمانيَّة، حيث مهَّدَ لقَبولِ العَلمانيَّة في أنظمة الحكمِ الإسلاميَّة.
وبغضِّ النَّظر عن المُؤلِّف الحَقيقيِّ لهذا الكتابِ الأخير (٣)، أو صحَّة تَراجُعِه عنه أُخرَياتِ حياتِه من عدمه (٤)، فقد استمرَّ بعد إخراجه للنَّاس عشرين سنةً يُحاضِر طلبةَ الدُّكتوراه بجامعة القاهرة، وتخرَّج على أفكارِ الكتابِ فِئامٌ مِن أصحابِ القَرار وأربابِ الكِتابة.
стр. 272
المَبحث الرَّابع
مُستوَيَات العَلمانيَّة
تَتفَاوت دركاتُ «العَلمانيَّة» عند مُعتنِقيها في عالمِنا العَربيِّ بالنَّظر إلى مَدى قُربها مِن الدِّين وتعاطيها مع نصوصِه، أو بُعدِها عن ذلك جملةً، فأسوَءهم طريقةً: مَن يعزلُ الدِّين كلَّه عن مَناحي الحياةِ، وهذه المُسمَّاة بـ «العلمانيَّة الشَّاملة»، بوصفِها رؤيةً شاملةً للكونِ، ذاتَ بُعدٍ مَعرفيٍّ كُليٍّ نهائيٍّ، لا تقِف عند حَدِّ «فصلِ الدِّينِ عن الدَّولةِ»، بل تَتجاوز ذلك لتشملَ فصلَ كلِّ القِيَم الدِّينيَّة والأخلاقيَّة المُتجاوزة لقوانينِ الحَركةِ والحواسِّ في العالَم، بحيث يَغدو العالَم مادَّةً لا قداسة له، مُعلنةً بذلك عداوتَها لكلِّ ما هو غَيبيٌّ؛ مُمَثَّلًا هذا بالتَّيارِ المادِّي الإلحاديِّ، المُجسَّدِ في الماركسيَّة فِكرًا، وفي الشُّيوعيَّةِ تطبيقًا (١).
وأرباب هذه الدَّرَكةِ مِن العَلمانيَّة هم أقلُّ في عالَمِنا العَربيِّ مِن أنصارِ الدَّركة الأخرى: «العَلمانيَّة الجزئيَّةِ»، فهذه أشيَعُ في العالم الغربيِّ في الأنِظمةِ السِّياسيَّة في شمالِ إفريقيا، وأكثرِ دولِ آسيا (٢)، بوصفِها إجراءً جُزئيًّا، لا تتعامل مع الدِّين بأبعادِه الكُليَّة المَعرفيَّة، بل تَتَّجه رؤيتُها صوبَ فصلِ الدِّين عن عالمِ
стр. 273
السِّياسة، وربَّما الاقتصاد، وهي في هذا غير مُنكرةٍ وجودَ مُطْلَقاتٍ أخلاقيَّةٍ ودينيَّةٍ مُقدَّسةٍ (١).
وجرَّاء هذا الوصفِ الثَّاني، كان رُوَّاد العلمانيَّة العَربُ أكثرَ تَناولًا لنصوصِ الوحيِ بالنَّقدِ مِن العلمانيِّين الشُّموليِّين، فإنَّ عَداوة الأوَّلينَ للدِّين كلِّه ظاهرة، لا يقبل منهم العامَّة صرفًا ولا عدلًا؛ بخلاف هؤلاء، فإنَّهم كثيرًا ما يَتزيَّونَ بلبوسِ الغَيورِ على الدِّين! فأمكنَ لهم أن يتَقَمَّصوا طَواعِيةً أو تحريضًا دَوْرَ الإمبرياليِّ في نَثرِ مُخلَّفاتِ الأفكارِ الغَرْبيَّةِ المُستحدثةِ على الأصقاعِ الإسلاميَّةِ، والسَّعيِ في تنفيذِ أجِنداتِه، لاستِبْعادِ المَرجِعيَّة الإسلاميَّة عنِ أن تكون حاكمةً، وإلَّا فلتَكُن على ما يُوافِق نَظرتَهم للحياةِ وتنميط المجتمعات.
وقد كان مِن الطَّبيعيِّ أن يتُوق روَّادُ الثَّقافةِ وأصحاب الفِكر عندنا إلى اللُّحوقِ بركبِ الغربِ في طفراتِه العِلميِّة، ومُنجزاتِه العِمرانيَّة؛ فهذا حقُّهم، وهذه وظيفتُهم؛ لكن المستهجَن -حَقًّا- أن يُسعَى إلى هذا التَّحديثِ والإصلاحِ على حسابِ المُقوِّماتِ العَقائديَّة والتَّشريعيَّةِ لهذه الأمَّةِ؛ حتَّى باتَ راسخًا في أذهانِ كثيرٍ مِن مُنظِّريهم، أنَّ مَشروعَ التَّقدُّم الحضاريِّ المَنشود، مَبدؤه مِن تجديدِ النَّظرِ في النُّصوصِ الشَّرعيَّة برُمَّتِها، ونزعِ قداستِها السُّلطويَّة مِن قلوبِ المسلمين، بغيةَ التَّحرُّرِ مِن قيودِها الحائلةِ دون مُواكبةِ أطوارِ الزَّمان ومُتطلَّبات الحداثة.
وهذا فكرٌ ينبو عن جهلٍ مُرَكِّب مِن صاحبه: جهلٍ بركيزةِ الإسلامِ ودورِه في إقامةِ الحضارة البشريَّةِ المُثلى؛ وجهلٍ بالتَّاريخِ، وكيف كان العَرب أذلَّ الأُمَم، حتَّى أعَزَّهم الله بهذا الدِّين، وجهلٍ بوَخيمِ ما ينتظرُ أحدَهم يومَ الحِساب.
وليس يسلَم من الوَخزِ مَن دخلَ جُحورَ الضِّباب!
стр. 274
المَبحث الخامس
الطَّريقة الإجماليَّة للعَلمانيِّة لنقضِ التُّراث الإسلاميِّ وغايتُها مِن ذلك
لقد علِم المُبشِّرون بالعَلمانيَّة في البلاد الإسلاميَّة، بأنَّ الحائل لهم دون تَبنِّي العامَّة لها، هو الإسلام نفسُه بنصوصِه وأصولِه، فلإن سَهُل على الغَربيِّين تجاوز دينِهم، وإحلالُ عقولِهم مكانَه، إذ كان في أصلِه خَواءً، هزيلَ المُقاومة؛ فإنَّ إخوانَهم مِن الشَّرقيِّين قد عانَوا مِن تجاوزِ الإسلامِ، وخارَت قُواهم دون تطوِيعِه.
وهم مع ذلك في محاولةٍ دائبةٍ لتحقيقِ هذا الأسلوبِ المُتجاوِزِ للتُّراثِ الشَّرعيِّ سيرًا في طُرقٍ مُلتويةٍ، بزعزعةِ ثِقةِ المُسلمين في قداسةِ نصوصِ الوَحيِ تارةً، ونفيِ نسبةِ بعضِها إلى قولِ الرَّسولِ تارةً.
فإن هم لم يُمكنهم ذلك كلَّه فَرَّغوا تلك النُّصوص مِن مُرَاداتِ الشَّارعِ، بفسحِ الفضاءِ واسِعًا لأيِّ قراءةٍ مُحدَثة، تُواكِب دَعواتِ العَوْلَمةِ، أو تَصطلِحُ مع النَّزَعاتِ المَاديَّةِ الشَّهوانيَّةِ.
هذا النَّقد العَلمانيُّ الفجُّ، لا بُدَّ أن يكون مُستجلِبًا لعَداوةِ جماهير الغَيورين على دينِهم، المُتشبِّثين بسُنَّة نبيِّهم، المُستقذرين لمثلِ هذه المواقفِ السَّلبيَّة مِن تراثِ علمائهم، لذا نرى كثيرًا مِن كُتَّابِهم مِمَّن أخذ على عاتِقه مُهمَّة تحريف فِطَرِ النَّاس، حريصًا على إخفاءِ مَرجِعيَّتِه في خطاباتِه لهم وكتاباتِه، غير مُستعجلٍ في
стр. 275
شحنِ العامَّةِ بقناعاتِه هو جملةً، ولكن يمشي في سبيل تحقيقِ غايتِه بسياسة التَّقطير! يُسرِّب أفكارَه قطرةً تلوَ القطرة على مَهل.
أمَّا مَن كان من هؤلاء حديدَ الأخلاقِ، ثوريَّ الطَّبع، فإنَّك تراه منتهجًا حربَ العصابات! يضربُ بشُبهةٍ هنا، ليختفيَ بعدها مُدَّة؛ ثمَّ يقذف بشُبهة هناك، ثمَّ يُظهِر لك بعدها وجه المُسالم ..
وهكذا القوم! ليسوا يُريدون إلَّا إنهاكَ أفكارِنا، لنستسلِم لهم بأخِرَةِ.
فاسمع لـ (حسن حنفيِّ)، كيف يبوح بهذا السِّرِ في مُحاربةِ تُراثِ المُسلمين، في مثل قوله:
«نصر أبو زيد بمثابة (اسْبينُوزا)! قال أشياء كُنت أتمنَّى أن أقولها، ولكن ربَّما استخدامي لآليات التَّخفِّي، حالَ بين فهم ما أردتُ أن أقول؛ نحن مجموعةٌ مِن الأفراد، لو اصطادونا، لتَمَّ تصفيَتُنا واحدً واحدًا.
ولذلك أرى أنَّ أفضلَ وسيلةٍ للمُواجهة، هي استخدامُ أسلوبِ حربِ العِصابات! اِضْرِبْ واجْرِ! اِزرعْ قنابلَ موقوتةً في أماكن مُتعدِّدة، تنفجرُ وقتما تنفجر، ليس المُهمُّ هو الوقت، المُهمُّ أن تُغيِّر الواقع والفكرَ» (١).
وبهذا وضعوا خُطَّة التَّبشير بمَذهبِهم: أن يُشِغلوا النَّاس بأفكارِهم، ولا ينشغِلوا هم بأفكارِهم؛ فلَعمري لقد نهجوا هذا المسلك الخبيث باحترافيَّة!
فكان أَوْلى -في نظري- بالمُتشرِّعينَ بَدَل أنْ يَتَقمَّصوا وظيفةَ رجالِ الإطفاء كلَّ مرَّة، فيَقفزوا مِن حريقٍ فكريٍّ إلى آخر ليُخمِدوه، أن يهتمُّوا بإشغالِ النَّاس بأفكارِهم النَّيِرة بنورِ الوحيِ أوَّلًا، فيتوَّجهوا إلى التَّأسيسِ والبناءِ الفكريِّ لعمومِ النَّاس أوْلَوِيَّةً ضروريَّةً، بدلَ الانكباب على نقضِ صروح الآخرين والرَّد علي أفكارهم، مع التَّقصير في بناء صروحنا صروح الحقِّ!
стр. 276
لقد كان هذا التَّيار في بدايات نشوءِه مُعلِنًا عن مفاصلتِه للشَّريعة الإسلاميَّة وما يَمُتُّ بها مِن تراثٍ يناقض روح العصر بزعمه؛ ثمَّ بعد تجارب له مَريرة، توصَّلَ بعض رُوَّادِه بأنَّ سلوك هذه المُحادَّاة المباشرة طريقة خاطئة أن تُطبَّق في بلاد المسلمين.
يشرح هذا التَّحول النَّقديَّ وأولويَّته (عابد الجابريُّ) في قوله: «إنَّ التَّجديدَ لا يُمكن أن يَتِمَّ إلَّا مِن داخلِ تُراثِنا، باستدعائِه واسترجاعِه استرجاعًا مُعاصرًا لنا؛ وفي الوقتِ ذاتِه، بالحفاظِ له على مُعاصَرتِه لنفسِه ولتارِيخيَّته، حتَّى نَتمَكَّن مِن تجاوزِه مع الاحتفاظِ به، وهذا هو التَّجاوز العلميُّ الجَدليُّ!» (١).
وعلى هذا صار هذا الاتِّجاه السَّائد في الدِّراساتِ المُصادِمةِ للنَّصِ الشَّرعيِّ يعتمِدُ على ذات النَّصِ للتَّخلُّصِ مِنه، فإنَّ مذهب الرَّفضِ للنُّصوصِ الشَّرعيَّة جملةً وإعلان المُعاداة لأحكام ظواهرها قد ضَعُف حضورُه كثيرًا في الآونةِ الأخيرة، مراعاةً للرَّفضِ الشَّعبيِّ العامِّ لمثلِ هذه الطَّرائق؛ فلهذا ابتُلينا بكثير مِن المُنحرفِين والمُعادين للسُّنةِ يُقدِّم نفسَه على أنَّه مُجدِّدٌ للتُّراث! وقارئٌ للنَّصِ بما يُوافِق الواقع! مغربلٌ له على ضوءِ المناهج الجديدة، ليُقرِّر معنى فاسدًا يصبو إلى تقريرِه (٢).
ومن ثمَّ تَركَّزت حربهم على أصولِ الاستدلال؛ على مُنازعةِ السَّلَفِ الصَّالح في تديُّنهم، مُعارضين لأصلِ أن يكونَ فهمُ هؤلاء هو المِعيارَ الحاكِمَ في تفسيرِ القرآنِ وما اشتهوا قبوله من السُّنة؛ هذا ما يفني الحَداثيون المنتسبون للإسلام أعمارَهم لرفضِه، فإنَّهم في أنفسِهم أفهم مِن العلماء المتقدِّمين جميعًا بمُرادات القرآن، لمِا يرونه من معرفتهم بالمُستجدَّات المُعاصرة (٣)! وغاية الحُمق والسَّفه أن
стр. 277
يأتي أحد إلى دينٍ كدين الإسلام عمادُه النَّقل، فيزعم أنَّه أعلمُ بأحكامه وشرائعه ومقاصده من النَّقَلَة أنفسِهم!
ثمَّ اشتدَّ عراك الحداثيِّين لعلماء الإسلام على أن يكون نصُّ القرآنِ مَفتوحًا لأكثرِ مِن قراءةٍ، بحسبِ فهمِ القارئِ ومُستَجَدَّاتِ حياتِه! يزعمون بهذا الانفتاح شموليَّةَ القرآن وعالَمِيَّته (١)؛ وإلى هذا غايةُ العَلمانيِّ في معركتِه الطَّويلةِ مع الأصوليِّين.
فلكَمْ تَباكوا على لفظِ «الحكمةِ» في آياتِ القرآن أنْ فسَّرها الشَّافعيِّ بـ «السُّنة»، حتَّى اتَّهموه بالسَّعيِ إلى «تفقيرِ دَلالةِ الحِكمة، وإغلاقِ بابِ الاجتهادِ، إزاءَ نصٍّ كان في الأساسِ مُنفَتِحًا على مُختلفِ القراءاتِ» (٢)؛ وأنْ ليس اعتبارُه للسُّنةِ مَصدرًا للتَّشريعِ، إلَّا إحدى «شَطَحاتِ الشَّافعيِّ ومُحدَثاتِه»! (٣) فإنَّ «تأسيسَ مَنزلةِ السُّنةِ لم يَبدأ إلَاّ معه، حيث عَمِل على حسمِ الصِّراع الفكريِّ والدِّيني، ورَكَّز الأصولَ الفقهيَّة في أربعةٍ، هي: الكتاب، والسُّنة، والإجماع، والقياس، فخَوَّل له هذا التَّرتيبُ تَثبيتَ مَشروعيَّة السُّنةِ»! (٤)
وكلُّنا يعلَم أنَّ الشَّافعي لم يبتدع هذا الأصلَ مِن بناتِ أفكارِه، بل هو إجماع، جَرى عليه عملُ المُسلمين مِن عهد النَّبي ﷺ إلى زَمنِه فما بعده؛ لم يَزِد هو على أن دَوَّنه وأصَلَّ له بأدلَّة الشَّرع والعقل، بطلب من عبد الرَّحمن بن مهدي (ت ١٩٨ هـ) -كما في مشهور قصَّة تأليف «الرِّسالة» -، وأقرَّه على ذلك علماء الأمَّة أجمعون، وأكبَروه فيه.
стр. 278
المَبحث السَّادس
انصراف العَلمانيَّة إلى استهداف السُّنَن
لقد اعترفَ بعض رموز العَلمانيِّين بأنَّ رُكامَ مَقالاتِهم ومَواقفهم في إنكارِ السُّنةِ قد عَصَفت به ريحُ الحقيقةِ، فكان هباءً منثورًا، لم يُكتب له النَّجاح والقَبول في الأوساطِ الشَّعبيَّة؛ ترى هذا المعنى جليًّا في مثل قولِ حمَّادي ذويب: «كان جليًّا أنَّ موقف إنكارِ السُّنة لم تكُن له حظوظٌ في الانتشار والقَبول» (١).
ويُعبِّر أيضًا عنه نصر أبو زيد «بالمَواقف الَّتي أُهيل عليها تُراب النِّسيان» (٢).
ومع اعترافهم بفشل هذا الموقف العقيم من السُّنة، فإنَّهم على غير إياسٍ من دورِ المُجمِّع لهذا الهباءِ المَنثورِ، ذرًّا له مرَّة أخرى في عيونِ ضِعافِ البصيرة، فرَكزُّوا «على مُحاولةِ كشفِ المواقفِ المَسكوتِ عنها، الَّتي وَقَع إقصاؤها، لأنَّها مَواقف أقليَّات! لم تكُن لها الوسائل لنشرِ أفكارِها، مثلما تَوفَّر للفريق المُنتصر» (٣)؛ ويأبى الله إلَاّ أن يُتِمَّ نورَه.
والَّذي حصَّلته مِن حالِ العَلمانيِّين بعد تَتبُّعٍ نِسْبيٍّ لكلامهم في الشَّرعيَّات: أنَّ أكثرَهم في شِبْهِ عافيةٍ حالَ سَوقِ اعتراضاتِهم في مختلفِ العلوم الشَّرعيَّة أو التَّاريخية أو اللُّغويَّة؛ حتَّى إذا ما أقدموا على مَسِّ سِياجِ «الحديثِ وعلومِه»،
стр. 279
أخذَتهم صاعقةٌ مثل صاعقةِ عادٍ وثَمود! فافتُضِحوا على رؤوسِ الأشهادِ، وبانَ جهلُهم لكلِّ العِبادِ.
ومع ما في نهجِ هؤلاءِ مِن بلايا وخوارمِ للفِطرة السَّوية، ومع ما يقع فيه رموزُهم مِن رزايا عَقديِّة، وجناياتٍ في حقِّ السُّنة النَّبويَّة، إلَّا أنَّا نحن بدورِنا نعترفُ في المقابل بأنَّ هذا لم يكُن حائلًا مِن شحنِ العالمِ الإسلاميِّ خلال العقودِ الفارطةِ، بالمضامين العَلمانيَّة شحنًا كبيرًا، وصَل سُعارها أروقةَ وزاراتِ الأوقافِ نفسِها في كثيرٍ مِن البلدان الإسلاميَّة.
كيف لا! وقد حُبِكت مؤامراتهم على وسائلِ الإعلامِ حبْكًا ساحرًا، وشُحِنت بها مَناهج التَّعليم شحنًا ظاهرًا، لتُعلِن رعايتَها لولدانِ المسلمين، بدءً من رِياضِ الحَضانات، إلى أن يشبُّوا على مُدرَّجات الجامعات.
فانظر -مثلًا- إلى حالِ «الزَّيتونةِ» -رَدَّها الله إلى سالِف عِزِّها-؛ كيف أفسدَ فيها كتابٌ سَوَّدَه حَداثيُّ المَنزعِ غَربيُّ الهَوى عقولَ الطَّلبة الشَّرعيِّين؟! قُرِّر عليهم في مَساقِ السُّنةِ باسمِ «السُّنة النَّبويَّة، إشكاليَّة التَّدوين والتَّشريع» لمؤلِّفه (محمَّد حمزة)؛ يحملُ في طَيَّاتِه مُنافرةً شديدةً للهويَّةِ السُّنيَّة للمُجتمِع التُّونسيِّ نفسِه، يُدَرَّس لِمن الفَرضُ فيهم أن يحملوا لواءَ السُّنةَ في إحدى أعرقِ الجامعات السُّنية (١).
هذا مثال واحدٌ من أمثلةٍ كثيرةٍ على هذا التَّغلغل العَلمانيِّ الفكريِّ، تُغني شُهرتُها في باقي بلاد العربِ عن سَرْدِها.
ثمَّ نأتي بعدها لنذرف الدُّموع على تَفلُّتِ شبابِنا مِن التَّديُّن إلى الإلحادِ؟! ومِن عَبقِ الأخلاق، إلى أنتانِ التَّفسُّخ والإباحيَّة، ومِن وَسطيَّة التَّسَنُّنِ الَّذي ارتضاه الله للأُمَّة منهجًا طيلةَ قرونٍ، إلى انحرافاتِ الغُلوِّ بجميعِ صُوَرِه!
стр. 280
فأيُّ واجبٍ اليوم أعظمُ مِن تخليصِ الأجواءِ الإسلاميَّة مِن تلك المَوادِّ الضارَّة، والأفكارِ المعاديَّة لأيِّ سلطةٍ مُقدَّسةٍ إسلاميَّة مُتعالية؟! وأيُّ شَرفٍ أنبلُ مِن أن نَتترَّس دون دواوينِ السُّنة، قطعًا لطريق مَن يبتغي تحريفَ الشَّريعةِ؟ .. والله غالبٌ على أمرِه.
أعود فأقول:
لقد تَركَّزت هَجمةُ العَلمانيِّين وأدعياءِ الحَداثةِ في النَّيلِ مِن الأحاديث النَّبويَّة، بعد أن أعياهُم الوصول إلى القرآنِ في تَواترِ حِفظِه وقَداسةِ نصوصِه، فحَذوا حذوَ المُستشرقينَ في التَّشكيكِ بمِصداقيَّة السُّنَة، وفاقوهم صَلَفًا برَميِها بأوابِدِ السَّاسَة، فهي لا تعدو -مِن مَنظور قراءتِهم التَّفكيكيَّةِ- أن تكونَ «مجموعاتٍ نصيَّةٍ مُغلقةٍ، خاضعةٍ لعمليَّةِ الانتقاءِ، والاختيارِ، والحذفِ التَّعسُّفيةِ، الَّتي فُرِضت في ظِلِّ الأمَويِّين، وأوائل العَبَّاسيِّين، أثناء تشكيلِ المَجموعات النَّصيَّةِ» (١).
ولإن كان تحطيم القِلاع النَّصِيَّةِ الجامدة، وإزاحة المُقدَّسِ مِن حياةِ العامَّة، غايةَ ما يصبو العلمانيُّ الحَداثيُّ إلى بلوغِه، فقد توسَّلوا إلى ذلك -كما قدَّمنا شرحه- بتقليد أساليبِ العلماء في الخطاب، وصَنعوا مِن بعض نصوصهم «حِصانَ طَرْوادة» مُتشَرْعِنًا يستتِرون بداخلِه!
حتَّى إذا اغترَّ بظاهر كلامهم غُفْلُ العَوام، وأدخلوهم به حِصنَ الإسلام: خَرَجت منه جَحافِل المَغولِ الجُدد تُجهِز على ما في الدِّين مِن أصولِ! وتُحَطِّم جُدرانها الفاصلة لحِماها؛ فكان «كُلَّما رَأَى أحدُهم جدارًا ينهارُ في قلاعِ هذا الزَّمَن، يَتَقدَّم نحوَ أنقاضِه، يَتناول حَفنةً منها يَروزها، ثمَّ يَفرُكها بأصابِعه، ثم يَقذِفُ بها في الهواء، ويَقِفُ صامتًا، يَستمتعُ برؤيتِها وهي تَتَناثر وتَتَلاشى .. » (٢).
فلمَّا تَفطَّنَ لهم حُرَّاس الحديثِ، فحاصَروهم بالحُجَّة وأوعَدوهم، ليُثبتوهم أو يُخرجوهم: كَشفَ هذا العَدوُّ تَغيُّضًا عن مُخدَّراتِ نفسِه، وباحَ كُرْهًا عن
стр. 281
أغراضِ هجماته، ما أبلغ أحدَ رُوَّادِهم أن يَصرُخ حَنقًا مِن الحركةِ السُّنِّية المعاصرةِ يُعيِّرَها بـ «اعتمادِها شبهِ المُطلقِ على (قال الله)، و (قال الرَّسول)! .. واستشهادِها بالحُجَجِ النَّقليَّة، دون إعمالٍ للحسِّ والعقل، وكأنَّ الخبرَ حُجَّة! وكأنَّ النَّقلَ برهان!» (١).
ولسنا نزعمُ أنَّ أربابَ هذا التَّيارِ العَلمانيِّ المُستغرِب على وِفاقٍ كلَّهم في تصنيفٍ السُّنة؛ إذ فيهم المُشكِّكَ في أصلِ وجودِها رأسًا، ومنهم مَن يطعنُ في عصمة النَّبي ﷺ (٢)، أو يَنفي وحيَ سُنَّتِه (٣)، أو يطعنُ في رُواتِها جملةً (٤).
وفيهم مَن يَقبل المتواترَ منها دون الآحاد على مَضَضٍ، وتَجِد فيهم مَن يقبلُ هذه شرطَ أن تُوافق عقلَه وذوْقَه، وإلَّا فالسُّنَة عنده غير صالحةٍ أصلًا للتَّطبيقِ في زمنِه (٥)، ويكاد يكون الأصل الَّذي يتَّفق عليه جميع العَلمانيُّون، وتفصيلُه في الآتي:
стр. 282
المَبحث السَّابع
مركزيَّة «التَّاريخيَّةِ» في مشروعِ العَلمانيِّين لإقصاءِ السُّنةِ النَّبويةِ
يعتبر الفكر العَلمانيُّ الحَداثيُّ العَربيُّ بأنَّ «التَّاريخيَّة» (١) هي جوهر الإصلاح الثَّوريِّ الَّذي ينبغي استحداثه في الفكر الإسلاميِّ، فإنَّه لا يُمكن نقلُه إلى الانفتاحِ إلَّا من خلالِها، كما أنَّه لا سبيل إلى تمريرِ القراءة الحَداثيَّة للتُّراث الدِّيني كما وَقَع في الغربِ إلَّا عبر التَّأكيد على نِسبيَّتِه (٢).
ولأجل تحقيق هذه الغاية، نَراهم يَجهدون لإثباتِ هذا الأصلِ في قراءة النَّص الشَّرعيِّ، وإقناعِ الجماهير بـ «إيجابيَّةِ التَّغيِيرِ، وسِلبيَّة الثباتِ» مُطلقًا، وهي مِن أكبرِ الفَرَضِيَّات الَّتي بَنى عليها الحَداثيُّون أُطروحاتِهم بشأنِ تاريخيَّةِ النَّص الشَّرعيِّ؛ مع أنَّنا نعلمُ بداهةً أنْ لا تلازم بين الإيجابيَّة والتَّغيير، ولا بين السَّلبية والثَّبات! بل الأمرُ كثيرًا ما يصدُق على خلافِ ذلك؛ وهم بهذا المنطق يُهدرون
стр. 283
هذه المُسلَّمات لأجلِ خلقِ اجتهادٍ مَفتوحٌ، ينبني على فكرةِ أنَّ إنتاجَ المعنى مَسئوليَّةُ الإنسانِ وحده (١).
وهم في هذا التَّصوُّرِ لتشريعاتِ الدِّين مَسبوقون بفلاسفةِ التَّنويرِ الغَربيِّ الوَضعيِّ (٢)، حين اعتبروا كتابَهم المُقدَّس بعَهْدَيْه مُجرَّدَ رموزٍ، وأنَّ التَّديُّن إنَّما يُمثِّل مَرحلةً تاريخيَّةً في عُمرِ التَّطوُّرِ الإنسانيِّ، تُعدُّ فيه مرحلةَ الطُّفولةِ العقليَّة، فهو إيمانٌ مَثَّل حِقبةً تاريخيَّةً، فهذه الأديان والشَّرائع لم تَعُد صالحًة لعصرِ النَّهضة التَّقنيَّة اليوم بزعمِهم (٣).
وقد صرَّح (نصر أبو زيد) بابتناءه كلامه في نصوص التُّراث الإسلاميِّ على أفكار الفيلسوف الأمريكيِّ (إيريك هيرش) (٤) في تفريقه بين المعنى الثَّابت والمغزى المتغيِّر من النُّصوص اللُّغويَّة (٥)، وعليها عدَّ (أبو زيد) نصوص الشَّرع تاريخًا مضى لا يصلح بالضَّرورة لواقعنا المعاصر، لكونها مُنتجًا ثقافيًّا تخضع للمعايير الاجتماعيَّة والثَّقافية السَّائدة في زمن المُفسِّر لها، فليس لها أيُّ مضمون ثابت (٦).
стр. 284
فبهذا المبدأ من تاريخيَّة النَّص، شَمَّر الحداثيُّون عن أيادي الجدِّ لنزعِ لَبوسِ التَّشريعِ عن السُّنةِ، بانتزاعِ مَعانيها المُطلَقة، ذلك أنَّ الواقعَ المُتطوِّر إذا جاوَز عندهم العملَ بحرفيَّاتِ نصوصِ الشَّريعة، لجأ النَّاس حينها لا محالة إلى مُخرجاتِ عقولِهم مِن قوانين وضعيَّة.
وهم لتحقيقِ هذا الهدف يسلكون مَسالِك شتَّى لإسقاطِ اعتبارِ هذه السُّنة المُبارَكة، مُجملُ ذلك عائدٌ -كما قُلنا- إلى دعواهم أنَّها مُجرَّدُ عاداتٍ وتقاليدَ قديمة، لا تلزمُ عصرَنا في شيءٍ (١)، وأنَّ التزامَها كان «السَّببَ في تحنيطِ الإسلامِ، وتَخلُّفِ أهلِه» (٢)! لأنَّها إنَّما ناسَبَت مَرحلةً وبيئةً مُعَيَّنتين لا تُوافقان ما نحن فيه، فالاكتفاءُ بمَقاصِدها كان إذن أوْلى (٣).
فبهذه الحُجَّة المُسمَّاةِ بـ «التَّاريخيَّة أو التَّاريخانيَّة» تَوسَّل كثيرٌ مِن العَلمانيِّين لتحنيطِ السُّنة النَّبوية، وحَبسِها داخلَ حدودِ الجزيرةِ العربيَّة زمَنَ الإسلامِ الأوَّل، كونُها مجرَّد تفاعلٍ تاريخيٍّ يُلائم ظروفَ العَرب ومَن حولهَم آنذاك، فأحاديثُها «لا تَصف وقائعَ، بقدرِ ما هي مُجرَّد قراءةٍ لا أكثر، قراءةٍ في العالَم، أو كتابةٍ للحياةِ، بوَصفِها خِبرةً، أو تجربةً، أو مُعايشةً» (٤).
وهذا ما يُنتِج عند (علي مبروك) (٥) «أنَّ لكلِّ عَصرٍ الحقُّ في أن تكون له قراءتُه، بل وصياغتُه لمُجملِ التَّصوُّراتِ العَقائديَّة» (٦)، فيكونَ لكلِّ عَصرٍ فهمه الخاصُّ للنُّصوص، ولكلِّ عَصرٍ شريعتُه!
стр. 285
يَضربُ لنا (محمَّد شحرور) -مثلًا- على هذه الأحكامِ السُّنِّية التَّاريخيَّة البائدة: بـ «مَنعِ التَّصوير، والنَّحتِ، والرَّسمِ، والمُوسيقى، والغناءِ، ولبسِ الذَّهبِ، واستلامِ المرأة لمناصبَ في الدَّولةِ»، ويُعلِّل هذا: «بأنَّ منعَ النَّبي ﷺ للرَّسم، والنَّحت، والتَّصوير، -إن صحَّ- كان مَفهومًا في حينِه، حيث إنَّ العَرَب كانوا حَدِيثي عهدٍ بالوَثنيَّة، فمنعُ ذلك كخطوةٍ وِقائيَّةٍ مُؤقَّتةٍ، حيث أنَّ هذا المنعَ لم يَرِد في الكتابِ نِهائيًّا» (١).
والعَلمانيُّون إذْ يُقرِّرون هذا الأصلِ في مَرحليَّةِ السُّنة، لم يُعدَموا قواعدَ مِن التُّراثِ الإسلاميِّ الفقهيِّ يستنِدون عليه في ذلك؛ فمِن ذلك:
أنَّهم يحتجُّون بقولِ بعض الفقهاء: أنَّ «العِبرَة بخصوصِ السَّببِ، لا بعموم اللَّفظ» (٢)، وأنَّه «لا يُنكر تغيُّر الأحكام بتغيُّرِ الزَّمانِ والمكان» (٣)!
ونقضُ مُجملِ هذا المسلكِ التَّاريخانيِّ، يَتبيَّن مِن وجوه:
أوَّلًا: أنَّ مِن مَنائِر الحقِّ في التَّصور الإسلاميِّ: توارث الحقيقةِ الشِّرعيَّةِ الواحدةِ عبر مختلفِ الأجيالِ، فليست تتَلوَّن بتَلوُّنِ الأجيال، وإنَّما كلِّ جيلٍ يصطبغُ بها اصطباغًا، ولهذا كانت قيمة الثَّبات عبر الأزمانِ قيمةً ثمينةً في الإسلام، يطلبُها، ويضَعُ لها ما يَصونها، فهي أصلٌ في اتِّساقِ عناصِرِ نِظامه، ومُطابقة معناه لمَبناه مهما عصَفَت بتصوُّراتِ النَّاس مُدلهمَّات الأفكار.
ولذا جاء في الحديثِ الشَّريفِ: «سيكون في آخرِ أمَّتِي أناسٌ يحدِّثونَكم ما لم تسمعوا أنتم، ولا آباؤكم، فإيَّاكم وإيَّاهم!» (٤)؛ يقول ابن رجَبٍ: «إشارةٌ إلى أنَّ ما استَقرَّت مَعرِفتُه عند المؤمنين، مع تقادُمِ العهدِ وتطاول الزَّمان، فهو الحقّ، وأنَّ ما أُحدِث بعد ذلك مِمَّا يُستنكَر، فلا خيرَ فيه» (٥).