← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 224

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

أغراضِ هجماته، ما أبلغ أحدَ رُوَّادِهم أن يَصرُخ حَنقًا مِن الحركةِ السُّنِّية المعاصرةِ يُعيِّرَها بـ «اعتمادِها شبهِ المُطلقِ على (قال الله)، و (قال الرَّسول)! .. واستشهادِها بالحُجَجِ النَّقليَّة، دون إعمالٍ للحسِّ والعقل، وكأنَّ الخبرَ حُجَّة! وكأنَّ النَّقلَ برهان!» (١). ولسنا نزعمُ أنَّ أربابَ هذا التَّيارِ العَلمانيِّ المُستغرِب على وِفاقٍ كلَّهم في تصنيفٍ السُّنة؛ إذ فيهم المُشكِّكَ في أصلِ وجودِها رأسًا، ومنهم مَن يطعنُ في عصمة النَّبي ﷺ (٢)، أو يَنفي وحيَ سُنَّتِه (٣)، أو يطعنُ في رُواتِها جملةً (٤). وفيهم مَن يَقبل المتواترَ منها دون الآحاد على مَضَضٍ، وتَجِد فيهم مَن يقبلُ هذه شرطَ أن تُوافق عقلَه وذوْقَه، وإلَّا فالسُّنَة عنده غير صالحةٍ أصلًا للتَّطبيقِ في زمنِه (٥)، ويكاد يكون الأصل الَّذي يتَّفق عليه جميع العَلمانيُّون، وتفصيلُه في الآتي:

стр. 282

المَبحث السَّابع مركزيَّة «التَّاريخيَّةِ» في مشروعِ العَلمانيِّين لإقصاءِ السُّنةِ النَّبويةِ يعتبر الفكر العَلمانيُّ الحَداثيُّ العَربيُّ بأنَّ «التَّاريخيَّة» (١) هي جوهر الإصلاح الثَّوريِّ الَّذي ينبغي استحداثه في الفكر الإسلاميِّ، فإنَّه لا يُمكن نقلُه إلى الانفتاحِ إلَّا من خلالِها، كما أنَّه لا سبيل إلى تمريرِ القراءة الحَداثيَّة للتُّراث الدِّيني كما وَقَع في الغربِ إلَّا عبر التَّأكيد على نِسبيَّتِه (٢). ولأجل تحقيق هذه الغاية، نَراهم يَجهدون لإثباتِ هذا الأصلِ في قراءة النَّص الشَّرعيِّ، وإقناعِ الجماهير بـ «إيجابيَّةِ التَّغيِيرِ، وسِلبيَّة الثباتِ» مُطلقًا، وهي مِن أكبرِ الفَرَضِيَّات الَّتي بَنى عليها الحَداثيُّون أُطروحاتِهم بشأنِ تاريخيَّةِ النَّص الشَّرعيِّ؛ مع أنَّنا نعلمُ بداهةً أنْ لا تلازم بين الإيجابيَّة والتَّغيير، ولا بين السَّلبية والثَّبات! بل الأمرُ كثيرًا ما يصدُق على خلافِ ذلك؛ وهم بهذا المنطق يُهدرون

стр. 283

هذه المُسلَّمات لأجلِ خلقِ اجتهادٍ مَفتوحٌ، ينبني على فكرةِ أنَّ إنتاجَ المعنى مَسئوليَّةُ الإنسانِ وحده (١). وهم في هذا التَّصوُّرِ لتشريعاتِ الدِّين مَسبوقون بفلاسفةِ التَّنويرِ الغَربيِّ الوَضعيِّ (٢)، حين اعتبروا كتابَهم المُقدَّس بعَهْدَيْه مُجرَّدَ رموزٍ، وأنَّ التَّديُّن إنَّما يُمثِّل مَرحلةً تاريخيَّةً في عُمرِ التَّطوُّرِ الإنسانيِّ، تُعدُّ فيه مرحلةَ الطُّفولةِ العقليَّة، فهو إيمانٌ مَثَّل حِقبةً تاريخيَّةً، فهذه الأديان والشَّرائع لم تَعُد صالحًة لعصرِ النَّهضة التَّقنيَّة اليوم بزعمِهم (٣). وقد صرَّح (نصر أبو زيد) بابتناءه كلامه في نصوص التُّراث الإسلاميِّ على أفكار الفيلسوف الأمريكيِّ (إيريك هيرش) (٤) في تفريقه بين المعنى الثَّابت والمغزى المتغيِّر من النُّصوص اللُّغويَّة (٥)، وعليها عدَّ (أبو زيد) نصوص الشَّرع تاريخًا مضى لا يصلح بالضَّرورة لواقعنا المعاصر، لكونها مُنتجًا ثقافيًّا تخضع للمعايير الاجتماعيَّة والثَّقافية السَّائدة في زمن المُفسِّر لها، فليس لها أيُّ مضمون ثابت (٦).

стр. 284

فبهذا المبدأ من تاريخيَّة النَّص، شَمَّر الحداثيُّون عن أيادي الجدِّ لنزعِ لَبوسِ التَّشريعِ عن السُّنةِ، بانتزاعِ مَعانيها المُطلَقة، ذلك أنَّ الواقعَ المُتطوِّر إذا جاوَز عندهم العملَ بحرفيَّاتِ نصوصِ الشَّريعة، لجأ النَّاس حينها لا محالة إلى مُخرجاتِ عقولِهم مِن قوانين وضعيَّة. وهم لتحقيقِ هذا الهدف يسلكون مَسالِك شتَّى لإسقاطِ اعتبارِ هذه السُّنة المُبارَكة، مُجملُ ذلك عائدٌ -كما قُلنا- إلى دعواهم أنَّها مُجرَّدُ عاداتٍ وتقاليدَ قديمة، لا تلزمُ عصرَنا في شيءٍ (١)، وأنَّ التزامَها كان «السَّببَ في تحنيطِ الإسلامِ، وتَخلُّفِ أهلِه» (٢)! لأنَّها إنَّما ناسَبَت مَرحلةً وبيئةً مُعَيَّنتين لا تُوافقان ما نحن فيه، فالاكتفاءُ بمَقاصِدها كان إذن أوْلى (٣). فبهذه الحُجَّة المُسمَّاةِ بـ «التَّاريخيَّة أو التَّاريخانيَّة» تَوسَّل كثيرٌ مِن العَلمانيِّين لتحنيطِ السُّنة النَّبوية، وحَبسِها داخلَ حدودِ الجزيرةِ العربيَّة زمَنَ الإسلامِ الأوَّل، كونُها مجرَّد تفاعلٍ تاريخيٍّ يُلائم ظروفَ العَرب ومَن حولهَم آنذاك، فأحاديثُها «لا تَصف وقائعَ، بقدرِ ما هي مُجرَّد قراءةٍ لا أكثر، قراءةٍ في العالَم، أو كتابةٍ للحياةِ، بوَصفِها خِبرةً، أو تجربةً، أو مُعايشةً» (٤). وهذا ما يُنتِج عند (علي مبروك) (٥) «أنَّ لكلِّ عَصرٍ الحقُّ في أن تكون له قراءتُه، بل وصياغتُه لمُجملِ التَّصوُّراتِ العَقائديَّة» (٦)، فيكونَ لكلِّ عَصرٍ فهمه الخاصُّ للنُّصوص، ولكلِّ عَصرٍ شريعتُه!

стр. 285

يَضربُ لنا (محمَّد شحرور) -مثلًا- على هذه الأحكامِ السُّنِّية التَّاريخيَّة البائدة: بـ «مَنعِ التَّصوير، والنَّحتِ، والرَّسمِ، والمُوسيقى، والغناءِ، ولبسِ الذَّهبِ، واستلامِ المرأة لمناصبَ في الدَّولةِ»، ويُعلِّل هذا: «بأنَّ منعَ النَّبي ﷺ للرَّسم، والنَّحت، والتَّصوير، -إن صحَّ- كان مَفهومًا في حينِه، حيث إنَّ العَرَب كانوا حَدِيثي عهدٍ بالوَثنيَّة، فمنعُ ذلك كخطوةٍ وِقائيَّةٍ مُؤقَّتةٍ، حيث أنَّ هذا المنعَ لم يَرِد في الكتابِ نِهائيًّا» (١). والعَلمانيُّون إذْ يُقرِّرون هذا الأصلِ في مَرحليَّةِ السُّنة، لم يُعدَموا قواعدَ مِن التُّراثِ الإسلاميِّ الفقهيِّ يستنِدون عليه في ذلك؛ فمِن ذلك: أنَّهم يحتجُّون بقولِ بعض الفقهاء: أنَّ «العِبرَة بخصوصِ السَّببِ، لا بعموم اللَّفظ» (٢)، وأنَّه «لا يُنكر تغيُّر الأحكام بتغيُّرِ الزَّمانِ والمكان» (٣)! ونقضُ مُجملِ هذا المسلكِ التَّاريخانيِّ، يَتبيَّن مِن وجوه: أوَّلًا: أنَّ مِن مَنائِر الحقِّ في التَّصور الإسلاميِّ: توارث الحقيقةِ الشِّرعيَّةِ الواحدةِ عبر مختلفِ الأجيالِ، فليست تتَلوَّن بتَلوُّنِ الأجيال، وإنَّما كلِّ جيلٍ يصطبغُ بها اصطباغًا، ولهذا كانت قيمة الثَّبات عبر الأزمانِ قيمةً ثمينةً في الإسلام، يطلبُها، ويضَعُ لها ما يَصونها، فهي أصلٌ في اتِّساقِ عناصِرِ نِظامه، ومُطابقة معناه لمَبناه مهما عصَفَت بتصوُّراتِ النَّاس مُدلهمَّات الأفكار. ولذا جاء في الحديثِ الشَّريفِ: «سيكون في آخرِ أمَّتِي أناسٌ يحدِّثونَكم ما لم تسمعوا أنتم، ولا آباؤكم، فإيَّاكم وإيَّاهم!» (٤)؛ يقول ابن رجَبٍ: «إشارةٌ إلى أنَّ ما استَقرَّت مَعرِفتُه عند المؤمنين، مع تقادُمِ العهدِ وتطاول الزَّمان، فهو الحقّ، وأنَّ ما أُحدِث بعد ذلك مِمَّا يُستنكَر، فلا خيرَ فيه» (٥).

стр. 286

فهذا الأصل القائل بـ «تاريخيَّة» نصوصِ السُّنة والقرآن، والإتيان بمعانٍ شرعيَّة جديدةٍ لا يعرفها المُسلمون، مُناقضٌ لأصلِ الشَّريعةِ في الثَّبات، ومقصِد تنزيلِ الوحيِ على العباِد، ومُعارضٌ لمِا هو مَقطوع به عند المُسلمين مِن خَتمِ الرِّسالةِ، وإتمامِ الدِّين بمُستلزماتِ التَّشريعِ إلى قيامِ السَّاعة؛ فخطاب الله للمؤمنين بطاعةِ رسوله ﷺ واتِّباعِه في سُنَّتِه أمرٌ مُطلقٌ، لم يُحَدَّ بزمانٍ ولا مكانٍ. وربُّنا ﵎ يقول مُخاطبًا أتباعَ نبيِّه جميعَهم مِمَّن رآه ولم يَرَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩]. وفي تقرير هذا الأصل، يقول أبو المَعالي الجُوينيُّ (ت ٤٧٨ هـ): «لو كانت قَضايا الشَّرعِ تختلفُ باختلافِ النَّاسِ، وتناسخِ العصور: لانحَلَّ رباطُ الشَّرع، ورجَعَ الأمرُ إلى ما هو المَحذور مِن اختصاصِ كلِّ عصرٍ ودهرٍ برأيٍ، وهذا يُناقض حكمةَ الشَّريعة في حملِ الخلقِ على الدَّعوة الواحدة» (١). ثانيًا: على خلافِ ما أرادَ العَلمانيُّون الاستنادَ إليه مِن قواعد أصوليَّة، فإنَّ المُتَّفق عليه بين جَماهيرِ الأصوليِّين (٢) أنَّ العِبرة بعموم اللَّفظ، لا بخصوصِ السَّبب، إلَّا أن تقوم الدَّلالةُ على قَصْرِ النَّصِ على السَّببِ. دليلُ ذلك في ما قرَّره الآمديُّ: «أنَّه لو عَرِي اللَّفظُ الواردُ عن السَّببِ كان عامًّا، وليس ذلك إلَاّ لاقتضائِه للعمومِ بلفظِه، لا لعدمِ السَّبب، فإنَّ عدم السَّببِ لا مَدخل له في الدَّلالاتِ اللَّفظيَّة؛ ودلالةُ العموم لفظيَّة، وإذا كانت دلالته على العموم مُستفادةٌ مِن لفظِه، فاللَّفظُ واردٌ مع وجودِ السَّببِ، حسبَ ورودِه مع عدمِ السَّبب، فكان مُقتضيًا

стр. 287

للعموم، ووجود السَّببِ -لو كان- لكان مانعًا مِن اقتضائِه للعموم، وهو ممتنع لثلاثة أوجه: الوجه الأوَّل: أنَّ الأصلَ عدمُ المانِعيَّة، فمُدَّعيها يحتاجُ إلى البيان. الوجه الثَّاني: أنَّه لو كان مانِعًا مِن الاقتضاءِ للعمومِ، لكان تصريحُ الشَّارع بوجوبِ العملِ بعمومِه مع وجودِ السَّبَب، إمَّا إثباتَ حُكمِ العمومِ مع انتفاءِ العموم، أو إبطالَ الدَّليل المُخصِّص، وهو خلافُ الأصل. الوجه الثَّالث: أنَّ أكثرَ العموماتِ ورَدَت على أسبابٍ خاصَّة، فآيةُ السَّرقة نزلت في سَرقة المِجنِّ (١)، أو رداء صفوان (٢)، وآية الظِّهار (٣) نزلت في حقِّ سَلمة بن صخر (٤)، وآية اللِّعان نزلت في حقِّ هلال بن أميَّة (٥) ... إلى غير ذلك. والصَّحابة عَمَّموا أحكامَ هذه الآيات مِن غير نَكيرٍ، فدَلَّ على أن السَّبَب غير مُسقطٍ للعموم، ولو كان مُسقطًا للعمومٍ، لكان إجماعُ الأمَّةِ على التعَّميمِ خلافَ الدَّليل، ولم يَقُل أحَدٌ بذلك» (٦). فهذا الحقُّ في المسألة أصوليًّا. وعلى فرضِ التَّسليم بأنَّ «العِبرة بخصوصِ السَّبب، لا بعمومِ اللَّفظ»: فإنَّ ذلك لا يختلف مع ما أبنَّاه مِن رُجحانِ خلافِها عند التَّحقيق، إلَّا في شيءٍ واحدٍ، وهو: أنَّ الدَّلالة فيما يُماثل الواقعةَ الَّتي وَرَد بسببِها حكمُ النَّصِ،

стр. 288

ليست مِن ذلك اللَّفظ العامِّ نفسِه مِن حيث الدَّلالة فيه على حكمِه، بل مقصورةٌ على الواقعةِ الَّتي وردَ بسببها النَّص فقط، والدَّلالة فيما يُماثل هذه الواقعة، إنَّما هي بطريقِ القياسِ على تلك الواقعة. في حين أنَّ جمهورَ الفقهاء -على القولِ الأوَّل الصَّوابِ- يقولون: إنَّ دلالةَ اللَّفظِ على ما يُماثل الواقعةَ الَّتي هي صورة السَّبب، كدلالتِها تمامًا على الواقعة الأولى، أي أنَّها كلُّها أفرادٌ تندرج تحت عمومِ ذاك اللَّفظ. هذا هوالخلاف بين القولين الأصوليَّين فقط؛ فأمَّا أن يُقال كما يقول العَلمانيُّون: إنَّ الأحكامَ الشَّرعيَّةَ ذاتَها مقصورةٌ على صورةِ أسبابِها، بحيث لا تتَعدَّاها إلى ما يَستجِدُّ مِن الوقائع المُشابهة: فشيءٌ خارجٌ عن أقوالِ علماء الأمَّة بالكليَّة (١). ثالثًا: احتجاجُ العلمانيَّة بقولِ بعضِ الفقهاء: «لا يُنكر تغيُّر الأحكام بتغيُّر الزَّمان والمكان»، ليس على مَوردِ ما لأجلِه ساقَه الفقهاء، إنَّما يقصد مَن أطلقَ هذه العبارةَ بالأحكام: ما تعلَّق منها بالمصلحةِ والعُرف فقط (٢)؛ أمَّا الحُكم الشَّرعيُّ ذاته، والَّذي جاء به النَّص: فلا يَتَغيَّر بتغيُّرِ الأزمنةِ والأمكنةِ، إذْ لا يُمكن أن يكون على صورةٍ مُعيَّنة مُخالفًا لحكمِ صورةٍ مُطابقةٍ لها في مناطِ الحكم، وإنَّما الاختلافُ يكون في الصُّورة الحادثةِ (٣). بيانُ ذلك: أنَّ الحكمَ الشَّرعيَّ حتَّى يَثبُت، لا بُدَّ له مِن تَحقُّق مجموعِ مناطات لذلك الحكم: مِن أسبابٍ وعِلَلٍ، وتحقُّقِ شروطٍ، وانتفاءِ عوارض وموانع، فهذه المُعطيات تُشكِّل في مجموعِها صورةَ المسألة؛ فإذا حَصَل تشابهٌ بين صُورَتين واختلَف الحُكم بينهما: فمرجِعُه إذن إلى اختلافِ مُؤثِّرٍ بين الصُّورتين في إحدى تلك المُعطياتِ السَّابقة.

стр. 289

مثالُ ذلك: لحمُ الخنزيرِ مُحرَّمٌ أكلُه بالنَّصِ، وهذا حُكمٌ خالٍ مِن أيِّ عَوارض، لكنَّه في بعض الحالاتِ قد يكون جائزًا، بل واجبًا، كما في حالةِ المُضطَرِّ المُشرفِ على الهلاكِ بالجوع مَثلًا. فهذا حين نُجيز له أكلَ لحمِ الخنزير، فليس ذلك تَغيُّرا في الحُكم بمَفهومِ الشَّارعِ، لأنَّها صورةٌ مختلفةٌ عن الصُّورة الأصل. فعليه نُنبِّه المُغالِطينَ بمثل هذه القواعد الفقهيَّة فنقول: إنَّ الزَّمانَ والمكانَ مِن حيث هما ظرفان لتلك الحوادث، لا تأثيرَ لهما في تَغيِيرِ الأحكام، وقولُ العَلمانيَّة بأنَّها تتغيَّر بتَغيُّر الأزمانِ لا يصحُّ منهم إلَّا بعد الإتيانِ بمثالٍ تتطابق فيه صورتانِ مِن الأوجه السَّابقةِ جميعًا، ومع ذلك بقِيَ الحكم فيهما مُتغايرًا؛ وأنَّى لهم بهذا المثال! فلذا كان الصَّحيح من حيث الشَّرع والعقل أن يُقال: إنَّ تغيُّر الأحكامِ متعلِّقٌ بتحقُّقِ المناطِ الَّذي عُلِّق به الحكم من عدِمه، فإذا تحقَّق في صورةٍ ما: لزِم أن تأخذ تلك الصُّورة نفسَ الحكم، وإذا انعدم في صورةٍ ما: لم يأخذ نفسَ الحكم. وهذا عَينُ ما سَلَكه عمرُ ﵁ عند منعِه لسَهمِ المُؤلَّفة في الزَّكاة، فإنَّ مناطَ التَّأليفِ انتفَى في زَمنِه، وكذا إيقافِه ﵁ لحَدِّ السَّرقةِ عامَ المَجاعةِ، و «هو مَحْضُ القِياس، ومُقتضى قواعد الشَّرع؛ فإنَّ السُّنة إذا كانت سَنة مجاعةٍ وشدَّة، غَلَبَ على النَّاسِ الحاجةُ والضَّرورة، فلا يَكاد يَسْلَمُ السَّارق مِن ضرورةٍ تدعوه إلى ما يَسدُّ به رَمَقَه، ويجبُ على صاحبِ المالِ بَذْلَ ذلك له، إما بالثَّمنِ، وإمَّا مجَّانًا، على الخلافِ في ذلك» (١)؛ مع ما تَقرَّر في شرعنا من أنَّ الحدود مَدروءةٌ بالشُّبهاتِ. فسَقَط استدلالُهم الأصوليُّ هذا بالتَّمام، ولله الحمد.

стр. 290

المَبحث الثَّامن موقف العَلمانيِّين العَرب مِن «الصَّحِيحين» وأثرُ ذلك على السَّاحة الفكريَّة لم يَكن مَوقفُ هؤلاءِ العَلمانيِّين مِن أصحِّ دِيوانَين للحديثِ بمعزلٍ عن موقفِهم السِّلبيِّ مِن التُّراثِ الإسلاميِّ عمومًا، فهو ضمنَ منظومةٍ واحدةٍ، تعامَلَت مع الآثارِ المَرويَّةِ على حَدٍّ سواء، اعتقدت فيها انعدامَ الدَّليلَ النَّقليِّ الخالص (١). وكان (أَرَكون) يفسَّر باعثَ إكبارِ المسلمين لهذين الكِتابين تفسيرًا تاريخيًّا، مَفادُه: أنَّ الظُّروفَ السِّياسيَّة، وأوضاعَ المُجتمعاتِ الَّتي انتشَرَ فيها الإسلام، احتاجَت إلى أحاديث جديدةٍ تحاكي مُتغيِّراتها، وتعالج أحكامَها، وتُصارع بها باقي الطَّوائف العَقديَّة، فلأجل ذلك -فقط- تَشَبَّث المسلمون بـ «الصَّحيحين». يقول: «إنَّ السُّنة كُتِبت مُتأخِّرة بعد موتِ الرَّسول ﷺ بزمنٍ طويلٍ، وهذا وَلَّد خلافات لم يَتجاوزها المسلمون حتَّى اليوم بين الطَّوائف الثَّلاث: السُّنية، والشِّيعيَّة، والخارجيَّة، وصراع هذه الفرق الثَّلاث جعلهم يحتكرون الحديث ويُسيطرون عليه، لِما للحديث مِن علاقةٍ بالسُّلطةِ القائمةِ .. وهكذا راح السُّنة يَعترفون بمَجموعتي البخاريِّ ومسلم، المَدعُوَّتين بالصَّحيحين (¬٢»).

стр. 291

وإذا كان هذا الرَّأي من (أركون) يدَّعي زورًا أنَّ المُسلمين اتَّبعوا «الصَّحيحين» عن عَصبيَّةٍ طائفيَّةٍ، لكن عن وَعيٍ منهم بذلك؛ فإنَّ (أحمد عصيد) -وهو كاتب علمانيٌّ مغربيٌّ مُتعصِّبٌ لعرقِه الأمازيغيِّ- يَرى أنَّ المُسلمين لم يكونوا إلَّا مُجرَّد حُمُرٍ مَقودةٍ مِن قِبَل فقهائها لتقبيلِ يَدَيْ البخاريِّ، مِن غير وَعيٍ ولا علمٍ بما اقتَرَفت هاتان اليَدان في الدِّين! فيقول: «كان النَّاس يُقدِّسون «صحيح البخاريِّ» دون أن يعرفوا ما فيه من أخبار، كانوا يضعون ثقتهم في الفقهاء العارفين بالمتون والحواشي، وكان الفقهاء على علمٍ بما في البخاريِّ مِن مضامين غريبة يَتَستَّرون عليها، ولا يُطلِعون النَّاسَ على مكنونِها، وكانوا يُصوِّرون للنَّاس كتاب البخاريِّ كما أنَّه (العِلم) كلُّه، فقد عملِت أدبيَّات الفقهاء عبر الفقهاء، على جعلِ شخصِ النَّبي ﷺ يحلُّ بالتَّدريجِ مَحلَّ الذَّات الإلهيَّةِ نفسها! .. ونَتج عن ذلك تراكم التَّقليد، وتقليد التَّقليد، وانتهى الأمر بالمسلمين إلى الانغلاقِ في قلعةٍ مُظلمةٍ، اسمها الفقه الإسلاميُّ» (١). فما تضمَّنه كلامُه الخطيرِ هذا مِن اتِّهامِ المُسلمين بتأليهِ النَّبي ﷺ ، هي نفسُها دعوى يُكرِّرها العَلمانيُّون كثيرًا في سِجالِهم لأهلِ السُّنة، يتوهَّمون أنَّ القول بعصمتِه ﷺ في قولِه وفعلِه وتشريعِه مُستلزمٌ لتهمة التَّأليه (٢). كما تَراها عند (نصر أبو زيد) في قوله: «إنَّ تأسيس السُّنة وحيًا، لم يكُن يتمُّ بمعزلٍ عن الموقف الإيديولوجيِّ الَّذي أسهب في شرحِه وتحليلِه، موقف العصبيَّةِ العربيَّةِ القُرشيَّة، الَّتي كانت حريصةً على نزعِ صفاتِ البشريَّةِ عن محمَّد ﷺ ، وإلباسِه صفاتٍ قُدسيَّة - تجعلُ منه مُشرِّعًا .. » (٣).

стр. 292

والحقيقة أنَّ هذا الموقف الإيديولوجيُّ المُتعصِّب لقريشٍ المُدَّعى في نَقلةِ الآثار، ليس له وجودٌ إلَّا في ذهنِ هذين الرَّجُلين؛ فإنَّ قول المسلمين بوَحيِ السُّنة، ليس معناه بحالٍ أنَّ الرَّسول ﷺ مُشرِّع حقيقةً، وإنَّما معناه أنَّه مُبلِّغٌ عن الله تشريعَه، بأيِّ صورةٍ مِن صُور التَّبليغِ، قولًا أو فعلًا أو تقريرًا. والقول بعصمةِ النَّبي ﷺ في تبليغِه ليس غُلوًّا في تقديسِه، بل هذا إجماعُ أمَّتِه منذ أن بُعِث، كما نقله القاضي عياض (١)، وهو ما نَطَق به القرآن في عِديدٍ من آيِ كتابِه، في مثل قولِه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وقوله: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤].

стр. 293

المَبحث التَّاسع سبب اختيارِ العَلمانيِّين لمُعاركةِ «الصَّحيحين» خاصَّة قد يَتبيَّن مِمَّا تقدَّم لمَ اختارَ هؤلاء العَلمانيُّون معركة الصَّحيحين تحديدًا في سعيِهم لردمِ حصونِ الأحكام الشَّرعية؛ إنَّه إجماعُ المُعتبرين مِن أهلِ السُّنةِ على صِحَّةِ ما فيهما، احترازًا مِن الولوجِ في مَتاهات الأسانيد في جِدال أهل السُّنة؛ وفي تقريرِ هذه المَزيَّة لاختيارِهما، يقول (عبد الجواد ياسين) (١): « .. ولأنَّ البخاريَّ ومسلمًا يجُبَّان ما دونهما مِن الكُتب في مفهومِ أهل السُّنة، سوف نُحاول التَّركيز على مَرويَّاتهما فى هذا الصَّدد .. » (٢). فكان تركيزهم عليهما بخلعِ لباس الحياءِ عليهما، فهذا (إبراهيم فوزي) يصِفُ أحاديث «الصَّحيحين» بأنَّها «غريبةٌ، خاليةٌ مِن كلِّ مَضمونٍ فكريٍّ، أو عِلميِّ، أو اجتماعيٍّ، أو دينيِّ، وليس فيها سُنَّةٌ ولا تشريعٌ، ولا شيءٌ يُفيد المسلمين في دينِهم ودُنياهم» (٣).

стр. 294

ونظيره في القِحة عليهما (محمَّد حمزة)، الَّذي ادَّعى كونهما لم يَسْلَما مِن خُرافةٍ مُختلَقةٍ، أسهَمَ فيها أبو هريرة ﵁ بنصيبٍ وافر، جرَّاء روايتِه عن كعبِ الأحبار (١). حتَّى المَلاحِدة الصُّرحاء لم يتركوا «الصَّحيحين» لحالِهما شأنًا خاصًّا بالمُسلمين، بل زاحموا بعضَ المُنتسبين إلى الدِّين في رَميِ سهامِ السُّخريةِ والتَّحقير صوبَهما، فتَكلَّفوا الكلام في صَنعةٍ لا قِبَل لهم بفهمِها، وقد ادَّعى المُلحِد (إسماعيل أدهم) بأنَّ أحاديثَهما «ليست ثابتةَ الأصولِ والدَّعائم، بل هي مَشكوك فيها، ويغلبُ عليها صِفةُ الوَضع» (٢). والقصد منهم نزعِ صِفةِ الوَحيِ عمَّا تَضَمَّنه «الصَّحيحان» من أخبار نبويَّة، بعزلِ أحاديثِهما عن مَرجعيَّتِها وقائلِها، وإسقاط حُجيَّتِها -كسائرِ دواوين السُّنة- بدعوى ظنِّيتها، لتستبيحَ بعدُ نقدَها أو نقضَها على مَزاجِها العَقليِّ. ولنأخذْ مِثالين على هذه المَواقف الخَشيبةِ من «الصَّحيحين»، لعَلمانِّيَينِ اشتهرا باعتراضِهما على أحاديث السُّنة عمومًا، وعلى أخبارِ «الصَّحيحين» خصوصًا، حتى أطالا النَّفس في ذلك،؛ هما نموذجان يُعطِيان القارئ انطباعًا جُمليًّا عن المُستوى المَعرفيِّ الَّذي بَلَغه رُواد هذا الفكر العَلمانيِّ في نقدِ أصحِّ دواوين السُّنة النَّبوية، فنقول:

стр. 295

المَبحث العاشر أبرزُ العَلمانيين الَّذين توَّجهوا إلى «الصَّحيحين» بالنَّقد

стр. 296

المَطلب الأوَّل محمَّد شحرور (١) وكتابه «الكتاب والقرآن، قراءة معاصرة» هو مِن أسوءِ مَن رأيتُ مِن المُتعلْمِنة تفصيلًا في مُعارضةِ أحاديثِ «الصَّحيحين»، قد أفرغ خلاصةَ فهمِه المُلحدِ لنقدِها في كِتابَيه «نحو أصول جديدة للفقه الإسلاميِّ»، و «الكتاب والقرآن، قراءةٌ معاصرة»، حيث جاوَزَ حجمُ اللَّغوِ ثمانمائةَ صفحة! على نهجٍ مُحدَثٍ مُغرِقٍ في الشُّذوذ، يقول هو عنه: «كتابٌ يبحثُ في الدِّين الإسلاميِّ بطريقةٍ جديدةٍ، لا أظنُّ أنَّ أحدًا سار على نهجِها .. » (٢). استعرضَ المؤلِّف في مُقدِّمةِ كتابِه الأوَّل الأبرزِ شُهرةً (٣)، المنهجَ العلميَّ

стр. 297

الَّذي ادَّعاه له، وهو الاعتمادُ على المنهجِ اللُّغوي في تحديد معاني الألفاظ .. فقط باللُّغةِ! (١) فأوقعه هذا المنهج المُنحرف في جملةِ تفسيراتٍ مُتعسِّفةٍ لكثيرٍ مِن الألفاظ الشَّرعيَّة، كلفظِ «سبحان الله»، الَّذي هو عنده: إقرارٌ مِن قائلها بقانونِ هَلاكِ الأشياء ما عَدَا الله، نتيجةَ التَّناقضِ الَّذي تحوِيه داخليًّا! هذا التَّفسير الصَّحيح للتَّسبيح، والَّذي خَفِي عند شحرور عن سلف الأمَّة، مُستهزِءً بكلِّ تفسيراتِهم المُجمعةِ على أنَّه تنزيهُ لله تعالى عن كلِّ عَيبٍ ونقصٍ مُطلق، واتِّصافُه مُقابِلها بصفاتِ الكمالِ المُطلقِ. ولا حاجة لنا في أن نتكلَّف نقضَ منهجِه في الاقتصارِ على التَّفسير اللُّغويِّ المَحضِ للنُّصوص، فإنَّ أصل النَّقل الشَّرعي لكثيرٍ مِن الألفاظ، مِن معناها اللُّغويِّ إلى معنى آخر حدَّده القرآن والسُّنة، كلفظ الإيمان، والصَّلاة، والكفر .. هو أمرٌ مُستقِّرٌ في شرعِنا مُجمَع عليه، فضلًا عن احتمالِ المُجملاتِ فيه لعدَّة معانٍ بيَّنتها السُّنة، يُحَكَّم فيها عُرف المُخاطَبين وقتَ نزول الوحيِ، وتُنتَزع مُراداتُ الشَّارع مِن فهمِهم هم للخِطاب. الفرع الأوَّل: موقف شحرور الإجماليُّ مِن السُّنة النَّبوية. نتيجةً لهذا الخَلل المَّنهجيِّ الشَّنيع الَّذي وقع فيه (شحرور) في تفسير النُّصوص الشَّرعية، وبسببِ أحكامِه الانطباعيَّة الميَّالةِ إلى الشُّذوذ، كان مُرتكز كتابِه هذا على تقسيمِ السُّنة النَّبوية إلى قسمين أساسين: (سُنة نبوَّة): وهذه عنده غير ملزمة، أهميَّتها تاريخيَّة فقط، يقول في تعريفها: «هناك تعليماتٌ جاءت إلى النَّبي ﷺ بمَقام النُّبوَّة، وليست بمَقام الرِّسالة، بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، وذلك لتبيانِ أنَّها تعليماتٌ خاصَّة بالنَّبي ﷺ ، أو تعليماتٌ

стр. 298

مَرحليَّة جاءت لحقبةٍ مُعيَّنةٍ، مثل توزيعِ الغنائم، أو تعليماتٌ عامَّة للمسلمين، ولكنَّها ليس تشريعات .. » (١). هذا القسم مِن «السُّنة النَّبويَّة» هو ما أقحمَ فيه أخبارَ «الصَّحيحين»، فأعطاها حُكمها من عدم الإلزاميَّة، باعتبارِها تشريعاتٍ خاصَّة، «ليس لها علاقةٌ بالحلال والحرام إطلاقًا» (٢)! والقسم الثَّاني: (سُنَّة رسالة): وهذه عنده مُلزمة بحدودٍ يسيرةٍ، اعتمَدَ في التَّدليلِ عليها بمجموعةٍ مِن الآيات، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ٣٢]، فالله قال: «رسول الله»، ولم يقُل «نبي الله»! وهكذا الطَّاعة إنَّما تجيء في مَقام الرِّسالة لا في النُّبوة! (٣) هذا القسم يتَضَمَّن بدورِه طاعتين مُختلفتين: طاعة مُتَّصلة: «جاءت فيها طاعةُ الرَّسولِ مُندمجةً مع طاعةِ الله، كقوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [النساء: ٦٩]، .. وبما أنَّ الله حَيٌّ باقٍ، وقد دمَج طاعة الرَّسول مع طاعةِ الله في طاعةٍ واحدة، ففي هذه الحالات تُصبح حصرًا على الحدود، والعبادات، والأخلاق» فقط (٤)! و (شحرور) هنا لا يقصد بالحدودِ ما يَتبَادر إلى الذِّهن مِن القَصاص، وحدِّ الزِّنا، ونحو ذلك؛ بل هي «ذلك الخطُّ البَيانيُّ الَّذي يَتراوح بين الحدِّ الأدنى والحدِّ الأعلى للطَّاعة»! فمثلًا: الحدود عنده في لباسِ المرأة تتأرجح ما بين حدودِ الله، وحدودِ رسوله ﷺ ، أي: ما بين عُرِيِّها إلَّا جُيوبها فقط (٥)! وما بين سترِ جسدِها ما عدا

стр. 299

الوجه والكفَّين! «فلباسُ المرأة المسلمة، هو لباسٌ حسب الأعراف، ويَتراوح بين اللِّباس الدَّاخليِّ، وبين تغطيةِ الجسمِ ما عدا الوجهِ والكَفَّين» (١). أمَّا الطَّاعة الأخرى، فمُنفصلة: وهي طاعةُ الرَّسول ﷺ الَّتي انفرَدَت عن طاعة الله سبحانه، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦]. هذه الطَّاعة -في زعمِه- غير مُلزمة الآن إذ لا تصلح بعد وفاتِه ﷺ ، وبالتَّالي فهي أحكام مَرحليَّة لا علاقةَ لها بحدودِ الله، كـ «الأمورِ والقرارات الَّتي مارَسها كرئيسِ دولة وكقاضٍ .. حيث اتَّبعَ الأعراف العربيَّة .. هذه الأمور تُفهم فهمًا مُعاصرًا» (٢). استتبع هذا القسم منه مُخالفَته للمسلمين في فهمِ نُصوص الشَّرعِ قطعية الثُّبوت والدَّلالة، كآياتِ الرِّبا والميراث، والزَّواج والطَّلاق .. إلخ، حتَّى أعاد تناولها بفهمٍ جديدٍ لم يقُل به غيرُه. و (شحرور) يرى أنَّ السُّنة عمومًا ليست إلَّا منهجًا مُعيَّنًا في تطبيق أمِّ الكتاب -ويقصد بها الأحكام والعبادات- بحسب ظروف كلِّ مكانٍ وزمانٍ، فليس هو مُتوقِّفًا على الاقتداء بالرَّسول ﷺ (٣). ولا شكَّ أنَّ هذا التَّقسيم المُبتدَع منه للسُّنة النَّبويَّة زَندقةٌ صريحة، خالفَ فيه القرآن والسُّنة والإجماع جميعًا: فأمَّا القرآن: ففي سياقاتِ عَديدٍ مِن آيِهِ يربط الله تعالى بين النُّبوة ولزومِ طاعتِها واتِّباع أوامرها والاقتداء بهديِه، كما في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦]؛

стр. 300

فجعَلَ بشارَته ونذارَته بالدِّينِ ودعوتَه إليه باسمِ النُّبوة، وما كان مُتعلِّقًا بالدِّين فهو مِن الدِّين. وأمر الله نبِيَّه بتشريعاتٍ عامَّةٍ، وَاجبٌ على الأُمَّة جميعًا اتِّباعها باسمِ النُّبوةِ، كما في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١]. وأمَّا السُّنة: فقد تواترَت الأحاديثُ عنه في وجوبِ اتِّباعِه مُطلقًا في قولِه وفعلِه وتقريرِه، مِن غير تفريق منه بين ما كان من مقامِ نُبويَّة أو رسالةٍ، كما في المُتَّفق عليه مِن حديثِ أبي هريرة ﵁، عن الَّنبي ﷺ قال: «دَعوني ما تَرَكتكم، إنَّما هَلَك مَن كان قبلكم بسؤالِهم، واختلافِهم على أنبيائهم، فإذا نهيتُكم عن شيءٍ فاجتنِبوه، وإذا أمرتُكم بأمرٍ، فأتوا منه ما استطَعتُم» (١)، وغيره كثير. وأمَّا الإجماع: فإنَّ المُتقَرَّر عند المُسلمين جميعِهم سَلفًا وخَلَفًا، وجوبُ طاعةِ النَّبي ﷺ واتِّباع هَديِه في الجُملة، مِن غير أن يخطُر على بالِ أحدٍ ما وَسْوَسَ به قَرينُ شحرورٍ له مِن تقسيمِه العَبثيِّ للسُّنة، بل لازمُ هذا التَّقسيم مِن (شحرور) مساواةُ النَّبي ﷺ في اجتهادِه بباقي البَشرِ، وقصرُ مُهِمَّتِه على نقلِ القرآنِ إلى النَّاسِ، دون صلاحيةٍ في بيانه وتفسيرِه قولًا وعَملًا. ومَرمى هذا التَّفريق منه بين محمَّدٍ النَّبيِّ ومحمَّدٍ الرَّسول: إضفاء الأنسَنَةِ على سُنَّتِه، وإخلاؤها مِن صِفة الوحي، ومِن ثمَّ إضفاءُ طابَعِ التَّاريخانيَّة عليها، حتَّى لا يبقى لها أثرٌ في الحياةِ العامَّةِ للمسلمين؛ فما صَدَر مِن الأحاديث عنه، جلُّه مِن مقامِ النُّبوة، فتخضعُ للطَّابعِ الزَّماني المَكانيِّ الضِّيق، ولا علاقة لها بعَالَميَّةِ الرِّسالة (٢).

стр. 301

ونتاجًا لهذا المقصد، نرى (شحرورًا) يسارع إلى إنكارِ أن يكون النَّبي ﷺ روى عن ربِّه تعالى أحاديثَ قدسيَّة كالَّتي يجدها في «الصَّحيحين»، لأجلِ أنَّ التَّنزيلَ عنده قادرٌ على تفصيلِ الأحكامِ، دون حاجةٍ إلى مثلِ هذه القُدسيَّات! وكذا أفرغَ أحاديث السِّيرة الخاصَّة مِن فائدتها، «لأنَّها ليست مَحلَّ أُسوةٍ لأهلِ الأرضِ في كُلِّ زمانٍ ومكانٍ» (١). وهكذا، تستشعرُ مِن الرَّجل أنَّه ما يريد إلَّا المَساسَ بالمُسلَّمات ونقضَ عُرى الأصول الثَّابتة، حتَّى إنَّك لتحسَب أنَّه عن عَمدٍ يستكثرُ المُخالفة في ذلك، ولقد أُحِصيَ له «في كتابه (الكتاب والقرآن)، ما يزيدُ على ألفِ مَوضعٍ، يُمثِّل انحرافًا عن المنهجِ الإسلاميِّ»! (٢) وما أحسبُ ذلك منه إلَّا لغَرضِ التَّهويلِ والإقناعِ الجَبريِّ بفكرتِه، من خلال الإثقالِ على عقلِ القارئ، واستقطاب المُحبَطين مِن الرَّتابةِ الفكريَّة الَّتي يعيشونها في زمَنِ المُتغيِّرات. الفرع الثَّاني: موقف (محمد شحرور) مِن أحاديث «الصَّحيحين». جريًا مِن (شحرورٍ) على منوالِ تقسيمِه السَّالِفِ للسُّنة وتاريخيَّتها، توجَّه إلى أحاديثِ «الصَّحيحين» بفرزٍ مُحدثٍ يدَّعي فيه أنَّ ما خالف منها ظاهر القرآن أو لم تقبله عقولنا مَكذوبٌ، وما كان منها مُوافِقًا للقرآن فيُستبقَى عليه استئناسًا لا احتجاجًا! يقول في تقرير ذلك: «علينا بعد أن تمَّ توظيف الأحاديث الإخباريَّة في تحديد عقيدة المؤمنين، عوضًا عن التَّنزيل الحكيم، أن نقف من هذه الأحاديث موقفًا جديًّا، وأن نعيد النَّظر فيها، ونعرض ما تعلَّق منها بالأحكام على كتاب الله، نستبعد ما يتعارض معه، ونُبقي على ما بقي للاستئناس! حيث سيتمُّ

стр. 302

استبعاد كلِّ أحاديث الرِّقاق والغيبيَّات والإخبار عن المستقبل، وفضائل الأمكنة والرِّجال» (١). وبما أنَّ «الصَّحيحين» قد جَمَعا أصنافَ الأحاديثِ الَّتي رَدَّها في تقسيمِه النَّشازِ للسُّنة، لم يجد (شحرورٌ) تفسيرًا لتَبوُّئهما المنزلة الرَّفيعة عند المسلمين إلَّا «على أساسٍ سِياسيٍّ قبل أن يكون على أساسٍ فِكريٍّ»، استُعمِل الشَّيخانِ -أو مَن يَصِفُهم هو بـ «الهَاماناتِ»! - من قِبَل السَّاسة لتحويلِ النَّاسِ إلى قطيعٍ يُركَب عليه ويُساق حيث شاؤوا، وذلك لـ «عجزِهم عن الخوضِ في التَّنزيلِ الحكيمِ بشكل عَميقٍ» كما يَفعلُ هو! فمن يصدر منه هذا اللَّغو، لن يتورَّع عن أن ينفي العلم والإمامَة عن البخاريِّ أو مسلم، وقد قالها فعلًا: «كيف أُسمِّي البخاريَّ إمامًا، إذا كان لا يُفرِّق بين الإسلام والإيمان؟! ففي باب الإيمان، نرى الحديثَ الأوَّل هو: بُنِي الإسلام على خمسٍ!» (٢). وإمامةُ البخاريُّ ثوبٌ دُلِّيَ على كَتفٍ عالٍ، لا يَصل إليه قِزمٌ مثل شحرورٍ -ولو طارَ! - فينزعه؛ إنَّما أرادَ البخاريُّ مِن تصديرِه لبابِ الإيمان بحديثِ أركانِ الإسلام العَمليَّة: التَّأكيدَ على أنَّ الأعمالَ داخلةٌ في مُسَمَّى الإيمان، فإنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ، على ما حكاه الشَّافعي وأبو ثَورٍ إجماعًا عن الصَّحابة والتَّابعين (٣)، ومنه قول الأوزاعيِّ: «كان مَن مَضى مِمَّن سَلَف، لا يُفرِّقون بين الإيمانِ والعمل» (٤)؛ ومِن هنا نَشَأ لهم القولُ بزِيادةِ الإيمانِ ونقصِه (٥).

стр. 303

و (شحرورٌ) على ما أبانه من تحريفٍ لمعاني نصوص الوَحْيَين، يدَّعي بـ «إنَّك إذا حَذَفت (٩٠%) مِن كِتَابي البخاريِّ ومسلم، فإنَّ الدِّين الإسلاميَّ لا ينقُص منه شيءٌ» (١). وهذا أمارةٌ على هُزلِ مَعرِفته بطبيعة الصَّحيحين، فإنَّ كلمتَه لا تصدر إلَّا عمَّن يتوهَّمُ انفرادَ الشَّيخينِ بما أودعاه في كِتابيهما مِن مرويَّات، بينما جُلُّ -إن لم يكُن كلُّ- ما فيهما مَوجودٌ مُتفرِّقًا في سائرِ كُتبِ الحديثِ. فالصَّحيح في السُّؤال أن يُطرح هكذا: إذا حذفنا كُلَّ هذه الأحاديث في العقائدِ والعباداتِ والمُعاملاتِ من «الصَّحيحين» وباقي كُتب السُّنن، هل ينقُص مِن الدِّينِ شيءٌ؟ والجواب: طبعًا يَنقُص! لأنَّ المَنقوص حينئذٍ شَطرٌ كبيرٌ مِن السُّنَة، والسُّنة -كما قرَّرناه- أصلٌ مِن أصولِ الدِّين. الفرع الثَّالث: نماذج مِن تمعقُلِ (شحرور) في إنكارِ أحاديثِ «الصَّحيحين». يُعلن (شحرور) خُلاصة ما وَصَل إليه عَبثُه في نقد أخبارِ «الصَّحيحين» قائلًا: «هل يُمكن أن تكون هذه الأحاديث صحيحة؟ يقولون: صحيح مسلم! وصحيح البخاريِّ! ويقولون: إنَّهما أصحُّ الكُتب بعد كتاب الله! ونقول نحن: هذه إحدى أكبر المُغالطات الَّتي ما زالت المُؤسَّسات الدينيَّة تُكره النَّاس على التَّسليم بها، تحت طائلة التَّكفير والنَّفي» (٢). ولأجل أن يُبرهن (شحرور) على صدق تنقُّصِه لهما ولصاحبيهما، يَمَّم قلمَه جهةَ الطَّعنِ التَّفصيليِّ في بعضِ أحاديثهما بخنجرٍ الهَوى والتَّعالم المَقيت، بعِلَل شتَّى لم يُسبَق إليها.

стр. 304

من أمثلة ذلك: طعنُه في الحديثِ المُتَّفق عليه مِن روايةِ أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله: يا آدم، فيقول: لبَّيك وسعديك، والخير في يَديك، قال: يقول: أخرِجْ بَعْثَ النَّار، قال: وما بَعثُ النَّار؟ قال: مِن كلِّ ألفٍ تسعُ مائة وتسعةٌ وتسعين! فذاك حين يَشيبُ الصَّغير، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢]. فاشتدَّ ذلك عليهم، فقالوا: يا رسول الله، أيُّنا ذلك الرَّجل؟! قال: «أبشِرُوا، فإنَّ مِن يأجوجَ ومأجوجَ ألفًا، ومنكم رَجلٌ .. » الحديث (١). فردَّ (شحرور) هذا الحديث من حيث الإجمال بأنَّه مِن أخبارِ الغيب، إذ النَّبي ﷺ عنده لا يعلمُ الغيبَ بنصِّ القرآن؛ وجهلَ المسكينُ أنَّه -وإن نُصَّ على أنَّه ﷺ لا يعلمُ الغيبَ بنفسِه- فإنَّه يُوحى به إليه من ربِّه، فيُبلِّغه لأمَّتِه بلسانِه، والله ميَّز الأنبياء عن سائر البشر بمثل هذا، فقال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلَاّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]، وقال في حقِّ النَّبي ﷺ بخصوصِه: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣]. ثمَّ ردَّ (شحرور) هذا الحديث بثلاثِ دعاوي من حيث التَّفصيل (٢): الأولى: زعم فيها بأنَّ الحساب لم يَتِمَّ أصلًا، وكُتب الأعمال لم تُوزَّع بعدُ في المَحشر ساعة نداء الله لآدم. قلتُ: وهذه شُبهة مُنطوية عن سوء فهمه، فإنَّ الحديث لا يفيد أنَّ آدم ﵇ أُمِرَ بأنْ يَجُرَّ كلَّ مَن كُتِب عليه النَّارُ إلى النَّارِ، ولا أن يُعلِم كلَّ واحدٍ منهم

стр. 305

بمَصيرِه، وإنَّما أمرَه الله تعالى أن يُمَيِّز هو أهلَ النَّارِ مِن غيرهم، وذلك يكون في الحشرِ، حيث يجتمعُ النَّاس ويختلطون. فالقصدُ «هو الإخبارُ أنَّ ذلك العددَ مِن وَلدِه يَصيرون إلى النَّار» (١)، ولذا جاء مِن مُرسَلِ الحسن، قال: «يقول الله لآدم: يا آدم! أنتَ اليوم عَدلٌ بيني وبين ذُرِّيَّتك، قُم عند الميزان، فانظُر ما رُفع إليك مِن أعمالهم .. » (٢)، و «إنَّما خُصَّ بذلك آدم لكونِه والدَ الجميع، ولكونِه كان قد عَرَف أهلَ السَّعادة مِن أهل الشَّقاء، فقد رآه النَّبي ﷺ ليلةَ الإسراءِ، وعن يَمينِه أَسوِدةٌ، وعن شمالِه أسودة .. الحديث» (٣). وقيل: أنَّ الحديث يَدلُّ على أنَّ بعْثَ النِّار هم الكُفَّار؛ للقطعِ بأنَّ بعضَ أُمَّتِه يدخل النَّار، ثم يخرجُ بشفاعتِه، وشفاعةِ سائرِ الشَّافعين (٤)؛ والكافرون الأصليُّون معلومٌ مُقدَّمًا مصيرهم مِن أوَّلِ البعثِ. وأمَّا دعواه الثَّانية لنقض الحديث: زعم فيها أنَّه على فرض جوازِ هذا الإخراج للبَعثِ، فإنَّ آدم ﵇ ليس أهلًا لهذه المُهمَّة، فإنَّه نسَّاءٌ ضعيفٌ، عصَى أوامر ربِّه! وهذا منه سوء قالةٍ في أبينا النَّبي الكريمٍ، يُنبي عن خِفَّة تقديرِ قائِله لمقام النُّبوة، فآدمُ ﵇ وإن زَلَّ في أكلِه مِن الشَّجرة، فإنَّه قد ﴿اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢٢]، وقد قدَّمنا قريبًا سِرَّ اختيارِ آدمَ ﵇ لهذا المَيْزِ. وأمَّا دعواه الثَّالثة: في زعمِه أنَّ قول الصَّحابة فيه: «وأيُّنا ذلك الرَّجل؟ .. » فيه الفرض بأنَّ النَّاجي من الرَّجال فقط! واستغربَ (شحرورٌ) كيف يجعل النَّبي ﷺ في الحديثِ كلَّ أهلِ الجَّنة مِن الرَّجال؟!

стр. 306

وهذا مُنتهى الغُبنِ في الرَّأي والرَّكاكةِ في الفهم! فإنَّ المُتقَرَّر عُرفًا لَغويًّا سائرًا على ألسنةِ العرب، وأصلًا في عبارةِ الشَّرع: أنَّ لفظَ (الرِّجال) في الخطابِ، داخلٌ فيه جنسُ النِّساء بالتَّبَع، وهذا في آياتٍ كثيرةٍ من القرآن، يُطلق لفظ الرِّجال، ويُقصد به النِّساء أيضًا، كما في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. فمُراد العبارة في الحديث: الواحد منهم مُطلقًا، بدليل الرِّواية الأخرى للحديث: « .. قالوا: يا رسول الله، وأيُّنا ذلك الواحد؟» (١)، أي: وأيُّنا مِن أمَّةِ محمَّد ﷺ ذلك النَّاجي المُفلح مِن بين سائرِ بني آدم. فإذا عَرِي عقلُ (شحرورٍ) عن تفهُّم العربيِّ البيِّن، فأنَّا له التَّعرضُّ لِما دقَّ فهمُه من الأحاديث الَّتي اعتاصَ عن فهمِها بالإبطالِ؟! لكنَّه مع ذلك، أبى إلَّا العُدوانَ بعدُ على: المثال الثَّاني: وهو ما أخرجه الشَّيخانِ مِن حديث عمران بن حُصين وابن عبَّاس ﵃ يرفعانه: « .. واطَّلعتُ في النَّار، فرأيتُ أكثرَ أهلها النِّساء» (٢)، حيث سَفَّه عقلَ مَن وَضع هذا الحديث بزعمِه، بدعوى أنَّ مُقتضاه مع الحديث السَّابق: أنَّ النِّساء يُمثِّلن ثُلُثَي أهلِ النَّار، والثُّلثُ الباقي رجالٌ، أي أنَّ مع كلِّ رجلٍ يدخلُ النَّار امرأتين! (٣) ولستُ أدري لساعتي هذه كيفَ بَلَغ (شحرورٌ) هذا الاكتشافِ الَّذي لم ينطق به الحديث، ولا هو مفهومٌ منه، ولا خَطَر على قلبِ بَشرٍ؟! ولكن ما يُريد إلَّا نبزَ الحديث بعلَّة إجحافِه في حقِّ النِّساء!

стр. 307

فمثلُ هذه النَّماذج من التَّحامل الفكريِّ من (شحرورٍ) على هذه الصِّحاح، بلَيِّ أعناقِ النَّصوصِ الشَّرعيَّة لخدمةِ توجُّهِه في ردمِ السُّنة، خصلةٌ مُشاعةٌ في كُتبِه، يشهد عليها صاحبه (نصر أبو زيد) بقوله: «إنَّ قراءتَه -يعني شحرورًا- مِن خلالِ موقفٍ إيديولوجيٍّ مُسبق، وإنَّه يقوم بالوثب على كلِّ مستويات السِّياق السَّابقة، وتجاهلها تجاهلًا شبه تامٍّ ... إنَّها نموذج فذٌّ للقراءة الإيديولوجيَّة المغرضة، إنَّها قراءة تلوينيَّة»! (١).

стр. 308

المَطلب الثَّاني زكريَّا أوزون وكتابه «جناية البخاري: إنقاذ الدِّين من إمام المحدِّثين» أخذ هذا العَلمانيُّ السُّوريُّ -مهندس الخرسانة المسلَّحة! - العهدَ على نفسِه إسقاط مُسلَّماتِ الإسلامِ في أصولِه، لم يدع الرَّجل ركنًا في الدِّين إلَّا لَغَا فيه ببلادة فهمٍ وسوء أدب! اسمعه -مثلًا- كيف يصفُ أجلَّ حركات الصَّلاة بقوله: «إنَّ مظهَرَي الرُّكوع والسُّجود غير مرغوب فيهما إذا ما عُرضا على المظهر والذَّوق العامِّ في الأماكن العامَّة! .. المشهد مرفوض حسب الذَّوق العامِّ السَّليم، فلا الرُّكوع أو السُّجود للآخرين يصحُّ، ولا رؤية مؤخِّرة الإنسان تسُرُّ!» (١). ثمَّ يتساءل بعدُ مستنكرًا: «هل للإله مشاعر كالبشر، يفرح إذا تذلَّل له الآخرون وركعوا وسجدوا له ليرضى عليهم؟!» (٢). أمَّا رمضان؛ فيُلحُّ (أوزون) على أنَّ صيامه غير واجب! فهو لا يصومه في بلد إقامته إيرلاندا! بل الأمر عنده -على حدِّ قوله- أنَّ «مَن يرَ في الصِّيام ما يريح نفسه، ويهذِّبها ويقرِّبها إلى خالقه، فليَصُم إن شاء يومًا أو يومين أو ثلاثةً

стр. 309

أو شهرًا .. ومن لا يجد في الصِّيام ما ذكرناه سابقًا، فليبتعد عنه وهو مطمئنُّ النَّفس! وليُطعم مسكينًا إن استطاع ذلك، أو ليقُم بعمل آخر يمكنه أن يجلب له ما يُشعره بالاطمئنان» (١). ولا غروَ عندي في أن يقول مثلَ هذه الموبقات مَن يُنكر سورةَ الفاتحة أن تكون من القرآن! بدعواه أنَّ الدَّعوات المذكورات فيها لا يُعقل أن تكون من الرَّب! إن هو إلَّا قول البَشر! وأكثر الصَّحابة إنَّما توهَّموا بسماعها من النَّبي ﷺ أنَّها قرآن ووحي من السَّماء، وليس الأمر كذلك! (٢) و (أوزون) في كلِّ ذلك وزيادة، يحاول عن عبثٍ إظهارَ نفسه في مُقدِّماتِ مُؤلَّفاته بزيِّ الغيور على الدِّينِ، الذَّاب عن حياضِ التُّراث؛ فإذا شارَف القارئ على بلوغ خواتيم مُقدِّماته، انكشفَ له المستور مِن عَورتِه الفكريَّة المُناكفةِ للشَّريعة (٣)، وبانت له حقيقة هذا المُبشِّرِ المهووسِ بالحضارةِ الغربيَّة، بل وبديانتِهم النَّصرانيَّة! فهم مَن يستحقُّ عنده «وبجدارةٍ المكانةَ والسَّيطرةَ الَّتي وَصلوا إليها، لأنَّهم عَرفوا الله حقًّا! وجعَلوا مِن دينِهم خيرَ دياناتِ القرنِ الواحدِ والعشرين في محبَّة الله ومحبَّة الإنسان» (٤). الفرع الأوَّل: موقف (أوزون) من السُّنة النَّبوية. أمَّا موقف (أوزون) من السُّنة، فشبيهٌ بموقف سَلَفه (شحرور) في تقسيمِه لها، فهو ينفي أن تكون السُّنة وحيًا مَعصومًا في أصلِها، بل بشرِيَّةً نابعةً عن اجتهادٍ خالصٍ (٥)، فحتَّى لو صَحَّ عنده جدلًا هو في صِحَّة حديثٍ من قول النَّبي ﷺ ، فإنَّه غير لازم أن يأخذ به ويعتقد ما فيه، لتفريقِه المبتدَعِ بين مَقامين:

стр. 310

مَقام الرَّسولِ: وهي الصِّفة الَّتي بها كُلِّف بالتَّشريعاتِ القرآنيَّة، فهذه الَّتي يُعصم فيها فقط. وبين مقامِ النَّبوَّةِ: الَّذي يقوم فيه محمَّدٌ النَّبي ﷺ «بالاجتهادِ والعمَلِ، حسب المُعطيات، والإمكانيَّات، والأرضيَّة المَعرفيَّة السَّائدة .. وبناءً على ما سَبق، فإنَّ الحديثَ (النَّبويَّ) ليس مُقدَّسًا»، ولا مَأمورًا باتِّباعِه (١)! فلا يُستغرب بعدُ أن يُرى في كتابِه هذا يُنكر أمورًا قد أجمع عليها السَّلف والخَلَف، كمشروعيَّةِ الجهادِ الطَّلَبي بشرطِه، واختصاصِ المُوحِّدين بالجنَّةِ دون أهلِ المِلَل الشِّركيَّة الأخرى (٢). الفرع الثَّاني: موقف (زكريا أوزون) مِن «صحيح البخاريِّ». لقد أبرزَ (أوزون) إجرامَه في حقِّ تراثِ العلماءِ في ثلاثِ (جِناياتٍ)، تركَّزت في الأصول الَّتي تقوم عليها الشَّريعة، أولاها كتابُه «جناية سِيبَويه: الرَّفض التَّام لما في النَّحو من أوهام»، ثمَّ أتبعَه بـ «جناية الشَّافعي: تخليص الأمَّة من فقه الأئمَّة»! أمَّا ثالثة الأثافي، فكتابه المَقصود بالتَّعريفِ هنا: «جناية البخاري: إنقاذ الدِّين مِن إمامِ المُحدِّثين»؛ عرَضَ فيه إلى مائةِ حديثٍ وحديثين مِن «صحيحِ البخاريِّ» في فصول ثمانيةٍ، جَعَل زبدةَ كتابِه ومَنهجَه في فصلِه الأوَّل، ثمَّ ادَّعى في كلِّ فصل من تلك الفصول ظهور التَّناقضِ بينها وبين غيرِها مِن الثَّوابت الشَّرعية، كالقرآن، ومنزلةِ النَّبي ﷺ ، ثمَّ دعا -تنزيهًا لمِصداقيَّة البخاريِّ زَعَم! - إلى طرحِ تلك الأحاديثِ المُنكرَةِ مِن «صحيحِه الجامع» كلِّها، والتَّصرُّفِ في متونها، حتَّى يبرُز للأمَّة بصورةٍ جديدةٍ، ولو على غير ما أراده مُصَنِّفه.

стр. 311

فلأجل تحقيق هذه الغاية الحرام، سَوَّغَ (أوزون) عبثَه في أحاديث البخاري، من غير أن يُبين عن منهجٍ واضح ولا أصولٍ نقديّة جليَّةٍ يرجع إليها؛ ما هو إلَّا التَّشغيب بشُبهات مُحدثةٍ على متون الكتاب، نأتي على كشفِها عند دفعِ المُعارضات عن الأحاديث المَدروسة في القسم الثَّاني من هذا البحث إن شاء الله. والمؤلِّف سارٍ في كتابه على ما جَرَت عليه عادة أعداء حمَلة السُّنن من الإمعانِ في الطَّعن بخيارِ الصَّحابةِ مِن مُكثري الرِّواية، كعائشة، وأبي هريرة، وعبد الله بن عباس ﵃ (١)؛ كلُّ كلامه فيهم منسوخ مِن كتابِ «أضواء على السنة المحمَّدية»، لم يُكلِّف نفسَه الرُّجوع إلى جواب أهل السُّنة عن عوارِ هذا الكتابِ؛ فلا كَأنَّ السِّباعيَّ ردَّ عليه، ولا أنَّ المُعلِّمي نكَّل به! إذن لعلَّه نَجى مِن الوقوعِ في بعضِ تلك الطَّوامِ الَّتي أوقعَ فيها نفسَه تبعًا لـ (أبوريَّة). ثمَّ زادَ على كتابِه شنارًا حين حَشاه بخَطايا (عبد الجواد ياسين) في كتابِه «السُّلطة في الإسلام»، فقد أخلص في تقليد هَفواتِه في السُّنة النَّبويَّة حذوَ القُذَّة بالقذَّة. والرَّجل فوق هذا كلِّه مُغرَمٌ بالسَّرقاتِ العلميَّة في كتابه، ينقُل طعونَ غيرِه بحروفِها في أخبار «الصَّحيحين» دون إحالة، تشبُّعًا بما لم يُعطه مِن القبائح، كالَّذي فعله من انتِحالِ كلامٍ ساقطٍ لـ (نيازي عزِّ الدِّين) في رجمِ الزَّاني المُحصَن (٢). ناهيك عن تدليسه في نسبةِ الأقوالِ إلى غير قائلِيها، إمعانًا منه في التَّدليس وتزويرِ التَّاريخ؛ من ذلك نسبتُه إلى الأديبِ الرَّافعيِّ في كتابِه «تاريخ آداب العربيَّة» القولَ: بأنَّ أبا هريرة ﵁ كان أوَّلَ راويةٍ اتُّهِم في الإسلام! مِن غيرِ أن يَذكُر (أوزون) موضعَ هذا النَّقلِ مِن كتابِ الرَّافعي (٣).

стр. 312

وحين تبيَّنتُ ذلك في كتابِ الرَّافعي، وجدتُه خاليًا مِن هذا السَّقَط مِن الكلامِ، بل على خلافِه ذلك، وجدته مُفعمًا بدِفاعِ الرَّافعي عن أبي هريرة ﵁ وتبجيلِه إيَّاه، غايةُ ما فيه ذكره لبعِضِ أفرادٍ مِن الصَّحابة أنكروا إكثار أبي هريرة مِن الرِّواية (١). وأصلُ داءِ (أوزون) في هذا النَّقل الكاذب، مُستَلٌّ مِن كتاب (صالح أبو بكر) (٢)، فهو الَّذي نسب إلى الرَّافعي هذه الفِرية، استتبعه غلَطُ حمُّود التَّويجريِّ في ردِّه على صالحٍ حين انساقَ وراءَ كذبتِه في الافتراءِ على الرَّافعيِّ، فوَقَع هو بدَورِه في هذا الأديبِ! وتَعجَّل في نعتِه بأنَّه «مِن شِرارِ العَصريِّين، مِمَّن أعمَى الله قلوبَهم»! (٣) وآفةُ الحماسِ العَجَلة!

стр. 313

المطلب الثَّالث جمال البَنَّا (ت ١٤٣٤ هـ) (١) وكتابه «تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث الَّتي لا تلزم» يحتارُ القارئ لكُتبِ (البنَّا) في تصنيفِه تصنيفًا فِكريًّا مُحدَّد المَعالِم، بين كونِه عقلانيًّا ذا أصولٍ إسلاميَّة، أو حَداثيًّا مُواليًا لأفكار الأنْسَنة، بل قُرآنيًّا مُنكِرًا لحجيَّة الأحاديث النَّبويَّة. فهو القائل في حَقِّها: «إنَّ السُّنة بما دخلها من الوضع، وبما أدرجه رُواة السُّنة الموثَّقون من كلامهم في متن الحديث، وما لحِق الحديث من شذوذ واضطرابٍ وروايةٍ بالمعنى وغير ذلك، جعل السُّنةَ كلَّها في موضع الشَّك والرِّيبة فيها! وفي مُدوَّناتها الصَّحيحة، بحيث لم تعُد محلًّا للثِّقة والاعتماد» (٢). ويقول: «لوْ قال أحدٌ أنَّ هذه الأحاديث لا يُعتَدُّ بها أصلًا لمَا كان مُتعسِّفًا» (٣)!

стр. 314

و (البنَّا) وإن كان مُخالفًا للقرآنيِّين في أصل موقِفِهم الرَّافض للسُّنة جملةً - إلَاّ أنَّه يجانِسهم في نِتاجِ تَقريراته، ولوازِمها مِن حيث الواقع العمليِّ، بل ترى اتِّساقًا كبيرًا لرؤيته الفكريَّة المتعلِّقة بأفرادِ الأدلَّة الشَّرعيَّة النقليَّة، وبين ما يراه الحداثيُّون في تاريخيَّتها وإعادةِ تشكيلِها بما يأتلف والحضارة الغربيَّة الحديثة. ترى شاهدَ هذا في تأكيدِه على «أنَّ الرَّسول ﷺ والخلفاءَ الرَّاشدين والصَّحابة أرادوا عدم تأبيد ما جاءت به السُّنن مِن أحكام» (١). فهو على هذا لا يَعُدُّ السُّنة النَّبويَّة مَكينةً في التَّشريع الإسلاميِّ، بل يأتي في مُقدِّمة ذلك العقلُ! ثمَّ مَقاصد القرآن وقِيَمُه ثانيًا، ثمَّ السُّنة بعدهما (٢). وقد بَلَغ الحال بـ (البنَّا) في تحريفِ الشَّريعةِ دركةً ليس وراءَها مُطَّلَع لناظرٍ، ولا تحتها مهوىً لخِسَّة، فقد كان ينكر فرضَ الحجابِ على النِّساء، وحَدَّ الرِّدة عن الإسلام، بل كان يُبيح التَّدخينَ للصَّائم في رمضان! إلى غيرِ ذلك مِن بوائقه الَّتي كثرُت، ولواذِعِه الَّتي اشتدَّت في حقِّ السُنَّة، حتَّى صُدِّرت جَهالاته عبرَ مَنابر الإعلامِ العَلمانيِّ بلا رقيبٍ. لقد ركب (البنَّا) المُعمَّهَ في أمرٍ عَسِرٍ، تظاهر فيه ببراءةِ قصدِه مِن شَيْنِ الأحاديث ورُواتها، ولعلَّه كان مُستشعِرًا في قرارةِ نفسه لهَوْلِ ما كان يُقدِم عليه مِن اقتحامِ سِياجِ الشَّريعة بغير إذنٍ؛ تَلْمَسُ شيئًا من هذا الشُّعور في تَقدِمَتِه لعُدوانِه على أحكامِ السُّنةِ في كتابه «السُنة ودروها في الفقه الجديد» بقولِه: «يكاد فؤادي يَطير فزعًا مِمَّا أبوح به، لكنِّي مُضطَرٌّ إلى البَوْح نُصحًا، مُتَمنِّيًا -بكلِّ الصِّدق والإخلاص- أن أكون مُخطِئًا، فمَن كان ذا طِبٍّ، ويراني عَليلًا، فدونه فليُطبِّبني .. » (٣).

стр. 315

الفرع الأوَّل: عدم اعتبارِ (البنَّا) للسُّنةِ القوليَّةِ، أصلٌ في نَظرتِه النَّقديَّةِ لأحاديث السُّنة. أوَّل ما ينبغي معرفته من موقف (جمال البنَّا) من السُّنة، أنَّه لا يَعتبرُ منها إلَّا العَمليَّةَ دون القوليَّة، فالحُجَّة عنده محصورة في أفعالِه ﷺ وسِيرته العمليَّة المُتناقلةِ (١)، وذلك أنَّه يَفهم مِن مَعناها اللُّغويَّ «الدَّأبَ، والمنهجَ، والطَّريقة، أي أنَّها عَملُ الرَّسول، وليس قولَه» (٢). فهو لأجل ذلك يُخرج القوليَّة والتَّقريريَّة من مُسمَّى «السُّنة» المأمورِ باتِّباعها، ويجعلُ أكثرَ المَنقولِ في هذين النَّوعين مُختلقًا أو مَشكوكًا في صِحَّتِه، سعى هو إلى البرهنةِ إلى ذلك ببيانِ ما يراه زَيفَ متونِ كثيرٍ من الصِّحاحِ عند أهل السُّنة. وذاك الموقف منه أصلٌ عند الحَداثِيِّين يُدندنون عليه كثيرًا، لأجله نَرى بعضَهم يمهِّد بين يدي طعنه في أحاديث الصحيحين بنَفْيِ الوَحيِ عن هذه السُّنَن القوليَّة (٣)! وأصل تأثَّر (البنَّا) بهذا الأصلِ البِدعيِّ كتاباتُ (محمَّد رشيد رضا)، مُقدَّمِ أربابِ هذا المسلكِ في تشطيرِ السُّنةِ، وذلك في ما قرأه له من مقالاتٍ قديمةٍ مَبثوثةٍ في أولياتِ مجلَّتِه «المنار» (٤)؛ وقد تَبنَّى هذا الرَّأيَ عنه فِئامٌ مِن ذوي النَّزعة العقليَّة بعده، قلَّةٌ منهم مُشتغلٌ بالعلومِ الشَّرعيَّة، كحالِ (محمود أبو ريَّة) (٥)، و (محمود شَلتوت). عَقَد هذا بابًا كاملًا في كتابِه «الإسلام عقيدةٌ وشريعةٌ» في نُصرة هذا المَسلك، بل أضافَ مِن القيودِ على معنى السُّنةِ ما تجاوزَ به شرطَ (رشيد رضا)،

стр. 316

كأن تتَّصف بالتَّواترِ العمليِّ والاطِّراد المعروفِ عند الكافَّة (١)! ووافقه على اشتراطِه هذا (سليمان النَّدوي) (٢)، مُتوسِّعًا فيما يَراه صالحًا للتَّمثيلِ لها (٣). فأيُّ غرابة بعدُ في أن تَتَواطأ كلمات الحَداثيِّين على تَبنِّي هذا القولِ والتَّطبيل له (٤)؟! وبِه يخلو لهم الجوُّ في مَقامِ التَّشريعاتِ لإسقاطِ شَطرٍ كبيرٍ مِن أثقالِ السُّنة عن ظهورِهم، بل هي السَّبب عندهم «في تحنيطِ الإسلام، وأنَّ النَّبي ﷺ وصحابتَه لم يعرفوا السُّنةَ بهذا الشَّكل» (٥). الفرع الثَّاني: نقض مسلكِ (البنَّا) في اعتبارِ السُّنة العمليَّة دون القوليَّة. ويتبيَّنُ وجه بطلان تقسيم (البنَّا) للسُّنة من حيث الحجيَّة مِن عدَّةِ وجوه: الأوَّل: أنَّ هذا التَّقسيم بهذا الاعتبار لم يَقُل به أحَدٌ مِن سَلفِ الأمَّة أو مُتأخِّريها، قد أصابَ المعلِّمي في نعتِه لهذا القولِ بأنَّه «اصطلاحٌ مُحدَث، لا يخفى بُطلانه» (٦). الثَّاني: نفي هؤلاءِ لحجيَّة السُّنة القوليَّة نتيجة لمقدِّمة لغويَّةٍ خاطئة، حيث إنَّ دَلالة السُّنة في لُغة العربِ أوسعُ مِن مُجرَّدِ قصرِها على السِّيرةِ العَمليَّة، فإنَّها في وضعهِم الأوَّلِ دالَّةٌ على معاني أخرى، منها: السِّيرة والطَّريقة (٧)، والإمام المُتَّبَع (٨)، ولا شَكَّ أنَّ هذه المعاني شاملةٌ في مَدلولاتِها اللُّغوية للأقوالِ والأفعالِ.

стр. 317

بل نزيد أن نقرِّر هنا: أنَّ الاتِّباعَ كما يكون في العمل والطَّريقة، فهو كائنٌ في الأمرِ والنَّهي من باب أوْلى. فإذا كانت السُّنة هي الخُطَّة والطَّريقة، فلا شَكَّ أنَّ الخطَّة يكون أصلُها القول، والطَّريقُ والطَّريقة والسَّبيل مَعناها واحد، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، والدُّعاء قَول، وقد سَمَّاه سبيلًا (١). الثَّالث: أنَّ أقواله ﷺ أدلُّ على الحكمِ الشَّرعي مِن أفعالِه، على ما قرَّره جمهور الأصوليِّين (٢)، فأفعالُه الجبليَّة لا قُدوة فيها، ولا تَدلُّ على أكثرِ مِن الإباحة، وكذا ما اختصَّ به من الأفعال؛ وهذا لا يُتأتَّى في أقوالِه، فعليه قَدَّموا قوله ﷺ على فعلِه عند التَّعارض (٣). الرَّابع: القول بهذا التَّقسيم المُحدَث للسُّنة يقتضي ردَّ آلاف الأحاديث الَّتي نَقَلها الصَّحابة والتَّابعون ﵃، وأئمَّة الدِّين عنه ﷺ في جميع الأبواب الشَّرعيَّة (٤)، مِمَّا يقتضي رَدَّ أكثر السُّننِ الفِعليَّة نفسها! «بل لا يبعد إذا قلنا كلَّها، لأنَّه ما مِن فعلٍ نُقل إلينا مِن تلك، إلَّا وقد اختُلف في هيآته وأحكامِه المقوِّمة لحقيقتِه، والمسلمون النَّاقلون لِتِلكَ الأعمال، إنَّما كان مُستنَد اختلافهم في ذلك: إمَّا السُّنَن القوليَّة، وإمَّا اجتهاد مَن يتأتَّى له الاجتهاد منهم، فإذا لم يجِب أن تكون سُنن الرَّسولِ ﷺ القوليَّة مِن الدِّين، فلَأن لا تكون مجهودات غيرِه مِن الدِّين أولى وأحرى!» (٥).

стр. 318

فلأجل ذلك نقول: أنَّ السُّنة القوليَّة لو لم تكُن حُجَّةً في دينِ الله تعالى، لَما بذل العلماء المُستأمنون على الشَّرع جهودَهم وأوقاتَهم في تدوينِها، بل ولا أَذِن النَّبي ﷺ بذلك لبعضِ أصحابه أصلًا! ولكان أوَّل مَن يُنبِّه أمَّتَه على خطورة ذلك كي يحذروه (١). الفرع الثَّالث: كتاب «تجريد البخاريِّ ومسلمٍ» التَّطبيق العَمليُّ لقناعات (البنَّا) تُجاه مُدوَّنات الحديث. إذا مَحَصَّنا النَّظرَ في طبيعةِ المؤلَّفات الَّتي خصَّصها (البنَّا) لموضوعِ السُّنة ومُدوَّناتها، أخصُّ منها كتابَه «السُّنة ودورها في الفقه الجديد»، وكتابَه الآخرَ «الأصلان العظيمان: الكتاب والسُّنة»، سنجدُ كتابَه المتأخِّر عنهما «تجريد البخاريِّ ومسلم من الأحاديث الَّتي لا تلزم» هو الميدان التَّطبيقيَّ لما أسلف تنظيرُه وتأصيله في الأوَّلَين؛ غرضُه منه «أنْ يُنقل القارئَ من عالمِ البخاريِّ المُقدَّسِ، كأصدقِ كتابٍ بعد كتابِ الله تعالى، إلى تجريدِه مِن مئاتِ الأحاديثِ .. فالكتاب جديدٌ، ويمكن أن يكون صادِمًا للكثير!» كما يقول (٢). وهو حقًّا صادمٌ لذوي الفِطَر السَّليمة، والعقول المستقيمة، كيف وقد استهلَّه بقارعتين: بكذبةٍ حمقاء، وسرقةٍ خرقاء. فأمَّا الحمقاء: فعَزوُه أوَّلَ كتابِه إلى البخاريِّ إخراجَ حديث «الغرانيق»! وأنَّه ضمنَ جملةٍ أخرى مِن الأحاديثِ الَّتي أساءَت إلى النَّبي ﷺ ، وأنَّ وجوده في «الصَّحيح» ممَّا دَعاه إلى تأليف هذا الكتاب، تبرءةً لعِرضِ النَّبي ﷺ كما زعم (٣). والبخاريُّ بَريءٌ مِن تصحيحِ هذا الحديثِ المُنكَر، و «صحيحُه» خالٍ من هذه الفِرية.

стр. 319

وأمَّا سرقته الخرقاء: والَّتي لم يُحسِن هو سَترَها، فتلك في مُقدِّماتِه التَّأصيليَّةِ الأربعِ لموضوع كتابِه، والَّتي ادَّعى أنَّها مِن وَحيِ اجتهادِه، لا تعدو في واقع الأمر أن تكونَ نسخًا لمِا قَدَّم به (إسماعيل الكرديُّ) كتابَه «نحو تفعيل نقد متن الحديث النَّبويِّ»! مع بعض اختصار (١). فالرَّجل مُكثرٌ مِن استنساخ ما في هذا الكتاب وتقليد صاحبه فيه حذوَ الحرفِ بالحرفِ من غير إحالة إليه! ومَن قابَلَ بين مُقدِّمتي الكِتابين تبيَّن له أوسع ممَّا أعنيه. وبعد هذه المُقدِّمات المَنهوبات من كتاب (الكرديِّ)، شَرَع (البنَّا) في مقصودِ كتابِه بسردِ ما يعتقده مُنكرًا مِن متونِ «الصَّحيحين»، حيث بَلَغت عدَّتُها عنده ستمائةٍ وثلاثةً وخمسين (٦٥٣) حديثًا! مُرتِّبًا لها تحت أربعة عشر بابًا، مُعنوِنًا لها بما يَدلُّ على المعنى العامِّ الَّذي لأجله جُرِّدت مِن لَبوس النُّبوَّة. فكان أوَّل هذه الأواب: «أحاديث الغيب»، ثمَّ «الإسرائيليَّات» (٢)، و «أحاديث تمسُّ ذات الله تعالى» (٣)، و «أحاديث تفسِّر القرآن» (٤)، وأخرى «تحدِّد أسباب نزولها» (٥)، و «أحاديث في نسخ القرآن»، و «أحاديث تتضمَّن أحكامًا

стр. 320

مخالفة للقرآن»، و «الأحاديث القدسيَّة» (١)، و «أحاديث المعجزات الحسيَّة»، و «أحاديث تخلُّ بعصمة الرَّسول ﷺ »، و «أحاديث ضدُّ حريَّة الفكر والاعتقاد»، و «السَّرف في التَّرغيب والتَّرهيب»، و «أحاديث تسيء إلى المرأة»، و «أحاديث مشكلة في متونها». وقد حاولَ (البنَّا) أن يجعل هذه الأبوابَ مُنضويةً تحت ضابطٍ مَنهجيٍّ لنقدِ الأحاديث، وهو «العرضَ على القرآنِ الكريم»، فنَتَج عن استعمالِه لهذا المِعيارِ «التَّوقفَ أمامَ قرابةِ أَلْفَي حديثٍ، يُمكن أن يكون نصفُها في الصَّحيحين» (٢)! وما أبقاه في «الصَّحيحين» مِمَّا سلمت منه يَدَي التَّشطيبٍ أو اللَّمزٍ، فإنَّما هو إمَّا لأجلِ مُوافقته للقرآن، فإنَّه قد عابَ على الشَّيخين تَساهُلَهما المَشينَ مع القرآنِ الكريمِ وتأويلِه! (٣) أو لأنَّ أنفَه اشتَمَّ منها عَبَقَ النُّبوةَ -حسبَ تعبيرِه (٤) - فلم تحتَجْ إلى إجهاد نظرِ المُحدِّثين في نقدِها! (٥) والمؤلِّف في هذا ساردٌ لأغلب تلك الأحاديث تحت الأبوابِ السَّالفة سردًا دون أن يُعلِّق عليها بما يُبيِّن عِلَّتها! وأحيانًا يُبيِّن ذلك، وكأنَّ الشُّبهة الَّتي ارتمَت عليه عند نظرِه في الأحاديث، يفترضُ هو أنَّها أصابَت كلَّ النَّاس؛ فأشبَهَ كتابُه كتابَ فِهرسٍ. وسيأتي نقض كثيرٍ من شطحاته في ذلك في الباب الثَّالث بإذن الله تعالى.
следующие страницы →