كأن تتَّصف بالتَّواترِ العمليِّ والاطِّراد المعروفِ عند الكافَّة (١)! ووافقه على اشتراطِه هذا (سليمان النَّدوي) (٢)، مُتوسِّعًا فيما يَراه صالحًا للتَّمثيلِ لها (٣).
فأيُّ غرابة بعدُ في أن تَتَواطأ كلمات الحَداثيِّين على تَبنِّي هذا القولِ والتَّطبيل له (٤)؟! وبِه يخلو لهم الجوُّ في مَقامِ التَّشريعاتِ لإسقاطِ شَطرٍ كبيرٍ مِن أثقالِ السُّنة عن ظهورِهم، بل هي السَّبب عندهم «في تحنيطِ الإسلام، وأنَّ النَّبي ﷺ وصحابتَه لم يعرفوا السُّنةَ بهذا الشَّكل» (٥).
الفرع الثَّاني: نقض مسلكِ (البنَّا) في اعتبارِ السُّنة العمليَّة دون القوليَّة.
ويتبيَّنُ وجه بطلان تقسيم (البنَّا) للسُّنة من حيث الحجيَّة مِن عدَّةِ وجوه:
الأوَّل: أنَّ هذا التَّقسيم بهذا الاعتبار لم يَقُل به أحَدٌ مِن سَلفِ الأمَّة أو مُتأخِّريها، قد أصابَ المعلِّمي في نعتِه لهذا القولِ بأنَّه «اصطلاحٌ مُحدَث، لا يخفى بُطلانه» (٦).
الثَّاني: نفي هؤلاءِ لحجيَّة السُّنة القوليَّة نتيجة لمقدِّمة لغويَّةٍ خاطئة، حيث إنَّ دَلالة السُّنة في لُغة العربِ أوسعُ مِن مُجرَّدِ قصرِها على السِّيرةِ العَمليَّة، فإنَّها في وضعهِم الأوَّلِ دالَّةٌ على معاني أخرى، منها: السِّيرة والطَّريقة (٧)، والإمام المُتَّبَع (٨)، ولا شَكَّ أنَّ هذه المعاني شاملةٌ في مَدلولاتِها اللُّغوية للأقوالِ والأفعالِ.
стр. 317
بل نزيد أن نقرِّر هنا: أنَّ الاتِّباعَ كما يكون في العمل والطَّريقة، فهو كائنٌ في الأمرِ والنَّهي من باب أوْلى.
فإذا كانت السُّنة هي الخُطَّة والطَّريقة، فلا شَكَّ أنَّ الخطَّة يكون أصلُها القول، والطَّريقُ والطَّريقة والسَّبيل مَعناها واحد، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، والدُّعاء قَول، وقد سَمَّاه سبيلًا (١).
الثَّالث: أنَّ أقواله ﷺ أدلُّ على الحكمِ الشَّرعي مِن أفعالِه، على ما قرَّره جمهور الأصوليِّين (٢)، فأفعالُه الجبليَّة لا قُدوة فيها، ولا تَدلُّ على أكثرِ مِن الإباحة، وكذا ما اختصَّ به من الأفعال؛ وهذا لا يُتأتَّى في أقوالِه، فعليه قَدَّموا قوله ﷺ على فعلِه عند التَّعارض (٣).
الرَّابع: القول بهذا التَّقسيم المُحدَث للسُّنة يقتضي ردَّ آلاف الأحاديث الَّتي نَقَلها الصَّحابة والتَّابعون ﵃، وأئمَّة الدِّين عنه ﷺ في جميع الأبواب الشَّرعيَّة (٤)، مِمَّا يقتضي رَدَّ أكثر السُّننِ الفِعليَّة نفسها! «بل لا يبعد إذا قلنا كلَّها، لأنَّه ما مِن فعلٍ نُقل إلينا مِن تلك، إلَّا وقد اختُلف في هيآته وأحكامِه المقوِّمة لحقيقتِه، والمسلمون النَّاقلون لِتِلكَ الأعمال، إنَّما كان مُستنَد اختلافهم في ذلك: إمَّا السُّنَن القوليَّة، وإمَّا اجتهاد مَن يتأتَّى له الاجتهاد منهم، فإذا لم يجِب أن تكون سُنن الرَّسولِ ﷺ القوليَّة مِن الدِّين، فلَأن لا تكون مجهودات غيرِه مِن الدِّين أولى وأحرى!» (٥).
стр. 318
فلأجل ذلك نقول: أنَّ السُّنة القوليَّة لو لم تكُن حُجَّةً في دينِ الله تعالى، لَما بذل العلماء المُستأمنون على الشَّرع جهودَهم وأوقاتَهم في تدوينِها، بل ولا أَذِن النَّبي ﷺ بذلك لبعضِ أصحابه أصلًا! ولكان أوَّل مَن يُنبِّه أمَّتَه على خطورة ذلك كي يحذروه (١).
الفرع الثَّالث: كتاب «تجريد البخاريِّ ومسلمٍ» التَّطبيق العَمليُّ لقناعات (البنَّا) تُجاه مُدوَّنات الحديث.
إذا مَحَصَّنا النَّظرَ في طبيعةِ المؤلَّفات الَّتي خصَّصها (البنَّا) لموضوعِ السُّنة ومُدوَّناتها، أخصُّ منها كتابَه «السُّنة ودورها في الفقه الجديد»، وكتابَه الآخرَ «الأصلان العظيمان: الكتاب والسُّنة»، سنجدُ كتابَه المتأخِّر عنهما «تجريد البخاريِّ ومسلم من الأحاديث الَّتي لا تلزم» هو الميدان التَّطبيقيَّ لما أسلف تنظيرُه وتأصيله في الأوَّلَين؛ غرضُه منه «أنْ يُنقل القارئَ من عالمِ البخاريِّ المُقدَّسِ، كأصدقِ كتابٍ بعد كتابِ الله تعالى، إلى تجريدِه مِن مئاتِ الأحاديثِ .. فالكتاب جديدٌ، ويمكن أن يكون صادِمًا للكثير!» كما يقول (٢).
وهو حقًّا صادمٌ لذوي الفِطَر السَّليمة، والعقول المستقيمة، كيف وقد استهلَّه بقارعتين: بكذبةٍ حمقاء، وسرقةٍ خرقاء.
فأمَّا الحمقاء: فعَزوُه أوَّلَ كتابِه إلى البخاريِّ إخراجَ حديث «الغرانيق»! وأنَّه ضمنَ جملةٍ أخرى مِن الأحاديثِ الَّتي أساءَت إلى النَّبي ﷺ ، وأنَّ وجوده في «الصَّحيح» ممَّا دَعاه إلى تأليف هذا الكتاب، تبرءةً لعِرضِ النَّبي ﷺ كما زعم (٣).
والبخاريُّ بَريءٌ مِن تصحيحِ هذا الحديثِ المُنكَر، و «صحيحُه» خالٍ من هذه الفِرية.
стр. 319
وأمَّا سرقته الخرقاء: والَّتي لم يُحسِن هو سَترَها، فتلك في مُقدِّماتِه التَّأصيليَّةِ الأربعِ لموضوع كتابِه، والَّتي ادَّعى أنَّها مِن وَحيِ اجتهادِه، لا تعدو في واقع الأمر أن تكونَ نسخًا لمِا قَدَّم به (إسماعيل الكرديُّ) كتابَه «نحو تفعيل نقد متن الحديث النَّبويِّ»! مع بعض اختصار (١).
فالرَّجل مُكثرٌ مِن استنساخ ما في هذا الكتاب وتقليد صاحبه فيه حذوَ الحرفِ بالحرفِ من غير إحالة إليه! ومَن قابَلَ بين مُقدِّمتي الكِتابين تبيَّن له أوسع ممَّا أعنيه.
وبعد هذه المُقدِّمات المَنهوبات من كتاب (الكرديِّ)، شَرَع (البنَّا) في مقصودِ كتابِه بسردِ ما يعتقده مُنكرًا مِن متونِ «الصَّحيحين»، حيث بَلَغت عدَّتُها عنده ستمائةٍ وثلاثةً وخمسين (٦٥٣) حديثًا! مُرتِّبًا لها تحت أربعة عشر بابًا، مُعنوِنًا لها بما يَدلُّ على المعنى العامِّ الَّذي لأجله جُرِّدت مِن لَبوس النُّبوَّة.
فكان أوَّل هذه الأواب: «أحاديث الغيب»، ثمَّ «الإسرائيليَّات» (٢)، و «أحاديث تمسُّ ذات الله تعالى» (٣)، و «أحاديث تفسِّر القرآن» (٤)، وأخرى «تحدِّد أسباب نزولها» (٥)، و «أحاديث في نسخ القرآن»، و «أحاديث تتضمَّن أحكامًا
стр. 320
مخالفة للقرآن»، و «الأحاديث القدسيَّة» (١)،
و «أحاديث المعجزات الحسيَّة»، و «أحاديث تخلُّ بعصمة الرَّسول ﷺ »، و «أحاديث ضدُّ حريَّة الفكر والاعتقاد»، و «السَّرف في التَّرغيب والتَّرهيب»، و «أحاديث تسيء إلى المرأة»، و «أحاديث مشكلة في متونها».
وقد حاولَ (البنَّا) أن يجعل هذه الأبوابَ مُنضويةً تحت ضابطٍ مَنهجيٍّ لنقدِ الأحاديث، وهو «العرضَ على القرآنِ الكريم»، فنَتَج عن استعمالِه لهذا المِعيارِ «التَّوقفَ أمامَ قرابةِ أَلْفَي حديثٍ، يُمكن أن يكون نصفُها في الصَّحيحين» (٢)!
وما أبقاه في «الصَّحيحين» مِمَّا سلمت منه يَدَي التَّشطيبٍ أو اللَّمزٍ، فإنَّما هو إمَّا لأجلِ مُوافقته للقرآن، فإنَّه قد عابَ على الشَّيخين تَساهُلَهما المَشينَ مع القرآنِ الكريمِ وتأويلِه! (٣) أو لأنَّ أنفَه اشتَمَّ منها عَبَقَ النُّبوةَ -حسبَ تعبيرِه (٤) - فلم تحتَجْ إلى إجهاد نظرِ المُحدِّثين في نقدِها! (٥)
والمؤلِّف في هذا ساردٌ لأغلب تلك الأحاديث تحت الأبوابِ السَّالفة سردًا دون أن يُعلِّق عليها بما يُبيِّن عِلَّتها! وأحيانًا يُبيِّن ذلك، وكأنَّ الشُّبهة الَّتي ارتمَت عليه عند نظرِه في الأحاديث، يفترضُ هو أنَّها أصابَت كلَّ النَّاس؛ فأشبَهَ كتابُه كتابَ فِهرسٍ.
وسيأتي نقض كثيرٍ من شطحاته في ذلك في الباب الثَّالث بإذن الله تعالى.
стр. 321
الفصل الرابع
موقف الاتِّجاه العَقلانيِّ الإسلامي مِن «الصَّحيحين»
стр. 322
المَبحث الأوَّل
بدء نشوء الاتِّجاه العقلانيِّ الإسلاميِّ المُعاصر
أوَّل تَجدُّدٍ لهذا الاتِّجاه العَقلانيِّ الحديثِ في نظرِه إلى الشَّريعة ونصوصِها كانَ أواخرَ القرنِ الثَّالث عشر في المشرق العربيِّ ابتداءً، إبَّان ضعفَ الخلافةِ العُثمانيَّة، وانتكاسةِ الأمَّةِ الإسلاميَّةِ ريادةً وحَضارةً، بإزاء تَقدُّمٍ عِلميٍّ وتقنيٍّ وعسكريٍّ لأُمَم الغَربِ؛ أدَّى تَسلُّطهم الحضاريِّ على ضَعَفَة المُسلمين بقوَّة البارودِ ممزوجًا بمِدادِ المَطابع، إلى بروزِ اتِّجاهاتٍ فكريَّةٍ مُواليةٍ لهم، ممثَّلة بقوَّة في التَّيار العَلمانيِّ الغالي الَّذي صار لسانَ المُحتلِّ بين بَني جِلدَتِهم، يُحسِّنون للنَّاسِ أفكارَهم، ويُجمِّلون لهم أنماط معايشهم.
حينَها هالَ الخَطبُ فقهاءَ الأمَّة ومُفكِّريها، فهرعوا إلى ردعِ تلك الحَملاتِ المُتسلِّلة إلى العقلِ الجَمْعيِّ مَذاهبَ شَتَّى، كلٌّ يَدَّعي التَّمكُّن من زِمام الإصلاح، كان منهم فِئةٌ على قناعة من أنَّ ربط جَأشِ المسلمينَ وتَثبيتهم على الدِّينِ لا يتمُّ إلَّا ببيانِ الوِفاقِ الحاصلِ بين الإسلام وما انبهر به النَّاس مِمَّا وصلَت إليه الدُّوَل الإمبرياليَّة مِن تَقدُّمٍ في شتَّى العلومِ الماديَّة.
فما برحوا يطمئنون أهل الثَّقافة على وَلاءِ الإسلامِ للحُريَّاتِ الفرديَّة، فسوَّغت النَّظرَ العقليَّ المُجرَّد إلى نُصوصِه على نَمطٍ يخالف ما عُهِد إليهم مِن أسلافِهم، مُتَعذِّرين بأنَّ الأمرَ لا يَعدو أن يكون عَودًا بالنَّظرِ في دَلالاتِ بعضِ النُّصوصِ لتَنسجِم مع قطعيَّاتِ الحضارةِ الوافدة، أو عودًا بالنَّظر في أمر ثبوتِها من
стр. 323
حيث النَّقل؛ ما استلزم -في زعمِهم- إعادةَ تشكيل بعضِ الأحكامِ الدِّينيَّة بما يَتَوافق والقوالبَ الفلسفيَّة السَّائدة، وذلك بالتَّلفيقِ -ولو جُزئيًا- بين أطروحاتِ الحضارة المَدنيَّة الحديثة والمَرجعيَّة الإسلاميَّة العَتيقة.
أوليس الإسلام صالحًا لكلِّ زمانٍ ومكانٍ؟! إذن لا بُدَّ مِن التَّجديد في بعضِ أحكامِه وتبديلها لتصدُق هذه المَقولة! آبينَ -في الوقت ذاتِه- أن يَتَنكَّروا لشريعتِهم خلافَ مَن تَنكَّب مِن أتباعِ العَلمانيَّة، بحسبِ ما عندَ كلِّ فردٍ منهم مِن آثارِ التَّسليمِ لنصوصِها، واليقينِ بأدلَّتها، والاعتزازِ بالانتماء إليها، وعليه خصصتُ هذا التَّيار الإصلاحيَّ بوَصفِ «الإسلاميِّين» أو «الإصلاحيِّين»، لاهتمامِهم بإصلاح المَنظومات الدينيَّة والسِّياسية والاجتماعيَّة وفق نظرة شرعيَّة خاصَّة -وإن بَدا مِن بعضِهم نوعُ غلوٍّ في استعمالِ العَقليَّاتِ في نَظرتِه للدِّين- تميِيزًا لهم عن باقي طوائفِ المَدرسة العَصرانيَّة بمَفهومِها العامِّ (١).
ففي هذه المرحلةِ الحسَّاسةِ بالذَّات مِن تاريخ هذا الصِّراعِ الحضاريِّ، بَدَأت تَتَكاملُ مَلامحُ مدرسةِ التَّجديدِ الدِّيني شيئًا فشيئًا، بعد أن رسمَ تشكُّلاتِها الأولى جمالُ الدِّين الأفغاني (ت ١٣١٥ هـ) (٢)، على أساسٍ قد سُبق إليه مِن أربابِ
стр. 324
المقالاتِ العقلانيَّةِ القديمةِ؛ ثمَّ أحكمَ صبغها بما يَتوافق والرُّوحَ العصريَّة الجديدةَ مَن جاء بعده مِن تلاميذِه بمِصر، أخصُّ بالذِّكرِ منهم مُريدَه (محمَّد عبده)، حيث سَنُّوا لمدرستِهم دستورًا مُستحدَثًا أُعطِي فيه سلاحُ العقلِ أكثرَ مِن حدِّه.
فلقد أعلنَها (محمَّد عبدُه) صُراحًا مِن غير مواربةٍ بما كان يُشنِّعُ به أهلُ العلم قديمًا على أهل الكلامِ، من أنَّه: «إذا تَعارَضَ العقلُ والنَّقلُ، أُخِذَ بما دَلَّ عليه العَقل» (١)؛ وبهذا أجهزوا على عدد غير قليل من النُّصوص الحديثيَّة، وضيَّقوا مِن حَيِّز الغَيْبيَّاتِ في أبوابِ الاعتقاد، وأنكروا ما تتَابع المسلمون على تصديقِه مِن جليلِ المُعجِزات (٢).
يقول (محمَّد عبده): «المُطالبةُ بالإيمانِ بالله ووحدانيتِه، لا يعتمد على شيءٍ سِوى الدَّليل العقليِّ، والفكر الإنسانيِّ، الَّذي يجري على نظامِه الفطريِّ، فلا يُدهشك بخارقٍ للعادة، ولا يَغشى بصَرَك بأطوارٍ غيرِ مُعتادةٍ، ولا يُخرس لسانَك بقارعةٍ سماويَّة، ولا يقطعُ حركةَ فِكرِك بصيحةٍ إلهيَّة» (٣).
فحول هذا المأخِذ الَّذي يقرره (عبدُه) قد دَنْدَنَ (حسن حنفي) كثيرًا في مؤلَّفاته، فتراه يضرِبُ في حديدٍ باردٍ حين يسألُ مُستنكِرًا: «هل تُؤدِّي المعجزةُ إلى تصديقِ الرَّسول؛ وهي برهانٌ خارِجيٌّ عن طريقِ القُدرة، وليس داخليًّا عن طريقِ اتِّفاقِها مع العقلِ، أو تَطابُقِها مع الواقع؟!» (٤).
وتماشيًا منهم مع هذه القناعة المجافية للتَّسليم الشَّرعي، ارتكبوا كلَّ عَسِرٍ لنفْيِ الآياتِ والبراهينِ الحِسِّية، ولَيِّ أعناقِ النُّصوص الَّتي تُثْبِتها؛ يظهر هذا أيضًا
стр. 325
فيما اجتَرَحه (محمد عبُده) عند تناولِه للآياتِ الدالَّة على المُعجزات في تفسيره لبعضِ آيِ القرآن (١)؛ وعلى نفس نهجه أعطَى كثيرٌ مِن أتباعِه لعقولهم حُريَّةً واسعةً أقربَ إلى التَّفلُّت، فتَأوَّلوا بعضَ الحقائق الشَّرعيَّة الَّتي جاءت بها نصوص الوَحيِ، عدولًا بها عن الحقيقةِ إلى المَجازِ أو التَّمثيلِ؛ وليس هناك ما يَدعو حقيقةً إلى هذا الموقف المُتكلَّف من نصوص الشَّرع إلَّا مُجرَّد الاستبعادِ والاستغراب، وسيأتي تفصيل الرَّد على هذه الشبهة في مطاوي هذا البحث.
стр. 326
المَبحث الثَّاني
أبرز شخصيَّات المدرسةِ العقليَّةِ الإسلاميَّةِ الحديثةِ
لئِن كان جمالٌ الأفغانيُّ المؤسِّسَ الرَّمزيَّ لهذه المدرسة بادئ أمرِها -كما أشرنا إليه آنفًا- وباعث الفكرة في رُوَّادِها، فإنَّ تلميذَه (محمَّد عبده) هو الَّذي أقام صروحَها وأجاد في الإقناع بها، فكان بحقٍّ صاحبَها وإمامَها الأوَّل، وله مِن الأثرِ على أتباعِها ما لم يكن لأستاذِه، نتيجةَ اختلافِ الوسائل الَّتي ارتضيَاها لبَثِّ أفكارهِم، وتنزيلِها على أرضِ الواقع.
فبينما كان الأفغانيُّ منكبًّا على المجالِ السِّياسيِّ، يبتغي من خلاله نهضةً حضاريَّةً جديدة، مقتنعًا بعدم إمكان تغيير للواقعِ إلَّا بـ «ثورة سِياسيَّة» دندنَ حولها في عدَّةٍ من مَقالاتِه؛ كان تلميذه (عبدُه) يخالفه المَسلك، فيدعوه -مُتأدِّبًا- إلى سلوكِ طريقِ التَّعليمِ والدَّعوةِ والكِتابةِ لتحقيقِ ما يَصبوان إليه مِن إصلاحٍ حَضاريٍّ، إلى أن أعلنَ عيبَه عليه بعد موتِه انشغالَه المُبالَغَ «بأمورِ الحُكم والحُكَّام» (١)، فصارَت له ردَّة فعلٍ تُجاه مسلكِه بالغَ فيها بدورِه (٢)، وإن لم يَنجُ هو أيضًا مِن سُعار السِّياسة ومكر أربابها.
стр. 327
يقول الحجويُّ الفاسيُّ: «الشَّيخ محمَّد عبدُه رجل أدَبٍ، وليس رجلَ حديثٍ وفقهٍ، وهو رجلُ زَعامةٍ في السِّياسة، نعترفُ بفضلِه على بلادِه ونَفْعِها، فيما سِوى الفَنَّيْن المَذكوريْن» (١).
ولقد كان من عوامل انتشار أفكار (عبدُه) وتذليل مسلكه في الإصلاح ظروف سِياسيَّة وثقافيَّة خاصَّةٌ أحاطَت بالحالةِ الاجتماعيَّة في المَشرق العربيِّ آنذاك، فقد كان مُفتيَ الدِّيار المصريَّة، ومَن واجَه مُدراءَ جامعة الأزهرِ بضرورةِ إصلاح مَناهج التَّعليمِ فيها للارتقاءِ بشبيبةِ البلَد في سلالِم العلومِ ومُواكبة العصر.
فلقد فسَحَ له المُحتَلُّ البريطانيُّ مجالًا واسعًا للتَّصدُّر في ذلك، فكُتِب لمواقِفه التَّجديديَّة القَبول عند شريحةٍ عَريضةٍ مِن طبقاتِ النَّاس على اختلافِ تخصُّصاتِهم، وأخذَ كُلُّ شَغوفٍ بالتَّغييرِ يَتبنَّاها في مَقالاتِه وكتاباتِه، ويُنافحون عن رِجالاتِ مَدرَستِه إلى اليوم.
يَصِف المُستشرق الإنجليزي (جُب) هذا التَّأثير الخطيرَ لأفكارِ (محمَّد عبدُه) على السَّاحة الثَّقافية والفكريَّة وقته فيقول: «إنَّ عَظمةَ اسمِه قد ساهمَت في نشرِ أخبارٍ لم تكن تُنشَر مِن قبل! ثمَّ إنَّه قد أقامَ جِسرًا مِن فوق الهُوة السَّحيقةِ بين التَّعليم التقَّليدي، والتَّعليمِ العقليِّ المُستَورَد مِن أوربا، الأمر الَّذي مَهَّد للطَّالبِ المُسلمِ أن يَدرُس في الجامعاتِ الأوروبيَّة، دون خشيةٍ مِن مخالفةِ مُعتقدِه، وهكذا انفَرَجت مصرُ المسلمة بعد كبتٍ! فقد ساهمَ الشَّيخ محمَّد عبده أكثرَ مِن أيِّ شخصٍ آخرَ في خلقِ اتِّجاهٍ أدبيٍّ جديدٍ، في إطارِ الرُّوح الإسلاميَّة» (٢).
ويقول ألبرت حوراني (ت ١٤١٤ هـ) (٣):
«لقد تابعَ عَبدُه النَّهجَ الَّذي عهدناه لدى الطَّهطاوي وخير الدِّين والأفغانيِّ في التَّوحيد بين بعض المفاهيم التَّقليديَّة للفكر الإسلاميِّ، وبين الأفكار السَّائدة
стр. 328
في أوربا الحديثة .. ولا شكَّ أنَّه كان من السَّهل باتِّباع هذا النَّهج تحويرُ -إن لم نقُل إبطال! - المعنى الدَّقيق للمفاهيم الإسلاميَّة، وتناسي ما يميِّز الإِسلام عن غيره من الأديان، لا بل عن النَّظرة الإنسانيَّة اللَّادينيَّة! وهذا ما تنبَّه له بقلقٍ نُقَّاده المحافظون ..
لقد نوَى محمَّد عبدُه إقامةَ جدار ضدَّ العَلمانيَّة، فإذا به -في الحقيقة- يبني جسرًا تعبر العلمانيَّة عليه لتحتلَّ المواقع واحدًا بعد الآخر! وليس من الصُّدفة أن يَستخدم معتقداتَه فريقٌ من أتباعه في سبيل إقامة العَلمانيَّة الكاملة ..
لقد رضي عبدُه بالتَّعاون مع البريطانيِّين -مع أنَّهم كانوا أجانب لا مسلمين- شرطَ أن يساعدوا في العمل من أجل التَّربية الوطنيَّة، وشرطَ أن يكون بقاؤهم مؤقَّتًا؛ وكان على صلةٍ طيِّبةٍ بـ (كرومِر) -المندوب البريطانيِّ على مصر- مع أنَّه لم يكن يحبُّ سائر الرَّسميِّين البريطانيِّين؛ فقد كتب (كرومر) عنه وعن رفاقه قائلًا: (بأنَّهم الخلفاء الطَّبيعيُّون للمُصلح الأوروبيِّ)! ولذلك أيَّده عندما أراد الخديوي عزلَه من منصب الفتوى» (١).
ولقد أسالَ الحديثُ عن مدرسة عبدُه الحديثة -بمُؤسِّسِيها ومَناهجها- مِدادَ المَحابر سيْلَ العَرِم! لكثرةِ ما خَرَّجت مِن كُتَّابٍ وأدباء ومُفكِّرين، تركوا آثارًا بليغةً على السَّاحةِ العلميَّة والفكريَّة والثَّقافيَّة الإسلاميَّة المعاصرة؛ إمَّا تَتلمذوا على شيوخِها مواجهةً، أو عن طريقِ مُؤلَّفاتهم.
كان مِن هؤلاءِ سِياسيُّون: كسعد زَغلول (ت ١٣٤٦ هـ) (٢)، على زَيغِه بعدُ إلى العَلمانيَّة، واقترافِ بوائقَ في بعضِ مُمارَساتِها (٣)؛ وكُتَّابٌ أدباء: كقاسم
стр. 329
أمين (ت ١٣٦٢ هـ) (١)، وعبد العزيز جاويش (ت ١٣٤٧ هـ) (٢)، وأحمد أمين (ت ١٣٧٣ هـ) (٣)،
ومحمَّد فريد وجدي (ت ١٣٧٣ هـ) (٤)؛ وعلماءُ دينٍ مُبرَّزون: كمحمَّد رشيد رضا (٥)، وأحمد مصطفى المَراغي (ت ١٣٧١ هـ) شيخ الأزهر (٦) -وهما أقربُ تلاميذِ (محمَّد عبده) إليه- ومَن جاء بعدهما كمحمود شَلتوت (ت ١٣٨٣ هـ).
ثمَّ تبِع آثارَهم مِن بعدهم ثلَّة كبيرةٌ من الدُّعاة والمفكِّرين الإسلاميِّين ممَّن تَركوا بصمةً ظاهرةً لا تُنكَر على النَّاشئةِ العِلميَّة والدَّعويَّة في العقودِ الأخيرة، أعني منهم على سبيل المثال: أبو الأعلى المودوديُّ (ت ١٣٩٩ هـ) (٧)، ومحمَّد
стр. 330
الغزالي (ت ١٤١٦ هـ)، وحسن التُّرابي (ت ١٤٣٧ هـ)، وحسين بن أحمد أمين (ت ١٤٣٥ هـ)، والكاتب الصُّحفيِّ فهمي هويدي، في آخرين يَطول استيعابُهم.
حتَّى كُتَّاب الإماميَّة أنفسهم تأثَّر بعضهم بهذه المدرسة في نقد السُّنة، يصرِّح بهذا أحدُ باحثِيهم فيقول: «نحن نجِدُ أنَّ مساهماتِ الكاتبِ محمود أبو ريَّة، والأستاذ محمد أمين، والشَّيخ محمَّد رشيد رضا، والإمام محمَّد عبدُه، وصولًا إلى العصر الحاضرِ، كانت ظاهرةً في التَّجربة النَّقدية الإماميَّة! فقد فَتَحت هذه المساهمات النَّقدية البابَ أمامَ النَّاقد الإماميِّ، للعثورِ على مزيدٍ مِن المشاكلِ في الصَّحيحين وغيرهِما» (١).
ومِن الجديرِ هنا استصحابه قبل ختم هذا المَبحث في الكلامِ عن المُنتسِبين إلى هذا التَّيار الإصلاحيِّ العقلانيِّ، أنَّهم على غير درجةٍ واحدةٍ في نَظْرِتهم العقليَّةِ إلى نصوصِ الشَّريعة وأحكامِها، فإنَّك تَجِدُ منهم مَن يَغلو في مناطحةِ النُّصوصِ، والسَّعيِ في تبديلِ الشَّرائعِ باسمِ التَّجديدِ والنَّظرِ المقاصِدِي، لا تكاد تُفرِّق بينه وبين مُنظِّرٍ عَلمانيِّ في كثيرٍ مِن أفكارهم الأساسة.
ومنهم مَن تصدُر منه تلك التَّمعقُلات على النُّصوص أحيانًا، على وجهٍ يُنبي عن تأثُّرِه نوعًا ما بهذا المنهجِ العقليِّ في نظره إلى النَّصوصِ، وهو أقربُ إلى نهج المُحافِظين على طريقة السَّلَف في ذلك.
стр. 331
لهذا تجدني -أيَّها القارئ الكريم- مُتردِّدًا في إدخالِ بعضِ مَشاهير الفِكر مِن المُعاصرين في هذا التَّيار العقلانيِّ أو مَيْزِه عنه، حسب تقيِيمي لمُجمَل تَقريراتِه الَّتي تصدر عنه، إلى أيِّ التَّيارات الفِكريَّة هو أقرب، وفي أيِّ درجةٍ مِن درجاتِ العقلانيَّة نفسِها يوضَع.
والله المُوفِّق للصَّواب.
стр. 332
المَبحث الثَّالث
تأثُّر المدرسة العَقلانيَّة الإصلاحيَّة بالفكرِ الاعتزاليِّ
في نظرتها إلى النُّصوص
تأثَّرت هذه المدرسة الإصلاحيَّة المُستحدَثة -بقدرٍ ما- بأصول المدرسة الاعتزاليَّة القديمة في منهجِ الاستدلال، بل استطاعَت أن تخرِّجَ أفرادًا أشبه بمُعتزلةِ القرونِ الأولى! مُكْبِرين للعقل على حسابِ الثَّابتِ من النُّصوص، مُقدِّمين لِما يرونَه عقلًا عند بدوِّ التَّعارضٍ، مُستبيحِين لحِمى العقائدِ الغَيبِيَّة بتَصورَّاتٍ عقليَّةٍ مَحضةٍ؛ وُجِد فيهم من يسلم من لمزِ علماءِ السَّلف وأهلِ الحديثِ، أو التَّهكُّمِ بأقوالِهم، ورَميِهم بالحَشويَّةِ ونحو ذلك من الألقاب المُنفِّرة، دون اكتراثٍ منهم بما يَنقله العلماء مِن إجماعاتِ في المَواضيع الَّتي يشذُّون فيها.
مع التَّنبيه على اختلافِ مَراتب كِلا هاتين المدرستين في التزامِ أصلِ هذا التَّحكيم العقليِّ، والَّتفاوات الحاصل بينهم مِن حيث تعميمُه على مَسائل الدِّين.
وفي تقريرِ هذا التَّأثير الاعتزاليِّ في أرباب هذا التَّيار العقلانيِّ الحديث، يقول أحد المُعجبين بهم (محمَّد حمزة):
«إنَّ النَّزعة العقليَّة الَّتي تحمَّس لها مُفكِّرون عديدون، كمحمَّد عبدُه، وعلي عبد الرَّزاق، وأحمد أمين، ومحمود أبو ريَّة، وَجَدَت في مَبادئ المعتزلةِ ونزعَتِها العقليَّة تعبيرًا صادقًا عن طموحاتِها، فكان الاحتفاءُ بمَبادِئها -وخاصَّةً في فترةِ ما بين الحربَيْن- استعادةً جديدةً، ومحاولةَ إحياءِ العقلانيَّة العربيَّة القديمة ..
стр. 333
ومثلما وَجَد هؤلاء المُفكِّرون في مَبادئ المعتزلة ما يتَناغم مع دعوتهم التحديثيَّة، فإنَّ موقف المعتزلة مِن الأدلَّة النَّقليَّة عمومًا، والحديث النَّبوي بصفةٍ أخص، كان ممَّا يُلائم أفكارَهم» (١).
ومن أخطر ما نالته أنفاسُ الاعتزالِ في هذا التَّيار الحديث مصادرُ التَّلقي الشَّرعي نفسِها، حيث أقرُّوا بظنيَّةِ الآحادِ مطلقًا ومنعِ الاحتجاجِ بها في العقائدِ (٢)، بل غَلا بعضهم فسَلبَ الحُجيَّة منها في الأحكام، واقتصَرَ آخرونَ على المنعِ في المسائلِ الفرعيَّةِ الكُبرى كالحدودِ (٣).
يُلخِّص لنا (محمَّد حسين الذَّهبي) جملةً مِن هذه المآخذاتِ المنهجيَّة على المدرسةِ العقليَّة الحديثة، فيقول:
«إنَّها بسببِ هذه الحُريَّة العقليَّة الواسعةِ جارَت المعتزلةَ في بعض تعاليمِها وعقائدِها، وحَمَّلت بعضَ ألفاظِ القرآن مِن المعاني ما لم يكُن مَعهودًا عند العَرَب في زمنِ نزولِ القرآن، وطَعَنت في بعضِ الأحاديث: تارةً بالضَّعفِ، وتارةً بالوضعِ، مع أنَّها أحاديثُ صحيحةٌ، رواها البخاريُّ ومسلم، وهما أصَحُّ الكتبِ بعد كتاب الله تعالى بإجماعِ أهل العلم، كما أنَّها لم تَأخذ بأحاديثِ الآحادِ الصَّحيحةِ الثَّابتةِ في كلِّ ما هو مِن قبيل العقائد، أو مِن قَبيل السَّمعيات، مع أن أحاديث الآحاد في هذا الباب كثيرةٌ لا يُستهان بها» (٤).
ولعلَّ ما يوضِّح هذا التَّأثُّر والتَّشابه بين نَهجِ المدرسةِ الإصلاحيَّة العقلانيَّة الحديثة وبين نهجِ أربابِ الاعتزال: ما نسمعه بين الفَينة والأخرى مِن إشادةِ كثيرٍ مِن المعاصرين بالمُعتزلةِ ومُصنَّفاتهم، حتَّى اعتبر بعضُهم سقوطَهم التَّاريخيَّ في
стр. 334
مُواجهتِهم لأهل السُّنة، واندثارَ تكتُّلِهم المَذهبيِّ بعد ذلك: نكسةً تاريخيَّة كبيرةً، وضررًا بالإسلام المُنفَتح، بل عاملًا في تخلُّف المسلمين إلى اليومِ!
منهم (أحمد أمين) (١) أحدُ الرُّموز المُبكِّرة لهذه المدرسةِ المُعاصرة، حيث يقول:
«لمَّا ذَهَب ضوءُ المعتزلةِ، وقعَ النَّاس تحت سلطانِ المُحدِّثين وأمثالهم مِن الفقهاء .. فكانت النَّتيجة جمودًا بحتًا! .. فلمَّا ضَعُف شأن المعتزلة بعد المِحنة، ظلَّ المسلمون تحت تأثيرِ حزب المُحافظين نحوًا مِن ألفِ سنةٍ، حتَّى جاءت النَّهضة الحديثة، وفي الواقع: إنَّ فيها لونًا مِن ألوانِ الاعتزال، ففيها الشَّك والتَّجربة، وهما مَنهجانِ مِن مناهج الاعتزال -كما رأيتَ في النَّظام والجاحظِ- وفيهما الإيمان بسُلطةِ العقل .. ففي رأيي أنَّ مِن أكبر مَصائبِ المسلمين موتُ المعتزلة، وعلى أنفسِهم جَنوا! .. » (٢).
стр. 335
المَبحث الرَّابع
مُدافعة أهلِ العلمِ والفكرِ لمَدِّ أفكارِ المدرسة العقلانيَّة المعاصرة
فلأجلِ ما في هذا التِّيار العقلانيِّ الإصلاحيِّ الجديد مِن انحرافات مَنهجيَّةٍ غير هَيِّنة، انْبَرَى ثلَّةٌ مِن أهلِ الفكرِ في مِصرَ وغيرِها للردِّ على آراءِ رُؤوسِه، وظَهَرت الشِّدة مِن بعضِهم في التَّشنيعِ على (الأفغانيَّ) و (محمَّد عبده)، كان منهم:
مُعاصِرُهما (محمَّد الجنبيهيُّ) (١) وقد زامل عبده في الأزهر، حيث اشتد عليه وعلى شيخه الأفغاني خصوصًا، وذكر انحرافه عن أبواب من الأحاديث القدسية وتشرُّبه بالمنهج الطبيعي (٢).
ومثلهُ (مصطفى صبري) (٣)، شيخ الإسلام في الدَّولة العثمانيَّة، حيث رَدَّ
стр. 336
على بعض مَقالاتِهما، وشَبَّهَهما بـ «لُوثِر» مُحْدِثِ البروتِسْتانتيَّة في النَّصرانيَّة! (١)
وجاء بعده (يوسف الدِّجْوي) (٢)، ليُخصِّص في الرَّد على (رشيد رضا) سِفرًا ناريًّا أسماه «صواعق من نار، على صاحب المنار»، تتبَّع فيه أشهر زلقاته في كتابه التَّفسير.
وبعدهم من بلاد المغرب يؤلِّف (عبد الرَّحمن النَّتيفي الجعفريُّ) (٣) رسالةً صغيرة أسماها «الأبحاث البَيْضا، مع الشَّيْخين عبدُه ورشيد رِضا»، ناقشَ فيها رشيدًا في خمسِ مسائلَ أودَعَها تفسيرَه انتصَرَ فيها لشَيْخِه عبدُه، تحوي تأويلاتٍ مُتعَسِّفةً لبعضِ الآياتِ، ورَدًّا لبعضِ الأحاديث (٤).
بل هذا (سيِّد قطب) (٥) مُتذمِّرًا مِن تمعْقُلاتِ (عبده) وتلميذِه، ينبِّهُ قارئَ
стр. 337
تفسيرِ ظلالِه لسورة الفيل، إلى أنَّ نِيَّة الرَّجُلين في الذَّبِ عن الدِّين لا تَشفعُ لقبولِ ما أفسَداه مِن منهجِ التَّسليم لنصوصِ الوَحيِ، فيقول:
« .. مُواجهةُ ضغطِ الخُرافةِ مِن جِهة، وضغطِ الفتنةِ بالعلمِ مِن جهةٍ أخرى: تَرَكت آثارَها في تلك المدرسةِ مِن المُبالغةِ في الاحتياطِ، والمَيلِ إلى جعلِ مَألوفِ السُّنَن الكونيَّة هو القاعدة الكُليَّة لسُنةِ الله، فشاعَ في تفسيرِ الأستاذِ الشَّيخ محمَّد عبده - كما شاعَ في تفسيرِ تلميذَيْه: الأستاذ الشَّيخ رشيد رضا، والأستاذ الشَّيخ عبد القادر المغربي ﵏ جميعًا- شاعَ في هذا التَّفسيرِ الرَّغبةُ الواضحةُ في ردِّ الكثيرِ مِن الخَوارقِ إلى مَألوفِ سُنة الله دون الخارق منها، وإلى تأويلِ بعضِها، بحيث يُلائم ما يُسمُّونه (المعقول)! وإلى الحَذرِ والاحتراسِ الشَّديدِ في تَقبُّل الغَيبيَّات».
ثمَّ يقول: « .. ومع إدراكِنا وتَقديرِنا للعواملِ البِيئيَّة الدَّافعة لمثلِ هذا الاتِّجاه، فإنَّنا نلاحظ عنصرَ المُبالغة فيه، وإغفالَ الجانبِ الآخر للتَّصورِ القرآنيِّ الكامل، وهو طلاقةُ مَشيئة الله وقدرتِه مِن وراء السُّنَن الَّتي اختارها -سواء المَألوف منها للبَشر، أو غير المَألوف- هذه الطَّلاقة الَّتي لا تجعلُ العقلَ البَشريَّ هو الحاكمَ الأخير، ولا تجعل معقولَ هذا العقلِ هو مَردَّ كلِّ أمرٍ، بحيث يتحتَّم تأويلُ ما لا يوافقه، كما يتكرَّر هذا القول في تفسيرِ أعلامِ هذه المدرسة» (١).
حتَّى مَن كان مِن الفقهاء مَحسوبًا على السَّلفيَّة الإصلاحيَّة، لم يترك العلماء الرَّد عليه إن أبْدَى زللًا في موقفِه مِن النُّصوصِ يَرَونه تابَع فيها عبدُه أو تلميذه؛ كحالِ ابن العربي العَلويِّ الفاسيِّ (ت ١٣٨٤ هـ) (٢) حين حلَّ بمُرَّاكش مرَّةً، حدَّث
стр. 338
بعضَ أعيانِها بنُكرانِ حديثِ لطمِ موسى ﵇ لمَلَك الموت، وحَكَمَ عليه بالوَضع، فـ «وَقَع له مثل ما وَقَع لرشيد رضا في حديث سجودِ الشَّمس تحت العرش، وما وَقع لعَبدُه في حديثِ سحرِ اليهودِ للنَّبي ﷺ ، وهما في نَظَرِه الأستاذان الإمامان العظيمان اللَّذان تجاوزا القنطرة!» (١).
فلم يَسكُت له أقرانُه من علماءِ المغرب وقتها، حتَّى تَصَدَّا للرَّدِ عليه في إنكراه (محمَّد بن الحسَن الحَجْوي) (٢) في كتابه «الدِّفاع عن الصَّحيحين دفاع عن الإسلام»، ومحمَّد بن أحمد العَلوي الإسماعيليُّ (٣) في كتابه «توضيح طُرق الرَّشاد، لحسمِ مادَّة الإلحاد» (٤).
فلقد كان مِن كريمِ فضل الله تعالى على هذه الأمَّة، أن سَخَّر مثل هؤلاء الثُلَّة مِن أهل العلمِ الَّذين استطاعوا بنَقداتِهم لأفكارِ هذا التَّيار أن يحسُروا تَمدُّدَه -ولو قليلًا- في بقاعٍ كثيرةٍ مِن العالمِ الإسلاميِّ، بحُكمِ بقايا الثِّقة في نفوسِ
стр. 339
النَّاس تُجاه فُقهائِهم، فيَكسروا مِن حِدَّة اندِفاعهم في نقض كثير من الأصول والنُّصوص الشَّرعية.
الأمر الَّذي أحدث في نفس المستشرقِ «هامِلتون جُب» حسرةً على انحباس مفعول هذه المدرسة وفواتِ أغراضِهم مِن انكماشِها، كما تراه في قوله: «لسوءِ الحظِّ: ظلَّ قسم كبيرٌ من المسلمين المحافظين .. لا يخضعون لهذه الحركات الإصلاحيَّة، وينظرون إلى الحركة الَّتي تزعَّمتها مدرسة محمَّد عبده بمصرَ نظرةً كلُّها ريبة وسوء ظنٍّ! لا تقِلُّ عن ريبتِهم في الثَّقافةِ الأوربيَّة نفسِها!» (١).
لكنِّي مع ذلك أقول: ليتَ العلماءَ المحافظين وقتَها -وبعدها- اعتبرُوا الباعثَ لهذا التَّيار الإصلاحيَّ في الظُّهور، وما اكتنفته مَقالاتُهم مِن أفكار بديعةٍ نافعة، فيبْنُوا علي مِهادها مَشاريع إصلاحيَّة مُنَقَّحة، تَستفيدُ مِن اجتهاداتِ هذه المدرسة الرَّائدة إلى النَّهضة، وتَتَفادَى ما زَلَّت فيه مِن بعضِ مُخالفاتٍ لأصولٍ شرعيَّة.
فيكونوا بهذا قد خَدموا أمَّتَهم الخِدمة الَّتي يهفون إليها على وجهٍ أكملَ، بدَلَ قَصرِ الجهودِ -كما نراه اليوم- على مُجرَّد رُدودٍ لا تُعطي في ذاتها حَلًّا بديلًا لِما يعيشُه المسلمون -حُكَّامًا ومَحكومين- مِن إكراهاتٍ في واقعِهم.
والحمد لله على حِكمتِه في قضائِه وقَدَره.
стр. 340
المَبحث الخامس
مَوقف التَّيار العقلانيِّ الإسلاميِّ مِن «الصَّحيحين» عمومًا
سَبَق أنْ عَرضنا الأصلَ العقليَّ العامَّ الَّذي يعتمَدُ عليه مثل هذا التَّيار الفكريِّ في نظرِه إلى النُّصوص الشَّرعيَّة، ومنها الأحاديث النَّبويَّة، وإفراط كثير من أربابِه في استعمالِ النَّظرِ العقليِّ المحض في ردِّ صِحاحِ الأخبار، حتَّى عُدُّوا -بحقٍّ- أوَّلَ مَن تورَّطَ مِن المُعاصرين في مَهاوي هذه المهْلَكة.
يقول محمَّد حمزة: «يُمكن اعتبارُ الشَّيخ محمد عبدُه، أوَّلَ مسلمٍ مُعاصرٍ تجرَّأَ على رفضِ حديثٍ أورَدَه البخاريُّ، حين رَفَض حديثَ سحرِ بعضِهم للنَّبي ﷺ .. » (١).
ويقول: «محمَّد رشيد رضا كان بحقٍّ مِن أوائِل المُفكِّرين في بداية هذا القرن، الَّذين نَبَّهوا إلى ما اعترى منهجَ المُحَدِّثين القُدامى مِن خللٍ، حين رَكَّزوا نقدَهم على السَّندِ دون المتن» (٢).
والتَّفاوتُ حاصلٌ بين أفراد هذا التَّيار في نظرتهم للمرويَّات:
ففيهم المُسرِف في ردِّ كلِّ ما لا يَروق له مِن آحادٍ، وهو يدعو إلى إعادةِ النَّظر فيما فَرَغَت الأمَّة مِن تمحيصِه واختبارِه مِن مَناهج التَّوثيقِ، والتَّعويل على العقلِ في غربلةِ التُّراث بأصولِه وفروعِه.
стр. 341
ترى مثالَ هذا الانقلاب الفكريِّ في قولِ (حسنِ التُّرابيِّ): «لا بُدَّ لنا أن نعيدَ النَّظرَ في الضَّوابطِ الَّتي وَضَعها البخاريُّ، فليسَ هناك داعٍ لهذه الثِّقة المُفرطة في البخاريِّ!» (١).
ومن قبله (أحمد أمين)، كان يَميل إلى موقفِ المُعتزلةِ في حاكميَّة العقولِ في ميدان الأخبار، وضرورةِ إخضاعِ الأحاديث لمُقتضَياتِ التَّجربة العمليَّة، وأنْ ليس لأيِّ مُدوَّنةٍ حديثيَّةٍ حُرمة توجِب إسقاطَ مُخرجات تلك العلوم عليها، ولو كانت «الصَّحيحين»، حيث توهَّم انصراف المُحدِّثينَ إلى نقد الأسانيد دون المتون.
فادَّعى (أحمد أمين) أنَّه لم يظفَر منهم في هذا الباب بعُشر مِعشارِ ما عُنوا به مِن جرح الرِّجال وتعديلِهم؛ فكان يقول: « .. نَرى البخاريَّ نفسَه -على جليلِ قدرِه، ودقيق بحثِه- يُثبت أحاديثَ دَلَّت الحوادث الزَّمنيَّة، والمُشاهدة التَّجريبيَّة، على أنَّها غير صحيحة، لاقتصارِه على نقدِ الرِّجال» (٢).
فلو أنَّ البخاريَّ وأهلِ الحديثِ انصَّبَت عِنايتُهم إلى انتقادِ المتون، لانكشَفت -كما يزعم- أحاديثُ كثيرة تُبيِّن وضعَها، كأحاديثِ الفضائلِ في مدحِ الأشخاصِ، والقبائلِ، والأمكنةِ (٣).
ومن أولئك بالمُقابل: مَن يُعظِّم جانبَ السُّنَن المَنقولة، ويُقدِّمها على كلِّ دليلٍ سِوى كتاب الله، بل كثيرًا ما تراه مُحتاطًا في تأويلِها، لكنَّه يَعثرُ في فخِّ التَّمعقل عليها في مَواطن مِن مُؤلَّفاته ومَقالاتِه، مِن غير مُستندٍ شَرعيٍّ واضح، ولا قدوةٍ مِن سَلفٍ صالح.
أقال الله عثرَتهم أبتعين، وغَفَر لنا ولهم أجمعين.
стр. 342
وسُنقِّدم في المباحث التَّالية المَواقفَ التَّفصيليَّة لأشهرِ رجالاتِ هذا التَّيار مِمَّن خَصَّصوا مُؤلَّفاتٍ مُستقلَّةً في نقدِ أحاديثِ «الصَّحيحين»، أو تكلَّموا في جملةٍ من ذلك واشتهرَ كلامُهم فيها، من غيرِ أن يكون ذلك مَجموعًا في مُصنِّف خاصٍّ بهما.
فنبدأ بأعلمِهم في ذلك، وأبرزِهم شُهرةً في الأوساطِ العلميَّة، مِمَّن ساهَم في تشكُّلاتِ هذه المدرسةِ العقلانيَّة الإصلاحيَّة، فنقول:
стр. 343
المَبحث السَّادس
أبرز رجالات التَّيار الإسلامي العقلانيِّ مِمَّن توجَّه إلى أحاديث «الصَّحيحين» بالنَّقد
стр. 344
المَطلب الأوَّل
محمَّد رشيد رضا (ت ١٣٥٤ هـ) (١)، وموقفه مِن «الصَّحيحين»
الفرع الأوَّل: لمحة عن تأثُّر رشيد رضا بشيخه عبدُه.
محمَّد رشيد رضا من أكثر رجالات الفكر الإسلاميِّ تأثيرًا في عصره، قد تخرَّج في مدرسته عدَّة حركاتٍ وأقلامٍ كان لها وقعها الإصلاحيُّ الظَّاهر في ساحات التَّدافع الحضاريِّ، كجمعية العلماء المسلمين بالجزائر، حيث تأثَّر به كبار رُوَّادها كابن باديس والبشير الإبراهيمي، وجماعة الإخوان المسلمين بمصر الَّتي أسَّسها حسن البنَّا تلميذه.
بل هذا ناصر الدِّين الألبانيُّ نفسه -وهو الأب الرُّوحيُّ للسَّلفيَّة المعاصرة- من خرِّيجي مدرسته النَّقديَّة، فقد تأثَّر مطلعَ شبابه بالأعداد الَّتي كانت تصلهم في دمشق من مجلَّته «المنار»، فحبَّبت إليه دراسة علم الحديث، ورسمت المعالم
стр. 345
الأولى لتوجُّهه الفقهيِّ غير المذهبيِّ؛ فكان يُثني على علم رشيد رضا، مع تحفُّظه على عقلانيَّته الَّتي اكتسبها من شيخِه عبدُه.
ولا شكَّ في كونِ هذا العَلَمِ الشَّاميِّ الشَّريفِ، وَريثَ المُؤَسِّسَين الأوَّلَيْين للنَّهضة الإصلاحِيَّة العِلميَّة -الأفغانيِّ وعبدُه-، إذْ كان بحَقٍّ ناشرَ أفكارِهما، ومُروِّجَ آرائِهما، حتَّى جعله أستاذُه عبدُه «تُرجمان أفكاره» (١).
ومع كون رشيدٍ مُعجبًا بفكرهما، تلميذًا في مدرستهما، إلَّا أنَّه فاقَهما في الأخذِ بزِمامِ بعضِ العلومِ الشَّرعيَّة الَّتي ضَعُفا فيها، كعلمِ الحديث ومعرفةِ مُصنَّفاتِه، مع اطِّلاعٍ منه واسعٍ على المُستجدَّات السِّياسيَّة، والمُحدَثات التَّقنيَّة في عصرِه؛ فكان أن بلَغَ صيتُه الآفاق، وسُوِّدَت في مَديحِه الأوراق، حتَّى «فاقَت البحوثُ الَّتي كُتِبَت عنه ما كُتِب عن أُستاذِه عبُده عَدَدًا ومَوضوعًا» (٢).
و (رشيد رضا) لم يكُن ليَسلك هذا المسلكَ الجديدَ في الانفتاحِ على الثَّقافة الغَربيَّة إلَاّ بعد ارتوائه ممَّا كان ينشُره (الأفغانيُّ) و (عَبدُه) من مَقالاتٍ في مجلَّتهما «العُروة الوُثقى»، الصَّادرةِ وقتَها مِن عاصمةِ فَرنسا.
فكأنَّه حين تتابَعت قراءَته لها فَعَلت في نفسِه فِعلَ السِّحر! أدركَ بها أنَّه مع ما كان بَدَأ به دعوَته الإصلاحيَّةِ مِن حَثِّ النَّاسِ على التزامِ الشَّرعِ واجتنابِ المُنكرات، أن يرشدهم إلى الاستفادةِ مِن المَدنيَّة الحَديثةِ ومُنجَزاتها، بل مُباراتِهم في جميع مُقوِّمات الحياةِ المُعاصرة، والتَّرغيبِ في نَقلِ ما عند الإفرنجِ مِن علومٍ وقوانينَ لا تَتعارض مع الإسلام (٣).
ولأجلِ تحقيق هذا المَشروعِ الإصلاحيِّ الجديد، ترْجَم (رشيد) كلَّ تصوُّراتِه المُعدَّلة لبعثِ النَّهضةِ في الأمَّة في مَجلَّتِه «المَنار»، فصارت بمجرَّد صدورِ أعدادِها الأولى لسانَ كثير من المُفكِّرين السَّاعينَ إلى تَجديدِ الحياةِ العِلميَّةِ
стр. 346
والسِّياسيَّةِ في تلك الحِقبة؛ وممَّا أولاه فيها عنايةً كبيرةً: قضايا التَّشريعِ الإسلاميِّ، ومَناهج الاستدلال، وسُبل التَّجديدِ فيها، والتَّنقيح في مَصادر التَّلقِّي.
ومِن أبرز ما تميَّز به (رشيد رضا) عن أكثرِ مُعاصريه: التَّطرُّق إلى قَضايا السُّنة النَّبوية، وإشكالاتِها المُعاصرة، أصدرَ في مجلَّتِه آراءً واختيارات مُتباينةً، فجاءت مَباحثُه فيها في قوالب شَتَّى وسِياقاتٍ مُختلفة، أصَلَّ في مَسائِلها وقَعَّد، ونَظَّر في دلائلِها وعَضَّد، بحسبِ الخلفيَّة الفكريَّة الَّتي اكتسبَها قبلُ مِن شيخِه (عبدُه).
فما لبثت أنْ صارَت آراءُه تلك مَثارَ جَدلٍ عَريضٍ في الأوساطِ المُثقَّفة والمُتشرِّعةِ، وفَتَحت مَجالًا واسعًا مِن المُوافقات والمُناقشاتِ والرُّدود، وذلك على امتدادِ خمسٍ وثلاثين سنةً، اتَّسَعَ صدرُ الشَّيخ لنشرِ بعضِها في مجلَّتِه نفسِها.
الفرع الثَّاني: موقف (رشيد رضا) مِن أحاديثِ السُّنةِ عمومًا.
قد سارَ (رشيدٌ) في الطَّورِ الأطولِ مِن حياتِه على وفقِ ما سارَ عليه كثيرٍ من المُتأخِّرين الأصوليِّين مِن القولِ بظنيَّةِ الآحادِ مُطلقًا، فأوجبوا العملِ بها في الفروع، ومَنعوا حُجِّيتها في مَسائل الاعتقاد القطعيَّة (١)؛ فكان أن أوغلَ لأجل ذلك في تَنصيبِ العقلِ حَكَمًا على الأحاديث في مَواضع مِن مجلَّتِه، مُتَعلِّلًا عند كلِّ قدحٍ في أحدها بجُملةٍ مِن الحُجَج الكَلاميَّة هي عينُها حُجَج شيخِه (عبدُه) (٢).
و (رشيدٌ) وإن كان دَندَن على ظنِّيَة الآحادِ مِرارًا في عددٍ مِن مَقالاتِه، إلَّا أنَّ اضطرابَه في ضبطِ المُرادِ بالظَّن المُستفاد منها كان واضِحًا لمن قابلَ بين كلامِه في هذه المسألة، اضطِرابًا يَصِل حَدَّ التَّناقض أحيانًا! ففي الوقتِ الَّذي نراه مُقِرًّا لترادُفِ الظَّن مع العلمِ في لغة العربِ، وأنَّه حُجَّة بذلك في الإيمان الشَّرعي، نَراه
стр. 347
في مواضعَ أُخَرَ يَمنعُ الأخذَ به في بابِ الاعتقاد، مُستشهدًا في ذلك بالآيات الذَّامةِ للظَّن (١).
فلذا سَوَّغ لنفسِه رَدَّ بعضَ الصِّحاحِ عند أهلِ الحديث إذا استشكلَها أو لم يجِد لها فائدة، كأحاديث أشراطِ السَّاعة مثلًا، فإنَّ هذه وإن كانت في مَجموعِها تَلقَّتها الأمَّة بالقَبول، فإنَّ ذلك لم يمنعه مِن استنكارِها، وما الضَّيرُ في ذلك عنده مادامت غير قطعيَّة الثُّبوت!
فكان مِمَّا يقوله في هذا المقام: «اِعلَمْ أيَّها المسلم الَّذي يجبُ أن يكون على بصيرةٍ مِن دينِه، أنَّ في رواياتِ الفِتن وأشراطِ السَّاعة مِن المُشكلات والتَّعارض، ما ينبغي لك أن تعرفه ولو إجمالًا، حتَّى لا تكون مُقلِّدًا لمِن يظنُّون أنَّ كلَّ ما يعتمدُه أصحابُ النَّقل حقٌّ! ولا لِمن يظنُّون أنَّ كلَّ ما يقوله أصحابُ النَّظريات العقليَّة حقٌّ .. » (٢).
لقد كانَ بالإمكانِ حملُ هذا الاختلافِ مِن (رشيدٍ) على النَّسخِ وتَغيُّرِ القَناعات، كما كان حالُه مع الاحتجاجِ بالسُّنة القوليَّة آخر عمره، حيث كان يحصُر الاحتجاجِ فيها بالعَمليَّة فحسب، ثمَّ تركَ ذلك آخرَ عُمره (٣)؛
стр. 348
كان بالإمكانِ حَملُ الأمرِ على مثلِ هذا؛ لكنَّ قول رشيدٍ كان مُضطربًا في العَددِ الواحدِ مِن مجلَّتِه! فالله أعلم بمُرادِه.
والَّذي أحسبُ أنَّ شيخَه (عبدُه) أكثر توازنًا في موقِفه مِن مَفادِ الأخبارِ النَّبويَّة -مع خطأِه في ذلك- مِنه، حين اشترطَ اليقينَ المنطقيَّ للإيمان، فهو يَتَوافق مع مَوقفِه مِن خبرِ الآحاد (١).
الفرع الثَّالث: موقف (رشيد رضا) مِن أحاديث «الصَّحيحين».
النَّاظر في أعطافِ مجلَّتِه «المَنار» ومَطاوي تفسيرِه الجليل «تفسير المَنار»، يلحظُ تأثُّرَ رشيدٍ بالمُحيطِ الفكريِّ السَّائدِ حيث نَشَأ، وبما تَلقَّاه مِن مَفاهيم نقديَّةٍ مِن أستاذِه عبدُه خاصَّةً؛ يُرى هذا التَّأثُّر باديًا في نَظرتِه الإجماليَّةِ إلى أحاديثِ «الصَّحيحين»، فتَراه يتَّسِم بالإيجابيَّةِ في تَعاطيه معها تارةً، وبالسِّلبيَّةِ وضيقِ العَطنِ تارةً أخرى، مُقرًّا هو في كلِّ ذلك أنَّهما أصَحُّ دواوين السُّنةِ على الإطلاق، كما تراه في قولِه:
«لا شَكَّ في أنَّ أحاديث الجامع الصَّحيح للبخاريِّ -في جُملتها- أصَحُّ في صناعةِ الحديثِ وتَحرِّي الصَّحيح، مِن كلِّ ما جمُع في الدَّفاتِر مِن كُتب الحديث، ويَليه في ذلك صحيح مسلم؛ وممَّا لا شكَّ فيه أيضًا أنَّه يوجد في غيرهِما مِن دواوين السُّنة أحاديث أصَحُّ مِن بعض ما فيهما، وما رُوي مِن رفضِ البخاريِّ وغيره لمئاتِ الألوفِ مِن الأحاديث الَّتي كانت تُروَى، يُؤيِّد ذلك، فإنَّما نفوا ما نفوا لينتَقوا الصِّحاحَ الثَّابتة» (٢).
و (رشيدٌ) يُعلي مِن مَقامِ الشَّيخينِ في علمِ الرِّواية، ويجعَل قولَهما الأصلَ المُقَدَّم في تعليلِ الأحاديث وتوثيقِها عند الاختلافِ، بيَّن هذا في قوله: «مَن دَقَّق النَّظرَ في تاريخ رجالِ الصَّحيحين، ورواية الشَّيخين عن المَجروحين منهم، يَرى
стр. 349
أكثرَها في المُتابعاتِ الَّتي يُراد بها التَّقوية، دون الأصول الَّتي هي العُمدة في الاحتجاج، ثمَّ إذا دَقَّق النَّظرَ فيما أنكروه عليهما مِمَّا صَحَّحاه مِن الأحاديث، يجدُ أنَّ أقوالهما في الغالبِ أرجحُ مِن أقوالِ المُنازعين لهما، لا سيما البخاري، فإنَّه أدَقُّ المُحدِّثين في التَّصحيح، ولكنَّه ليس مَعصومًا مِن الغلطِ، والخطأِ في الجرح والتَّعديل .. » (١).
ثمَّ أيَّدَ هذا التَّقريرَ منه بنقلِ اتِّفاقِ أئمَّة العلمِ على صِحَّة الكتابين، وسلامةِ أغلبِ رجالِهما مِن الجرح (٢)، فقال: «جملة القولِ في الصَّحيحين: أنَّ أكثرَ رِواياتهما مُتَّفق عليها عند علماءِ الحديث، لا مجالَ للنِّزاعِ في مُتونها، ولا في أسانيدها» (٣).
ونتيجةً لهذا التَّوصيف، كان جَزمُه بقطعيَّةِ أغلبِ أحاديثِ الكِتابين مِمَّا لا يعلم اختلافًا فيه، كما قد أقرَّ به في قولِه: « .. فمَن فقه ما شرحناه: عَلِمَ أنَّ أكثرَ الأحاديث الأُحاديَّة المتَّفق على صِحِّتها لذاتِها، كأكثرِ الأحاديثِ المُسندَة في صَحيحي البخاريِّ ومسلم، جديرةٌ بأن يُجزَم بها جزمًا لا تَردُّدَ فيه ولا اضطراب» (٤).
وبالتَّالي كانت دعوى نَفاذِ شيءٍ مِن المَوضوعات فيهما عند (رشيدٍ) «بالمعنى الَّذي عَرَّفوا به المَوضوع في علمِ الرِّواية ممنوعةٌ، لا يَسهُل على أحدٍ إثباتُها» (٥).
و (رشيد رضا) مع ما له مِن هذه المواقف النَّاصِعة مِن «الصَّحيحين»، المُوافِقُ هو فيها لمِا عليه أهلُ الحديث قديمًا وحديثًا، يُهوِّش -أحيانًا- على ذلك ببعض العِبارات الجارِحة لجملةٍ مِن أحاديثِهما مِمَّا لم يُسبَق فيه مِن ناقدٍ معتبر،
стр. 350
استنكرَها إذْ لم يستسغها فهمُه، مُتحجِّجًا في ذلك بأنَّه «ما كَلَّف الله مُسلمًا أن يقرأ صحيح البخاريِّ ويؤمن بكلِّ ما فيه وإن لم يَصحَّ عنده، أو اعتقدَ أنَّه يُنافي أصول الإسلام» (١)! مع أنَّها من المُتَّفق علي صحَّته لذاتها كما شرطَ في نصِّه السَّابق!
فقد نَقَض بهذه الكلمات ما سُقناه عنه آنفًا مِن كلامِه عن المَوضوعات في «الصَّحيحين»، إذ حَكَم بنفسه على جملةٍ مِن أحاديثِ الكِتابين بالوَضع! وهو الَّذي حجَّر هذه الدَّعوى قبلُ؛ فتوهَّم فيها «بعض ما عَدُّوه مِن علاماتِ الوَضع؛ كحديثِ سحرِ بعضِهم للنَّبي ﷺ » (٢).
الفرع الرَّابع: أحاديثُ «الصَّحيحين» الَّتي أعَلَّها (رشيد رضا).
قد أحصيتُ عددَ الأحاديث الَّتي ردَّها رشيدٌ في «الصَّحيحين» مِن جهة متونِها، فبلغت عندي ثلاث عشرة حديثًا، لا يأتيها الشَّيخ دائمًا في صورةِ الإنكار لثبوتِها، ولكن أحيانًا ينقُل إشكالًا على متنِ منها، ثمَّ يتركه وحالَه دون جواب عنه! وهو ما يُعطي انطباعًا راجحًا بأنَّه مائلٌ إلى إنكاره، هذا إن لم يكن هو مَن أثارَ تلك الإشكالات على الحديث ابتداءً!
ثمَّ إذا حاولَ رفعَ الإشكال عن الحديث، فقد يَتعسَّف في تأويلِه بما قد يؤول إلى إبطالِ دلالته (٣).
والمُلاحَظ في أغلبِ هذه الأحاديثِ الَمردودة مِن قِبَلِه أنَّها مِن بابِ أشراطِ السَّاعة، فقد اشتهر (رشيدٌ) بردِّها، بل عنه ينقلُ بعضُ الطَّاعنين في السُّنة في هذا الباب (٤)؛ هذا والوارد في هذا البابِ مِن الأشراط غفيرٌ، و (رشيد) إنَّما يَردُّ بعضَ الصِّحاحِ من الأخبار بقناعةٍ هو يَراها أصلًا كُليًّا يَعرِض عليه مثل هذه الآحاد.
стр. 351
وقناعتُه في هذا البابِ مِن أحاديث أماراتِ السَّاعة مُنبنيةٌ على مُعارضَين عقلِيَّين:
الأوَّل: أنَّ أشراطَ السَّاعة الصُّغرى المُعتاد مثلُها، والَّتي تَقَع عادةً بالتَّدريج، لا تُذكِّر بقيامِ السَّاعة، فلا تَتَحصَّل بها الفائدة الَّتي لأجلِها أخَبرَ الشَّارعُ بقُربِ قيامِ السَّاعة (١).
الثَّاني: أنَّ ما وَرَد مِن الأشراطِ الكبرى الخارقةِ للعادة؛ يَضعُ العالم بها في مَأمنٍ مِن قيامِ السَّاعة بغتةً، مثل وقوعها كلِّها؛ فانتَفَت الفائدةُ إذن مِن هذا الإخبار (٢).
والجواب عمَّا أوردَه على هذا النَّوع مِن الأحاديث يتَلخَّص في الأوجهِ التَّالية:
الوجه الأوَّل: أنَّ هذا الاعتراضَ وإنْ رَاشَه رشيدٌ على تلك الصِّحاح مِن الأخبار، فإنَّه قد فاتَه أنَّ نفس الاعتراض يَسري إلى الآياتِ النَّاصةِ على أنَّ للسَّاعةِ أَشْراطًا، سواء بسواء!
مِن ذلك قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ [الزخرف: ٦١].
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٦ - ٩٧].
وبهذا الإلزام يَغرقُ أيُّ مُنكِرٍ لها في مَخَاضَةٍ لا مَحيصَ له عنها، إلَّا باتِّهامِ رأيِه قبل التَّسارع في الطَّعنِ على الدَّلائل ببادِي الرأيِّ.
стр. 352
الوجه الثَّاني: أنَّا لو سَلَّمنا لرشيدٍ حصولَ الأمنِ لَدى بعضِ الخلقِ، فلا ينفي ذلك حصولَ الخوفِ عند غيرهم، وحصولُ الانحرافِ في فَهمِ بعضِ الأدلَّة لا يكون باعِثًا لرَدِّها؛ وإلَّا لَلَزِم رَدُّ كثيرٍ مِن نصوصِ الشَّريعة، بحُجَّة أنَّها قد تكون حاملةً على الاتِّكالِ والقعودِ، ككثيرٍ مِن أحاديث القَدَر.
والفقيهُ حَقًّا، مَن بَصَّر النَّاسَ بحقيقةِ هذه الأشراطِ وحِكمتِها؛ ليَستَقِرَّ أثَرُها في القلوب؛ ومِن ثَمَّ تَنبعِثُ الجوارح تَأهُّبًا ليومِ المَعاد، لا أنْ يُتَسَلَّط على تلك الأحاديثِ بالتَّعطيل لها تعلُّقًا بكلٍّ سَببٍ (١).
الوجه الثَّالث: أنَّ مِن مَثاراتِ الغَلَطِ في هذه الدَّعوى: نَصْبَ التَّلازم بين التَّصديق بهذه الأشراط، وبين انتفاءِ ما اختصَّت به السَّاعة مِن مَجيئها بغتةً؛ والواقع أنَّ التَّلازُمَ مُنْتَفٍ، فإنَّ هذه الأشراط الَّتي صحَّت الأخبارُ بها، غايتُها أنْ تَتَميَّز بها السَّاعة قدرًا مِن التَّميِيز، وأمَّا التَّحديد التَّام، فهو مِن الغيبِ المُطلق الَّذي اختصَّ الله به.
فقال جلَّ ذكرُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤].
يقول ابن جريرٍ: «ممَّا أنزلَ الله مِن القرآن على نبيِّه ﷺ ، ما لا يُوصَل إلى علمِ تأويلِه، إلَاّ ببيانِ الرَّسول ﷺ .. وأنَّ منه مالا يَعلم تأويلَه إلَّا الله الواحد القهَّار، وذلك ما فيه مِن الخَبَر عن آجالٍ حادثة، وأوقاتٍ آتيةٍ؛ كوقتِ قيامِ السَّاعة، والنَّفخ في الصُّور، ونزولِ عيسى ابن مريم، ووقتِ طلوع الشَّمس مِن مَغربها، وما أشبه ذلك.
فإنَّ تلك أوقاتٌ لا يعلمُ أحدٌ حُدودَها، ولا يَعرف أحدٌ مِن تأويلِها إلَّا الخبرَ بأشراطِها؛ لاستئثارِ الله بعلمِ ذلك على خلقِه، وبذلك أنزل ربُّنا في مُحكمِ كتابِه .. ، وكان نبيُّنا محمَّد ﷺ إذا ذَكَر شيئًا مِن ذلك، لم يُدلَّ عليه إلَّا بأشراطِه، دون تحديدِ وقتِه؛ كالَّذي رُوِي عنه ﷺ أنَّه قال لأصحابِه -إذْ ذَكر الدَّجَّال-: «إنْ
стр. 353
يخرُج وأنا فيكم، فأنا حَجيجُه، وإنْ يخرُجْ بعدي، فالله خَليفتي عليكم» (١)، وما أشبه ذلك مِن الأخبار .. الدالَّةِ على أنَّه ﷺ لم يكُن عنده علِمُ أوقاتِ شيءٍ منه بمَقادير السِّنين والأيَّام، وأنَّ الله -جلَّ ثناؤه- إنَّما عَرَّفه مجيئَه بأشراطِه، ووقتَه بأدلَّتِه» (٢).
ومحصَّل القول:
أنَّ هذه الأشراطَ إنَّما تدلُّ على قُربِ السَّاعة، لا على تحقُّقِ العلمِ بوقوعِها، «فالسَّاعةُ كالحامِلِ المُتِمِّ؛ لا يدري أهلُها متى تَفجؤُهم بولادتِها، ليلًا أو نهارًا» (٣)، وعِلَّة ذلك: انتفاءُ العلمِ بالمُدَّة الزَّمنية بين تلك الأَشراطِ وبين وقوعِ السَّاعة، وبهذا يكون الأمرُ نقيضَ ما ذَكَره رشيدٌ؛ بأنْ يكون العِلمُ بهذه الأشراط باعثًا على العَملِ، مُوقِظًا مِن الغفلة، زاجِرًا عن التَّمادي في المعاصي.
وهل قَطَّع قلوبَ الصَّالحين، وأذابَ أكبادَهم، كمثلِ تَذكُّر تلك الأهوال العِظام، وما فيها مِن فِتَنٍ تفزعُ منها القلوب (٤)؟!
فهذا مثال واحدٌ لبابٍ مِن الحديثِ ردَّه (رشيدٌ) بعامَّةٍ وهو في «الصَّحيحين»، وقد علمنا ضعف مأخذه في ذلك.
أمَّا الأحاديثُ الَّتي رَدَّها بالتَّفصيلِ وهي في أحدِ «الصَّحيحين» فهي مُحصاة عندي في التَّالي:
١ - حديث «إذا سَقَط الذُّباب في إناءِ أحدِكم .. » (٥).
стр. 354
٢ - حديث تميم الدَّاري في الجسَّاسة (١).
٣ - حديث شقِّ صدره ﷺ في الصِّغر (٢).
٤ - أحاديث الإسراء والمعراج (٣).
٥ - أحاديث خروج الدَّجال (٤).
٦ - حديث انشقاق القمر للنَّبي ﷺ (٥).
٧ - حديث سجود الشَّمس تحت العرش (٦).
٨ - حديث سحرُ اليهوديِّ للنَّبي ﷺ (٧).
٩ - نزول عيسى ﵇ آخرَ الزَّمان (٨).
١٠ - حديث: «اكفتوا صبيانكم عند المساء فإنَّ للجنِّ انتشارًا وخطفةً» (٩).
١١ - حديث: «ما بين النفختين أربعون .. ثمَّ ينزل الله من السَّماء ماءً فينبتون كما ينبت البقل» (١٠).
١٢ - حديث وخزِ الشَّيطان للمَولود (١١).
стр. 355
١٣ - حديث إسلام شيطان النَّبي ﷺ (١).
وسيأتي نقاشه في أكثرها في الباب الثالث من هذا البحث.
الفرع الخامس: الأصلُ الَّذي انبنَى عليه مَوقف (رشيد رضا) مِن أحاديثِ «الصَّحيحين».
إنَّ المتأمِّلَ في جملةِ أقوالِ (رشيدٍ) وتَصرُّفاتِه بأحاديث «الصَّحيحين» تحديدًا، يَلوح له نوعُ تناقضٍ في تعاطيه معها، بين ما قَدَّمناه عنه مِن تسليمِه بصحَّةِ القدرِ المُتَّفق عليه مِن أحاديثِهما، وبين طعنِه العَمليٍّ في بعضٍ مِن ذلك.
ولعلَّ في هذا ما يُنبِي النَّاظر في تطبيقاتِه عن نوعِ الصِّحةِ الَّتي يَعنِيها في كلامِه المُتمَدِّح للكِتابين: إنَّها الصِّحة الَّتي عَناها النَّووي في شرحِه لمُقدِّمة مسلمٍ، وهي أنَّ اتِّفاقَ الأئمَّةِ على تصحيحِ حديثٍ، لا تعني بالضَّرورة العِلمَ بنسبتِه إلى النَّبي ﷺ ، لكن تعني الصِّحة الإسناديَّة الظَّاهرة؛ أمَّا المتنَ فشأنٌ آخر، يتَّسع فيه المجال للنَّظر والتَّمحيص المُتجدِّد، بل للردِّ والتَّعليل ولو اتَّفَق الأسبقون على صِحَّةِ نقلِه! كما تراه -مثلًا- في ردِّ (رشيد) لأحاديث الآياتٍ الحِسِيَّةٍ للنَّبي ﷺ (٢)، مع اتِّفاقِ الأئمَّة على تَصحيحِها، وكنعتِه لبعضِ الأخبارِ الدالَّةِ فيهما على تفضيلِ نبيِّنا ﷺ على الأنبياءِ -منها حديث: «أنا سَيِّد النَّاس يوم القيامة .. » (٣) بأنَّها «لا تُفيد اليقين» (٤).
ومِن ثَمَّ، فلا يَضرُّ عنده إنكارُ مثلِها لمِن لم يَقبل مَخْبَرَها، تفريعًا عن أصلِ مذهبِه الَّذي كان قد تَبِع فيه أستاذَه (عَبدُه) من اطِّراح أخبارِ الآحاد وإن كانت مِن روايةِ الثِّقات، إذا ظهَر له منها مخالفةٌ للقرآن أو المَعقول (٥).