وقناعتُه في هذا البابِ مِن أحاديث أماراتِ السَّاعة مُنبنيةٌ على مُعارضَين عقلِيَّين:
الأوَّل: أنَّ أشراطَ السَّاعة الصُّغرى المُعتاد مثلُها، والَّتي تَقَع عادةً بالتَّدريج، لا تُذكِّر بقيامِ السَّاعة، فلا تَتَحصَّل بها الفائدة الَّتي لأجلِها أخَبرَ الشَّارعُ بقُربِ قيامِ السَّاعة (١).
الثَّاني: أنَّ ما وَرَد مِن الأشراطِ الكبرى الخارقةِ للعادة؛ يَضعُ العالم بها في مَأمنٍ مِن قيامِ السَّاعة بغتةً، مثل وقوعها كلِّها؛ فانتَفَت الفائدةُ إذن مِن هذا الإخبار (٢).
والجواب عمَّا أوردَه على هذا النَّوع مِن الأحاديث يتَلخَّص في الأوجهِ التَّالية:
الوجه الأوَّل: أنَّ هذا الاعتراضَ وإنْ رَاشَه رشيدٌ على تلك الصِّحاح مِن الأخبار، فإنَّه قد فاتَه أنَّ نفس الاعتراض يَسري إلى الآياتِ النَّاصةِ على أنَّ للسَّاعةِ أَشْراطًا، سواء بسواء!
مِن ذلك قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ [الزخرف: ٦١].
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٦ - ٩٧].
وبهذا الإلزام يَغرقُ أيُّ مُنكِرٍ لها في مَخَاضَةٍ لا مَحيصَ له عنها، إلَّا باتِّهامِ رأيِه قبل التَّسارع في الطَّعنِ على الدَّلائل ببادِي الرأيِّ.
стр. 352
الوجه الثَّاني: أنَّا لو سَلَّمنا لرشيدٍ حصولَ الأمنِ لَدى بعضِ الخلقِ، فلا ينفي ذلك حصولَ الخوفِ عند غيرهم، وحصولُ الانحرافِ في فَهمِ بعضِ الأدلَّة لا يكون باعِثًا لرَدِّها؛ وإلَّا لَلَزِم رَدُّ كثيرٍ مِن نصوصِ الشَّريعة، بحُجَّة أنَّها قد تكون حاملةً على الاتِّكالِ والقعودِ، ككثيرٍ مِن أحاديث القَدَر.
والفقيهُ حَقًّا، مَن بَصَّر النَّاسَ بحقيقةِ هذه الأشراطِ وحِكمتِها؛ ليَستَقِرَّ أثَرُها في القلوب؛ ومِن ثَمَّ تَنبعِثُ الجوارح تَأهُّبًا ليومِ المَعاد، لا أنْ يُتَسَلَّط على تلك الأحاديثِ بالتَّعطيل لها تعلُّقًا بكلٍّ سَببٍ (١).
الوجه الثَّالث: أنَّ مِن مَثاراتِ الغَلَطِ في هذه الدَّعوى: نَصْبَ التَّلازم بين التَّصديق بهذه الأشراط، وبين انتفاءِ ما اختصَّت به السَّاعة مِن مَجيئها بغتةً؛ والواقع أنَّ التَّلازُمَ مُنْتَفٍ، فإنَّ هذه الأشراط الَّتي صحَّت الأخبارُ بها، غايتُها أنْ تَتَميَّز بها السَّاعة قدرًا مِن التَّميِيز، وأمَّا التَّحديد التَّام، فهو مِن الغيبِ المُطلق الَّذي اختصَّ الله به.
فقال جلَّ ذكرُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤].
يقول ابن جريرٍ: «ممَّا أنزلَ الله مِن القرآن على نبيِّه ﷺ ، ما لا يُوصَل إلى علمِ تأويلِه، إلَاّ ببيانِ الرَّسول ﷺ .. وأنَّ منه مالا يَعلم تأويلَه إلَّا الله الواحد القهَّار، وذلك ما فيه مِن الخَبَر عن آجالٍ حادثة، وأوقاتٍ آتيةٍ؛ كوقتِ قيامِ السَّاعة، والنَّفخ في الصُّور، ونزولِ عيسى ابن مريم، ووقتِ طلوع الشَّمس مِن مَغربها، وما أشبه ذلك.
فإنَّ تلك أوقاتٌ لا يعلمُ أحدٌ حُدودَها، ولا يَعرف أحدٌ مِن تأويلِها إلَّا الخبرَ بأشراطِها؛ لاستئثارِ الله بعلمِ ذلك على خلقِه، وبذلك أنزل ربُّنا في مُحكمِ كتابِه .. ، وكان نبيُّنا محمَّد ﷺ إذا ذَكَر شيئًا مِن ذلك، لم يُدلَّ عليه إلَّا بأشراطِه، دون تحديدِ وقتِه؛ كالَّذي رُوِي عنه ﷺ أنَّه قال لأصحابِه -إذْ ذَكر الدَّجَّال-: «إنْ
стр. 353
يخرُج وأنا فيكم، فأنا حَجيجُه، وإنْ يخرُجْ بعدي، فالله خَليفتي عليكم» (١)، وما أشبه ذلك مِن الأخبار .. الدالَّةِ على أنَّه ﷺ لم يكُن عنده علِمُ أوقاتِ شيءٍ منه بمَقادير السِّنين والأيَّام، وأنَّ الله -جلَّ ثناؤه- إنَّما عَرَّفه مجيئَه بأشراطِه، ووقتَه بأدلَّتِه» (٢).
ومحصَّل القول:
أنَّ هذه الأشراطَ إنَّما تدلُّ على قُربِ السَّاعة، لا على تحقُّقِ العلمِ بوقوعِها، «فالسَّاعةُ كالحامِلِ المُتِمِّ؛ لا يدري أهلُها متى تَفجؤُهم بولادتِها، ليلًا أو نهارًا» (٣)، وعِلَّة ذلك: انتفاءُ العلمِ بالمُدَّة الزَّمنية بين تلك الأَشراطِ وبين وقوعِ السَّاعة، وبهذا يكون الأمرُ نقيضَ ما ذَكَره رشيدٌ؛ بأنْ يكون العِلمُ بهذه الأشراط باعثًا على العَملِ، مُوقِظًا مِن الغفلة، زاجِرًا عن التَّمادي في المعاصي.
وهل قَطَّع قلوبَ الصَّالحين، وأذابَ أكبادَهم، كمثلِ تَذكُّر تلك الأهوال العِظام، وما فيها مِن فِتَنٍ تفزعُ منها القلوب (٤)؟!
فهذا مثال واحدٌ لبابٍ مِن الحديثِ ردَّه (رشيدٌ) بعامَّةٍ وهو في «الصَّحيحين»، وقد علمنا ضعف مأخذه في ذلك.
أمَّا الأحاديثُ الَّتي رَدَّها بالتَّفصيلِ وهي في أحدِ «الصَّحيحين» فهي مُحصاة عندي في التَّالي:
١ - حديث «إذا سَقَط الذُّباب في إناءِ أحدِكم .. » (٥).
стр. 354
٢ - حديث تميم الدَّاري في الجسَّاسة (١).
٣ - حديث شقِّ صدره ﷺ في الصِّغر (٢).
٤ - أحاديث الإسراء والمعراج (٣).
٥ - أحاديث خروج الدَّجال (٤).
٦ - حديث انشقاق القمر للنَّبي ﷺ (٥).
٧ - حديث سجود الشَّمس تحت العرش (٦).
٨ - حديث سحرُ اليهوديِّ للنَّبي ﷺ (٧).
٩ - نزول عيسى ﵇ آخرَ الزَّمان (٨).
١٠ - حديث: «اكفتوا صبيانكم عند المساء فإنَّ للجنِّ انتشارًا وخطفةً» (٩).
١١ - حديث: «ما بين النفختين أربعون .. ثمَّ ينزل الله من السَّماء ماءً فينبتون كما ينبت البقل» (١٠).
١٢ - حديث وخزِ الشَّيطان للمَولود (١١).
стр. 355
١٣ - حديث إسلام شيطان النَّبي ﷺ (١).
وسيأتي نقاشه في أكثرها في الباب الثالث من هذا البحث.
الفرع الخامس: الأصلُ الَّذي انبنَى عليه مَوقف (رشيد رضا) مِن أحاديثِ «الصَّحيحين».
إنَّ المتأمِّلَ في جملةِ أقوالِ (رشيدٍ) وتَصرُّفاتِه بأحاديث «الصَّحيحين» تحديدًا، يَلوح له نوعُ تناقضٍ في تعاطيه معها، بين ما قَدَّمناه عنه مِن تسليمِه بصحَّةِ القدرِ المُتَّفق عليه مِن أحاديثِهما، وبين طعنِه العَمليٍّ في بعضٍ مِن ذلك.
ولعلَّ في هذا ما يُنبِي النَّاظر في تطبيقاتِه عن نوعِ الصِّحةِ الَّتي يَعنِيها في كلامِه المُتمَدِّح للكِتابين: إنَّها الصِّحة الَّتي عَناها النَّووي في شرحِه لمُقدِّمة مسلمٍ، وهي أنَّ اتِّفاقَ الأئمَّةِ على تصحيحِ حديثٍ، لا تعني بالضَّرورة العِلمَ بنسبتِه إلى النَّبي ﷺ ، لكن تعني الصِّحة الإسناديَّة الظَّاهرة؛ أمَّا المتنَ فشأنٌ آخر، يتَّسع فيه المجال للنَّظر والتَّمحيص المُتجدِّد، بل للردِّ والتَّعليل ولو اتَّفَق الأسبقون على صِحَّةِ نقلِه! كما تراه -مثلًا- في ردِّ (رشيد) لأحاديث الآياتٍ الحِسِيَّةٍ للنَّبي ﷺ (٢)، مع اتِّفاقِ الأئمَّة على تَصحيحِها، وكنعتِه لبعضِ الأخبارِ الدالَّةِ فيهما على تفضيلِ نبيِّنا ﷺ على الأنبياءِ -منها حديث: «أنا سَيِّد النَّاس يوم القيامة .. » (٣) بأنَّها «لا تُفيد اليقين» (٤).
ومِن ثَمَّ، فلا يَضرُّ عنده إنكارُ مثلِها لمِن لم يَقبل مَخْبَرَها، تفريعًا عن أصلِ مذهبِه الَّذي كان قد تَبِع فيه أستاذَه (عَبدُه) من اطِّراح أخبارِ الآحاد وإن كانت مِن روايةِ الثِّقات، إذا ظهَر له منها مخالفةٌ للقرآن أو المَعقول (٥).
стр. 356
فكان لازم هذا عند (رشيد): جوازُ توسيعِ دائرةِ المَنقوضِ مِن أحاديث «الصَّحيحين» وردِّ ما اتُّفق منها على صِحَّته، هذا ما أعربَ عنه بقولِه:
«ما مِن إمامٍ مِن أئمَّة الفقه، إلَّا وهو مخالفٌ لكثيرٍ منها -يعني أحاديثَ الصَّحيحين-، فإذا جازَ رَدُّ الرِّوايةِ الَّتي صَحَّ سندُها في صلاةِ الكسوف لمُخالفتِها لمِا جَرَى عليه العَملُ، وجازَ رَدُّ روايةِ خلقِ الله التُّربة يوم السَّبت .. إلخ، لمُخالفتها للآياتِ النَّاطقةِ بخلقِ السَّمواتِ والأرضِ في ستَّة أيَّام، وللرِّواياتِ المُوافقة لذلك: فأَوْلى وأظهرُ أن يجوز رَدُّ الرِّواياتِ الَّتي تُتَّخَذ شبهةً على القرآن مِن حيث حفظُه، وضبطُه، وعدمُ ضياعِ شيءٍ منه! كالرِّواياتِ في نسخِ التِّلاوة، لا سيما لمِن لم يجِد لها تخريجًا يدفعُ الشُّبهة، كالدُّكتور محمَّد توفيق صدقي وأمثاله كثيرون .. » (١).
ثمَّ مَثَّل لهذا التَّأصيلِ بحديثِ سحرِ النَّبي ﷺ ، وحديثِ سجودِ الشَّمس عند العرش.
وجملة القول في موقف رشيدٍ مِن أحاديث «الصَّحيحين»، أنَّ الخلل الحاصل في رَدِّه لما ردَّ منها مع اتِّفاق العلماء على صِحَّتها، يحتملُ نتاجه عن ظَنَّين:
أمَّا الأوَّل: فظَنُّه أنَّ اتِّفاقَ الأئمَّة على تصحيحِ حديثٍ لا يُفيد ذلك إلَّا الرُّجحان في نسبتِه، وبالتَّالي فجائزٌ ردُّ هذا المَظنون إذا تَعارَض مع ما يَراه قطعيًّا.
فإن كان هذا هو اعتقاد (رشيد) حَقًّا، فقد خالف به ما تَتابع عليه جمهور المُحقِّقين من أهل العلم مِن اعتبارِ اتِّفاقِ الأئمَّة على تصحيحِ الحديث، قرينةً ترتقي بالمُصَحَّح من الأخبارِ إلى درجةِ العلمِ المُكتَسب بنِسبتِه.
ذلك أنَّ نُقَّادَ الحديثِ إذا أطبقوا على تصحيحِ روايةٍ ونِسبتِها إلى النَّبي ﷺ ، هو بمثابةِ إطباقِ الفقهاءِ على تصحيحِ حكمٍ فرعيٍّ ونِسبتِه إلى الشَّارع سَواء بسواء؛
стр. 357
فإذا أفادَ هذا عند هؤلاء صحَّةَ ما نَسبوه مِن أحكامٍ فقهيَّةٍ في باطنِ الأمر، يكون ما اتَّفَق عليه المُحدِّثون مِن أحكامٍ حديثيَّةٍ مَقطوعٌ في صِحَّتِها في الباطن أيضًا (١).
لكنْ ما يجعلُنا نَتَوقَّف في جعلِ هذا الاحتمالِ مُعتَقدًا لرشيد: كلامٌ له آخر -قد تقدَّم بعضُه- يُقرِّر فيه أنَّ الأصل فيما لم يَقع فيه الخلافُ بين العلماءِ مِن أحاديثِ «الصَّحيحين»، فلا تَردُّد عنده في قَبول سَندِه ومَتنِه، وذلك في قولِه: «أكثرُ الأحاديثِ الأُحاديَّة المُتَّفق على صِحَّتِها لذاتِها -كأكثرِ الأحاديثِ المُسندَة في صَحيحي البخاريِّ ومسلمٍ- جديرةٌ بأنْ يُجزَم بها جَزمًا لا تَردُّد فيه ولا اضطراب، وتُعَدُّ أخبارُها مُفيدةً لليقين، بالمعنى اللُّغوي الَّذي تَقدَّم؛ ولا شكَّ في أنَّ أهلَ العلمِ بهذا الشَّأن، قَلَّما يشكُّون في صحَّةِ حديثٍ منها، فكيف يُمكن لمسلمٍ يجزمُ بأنَّ الرَّسول ﷺ أخبرَ بكذا، ولا يُؤمن بصدقِه فيه؟ أليس هذا مِن قَبيل الجمع بين الكفر والإيمان؟! وليُعلَم أنَّني أعني بالمُتَّفَق عليه هنا: ما لم ينتقده أحدٌ مِن أئمَّةِ الفقهاء وغيرِهم، ومِن غير الأكثر: ما تَظهر فيه عِلَّةٌ في متنِه خَفِيَت على المُتقدِّمين، أو لم تُنقَل عنهم، وذلك نادرٌ» (٢).
فمِن آخرِ سَطرين مِن هذا النَّصِ، يَلوح لنا إشكالٌ آخر يكمُن في نظرِ رشيدٍ إلى ما اتُّفِق على صِحَّتِه مِن أحاديث «الصَّحيحين» وغيرهما، وهو المُضَمَّن في:
الظَّن الثَّاني: وهو احتمال اعتقادِ رشيدٍ أنَّ الأئمَّة المُتَقدِّمين قد تخفى عليهم عِلَّة حديثٍ اتَّفَقوا على صِحَّتِه، أو يكون أعَلَّه أحدهم حقيقةً ولم يبلُغنا تَعليلُه.
وهذا الاحتمال الثَّاني مِن (رشيدٍ) جرأة خطيرة؛ إذْ يُسَوِّغ لنفسِه خرمَ هذا اليَقين، بداعي ظهورِ عِلَّةٍ له في المتنِ خَفِيَت على كلِّ المُتقَدِّمين؟! فلقد أعاذَ الله تعالى هذه الأمَّة التي اختارَها لحملِ دينِه، وتبليغِ رسالتِه، مِن أن تكون فريسةَ غفلةٍ وغَباوةٍ، وأن تجتمعَ على ضَلالةٍ.
стр. 358
فإذا كان خبرُ الواحدِ قد تَلقَّته الأمَّة بالقَبول، وتَمادى به الزَّمان الطَّويل دون أن يظهر ناقدٌ مُعتبرٌ يُنكِرُه، وهي في ذلك مُعتقِدةٌ لِما فيه، عاملةٌ به لأجلِه -سواءٌ في ذلك عَمِل الكلُّ به، أو عمِل البعضُ، وتَأوَّله البعض- فمثل هذا مِمَّا يُقطَع بصِدقِه، والعلماء ما فتئوا يقرِّرون بأنَّه «متى كان المُحدِّث قد كذَب أو غلط، فلا بُدَّ أن يَنصِب الله حُجَّةً يُبيِّن بها ذلك» (١).
فالحاصل: أنَّ احتمال وجود عِلَّةٍ للحديث لم تُنقل يَردُّه ما تَقَدَّم مِن تَكفُّل الله بالبيانِ وحفظِ الشَّريعة؛ وسيأتي تفصيل هذه المسألة بما هو أدقُّ تقسيمًا وأغزرُ أدلَّةً، في مَبحثِه المُستقلِّ من هذا البحث.
الفرع السَّادس: الفرق بين منهجِ (رشيد رضا) وبين أستاذه (عبدُه) وغيره مِن مُعاصِريه في الموقف مِن أحاديث «الصَّحيحين»، وأثرُ ذلك على مَن جاء بَعده.
الملفتُ للنَّظر -بما أسلَفنا إيرادُه مِن بعضِ زلَّاتٍ مَنهجيَّة لـ (رشيد رضا) في تعاملِه مع أخبار «الصَّحيحين» - أنَّه كان سالِكًا في نقدِها غيرَ مَسلكِ شيخِه (عبُده) -مع اتِّفاقهِما على ظَنِّيتها في الجملةِ- وذلك: أنَّ (عبده) مستسهلٌ للطَّعنِ في ظواهرِ مُتونها، بمُختلفِ الدَّعاوي العقليَّة وغيرها، غيرَ عابئٍ في ذلك بصحَّةِ سَندٍ أو اتِّفاقِ سَلف؛ بخلافِ (رشيد رضا) الَّذي يحاول في ذلك تطبيقَ قواعدِ المُحدِّثين المُقرَّرة في مناهج النَّقد، ونقلِ كلامِ أئمَّةِ الجرح والتَّعديل، قصدَ ترجيحِ أحدِ أقوالهم المُوافقة لما يَراه هو صَوابًا في الحديث.
وقد صرَّح (رشيدٌ) بهذا المنهجِ في قولِه: « .. نحن قد اتَّبَعنا في المنارِ هذه القواعد كلَّها في حلِّ مُشكلاتِ الأحاديث، كما صرَّحنا به في مَواضع مِن المنار والتَّفسير» (٢).
стр. 359
وبعضُ الحَدَاثيِّين مِمَّن يستشهدون بكلام الرَّجلين في نقدهم للسُّنَن، يقرُّون بهذا الفرقِ بينهما في حيازة آلاتِ النَّقد، كما تراه في قول (محمَّد حمزة): « .. أمَّا محمد رشيد رضا، فقد مَكنَّه إلمامُه بعلومِ الحديث، ومعرفته الواسعة بما حَوَته مُدوَّنات الحديث مِن رواياتٍ وأخبارٍ، مِن أن يكون أكثرَ تَعمُّقًا مِن شيخِه في تفحُّصِ الأخبارِ، ونقدِ سلاسلِ الإسنادِ، وترجيحِ الرِّوايةِ الَّتي يَميل إلى صِدقها» (١).
فهذا منهجٌ في النَّقد صحيحٌ، شرطَ أن يكون تنزيلُه سلِيمًا مِن جِهة القواعد، مُناسبًا مِن جهة المَحَلِّ، وهو ما لم يَتوَّفر في أغلبِ تطبيقاتِ (رشيدٍ) في ما تَقدَّم مِن أحاديث أعَلَّها في «الصَّحيحين»؛ فكان يتَعسَّف في جرحِ بعضِ الرُّواة وجمهورِ النُّقاد على توثيقِهم؛ بل رأيتُه في مَواضِع مِن كتاباتِه يردُّ رواياتِ بعضِ الثَّقات بتُهمةِ التَّدليس، مع أنَّ النُّقاد إنَّما تَكلَّموا في سماعِه عن شيخٍ بعَينِه لا مُطلقًا (٢)، ونحو ذلك من أخطاءِ تنزيلِه لكلامِ الأئمَّة وقواعدِهم على الحديث.
نعم؛ هذه الشُّذوذات الَّتي زَلَّ فيها قَلَمُ (رشيدٍ) تَكِئةً لِطائفةٍ مِن أذنابِ المُستشرقين في عُدوانِهم على السُّنةِ بعامَّة، وأخبارِ «الصَّحيحين» بخاصَّة، تَلقَّفوها عنه مُستَندًا يُبيحون به عَبَثهم في الكِتابين، يَتقدَّمهم في ذلك (أبو ريَّة) في كتابِه «أضواء على السُّنة المحمَّدية»، ما دَفَع أحمد شاكر (ت ١٣٧٧ هـ) (٣) إلى أنْ يستنكر هذا الخلل الكبيرعلى شيخِه (رشيدٍ) بقوله:
«لم نرَ فيمَن تَقدَّمنا مِن أهل العلم، مَن اجترأ على ادِّعاءِ أنَّ في «الصَّحيحين» أحاديث مَوضوعة، فضلًا عن الإيهامِ والتَّشنيعِ الَّذي يَطويه كلامُه،
стр. 360
فيُوهم الأغرارَ أنَّ أكثرَ ما في السُّنةِ مَوضوع! .. وهذا ممَّا أخطأَ فيه كثيرٌ مِن النَّاس، ومنهم أستاذُنا محمَّد رشيد رضا ﵀ على عِلمِه وفقهِه، ولم يَستطع قطُّ أن يُقيم حُجَّته على ما يَرى، وأفلَتَت منه كلماتٌ يَسمو على علمِه أن يَقَع فيها» (١).
وبهذا فَتَح (رشيد رضا) -مِن غيرِ قصدٍ- بابًا كان مَهيبًا على أهل النَّقدِ مِن مُستَحقِّيه أن يَلِجوه، حتَّى جَعَله كَلأً مُستبَاحًا لكلِّ صغيرٍ في هذا العلمِ يلَغ في «الصَّحيحين» كـ (أحمد أمين) و (فريد وجدي)، وتَبِعهما في ذلك آخرون، اعتمَدوا جميعُهم على عَثراتٍ رشيدٍ في هذا البابِ الدَّقيق مِن العلومِ النَّقليَّة (٢).
ويا أسفي على (رشيد) حين قرأت له دفاعه على طعنِ أحدِ الأطبَّاء في حديثٍ بـ «الصَّحيح»، يقول فيهه: «ما كَلَّفَ الله مُسلمًا أن يقرأَ صحيحَ البخاريِّ، ويؤمنَ بكلِّ ما فيه وإنْ لم يَصحَّ عنده، أو اعتقدَ أنَّه يُنافي أصولَ الإسلام!» (٣).
فلقد صارت هذه الجملة فتنةً لبعض الكُتَّاب المُعاصرين أزَّتهم للاجتراء على «الصَّحيحين» براحة بال، كحالِ أحدِ الزَّائغين عن منهج المُحَدِّثين في قوله مُبتهِجًا: «الجملة الَّتي قالها رشيد رضا شُجاعة! تُرسِّخ لنا مبدأً هامًّا، مِن المُمكن أن يصدم البعضَ، وهو: أنَّنا لسنا مُلزمين بأن نتَّبع كلَّ ما كَتَبه البخاريُّ، لمجرَّد صحَّة السَّند، .. ولكنَّ علماءَ الحديث المُعاصرين كُسَالى عن التَّنقيبِ والبحثِ، ومَرعوبون مِن فكرةِ تنقيحِ أحاديثِ البخاريِّ، برغم أنَّه قد رَفَض مَن قبلَهم أئمَّةٌ ورجال دينٍ مُستنيرون، بعضَ أحاديث البخاريِّ، لتَعارُضها مع العقل» (٤).
ومع هذا كلِّه لا زلت أقول: أنَّ طريقةَ (رشيدٍ) في نقدِ المَرويَّاتِ تبقى -في نَظرِي- فريدةً في زَمَنِه، عزيزةَ السُّلوك بالنَّظرِ إلى الحالِة العلميَّة في عصرِه، إذ كان أغلبُ المُشتغلين بالشَّريعةِ أجانبَ عن حقيقةِ هذا العلم ومُعاناته، في
стр. 361
الوقتِ الَّذي كانت مجلَّتُه زاخرةً بتقريرِ قواعدِ هذا الفنِّ، وتأصيلِ بعض مسائلِه، بل والدِّفاع عن بعض الأحاديث ضدَّ طعون أهلِ زمانِه.
وفي تقرير هذه الفضيلة في حقِّه يقول (مصطفى السِّباعي): «أمَّا السَّيد رشيد رضا فيظهرُ أنَّه كان أوَّلَ أمرِه مُتأثِّرًا بوِجهةِ أستاذِه الشَّيخ محمد عبدُه، وكان مثلَه في أوَّل الأمرِ قليلَ البضاعة مِن الحديث، قليلَ المعرفةِ بعلومِه؛ ولكنَّه منذ استلَمَ لواءَ الإصلاحِ بعد وفاةِ الإمام محمد عبدُه، وأخَذَ يخوض غِمارَ الميادين الفقهيَّة والحديثيَّة وغيرهما، وأصبح مَرجعَ المسلمين في أنحاء العالم في كلِّ ما يَعرض لهم مِن مشكلاتٍ: كثُرت بضاعتُه مِن الحديث، وخبرتُه بعلومِه، حتَّى غدا آخرَ الآمرِ حاملَ لواءِ السُّنة، وأبرزَ أعلامِها في مصر خاصَّة، نظرًا لمِا كان عليه علماء الأزهرِ مِن إهمالٍ لكُتبِ السُّنة وعلومها، وتبحُّرهم في المذاهب الفقهيَّة والكلاميَّة واللُّغوية وغيرها» (١).
ولأن كان مُؤدَّى كثيرٍ مِن نَقداتِ (رشيدٍ) للصِّحاحِ إلى تعطيلِ اعتقادِ بعضِ السُّنَن، لشُبهة عرضَت له فيها، لا تَقوى -في واقعِ الأمر- على المثولِ أمام بيِّنات الحقِّ؛ إلَّا أنَّ مَرامَه الأوَّل مِن ذلك: دَرءُ ما يعتقده من شُبهاتٍ لخصومِ الإسلام عن سُنَّة نبيِّه ﷺ ، محاولًا في ذلك استعمالَ قواعدِ النَّقدِ المُتوارثةَ مِن لَدُن النُّقادِ الأسلافِ على قدر علمه بها.
فأين هذا مما يَفعله كثيرٌ مِمَّن يتبجَّحُ بمقالاتِه مِن أنصافِ الباحثين في هذا الوقت؟!، مِمَّن يُجهز على العَشراتِ -بل المئاتِ- من الأخبارِ الثَّابتة بمُجرَّد الرَّأي السَّائب أو الهوى.
لكن (رشيد رضا) لونٌ آخر؛ فلقد نَذَر قَلَمَه للدِّفاع عن السُّنةِ وحَمَلتها بما نرجو به رفعتَه في الآخرة؛ ومُعظم الآراءِ الَّتي خَرَج بها عن مسالك أهل النَّقد الحقيقيِّين قصدُه من ذلك الذَّوْد عن الدِّين، وما يراه توفيقًا بين النُّصوص ومُستجَدَّات العصر، «إلَاّ أنَّ تَوقُّفَ حركةِ الاجتهادِ ردْحًا مِن الزَّمن، وقِلَّة
стр. 362
الأعوان، وتَبلُّد الأفهام، وكثرةَ الأعداء والطَّاعنين في الدِّين، وشراسةَ الحملةِ الغربيَّة آنذاك على بلاد المسلمين، دَفَعتْ بالشَّيخِ إلى التَّسرُّعِ في الرَّدِّ على الشُّبَهِ المُثارة بكلِّ ما طالته يَدُه، ودَفَعته إلى التَّوسُّعِ في الذَّودِ عن الإسلامِ في كلِّ علمٍ، مهما كان مَبلغه فيه قليلًا، ممَّا أدَّى به إلى الخروجِ عن الجادَّة المَوروثةِ في كثيرٍ مَن المَسائل» (١).
فلا يجوز -بحالٍ- أن يُرمَى الشَّيخُ في قصدِه بما يُرمَى به مَن كان غرضَه التَّشكيكُ في السُّنةِ واللَّمز بحَمَلتِها ابتداءً، فضلًا عن أن يُتَّهم بَهدْمِ «الصَّحيحين» اللَّذين هما قُطب رَحاها؛ وقد مرَّ بك قبلُ ثناءَه على الكِتابينِ وتبجيلَه للشَّيخين، ومُوافقته لِما عليه المُتخصِّصون مِن صِحَّةِ أغلبِ أخبارِهما.
وأزيد فيه بيتًا من الشِّعر فأقول:
إنَّ هذا الحُبَّ الظَّاهرَ مِن (رشيدٍ) للسُّنة النَّبويَّة ودفعه عنها شبهات المُلحدين، فضلًا عن إمامتِه في وقتِه في كثيرٍ مِن حقولِ المَعرفة ومَيادين الإصلاح: هو ما أغرى كثيرًا مِن خصومِ السُّنَن للاستشهادِ بمَقولاتِه، حتَّى يُضفوا عليها مَزيدَ قَبولٍ عند النَّاس وهَيْبة.
إنَّ هذا الخطابَ من (رشيدٍ) في نقدِه للأحاديث على محدوديَّتِه، قد وَجَد له صدًى عميقًا لَدى كثيرٍ مِن القُرَّاء بعده،؛ وحين عاب (طه حسين) على (أبو ريَّة) كثرةِ استشهادِه بأقوالِ (رشيد رضا)، اعتذر إليه (أبو ريَّة) بأنَّه لم يُقدِم على ذلك عفوًا، أو فقرًا مِن الأدلَّة، وإنَّما قَصدُه مِن ذلك أمور مهمَّة، «منها: أنَّ هذا السَّيد يُعتَبر في هذا العصرِ مِن كبارِ أئمَّةِ الفقهاءِ المُجتهدين عند أهلِ السُّنةِ الَّذين يُعتَدُّ برأيهم .. »، «ولأنَّه -بلا منازع- شيخُ مُحِّدثي أهلِ السُّنة في عصرنا، بحيث يَعلمُ مِن الأحاديث الَّتي حمَلَتها الكتبُ المشهورة لدى الجمهور، ويُدرك ما اعتراها مِن فعلِ الرُّواة، وغير ذلك ممَّا يتَّصل بكتابي، ما لم يعلم مثلَه سِواه» (٢).
стр. 363
يقول (أبو ريَّة): « .. على أنَّه فوق ذلك ورِثَ علمَ الأستاذ الإمام محمَّد عبدُه، وناهيك به علمًا وفضلًا، بحيث لا يختلف اثنان بأنَّه مِن كبارِ أئمَّة الدِّين المُجتهدين، فما يقوله السَّيد رشيد إنَّما اعتبِره كأنَّه صادرٌ عن أستاذِه الإمام، وذلك في ما أرى أنَّه مِن منهجِ الأستاذ الإمام وأسلوبِه في النَّظرِ إلى الدِّين» (١).
هذه التَّزكية من (أبو ريَّة) لـ (رشيد رِضا) ينقلها (عبد المَجيد الشَّرفي) أحد رؤوس الحداثيِّين في تونس مُتدَرِّعًا بها في غارَتِه على السُّنَن (٢)، ثمَّ زادَ عليها شهادَتَه له بأنَّه «مُحَدِّث، يَعرف ميدانَ الحديث بدِقَّة» (٣).
و (رشيد رضا) -مع اعترافنا بفضلِه- ليس أهلًا عند أهل الصَّنعة أن يُطلق عليه لقب مُحدِّث، ولا هو مِن أحلاسِ هذا الفنِّ؛ وقد شرحنا قبلُ كيف تَعنَّى خوضَ مَسائلِ هذا العلمِ في جَوٍّ سادَ فيه الجهلُ به؛ وإنَّما صادفَ ردُّه لما ردَّ من ثابتِ الأحاديثِ هَوىً في أنفسِ هؤلاءِ المُعجبين به، فصَيَّروه إمامَ الأئمَّةِ، والصَّيرفيَّ الَّذي لا تخفى عليه زيوفُ الأخبار!
وهو الَّذي صرَّحَ في نصِّه الماضي قريبًا، أنَّ الأحاديثَ الَّتي اتَّفق العلماء على تَصحيحِها في «الصَّحيحين» لا يُعترَض عليها إلَّا النَّادر منها، ولا أظنُّ لفظَ «النَّادر» في كلامِ رشيدٍ مُبهمًا تحتاج إلى تفسير.
فما بالُ أولئك يخوضون في «الصَّحيحين» طولًا وعرضًا دون حياءٍ؟!
الفرع السَّابع: تَخفُّف (رشيد رضا) مِن منهجِه القديمِ في التَّعاملِ مع السُّنةِ وأحاديثِها.
الَّذي يغفَل عنه كثيرٌ مِن الدَّارسين لموقف (رشيد رضا) من السُّنة من مُتعجِّلي النَّقد: أنَّه قد تَدرَّج في الانسلاخِ مِن عباءةِ التَّمعقُلِ الكَلاميِّ على نصوصِ السُّنة شيئًا فشيئًا، وقد أظهرَ رجوعَه عن مناهجِ غُلاةِ المُتأخِّرين في مَوقفِهم مِن
стр. 364
مَصادر التَّلقِّي النَّقليَّة (١)، لاهِجًا باتِّباعِ نهجِ السَّلفِ الصَّالحين (٢)، مُحتذِيًا لكلامِهم في الدَّلائلِ العقلِيَّة، وذلك في أواخِر إصداراتِ مَجلَّتِه.
كان مِن جميلِ ما قرَّره مِن ذلك قوله:
«ما شَرَع الله الدِّين للنَّاسِ، إلَّا لأنَّهم لا يَستغنون عن هدايتِه بعُقولهم، ومَن كان يُؤمن بدينٍ مُنزَّل مِن عند الله، لا يُمكن أن يَقبل ما يوافق عقلَه، ويرُدَّ ما لا يُوافقه مِن المسائلِ الَّتي يعتقدُ أن الله فَرَضها عليه ..
فمَن فَعَل ذلك، كان غير مُتَّبع لدينٍ يُؤمن به قطعًا، وإنَّما يكون مُتَّبعًا لهواه بغير هُدًى مِن الله، فوظيفةُ العقلِ: أن يعلمَ ويفهمَ ليعمل، لا أن يَتَحكَّم في دينِه .. ثمَّ إنَّ عقولَ النَّاسِ تختلفُ اختلافًا كثيرًا فيما يُوافق أصحابَها وما لا يُوافقهم، وذلك يقتضي أن يكون لكلِّ فردٍ مِمَّن يُحكِّمون عقولَهم في الدِّين دينٌ خاصٌّ به! وللمَجموع أديانٌ كثيرةٌ بقدرِ عددهم!» (٣).
وقد جاء إنكارُه شديدًا على مَن أسقطَ اعتبارِ حديثٍ في «الصَّحيحين» بنَظَرِه العقليِّ المُجرَّد، فاشتدَّ على أحدِ من وقعَ في ذلك مِن الأُدباء، مُشنِّعًا عليه بقولِه:
«لا عبرةَ بكلامِ مثلِ الشَّيخ عبد العزيز جاويش في إنكارِ حديثٍ ولا في إثابتِه! فإنَّه ليس مِن علمِ الحديثِ في شيءٍ، وهو جريءٌ على القولِ في الدِّين بالهَوى والرَّأي، حتَّى إنَّه أنكرَ بعضَ أحاديث الصَّحيحين بغير علمٍ، فهو يُنكر ما لا يُوافق عقلَه ورأيَه» (٤).
стр. 365
فمثلُ هذا الموقفِ القويمِ مِن (رشيد رضا) لا بُدَّ أنَّه تَأثَّر فيه بأبحاثِ بعضِ المُحقِّقين مِن علماءِ السُّنة، كابنِ تيميَّة وتلميذِه ابن القيِّم، فيما تَيسَّر له الاطِّلاع عليه مِن كُتبهِما وقتَه، لا سِيما مَعْلَمة ابنِ تيميَّة «درء تَعارض العقلِ والنَّقل»؛ وهو ما أقرَّ به لهما، اعترافًا منه بالحقِّ وردًّا للجميل بقوله: «أنا أشهدُ على نفسي، أنَّني لم يطمئنَّ قلبي لمذهبِ السَّلف، إلَّا بقراءةِ كُتبِهما .. » (١).
وهو مع هذا التَّحوُّل المَنهجيِّ الفريدِ في آخرِ حياتِه، من الطَّبيعيِّ ألَّا يَتخلَّص مِن كلِّ رواسبِ المَفاهيمِ الرَّاكدةِ في ذهنِه، ولا مِن بعضِ مَواقِفه تُجاه بعضِ النُّصوص؛ كيف وقد كان لأفكارِ (الأفغانيِّ) وأستاذِه (عبدُه) عظيمُ الأثرِ في تصوُّراتِه حالَ طراوةِ شبيبَتِه؛ وهذا ما تلمَّسه تلميذُه (أحمد شاكر) في شخصيَّته الفكريَّةِ في معرضِ ردِّه على إنكارِه لحديثٍ: « .. أستاذنا محمَّد رشيد رضا، على علمِه وفقهِه، لم يستطِع قَطُّ أن يُقيم حُجَّته على ما يَرى، وأفلتَت منه كلماتٌ يَسمو على علمِه أن يَقَع فيها، ولكنَّه كان مُتأثرًا أشدَّ الأثرِ بجمالِ الدِّين الأفغاني ومحمَّد عبدُه، وهما لا يَعرفان في الحديثِ شيئًا، بل كان هو بعد ذلك أعلمَ منهما، وأعلى قَدَمًا، وأثبتَ رأيًا، لولا الأثرُ الباقي دخيلةَ نفسِه» (٢).
والله يغفرُ لنا ولهم أجمعين.
стр. 366
المَطلب الثَّاني
محمَّد الغزالي (ت ١٤١٦ هـ) (١)
وكتابه «السُّنة النَّبويَّة بين أهل الفقه وأهل الحديث»
هو رائدٌ مِن رُوَّادِ المدرسةِ الإسلاميَّةِ الإصلاحيَّةِ المعاصرة، كان مُلهِمًا لكثيرٍ مِن أربابِ الفكرِ والدَّعوة في حِسْبَتِه على الدِّين ومُدافعته لِمَا يراه دَخيلًا في لُحمتِه، أو يُضادُّ مَقاصدَه، ويُغضي مِن جمالِه.
لقد نَشَأ (الغزاليُّ) في زَمَنٍ عَصيِّ الفهمِ على أربابِه، انبعَثَت فيه أسئلةُ النَّهضةِ مِن جديدٍ لترفعَ صوتَها المُحتارِ بعد عقودٍ مِن الصَّمتِ المُطبِق على الأمَّةِ، دهشةً مِن أليمِ مُصابِها، ألقَى بها شبابُ صَحوةٍ لطالَما عانَوا مِن وَيلاتِ الإمبراليَّة العاتيةِ، وأفكارِ الشُّيوعيَّةِ الدَّاميةِ، وتَغلغُلِ العَلمانيَّة في جميعِ عروقِ الحياة.
стр. 367
هي أسئلةٌ جَليلةُ المَغزى، تزايَدت جيلَ السَّبعيناتِ والثَّمانيناتِ مِن القرنِ الماضي، هَمُّها تَطلُّبُ قيامِ أمَّةِ الإسلامِ مِن جديدٍ، وغَمُّها جَهْلُها بحقيقةِ دينِها، والعَجزُ عن تقريبِه للنَّاسِ مِن بعيد؛ فتواردت الأجوبة عليها مُتعَدِّدة المَشارِب والأغراض، كلٌّ يُدْلي بدَلوِه في بئرِ الدِّين، ويَقطِفُ عَقْلُه مِن أشجارِ الفِكر، يبتغي جوابًا يَزعُمه شِفاءً لأدواءِ الدَّولةِ والمُجتَمع.
فأمَّا أن يكون هذا المُتجشِّم للجواب فقيهًا في الدِّين، مُتمَرِّسًا في الدَّعوة، خطيبًا مُفَوَّهًا -كحال (محمَّد الغزالي) - فإنَّ جوابه يكون أدعى أن يُقبَل مِن العقول، وأسرعَ إلى أن يَنفُذَ في الوِجدان؛ فإذا زادَ على ما سَلَف انتظامَه في سِلكِ حَركةٍ إصلاحيَّةٍ مُبرَّزةٍ: فذاك الَّذي تَشرئِبُّ أعناقُ العالَمينَ إليه تَلقُّفًا لقولِه، أكانَ الواحدُ منهم مُوالِيًا، أو خصمًا له مُعاديًّا.
لقد استشعرَ (الغزالي) مُبكِّرًا -وهو أحد تلاميذ مجلَّة المنار وشيخها رشيد رضا (١) - قَدْرَ المَسئوليَّة المُلقاةِ على كاهلِه لتبصيرِ المسلمينَ إلى سبيلِ نَجاتِهم، وإنقاذِ شَبابِهم مِن الضَّلالِ في عَقائدهم وأخلاقِهم وتَصوُّراتِهم للحياة، مُشفِقًا مِن حجمِ الأسئلةِ التَّي تُثارُ لديهم على مَوائد الِحوارِ، وعلى أبوابِ المَساجِد، وعلى مَوجاتِ الأثيرِ؛ لا يَسمعُ في رَدِّها إلَّا خشيبَ الكلامِ، وعقيمَ الأفكارِ!
فتسمع له صوت الأبِ الحَنون يُخاطب الحَيْرى من أبناء أُمَّته فيقول: «قلبي مع شبابِ الصَّحوةِ الإسلاميَّةِ، الَّذين عملوا الكثيرَ للإسلامِ، ويُنتظَر منهم أن يَعملوا الأكثرَ» (٢).
لقد شمَّر (الغزاليُّ) عن ساعد الجدِّ لينثر تَصوُّراتِه للنَّهضةِ في عَديدٍ مِن مُؤلَّفاته، لم يُثنه عن غايته النَّبيلة الشَّاقة إغراء سلطانٍ ولا بهرج مال، مُحاولًا بإجاباتِه سَدَّ ما يَراه خَللًا في تَصوُّراتِ الأجيالِ المُتلاحقة للدِّين والحياة؛ داعيًا الشَّبابَ المُقبل على الإسلامِ ألَّا يُضَخِّمَ المسائلَ الفرعيَّة فيجعَلوها ركائزَ أصلِيَّةً
стр. 368
يُمزِّقون أواصر أخوَّتهم عليها؛ ولا تَرتقي أمَّةٌ تمضي على هذا النَّحوِ، لا سِيما ودينُ الله مَعزولٌ عن الحياة.
لقد كانت أعظم أماني (الغزاليِّ) ومقصده في دعوته مُجملًا في وجيز قوله: «نريدُ للصَّحوة الإسلاميَّة المُعاصِرةَ أمرين:
أوَّلهما: البُعدَ عن الأخطاءِ الَّتي انحرَفَت بالأمَّةِ، وأذهبَت ريحَها، وأطْمَعَت فيها عَدُوَّها؛ والآخر: إعطاءَ صورةٍ عَمليَّةٍ للإسلامِ تُعجبُ الرَّائين، وتمحو الشُّبهاتِ القديمةِ، وتُنصِفُ الوحيَ الإلهيَّ.
ويُؤسِفني أنَّ بعضَ المَنسوبين إلى هذه الصَّحوة فشَل في تحقيقِ الأمرَين جميعًا، بل رُبَّما نَجَح في إخافةِ النَّاسِ مِن الإسلامِ، ومَكَّن خصومَه مِن بسطِ ألسِنَتِهم فيه!» (١).
إنَّما أغلبُ كتاباتِ (الغزاليِّ) ديدنُها هذه الرَّغبة الجامحة في نفسه؛ وقلمُه وإن لم يتسِّم بتحقيقٍ عميقٍ للمَسائل، ولا سَردٍ طويلٍ للنُّقول، لكنَّه كان -والله- مُشبعًا بعاطفةٍ إسلاميَّةٍ جَيَّاشةٍ، ورُوحٍ أُستاذيَّةٍ راقيةٍ، تُرَبِّي قُرَّاءَها على تَمثُّلِ الدِّين في تَعاليمِه، وتَفهُّمِ أحكامِه في ضَوءِ مَقاصِدِه.
لقد ساعَدَ (الغزاليَّ) في بَثِّ تَصوُّراتِه للدِّين والحياة قَلَمٌ حُلوٌ وارِفُ البَيان، يُؤنِس القلبَ، ويَبسُط على قارئِه ظِلالًا مِن السَّكينة؛ يُخيَّل إليك سَماعُ صَريفِ قَلَمِه -وإنْ خالَفْتَه- لحُسنِ تَعابيرِه، فلَكَم جَعَلتني رَشاقةُ أسلوبِه في مَعيَّةِ بَسْمَةٍ، ولو رَكِبَ فيها متنَ الخصومةِ، وتَوَقَّدَ بنارِ الاستخفافِ! بمُعجَمِ ألفاظٍ لا تكاد تجِده عند أقرانِه مِن الكُتَّاب الإسلامِيِّين، وطريقة بَيانيَّة هي عندي مِن أحسنِ ما يُقَدَّم به العلمُ والفكرُ في قالبٍ جمَاليٍّ، لا تطغى عليه طَرَاوة الصَّنعةِ اللُّغوية، ولا يُعاني مِن جَفافِ الكتاباتِ الفكريَّةِ الصِّرفةِ.
стр. 369
والنَّاسُ مع ذلك قَلَّ أن يذكروه إنْ تذاكروا أربابَ البَيانِ في زماننا هذا!
الفرع الأوَّل: مَوقف محمَّد الغَزالي مِن الأحاديث النَّبويَّة.
إذا قصَرْنا توجيهَ كشَّافاتِ البحثِ المنهجيِّ إلى مَوقفِ (الغزاليِّ) مِن أحاديثِ السُّنةِ عمومًا، سنجِدُ أبرزَ مشروعٍ سارَ عليه قد جَلَّاه في أواخرِ ما سَطَّره مِن مُؤلَّفاته، أعني به كِتابَه «السُّنة النَّبوية بين أهلِ الفقه وأهلِ الحديث»، في الفَصلين السَّادس والسَّابع منه خاصَّة، مع بعضِ فصولٍ قليلةٍ في بعضِ مُؤلَّفاته الأخرى، تَناوَلت هذا المَوضوع الجليلَ.
هذا الكتابُ حَظيَ بقَبولٍ وسَخَطٍ كبيرين في السَّاحة الفكريَّة وقت صدروه: قَبولٍ مَمزوجٍ بالدَّهشةِ والاستحسانِ مِن قِطاعٍ واسعٍ مِن دُعاةِ الحَداثةِ وأدعياءِ التَّجديد (١)، بل ثناءٍ من بعضِ الشِّيعةِ له بـ «الشَّيخَ المُجاهد» (٢) لأجلِ ما أشعله فيه من نيران الحرب مع أهل الحديث؛ وسَخَطٍ لم يَكظِمه شُداة الآثارِ، حتَّى بَثُّوه في ردودِهم المُتكاثرةِ على كتابِه (٣).
فهما فريقان مُتناقِضان، قد ساهما في الرَّواجِ لكتابِه، ما جَعَله يُطبَع سبعَ مرَّاتٍ في وقتٍ وجيز!
وعِلَّة هذا القبول والسَّخط العارمين: أنَّ الغزاليَّ في كتابِه قد اختارَ النِّزالَ في ساحةٍ وَعِرة، يقتحِمها المُبَشِّرون والكائِدون للإسلام منذ قرونٍ -أعني مَيدانَ السُّنة- بتَصَيُّدِ غَريبِ الحديث، وتَتبُّعِ المُتشابِهات فيه، أو إقامةِ قضيَّةٍ على ما يظنُّون أنَّه مُناقضٌ للعَقلِ أو العلمِ؛ فكان خَوضُ عِراكٍ في هذا المَيدانِ أشبهَ
стр. 370
بمَلحَمةٍ يقتحِمُها المُجاهِد، لا يَكادُ يَسلَمُ فيها مِن خَدْشٍ أو جَرحٍ، بل قَتْلٍ! إنْ هو لم يُحسِن تَصوُّرَ خُطَطِ مَن يُواجِههُ، أو لم يُتقِن استعمالَ سِلاحِه ذَبًّا عن قَضيَّتِه.
فهذا الَّذي أُراه حالًا للغَزاليِّ في كتابِه؛ فإنَّا وإن شَكَرنا له ما انطوى عليه مِن نَقداتٍ مَنهجيَّةٍ راجِحة، وتوجيهاتٍ تَربويَّةٍ ناجعة، فإنَّا لا نخفي أسَفنا على منهَجِه الَّذي ارتضاه فيه لنقد الأحاديث، حيث اعتمد على مِعيارٍ عَقليٍّ نِسْبيٍّ مُتمَخِّضٍ -أحيانًا- عن ذَوقٍ شَخصيٍّ، يَشذُّ بهما كثيرًا عن جماعاتِ العلماءِ قديمًا وحَديثًا.
ذلك أنَّ النَّظرَ عند (الغزاليِّ) في المتونِ هو الأساسُ الأمتَنُ في تميِيزِ المَقبول مِن الأخبارِ، قد أعلنَ عن ذلك في مَواضعَ من كُتبِه، مثل ما ذَكر من أنَّه قد يَحتجُّ بالضَّعيفِ وإن بانَ سَقَطُ إسنادِه لإعجابِه بمَعناه، ويرفضُ في المقابل ما اتُّفِقَ عليه مِن الصِّحاحِ إذا استنكرَها فهمُه؛ هذا مُرتكزُه الأساسُ في قَبولِ الحديث، ثمَّ يأتي الإسنادُ بعدَ المتنِ في الأهميَّة، وقد يَفقِدُ المتنُ الأهميَّةَ عند تَصدُّع الأوَّل حسب قولِه.
فاسمَعه وهو يَتعقَّبُ الألبانيَّ تضعيفَه حديثًا ضَمَّنَه كتابَه «فقه السِّيرة» قائلًا:
«قد يَرى الأستاذ المُحدِّث أنَّ تحسينَ التِّرمذي وتصحيحَ الحاكم لا تعويلَ عليهما في قَبولِ هذا الحديث، وله ذلك؛ بيدَ أنِّي لم أجِدْ في المطالبةِ بحُبِّ الله ورسولِه ﷺ ما يحملني على التَّوقُّفِ فيه، ولذلك أثبتُّه وأنا مُطمئِنٌّ! وفي الوقتِ الَّذي فسحتُ فيه مكانًا لهذا الأثرِ على ما به، صَدَدتُّ عن إثباتِ روايةِ البخاريِّ ومسلم -مثلًا- للطَّريقةِ الَّتي تَمَّت بها غزوةُ بني المُصطلق!» (١).
وقال: «قد قبِلتُ الأثرَ الَّذي يَستقيمُ متنُه مع ما صَحَّ مِن قواعدٍ وأحكامٍ، وإنْ وَهِيَ سَندُه، وأعرَضتُ عن أحاديث أخرى توصف بالصِّحة؛ لأنَّها -في فهمي لدين الله، وسياسةِ الدَّعوة- لم تنسجم مع السَّياقِ العامِّ» (٢).
стр. 371
وقد كان الفَرض في مَن يَدَّعي نقدَ الأحاديث من خلال متونها، أن يكون حاذِقًا بالمَعاني الظَّاهرةِ والمُودَعةِ فيها، ليَتوَصَّل إلى كشفِ ما يجوز نِسبتُه إلى الشَّارِع وما يمتنِعُ.
فأمَّا أن يكون النَّاقد عاجزًا عن تحقيق المَعنى المُراد مِن الحديثِ ابتداءً، فضلًا عن نفيِه الفائدة منه بالمَرَّة (١)، مع ما يحتويه الخَبر مِن كنوز مَعرفيَّة يستنْبطها فقهاءُ الحديث: فالحَرِيُّ بمثله التَّورُّع عن اقتحامِ سِياجِ المتون، وترك الاعتراضِ على أهلِ الحديثِ في صنعَتِهم، بله التَّعريضِ بأفهامِهم.
فأيُّ اعتبارٍ -إذن- لرفضِه حديثَ دِيَةِ المرأةِ، مع أنَّ مضمونه كلمة إجماعٍ بين أهل الفقه والحديث إلَّا مَن شذَّ (٢)! وإزراءه بأهلِ الحديثِ وحدِهم لأنَّهم اعتمدوه! واصفًا فِعلَهم بأنَّه «سَوْءَة فِكريَّة وخُلقيَّة» (٣)! ناسبًا نُكرانه له إلى «الفقهاءِ المُحَقِّقين»! (٤)
فلستُ أدري، مَن يعني بهؤلاء الفقهاءِ المُحقِّقين، وأنَّا هو كلامُهم في رفضِ الحديث؟!
ثمَّ أيُّ اعتبارٍ لامتعاظِ (الغزاليِّ) من كلامَ ابنِ خُزيمة والمَازريِّ ومَن وراءهم مِن فقهاء الحديث في تَوجيهِ حديثِ لطمِ موسى للملَك؟! توجيهًا وصَمَه بالسَّطحيَّة فقال: «هذا الدِّفاع كلُّه خفيفُ الوزن! وهو دفاعٌ تافهٌ لا يُساغ! .. والعِلَّة في المتنِ يُبصرها المُحقِّقون، وتخفى على أصحابِ الفكرِ السَّطحيِّ» (٥).
стр. 372
مع أنَّ أهلَ السُّنة -وإليهم ينتسبُ (الغزاليُّ) - قابلون لهذا الحديث، مُقِرُّون بصحَّتِه، منذ عهدِ الرَّواية إلى يومِ النَّاس هذا، لا يُعلَم منهم للحديث غامِزٌ، إلَّا ما كان من بعضِ شَراذمِ الاعتزالِ؛ أفيُعقل ألَّم يَكُن في أولاء عبر تلك القرون المتعاقبة «مُحَقِّقون» يَتَفطَّنونَ لزَيغِ الحديثِ كما تَفطَّنَ؟!
هذا؛ وهو الَّذي يؤكِّد مِرارًا بأنَّه «مع جمهرةِ الفقهاءِ، والمُتحَدِّثين عن الإسلام، وليسَ صاحبَ مَذهبٍ شَاذٍّ» (١).
بل ما أجدر بهذا الحديثِ المُستنكَر عند (الغَزاليِّ)، أن تَتَنزَّل عليه قاعدته الَّتي قعَّدها هو نفسه حينَ قال: «إذا استجمَعَ الخبرُ الَمرويُّ شروطَ الصِّحةِ المُقرَّرة بين العلماء، فلا معنى لرفضِه، وإذا وَقَع خلافٌ مُحترَم في توفُّرِ هذه الشُّروطِ، أصبح في الأمرِ سَعةٌ، وأمكنَ وجودُ وجهاتِ نَظرٍ شَتَّى» (٢).
فآهٍ للغَزاليِّ! لو مشى على هذا الصِّراط المستقيم في تَعاملُه مع ما أعَلَّ مِن أحاديث صِحاحٍ، إذن لسَلِمَ مِن عارِها وشُؤمِ نُكرانِها، ولَما تجرَّأ عليه أحَدٌ بالتَّجهيلِ في هذا الفنِّ الأصيلِ مِن علوم الآلة.
فهذه الأمثلة وغيرها مِمَّا أظهرناه من تقريراتِ (الغزاليِّ)، شاهدة على طريقةِ تعامُلِه مع ما يستغلق عليه فهمه وقبوله من الصِّحاحِ، ومَن رَأَى مِن السَّيفِ أثرَه فقد رَأى أكثرَه!
ولَكم حزنتُ أن أرى داعيةً في مثلِ مَقامِه يَستهتِرُ في كلام له عن جُملةٍ مِن الأحاديثِ النَّبويَّة، بنوع تعبيراتٍ يَلوحُ منها ما يكتنِفُه مِن تَوتُّرٍ نفسيٍّ تُجاهَها، أجزِمُ أنَّ ألفاظها جانبت الصَّوابِ وجفت عن كمالِ الورَعِ، مهما كانت بَواعث صاحبها إلى ذلك.
وإلَّا فأخبرني أخي القارئ: ما تستشعره ذائِقتُك وأنتَ تقرأ نعتَه للأحاديثِ النَّبويَّة بـ «رُكام المَروِيَّات»؟! (٣)
стр. 373
نعم؛ أنا على بالٍ بأنَّ المُحِبَّ للشَّيخ قد يَجِد في السِّياقِ ما يَتأوَّل له به عبارته أو يُقلِّل مِن هَولِها، لكنَّها -في معتقدي- لا تصلُح بحالٍ أن يُعَبَّر بمثلِها عن أخبار نبيِّنا ﷺ ووِعاء سُنَّتِه.
فمثل هذه المواقف الشَّديدة مِن (الغزاليِّ) في كتابه «السُّنة النبويَّة» كثير، يُقَوِّي العزمَ عندي بأنَّ ما خطَّته يمينُه فيه إنْ هو إلَّا نَفثةُ مَصدورٍ! وما كان مُحاكمةً عِلميَّة حقيقيَّة لاختلافِ الأدلَّةِ (١)؛ وهو الَّذي أقرَّ بأنَّ مِثلَ تلك الأحكام الجُزافِ والألفاظ القاسية تُجاه الصِّحاحِ، والنَّأيَ عن كلامِ الأئمَّةِ في فهمِها على وجهها، مُفضٍ إلى إهدارِ السُّنة في المآلِ، فكان مِن جَميلِ مَقالِه في ذلك قوله:
«إنَّ الوَلَع بالتَّكذيبِ لا إنصافَ فيه ولا رُشد، إنَّ اتِّهامَ حديثٍ ما بالبُطلان، مع وجود سَندٍ صحيحٍ له، لا يجوز أن يَدور مع الهَوى، بل ينبغي أن يخضَعَ لقواعد فَنيَّةٍ مُحتَرمةٍ، هذا ما التَزَمه الأئمَّة الأوَّلون، وهذا ما نَرى نحن ضرورةَ التزامِه.
لكنَّ المؤسِفَ أنَّ بعض القاصِرين ممَّا لا سهمَ له في معرفةِ الإسلام، أخَذَ يهجُم على السُّنةِ بحمقٍ، ويَردُّها جملةً وتفصيلًا، وقد يُسرِع إلى تكذيبِ حديثٍ يُقال له، لا لشيءٍ إلَاّ لأنَّه لم يَرُقه أو لم يَفهمه!».
ثمَّ مَثَّل (الغزاليُّ) لهذا التَّأصيلِ بحديثِ الحبَّةِ السَّوداءِ، حيث شنَّع على مَن هَرَف «بأنَّ الواقعَ يُكذِّبُه، وإنْ صَحَّحه البخاريُّ!»، قائلًا عنه: « .. ويَظهرُ أنَّه فهِمَ مِن كلِّ داءٍ سائرَ العِلَلِ الَّتي يُصاب بها النَّاس، وهذا فهم باطلٌ! والواقع أنَّ (كلَّ داءٍ) لا تعني إلَاّ أمراضَ البردٍ، فهي مثل قول القرآن الكريم: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥].
بَيْدَ أنَّ الطَّعنَ هكذا خبطَ عشواء في الأسانيدِ والمتون -كما يصنعُ البعضُ- ليس القصدُ منه إهدارَ حديثٍ بعينِه، بل إهدارَ السُّنةِ كلِّها! ووَضْعَ الأحكامِ الَّتي جاءت عن طريقِها في مَحلِّ الرِّيبةِ والازدراءِ، وهذا -فوق أنَّه غَمطٌ للحقيقةِ
стр. 374
المُجرَّدة- يُعرِّض الإسلامَ كلَّه للضَّياعِ؛ إنَّ دواوين السُّنةِ وثائق تاريخيَّة مِن أحْكَمِ ما عَرَفَت الدُّنيا» (١).
فلأجل هذه الَّآلي المنثورة في غير موطنٍ من كُتبه، أُسجِّل رَفضِي القاطعَ لتُهَمةِ بعضِ جُفاةِ المُشتغِلين بالحديثِ لهذا العَلَم النَّبيل بالتَّشكيكِ في السُّنةِ وعَداوةِ أهلِها (٢)؛ أعاذَه الله مِن هذا العار، وهو الَّذي سَخَرَّ حياتَه للذَّبِ عن حِياضِ نبيِّه ﷺ ، والارتشافِ مِن كَوثرِ سُنَّتِه، وإن أخطأَ تَلمُّسَ الحقِّ -أحيانًا- في سَبيلِ بلوغِ ذلك.
فانظر إلى صفحةِ وجهِه المُغضب، كيف يُعلِنُها حرْبًا على مَن تُسَوِّل له نفسُه زَحْزحة السُّنةِ عَمَّا بَوَّأها الله مِن مَكانةٍ وهو يقول: « .. إنَّ مِن حَقِّنا أن نغضَبَ لتَطاوُلِ البعضِ دون بصيرةٍ عِلميَّةٍ، على أصولِ الإسلام، ومَصادِر ثقافتِه، والجريِ وراءَ الاستعمارِ الثَّقافي في التَّطويح بالسُّنَن، والتَّهوين من رِجالها؛ والسُّنَةُ هي الاستحكاماتُ الخارجيَّة حول أسوارِ القرآن، فإذا تَمَّ تدميرُها، فدَوْرُ القرآنِ آتٍ بَعدها، وذاك أمَلُ المُستشرقين المُبشِّرين، وسائرِ أعداءِ الدِّين» (٣).
فهل يُقال للمُتكلِّم بهذا بأنَّه طاعِنٌ في السُّنة، مُخاصِمٌ لأهلِها؟! اللَّهم غُفرًا.
والأنصفُ من هذا الحَيْف ما أجمَلَه صاحبُه وصفيُّه (القَرَضاويُّ) في كلامٍ قعيدٍ له، يقول فيه عنه:
«رُبَّما أسْرَف الشَّيخُ في ردِّ بعضِ الأحاديثِ الثَّابتة، وكان يُمكِن تَأويلُها، وحَملُها على معنى مقبولٍ؛ وربَّما قَسا كذلك على بعضِ الفئاتِ، ووَصَفهم ببعضِ العباراتِ الخَشِنة والمُثيرة، وربَّما استعَجَل الحُكمَ في بعضِ مسائل، كانت تحتاجُ إلى بحثٍ أدقٍّ، وإلى تحقيقٍ أوفى.
стр. 375
ولكنَّ الكتابَ ليس كما تُصوِّره الحَمَلَة عليه، كأنَّه كتابٌ ضد السُّنة! ولا كما تَصَوَّروا مُؤلِّفَه، وكأنَّه يُنكر السُّنة! فهذا ظلمٌ بيِّنٌ للشَّيخ، الَّذي طالما دافعَ عن حُجِّيةِ السُّنة المشرَّفة، وهاجَم خصومَها بعنفٍ؛ وإنكارُ حديثٍ أو حديثين أو ثلاثة، وإن ثَبَتَت في الصِّحاح، لا يعني بحالٍ إنكارَ السُّنة بوَصفِها أصلًا ثانيًا، ومَصدرًا تاليًا للقرآن» (١).
ولقد رأيتَ أنَّ إقرارِنا بهذه البَراءةِ (للغَزاليِّ) ودَفعنا لقولِ مَن أقذعَ فيه، لم يُثنِنا عن نقدِه، وبيانِ زَلَله حين زَلَّ؛ وذلك أنَّ عُذرَه الَّذي يُبديه (الغزاليُّ) في كلِّ مَوطنٍ يرفُض فيه التَّسليمَ ببعضِ الصِّحاحِ مِن الأخبار النَّبويَّة: مِن أنَّه يخافُ على الإسلام مِن شَماتةٍ أعدائِه، حريصٌ على الدِّين أن يجدَ العَلمانيُّون واللَّادينيُّون فيه ثغرةً ينفذُون منها للطَّعنِ فيه، فكان يقول: «إنَّني آبَى كلَّ الإباء، أن أربِطَ مُستقبلَ الإسلامِ كلِّه بحديثِ آحادٍ، مهما بَلَغَت صِحَّتُه» (٢).
أقول: لا يَشفعُ (للغَزاليِّ) مثل هذا الاعتذارِ مهما حسُن فيه مَقصِدُه، فإنَّ كثيرًا مِن الأحاديثِ لم يَزَلْ أهلُ الأهواءِ وأربابُ المِلَلِ قديمًا يَنْعَونَها على المُسلِمين ولا يزالون، فلم نَجِد أحدًا مِن أئمَّةِ الإسلامِ يَطعنُ فيها مُجاراةً لحضارةِ أعدائِهم، أو شفقةً على نظرتِهم للإسلام.
لكن مشكلة (الغَزاليِّ) أنَّه رأى إسقاطَ بعضٍ مِن تلك الأحاديثِ الصَّحيحة المُستشكَلةِ في بعضِ الأذهانِ مِن قائمةِ التَّعويل -ولو كان مَقامُها في قلبِ «الصَّحيحين» - سبيلًا لدَرْءِ شُبهاتِ أولائكِ النَّاعِقين على الإسلام، فمتى كان رأيُ الكَفَرةِ مِن الإفرنجِ وأذنابِهم مِعيارًا مُعتبَرًا عند المُسلمين في تحسينِ صورةِ دينِهم أو تقبيحِه؟!
стр. 376
ولَإنْ تبادَر إلى فهمِ (الغَزاليِّ) مِن مُتونِها مَعانِيَ تنافرها قناعاته، فالمُشكلة حينها في فهمِ الشَّيخِ لا في الأحاديث نفسها، ولا في أخذ الأئمَّة بها؛ ولا أجد في هذا المقام جوابًا عليه أسَدَّ ولا أنسبَ مِن جوابِه هو نفسِه حين قال:
«أمَّا نقدُ المتنِ: فقَوامُه مُقاربةُ الحديثِ المَنقول بما صَحَّ مِن نقولٍ أخرى، والنَّظر إليه على ضوءِ ما تقرَّر إجمالًا وتفصيلًا في كتابِ الله، وسُنَّة رسولِه ﷺ ..
وقد استباحَ بعضُ القاصِرين لأنفسِهم أن يردُّوا بعضَ السُّنَن الصِّحاح، لأنَّهم أساءوا فهمَها، فسارَعوا إلى تكذيبِها دون تبصُّرٍ! ..
وكُتب السُّنةِ المُعتبرةِ في ثقافتِنا التَّقليديَّة مَليئةٌ بالأحاديثِ الصَّحيحةِ والحَسنةِ، وفيها كذلك الضَّعيف الَّذي كشَف العلماء عِلَلَه؛ وعندي أنَّ المُشكلة الأولى ليست في مَيْز الصَّحيح مِن الحسن، والحسنِ مِن الضَّعيف، بل في فهمِ الحديثِ على وَجهِه، وترتيبِه مع غيرِه مِن السُّنَن الواردة، وهذا هو عملُ الفقهاء، وجهدُهم الكبير» (١).
الفرع الثَّاني: مَوقفُ (محمَّد الغزالي) مِن «الصَّحِيحين».
لـ «لصَّحيحين» مَكانة عظيمة في قلبِ (الغَزاليِّ) لا تُنكَر، مُقِّرٌ هو بأفضلِيَّتهما على سائرِ كُتبِ الصِّحاح، مُسلِّمٌ لهما بتَجاوزِهما -كما يقول- «قنطرةَ الصِّحة» (٢).
والشَّيخ مع هذه الحال من التَّقدير الجُمليِّ للكتابين، لم يَمْنَعهُ ذلك مِن استباحة الطَّعن في بعضِ ما أخرج الشَّيخان فيهما، وإن لم يُعِلَّه قبله ناقدٌ متخصِّص؛ كحديثِ «لَطمِ موسى ﵇ للمَلك»؛ فلمَّا استوحش الشَّيخ من فِعلتِه هذه، ولم يجد له مؤنسًا من سلفٍ مُعتَبَر، انسابَ قَلَمُه عجِلًا يدَّعي أنَّ الحديثَ «قد جادَلَ البعضُ في صِحَّته» (٣)!
стр. 377
فمَن هذا البعضُ الَّذي نازَعَ الأئمَّةَ في صِحَّته؟ ولِمَ لمْ يعتضِد هو بذكرِه صراحةً؟!
ولقد أحصيت ما أعلَّه (الغزاليُّ) وهو في «الصَّحيحين» أو أحدها، فبلغ عندي خمسة عشر حديثًا (١)، وهي: حديث: «إنَّ الميِّت ليُعذَّب ببكاء أهله عليه .. » (٢)، وحديث: «لا يُقتَل مسلمٌ بكافرٍ» (٣)، وحديث شريك بن عبد الله في الإسراء (٤)، وحديث أهل القَليب: «ما أنتم بأسمع لِما أقول الآن منهم» (٥)، وحديث فقءِ موسى ﵇ عينَ ملك الموت (٦)، وحديث إغارة النَّبي على بني المصطلق (٧)، وأحاديث المسيح الدَّجال (٨)، وحديث السَّاق والصُّورة لله (٩)، وحديث: «إذا مرَّ بالنُّطفة ثنتان وأربعون ليلة» (١٠)، وحديث: «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود» (١١)،
وحديث: «كان فيما أنزل عشر رضعات يُحرِّمنَ» (١٢)، وحديث: «إنَّ الرَّجل ليعمل بعمل أهل الجنة، وإنَّه لمن
стр. 378
أهل النَّار» (١)، وحديث انشقاقِ القمر (٢)، وحديث توقُّف الشَّمس لأحد الأنبياء (٣)، وحديث حذيفة الطَّويل في الفِتن (٤).
والَّذي أراه جَرَّأ (الغَزاليَّ) على إحالةِ هذه الأحاديثِ في «الصَّحيحين»، فقَلَّلَ مِن هَيْبَة مَسِّها في صدرِه: اتِّباعُه لِما دَرَج عليه بعضُ المُتكلِّمِين مِن اندراجِ أحاديثِهما في جملةِ الآحادِ الَّتي لا تُفيد غير الظَّن؛ وقد أبان (الغزاليُّ) عن هذا الأصلِ الَّذي اشتغل به بقوله:
«الأحاديث في «الصَّحيحين» المَروِيَّة بطريقِ الآحادِ، هل يَنطبِقُ عليها ما تقدَّم في درجةِ القطعِ بصحَّةِ الصَّحيح؟
يرَى ابن الصَّلاح أنَّ الأمَّة حيث تلقَّتهما بالقَبول، فكأنَّ هذا إجماعٌ على صِحَّتهما، وأنَّ كل ما فيهما صحيحٌ سندًا ومتنًا (٥)؛ ولكنَّ الجمهورَ لا يَرَوْن أنَّ الأمَّةَ قد اتَّفَقَت على صِحَّة هذين الكِتابين، بل الاتِّفاقُ إنَّما وَقَع على جوازِ العملِ بما فيهما، وذلك لا يُنافى أن يكون ما فيهما ثابتًا بطريقِ غلبةِ الظِّن، لا القطعِ، فإنَّ الله لم يُكلِّفنا بدرجةِ القطعِ في تفاصيل الأحكام العمليَّة، ولذلك يجبُ الحكمُ بمُوجب البيِّنة، وهي لا تُفيد إلَّا الظَّن.
وتجدر الإشارة هنا: إلى أنَّ الحديث الصَّحيح الآحاديَّ، قد تحفُّ به قرائن مُؤيِّدة مُؤكِّدة، فينتقلُ مِن درجِة الظَّن إلى درجةِ القطع في الثُّبوت، أو إلى ما
стр. 379
يقرُب منها، وربَّما كان هذا مُنطبِقًا على كثيرٍ مِن أحاديثِ «الصَّحيحين»، لكن لا يُمكن تعميمُه على جميعِها.
فيتَّضِحُ ممَّا سَبَق، أنَّ الحديث يُعرَض على مَعايِير نقدِ المتنِ، حتَّى ولو كان صحيحَ السَّند، بل الحديثُ الصَّحيح الآحاديُّ ليس مَقطوعًا بصحَّتِه سواء أكان في الصَّحيحين أو غيرهما» (١).
فهذا -كما تَرَى- تسويغٌ (للغَزاليِّ) وجهَ مخالفته لبعض ما أخرجه الشَّيخان في «الصَّحِيحين»، فإنَّ آحادها في أصلِها لا تعدو كونَها عنده ظَنِّية، والأصلُ في الظَّنيِّ إذا عارضَ قطعيًّا أنْ يُطَّرح.
فلذلك نجده حين يُستنكَر عليه رَدَّ شيءٍ في «الصَّحيحين»، يجيب بقوله: «أريدُ أن أقرِّرَ حقيقةً إسلاميَّة ربَّما جِهَلَها البعضُ: هل رَفضُ حديثِ آحادٍ -لملحَظٍ ما- يُعَدُّ صَدْعًا في بناءِ الإسلام؟ ..
كلَّا! فإنَّ سُنَن الآحادِ عندنا تُفيد الظَّنَّ العِلميَّ» (٢)، وبالتَّالي «لو نَقَّينا هذا العَدَدَ مِن بِضعِ أحاديث قليلةٍ، ماذا سيجرِي؟! سواء كان هذا في البخاريِّ أو مسلم!» (٣).
وسيأتي نَقضُ هذا الأصلِ الَّذي ابتنى عليه الغزاليُّ تعليلاتِه لبعضِ أخبارِ «الصَّحيحين»، عند دراسة المُسوِّغ الثَّاني من الباب الثَّالث -إن شاء الله-.
стр. 380
المَطلب الثَّالث
إسماعيل الكردي (١)
وكتابه: «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث»
هذا الكاتبُ مِن قلائلِ مَن حاول تعليلَ أحاديث «الصَّحيحين» عَبَثًا عبر استعمالِ ما قَرَّره أهلُ العلمِ مِن أماراتِ الوضعِ اللَّائحة مِن المتونِ، ولقد أبانَ عن مَغزى اختيارِه للصَّحيحين محلًّا لتنزيل تلك القواعد بقوله: «إنَّما اخترتُ تطبيقَ هذه القاعدة على بعضِ أحاديث الصَّحيحين، لأنَّه إذا ثَبَت ما قُلته فيهما مع أنَّهما أصحُّ الكتبِ، فهو ثابتٌ مِن بابِ أَوْلى فيما هو دونهما في الصِّحةِ مِن كُتبِ الحديث» (٢).
وزَعَم (الكرديُّ) أنَّ الباعثَ له لإخراجِ كتابهِ أمران، أعربَ عنهما بقولِه:
«هذا الكتابُ يهدف -مِن جهةٍ- لتأكيدِ حُجِّية السُّنةِ النَّبويَّة، وأنَّ بعضَها
стр. 381
وَحيٌ إلهيٌّ، وجزءٌ لا يتجزَّأ من الإسلام .. ومِن جِهة أخرى: يهدفُ لبيانِ عدمِ عِصمة كلِّ لفظةٍ في الصَّحيحين» (١).
والنَّاظر في تسويدِه ذاك يجده منكبًّا في مُجملِه على دراسةِ الأمرِ الثَّاني دون الأوَّلِ، ردَّةَ فعلٍ منه لِما رآه مِن تشكيكِ بعضِ المُثقَّفين في الإسلامِ بسببِ هذه المَرويَّاتِ المُنكرَة المَنسوبةِ إلى الشَّارع الحكيم، عَبَّر عن ذلك بقولِه: «إنَّ أشخاصًا مِن المُثقَّفين بالثَّقافة العصريَّة، عندما يَرَون بعضَ الأحاديثِ في «الصَّحيحين» وغيرهما لا تنسجمُ مع مُعطياتِ العلمِ الحديثِ .. يرفضون الحديث برُمَّته، بل يجعلُ بعضهم ذلك مُستندًا لإنكارِ الدِّين، أو صلاحية الشَّرع الإسلاميِّ لهذا العصر مِن الأساس!
ورُبَّما ساعَد في أخذِهم هذا الموقفَ، ما سمعوه مِن علماءِ الدِّين -ولم يعقلوا المعنى الدَّقيق لكلامِهم- مِن أنَّ كلَّ ما في «الصَّحيحين» صحيحٌ! مع أنَّ المَقصودَ بالصِّحة: الظَّنُّ بالصِّحة حسب ظاهر السَّند، وهذا للغالبيَّة العُظمى لما فيهما، لا الاستغراق الكُلِّي بالمعنى الحرفيِّ للكلمة» (٢).
فـ (الكرديُّ) كغيره كثير يَرى آحادَ «الصَّحيحين» ظنِّية الصُّدور مُطلقًا، لا يُحتجُّ بمثلها في عقيدةٍ ولا أصلٍ عِباديٍّ (٣)، فلا حَرَج إذن في الطَّعنِ في ما يَراه مُختلَّ المتنِ مِمَّا نالته يَدُ الإهمالِ مِن قِبَل الشَّيخين، مُعتذرًا لهما بتَبصُّرِ الصَّنعةِ الإسناديَّةِ، والانشغالِ بتَحَمُّلِ المَسموعات، دون باعٍ في العَقليَّاتِ يُمكِّنهم مِن تَبيُّن المَقبولِ مِنها والمَردود.
وعلى خلاف موقفه السَّلبيِّ هذا من منهج الشَّيخين في النَّقد الحديثيِّ، فقد كان (الكرديُّ) شديدَ الحَفاوةِ بجُهدِ المعتزلة في نقدِ المتونِ بأصولِهم العقليَّةٍ الَّتي
стр. 382
أصَّلوها (١)، فكان أن سايَرهم في كثيرٍ من عقائدهم الَّتي يُحاكمون النُّصوص إليها، من مثل إنكارِ رؤيةِ الله تعالى يوم القيامة (٢)، ونَفيِه لعلُوِّ الله تعالى على خلقِه بذاته (٣).
بل بَلَغَت قِحَة إعجابِه بهم أنْ نقل هَرَفَ بعضِ أعلامِهم في الطَّعنِ بأبي هريرة ﵁ وروايتِه للحديث! (٤) والله حسيبُه.
الفرع الأوَّل: لمحةٌ عن مَصادرِ كتابه وتَقاسيمِه.
إنَّ المقلِّبَ لصفحاتِ «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث»، يجد فيه المؤلِّف يستقى جملةً مِن مُغالطاته الَّتي حَشر بها كتابَه مِن مَصادر مُتشاكِسة، فمنها ما هو أساسٌ يَعزو إليها كثيرًا شُبهاتِه: كمَقالات (رشيد رِضا) في «مجلَّته المنار»، و «فجرِ الإسلام» لـ (أحمد أمين)، و «أضواءِ على السُّنة المحمَّدية» و «أبو هريرة شيخُ المَضيرة» لـ (محمود أبو ريَّة) (٥)، وبعضِ كتاباتِ (محمَّد الغزالي) في نقد السُّنَة؛ مع اعتماده أيضًا على بعض ما نَقَله قُدَامى الكُتَّابِ -كابنِ أبي حديد في «شرح نهج البَلاغة»، وابن عبد ربِّه الأندلسيِّ في «العقد الفريد» - مِن رواياتٍ مُلَّفقة مَفضوحةِ الكذبِ (٦).
ومِن مَراجِعه ما هو فيها ثانويُّ المَصدر: ينقُل منها ما يراه عاضِدًا لنقولِ مَصادره الأخرى، كبعضِ كُتبِ المُصطلح والجرحِ والتَّعديل، حاوَلَ توظيفَها
стр. 383
باجتزاء نصوصِها حسب ما يخدِم أفكارَه، غاضًّا طَرفَه عن توجيهِ العلماء لها، سالِكًا فيها طريقةَ تحريفٍ للنُّصوص خدَّاعة.
وقد قسَّم (الكرديُّ) كتابَه هذا إلى ثمانية فصول:
استفتحَها بذكرِ مُقدِّماتٍ حوَتها فصولُه الثَّلاثة الأولى، دندنَ فيها حول نفيِ التَّلازم بين صِحَّة أسانيد «الصَّحيحين» وصِحَّة متونِها، ونفيِ الإجماع على صحَّة أحاديثهما (١)، مُعلِنًا أنَّهما قد حَوَيا من الأحاديث ما لا «يجبُ أن نَتردَّد في ردِّه، لِما في متونها مِن نكارةٍ مخالفةِ للقرآن، أو للعلم، أو للعقل، أو للتَّاريخ، أو لطبائع الأمور، وإن كانت مُخرَّجة في أصحِّ الكُتب، أو مِن أصحِّ الأسانيد» (٢)!
وأمَّا الفصول الثَّلاثة الأخيرة المُتبقيَّة: فهي لبُّ كتابه، خَصَّصها لسردِ قواعد النَّقدِ المُتعلقَّة بالمتون، وكيف يُسقِط تطبيقُها الاعتدادَ بجملةٍ كبيرةٍ مِن الصِّحاح، مثَّل لهذه القواعد بـ (أربعةٍ وسبعين) حديثًا مَعلولةَ المتن في «الصَّحيحين» (٣)، كان أغلب ما تطرَّق له مِن ذلك -خاصَّةً في الفصلِ الخامسِ- ما وَصفَه بـ «الأحاديث الَّتي تشتمل على معاني التَّجسيمِ للذَّاتِ الإلهيَّةِ، ويُمنَع حملُها على المَجاز» (٤)؛ مع تأبِّيه عن سَوق دفوعات العلماء لهذه الإشكالات.
فمِن أمثلةِ أحاديثِ الغَيبِ المُنكرَةِ عند (الكُرديِّ) متنًا:
ما اتُّفِق على صحَّته مِن حديث أبي هريرة ﵃ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «اختصَمَت الجنَّة والنَّار إلى ربِّهما، فقالت الجنَّة: يا ربِّ، ما لها لا يدخلها إلَّا ضعفاء النَّاس وسَقطهم؟ وقالت النَّار: أُوثرت بالمتكبِّرين، فقال الله تعالى للجنَّة: أنتِ رحمتي، وقال للنَّار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء، ولكلِّ واحدةٍ منكما مِلؤها .. » (٥).
стр. 384
وعند مسلم: « .. فأمَّا النَّار فلا تمتلئ حتَّى يضع الله ﵎ رجلَه، تقول: قط، قط، قط! فهنالك تمتلئ، ويُزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله مِن خلقِه أحدًا، وأمَّا الجنَّة فإنَّ الله يُنشئ لها خلقًا» (١).
يقول الكُرديُّ فيه: «إنَّ في متنِه خَللًا في المعنى، لأنَّ الجنَّة والنَّار غير عاقلتين فتتكلَّمان! .. » (٢)، و «أغلبُ الظَّنِ أنَّ واضعَ هذا الحديثِ، يُريد أنْ يُفسِّر بهذا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]، مع أنَّ أدنى مَن له إلمامٌ وتَذوُّق للُّغة العربيَّة، يُدرك تمامًا أنَّ الآيةَ بَيانٌ بَلاغيٌّ تخويفيٌّ، رائعُ التَّعبير عن مَدى سِعةِ جهنَّم» (٣).
ونقول جوابًا للكرديِّ: مَن له أدنى إلمامٌ وتَذوُّق للُغة العرب يعلمُ أنَّ حملَ الألفاظِ على الحقيقةِ هو الأصلُ الَّذي لا يُحاد عنه إلَّا بقرينةٍ توحي بالمَجاز (٤).
فأين هذه القرينة في الآيةِ أو خارِجَها؟!
وأيُّ مانعٍ شرعيٍّ أو عقليٍّ يَحول دون أن يُنطِق الله جَهنَّم أو الجنَّةِ، وأن يجعل فيهما قدرة التَّمييز إذا أرادَ ذلك؟! وإن كان «لا يَلزم مِن هذا، أن يَكون ذلك التَّميِيزُ فيهما دائمًا» (٥).
فالأصلُ على هذا أنَّ الآيةَ جاريةٌ على التَّحقيقِ، وقِياس عالمِ الغَيب على ما عندنا في عالمِ الشَّهادة باطلٌ؛ وعلى فَرضِ احتمالِها لكِلا الحقيقةِ والمَجاز، فقد جاءت السُّنة الصَّحيحة تُعيِّن المُرادَ منهما، فوَجَب الأخذُ بها مُبيِّنةً، وطرحُ أيِّ اجتهادٍ عَداها (٦).
стр. 385
ونظير هذا الزَّيغ العلميِّ عند (الكرديِّ)، ما تَراه أحيانًا من طعنه ببعضِ أخبارِ «الصَّحيحين» لمجرَّد اختلافٍ يَسيرٍ في بعضِ ألفاظِها بين رواياتها! مع كون هذا الخلاف غير مُؤثِّر في أصلِ الرِّواية؛ مثل اختلافِ الرِّواياتِ في سِعرِ جَملِ جابر ﵁ (١).
أو تراه أخرى يَردُّ جُملةً كاملة من حديثٍ بدعوى أنَّها مقحمةٌ مِن الصَّحابيِّ! كادِّعائِه تفرُّدَ أبي هريرة ﵁ بلفظ: «إذا هَلَك قيصرَ، فلا قيصر بعده» (٢)، مع أنَّه قد شارَكَه في روايتِها جابر بن سمرة ﵁ (٣).
والَّذي يدُلُّك على عَجَلة الرَّجل في النَّقد، وارتِمائه على الصِّحاحِ بالطَّعنِ من غير تَريُّث: تَهوُّره في نسبةِ حديثٍ منكرٍ إلى «صحيح مسلمٍ» وليس فيه! أعني حديثَ ابن مسعود ﵁ الَّذي طَرفُه: «يكون أمراءُ يقولون ما لا يفعلون .. » (٤)؛ مع أنَّ مُسلمًا قد أعرضَ عن هذا الحديث، وخَرَّج حديثًا آخرَ في «صحيحِه» في بابه، وهو حديث ابن مسعود ﵁: «ما مِن نبيٍّ بَعَثه الله في أمَّةٍ قبلي إلَّا كان له حواريُّون وأصحاب .. » (٥)، فاختلطا على (الكرديِّ)! وزاد على قبح جهلِه أن عاتب مسلمًا على مُخالفة أحمدَ بن حنبلٍ (٦) في إنكارِه!
وأمَّا في الفصلين الأخيرين مِن كتابه:
فقد أبان فيهما (الكرديُّ) عن ما يراه اكتشافًا لسرِّ كثرةِ المتونِ المَعلولةِ في «الصَّحيحين»! ما سمَّاه بـ «ثغراتٍ في البناءِ السَّنَدي المُحكَم» (٧)، فكان أبرزُ ذلك
стр. 386
عنده: احتجاج الشَّيخينِ بمَراسيلِ الصَّحابة ﵃ مُطلقًا! ومثَّل ببعضِ صِغار الصِّحابة، كابن عبَّاس، والنُّعمان بن بشير، وأبي الطُّفيل، وعبد الله بن الزُّبير؛ مُبديًا اعتراضَه على فكرةِ التَّسليم بعَدالةِ الصَّحابةِ وضبطِهم من الأساس، وأنْ لابدَّ مِن عَرضِهم كغيرهم مِن طبقاتِ الرُّواة على مَشارحِ علمِ الجرحِ والتَّعديل! متذرِّعًا في ذلك بوجودِ المُنافقين في مجتمعِ الصَّحابة!
وهذا لا شكَّ خلاف إجماعِ أهل السُّنة، وهو الَّذي يَدَّعي الانتسابَ إلى مُتكلِّمِيهم وهم منه بَراءٌ! مُتناسيًا أنَّ المنافقين خارجون عن تعريف الصَّحابيِّ مِن الأصل، فالصَّحابيُّ هو مَن لَقِي النَّبي ﷺ مؤمنًا به، وماتَ على ذلك؛ أمَّا المنافقون فكَفَرةٌ في الأصل، لمْ تخفَ أمَاراتُهم على المُؤمِنين عهدَ النَّبي ﷺ ، ولا جهِلوا خُبثَهم الجاري في لَحنِ قَولِهم، بل كانوا مَعروفين لَدى عَددٍ مِن الصَّحابة، أشهرُهم حُذيفة بن اليَمان ﵁ (١).
يقول الخطيب البغداديُّ (ت ٤٦٣ هـ) مُعقِّبًا على جملةِ ما أورَدَه مِن دلائل على عدالة الصَّحابة مِن الكتابِ والسُّنة:
« .. والأخبارُ في هذا المعنى تتَّسع، وكلُّها مُطابقةٌ لمِا ورد في نصِّ القرآن، وجميعُ ذلك يَقتضي طهارةَ الصَّحابة، والقطعَ على تعديلِهم ونزاهتِهم، فلا يَحتاج أحدٌ منهم مع تعديلِ الله تعالى لهم، المُطَّلعِ على بواطنِهم، إلى تعديلِ أحدٍ مِن الخلقِ لهم، فهم على هذه الصَّفةِ، إلَّا أن يثبُت على أحدِهم ارتكابُ ما لا يحتمِل إلَّا قصدَ المعصية، والخروجَ مِن بابِ التَّأويل، فيُحكَم بسقوطِ عدالتِه، وقد برَّأهم الله تعالى مِن ذلك، ورَفع أقدارَهم عنه.
على أنَّه لو لم يَرِد مِن الله ورسولِه فيهم شيءٌ ممَّا ذكرناه، لأوجَبَت الحالُ الَّتي كانوا عليها، مِن الهجرة، والجهاد، والنُّصرة، وبذل المُهج والأموال، وقتلَ الآباء والأولاد، والمُناصحة في الدِّين، وقوَّة الإيمان واليقين:
стр. 387
القطعَ على عدالتِهم، والاعتقادَ لنزاهتِهم، وأنَّهم أفضل مِن جميعِ المُعدَّلين والمُزَكِّين الَّذين يجيؤون مِن بعدِهم أبدَ الآبدين.
هذا مذهب كافَّة العلماء، ومن يُعتَدُّ بقولِه مِن الفقهاء» (١).
يقول (الكرديُّ) مثلَ هذا العار في أصلِ الأسانيدِ ومَنبعِها وهم الصَّحابة، مع أنَّه صَدَّر كتابَه بإعلانِ انسحابِه مِن معركةِ الأسانيد وتَهاويلِها؛ واقتصارِه على المتونِ الَّتي عليها مَدار بحثِه (٢)؛ فليتَه وَفَّى!
ثمَّ ليته إذْ تَجشَّم الكلامَ في ما اختَصَّ به فحولُ الرِّجال، أنْ لو التزمَ المنهجَ العِلميِّ الَّذي أصَّله أئمَّة الاختصاصِ الحديثيِّ، فكما أنَّه ادَّعى قبلُ التِزامَه بقواعِد الوضعِ في المتنِ كما بيَّنوها، فليلتَزِم أيضًا بقواعِد الإسنادِ الَّتي أصَّلوها!
стр. 388
المَطلب الرَّابع
جواد عفانة
وكتابه «صحيح البخاري، مخرَّج الأحاديث محقَّق المعاني»
الفرع الأوَّل: نظرة إجمالية إلى كتاب (عفانة).
تسويدُ هذا الكاتب الأردنيِّ أشبه ما يكون بتخريجٍ لأحاديث «البخاري» ونقد صحيحِه مِن ضَعيفه، هذا الضَّعيف الَّذي غَلَب على ثُلثَي «الصَّحيح»! فليس يصحُّ عنده مِن أحاديثِ الكتاب إلَّا أقلُّ مِن الثُّلث؛ مع اعترافِه -مَشكورًا! - أنَّ نسبةَ الصِّحة الإسناديَّةِ في كتاب البخاريِّ، واقعةٌ على «على ٩٧ _، مع بقاء ٣ _ مِن «صحيحِه» غيرَ صحيحٍ سَنَدًا، وذلك عملٌ -والله- كبيرٌ كبيرٌ»! (١)
ولأنَّ (عفانة) عالمٌ بخطورة ما أقدم عليه في كتابه من نقضِ المُسلَّمات السُّنيَّة، مشفقٌ من احتمالِ صدمةٍ فكريَّةٍ تنِّفر القارئ من كتابِه وتُسخطه على راقِمه، فقد حاول تخفيف وطأةِ فِعلتِه بالتَّقليل من قيمة السُّنة ومَرويَّاتها من حيث التَّشريع، فقال ببرودة دمٍ:
«إنَّ ردَّ السُّنة كليًّا لا يهدم الإسلام، لأنَّ القرآن محفوظ من ربِّ العالمين، وفيه كلُّ الأصول والكليَّات وبعض الفرعيَّات، فالإسلام قائمٌ بالقرآن حتَّى قيام السَّاعة .. ».
стр. 389
وحين أحسَّ (عفانة) بتَماشي كلامِه في هذا الباب مع ما يقوله القرآنيُّون وانسجامه مع تأصيلاتهم، سارع لردِّ هذا التَّلازم بتغليطِ مَن يفهم من كلامِه ذلك، وذلك -في رأيِه- أنَّ القرآنيِّين ساعون في إسقاط السُّنة كلِّها، أمَّا هو فساعٍ في إسقاطِ شطرِها فحسب! إذ أنَّ «ردَّ السُّنة كلِّها سوف يؤدِّي إلى مشاكل وصعوبات كبيرة في فهم القرآن وتطبيقاته العمليَّة» (١).
مهَّد المؤلِّف كتابه بمقدِّمة بيَّن فيها موقفه مِن «الجامع الصَّحيح» في الجملة، حيث شَرَح متأسِّفًا ما آلَ إليه هذا الكتابُ مِن تقديسٍ عند العامَّة نتيجةَ تسلُّطِ الجهلِ والتَّقليدِ والخُرافة عليهم قرونَ مُتطاولة، فكان أن عبَّر عن هذا الواقعِ المُتوهَّم بصياغةٍ دراميَّةٍ قال فيها:
« .. وسَادَ الجهل، وصارَ فهم القرآن عزيزًا بعد اعتماد المسلمين التَّقليدَ منهجًا، والخرافةَ ديدنًا، إثرَ تخلِّيهم عن المنهجِ العلميِّ العقليِّ القرآنيِّ؛ تمسَّك جمهور المسلمين بـ «صحيح البخاري» تمسُّكًا شديدًا، وأنزلوه منزلةً عظيمةً، حتَّى قال أحدهم: هو أصحُّ كتاب بعد كتاب الله تعالى!
وعلى الرَّغم مِن أنَّ هذه العبارة لا تعني أنَّه صحيحٌ كلُّه، إلَّا أنَّه قد خرج علينا بعض المُقلِّدين في العصورِ المُتأخِّرة بعبارةٍ تقول: صحيحَا البخاري ومسلم، تَلقَّتهما الأمَّة بالقَبول، لشيءٍ لا يجعله مَصدرًا شرعيًا .. » (٢).
العجيب المُضحك حقيقةً، أنَّ (عفانة) حين أراد تسويغَ ما اجترحته يَداه من عَبَثٍ في نقد كتاب البخاريِّ، ردَّ فكرةَ كتابِه إلى أحدِ أعلامِ الحنفيَّة السَّابقين، مُعتبرًا إيَّاه نابِعًا مِن نفسِ الهمِّ الَّذي احتمَله في كتابه على السُّنة، فاعجب له وهو يقول:
« .. استمرَّ الحال على ذلك قرونًا، حتَّى جاء أبو العباس زين الدِّين أحمد بن محمد بن عبد اللَّطيف الشَّرجي الزَّبيدي ﵀ في القرنِ التَّاسع الهجري، فجرَّدَ
стр. 390
كتابَ «صحيح البخاري» واختصَرَه .. ولأنَّ كتابَ مُختصر الزَّبيدي لم يَنَل مِن العناية والاهتمامِ ما يستحقُّ فيما أعلم، فقد ازدادَ تَعلُّق المسلمين بكتابِ «صحيح البخاري» الأصل، حتَّى صارَت له عند كثير منهم قُدسيَّة خاصَّة» (١).
فقد نَمنَم (عفانةُ) في مَقاله هذا على الزَّبيديِّ كذِبًا -عن سوءِ هَمٍّ، أو قِلَّةِ فهمٍ- حينَ ادَّعى أنَّ قصدَ الزَّبيدي مِن مُختصِره هذا تنقيحَ «البخاريِّ» مِن زَيفِ الحديث؛ فإمَّا أنَّ (عفانة) لم يقرأ كتابَ الزَّبيدي أصلًا! وإنَّما تَوَهَّم ذلك موضوعَه، أو يكون (عفانة) كذَّابًا مُدلِّسًا على قُرَّائه!
والمَعلوم بداهةً لكلِّ حديثيٍّ، بل لِمن تَصَفَّح مُقدِّمة الزَّبيدي للكِتابِ ولو سريعًا: أنَّ غَرَضه منه حذفَ المُكرَّرات والمُعلَّقات مِن أحاديثِ البخاريِّ، لأجلِ الاختصارِ لا غير.
الفرع الثَّاني: شروط (عفانة) في السَّند والمتنِ ومعناه ليصحَّ الحديث.
فعلى ذاك النَّحو المُظلم صارَ (عَفانة) يخبط في البخاريِّ خبطَ عشواءٍ، يرمي كلَّ حديثٍ لا يُوافق قواعده الوَرْهاء، والَّتي أعرضَ بها عن كلِّ ما قعَّده المُحدِّثون في باب النَّقد للحديث، حتَّى استدركَ عليهم شروطًا ابتكرها لا يصحُّ خبرٌ في «البخاري» إلَّا بها، وقد حَصَرها في ثلاثةِ عناصر: السَّند، والمتن، والفهم (٢).
فأمَّا السَّند: فقد شَرَطَ فيه (عفانة) عدمَ تَفرُدِّ راوٍ به في أيِّ طبقةٍ مِن طبقاتِ السَّند! أي أن يروِيَه اثنان فأكثر في كلِّ طبقةٍ؛ وهذا لا شكَّ مذهبٌ باطلٌ مَهجورٌ عند أهل الحديث؛ بل روايةُ الواحدِ عن الواحدِ صحيحةٌ إلى النَّبي ﷺ ، ويكفي في ردِّ كلامه مثال حديث عمر ﵁: «إنَّما الأعمال بالنِّيات»، وإجماع العلماء على صِحَّته، مع كونِه فَردًا غريبًا (٣).