← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 224

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

عنده: احتجاج الشَّيخينِ بمَراسيلِ الصَّحابة ﵃ مُطلقًا! ومثَّل ببعضِ صِغار الصِّحابة، كابن عبَّاس، والنُّعمان بن بشير، وأبي الطُّفيل، وعبد الله بن الزُّبير؛ مُبديًا اعتراضَه على فكرةِ التَّسليم بعَدالةِ الصَّحابةِ وضبطِهم من الأساس، وأنْ لابدَّ مِن عَرضِهم كغيرهم مِن طبقاتِ الرُّواة على مَشارحِ علمِ الجرحِ والتَّعديل! متذرِّعًا في ذلك بوجودِ المُنافقين في مجتمعِ الصَّحابة! وهذا لا شكَّ خلاف إجماعِ أهل السُّنة، وهو الَّذي يَدَّعي الانتسابَ إلى مُتكلِّمِيهم وهم منه بَراءٌ! مُتناسيًا أنَّ المنافقين خارجون عن تعريف الصَّحابيِّ مِن الأصل، فالصَّحابيُّ هو مَن لَقِي النَّبي ﷺ مؤمنًا به، وماتَ على ذلك؛ أمَّا المنافقون فكَفَرةٌ في الأصل، لمْ تخفَ أمَاراتُهم على المُؤمِنين عهدَ النَّبي ﷺ ، ولا جهِلوا خُبثَهم الجاري في لَحنِ قَولِهم، بل كانوا مَعروفين لَدى عَددٍ مِن الصَّحابة، أشهرُهم حُذيفة بن اليَمان ﵁ (١). يقول الخطيب البغداديُّ (ت ٤٦٣ هـ) مُعقِّبًا على جملةِ ما أورَدَه مِن دلائل على عدالة الصَّحابة مِن الكتابِ والسُّنة: « .. والأخبارُ في هذا المعنى تتَّسع، وكلُّها مُطابقةٌ لمِا ورد في نصِّ القرآن، وجميعُ ذلك يَقتضي طهارةَ الصَّحابة، والقطعَ على تعديلِهم ونزاهتِهم، فلا يَحتاج أحدٌ منهم مع تعديلِ الله تعالى لهم، المُطَّلعِ على بواطنِهم، إلى تعديلِ أحدٍ مِن الخلقِ لهم، فهم على هذه الصَّفةِ، إلَّا أن يثبُت على أحدِهم ارتكابُ ما لا يحتمِل إلَّا قصدَ المعصية، والخروجَ مِن بابِ التَّأويل، فيُحكَم بسقوطِ عدالتِه، وقد برَّأهم الله تعالى مِن ذلك، ورَفع أقدارَهم عنه. على أنَّه لو لم يَرِد مِن الله ورسولِه فيهم شيءٌ ممَّا ذكرناه، لأوجَبَت الحالُ الَّتي كانوا عليها، مِن الهجرة، والجهاد، والنُّصرة، وبذل المُهج والأموال، وقتلَ الآباء والأولاد، والمُناصحة في الدِّين، وقوَّة الإيمان واليقين:

стр. 387

القطعَ على عدالتِهم، والاعتقادَ لنزاهتِهم، وأنَّهم أفضل مِن جميعِ المُعدَّلين والمُزَكِّين الَّذين يجيؤون مِن بعدِهم أبدَ الآبدين. هذا مذهب كافَّة العلماء، ومن يُعتَدُّ بقولِه مِن الفقهاء» (١). يقول (الكرديُّ) مثلَ هذا العار في أصلِ الأسانيدِ ومَنبعِها وهم الصَّحابة، مع أنَّه صَدَّر كتابَه بإعلانِ انسحابِه مِن معركةِ الأسانيد وتَهاويلِها؛ واقتصارِه على المتونِ الَّتي عليها مَدار بحثِه (٢)؛ فليتَه وَفَّى! ثمَّ ليته إذْ تَجشَّم الكلامَ في ما اختَصَّ به فحولُ الرِّجال، أنْ لو التزمَ المنهجَ العِلميِّ الَّذي أصَّله أئمَّة الاختصاصِ الحديثيِّ، فكما أنَّه ادَّعى قبلُ التِزامَه بقواعِد الوضعِ في المتنِ كما بيَّنوها، فليلتَزِم أيضًا بقواعِد الإسنادِ الَّتي أصَّلوها!

стр. 388

المَطلب الرَّابع جواد عفانة وكتابه «صحيح البخاري، مخرَّج الأحاديث محقَّق المعاني» الفرع الأوَّل: نظرة إجمالية إلى كتاب (عفانة). تسويدُ هذا الكاتب الأردنيِّ أشبه ما يكون بتخريجٍ لأحاديث «البخاري» ونقد صحيحِه مِن ضَعيفه، هذا الضَّعيف الَّذي غَلَب على ثُلثَي «الصَّحيح»! فليس يصحُّ عنده مِن أحاديثِ الكتاب إلَّا أقلُّ مِن الثُّلث؛ مع اعترافِه -مَشكورًا! - أنَّ نسبةَ الصِّحة الإسناديَّةِ في كتاب البخاريِّ، واقعةٌ على «على ٩٧ _، مع بقاء ٣ _ مِن «صحيحِه» غيرَ صحيحٍ سَنَدًا، وذلك عملٌ -والله- كبيرٌ كبيرٌ»! (١) ولأنَّ (عفانة) عالمٌ بخطورة ما أقدم عليه في كتابه من نقضِ المُسلَّمات السُّنيَّة، مشفقٌ من احتمالِ صدمةٍ فكريَّةٍ تنِّفر القارئ من كتابِه وتُسخطه على راقِمه، فقد حاول تخفيف وطأةِ فِعلتِه بالتَّقليل من قيمة السُّنة ومَرويَّاتها من حيث التَّشريع، فقال ببرودة دمٍ: «إنَّ ردَّ السُّنة كليًّا لا يهدم الإسلام، لأنَّ القرآن محفوظ من ربِّ العالمين، وفيه كلُّ الأصول والكليَّات وبعض الفرعيَّات، فالإسلام قائمٌ بالقرآن حتَّى قيام السَّاعة .. ».

стр. 389

وحين أحسَّ (عفانة) بتَماشي كلامِه في هذا الباب مع ما يقوله القرآنيُّون وانسجامه مع تأصيلاتهم، سارع لردِّ هذا التَّلازم بتغليطِ مَن يفهم من كلامِه ذلك، وذلك -في رأيِه- أنَّ القرآنيِّين ساعون في إسقاط السُّنة كلِّها، أمَّا هو فساعٍ في إسقاطِ شطرِها فحسب! إذ أنَّ «ردَّ السُّنة كلِّها سوف يؤدِّي إلى مشاكل وصعوبات كبيرة في فهم القرآن وتطبيقاته العمليَّة» (١). مهَّد المؤلِّف كتابه بمقدِّمة بيَّن فيها موقفه مِن «الجامع الصَّحيح» في الجملة، حيث شَرَح متأسِّفًا ما آلَ إليه هذا الكتابُ مِن تقديسٍ عند العامَّة نتيجةَ تسلُّطِ الجهلِ والتَّقليدِ والخُرافة عليهم قرونَ مُتطاولة، فكان أن عبَّر عن هذا الواقعِ المُتوهَّم بصياغةٍ دراميَّةٍ قال فيها: « .. وسَادَ الجهل، وصارَ فهم القرآن عزيزًا بعد اعتماد المسلمين التَّقليدَ منهجًا، والخرافةَ ديدنًا، إثرَ تخلِّيهم عن المنهجِ العلميِّ العقليِّ القرآنيِّ؛ تمسَّك جمهور المسلمين بـ «صحيح البخاري» تمسُّكًا شديدًا، وأنزلوه منزلةً عظيمةً، حتَّى قال أحدهم: هو أصحُّ كتاب بعد كتاب الله تعالى! وعلى الرَّغم مِن أنَّ هذه العبارة لا تعني أنَّه صحيحٌ كلُّه، إلَّا أنَّه قد خرج علينا بعض المُقلِّدين في العصورِ المُتأخِّرة بعبارةٍ تقول: صحيحَا البخاري ومسلم، تَلقَّتهما الأمَّة بالقَبول، لشيءٍ لا يجعله مَصدرًا شرعيًا .. » (٢). العجيب المُضحك حقيقةً، أنَّ (عفانة) حين أراد تسويغَ ما اجترحته يَداه من عَبَثٍ في نقد كتاب البخاريِّ، ردَّ فكرةَ كتابِه إلى أحدِ أعلامِ الحنفيَّة السَّابقين، مُعتبرًا إيَّاه نابِعًا مِن نفسِ الهمِّ الَّذي احتمَله في كتابه على السُّنة، فاعجب له وهو يقول: « .. استمرَّ الحال على ذلك قرونًا، حتَّى جاء أبو العباس زين الدِّين أحمد بن محمد بن عبد اللَّطيف الشَّرجي الزَّبيدي ﵀ في القرنِ التَّاسع الهجري، فجرَّدَ

стр. 390

كتابَ «صحيح البخاري» واختصَرَه .. ولأنَّ كتابَ مُختصر الزَّبيدي لم يَنَل مِن العناية والاهتمامِ ما يستحقُّ فيما أعلم، فقد ازدادَ تَعلُّق المسلمين بكتابِ «صحيح البخاري» الأصل، حتَّى صارَت له عند كثير منهم قُدسيَّة خاصَّة» (١). فقد نَمنَم (عفانةُ) في مَقاله هذا على الزَّبيديِّ كذِبًا -عن سوءِ هَمٍّ، أو قِلَّةِ فهمٍ- حينَ ادَّعى أنَّ قصدَ الزَّبيدي مِن مُختصِره هذا تنقيحَ «البخاريِّ» مِن زَيفِ الحديث؛ فإمَّا أنَّ (عفانة) لم يقرأ كتابَ الزَّبيدي أصلًا! وإنَّما تَوَهَّم ذلك موضوعَه، أو يكون (عفانة) كذَّابًا مُدلِّسًا على قُرَّائه! والمَعلوم بداهةً لكلِّ حديثيٍّ، بل لِمن تَصَفَّح مُقدِّمة الزَّبيدي للكِتابِ ولو سريعًا: أنَّ غَرَضه منه حذفَ المُكرَّرات والمُعلَّقات مِن أحاديثِ البخاريِّ، لأجلِ الاختصارِ لا غير. الفرع الثَّاني: شروط (عفانة) في السَّند والمتنِ ومعناه ليصحَّ الحديث. فعلى ذاك النَّحو المُظلم صارَ (عَفانة) يخبط في البخاريِّ خبطَ عشواءٍ، يرمي كلَّ حديثٍ لا يُوافق قواعده الوَرْهاء، والَّتي أعرضَ بها عن كلِّ ما قعَّده المُحدِّثون في باب النَّقد للحديث، حتَّى استدركَ عليهم شروطًا ابتكرها لا يصحُّ خبرٌ في «البخاري» إلَّا بها، وقد حَصَرها في ثلاثةِ عناصر: السَّند، والمتن، والفهم (٢). فأمَّا السَّند: فقد شَرَطَ فيه (عفانة) عدمَ تَفرُدِّ راوٍ به في أيِّ طبقةٍ مِن طبقاتِ السَّند! أي أن يروِيَه اثنان فأكثر في كلِّ طبقةٍ؛ وهذا لا شكَّ مذهبٌ باطلٌ مَهجورٌ عند أهل الحديث؛ بل روايةُ الواحدِ عن الواحدِ صحيحةٌ إلى النَّبي ﷺ ، ويكفي في ردِّ كلامه مثال حديث عمر ﵁: «إنَّما الأعمال بالنِّيات»، وإجماع العلماء على صِحَّته، مع كونِه فَردًا غريبًا (٣).

стр. 391

فضلًا عن ردِّ (عفانة) لمئاتِ الرِّوياتِ الصَّحيحة لمجرَّد أن أحدَ رواتها قيل فيه: (لا بأس به)، أو (صدوق له أوهام)، أو (صدوق ربَّما أخطأ)، فيكفيه أن يُغمَز الرَّواي بأدنى كلامٍ -ولو كان مَرجوحًا- كي يَتَوقَّف في حديثِه. ترى صنيعَه هذا ماثلًا في ردِّه لحديث ابن عبَّاس ﵁: «إنَّهما يعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبيرٍ» (١)، حيث قال عقِبه: «يُتوقَّف فيه سَندًا، فيه عثمان بن أبي شيبة، قال فيه أحمد: ما علمتُ إلَّا خيرًا، وقال أبوحاتم الرَّازي: صدوق» (٢)! وكأنَّ (عفانة) يوَّد أن يوهمنا بمثل هذا التَّلاعب بأحكام النُّقاد أنَّه رجل غَيورٌ على السُّنة! يخالُ المسكين أنَّ هذا الغلوَّ في مَعايير القَبولِ ماشٍ فيه على «وِفق علمِ مصطلح الحديث والرِّجال» (٣)؛ وهيهات! فليته إذ تعَسَّف في الطَّعنِ بثقاتِ الرُّواة، نَظرَ أوَّلًا في مُتابعاتِ حديثِهم وشواهدِه، عساه يجِدُ ما يُمشِّي به حديثَهم ويُقوِّيه على الأقل، ولكنَّ العَجلةَ أعمَتهُ عن تَتبُّع ذلك. فمثال ذلك في كتابه: ما أخرجه البخاريُّ في «صحيحه» قال: قال مالك، أخبرني زيد بن أسلم، أنَّ عطاء بن يَسار أخبره، أنَّ أبا سعيد الخدري ﵁ أخبره، أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا أسلمَ العبدُ، فحسُن إسلامُه، يُكفِّر الله عنه كلَّ سيِّئةٍ كان زلفها .. » الحديث (٤). فقال عفانة: «ضعيف مُعلَّق، لا يُؤخذ منه حكمٌ، وفي القرآن ما يُغني عنه» (٥).

стр. 392

هكذا ضربة لازب؛ لم يُكلِّف الرَّجل نفسَه ولو فتحَ شرح واحدٍ من شروح البخاريِّ كـ «فتحِ الباري»، إذن لوَجَد أنَّ الحديثَ فيه مَوصولٌ، يقول عنه ابن حجر: «قد وَصَله أبو ذرِّ الهروي في روايتِه، ولم يسُق لفظَه، ووَصَله النَّسائي في السُّنن، والحسن بن سفيان في مُسندِه، والإسماعيليُّ عنه، والدَّارقطني في غرائب مالك، وسمويه في فوائده، وغيرهم، وقد سُقته مِن طريق عشرة أنفسٍ عن مالك» (١). وأمَّا شروط (عفانة) في المتن لقبول الحديث: فذكَرَ منها: موافقةَ الحديثِ للقرآن الكريم، وقصدُه الدَّقيق منه: أنَّ أيَّ حديثٍ فيه إنشاء حُكمٍ ليس له في القرآن أصلٌ فهو مَردود! وكذا ألَّا يُصادِمَ عنده العِلمَ القطعيَّ اليَقينيَّ، أو يناقضَ السُّنن الكونيَّة، أو يحيلَه العقل أو الواقع، أو يَتعارض مع روحِ الإسلام، أو يُكذِّبه التَّاريخ، وأن لا يطرأ عليه الاحتمال، أو لا يأتي بما تشمئزُّ منه النَّفس، أو يُناقض الكرامةَ والعِفَّة (٢). وليس في السُّنِنِ الصِّحاح -بحمد الله- ما ينطبق عليه ما ذكره في هذه الفقرة الأخيرة، ولكنَّ المُشكلة في فهمِه للمتون الَّتي يعارض بها تلك الأصول. وأمَّا ما يتعلَّق بشرط الفهم لمتن الحديث عند (عفانة): فقد شرط في المتن أن يكون واضِحًا مِن جهة اللُّغة (٣)، يُمكن فهمُه بمُجرَّد سماعِه (٤). ولا شكَّ أنَّ هذا أمرٌ نِسبيٌّ، فلا يُجعل معيارًا مطلقًا، فإنَّ مَخزون اللُّغةِ عند العَربِ زمنَ النَّبي ﷺ كبيرٌ يُمكِّنهم من فهمِ كلامِه تلقائيًّا، بخلافِ الخوالِف بعدهم

стр. 393

ومِن الأعاجِم الَّذين جاءوا بعدُ بقرونٍ، فهؤلاء يحتاجون للرُّجوعِ إلى شرحِ غريب اللُّغة والحديثِ لفهمِ كلامِه، لا أن يَردُّوا ما لم يفهموه لوجود غريبٍ فيه. هذا كلُّه مِن جِهة التَّنظير والتَّأصيل. وأمَّا من جِهة التَّطبيقِ لهذه القواعد على الأحاديث: فقد شَطَّب (عفانةُ) بها على جملةٍ وافرةٍ من أحاديث «الجامع الصَّحيح» ناقَضَت عقيدَته الاعتزاليَّة (١)، أو خالفت فهمَه للدِّين، فردَّ بها كلَّ حديث فيه ذكرٌ لأشراطِ السَّاعةِ، أو عذاب القبر، واصفًا لها كلِّها بأنَّها مجرَّد خُرافة (٢)، بل رَدَّ ما لم يُسبَق إليه مِن السُّنَن، كحديث «صيام يوم عرفة»، حيث استكثر على الله أن يُكفِّر لعبادِه بصيامِ يومٍ واحدٍ سنتين كاملتين! فرفضه على قاعدة: «ما جاء بثواب عظيم على نافلة صغيرة» (٣)! كلُّ هذا العَبث بدعوى ترسيخِ المنهج العقليِّ الواقعيِّ، وحضِّ المسلمين على إعادة النَّظر في تراثهم (٤)، سببه الأساس مردُّه إلى ظنِّ (عفانة) أنَّ البخاريَّ وغيره من أئمَّة النَّقد سُذَّج غَافلون عن ركامِ الأحاديثِ المَدسوسةِ في السُّنةِ؛ تفهم هذا الظَّن السَّيء منه مِن قولِه مثلًا: «الآن لننتقل إلى أعمال المحترفين في التَّزييف والتَّخريب المتعمَّد -يعني حديث: «حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» - الَّذي لم ينتبه لبعضِه أكابرُ علماء الحديث ورواته، حتى مرَّ على البخاري والتِّرمذي .. » (٥). وقد تبيَّن لك حالُ الرَّجلِ في السَّفاهةِ والسَّذاجةِ وقلَّة العلم والدِّين، فما كان أقلَّ في حقِّ مثلِه أن يُلحَق بعُسَيلٍ فيُأدَّب بدُرَّة عمر ﵁.

стр. 394

الباب الثاني: المُسوِّغات العلمية المُتوَهَّمة عند المُعاصِرين للطَّعنِ في أحاديث الصَّحيحَيْن ويشتمل على أربعة فصول: * الفصل الأوَّل: دعوى الخَلل التَّوثيقي في تَصنيفِ «الصَّحيحين» وتَناقُلِهما. * الفصل الثَّاني: دعوى أنَّ أحاديث «الصَّحيحين» لا تُفيد إلَّا الظَّن. * الفصل الثَّالث: دعوى إغفال الشَّيخين لنقدِ المتونِ. * الفصل الرَّابع: الاحتجاج بسَبْقِ ردِّ العلماءِ لأحاديثَ في «الصَّحيحين».

стр. 395

الحمد لله، وبعد: لمَّا تبوَّأ الصَّحيحان تلكم المكانة السَّامية عند علماء الأمَّة سَلَفًا وخلفًا بِما حازاه مِن قصبِ السَّبقِ في مراتب الصِّحة، كان ولا بُدَّ لمن أراد الاعتراض على شيءٍ فيهما أن يُدلي للنَّاسِ بمُسوِّغاتِه العلميَّةِ الَّتي استجاز بها مخالفةَ جماهير العلماء في رفض ما تلقَّوه بالقَبول فيهما. هذه المُسوِّغات هي عامَّة الأصول الَّتي أيَّد بها الكُتَّاب المعاصرون تعليلَهم لِما أعلُّوه من متونِ «الصَّحيحين»، وعليها ابتنوا عمَلهم النَّقديَّ لما تضمَّناه من أخبار، فإنَّهم إذا ما طعنوا في شيءٍ منها تذرَّعوا بإحدى تلك الأصول المُسوِّغات أو بكلِّها، والَّتي حصرتُها في أربعٍ (١): المُسوِّغ الأوَّل: وقوع الخَلل التَّوثيقيِّ في تَصنيفِ «الصَّحيحين» وتَناقُلِهما، فكانا عُرضة للتَّصرف فيهما والانتحال عليهما. المُسوِّغ الثَّاني: دعواهم أنَّ أخبار «الصَّحيحين» لا تُفيد إلَّا الظَّن، فاحتمال الخطأ من رُواتها قائم، ما يعني انتفاء الحرج على مَن غلَّب جانب الخطأ أو الكذب إذا ما استنكر المتن. المُسوِّغ الثَّالث: دعوى إغفال البخاريِّ ومسلمٍ للمتونِ في منهجهم النَّقدي للأحاديث، لتنتقل مهمَّة نقدِ المتون وتمحيصِها إلى الأجيالِ اللَّاحقة. المُسوِّغ الأخير: سَبْقِ العلماءِ إلى نقد «الصَّحيحين» قديمًا وحديثًا، فلا حَرَج على المُحْدَثين مِن استباحة ما استباحه أسلافهم مِن تعليل بعض أخبارهما. فعلى هذا سينصبُّ تَوجُّهي في هذا البحث على نقدِ هذه الأصول المُسوِّغات أوَّلًا قبل مناقشةِ طعونِهم الجزئيَّة على آحاد الأحاديث، حتَّى لا أدع ثغرًا ينفذون منه إلى «الصَّحيحين» إلَّا سدَدته عليهم -بإذن الله-؛ إذ كان من

стр. 396

مُرتكز العمليَّة النَّقديَّة في أيِّ علمٍ كان: التَّوجهُ أوَّلًا نحو جذور الأقوال فيه بالنَّقد والدِّراسة، دون الانشغال بنقدِ مُخرجاتها من آحاد الأقوال. فإذا كان الطَّاعنون في السُّنة يُركِّزون على الجزئيَّات لتعود على أصولِنا بالإبطال، فإنَّا -بالعكس- سنُركِّز نقدَنا في هذا البابِ على أصولِهم النَّقديَّة، لتعود على الجزئيَّات بالإبطال؛ ذلك أنَّ كلَّ شيءٍ لا تُستأصل جذوره لا يُنتفع بزوالِ فروعِه! والباطلُ المُتمكِّن إذا لم يُرفع بحقٍّ مُماثلٍ له في القوَّة، لا بُدَّ أن يعود ولو بعد حين. وإلى عظيم فائدة هذا المنهج القويمِ في نقدِ الكُليَّاتِ والأصولِ من أفكار المُخالفين، يشير ابن تيميَّة (ت ٧٢٦ هـ) بقولِه: «إنَّ معرفةَ المرضِ وسبَبَه يُعين على مُداواته وعِلاجِه، ومَن لم يعرف أسبابَ المقالاتِ وإن كانت باطلةً، لم يتمكَّن مِن مُداواة أصحابها وإزالة شُبهاتهم» (١). وقبله قال أبو حامدٍ الغزالي (ت ٥٠٥ هـ): «الوقوف على فسادِ المَذاهب قبل الإحاطةِ بمَداركِها مُحالٌ، بل رميٌ في العماية والضَّلال» (٢). فكان خلاف هذا المنهج من أخطرِ المَعايب المَنهجيَّة الَّتي يكثُر أن نقع فيها -نحن معاشر الباحثين- في هذه الأعصُرة المتأخِّرة، أن ننشغل بآحاد الأفكار، ونغفل عن النَّظريَّات الَّتي أفرزتها؛ أن نتلهَّى بالمُخرجات، وننسى أصولها الَّتي أنتجتها؛ أن نفتتن بما قال فلانٌ، وما قالت الطَّائفة الفلانيَّة، ولا نهتمَّ عميقًا بالسُّؤال المَنهجيِّ الجَوهريِّ: لماذا قالوا ذلك أصلًا؟! فلذلك كان منهجي في هذا البحث نقد الأصول الَّتي يلج من خلالها الطَّاعنون للطَّعن في أحاديث «الصّحيحين»، حتَّى إذا ما ظهر زيف ما ابتنوا عليه نقداتهم، تساقطت مع هذا الزَّيف أكثر تشغيباتهم على أفرادِ الأحاديث. فأقول مُستعينًا بالله تعالى:

стр. 397

الفصل الأوَّل دعوى الخَلل في تَصنيفِ «الصَّحيحين» والتَّشكيك في صحَّة تَناقُلِهما ثمَّة شعورٌ أوَّليٌّ يحكمُ بعضَ النَّاقدينَ المُعاصِرين لمتونِ الأحاديث، إحساسٌ قبليٌّ بالنَّأيِ عن تصديقِ رواياتِ كتابٍ ما، بدافعِ حمولة إيديولوجيَّة تضطرُّه لمجانبةِ كلِّ ما تَرويه طائفةٌ تنازعُ أصول طائفتِه، أو بنفيِ الثِّقة عن الطَّريقةِ الَّتي وَصَله بها ذاك الكتاب المُخالف، فيُطلق العَنان لنفسه في الإطاحة بكلِّ ما يستشنعه مِن أخباره، مُظهرًا ذلك في صورة نَقدٍ علمِيٍّ مُتجرِّد! بخلافِ ما لو كانت تلك المُصنَّفات تعتمدُ عليها طائفتُه في تقريرِ مُعتقداتِها، معتقدًا جودَةَ نَقْلِها وتوثيقها، فإنَّ قُدراتِه الذِّهنية على مُمارسةِ ما يَدَّعيه نقدًا للمتونِ تضعُف تلقائيًّا، نتيجةَ إحساسِه الدَّاخلي بضرورةِ التَّسليمِ لها! وعلى هذا المَلمح النَّفسي الدَّقيق، يتنزَّل لطيف كلام ابن خلدون (ت ٨٠٨ هـ) حين قال: «إنَّ النَّفْس إذا كانت على حالِ الاعتدال في قَبول الخَبر، أعطته حقَّه مِن التَّمحيص والنَّظرِ، حتَّى تَتبيَّن صِدقَه مِن كذبِه، وإذا خامَرها تَشيُّعٌ لرأيٍ أو نِحلةٍ، قبِلَت ما يُوافقها مِن الأخبار لأوَّل وهلةٍ! وكان ذلك الميْلُ والتَّشيُّع غِطاءً على عَيْن بَصيرتها عن الانتقادِ والتَّمحيص، فتقع في قَبول الكذبِ ونقلِه» (١).

стр. 398

وإنَّ من المُتقرَّر عقلًا وشرعًا كون «الحُكم على الشيءِّ فرعًا عن تَصوُّرِه» (١)، ومِن أشنعِ ما ارتَكَس فيه اللَّامزون بنقل «الصَّحيحين»: تَصوُّرهم الخاطئ لطُرقِ التَّصنيفِ والرِّواية عند المُتقدِّمين. فلأجلِ بيان هذا الغلط الخطير، أتيتُ بهذا المَبحث مُتصِّلًا بالصَّنعةِ التَّوثيقيَّةِ لمُدوَّناتِ الحديثِ، والَّذي يَعنيني منها خصوصًا بيانُ التَّصوُّر الخاطئُ للطَّاعنِين في طريقةِ تصنيفِ «الصَّحيحين»؛ فإنَّك لو سألتَ عامَّتهم عن القواعدِ العلميَّة والمعايير التَّوثيقيَّة الَّتي اتَّبعها البخاريّ -مثلًا- في انتقاءِ أحاديثِ كتابِه وتَرتيبها وتَبويبها، ثمَّ تبيِيضه وروايته، فإنَّك لن تجد منهم جوابًا ينمُّ عن إدراكٍ كامل صحيح للمسألة، ومِن ثمَّ يجيء نقدهم مَغلوطًا تَبعًا لذلك التَّصوُّر المختلِّ، يصلُ في بعضِ الأحيانِ إلى سَفسَطَةٍ عجيبةٍ.

стр. 399

المَبحث الأوَّل أصل شُبهة المُعترضين على جدوى تدوين السَّلف للسُّنة أساس المشاغبات على منهجِ المُحدِّثين في تدوينِ السُّنة مُنْبَنٍ على شَفَا جُرفٍ هارٍ مِن الجهل بتاريخِ التَّدوين نفسِه، مُتولِّد -في الجملةِ- عن أصلِ اعتقادِهم بعدمِ حاجةِ القرنِ الأوَّل للحديثِ النَّبوي، ما يُفسِّر عدمَ اهتمامِهم بتدوينِه؛ فيكون كلُّ ما أنتجته قرائحُ أفذاذ المسلمين مِن طرائق التَّدوين الحديثيِّ وبراعةٍ في إحكامِ قوانينِ التَّوثيقِ باطلٌ لا قيمة له عندهم (١). فانظر -مثلًا- إلى الإماميِّ (صادق النَّجمي) في أولى فصولِ كتابِه المُخصَّصة للكلامِ عن سِيَر الحديثِ وتَدوينِه (٢)، كيف ادَّعى تأخُّرَ تدوينِ السُّنةِ عند أهلِ السُّنةِ، ليتوسَّل بذلك إلى أنَّ «صحيح البخاريِّ» ساقطُ الاعتبارِ، كونه لم يُدَوَّن إلَّا بعد قرنين مِن وفاِة النَّبي ﷺ (٣).

стр. 400

فهذه الشُّبهة مع كثرة من يردِّدها من المعاصرين ليست وليدة زمانِنا، بل قديمة تكفَّل المُتقدِّمون بردِّها؛ مثل ما تراه في ردِّ الدَّارمي (ت ٢٨٠ هـ) (١) على ابنِ الثَّلجيِّ (ت ٢٦٦ هـ) (٢) في قولِه له: «زعمتَ أنَّه صَحَّ عندك أنَّه لم تُكتب الآثارُ وأحاديثُ النَّبي ﷺ في زَمنِ النَّبي ﷺ والخلفاءِ بعده، إلى أن قُتل عثمان ﵁، فكثُرت الأحاديث وكثُر الطَّعن على مَن رَوَاها. فيُقال لهذا المُعارِض: دَعْوَاك هذه كَذِبٌ، لا يَشوبه شيءٌ مِن الصِّدق؛ فمِن أين صحَّ عندك أنَّ الأحاديث لم تَكُن تُكتب عن رسول الله ﷺ والخلفاء بعده إلى أن قُتل عثمان؟ ومَن أنبأَك بهذا؟ فهلُمَّ إسناده، وإلَّا فإنَّك مِن المُسرفين على نفسِك، القائلين فيما لا يَعلم. فقد صحَّ عندنا أنَّها كُتبت في عهدِ رسول الله ﷺ والخلفاءِ بعده، كَتَب عليُّ بن أبي طالب ﵁ منها صحيفةً -وهو أحدُ الخلفاء- مِن رسولِ الله، فقَرَنها بسَيفِه، .. ثمَّ كتَبَ عن رسولِ الله ﷺ عبدُ الله بن عمرو ﵁، فأكثرَ، واستأذنَه في الكتابِ عنه، فأذِنَ له» (٣). فأنت ترى هذا الرَّبط بين تأخُّرِ تدوينِ الحديثِ وعدمِ الحاجةِ إلى السُّنة ربطٌ فيه مُغالطةٌ كبيرة، مُتفرِّعٌ عن عيبٍ مَنهجيٌّ في الاستدلال؛ على التَّنزُّل بعدم تدوين الحديث حقيقةً في القرن الأوَّل كما يدَّعيه المغالطون للتَّاريخ، وإلَّا فالدَّلائل على كتابةِ الحديث أيَّام الصَّحابة والتابعين متكاثرة تُطلب في مظانِّها لو أنصفوا. ثمَّ على التَّسليمِ بعدمِ حصول شيءٍ من التَّدوينِ للسُنَن في الصَّدر الأوَّل، فإنَّ ذلك غير مُستلزم لعدم حاجتهم للسُّنة؛ وما تلك المُصنَّفاتِ الحديثيَّة الَّتي

стр. 401

يُدَّعى تأخُّرَها عن الجيلِ الأوَّلِ إلَّا جمع لما ورثه خلفُهم عنهم شفاهًا في عمومه، فلم يأتِ المُدوِّنون بشيءٍ من أكياسهم. وهذا القرآن الكريم نفسُه، لم يُجمَع كتابةً في المصحفِ إلَّا مُتأخرًا بسنوات عن تمامِ نزولِه، فهل معناه -بمنطق المُخالفين- أنَّ المسلمين منذ وفاة النَّبي ﷺ إلى أن دُوِّنَ في زمنِ عثمان ﵁، لم يكونوا في حاجةٍ إلى القرآنِ؟! إنَّ المعلوم بداهةً لمِن أنعمَ النَّظرَ في كُتبِ التَّواريخ والسِّيَر، أنَّ كَتْبَ الحديثِ مَرَّ بمراحل عِدَّة، مُواكبًا في ذلك الرَّواية الشَّفَهيَّة وحفظِ الصُّدور، سُجِّلت في أوَّلها الأحاديث في عصر الصَّحابة والتَّابعين في كراريس صغيرة، أُطلِق على الواحدِ منها اسم الـ «صَّحيفة» غالبًا، ثمَّ ضُمَّت الكتاباتُ المُتفرِّقة في الرُّبعِ الأخيرِ مِن القرنِ الأوَّلِ وأوائلِ الثَّاني، ثمَّ رُتِّبت الأحاديث في مَرحلة تاليةٍ وِفق مَوضوعاتِها في أبوابٍ، بَدءً مِن الرُّبعِ الثَّاني مِن ذاتِ القرنِ، وفي أواخرِه ظهَرَت إلى جانبِ الطَّريقةِ الأولى، طريقةُ ترتيبِ الحديثِ وِفق أسماء الصَّحابة ﵃ في كُتبِ المَسانيد (١). إنَّ المسلمين أبدًا كانوا في حاجةٍ إلى السُّنةِ منذ عهدِ النُّبوة إلى قيام السَّاعة؛ كلُّ ما في الأمر، أنَّ الجيلَ الأوَّل منهم لم يحتَج إلى التَّصنيفِ الجَمْعيِّ للحديثِ كما عند أخلافِهم، لتوافُرِ الصَّحابةِ الَّذين بثُّوا في النَّاسِ ما باشرَوه مِن النَّبي ﷺ روايةً وتطبيقًا. ومَعلومٌ أنَّ الحفظَ وقتَها عُمدته مُخبَّآت الصُّدور بالأساس، وكانت هِمَّةُ الدَّاخل في الدِّين مُنصرفةً في الجملة إلى تحفُّظِ القرآن، والسؤالِ عن ضروراتِ دينِه الجديد، دون أن يرى أكثرُهم حاجةً لأن يجعلَ ما يسمَعه منهم مِن أخبارٍ نبويَّة تصنيفًا مُستقِلًا في أوراق، وإن كان ذلك قد كان فعلًا صحائفَ شخصيَّة.

стр. 402

حتى إذا تَقالَّ الصَّحابة مِن حَمَلة العلم وانعدَموا، ونَقُص الحفظُ في النَّاسِ كما كان عند العَرب، وكثُرَ الدَّاخلون في الإسلام واتَّسَعت رُقعته، وأمِن العلماء على انغراس جذورُ القرآنِ في قلوبِ النَّاس، وتَفشِّيه في بُيوتاتِهم وأسواقِهم، مع ما خُشِي من نسيان السُّنةِ واندثارِها مع الزَّمن، وكثُر ابتداع الخوارجِ والرَّوَافضِ ومُنكري الأقدار: سارَع أَمَنة الشَّريعةِ مِن أهلِ الحديثِ إلى تدوينِ تلك المرويَّات الشَّفهيَّة للسُّنة وحفظِها للأجيال اللَّاحقة، كما كانوا فَعَلوا مع القرآن تمامًا؛ إلى أن صارَ التَّدوين مأمورًا به رسميًّا على لسانِ الخليفة عمر بن عبد العزيز (١). يقول المُعلِّمي: «مَن طالعَ تراجمَ أئمَّة الحديثِ مِن التَّابعين فمن بعدهم، وتدبَّر ما آتاهم الله تعالى من قوَّةِ الحفظِ والفهم، والرَّغبة الأكيدة في الجدِّ والتَّشمير لحفظ السُّنة وحياطتها: بَانَ له ما يحيِّر عقلَه، وعلِم أنَّ ذلك ثمرةُ تكفُّل الله تعالى بحفظِ دينِه، وشأنهم في ذلك عظيم جدًّا، أو هو عبادة من أعظمِ العباداتِ وأشرفها، وبذلك يتبيَّن أنَّ ذلك من المصالحِ المترتِّبة على ترك كتابةِ الأحاديثِ كلِّها في العهدِ النبَّوي، إذ لو كُتبت لانسدَّ باب تلك العبادة» (٢).

стр. 403

المَبحث الثَّاني طريقة تصنيف «الجامع الصَّحيح» فرعٌ عن مقصدِ تأليفِه بعد أنْ خَبَر البخاريُّ المُصَنَّفات الَّتي سبقته في تدوين الحديث كما لم يَخبرها أحَدٌ (١)،وانتَشَق ريَّاها، واستجلى مُحيَّاها، وعَرَف مناهِجَها وخصائِصَها، وما يَنبغي أن يكون تَتميمًا لمسيرتِها وغاياتِها في خدمِة السُّنَّة؛ انقدحَ في ذهنِه مَشروعٌ علميٌّ بَديعٌ «لمَّا رأى هذه التَّصانيف بحسبِ الوَضعِ جامعةً بين ما يَدخلُ تحتَ التَّصحيحِ والتَّحسينِ، والكثيرُ منها يشمَلُه التَّضعيفُ، فلا يُقال لغَثِّه سَمينٌ، فحَرَّك هِمَّتَه لجمعِ الحديثِ الصَّحيحِ الَّذي لا يَرتاب فيه أمين» (٢). فكان أن شَرَع في تصنيفِ جامعٍ صحيح لمُختصرِ ذلك نحو سنة (٢١٧ هـ)، خطَّ فيه أولى كلماتِه وعمرُه لا يجاوز ثلاثًا وعشرين سنةً! حتَّى أتَّمه الله له وهو ابن الأربعين (٣)؛ فاستفذ منه هذا المَشروع الباذخُ ستَّة عشر سنةً، حيث استهَلَّه في

стр. 404

رِحابِ المسجدِ الحرامِ تجميعًا وترتيبًا، ثمَّ كان يخرِّجُ الأحاديثَ بعد ذلك في بلدِه بُخارَى وغيرِها مِن البلدان (١).

стр. 405

المَبحث الثَّالث الباعث للبخاريِّ إلى تقطيعِ الأحاديث وتَكريرِها في «صحيحه» لقد عُرف البخاريُّ خَصِيبًا في نِتاجه، مُتأنِّيًا في تصانيفه كلِّها، مع الإعدادِ التَّامِّ لمادَّتِها، ومُعاودة النَّظرِ فيها مُراجَعةً وتنقيحًا (١)، فبَلَغ في تنقيحِ «الجامعِ الصَّحيحِ» ذروةَ الكمالِ المُمكِن، وحُقَّت فيه شهادةُ الحاكم أبي أحمد (ت ٣٧٨ هـ): «لو قلتُ أنِّي لم أرَ تصنيفًا يفوق تصنيفَه في المُبالغةِ والحُسنِ، رَجوتُ أن أكون صادقًا في قولي» (٢). فلمَّا بَشَّر البخاريُّ بإخراجِه النَّاسَ، طبَّقَت شُهرَتُه الآفاق، ولَهجَتْ بمَديحِه ألسِنةُ الحُذَّاق، فتَكاثَر الطَّلبة عليه ما لا يُحصوَن على مَدارِ عُمرِه المُبارَك، فتسَلسَل بهم نقلُه ورِوايتُه، حتَّى بَلغَ عَدُّ مَن سمِع «صحيحَه» الألوف (٣)، «وبَلَغ حَدَّ التَّواترِ في شُهرتِه، وصِحَّة نَقْلِه، ونِسبتِه إلى المؤلِّف، لا يُنكِر ذلك

стр. 406

ولا يَتَشكَّك فيه إلَّا مَن تَشكَّك في المُتواتراتِ والحقائقِ العلميَّةِ الَّتي تثبُت بالضَّرورة» (١). لقد كان مِن السَّهلِ على مِثل البخاريِّ، أن يَسرُد الأحاديثَ بجميع طُرقِها في موطنٍ واحدٍ من كتابِه هذا كما صنعَ تلميذه مسلم في «مسنده الصَّحيحِ»، لكنَّه اختارَ أن يسيرَ فيه على منهجٍ قِوامه: جمعُ الأحاديث الصَّحيحة المتَّصلةِ المُجرَّدة مِن أمورِ رسول الله ﷺ وسُننِه وهديِه مِن غيرِ استيعابٍ، مع استنباطِ الفقهِ والسِّيرة والتَّفسيرِ منها، مُرتِّبًا لها على الأبواب الفقهيَّة تحت عناوينَ تراجم، وهذا ما اضطرَّه إلى تجزئةِ الحديثِ وتقطيعِه أحيانًا، وإيراد كلِّ طرفٍ منه في المَوضعِ اللَاّئقِ به، وتكراره أحيانًا مَقرونًا بفائدةٍ زائدةٍ. وحيث أنَّ بعض خصوم السُّنة لم يفهم غرضَ البخاريِّ مِن تصنيف كتابِه وطريقته فيه، استثقلوا هذا الأسلوبَ منه في التَّقطيعِ والتَّكرار للحديث في مواضع من كتابِه، ما عبَّر عنه (جمال البنَّا) بقوله: «لو أنَّ البخاريَّ لم يَعمِد إلى هذا التَّكرار، فلربَّما صَدَر كتابه في نصفِ حجمِه المطبوعِ، ولاستراحَ وأراحَ!» (٢). وقال (عبد الصَّمد شاكر): «الأحاديث المكرَّرة -سواء بلا مناسبةٍ أو بمناسبةٍ جزئيَّة- في كتابِه، قد بلغت إلى حَدٍّ تَشمئزُّ منه النَّفس، وينفر منه الطَّبع! ولعلَّها مِن خصائصِ هذا الكتاب وحدَه! .. ويحتمل أنَّ هذا التَّكرار المُمِلَّ المُخالف للذَّوقِ السَّليم، ليس مِن صُنعِ المؤلِّف، فإنَّه مات قبل تدوينِ كتابِه، فترَكه مُسوَدًّا، فتَصرَّف فيه المُتصرِّفون بلا رَويَّة، وعليه فيَقِلُّ الاعتمادُ على الكتابِ المَذكور» (٣). فهذا الَّذي أنكروه على البخاريِّ في التَّصنيفِ -هو في حقيقته- مَظهرٌ مِن مَظاهرِ براعته في التَّصنيف لو فقهوا، حيث استعاضَ بهذا التَّقطيعِ وتجزيئِه للمتونِ عن تكثير الأحاديث في «جامعه الصَّحيح»، وإلَّا لكان احتاجَ إلى أضعافِ حجمِه

стр. 407

لو أرادَ أن يوفي أبوابَ كتابه؛ و «كَرَّر الأحاديثَ بكثرة المَعاني الَّتي فيها، فمَن وَهَب الله له فهمَها، وَدَّ تكثيرَها، ومَن خَفَّت عليه، كرِه تكريرَها»! (١) يقول الكشميريُّ (ت ١٣٥٣ هـ) في الباعث للبخاريِّ على هذه الطَّريقة: «إنَّ المصنِّف لماَّ شَدَّد في شروطِ الأحاديثِ، حتَّى أغمضَ عمَّا حسِبوه حَسنًا، بل صحيحًا أيضًا: قلَّت ذخيرةُ الحديثِ في كتابِه، ثمَّ لمَّا أرادَ أن يَتَمسَّك منها على جملةِ أبواب الفقه، اضطرَّ إلى التَّكرارِ، والتَّوسُّعِ في وجوهِ الاستدلال، وذلك مِن كمال بَداعَتِه؛ ومَن لا دِراية له بغَوامضِه، ولا ذوقَ له في علومِه: يَتَعجَّب مِن حُجَجِه، ولا يَدري أنَّ التَّوسعَ فيه مِن أجلِ تَضيِيقِه على نفسِه في مادَّةِ الأحاديث، فيستدِلُّ بالإيماءات، ويَكتفي بالإيماضات» (٢).

стр. 408

المَبحث الرَّابع مُميِّزات «صحيح مسلم» وأثر منهج البخاريِّ عليه في التَّصنيف كان لهذا المنهج العلميِّ البخاريِّ في تصنيفِ الصَّحيحِ الأثرَ الحسنَ على منهج مسلم في جمع «مسندِه الصَّحيح»، فإنَّ مسلمًا تلميذ البخاريِّ وخِرِّيجُه، قد أفادَ مِن فهمِه وعلمِه، فكان كتابُه مُكمِّلًا لكتابِه، مُستلهِمًا من شيخِه فكرةَ الاقتصارِ على الصَّحيحِ في التَّصنيف (١). وفي تقريرِ هذا التَّأثُّر منه، يقول أبو أحمد الحاكم (ت ٣٧٨ هـ): «إنَّ البخاريَّ ألَّفَ الأصولَ مِن الأحاديث، وبَيَّن للنَّاس، وكلُّ مَن عمِل بعده فإنَّما أخذَه مِن كتابه، كمسلم بن الحجَّاج» (٢). ولَإنْ كان قصدُ البخاريِّ في «جامعِه» تخريجَ الأحاديثِ الصَّحيحة المُتَّصلة إلى رسول الله ﷺ ، وإفادةَ ما يُؤخذ مِنها مِن أحكامٍ وآدابٍ، أو تفسيرٍ وسيرةٍ؛ فإنَّ قصدَ مسلمٍ في كتابِه تدوينُ الصِّحاحِ مِن غيرِ تَعرُّضٍ لوجوهِ الاستنباطِ، بعد تصدير كتابه بذكر نُبذٍ مهمَّة مِن علمِ الحديثِ، ومَيْزِه فيه لطبقاتِ المُحدِّثين في

стр. 409

القديمِ وفي زمانِه، مع ما اختصَّ به من «جمع الطُّرقِ، وجودةِ السِّياقِ، والمُحافظةِ على أداءِ الألفاظِ كما هي، مِن غيرِ تَقطيعٍ ولا روايةٍ بمعنى» (١). ذلك أنَّ مسلمًا وإن تَأثَّر بالبخاريِّ في فكرةِ التَّصنيفِ ومنهجيَّةِ الانتقاء، إلَّا أنَّ كتابَه تَميَّز بخصائص مُنفردة حفظت له ذاتِيَّته، وعرَّفت بجهودِه وقُدرته في التَّأليف، ودلَّت على نَباهتِه وعقليَّته المبتكِرة (٢)؛ فلم يَعمَد فيه إلى ما عَمَد إليه أستاذُه مِن الاستنباطِ، بل أخلى تصنيفَه مِن اجتهاداتِه الشَّخصيَّة، فلا تكاد تجِدُ للجانبِ الفقهيِّ فيه أثرًا إلَّا التَّبويبَ العامَّ، تاركًا ذلك لدَرْسِ القارئِ وفهمِه لاختيار ما يَراه راجحًا؛ بل كانت هِمَّته مُنصرفةً إلى صِناعة الأسانيدِ، وترتيبُه للأحاديثِ في الباب الواحدِ مُرتَبِطٌ بهذه الصِّناعة، مراعيًا في ذلك للشُّهرَة، والعُلوَّ، والخُلوَّ مِن العِلَّة. وبها تدركُ سببَ انفرادِ مسلم في «صَحيحِه» بمُقدِّمةٍ في مَنهجِ النَّقد، عُدَّت مِن أوائلِ ما كُتِب في التَّقعيد لهذا الباب. والَّذي يظهر مِن طَريقة مسلمٍ في هذا النَّوع من التَّصنيف: أنَّه تَغيَّا إسعاف المُستَدلِّ بالمادَّةِ الحديثيَّة الصَّالحةِ للاحتجاجِ بتيسِير وصولِه إليها؛ فلأجلِ ذا صبغ كتابه بسَرْدِ المُحدِّث المَعْنيِّ بالمتونِ، المُهتَمِّ بمعرفةِ الأسانيد، حتَّى ترَكَ وضْعَ أسماء لأبوابِه وتراجمِه حرصًا على عدمِ انصرافِ ذهنِ القارئِ عن مَقصدِه مِن كتابه (٣). وقد ساعد مسلمًا على هذا الإتقان لجمع الأحاديث أنَّه صنَّفه في بلدهِ (نَيْسابور) بحضور أصولِه، وفي حياة كثيرٍ من مشايخه (٤)، مُستغرقًا فيه خمسةَ عشرَ سنة (٥)، مُتحرِّيًا في سياقِ أحاديثِه، مُتحرِّزًا في ألفاظِها، مع الاختصارِ

стр. 410

البليغ، وحُسنِ الوضعِ والتَّرتيب؛ ولم يَكتفِ بهذا الجهد كلِّه حتَّى أخَذَ في عرضِه على جهابذة النُّقادِ واستشارتهم فيه (١). وقد تَواتَر عنه هذا النَّتاج الحديثيّ الفريد بعد أنْ «رواه عنه جماعةٌ كثيرون» (٢)، وله مِن الأسانيد الَّتي تُثبت نِسبتَه إلى مُصنِّفه ما لكثرتِها أفردَ له جماعةٌ مِن العلماء مُصنَّفاتٍ خاصَّةٍ تُحاول إحصاء ذلك (٣)؛ وهو مع شهرتِه التَّامَّة عنه، صارَت روايتُه بإسنادٍ مُتَّصل به مَقصورةً على تلميذِه أبي إسحاق إبراهيم بن محمَّد بن سفيان (ت ٣٠٨ هـ) (٤).

стр. 411

المَبحث الخامس التَّشكيك في نسبة «الجامع الصَّحيح» بصورته الحاليَّة إلى البخاري

стр. 412

المَطلب الأوَّل دعوى ترك البخاريِّ كتابَه مُسودَّة وتصرف غيره فيه يُشكَّك بعضُ مَن تَصدَّى لنقدِ «الصحيح» من المُعاصرين في صِحَّةِ نسبته إلى البخاريِّ كاملًا، ويستدلُّون على ذلك بما يَصفونه اضطرابًا في التَّرتيب الَّذي اعتُمِد لأبوابه؛ ذلك أنَّهم لاحظوا أنَّ بعض أبوابه يتضَمَّن أحاديث كثيرة، وبعضُها فيه حديثٌ واحدٌ، وبعضُها يَذكر فيه آية مِن القرآن، وبعضها لا يَذكر فيه شيئًا البتَّة! فتوهَّموا أنَّ مَرَدَّ ذلك إلى تركِ البخاريِّ كتابَه عند موتِه على غيرِ صيغَتِه النِّهائية؛ ما أدَّى بناسِخيه إلى ضَمِّ بعضِ الأبواب، وإضافةِ تراجم إلى أحاديث غير مُترجمٍ لها، «وهذا يعني أيضًا في نَظَرِ أحمد أمين ومحمود أبو رَيَّة: أنَّ «الجامعَ الصَّحيح» في شكلِه النِّهائيِّ، أنجَزَه أتباعُ البخاريِّ وتلاميذُه»! (١) يقول (عبد الصَّمد شاكر) في تقرير هذه الشُّبهة: «إنَّ هذا التَّكرارَ المُمِلَّ .. ليس مِن صُنعِ المؤلِّف، فإنَّه مات قبل تدوينِ كتابِه، فترَكَه مُسودًّا، فتَصَرَّف فيه المُتصرِّفون بلا رَوِّية، وعليه فيَقلُّ الاعتمادُ على الكتابِ المَذكور، فإنَّ أمانةَ البخاريِّ ووثاقتَه لا توجدان أو لم تَثبُتا لهؤلاء المُتصَرِّفين» (٢). وكان الغَرض من هذه الدَّعوى: إسنادُ ما يدَّعونه مُنكراتٍ في الكتاب إلى تركِ البخاريِّ له مُسودَّة، ومِن شأنِ المُسْوَدَّات أنْ تكون غيرَ مُنقَّحَة! ومِن شأنِ

стр. 413

عدمِ التَّنقيحِ أن يأتي الكتابُ على غير ما يُرام مِن الصِّحة! بـ «أنْ يكون -مثلًا- في النُّسخةِ ما لم يكُن البخاريُّ مُطمئنًّا إليه، على عادةِ المُصنِّفين، يَستعجِلُ أحدُهم في التَّسويدِ على أن يَعود فيُنقِّح كلَّ ذلك» (١)، ليخلُصوا بهذا إلى ما يشتهونَ إسقاطَه مِن أحاديثِ البخاريِّ. يقول (حُسين غُلَامي): «الَّذي يَتأمَّل في حياةِ البخاريِّ وكتابِه الصَّحيحِ، يُصدِّق أنَّ الكتابَ لم يَكمُل بيدِ المؤلِّفِ في حياتِه، بل إنَّ بعضَ تلامِذَتِه وغيرَ تلامذتِه أضافوا إلى ما أنجزَ في حياةِ المؤلِّف، وهناك شواهد، منها: ما صَرَّح به المُستَمْلي (ت ٣٧٦ هـ) في روايةِ أبي الوَليدِ الباجيِّ -كما ذكرَه ابن حَجر- قال: انتسَخْتُ كتابَ البخاريِّ مِن أصلِه الَّذي كان عند صاحبِه محمد بن يوسف الفربري، فرأيتُ فيه أشياء لم تَتِمَّ، وأشياءَ مُبيَّضة، منها تراجم لم يُثبِت بعدها شيئًا، وأحاديثُ لم يُترجِم لها، فأضَفْنا بعضَ ذلك إلى بعضٍ» (٢). يقول (عبد الصَّمد شاكر): «وهذا مِمَّا يُقلُّ الاعتمادَ على الكتابِ المَذكور» (٣). ويزيد (صادق النَّجمي) مُعقِّبًا على كلامِ المُستمليِّ: «هل المُكمِّل والنَّاظم للصَّحيح استعملَ في عمليَّةِ التَّرتيبِ ذوقَه ورأيَه الخاصِّ به؟! .. القدرُ المُتيقَّن والبَيِّن، أنَّ أيَّ كتابٍ له ظروف مُماثلةٌ للصَّحيح -الَّذي قام الآخرون بتصحيحِه وتكميلِه، وإن كان خاليًا مِن المؤاخذاتِ والإشكالاتِ- فهو ساقطٌ عن الاعتبارِ والأهميَّةِ، ومَسلوبُ الصَّحة، ولا يُمكن الوثوقُ والاعتمادُ على ما يَحتويه، لأنَّه يَستلزم الشكَّ والتَّردُّد في قرارة أنفسِنا بالنِّسبة إليه» (٤).

стр. 414

المَطلب الثَّاني دعوى أنَّ اختلاف رواياتِ «الصَّحيح» أمارة على وقوع العبثِ بأصله لقد أوغَلَ (غُلامي) في طعنِه بنُسخ البخاريِّ حين زادَ بتصوُّره المختلِّ للاختلافاتِ الحاصلةِ بين رواياتِه شُبهةً أخرى، يقول عن ذلك: «يُؤكِّد بعضُ المُحدِّثين من أهل السُّنة وجود روايات نُسبت إلى الصَّحيح لا توجد في نُسخِه الأخرى» (١). واستشهدَ على دعواه بما رآه أبو العباس القرطبيُّ (ت ٦٥٦ هـ) في بعضِ النُّسَخِ القَديمةِ مِن «البخاريِّ» ما نَصُّه: «قال أبو عبد الله البخاريُّ: رأيت هذا القَدَح -يعني قَدح النَّبي ﷺ الَّذي كان عند أنس بن مالك ﵁ بالبَصرة وشربتُ منه، وكان اشتُري مِن ميراثِ النَّضر بن أنس بثمانمائة ألف» (٢). فكان لازمُ هذا عند (غلامي) أنَّ النُّسَخ المتأخِّرة للصَّحيح قد أُحِدثَ فيها وغُيِّرَ، ما جَعَلها تختلف عن النُّسَخ القديمةِ بشهادة كلام القرطبيِّ عنده. ثمَّ استرسلَ (غلامي) في محاولةِ التَّأكيدِ على الخرقِ السَّافر لمُقتضياتِ التَّوثيق السَّليم لمُدوَّنات الحديث، باستدعاءِه شاهد حديثِ ابنِ عبَّاس ﵃،

стр. 415

والَّذي فيه: «وَيْحَ عمَّار! تقتلُه الفئةُ الباغية، يَدعوهم إلى الجنَّةِ ويَدعونه إلى النَّار». فبعدَ أن نقلَ عن بعضِ شُرَّاحِ «الصَّحيحِ» تقريرهم لحذف البخاريِّ من هذا الحديث جملة: «تقتله الفئة الباغية»، قال (غلامي): «ما يُثير الدَّهشة، أنَّه ومع كثرةِ المناقشاتِ في حذفِ روايةِ عمَّار المذكورةِ، هو وجودها في النُّسَخ الَّتي بين أيدينا! فمِن أين مَصدرُ ذلك إذن؟! .. ومِن هنا يُمكن القول أنَّ ما يوجد بين دَفَّتي البخاريِّ، وفي جميع مُجلَّداته، ليس كلُّه مِن تصنيف محمَّد بن إسماعيل» (١). فبنفسِ هذه النَّظرةِ القاصرةِ إلى اختلافِ رواياتِ البخاريِّ استباحَ بعضُ مُغَفَّلي أهلِ السُّنةِ الطَّعنَ في بعضِ متونِ «الصَّحيحِ»؛ منهم (محمَّد سعيد حَوَّا) (٢) الَّذي احتجَّ بظهورِ الاختلافِ بين النُّسَخ الخطيَّة، ليتشكَّك في سَلامةِ أحاديثِها مِن التَّصرفِ (٣). والَّذي أبردَ قلبَ (غلامي) بطروءِ تصرُّفِ الرُّواةِ في مُسودَّة البخاريِّ: وقوفُه في الكتابِ على أسانيد مُبتدَؤُها أحَدُ رُواةِ «الصَّحيح» من تلاميذ البخاريَّ! فيقول: «إنَّنا نجِدُ رواياتٍ يَرِد فيها محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ كحَلقةٍ في سلسلةِ الرُّواة والإسناد! بمعنى أن المُؤلَّف يتَحوَّل إلى راوٍ للحديثِ فقط! كما هو الحال في كتابِ العِلم .. » (٤)، و «لا يخفى أنَّ ذِكرَ المؤلِّف لابُدَّ أن يأتي في بدءِ السَّند» (٥).

стр. 416

قصدُه بهذا، ما جاء نَصًّا في (كتابِ العلم) مِن «الصَّحيح»: «وأخبرنا محمَّد بن يوسف الفربري: وحَدَّثنا محمد بن إسماعيل البخاري قال: حدَّثنا عبيد الله بن موسى، عن سفيان قال: «إذا قُرِئ على المُحدِّث، فلا بأس أن يقول: حدَّثني»، قال: وسمِعتُ أبا عاصم يقول عن مالك وسفيان: «القراءةُ على العالِمِ وقراءتُه سَواء» اهـ

стр. 417

المَطلب الثَّالث أوَّليَّة المستشرقين إلى مقالة الإقحام والتَّصرُّف في أصل البخاريِّ أصل ما مرَّ عليك من شُبه بحقِّ سلامة نُسخ الصَّحيح، لم يكُن مِن كِيس مَن أسلَفنا ذكرَ أقوالِهم مِن الشِّيعة أوالحداثيين، بل ولا مِن مُبتكراتِ (أحمد أمين) و (أبو ريَّة)، إنَّها تَلبيساتٌ استشراقيَّة قديمة، مِمَّن تزعَّم التَّهويشَ بها المستشرِقُ المَعروف (جولدزيهر) (١)، والَّذي لم يقنَع بالتَّشكيكِ في نسبةِ الأحاديثِ إلى نبيِّ الإسلام ﷺ ، حتَّى انتقل إلى التَّشكيكِ في نسبةِ ذاتِ التَّصانيف الَّتي احتوتها إلى مُؤلِّفيها على الشَّكل الَّذي ارتضوه. وقد عُرِف عن هذا المستشرق حنقه على «الجامعِ الصَّحيح» بخاصَّة، واسترابته من صحَّة نُسَخِه بدعوى وقوعِ التَّحريفِ بها، بلْهَ الإقحام! ممَّا يُفقدها وثاقَتها التَّاريخيَّة وقيمتَها العلميَّة، مستشهدًا على هذه التُّهمةِ بنصَّين مِن «الجامع الصَّحيح»: أمَّا مثاله الأوَّل على دعوى إقحامِ الرِّواياتِ في البخاريِّ: فأثرُ عمرِو بن

стр. 418

ميمون يقول فيه: «رأيتُ في الجاهلية قِرْدة، اجتمع عليها قِرَدَة قد زنت، فرجموها» (١): حيث استدلَّ (جولدزيهر) (٢) على دَسِّ هذه الرِّواية في «البخاريِّ» بكلامٍ للحُمَيديِّ (ت ٤٨٨ هـ) يقول فيه بعد سرد الحكاية: «كذا حكاه أبو مَسعود -يعني أثرَ عمرو بن ميمون-، ولم يُذكَر في أيِّ موضعٍ أخرجه البخاريُّ مِن كتابه، فبَحَثنا عن ذلك، فوجدناه في بعضِ النُّسَخ لا في كلِّها، قد ذُكِر في (أيَّامِ الجاهلية)، وليس في روايةِ النَّعيمي عن الفربري أصلًا شيءٌ مِن هذا الخبر في القِرَدة، ولَعلَّها مِن المُقحَمات الَّتي أُقحِمَت في كتاب البخاريِّ» (٣). وتبعَ الحميديَّ على هذا الادِّعاء ابنُ الجوزيِّ (ت ٥٩٧ هـ) وأقرَّه (٤)، وكذا فعَلَ ابن الأثير (ت ٦٣٠ هـ) (٥). ولتأيِيد هذا الإقحامِ المُدَّعى في «البخاريِّ»، ساقَ (جولدزيهر) استنكارَ ابنِ عبد البرِّ (ت ٤٦٣ هـ) لمتنِ هذا الأثر، وهو قوله: «هذا عند جماعةِ أهلِ العلم منكرٌ إضافةُ الزِّنَا إلى غيرِ مُكَلَّف، وإقامةُ الحدودِ في البَهائم» (٦). وبهذا تصير روايةُ البخاريِّ لأثرِ عمرو بن ميمون هذا مَثارَ غلَط كبيرٍ عند ثلاث طوائف مِن المُعاصِرين: طائفةٍ أولى: تَزيَّت بلباسِ التَّوثيق في الظَّاهر -كحالِ هذا المُستشرق المَجَريِّ- أنكرَت أن يكون أثرُ ابنِ ميمونٍ مِن جملةِ ما أودَعَه البخاريُّ في كتابِه مِن الأساسِ، وأيَّدت مَوقفها هذا بما تدَّعيه مِن نكارةٍ في متنه.

стр. 419

ولا يخفى أنَّ هذا الزَّعم ينتج عنه عدمُ الوُثوق بجميعِ ما في «الجامع الصَّحيح»! فإنَّه إذا جازت دعواهم في واحدٍ لا بعينِه، جازَت في كلِّ فَردٍ فردٍ مِن أحاديثِه، فلا يبقى لأحدٍ وُثوق بما في الكتاب! وأمَّا الطَّائفة الثَّانية: فلم تنشغل بدَعوى الإقحامِ هذه، واقتصرَت على إنكار متن هذه الرِّواية فقط، لا تلوي في ذلك على شيءٍ إلَّا تسفيه عقلِ البخاريِّ وفهمه! تُهمةً له باستساغةِ حمَاقاتِ الرُّواة مِن غيرِ فرقانٍ يُميِّز به مَعقولَ الأخبارِ مِن مَردودِها. وفي تقريرِ دعوى النَّكارةِ هذه، يقول (محمَّد جواد خليل): «نُلاحظ أنَّ هذا التَّابعي (ابن ميمونٍ) قد أطلقَ كلمةَ الزِّنا على القِرْدَة .. ! وعندما تَرى ديكًا سَفَدَ على دَجاجة، فلا يجوز لك أن تقول إنَّ هذا الدِّيك يزني، وكذلك عندما تَرى كَبشًا ينزو على نَعجةٍ، فلا يجوز أن تقول إنَّ هذا الكبش يزني! وذلك لأنَّ الحيوان غير مُكلَّف، فكلمة الزِّنا لا تُطلق ولا تُقال إلَّا لبني البَشر، ولِمن عَقل، ووَقع عليه التَّكليف الشَّرعي .. وهل كان هذا القرد الزَّاني مُحصَنًا؟! .. » (١). ثمَّ يقول: «ثمَّ ماذا نستفيد مِن ذكرِ هذه الرِّواية؟ أليسَ المسلمون في غِنًى عن ذكر مثل هذه الرِّوايات؟!» (٢). أم «هذا وَحيٌ مِن السَّماء؟!» (٣) كما يتهكَّم به (نيازي). وأمَّا الطَّائفة الثَّالثة: فعلى خلاف السَّابقة حافِظةٌ للبخاريِّ قامتَه العلميَّة، مُعليةٌ مِن شأنِ «جامعِه»، مِن غيرِ أن يمنعَها ذلك مِن الاعترافِ بنكارةِ مثل هذه القصَّة في «الصَّحيح»: كما تراه -مثلًا- في تعليقِ الألبانيِّ عليه بقوله: «هذا أثرٌ مُنكر؛ إذ كيف يمكن لإنسانٍ أن يعلمَ أنَّ القِرَدَة تَتَزوَّج، وأنَّ مِن خُلُقِهم المحافظةَ على العِرْض،

стр. 420

فمَن خان قَتَلوه؟ ثمَّ هَبْ أنَّ ذلك أمرٌ واقع بينها، فمِن أين عَلِم عمرو بن مَيمون أنَّ رجم القِردة إنمَّا كان لأنَّها زَنَت؟!» (١). وإن كانَ الألبانيُّ قد أحالَ إلى صيغةٍ مُفصِّلةٍ أخرى لهذه الرِّواية، تُبعد في رأيِه النَّكارةَ الظَّاهرةَ عنها، سيأتي ذكرُها في مَوضِعها قريبًا إن شاء الله. فهذا عن المِثال الأوَّل الَّذي ساقه (جولدزيهر) للدَّلالة على الإقحامِ في «البخاريِّ». وأمَّا مثاله الثَّاني لذلك: فحديث عمرو بن العاص ﵁ يَرفعه: «إنَّ آلَ أبي ( ... ) ليسوا لي بأولياء»، الَّذي أخرجه البخاريُّ في «صحيحِه» بقوله: حدَّثنا عمرو بن عبَّاس، حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، أنَّ عمرو بن العاص ﵁ قال: سمعتُ النَّبي ﷺ جهارًا غير سِرٍّ يقول: «إنَّ آل أبي -قال عمرو: في كتاب محمَّد بن جعفر: بَياضٌ- ليسوا بأوليائِي، إنَّما وَليِّي الله وصالحُ المؤمنين». ومحلُّ الشَّاهد عنده قولُ عمرو بن عبَّاس شيخِ البخاريِّ: «في كتابِ محمَّد بن جعفر: بياض». لقد حَمَّل (جُولدْزيهر) هذه الجملة المُعترضة طودًا مِن التَّفسيراتِ الهزيلةِ، من ذلك قوله: «يميلُ النُّسَّاخ المُتحيِّزون في عدم اهتمامهم بقضايا السُّلالة والنَّسبِ، إلى رغبتهم في تركِ الأسماء، وشيخُ البخاريِّ قال عندما وَصَل إلى الكلمةِ النَّاقصةِ في نَصِّ محمَّد بن جعفر ما نصُّه: (يوجد بَياض)، وقد زَوَّد البخاريُّ هذه الكلمات -كلماتِ شيخِه- في نصِّه، ولكنَّ المُفسِّر للحديث فَهِم هذا كما لو أنَّ كلمةَ (بَياض) تأتي بعد (أبي)! وبذلك يجعلُ النَّبيَّ ﷺ يَلعنُ عائلةَ أبي بَياضٍ» (٢)! وسيأتي الجواب عن هذه الدَّعاوي بأمثلتها في مطالب قريبة لاحقة.

стр. 421

المَطلب الرَّابع دعوى الانكارِ لما بأيدينا مِن نُسَخِ «الصَّحيح» إلى البخاريِّ ثمَّ جاء أُناسٌ مُتعالمون في بلدي المغرب عدَوا طَورَهم، فادَّعوا انتفاءَ نِسبةِ ما بِأيدينا مِن نُسَخٍ لـ «الصَّحِيح» إلى البخاريِّ! لعدمِ استيثاقِهم بأنَّها النُّسخة الأصليَّة الَّتي بخَطِّ المؤلِّفِ وعليها توقيعُه. وإن كان أصل هذه الشُّبهة قديم، منسوبٌ إلى عليِّ بنِ مُحَمَّد بنِ أبي القاسِم (١) أحدِ شيوخِ الزَّيديَّةِ في القرن الثَّامِن، فلقد أشاحَ بوجهِه عن دواوينِ الحديثِ عند أهل السُّنة وشَكَّك في نسبتها إلى أصحابها، مُحرِّجًا على مَن يَنسِبُ ما فيها إليهم، ومِنها «الصَّحيحان»؛ وقصدُه تعسير السُّبُلِ إلى معرفةِ السُّنَن، والافتِنانَ في أساليبِ التَّنفيرِ عن مطالعتها (٢). لكن الشُّبهة ما فتئت أن اضمَحلَّت بين طيَّاتِ الدُّهورِ، لفُشوِّ المعرفةِ بطُرقِ الرِّوايةِ بين عَوامِّ أهل السُّنةِ فضلًا عن عُلمائِهم، فلم يأبهوا لسُخفها؛ حتَّى أعادَ الدَّندنَةَ حولَها المُستشرِق (مَنْجَانَا) (٣) في دراسةٍ له عن نُسخةِ أبي زيد المروزي

стр. 422

لـ «صحيح البخاريِّ» (١)، لم يرعِها إخوانه المُستشرقون كبير بالٍ، لعلمهم بهشاشتها. ليتَلقَّفَها بعدُ بعض رُويبضة العرب -ويا للعجب! - يدلون بها برهانًا على انقطاع الصِّلَةِ بين «صحيحِ البخاريِّ» ومُؤلِّفِه. ترى أحد هؤلاء بنَبرةِ المَغرورِ يقول: «مِن حَقِّنا أن نُسَائِل هؤلاء الشُّيوخِ حول النُّسخةِ الأصليَّةِ لصحيح البخاريِّ كما خَطَّها الشَّيخ البخاريُّ، فإذا كان لدينا الآن هذا الكتاب الَّذي يُطلَق عليه «الجامع الصَّحيح» .. وهو مَليء بالطَّوامِ الكبرى، والخُرافاتِ الجَسيمةِ، والإساءاتِ البالغةِ للدِّين وللرَّسول .. مِمَّا يجعلنا نَتسائل بحُرقةٍ وبشكٍّ هو أقربِ إلى اليقين: مَن ألَّف صحيح البخاريِّ حَقًّا؟! وهل يُمكننا أن ننسِب كتابًا لشخصٍ ما، وليس هناك أيُّ أثرٍ يَدلُّ على علاقتِه من قريبٍ أو بعيدٍ بهذا الكتاب؟!» (٢).

стр. 423

هذا؛ وتلخيصًا لمِا مَضى مِن مُعارضاتٍ مُتعلِّقةٍ بنسبةِ ما في «الجامع الصَّحيح» إلى البخاريِّ، نختزل تلكمُ الشُّبَه بردِّها إلى أصلين جامعين لها: أوَّلهما: أنَّ البخاريَّ ترَكَ كتابَه مُسودَّة لم يُبيِّضه. وثانيهما -وهو مُتفرِّع عن سابقه-: أنَّ عدمَ تبيِيضِ البخاريِّ لكتابِه أدَّى إلى تَصرُّف رواتِه فيه ومُحاولة إتمامه، ما يفسِّر اختلافَ نُسَخ الكتابِ مِن حيث مادَّته وترتيبه. وتمام نقضها في المباحث التَّالية:

стр. 424

المبحث السَّادس دفع دعاوى التَّشكيك في نسبة «الجامع الصَّحيح» بصورته الحاليَّة إلى البخاري

стр. 425

المَطلب الأوَّل نقضُ شبهةِ عدمِ تَبْيِيض البخاريِّ لكتابه أمَّا أنَّ البخاريَّ ترك «صحيحَه» مُسَوَّدةً دون تَبييضٍ قبل وفاتِه: فهذا القول في أصلِه نتاجُ فهمِ عقيمٍ لكلامِ المُستملي (ت ٣٧٦ هـ) أحدِ رُواة الكتابِ عن الفَرَبري، وانجلاء عُقم هذا الفهم عنه يكون بتصوُّرنا التَّصوُّر الصَّحيح لطريقةِ روايةِ «الصَّحيح» عن مؤلِّفه البخاريِّ. ذلك أنَّ مِمَّا يجهلُه كثيرٌ مِمَّن يطعن في صحَّة رواية نُسخته: أنَّ أصلَ هذا الكتابِ قد بقيَ بعد وفاةِ مُصنِّفه عند تلميذِه الفَربري، وهو الَّذي اشتهَرَت روايةُ الكِتابِ مِن طريقِه، وعنه تلقَّاه الوفرةُ مِن الرُّواة قِراءةً وسماعًا، أشهرهم تسعةٌ (١)؛ منهم مَن انتَسَخ الكِتابَ مِن أصلِ البخاريِّ نفسِه (٢). ثمَّ أخذ عن هؤلاءِ التِّسعة الجَمُّ الغفير قراءةً وسماعًا، اشتَهرَ منهم اثنا عَشَر راويًا، منهم أيضًا مَن تشرَّفَ بانتساخِ نُسختِه مِن أصلِ البخاريِّ، والَّذي بقِي عند أبي أحمد الجُرجانيِّ تلميذِ الفَربري (٣).
следующие страницы →