المَطلب الرَّابع
دعوى الانكارِ لما بأيدينا مِن نُسَخِ «الصَّحيح» إلى البخاريِّ
ثمَّ جاء أُناسٌ مُتعالمون في بلدي المغرب عدَوا طَورَهم، فادَّعوا انتفاءَ نِسبةِ ما بِأيدينا مِن نُسَخٍ لـ «الصَّحِيح» إلى البخاريِّ! لعدمِ استيثاقِهم بأنَّها النُّسخة الأصليَّة الَّتي بخَطِّ المؤلِّفِ وعليها توقيعُه.
وإن كان أصل هذه الشُّبهة قديم، منسوبٌ إلى عليِّ بنِ مُحَمَّد بنِ أبي القاسِم (١) أحدِ شيوخِ الزَّيديَّةِ في القرن الثَّامِن، فلقد أشاحَ بوجهِه عن دواوينِ الحديثِ عند أهل السُّنة وشَكَّك في نسبتها إلى أصحابها، مُحرِّجًا على مَن يَنسِبُ ما فيها إليهم، ومِنها «الصَّحيحان»؛ وقصدُه تعسير السُّبُلِ إلى معرفةِ السُّنَن، والافتِنانَ في أساليبِ التَّنفيرِ عن مطالعتها (٢).
لكن الشُّبهة ما فتئت أن اضمَحلَّت بين طيَّاتِ الدُّهورِ، لفُشوِّ المعرفةِ بطُرقِ الرِّوايةِ بين عَوامِّ أهل السُّنةِ فضلًا عن عُلمائِهم، فلم يأبهوا لسُخفها؛ حتَّى أعادَ الدَّندنَةَ حولَها المُستشرِق (مَنْجَانَا) (٣) في دراسةٍ له عن نُسخةِ أبي زيد المروزي
стр. 422
لـ «صحيح البخاريِّ» (١)، لم يرعِها إخوانه المُستشرقون كبير بالٍ، لعلمهم بهشاشتها.
ليتَلقَّفَها بعدُ بعض رُويبضة العرب -ويا للعجب! - يدلون بها برهانًا على انقطاع الصِّلَةِ بين «صحيحِ البخاريِّ» ومُؤلِّفِه.
ترى أحد هؤلاء بنَبرةِ المَغرورِ يقول: «مِن حَقِّنا أن نُسَائِل هؤلاء الشُّيوخِ حول النُّسخةِ الأصليَّةِ لصحيح البخاريِّ كما خَطَّها الشَّيخ البخاريُّ، فإذا كان لدينا الآن هذا الكتاب الَّذي يُطلَق عليه «الجامع الصَّحيح» .. وهو مَليء بالطَّوامِ الكبرى، والخُرافاتِ الجَسيمةِ، والإساءاتِ البالغةِ للدِّين وللرَّسول .. مِمَّا يجعلنا نَتسائل بحُرقةٍ وبشكٍّ هو أقربِ إلى اليقين: مَن ألَّف صحيح البخاريِّ حَقًّا؟! وهل يُمكننا أن ننسِب كتابًا لشخصٍ ما، وليس هناك أيُّ أثرٍ يَدلُّ على علاقتِه من قريبٍ أو بعيدٍ بهذا الكتاب؟!» (٢).
стр. 423
هذا؛ وتلخيصًا لمِا مَضى مِن مُعارضاتٍ مُتعلِّقةٍ بنسبةِ ما في «الجامع الصَّحيح» إلى البخاريِّ، نختزل تلكمُ الشُّبَه بردِّها إلى أصلين جامعين لها:
أوَّلهما: أنَّ البخاريَّ ترَكَ كتابَه مُسودَّة لم يُبيِّضه.
وثانيهما -وهو مُتفرِّع عن سابقه-: أنَّ عدمَ تبيِيضِ البخاريِّ لكتابِه أدَّى إلى تَصرُّف رواتِه فيه ومُحاولة إتمامه، ما يفسِّر اختلافَ نُسَخ الكتابِ مِن حيث مادَّته وترتيبه.
وتمام نقضها في المباحث التَّالية:
стр. 424
المبحث السَّادس
دفع دعاوى التَّشكيك في نسبة «الجامع الصَّحيح» بصورته الحاليَّة إلى البخاري
стр. 425
المَطلب الأوَّل
نقضُ شبهةِ عدمِ تَبْيِيض البخاريِّ لكتابه
أمَّا أنَّ البخاريَّ ترك «صحيحَه» مُسَوَّدةً دون تَبييضٍ قبل وفاتِه: فهذا القول في أصلِه نتاجُ فهمِ عقيمٍ لكلامِ المُستملي (ت ٣٧٦ هـ) أحدِ رُواة الكتابِ عن الفَرَبري، وانجلاء عُقم هذا الفهم عنه يكون بتصوُّرنا التَّصوُّر الصَّحيح لطريقةِ روايةِ «الصَّحيح» عن مؤلِّفه البخاريِّ.
ذلك أنَّ مِمَّا يجهلُه كثيرٌ مِمَّن يطعن في صحَّة رواية نُسخته: أنَّ أصلَ هذا الكتابِ قد بقيَ بعد وفاةِ مُصنِّفه عند تلميذِه الفَربري، وهو الَّذي اشتهَرَت روايةُ الكِتابِ مِن طريقِه، وعنه تلقَّاه الوفرةُ مِن الرُّواة قِراءةً وسماعًا، أشهرهم تسعةٌ (١)؛ منهم مَن انتَسَخ الكِتابَ مِن أصلِ البخاريِّ نفسِه (٢).
ثمَّ أخذ عن هؤلاءِ التِّسعة الجَمُّ الغفير قراءةً وسماعًا، اشتَهرَ منهم اثنا عَشَر راويًا، منهم أيضًا مَن تشرَّفَ بانتساخِ نُسختِه مِن أصلِ البخاريِّ، والَّذي بقِي عند أبي أحمد الجُرجانيِّ تلميذِ الفَربري (٣).
стр. 426
وهكذا تلاحَقَت طبقاتُ الرُّواة على روايةِ الكِتاب على نفسِ النَّمَطِ المُتواتر في التَّحمُّل (١)، «فكان ذلك حُجَّةً لكتاب عاضِدةً، وبصدقِه شاهدةً، فتَطوَّق به المسلمون وانعَقَد الإجماعُ عليه، فلزِمَت الحُجَّة، ووَضَحَت المَحجَّة» (٢).
إذا تقرَّر هذا؛ فإنَّ المُستملي -الرَّاوي عن الفربري كتابَ البخاريِّ- يخلو كلامَه من مُستمسَكٍ لِمن توهَّم الكتابَ مُسودَّةً، وذلك أنَّه يقول بنصِّ عبارتِه: «انتسَختُ كِتابَ البخاريِّ مِن أصلِه، كان عند محمَّد بن يوسف الفَربري، فرأيته لم يَتمَّ بعدُ، وقد بَقِيت عليه مَواضعُ مُبيَّضة كثيرةٌ، منها تَراجم لم يُثبِت بعدها شيئًا، ومنها أحاديثُ لم يُترجِم عليها، فأضَفْنا بعضَ ذلك إلى بعض» (٣).
فإنِّي أستهجنُ أن يُحرَّف هذا النَّص خدمة لأغراض من يشتهي إسقاطَ الوثوقيَّة بـ «صحيح البخاريِّ»، فنصُّ المُستمليِّ براءٌ ممَّا انقدح في أذهانهم، بل هو على نقيضِها شاهدٌ! وبيانُ ذلك:
أنَّ دلالة نصِّ المُستملي مُنحصِرة في مَوضوعِ التَّراجم الَّتي بَيَّضها البخاريُّ في «صحيحِه» دون أن يَذكُر تحتها حديثًا، أو في الأحاديثِ الَّتي ذكرَها ولم يُترجِم لها بابًا؛ وذلك: أنَّ الأصلَ الَّذي كان عند الفَرَبري مِن «الصَّحيح» كانت فيه إلحاقاتٌ في الهوامِش ونحوها، وكان مَن ينسخُ الكتابَ يَضعُ المُلحَقَ في المَوضعِ الَّذي يَظنُّه لائقًا به، فمِن ثمَّ وَقَع الاختلافُ في التَّقديم والتَّأخير (٤).
ولعلَّ وجهَ ذلك: أنَّ النَّاسَ لمَّا أخذوا عن المُصنِّفِ، أخذوا أصلَ الحديث، وجَعلوا بعض الخصوصيَّاتِ هدَرًا، وحسِبوها كالواجبِ المُخيَّر، فرَوَوه كيفَما ترجَّح، والله أعلم (٥).
стр. 427
فالمُتاح فهمُه مِن ظاهرِ كلام المُستمليِّ: أنَّ بعضَ رُواةِ الكتابِ اجتهدوا في ترتيبِ بعضِ مواضِع الأحاديثِ والأبوابِ -وهي قليلةٌ على كلِّ حال- تقديمًا وتأخيرًا، وليس فيه أنَّهم أضافوا شيئًا مِن عندهم فيه أو أنقصوا منه!
ولازمُ هذا كلِّه: أنَّ كتابَ البخاريِّ كان مُدوَّنًا في أصلٍ مُحرَّرٍ.
يقول المُعلِّمي: «البخاريّ حَدَّث بتلك النُّسخةِ، وسَمِع النَّاسُ منه منها، وأخَذوا لأنفسِهم نُسَخًا في حياتِه، فثَبت بذلك أنَّه مُطمَئِنٌّ إلى جميع ما أثبتَه فيها .. أمَّا التَّقديمُ والتَّأخير -يعني في بعضِ رواياتِ «الصَّحيح» - فالاستقراءُ يُبيِّن أنَّه لم يَقع إلَّا في الأبوابِ والتَّراجم، يَتَقدَّم أحدُ البابَين في نُسخةٍ، ويَتأخَّر في أخرى، وتَقعُ التَّرجمة قبل هذا الحديثِ في نُسخةٍ، وتَتأخَّر عنه في أخرى، فيلتحِقُ بالتَّرجمةِ السَّابقةِ، ولم يَقع مِن ذلك ما يَمَسُّ سياقَ الأحاديثِ بضَررٍ» (١).
ومِمَّا يشهد لصحَّة هذا التَّقريرِ، ما عَلَّق به الباجيُّ نفسُه على نصِّ المُستملي بعد نقلِه إيَّاه (٢) بقوله:
« .. رواية أبي إسحاق المُستملي، ورواية أبي محمَّد السَّرخسي (ت ٣٨١ هـ)، ورواية أبي الهيثم الكُشْمِيهَني (ت ٣٨٩ هـ)، ورواية أبي زيد المَرْوَزي (ت ٣٧١ هـ) -وقد نَسَخوا مِن أصلٍ واحدٍ (٣) - فيها التَّقديم والتَّأخير، وإنَّما ذلك بحسبِ ما قدَّر كلُّ واحدٍ منهم في ما كان في طُرَّةٍ أو رُقعةٍ مُضافةٍ، أنَّه مِن مَوضعٍ ما، فأضافه إليه» (٤).
ومِمَّن دَفَع مَقولَة تركِ البخاريِّ لـ «جامعِه الصَّحيح» مُسَوَّدةً مِن أئمَّةِ
стр. 428
الأمصارِ، فجزموا بتبيِيضِه قبل وفاتِ مُصنِّفه بأعوامٍ كُثار: مَن هم أعلمُ النَّاس مُمارسةً لهذا الكتاب؛ كابن حَجرٍ العسقلانيّ (١)؛
وقبله بدرُ الدِّين ابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ)، والَّذي احتجَّ على مَن نفى تبيِيضَ الكتابَ، بأنَّ البخاريَّ «أسمَعَ الكتابَ مِرارًا على طريقةِ أهلِ هذا الشَّأن، وأخَذَه عنه الأئمَّة الأكابر مِن البُلدان» (٢).
هذا؛ والمُستَملي الَّذي يُنسب إليه غلطًا ترك البخاريِّ لصحيحه مُسودَّة، هو نفسُه مَن رَوى عن الفَربريِّ قولَه: «سَمِع كتابَ الصَّحيحِ لمحمَّد بن إسماعيل تسعون ألف رجلٍ!» (٣)؛ فهل يُعقَل أن يُحدِّث البخاريُّ بكتابِه مَرَّاتٍ، وفي بُلدان مختلفةٍ، وهو لا يزالُ مُسوَّدةً لم يُصَحَّح؟!
стр. 429
وهل أَحَدُّ قطعًا لجِدالِ كلِّ مُتعنِّتٍ في هذه الحقيقة مِن قولِ البخاريِّ نفسِه: «صَنَّفتُ جميعَ كُتبي ثلاثَ مَرَّاتٍ» (١)؟!
стр. 430
المَطلب الثَّاني
مَنشأ الاختلافاتِ في نُسَخ «الجامع الصَّحيح»
ولأحدِنا أن يسأل مُستشكلًا: مادام البخاريُّ قد بَيَّض «جامعَه الصَّحيح»، ولم يتصرَّف رُواتُه في مادَّتِه الأصليَّة من أنفسِهم، فما سَببُ الاختلافاتِ الَّتي نراها بين نُسخِه ورواياتِه في بعض الألفاظ؟!
والجوابُ على ذلك، ما أتقنَه السُّيوطيُّ سَبْكًا في كلامٍ جامعٍ مُحرَّرٍ يقول فيه:
«وقع في «الصَّحيح» بالنِّسبة إلى هذه الرِّوايات اختلافٌ وتفاوتٌ يسير:
١ - فما كان منه بزيادة حديثٍ كاملٍ أو نقصِه: فهو محمولٌ على أنَّه فَوْتٌ حَصل لِمن سَقط من روايتِه، مع ثبوتِه في أصل المؤلِّف.
٢ - وما كان بتقديم بعض الأحاديث على بعضٍ: فهو محمولٌ على أنَّه وَقع مِن صاحب الرِّواية عند نَسخِه بتقلُّب بعض الأوراقِ عليه.
٣ - وما كان اختلاف ضَبطِ لفظٍ واقعٍ في الحديث، كقولِه في حديث هِرقل: «هذا مُلك هذه الأُمَّة» بِلفظِ المصدر في رواية، وبلفظ الوصفِ في رواية، و (يَملِكُ) بلفظ المضارع في روايةٍ، وبلفظ الجار والمجرور في روايةٍ: فهو محمول على أحدِ أمرين:
أ- إمَّا أن يكون المُصنِّف نفسُه حَصل عنده شكٌّ في كيفيَّة اللَّفظ المرويِّ، فرواه تارةً كذا وتارةً كذا، فسمِعَته منه بعضُ رُواة «الصَّحيح» على وجهٍ، وبعضهم على وجهٍ آخر.
стр. 431
ب- وإمَّا أن يكون الشَّكُّ حَصل من الرُّواة، فرواه كلٌّ على ما ظنَّ أنَّه أخذه من البخاريِّ كذلك، لكونِه لم يضبطه حِفظًا ولا خطًّا.
٤ - وكذلك ما حَصل الاختلاف فيه بزيادة كلمةٍ، أو جملةٍ، أو تقديمِ هذا القَدر.
٥ - وقد يكون الاختلاف بالنَّقصِ، لِسقوطِ كلمةٍ من النَّاسخ وَهمًا، أو لِكونِها في الحاشية فاندرَست.
٦ - وقد يكون بتغيُّر الإعراب، وارتكابِ ما هو لَحنٌ أو ضعيفٌ في اللُّغة، لِقلَّة ضبطِ صاحب الرِّواية وإتقانِه، فتُتَحمَّل له الأوجُه المُتكلَّفة، والصَّواب في مثل هذا الاعتمادُ على صاحب الرِّواية المُوافقةِ للصَّواب» ا. هـ
قلت: ومَردُّ أوجُه هذا الاختلاف في رواياتِ «الجامع الصَّحيح»، إلى أنَّ رُواتَه -كغيرهم مِن نَقَلة الكُتب الأخرى- بَشرٌ لا يَسلمون مِن بعضِ تصحيفٍ في خطٍّ وكتابة، أو تصحيفِ سماعٍ وأُذن، وذلك واقع في كلمات يَسيرة، تقعُ منهم في بعض ما في الكِتاب، ممَّا لا يقدح في سلامةِ أصله، «وقد يندُر للإمامين مَواضع يسيرةٌ مِن هذه الأوهام، أو لِمن فوقهما مِن الرُّواة» (١).
وكذا كان مِن أهَمِّ أوجُه تلك الاختلافات بين نُسَخ «الجامع الصَّحيح»: تَفرُّد بعضِها برواياتٍ نادرةٍ عن البخاريِّ (٢)، يَرجعُ كثيرٌ منها إلى عدم وقوفِ أصحابِها على التَّعديلات الَّتي أجراها المؤلِّف نفُسه على «صحيحه»، وقد عُرِف عن البخاريِّ إدامة النَّظرِ في كتابِه استدراكًا وتهذيبًا.
ومِن أقربِ أمثلةِ هذا الوجهِ من الزِّيادة: نفسُ ما اشتبَه على بعضِ كُتَّابِ الإماميَّةِ مِن ذكرِ القرطبيِّ رؤيتَه لبعضِ النُّسخ القديمةِ مِن «الصَّحيح» مُتضمِّنةً رؤيةَ البخاريِّ قَدَح النَّبي ﷺ الَّذي كان عند أنَسٍ ﵁ (٣)!
стр. 432
وكذا ما استشكَلوه مِن خُلوِّ بعضِ نُسَخِ «الصَّحيح» مِن زيادة: «تقتلُه الفئةُ الباغية» في حديثِ أبي سعيد (١)
﵃.
стр. 433
المطلب الثَّالث
إضافاتُ الرُّواة إلى نُسَخِهم من «الصَّحيح»
يُميِّزها العلماء بعلامات مُصطَلَحٍ عليها
مثل تلك الاختلافات ونحوها الواقعة بين الرُّواة، قد استطاعَ العلماء -بفضل الله- رصدَها وتحريرَها ببيان وجهِ الصَّواب فيها، وذلك من خلال تَتبُّع بقيَّة نُسَخِ «الصَّحيح»، وسَبْر طُرقِ الرِّوايات، ومَعرفةِ تراجمِ الرُّواةِ لمعرفةِ اللِّقاء، تَرى ذلك -مثلًا- في العَملِ النَّقديِّ الدَّقيقِ الَّذي قَدَّمَه الجيَّاني (ت ٤٩٨ هـ) في كتابه «تَقيِيدِ المُهمَل»، وكذا للقاضي عِياض (ت ٥٤٤ هـ) في هذا جهدٌ مَشكورٌ في «مَشارق الأنوار على صِحاحِ الآثار»؛ وإلى ابن حَجرٍ المُنتهى في ذلك في تقدِمَتِه وشرحِه للبخاريِّ.
وكذا فعل العلماء مع نُسخ «المسند الصَّحيح» لمسلم ضبطًا وتحريرًا، وفي ذلك يقول جمال الدِّين المِزِّي (ت ٧٤٢ هـ): «كتابُ ابنِ ماجَه إنَّما تداوَلَته شيوخٌ لم يَعتنوا به، بخلافِ صَحِيحَيْ البخاريِّ ومسلم، فإنَّ الحُفَّاظ تَدَاوَلوهما، واعتنوا بضبطِهِما وتصحيحِهمِا» (١).
وما نجِدُه من زياداتٍ أو فوائدَ دَوَّنها بعضُ الرُّواةِ مِن مَجالِسَ للبخاريِّ أو غيره، ألحقوها بمَواضِعها المناسبةِ في نُسَخِهم الشَّخصيَّة مِن «الصَّحيح»، ممَّا
стр. 434
لم يَرِد في أصلِها؛ فإنَّ هذه لا تَشتبِهُ على النَّاظرِ أن تكون مِن إنشاءِ المُؤلِّف نفسِه! كيف وقد مَيَّزوها عن المادَّةِ الأصليَّةِ بإيرادِ أسانيدِها الخاصَّة مُستقلِّةً إلى مَن رَوَوها عنه (١).
مِن ذلك مثلًا: ما انفردَ به المُستمْلِي في نُسختِه عن الفَربري (٢) في باب: «الرَّجم بالمُصَلَّى»، بعد حديثِ جابرِ ﵁ في قصَّة الَّذي اعترفَ بالزِّنا، ما نصُّه: «سُئِل أبو عبد الله (٣): (فصَلَّى عليه) يَصِحُّ؟ قال: رواه مَعمر، قيل له: رواه غير مَعمر؟ قال: لا».
فنظيرُ هذا المثال -بالضَّبط- ما تَعَسَّر على المُغالِطينَ فهمُه مِن تصرُّفاتِ النَّقَلة! أعني بذلك قولَ الفَربري (٤): «وحدَّثنا محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ قال: حدَّثنا عبيد الله بن موسى، عن سفيان قال: إذا قُرِئ على المحدِّث فلا بأس أن يقول: حدَّثني .. » (٥)، فجعلوا مثل هذا -لجهلهم بقوانين التَّصنيف- شُبهةً على التَّصرف بأصلِ الكتابِ!
وقد قدَّمنا أنَّ هذه الإضافاتِ مِن الرُّواة لبعضِ موادَّ أجنبيَّة في ما ينقلونه من كُتبٍ مَرويَّة أمرٌ اعتياديٌّ معروف عند العلماء، وقع مثلُه في غير ما مُصَنَّفِ مِن مُصَنَّفاتِ الآثار، أشهرُ ذلك ما حوَته رواياتُ «الموطَّأ» مِن ذلك، بل وفي «صحيح مسلم» شيءٌ مِن ذلك أيضًا (٦).
стр. 435
وهذا فضلًا عمَّا يتعلَّق بالإلحاقات والتَّهمِيشات في النُّسخ الخطيَّة، فهذه أيضًا لها آدابها عند النُّساخ والنَّقَلة، يعرفها أهلُ الحديث ويُميِّزونها، ويذكرون قواعدَها في كُتبِ المصطلح؛ فما يذكرُه هؤلاء الرُّواة مِن زياداتٍ على الأصلِ يُسمِّيه العلماء بـ «التَّخريج»، ويكون أحيانًا بخطِّ مختلف، أو في حواشي الكتاب (١).
فبانَ أنَّ هذه الإضافات الجديدة ظاهرةٌ طبيعيَّة، لا تخرِم مَبدأَ الأمانةِ العِلميَّة في تحمُّلِ مُؤلَّفات الأئمَّةِ ما دامت مُمَيَّزةً عن أصلِها بأمارةٍ ظاهرةِ لا تَلتبِسُ، «سواءٌ كانت جُملةً، أو تفسيرَ كلمةٍ، أو تعليقًا - ما دامت تحملُ إسنادًا مُختلفًا عن إسنادِ صاحبِ الكتابِ، لم يَكُنْ هناك خَطرٌ لِلعَبث في الكتابِ نفسِه» (٢).
وها نحن في زَمانِنا نَقتني ما نَشتهيه مِن كُتب، يجد أحدنا في نفسه حُريَّةً تامَّةً في أنْ يتصرَّف في كتابه المُشترى كيف شاء، ما خَلا المتنَ طبعًا، وذلك بوضعِ مُلاحظاته بهامشِه، أو الكَتْبِ بين سطورِه، لمقاصِدَ تعود بالفائدةِ عليه، أو غيرِنا مِمَّن نحتَمِلُ أن يقرأَ نُسختَنا مِنه؛ فكذلك الأمر كان مع القُرَّاء الأقدمين؛ كانوا يَتملَّكون الكتابَ شِراءً أو نَسْخًا، ثمَّ لا يتحَرَّجون مِن التَّعليقِ علىه، وإغنائِه ببعضِ الإفاداتِ.
فهذا الَّذي يُفسِّر لنا وجودَ اسمَ البخاريِّ وسطَ بعضِ الأسانيد الَّتي يَرويها بعض نقلةِ «الجامع الصَّحيح»! وهو مع ذلك قليلٌ جدًّا في «صحيحِ البخاريِّ» (٣).
وأوكِّد في هذا المقامِ ختامًا: أنَّ مَن مَارَس هذه العلوم في توثيق المُصنَّفاتِ ولو شيئًا يسيرًا، أيقنَ أنَّ تفاوتَ الرِّوايات لكُتبِ التُّراث القَديمةِ أمرٌ طبيعيٍّ مُستَساغ، في ظلِّ اعتمادِ النَّاسِ قديمًا على السَّماعِ والنَّسخِ اليَدويِّ، وَضعفِ وسائلِ النَّشرِ والإعلامِ، والله الهادي.
стр. 436
وأمَّا ما يَدَّعيه (جُولدْزيهر) مِن (دَسِّ) الرُّواةِ لبعضِ رِواياتٍ في «الصَّحيح»، وتحريفِهم لبعضِ ألفاظِ المُتونِ لأغراضٍ قَبليَّةٍ أو سِياسيَّة، فهذا مِن التَّسكُّعِ في أزِقَّة الباطلِ، وإمعانٌ في الإساءةِ إلى أئمَّةِ المسلمين وحضارتِهم الشَّامخةِ، وقد قدَّمنا تسفيهَ قولِه من جِهة التَّأصيل؛ فأمَّا من جِهة التَّفصيل، فيتبيَّنُ في:
стр. 437
المَطلب الرَّابع
الجواب عن دعوى المُستشرق إقحام أثر عمرو بن ميمون
في «صحيح البخاريِّ» لنَكارة متنِه
فهذا النَّص الأوَّل الَّذي تشاغب به (جولدزيهر) ليُثبت إقحامِ حكاية عمرو بن ميمون عن رجم القِرْدة في أصلِ «الصَّحيح» بكلام الحميديِّ، مُتْبِعًا ذلك بذكر استنكارِ ابنِ عبد البرِّ لمتنِه؛ فلو كان ترَيَّث ونظر في تعقُّب ابنِ حَجرٍ على الحُمَيديِّ عند شرحِه لهذا الأثر، وهو قوله:
«أغربَ الحُمَيديُّ في «الجمع بين الصَّحيحين»، فزَعَم أنَّ هذا الحديثَ وَقعَ في بعضِ نُسخ البخاريِّ، وأنَّ أبا مسعودٍ وحدَه ذكَرَه في الأطراف .. وما قالَه مَردودٌ! فإنَّ الحديثَ المَذكورَ في مُعظمِ الأصولِ الَّتي وَقَفنا عليها، وكَفى بإيرادِ أبي ذرٍّ الحافظِ له عن شيوخِه الثَّلاثة الأئمَّةِ المتقنين عن الفَربري حُجَّةً، وكذا إيراد الإسماعيليِّ وأبي نعيم في مُستخرَجَيهما، وأبي مسعود له في أطرافِه.
نعم؛ سَقط مِن روايةِ النَّسَفي، وكذا الحديثُ الَّذي بعده، ولا يَلزم مِن ذلك أن لا يكون في روايةِ الفَربري، فإنَّ روايتَه تَزيدُ على روايةِ النَّسفي عدَّةَ أحاديث .. وقد أطنبتُ في هذا المَوضعِ لئلَّا يَغترَّ ضعيفٌ بكلامِ الحُمَيديِّ، فيعتمَدَه وهو ظاهرُ الفسادِ» (١).
стр. 438
فهذا ما يَستَحِقُّ أن يُسَمَّى تحقيقًا وجِدِّيةً في التَّوثُّقِ العلميِّ لا عجَلَة الاستشراق! هذا والحميديُّ نفسه لم يجزِم بما قالَ في كلامه السَّالف، إنَّما ظَنَّ ظنًّا! بحسب ما توافرَ لديه مِن نُسَخ وقته، يدلُّ على عدم جزمه قوله: « .. إنْ صَّحَت هذه الزِّيادة، فإنمَّا أخرَجَها البخاريُّ دلالةً على أنَّ عمرو بن ميمون قد أدركَ الجاهليَّة .. » (١).
لكن عجَبي مِن ابنَ الأثيرِ! كيف استجاز الجزمَ بكونِ حكاية ابنِ مَيمونٍ «مِمَّا أُدخِلَ في صحيحِ البخاريِّ» (٢)؟! مع أنَّ مَصدرَ دعواه هو الحُميديِّ ولم يجزم بذلك؟!
وأمَّا استبعادُ (جولدزيهر) أن يُخرج البخاريُّ هذا الخَبرَ في «صحيحِه» لِما فيه مِن نَكارةٍ تُدَّعى في إضافةِ الزِّنا إلى غيرِ مُكَلَّف، وإقامةِ الحَدِّ على البَهائم .. إلخ.
فجواب ذلك لمِن لم يُحط بالأخبار علمًا أن يُقال:
إنَّ القِرَدَة تختصُّ عن أكثرِ الحيواناتِ مِن جنسِ الثَّديِيَّاتِ، باتِّخاذِ ذكورِها لإِناثٍ تَختصُّ بها، أشبه ما يكون بما عندنا نحن البشر مِن ارتباطِ الذَّكَرِ بالأنثى في عقودِ الزَّوَاجِ، بحيث تَلزَمُ أنثى القُرودِ ذَكرًا واحدًا يَختصُّ بها، يمنعُ أن يَنزُوَ عليها غيرُه، بل يَهيجُ غَضَبًا لذلك، لِما رُكِّب فيهم مِن غِيرةٍ مُشابهةٍ لبني آدمَ، وهذا أمرٌ مَعروف عنها منذ القِدَم.
فانظر في تقرير هذه الحقيقة الحَيوانيَّة، إلى قول الجاحظ في وصفِه للقِرَدة: «يُحكى عنه مِن شِدَّة الزَّواجِ، والغِيرةِ على الأزواج، ما لا يُحكَى مثلُه إلَّا عن الإنسان! .. واجتمعَ في القِرْد (الزَّواجُ والغِيرة)، وهما خِصلتان كريمَتان، واجتماعهما مِن مَفاخِر الإنسانِ على سائرِ الحيوان» (٣).
стр. 439
ويزيد ابن حَجرٍ وصفَه له: «فيه مِن شِدَّة الغِيرة ما يُوازي الآدميَّ، ولا يَتَعدَّى أحدُهم إلى غيرِ زوجتِه، فلا يَدَعُ في الغالبِ أن يحمِلَها ما رُكِّب فيها مِن الغِيرة، على عقوبةِ مَن اعتدَى إلى ما لم يختَصُّ به مِن الأُنثى» (١).
وقد ثبَتَ اليومَ فيها أفعالٌ تَدلُّ على ذَكاوَتِهم، وقِصَصُها شَهيرة فيما يَبثُّه الإعلامُ مِن برامج، يَتعَجَّبُ منها كلُّ ذي عَيْنين؛ وقد وَقفتُ بنفسي على دراسةٍ عِلميَّة حديثةٍ شاهدةٍ على ذلك، أُجرِيَت في حديقة وطنيَّةٍ بغربِ أُوغَندا، أظهرت: تَشابهًا مَلحوظًا في السُّلوكِ الاجتماعيِّ بين ذكورِ (الشَّامْبَانزِي) والإنسانِ، إلى الحَدِّ الَّذي تَتَجنَّب فيه زواجَ الأقاربِ مِن أصولٍ وفروعٍ!
بل أثبتَ الباحثونَ مِن نفسِ المَحميَّة، نتائجَ دراسةٍ مُلَخَّصُها في اثني عشرة صفحةٍ، استغرقَ إجراءُها تسعَ سِنينَ، توصَّلوا فيها إلى: أنَّ قِرْدَ (الشَّامْبَانزِي) الذَّكَر فيه مِن (الغِيرة الجِنسِيَّة) ما يُصبح به عُدوانيًّا عند الاشتباهِ في كونِ شريكَتِه الأنثى قد ضاجَعَت قِردًا آخرَ! وأنَّ الكثيرَ منهم نتيجةَ ذلك إمَّا أن يُشوِّهَ شريكَتَه الأنثى! أو يَنفِرَ منها أبَدَ الدَّهر! (٢)
فلأجل هذا أقول:
لا يلزم مِن كونِ صورةِ الواقعةِ في خبرِ ابنِ ميمونٍ صورةَ الزِّنا والرَّجم، أن يكون ذلك زِنًا حقيقةً ولا حَدًّا! وإنَّما أُطلِق عليه لشَبَهِه بهِ في الصُّورة فقط، فلا إيقاعَ للتَّكليفِ على الحيوانِ كما تَوهَّمَه المُعترض (٣).
فأمَّا عن شَبَهِه في الصُّورةِ للزِّنا: فلعَلَّ في سَوْقِ أصلِ القِصَّة مِن وجهِها المُطَوَّل، تجليةً لوجهِ الشَّبَه الَّذي لأجلِه صَوَّر ابنُ مَيمونٍ فِعلَ القِرْدَين على صورةِ ذلك، وهي:
стр. 440
مِن طريقِ عبد الملك بن مسلم (١)، عن عيسى بن حطَّان (٢)،
أنَّه شهِد عمرَو بنَ ميمون، حين سُئِل عن أعجبِ ما رأى في الجاهليَّة؟ قال:
«كنتُ في اليَمَن في غَنمٍ لأهلي، وأنا على شُرُفي، قال: فجاءَ قِردٌ ومعه قِردة، فتوسَّد يدَها فوَضَع يدَه فوق جسَدَها فنام، قال: فرأيتُ قردًا أصغرَ منه جاء يمشي خفيًّا، حتَّى غمز القِردة بيده، ثمَّ وَلَّى ذاهبًا، قال: فسَلَّت يدَها مِن تحتِ خدِّه سلًّا رقيقًا، قال: ووَضَعَت خدَّه على الأرض، ثمَّ تَبِعَته، قال: فوَقَع عليها وأنا أنظر إليه.
قال: ثمَّ رَجَعتَ، فجَعَلت تُدخِل يدَها تحتَ خدِّه إدخالًا رقيقًا، قال: فاستيقظَ فزِعًا مذعورًا! قال: وأطافَ بها وشمَّها، ثمَّ شمَّ حياهَا (٣)، فصاحَ صيحةً شديدةً، قال: فجَعَلَت القُرود تَجيء يَمنةً ويسرةً، مِن بين يديه ومِن خلفه، واجتمعَ منهم جماعة، قال: فجَعَل يَصيح ويُومئ إليها بيَدِه، ثمَّ سَكَت، قال: فذَهَبت القرود يمنةً ويسرةً، قال: فما لبِثنا أن جاءوا به بعينِه أعرفُه، فحَفَروا لهما حُفَيرة فرَجموهما، فلقد رأيتُ الرَّجم في غيرِ بني آدم قبل أن أراه في بني آدم!» (٤).
وقد علِمنا قبلُ اختصاصَ كلِّ أنثى من القرودِ بذَكرٍ مُعَيَّنٍ، فإذا أمكَنَتْ نفسَها مِن آخر مع بقاء ارتباطِها بالأوَّل: عُدَّ ذلك في طباعِها خِيانةً، يستحقُّ فاعِلُه العقابَ، كحالِ الإنسان تمامًا.
стр. 441
وغالبُ القِرَدَة لا تُعدَمُ مَخالبَ وأنيابًا تقتلُ بها كالمُفتَرِساتِ، فـ «منها ما يَعَضُّ، ومنها ما يخدش، ومنها ما يَكسِر ويُحطِّم، والقرودُ ترجُم بالأكُفِّ الَّتي جَعَلها الله لها، كما يرجُم الإنسان» (١)؛ وبِذلك تَوسَّلَت لقتلِ القِردَيْنِ الخائنينِ في خبرِ ابنِ ميمون.
ومثلُ هذه العقوبات الانتقاميَّةِ مِن الذَّكورِ على مَن اعتدى على خصوصِيَّتِها الجِنسيَّةِ، قد شاهدَه النَّاسُ في زمانِ ابن تيميَّة (ت ٧٢٦ هـ) في غير القرودِ، حتَّى في الطُّيور (٢)!
فحاشا البُخاريَّ أن يُريد بهذا الخبرِ حقيقةَ الزِّنا وحَدِّه في الشَّرع، وإلَّا لأوردَه في كتابِ الحدودِ في باب (رَجم المُحصَن) -مَثلًا- أو (إِثم الزُّناة)، وعنده في هذين مِن أحاديثِ النَّبي ﷺ وأقوالِ صحابتِه ما فيه غُنيةٌ له عن روايةِ رجلٍ في جاهليَّتِه.
إنَّما أوتي المُعترض على البخاريِّ في هذا الخبر: مِن ظنِّه أنَّ كلَّ خَبرٍ يورِدُه الأئمَّة في مُصَنَّفات الحديث هو دِينٌ، يُراد به تشريعٌ أو عقيدة! والحالُ أنَّ المحدِّثين قد يَرْوُون في جوامعهم ما يخرُج عن هذا، فيسوقونَ أخبارَ تاريخيَّةً، منها أحوالُ النَّبي ﷺ قبل البِعثة، وأحاديثُ صِفاتِه الخِلْقِيَّة، وهذان ليسا مِن التَّشريع في شيءٍ؛ أو أخبارَ الجاهليِّين اعتِبارًا أو استظْرَافًا؛ وهنا ساق البخاريُّ أثرَ عمرو بن ميمون! حيث أخرجه في بابِ (أيَّام الجاهليَّة) مِن كتابِ المَناقب.
ووَجه المناسبةِ بين أثر ابن ميمونٍ وبين ترجمةِ البابِ لا تخفى: فالقصَّة فيها تحكي أمرًا غريبًا وَقَع في الجاهليَّة؛ وقوله فيها: « .. فرجمتُها معهم» (٣): دلالةٌ لطيفةٌ على عظيمِ قُبحِ خيانةِ العَشيرِ عند العربِ مع جاهِلِيَّتِها، حتَّى استحقَّ فاعلُها عندهم شديدَ العِقاب.
стр. 442
وفيه أيضًا دَلالة على أنَّ عمرو بن مَيمون مِمَّن أسلَمَ وقد أدركَ الجاهليَّة (١)، فلأجلِ ذلك اختارَ له البخاريُّ هذه الحكاية، وفي هذا الباب تحديدًا (٢).
فهذه النُّكَت الَّتي استعصَى على المُعترضِ لمْحها، ولعمايته اتَّهم الخبر بعدمِ الفائدة؛ وقد أطنبتُ في هذا الموضع -كما أطنَبَ ابن حَجرٍ قبلي في الرَّدِ على الحُميديِّ- كي لا يَغترَّ ضعيفٌ بكثرةِ ما يَبثُّه الزَّائغون مِن الشُّبَه على هذا الخبر، تسفيهًا لعقلِ مُخرِّجه، فيعتمدَها وهي ظاهرة الفسادِ.
стр. 443
المَطلب الخامس
الجواب عن شُبهة التَّصرُّف في رواية ابن عمرو:
«إنَّ آلَ أبي ( .. ) ليسوا لي بأولياء»
هذا النَّص الثَّاني الَّذي استدلَّ به (جولدْزيهر) على الإقحامِ في «البخاريِّ»، وهو زعمُه أنَّ بعضَ النَّقَلةِ أدخلَ كلمةَ (بَياض) في متنِ هذا الحديث، ليخلُصَ به إلى لعنِ عائلةٍ تُسمَّى (آل بَياض)!
ونقول في جوابِه: مِن العُجمةِ أُوتِي! ولو صدق هذا المُستشرق في نقدِه، لأَخَذَ بسائرِ كلامِ القَسْطلانيِّ في هذا الموضعِ، حيث إنَّه اقتطع منه ما يروقُ شُبهتَه، مُتعاميًا عَمَّا أفادَه القسطلَانيُّ نفسُه مِن ضبطِ هذا اللَّفظِ بالرَّفع (بَياضٌ)، وليس بالجرِّ (بياضٍ) كما أوْهَمَه (جُولدزيهر).
فالمعنى على ما ضَبَط القسطلانيِّ له: أنَّ هذا الموضِع من الحديث في الأصلِ الَّذي أُخِذ منه أبيضٌ، أي: مِن غير كتابةٍ، قد أبانَ عن هذا البَياضِ شيخُ البخاريِّ في جملةٍ منه تَوضيحيَّة مُعترضةٍ خارجَ نصِّ المتنِ؛ وقد زادَه القَسطلانيُّ بيانًا بأنْ قال بعده: «ولا يُعرَف في العَرَبِ قبيلةٌ يُقال لها أبو بَياض! فضلًا عن قريش، وسِياقُ الحديثِ يُشعِر بأنَّهم مِن قبيلِتِه ﷺ ، وهي قريش» (١).
стр. 444
فأعظِم بها مِن أمانةٍ علميَّةٍ مِن المُحدِّثين في حفظِهم لشكلِ المَنقولِ كما هو، تبعثُ المُستشرِقَ إلى التَّحسُّرِ على ما ضَيَّعه أسلافُه مِن أمانةِ أسفارِهم لو كان مُنصِفًا!
وأمَّا عن الباعثِ إلى تركِ الرَّاوي لهذا الموضعِ بَياضًا دونِ ذكرِ اسمِ المُرادِ مِن الآل: فيقول عنه النَّوَوي: «هذه الكنايةُ بقولِه: (يعني فُلانًا) (١)، هي مِن بعضِ الرُّواة، خَشِيَ أن يُسَمِّيه، فيَتَرتَّب عليه مَفسدةٌ وفتنةٌ، إمَّا في حَقِّ نفسِه، وإمَّا في حَقِّه وحَقِّ غيره، فكنَّى عنه، والغَرَض إنَّما هو قوله ﷺ : إنما وَلِييَ الله وصالح المؤمنين .. » (٢).
غير أنَّ هذا المُبهَم المُستَتِر وراءَ لفظِة (بياضٍ) قد جَاء ما يُفصِحُ عنه في روايةٍ أخرى جهلها المُستشرق، يقول ابن العربيِّ (ت ٥٤٣ هـ): «بَيَّنها أبو [ذرٍّ] (٣) في «جمعِ الصَّحيحين»، عن شعبة، بالسَّند الصحيح، فقال: «آل أبي طالِبٍ ليسوا إليَّ بأولياء، إنما وَليِّيَ الله وصالح المؤمنين» (٤).
стр. 445
المَطلب السَّادس
الجواب عن مُطالبة المُعترضِ بالنُّسخة الأصليَّة لـ «صحيح البخاريِّ» شرطًا لتصحيح نسبتهِ إلى مُصنِّفه
وأمَّا مُطالبةِ المُعترضِ لنُسخةٍ من الكتابِ بخطِّ البخاريِّ لتصِحَّ نِسبتُه إليه، فالجواب عنه مِن وجوه:
الوجه الأوَّل: أنَّ الكتابَ مَعلومٌ بالضَّرورةِ أنَّه تأليفٌ للبخاريِّ، فإنَّ النَّاس تعلمُ بالضَّرورة أنَّ البخاريَّ صَنَّف كتابًا في صِحَاحِ الحديثِ، وأنَّه هذا المَقروءُ المَسموعُ المُتداوَل بينَ النَّاس؛ ولا فرقَ في ذلك بين كِتابي البخاريِّ ومسلمٍ وبين غيرِها مِن سائرِ مُصَنَّفاتِ علماءِ الإسلام، بل كتبُ الحديثِ بالخصوصِ مُختصَّةٌ عنها بصَرفِ العنايةِ مِن العلماءِ إلى سَماعِها وضَبطِها وتَصحِيحِها، وكِتابةُ خُطوطِهم عليها شاهِدٌ لمِن قَرأها بالسَّماع، ناطقةٌ لمِن سَمِعَها بالإذْنِ في رِوايتِها.
وكنَّا قدَّمنا أنَّ البخاريَّ كان يُحدِّث بكتابه، وتَلقَّاه عنه طُلَاّبه سماعًا ومُقابلةً لنُسَخِهم بنُسختِه، فلو افترضنا جدلًا ضياعَ نُسخة البخاريِّ الَّتي بيده، فهذه النُّسَخ تقوم مَقامَها لا شكَّ، فكيف وهي مئات النُّسَخ، وكلُّ نُسخة لها سندها إلى البخاريِّ، وكُلُّها مُتطابقةٌ في الجملة؟!
وهذه الصِّناعة التَّوثيقيَّة البديعة هي ما أيَّس أهلَ الكذبِ والتَّحريفِ مِن الكَذبِ في هذه المُصنَّفات المَسموعَةِ؛ فكما أنَّه لا يُمكِنُ أحدًا أن يُدْخِلَ في «المُدوَّنة» وكُتبِ السَّماعاتِ عن مالكٍ مسألةً في جوازِ المَسحِ على الجَورَبينِ
стр. 446
الخفيفين -مثلًا- ويقول: إنَّه مَذهب مالكٍ! ويَخفى ذلك على حُفَّاظِ مَذهبِه؛ فكذلك لا يُمْكِنُ أحدًا أن يزيدَ في «صحيح البخاريِّ» حديثًا مُختلقًا ويَخفى على أهلِ الحديثِ بعده!
الوجه الثَّاني: أنَّ النُّسَخ المختلفةَ لـ «صحيحِ البخاريِّ» كالرُّواةِ المُختلِفين، واتِّفاقُها يَدلُّ على صِحَّةِ ما فيها عن البخاريِّ قطعًا كما قدَّمنا.
فإنَّك إذا وَجَدتَ الحديثَ في نُسخةٍ منه نُسِخَتْ باليَمنِ، ووَجدتَه في نُسخةٍ نُسِخَت بالمغرب، وفي الشَّامِ وغيرِها مِن أقطارِ الإسلام؛ ثمَّ وَجَدْتَه أيضًا في شروحِ «الصَّحيح» الَّتي صُنِّفت قريبًا منه، كشرحِ أبي سليمان الخَطَّابي (ت ٣٨٨ هـ)، فإنَّ هذا أدركَ الَّذين رَووا الكتابَ عن شيوخِهم عن البخاريِّ روايةَ نَسخٍ ومُطابقةٍ، وشرحُه أثبت فيه كِتابَ البخاريِّ بشكلِه المُتداوَل، فيكون نفسُ شرحِه نُسخةً مِن الكتاب، بل كلُّ شروح البخاريِّ المُتقدِّمة تُعتبر نُسَخًا صحيحة منه.
ثمَّ وَجدتَه أيضًا في المُستخرَجاتِ على «البخاريِّ» الجامعةِ لمِا فيه، كـ «المُستخرجِ» للإسماعِيليِّ (ت ٣٧١ هـ) عليه، وهي الَّتي تأتي إلى الأحاديثِ الَّتي رَوَاها البخاريُّ، وتَرويها بأسانيدَ تلتقي فيها مع البخاريِّ في شيخِه أو شيخِ شيخِه.
فلا شكَّ أن النَّاظرَ في هذا كلِّه لن يُعدَم العلمَ الضَّروريَّ باستحالةِ تَواطؤِ رُواة هذا الكتاب على مَحضِ الكذبِ والمُباهَتةِ، لأنَّه يَستحيلُ اجتماعُهم واتِّفاقُهم على ذلك، لِتباعُدِ أزمانِهم وبُلدانهم، واختلافِ أغراضِهم ومَذاهبِهم.
الوجه الثَّالث: أنَّ الأمَّة قد أجمَعَت على جوازِ إسنادِ ما في «الجامعِ الصَّحيحِ» إلى محمَّد بنِ إسماعيل البخاريِّ؛ وذلك أنَّ العلماءَ ما زالوا يَقولُون في كُتبِهم: هذا الحديثُ رواه البخاريُّ، أو رواه مسلم، أو اتَّفَقا عليه، مِن غير نكيرٍ في هذا على الرَّاوي، مع كثرةِ وقوعِ هذا منذ صُنِّفَت هذه الكتبُ، إلى هذا التَّاريخ، وذلك قريبٌ مِن ألفٍ ومائتي سنةٍ، والإجماعُ حُجَّة قاطِعةٌ للتَّشغيبِ الَّذي اشتهرَ به المُعترض، ومُزيلةٌ للتَّشويشِ الَّذي أورَدَه (١).
стр. 447
الوجه الرَّابع: أنَّ المُعترضِ إن غَبِيَ عن تفهُّمِ ما قدَّمناه مِن بيِّناتٍ، فلعلَّ الأنسبَ لمثلِه أن يُفهَّم بضربِ مثالٍ واقعيٍّ، يُعلِمه كيف أزرى بنفسِه حينَ اشترطَ توقيعَ المُؤلِّف على الكتاب بخطِّ بيده، وذلك بأن يتخيَّل نفسَه:
قد دَخَلَ مكتبةً عالميَّةً مَرموقةً، أو دارًا للنَّشرِ مَطروقةً، على رفوفِها أوقارُ أسفارٍ في شَتَّى أودِيةِ العلوم، فلَاحَ له منها كتابُ «الجمهوريَّة» لأفْلاطون (ت ٣٤٧ ق. م)، وكتابُ «الأمير» لمِيكْيَاّيلي (ت ١٥٢٧ م)، فلم يلبَث حتَّى تَوَجَّه بهما إلى قَيِّم الخزانةِ قائلًا: إنِّي لا أعترِفُ بصحَّةِ هذين الكِتابين، حتَّى تُخرِجوا لي نُسخةً أصليَّةً لكلِّ واحدٍ منهما كَتبها المؤلفُّ بخطِّ يَده! بل لا أعترفُ بأيِّ كتابٍ حَوَته خِزانتُكم إلَّا بهذا الشَّرط، حتَّى اطمئنَّ إلى العَزوِ إليه!
فحدِّثني -بالله عليك-: عن أيِّ لونٍ أو صورةٍ تخيَّلتَ بها وَجهَ قيِّم الخزانةِ وهو يُلطَم بهذا الكلام؟! وقد تجاوزَ هذا المُتحذلِقُ جميعَ الأعرافِ الإنسانيَّة، والمَسالكِ العلميَّة، الَّتي تضمَنُ سَلامةَ الكُتبِ، وعدمَ انتِحالهِا في عصرِنا الرَّاهن!
الوجه الخامس: أنَّا لو افترضَنا جَدلًا ظَنِّيَةَ نسبةِ ما في «صحيح البخاريِّ» إليه، فإنَّه مع ذلك يستحيلُ وَصمُ ما فيه مَعزُوًّا إلى النبَّي ﷺ بالكذبِ، لأنَّ البخاريَّ لم يَتَفرَّد أصلًا بروايةِ حديثٍ نَبويٍّ دون سائرِ الأئمَّةِ، بل هي نفسُها مُفرَّقةٌ عند غيرِه في كُتبِ السُّنَن والمَعاجم والمَسانيد والأجزاءِ ونحوِها؛ فأكثرُ أحاديثِ البخاريِّ لها العشراتُ مِن الطُّرقِ في كُتبِ الحديثِ المُختلِفة، ولله الحمد.
فأيُّ طائل وراء هذا التَّشغيب والتَّشكيك في نُسخ البخاريِّ؟!
المَطلب الأوَّل
احتجاج المُخالفين بتقطيعِ البخاريِّ للأحاديث وروايتها بالمعنى على انتفاء مصداقيَّة كتابِه وضعفِ أمانتِه
يُعتبر تقطيعُ المُحدِّثين للحديث واختصارُهم له ذريعةً احتجَّ بها كلُّ مَن أفقدَ الثِّقة بما يَزبُره المُصنِّفون مِن متونٍ في كُتب الحديثِ، يحتَملون بذلك منهم الغَلطَ في نقلِ غيرِ المَعنى المُرادِ، أو خوفًا مِن تصرُّفِ المُحدِّثينَ في تَشكِيلِها حسبَ أهوائِهم العقديَّة والسيَّاسية؛ فصارَ هذا التَّصرُّف مِن المُحدِّثين في متونِ بعض الأحاديث مَثْلبةً يَتقصَّدُها بالتَّشهيرِ كلُّ مُناوئٍ لهم في هذا الزَّمان (١).
والبخاريُّ قد أوفى بالنَّصيبِ الأوفرِ مِن هذا التَّشنيعِ، لِما عُرِف عنه مِن تقطيعِ بعضِ المتونِ في «صحيحِه» واختصارِها، حتَّى لقد بلغَ الفجورُ في الخصومةِ ببعضِهم، أن يَعُدَّ هذا العملَ الفَنِّيَ مِن البخاريِّ «نوعَ خيانةٍ علميَّةٍ، ناجمةٍ عن روح التَّعصُّب لمذهبِه العَقديِّ» (٢).
وبالنَّظر في كتاباتِ مَن توجَّه إلى «البخاريِّ» بالطَّعنِ في منهجِه، نجدُ أكثرَ مَن يُدَنْدِنُ حول تقطيعِه للأحاديث، ويجرِّم ذلك منه: الشَّيعة الإماميَّة، والمُعاصِرون منهم على وجهِ الخصوص؛ فكان فيما ادَّعوه عليه: أنَّه تَوسَّل بهذه
стр. 450
الطَّريقة في التَّصنيفِ لإسقاطَ أحاديثَ تشتمِل على مَنقبةٍ لعليٍّ ﵁، وحذف ما يُوهِم مَنقصةً لغيره من الخلفاءِ الرَّاشدين؛ أي أنَّ البخاريَّ كان يعمِد إلى حذفِ صدرِ المتنِ - مثلًا - أو ذيله، أو تقطيعِ المتنِ مِن وَسَطِه، لكي تخفَى المنقبةُ أو المَنقصة.
ترى هذا الافتراء في مثل قولِ (عبد الصمَّد شاكر): «كلُّ مُنصفٍ تَعمَّق بعد مُطالعة البخاريِّ في سائرِ الصِّحاح، يفهمُ بوضوحٍ أنَّ البخاري يَرى جوازَ الحذفِ والتَّغييرِ في متونِ الأحاديث بما يَراه مُناسبًا، وهذا أمرٌ خطيرٌ، يُسقِط اعتبارَ الكتابِ إلى حَدٍّ بعيد، رغمَ اشتهارِه، واعتمادِ مُعظمِ أهلِ العلمِ عليه» (١).
وفي قول (جعفر السُّبحاني): «إنَّ البخاريَّ وإنْ ذَكَر شيئًا مِن فضائل عليٍّ وأهلِ بيتِه، إلَّا أنَّ قَلمَه يرتَعِش عندما يَصِل إلى فضائلِهم، فيَعبَثُ بالحديث مهما أمكن (¬٢»).
أمَّا (صادق النَّجمي)! فكان أطولَ القومِ نَفسًا في التَّعريضِ بالبخاريِّ سلوكَه لهذا النَّهجِ في اختصارِ المتون وتقطيعِها، وكثيرٌ مِمَّن تَكلَّم مِن بعده في هذا مِن أهل طائفتِه إنَّما يَستقي أمثلته مِن كتابِه «أضواءٌ على الصَّحِيحين»، مِن غيرِ تثبُّتٍ مِن مَصادرِه! ولا مُبالاةٍ لتوجيهات العلماء في كشفِ مُغالطاتِهم على تصرُّفاتِ البخاريِّ.
فكان مِمَّا يزعمه هذا (النَّجميُّ)، أنَّ مِمَّا يَسلُب الاطمئنانَ والاعتمادَ على «صحيحِ البخاريِّ»، ويُوجِبُ عدمَ الوثوق بمَرويَّاته: أنَّ قِسمًا مِن أحاديثِه قد رُوِيَت بالمعنى، ولم يَنقُلها المُصنِّف بنفسِ اللَّفظِ حسبَ ما سمِعَها مِن ناقِليها.
مُستشهِدًا في ذلك بما نَقَله الخطيبُ عن البخاريِّ قال: «رُبَّ حديثٍ سمِعتُه بالبَصرة، كتَبتُه بالشَّام، ورُبَّ حديثٍ سمعتُه بالشَّامِ، كتبتُه بمصر، فقيل له:
стр. 451
يا أبا عبد الله بكمالِه؟ قال: فسَكَت» (١)؛ وبقولِ ابن حَجرٍ عند كلامِه على حديثِ سِحرِ النَّبيِ ﷺ : « .. هذا مِن نَوادِر ما وَقَع في البخاريِّ، أنَّه يُخرج الحديثَ تامًّا بإسنادٍ واحدٍ بلَفظيْن» (٢).
وهذا بخلاف مسلم، فليس يَنقِمُ عليه المُخالفون هذه الطَّريقة كثيرًا، لا يكادون يذكرونه (٣)، لأنَّهم يَعلمون أنَّ «مسلمًا إنَّما صَنَّف كتابَه في بلدِه، بحضورِ أصولِه، في حياةِ كثيرٍ مِن مَشايخِه، فكان يَتَحرَّز في الألفاظِ، ويَتَحرَّى في السِّياق» (٤).
وفي تقرير هذه الشُّبهة في متون البخاريِّ، يقول (النَّجميُّ):
«لو تَتبَّعنا وفحَصنا الأحاديثَ الَّتي رَواها البخاريُّ في «صحيحِه»، لوَجَدنا أنَّ البخاريَّ اتَّبَعَ أسلوبَ النَّقلِ بالمعنى في كثيرٍ منها، .. وعليه؛ فهل يُمكِن لقارئٍ أن يَعتمِدَ على كتابٍ وَضَعَه مُؤلِّفُه في مُدَّةِ ستَّة عشر سنة، كما اعترفَ البخاريُّ أنَّه خَرَج وضَبَط فيه تلك الأحاديث الَّتي سَمِعها في بلدٍ، وبعد مُدَّةٍ مِن الزَّمن كتَبها وهو في بلدٍ آخر؟
لا ريبَ أنَّ هذه الفترة الزَّمنية الَّتي فَصَلت بين سماعِ الحديثِ وبين تَدوِينه، سوف تُنسيه ألفاظَ الحديث، ويأتي مكانَها بألفاظٍ أخرى غيرها، أي يكون النقل فيه نقلا بالمعنى، وبهذا يَفقد الحديثُ شأنَه واعتبارَه، .. ولهذا السَّبب جَعلنا موضوعَ النِّقلِ بالمعنى الَّذي اتَّبعه البخاريُّ في تخريجِه للأحاديثِ في صَحيحِه دليلًا على ضَعفِ أحاديثِه» (٥).
стр. 452
المَطلب الثَّاني
دفع احتجاج المُخالفين بتقطيعِ البخاريِّ للأحاديث وروايتها بالمعنى على دعوى الخلل المُتوهَّم في كتابِه وضعفِ أمانة صاحبه
الفرع الأوَّل: اختصار المتن وعلاقتُه بتقطيعِ المتن وروايتِه بالمعنى.
اختصار المتنِ: هو حذفُ راوِيه أو ناقلِه شيئًا منه، فيكون بهذا الاعتبار له صورتان عند المُحَدِّثين:
الأولى: حذف بعض المتنِ، والاقتصار على بعضه الآخر بلفظِه.
الثَّانية: حذف بعض المتن، والإتيان ببعضِه الآخر على المعنى دون اللَّفظ.
فعلى هذا، يحصل اختصارُ المتن تارةً بتقطيعِ الحديثِ في الأبواب، بحيث يذكر المصنِّف كلَّ قطعةٍ فصَلَها مِن الحديث في بابٍ مُستقل مِن مُصَنَّفِه؛ وتارةً بروايةِ بعضِه دون كمالِه، بحيث يَقتصر على روايةِ بعضِه، ويحذف بعضَه الآخر من غير أن يذكره في موضعٍ آخرَ من تصنيفِه؛ وتارةً أخرى يكون بحذفِ بعضِ ألفاظِه، والإتيان به على مَعناه بعبارةٍ وجيزةٍ.
وبهذا يتقرَّر: أنَّ العلاقة بين اختصارِ المتن وتقطيعِه علاقةُ عمومٍ وخصوصٍ مُطلق، فإنَّ الاختصارَ أعَمُّ مِن التَّقطيع، فإنَّ كلَّ تقطيعٍ اختصارٌ، وليس كلُّ اختصارٍ تقطيعًا، بل يحصُل بطُرقٍ أخرى غير طريقةِ التَّقطيع، كأن يحُذَف بعضُ المتنِ، ويُجمِل بقيَّتَه على المعنى كما تَقدَّم (١).
стр. 453
كما أنَّ العلاقة بين روايةِ المتنِ بالمَعنى وبين اختصارِه، أيضًا علاقةُ عموم وخصوصٍ وجهيٍّ، إذ يَجتمعان في حديثٍ حُذِف منه بعضُ ألفاظِه، وتُصُرِّف فيه بما يُوافق المعنى؛ وتَنفرِدُ الرِّوايةُ بالمعنى عن الاختصار بحديثٍ حَصَل فيه تَغيِيرٌ في ألفاظِ المتن، دون أن يَستلزم ذلك حذفُ شيءٍ مِن المتن (١).
الفرع الثَّاني: حكمُ الرَّوايةِ بالمعنى واختصارِ المتنِ، وشروط ذلك.
أمَّا الرِّواية بالمعنى - وإن كان الخلافُ فيها ثابتًا بين المُتقدِّمين - فإنَّ جوازها بشروطِها هو مَذهبُ جمهورِ العلماء (٢)، و «الَّذي تَشهدُ به أحوالُ الصَّحابة والسَّلَف، ويَدلُّ عليه روايَتُهم القصَّةَ الواحدةَ بألفاظٍ مُختلفةٍ» (٣)، وهو المُستَقَرَّ عليه عند عامَّة المُتأخِّرين (٤).
والأصلُ وإن كان تأديَة الرَّاوي للحديثِ كما سَمِعه بلفظِه، فهو لا ريبَ أبرَأُ للذِّمة؛ لكن للمَشقَّة فيه رخَّصوا أنْ يُؤدِّيه على معناه، حيث العِبرةُ في نصوصِ السُّنة هو ما تدُلُّ عليه مِن الأحكامِ والشرائعِ، فإنَّ الأداءَ للحديثِ بمعناه عند مَشقَّة الإتيان بلفظِه مُحقِّق للغَرضِ، ما دام المعنى صحيحًا مُوافقًا لدلالةِ أصلِ لفظِه (٥).
فلأجلِ ذلك نرى المحدِّثين شَرَطوا على مُؤدِّيه على هذا الوجهِ أن يكون فقيهًا عالِمًا بما تُحيل المعاني، وحرَّموا ذلك على الجاهلِ بمَواقع الخطابِ، ودقائقِ الألفاظ، لئلَاّ يَقعَ في الكذبِ على النَّبي ﷺ ؛ حتَّى كان مِن صُوَر العِلَل الواردةِ عندهم على الأحاديثِ النَّبويَّة: التَّعليلُ بالخطأِ بسبَبِ الرِّوايةِ بالمعنى (٦).
стр. 454
يقول ابن تيميَّة في ما يقعُ في نَقلِ المتونِ بالمعنى أو تفسيرِها مِن غَلطٍ: «إنَّ الله يُقيم له مِن الأمَّة مَن يُبيِّنه، ويذكرُ الدِّليلَ على غلطِ الغالِطِ، وكذبِ الكاذبِ، فإنَّ هذه الأمَّة لا تَجتمع على ضلالةٍ، ولا يَزالُ فيها طائفةٌ ظاهرةٌ على الحقِّ حتَّى تقوم السَّاعةُ، إذْ كانوا آخِرَ الأمَمِ، فلا نبيَّ بعد نَبيِّهم، ولا كتابَ بعد كتابِهم» (١).
هذا؛ وليس ما نراه من تَعَدُّد رواياتِ الحديثِ الواحدِ أصلُه دائمًا مِن النَّقَلة، بل يكون أحيانًا بسببِ تَنوعِّ ألفاظِ النَّبي ﷺ نفسِه بين الحينِ والآخر؛ فرُبَّ حديثٍ قاله في مَجلسٍ، أعادَه في مجلسٍ أو مناسبةٍ أخرى بلفظٍ آخر، فيَروِي كلُّ صَحابيِّ ما سَمِعَه فيما حَضرَه (٢).
ويتَفَرَّع عن هذا المبحثِ من الرِّواية بالمعنى، حكمُ اختصارِ الحديث:
فقد ذهب إلى منعِ الاختصار مُطلقًا أكثرُ مَن مَنَع نَقلَ الحديثِ بالمعنى، وهم بعضُ أهلِ الحديث المُتقدِّمين، تحرُّزًا مِن قطعِ الخبرِ وتَغيِيره، فيُؤدِّي ذلك إلى تغييرِ معَناه دون تفطُّنٍ؛ وهذا اختارَه أبو الحسين البصري (ت ٤٣٦ هـ) مِن المعتزلة (٣).
وعلى خلاف هذا المذهب مَشى سائر المُحدِّثين والأصوليِّين، أي إلى جوازِ الاختصارِ، بل قال النَّووي: «أمَّا تقطيعُ المُصَنِّفين الحديثَ الواحدَ في الأبواب، فهو بالجوازِ أَوْلى، بل يبعُد طَردُ الخلافِ فيه، وقد استمَرَّ عليه عِلمُ الأئمَّةِ الحُفَّاظ الجِلَّة مِن المُحدِّثين وغيرهم مِن أصنافِ العلماء» (٤).
стр. 455
وهؤلاء الأعلام في مذهبهم هذا لم يُغفلوا تقيِيدَ الاختصارِ للمتونِ وتقطيعِها بشروطٍ تَقي مِن تَغيِير المعنى، هذه الشُّروط منها ما يَتَعلَّق بالرَّاوي المُختَصِر نفسِه، ومنها ما يَتَعلَّق بالحديثِ الَّذي يُراد اختصارُه (١).
فأمَّا عن الواجبِ توفُّره من ذلك في المُخْتَصِر:
فيلزمه العِلمُ بمَدلولاتِ ألفاظِ الحديث، وما يخلُّ حذفُه مِن المتنِ بالمعنى.
وكذا يلزمُه الفقهُ بمعنى المتنِ، وما يدلُّ عليه من أحكام، لكي لا يحذَفَ ما له تَعلُّقٌ بحكمٍ منه، فيقطع الخبرَ عن وجهِه (٢).
وفي تقريرِ هذه اللَّوازم للمُختَصِر يقول ابن حبَّان: « .. أنْ يعلَمَ مِن الفقهِ بمقدارِ ما إذا أدَّى خبرًا، أو رواه مِن حفظه، أو اختصره، لم يُحِلْه عن معناه الَّذي أطلَقَه رسولُ الله ﷺ إلى معنى آخر» (٣).
فإذا شَكَّ الرَّاوي في الارتباطِ بين اللفَّظ المُقتصَر عليه وما تَرَكه مِن الحديث، تَعيَّن عليه ذكرُ الحديث بتمامِه، كونه أسلمَ للرِّوايةِ وأحفظ (٤).
هذا مع لزومِ انتفاء التُّهمة عن المُختصِر عند اختصارِه للحديث؛ فإِن كان حذفُ الرَّاوي لبعض المتنِ يعرِّضه لتهمةِ الاضطرابِ بالنَّقل -مثلًا- أو الغفلةِ والنِّسيان، فلا ينبغي له حينئذٍ الاختصار، اللَّهم إلَّا مِن إمامٍ حافظِ معروفٍ بالإتقانِ (٥).
وأمَّا الشروط الواجب توفُّرها في المتن المرادِ اختصاره:
فهي شروط صحَّةٍ للاختصار ترجع عند من وضعها إلى ارتباطِ اللَّفظ بالمعنى المُراد تبليغُه، فلا يجوز اختصارُ المتنِ إذا كان اللَّفظُ المُراد اختصارُه
стр. 456
مُتعلِّقًا باللَّفظِ المقتصَر عليه، لأنَّ اختصارَ ما كان هذا حالُه يؤدِّي إلى فَكِّ التَّعلُّق المُفضي إلى الإخلال بالمعنى.
وهذا التَّعلُّق بين اللَّفظِ المتروكِ واللَّفظِ المُثبت في الاختصارِ على ضربين:
إمَّا أن يكون تَّعلُّقًا لفظيًّا: كتَعلُّقِ المُستثنى بالمُستثنَى منه، والشَّرط بمَشروطه، كما قال ابن الحاجب (ت ٦٤٦ هـ): «حذفُ بعض الخَبِر جائزٌ عند الأكثر، إلَّا في الغايةِ والاستثناءِ ونحوِه» (١).
أو يكون التَّعلُّق مَعنويًّا: كأن تكون إحدى الجُملتين مِن الحديث مُخصِّصةً لعمومِ الأخرى، أو تكون مبيِّنةً لمُقتضى الحالِ الَّذي لأجلِه وَرَد الحكم في الجملةِ الأخرى (٢).
وفي تقرير هذا النَّوع من التَّعلق وحكمه، يقول ابن حبَّان البستيُّ:
«كلُّ خطابٍ كان من النَّبي ﷺ على حسب الحالِ فهو على ضربين:
أحدهما: وجودُ حالةٍ مِن أجلها ذُكر ما ذُكر، لم تُذكر تلك الحالة مع ذلك الخبر.
والثَّاني: أسئلةٌ سُئِل عنها النَّبي ﷺ ، فأجاب عنها بأجوبةٍ، فرُويَت عنه تلك الأجوبة مِن غير تلك الأسئلة، فلا يجوز أن يُحكَم بالخبرِ إذا كان هذا نعتُه في كلِّ الأحوال، دون أن يُضَمَّ مُجمَله إلى مُفسرِّه، ومُختصَره إلى مُتَقصَّاه» (٣).
ويدخُل في هذا الضَّربِ مِن التَّعلُّق المَعنويِّ: أن يكون المتنُ مُتعَبَّدًا بلفظِه؛ كأن يكون مِن ألفاظِ الدُّعاءِ المُقيَّدة ببعضِ الأحوال: كالتَّشهد، والأذكار، ونحو ذلك ممَّا هو تَوقِيفِيُّ اللَّفظ، وهذا ما دعا البخاريَّ لأن يُبقِيَ -مثلًا- على متنِ
стр. 457
دعاء النَّوم: «اللَّهم أسلَمْتُ نفسي إليك .. » في عِدَّة مَواضع مِن «صحيحِه» كما هو، دون أن يَتصرَّف فيه بالاختصارِ في مَوضعٍ منها. (١)
فأمَّا أن يكون المتنُ مُتضَمِّنًا لما يُمكن أن يَستقِلَّ عن باقيه: فلا حَرَج عند المُحدِّثين في فصلِ الجزءِ المُستقلِّ منه بغرضِ مُناسبةِ الأبواب -مثلًا-، قِياسًا منهم على «السُّورةِ مِن القرآن، تُستَلُّ الآية منها للاستدلال بها في البابِ مِن الأبواب، وكذلك ينبغي أن يكون الحديث، إذا صَحَّ وجودُ معنى الاستقلالِ للجزءِ المَقطوعِ منه» (٢)؛ وعلَّة ذلك: أنَّ المعنى المُحتاج إليه مِن المتنِ إذا أمكنَ تفصيلُه مِن جملةِ الحديثِ دون تَعلُّقٍ بالمحذوف ولا إحالةٍ للمعنى، فإنَّه يقوم بذلك مَقام خَبَرَيْن مُنفصلين (٣).
على هذا جَرى عَملُ كثيرٍ مِن الصَّحابة والتَّابعين في استشهادِهم ببعضِ الحديث دون بعضٍ، وهم لا شكَّ قدوةٌ لنا في ذلك، ونحن نرى كُتبَ الأئمَّةِ ومُصَنَّفاتهم مَشحونةً بأبعاضِ الأحاديثِ، يَذكرون كلَّ بعضٍ منها في بابٍ يَخصُّه، ليَستدلُّوا به على ذلك الباب، لاسِيما إذا كان المعنى المُستنبَط مِن تلك القطعة يَدِقُّ، والحديث طويل، فإنَّ إيرادَه والحالة هذه بتمامِه تقتضي مزيدَ تَعبٍ في استخلاصِه، بخلافِ الاقتصارِ على مَحلِّ الاستشهادِ، ففيه يُسر (٤).
ويدخل في هذا النَّوع ما كان يفعلُه البخاريُّ كثيرًا ومسلم أحيانًا مِن ذكر طَرَف الحديثِ دون باقيه لأغراضٍ مختلفة: كبيانِ المُتابعات، والتَّنبيه على العِلَل واختلاف الرُّواة، ونحو ذلك مِمَّا ليس هو على وجهِ الاستدلال. (٥)
стр. 458
فبانَ بهذا أنَّ المُرادَ مِمَّا قد يُذكر مِن كونِ التَّقطيع للمتونِ لا يخلو مِن كراهةٍ، ليس معناه الكراهةَ الاصطلاحيَّةَ، وإنمَّا المُراد أنَّ سَوْقَه تامًّا أحسنُ وأَوْلى (١)، يقول ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ): «والأولويَّةُ درجةٌ وراءَ الجواز، وما قَصَد مَن مَنَع الاستعمالَ إلَّا الأحوَطَ والأتقى، والتَّحَرُّزَ عن التَّسامحِ والتَّساهلِ في لفظِ الحديثِ» (٢).
الفرع الثَّالث: مَذهب البخاريِّ في اختصارِ المتون وروايتِها بالمعنى.
ما تَقدَّم تقريرُه مِن تجويز عامَّةِ المُحدِّثين لتقطيعِ الحديثِ واختصارِه بشروطِه، هو مَذهب البخاريِّ تَبَعًا؛ كما أنَّ عامَّةَ المتأخِّرين الَّذين اعتنوا بـ «الجامعِ الصَّحيحِ» للبخاريِّ مُتوافقون على أنَّ مذهب البخاريِّ تجويزِ اختصارِ المتون وإن لم يُصرِّح بذلك، نظرًا لصنيعِه في كتابِه ومُقارنةِ ما يرويه بغيره.
وقد شُهِرَ عنه تقطيعُ المتونِ وتَفريقُها في الأبواب، فيَروي -مثلًا- بإسنادِه تحتَ بعضِ التَّراجِم قطعةً مِن الحديث، ويذكر المتنَ في مَوضعٍ بتمامِه، ثمَّ يذكره باختصارٍ مُقتطَعًا منه في مَواضع أخرى بنفسِ الإسناد (٣).
وهو في هذا التَّقطيعِ أو الاختصارِ، مُلتزمٌ بالشُّروطِ الَّتي أشرنا إليها قريبًا، فليس يَعمَدُ إلَّا إلى ما لا تَعلُّق له بالمقتصَر عليه تَعلقًّا يُفضي إلى اختلالِ المعنى كُليًّا أو جُزئيًّا (٤).
يشرح ابن حجرٍ (ت ٨٥٢ هـ) السَّببَ في ذلك فيقول: «إنَّ البخاريَّ استنبَطَ فِقهَ كتابِه مِن أحاديثه، فاحتاجَ أن يُقطِّع المتنَ الواحدَ إذا اشتملَ على عِدَّة
стр. 459
أحكامٍ، ليُورد كلَّ قطعةٍ منه في البابِ الَّذي يَستدلُّ به على ذلك الحكمِ الَّذي استنبَط منه، لأنَّه لو ساقَه في المَواضِع كلِّها برُمَّته، لطالَ الكتاب» (١).
والبخاريُّ قد يكتفي بإخراجِ قطعةٍ مِن الحديث دون أن يَسوقها تامَّةً في أيِّ مَوضعٍ آخر، وروايتُه بهذه الصُّورةِ قد نَبَّه مِن أهلِ الحديثِ إلى وقوعها في «صَحيحِه»، بحيث يكون المَحذوف مَوقوفًا على الصَّحابي، وفيه شيء قد يُحكَم برفعِه، فيقتصِرُ البخاريُّ على الجملةِ الَّتي يُحكَم لها بالرَّفع على الغالب، ويحذف الباقي، لأنَّه لا تَعلُّق له بأصلِ موضوعِ كتابِه؛ أو يفعلُ ذلك قليلًا لكونِ الحديثِ مَشهورًا بتمامِه، أو لكونِه لم يُرِد إلَّا الاستشهادَ بتلك اللَّفظة، فيقتصر عليها اختصارًا، وهذا قليل جدًّا (٢).
هذا بعد التَّنزُّل بأنَّ التقطيع للحديث واختصاره حاصلٌ من البخاريِّ نفسِه! وإلَّا فمِن الباحثين المعاصرين مَن يرى خلاف ذلك، ودَلَّل على أنَّ البخاريَّ إنَّما يورد الأحاديث المُسندة كما سمعها من شيوخِه من وجوهٍ عن الواحد منهم، وأنَّ التَّصرُّف في الرِّواية إنَّما هو ممَّن فوقه لا من البخاريِّ، وإنَّما يضع هو كلَّ روايةٍ بصورتها التي تلقَّاها فيما يراه مناسبًا من الأبواب (٣).
الفرع الرَّابع: قِلَّة ما رواه البخاريُّ بالمعنى في «صحيحِه».
مع ما سَبق تقريره من كون الرِّواية بالمعنى لا حَرَج فيها للمتأهِّل عند الحاجة، فإنَّ البخاريِّ أهلٌ لتوفيَةِ شروط ذلك بحقَّها؛ فإنَّه إمام في الحديث، بارعٌ في اللُّغة، فقيهُ النَّفس، شَهِد له بذا أشياخُه والأمَّةُ مِن بعده، لا يَزالون ينهلون مِن كنوزِ دقائقِ المعاني الَّتي أودَعها تراجمَ كتابِه.
стр. 460
ومع ذلك فإنَّ ما يرويه البخاريُّ في «صحيحِه» بالمعنى قليلٌ جدًّا! خِلافًا لِما يُهوِّلُ به النَّاقِمون مِن كثرةِ ذلك.
فهذه طُرق الأحاديث الَّتي أخرَجَ البخاريُّ في «صحيحِه» مُتكاثرة خارجَه، فعلى مَن يدَّعي كثرة روايته المتون بالمعنى، أن يُرجِع البَصَر في طُرقِ الحديثِ الواحدِ منها كلِّها، ولينظُر: هل تمايَزَ البخاريُّ بلفظٍ مُغايرٍ لِما عند باقي المُصنِّفين؟ ثمَّ إن رَأَى اختلافًا منه عن سائرِهم، فليُرجِع البَصَرَ كرَّتين بعد ذلك: هل هذا اللَّفظُ المُختلِف مِن تصَرُّف البخاريِّ نفسِه، أو هو مِمَّن فوقَه؟ أو مِمَّن تحتَه مِن النُّساخِ والرُّواةِ عنه؟!
فمَن جدَّ لفِعْلِ ذلك وَجَدَ الفروقَ قليلةً جدًّا، خصوصًا في الأحاديث القصيرة، وهذا شيءٌ نقولُه عن دراسةٍ واستقراءٍ، لا أدَلَّ على ذلك: أنَّا لو جَعلنا المُقارَن برواياتِ البخاريِّ هي روايات «صحيح مسلم»، باعتبارِ ما قرَّرناه سابقًا من كون مُصنِّفِه مُحافِظًا على ألفاظِ الحديثِ، مُتحرِّزًا فيها -بإقرارِ المُعترِضين على البخاريِّ-.
فلو قارَنَّا بين روايةِ البخاريِّ ورواية مسلمٍ للحديث الواحدِ عن الشَّيخِ واحدٍ (١)، سنجد أنَّ المُتَّفقَ عليه بينهما على هذه الصِّفة: واحدٌ وثلاثمائةِ (٣٠١) حديثٍ؛ ما لم يَتطابَق فيه لفظُ المتنِ في هذا العددِ، قد جاء على صُوَرٍ مختلفة زيادةً ونقصًا، تقديمًا وتأخيرًا، وإبدالَ كلمةٍ بكلمةٍ، وضبطَها، ونحو ذلك.
فكان مجموعُ هذا مِمَّا ترجِعُ الفروق بينهما فيه إلى الرِّوايةِ بالمعنى يبلغ ثلاثةً وعشرين (٢٣) حديثًا فقط، وهي نسبة ضئيلةٍ إلى مجموع (٣٠١) حديثًا، أي قُرابة (٧%) فقط (٢).