← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 224

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

مُتعلِّقًا باللَّفظِ المقتصَر عليه، لأنَّ اختصارَ ما كان هذا حالُه يؤدِّي إلى فَكِّ التَّعلُّق المُفضي إلى الإخلال بالمعنى. وهذا التَّعلُّق بين اللَّفظِ المتروكِ واللَّفظِ المُثبت في الاختصارِ على ضربين: إمَّا أن يكون تَّعلُّقًا لفظيًّا: كتَعلُّقِ المُستثنى بالمُستثنَى منه، والشَّرط بمَشروطه، كما قال ابن الحاجب (ت ٦٤٦ هـ): «حذفُ بعض الخَبِر جائزٌ عند الأكثر، إلَّا في الغايةِ والاستثناءِ ونحوِه» (١). أو يكون التَّعلُّق مَعنويًّا: كأن تكون إحدى الجُملتين مِن الحديث مُخصِّصةً لعمومِ الأخرى، أو تكون مبيِّنةً لمُقتضى الحالِ الَّذي لأجلِه وَرَد الحكم في الجملةِ الأخرى (٢). وفي تقرير هذا النَّوع من التَّعلق وحكمه، يقول ابن حبَّان البستيُّ: «كلُّ خطابٍ كان من النَّبي ﷺ على حسب الحالِ فهو على ضربين: أحدهما: وجودُ حالةٍ مِن أجلها ذُكر ما ذُكر، لم تُذكر تلك الحالة مع ذلك الخبر. والثَّاني: أسئلةٌ سُئِل عنها النَّبي ﷺ ، فأجاب عنها بأجوبةٍ، فرُويَت عنه تلك الأجوبة مِن غير تلك الأسئلة، فلا يجوز أن يُحكَم بالخبرِ إذا كان هذا نعتُه في كلِّ الأحوال، دون أن يُضَمَّ مُجمَله إلى مُفسرِّه، ومُختصَره إلى مُتَقصَّاه» (٣). ويدخُل في هذا الضَّربِ مِن التَّعلُّق المَعنويِّ: أن يكون المتنُ مُتعَبَّدًا بلفظِه؛ كأن يكون مِن ألفاظِ الدُّعاءِ المُقيَّدة ببعضِ الأحوال: كالتَّشهد، والأذكار، ونحو ذلك ممَّا هو تَوقِيفِيُّ اللَّفظ، وهذا ما دعا البخاريَّ لأن يُبقِيَ -مثلًا- على متنِ

стр. 457

دعاء النَّوم: «اللَّهم أسلَمْتُ نفسي إليك .. » في عِدَّة مَواضع مِن «صحيحِه» كما هو، دون أن يَتصرَّف فيه بالاختصارِ في مَوضعٍ منها. (١) فأمَّا أن يكون المتنُ مُتضَمِّنًا لما يُمكن أن يَستقِلَّ عن باقيه: فلا حَرَج عند المُحدِّثين في فصلِ الجزءِ المُستقلِّ منه بغرضِ مُناسبةِ الأبواب -مثلًا-، قِياسًا منهم على «السُّورةِ مِن القرآن، تُستَلُّ الآية منها للاستدلال بها في البابِ مِن الأبواب، وكذلك ينبغي أن يكون الحديث، إذا صَحَّ وجودُ معنى الاستقلالِ للجزءِ المَقطوعِ منه» (٢)؛ وعلَّة ذلك: أنَّ المعنى المُحتاج إليه مِن المتنِ إذا أمكنَ تفصيلُه مِن جملةِ الحديثِ دون تَعلُّقٍ بالمحذوف ولا إحالةٍ للمعنى، فإنَّه يقوم بذلك مَقام خَبَرَيْن مُنفصلين (٣). على هذا جَرى عَملُ كثيرٍ مِن الصَّحابة والتَّابعين في استشهادِهم ببعضِ الحديث دون بعضٍ، وهم لا شكَّ قدوةٌ لنا في ذلك، ونحن نرى كُتبَ الأئمَّةِ ومُصَنَّفاتهم مَشحونةً بأبعاضِ الأحاديثِ، يَذكرون كلَّ بعضٍ منها في بابٍ يَخصُّه، ليَستدلُّوا به على ذلك الباب، لاسِيما إذا كان المعنى المُستنبَط مِن تلك القطعة يَدِقُّ، والحديث طويل، فإنَّ إيرادَه والحالة هذه بتمامِه تقتضي مزيدَ تَعبٍ في استخلاصِه، بخلافِ الاقتصارِ على مَحلِّ الاستشهادِ، ففيه يُسر (٤). ويدخل في هذا النَّوع ما كان يفعلُه البخاريُّ كثيرًا ومسلم أحيانًا مِن ذكر طَرَف الحديثِ دون باقيه لأغراضٍ مختلفة: كبيانِ المُتابعات، والتَّنبيه على العِلَل واختلاف الرُّواة، ونحو ذلك مِمَّا ليس هو على وجهِ الاستدلال. (٥)

стр. 458

فبانَ بهذا أنَّ المُرادَ مِمَّا قد يُذكر مِن كونِ التَّقطيع للمتونِ لا يخلو مِن كراهةٍ، ليس معناه الكراهةَ الاصطلاحيَّةَ، وإنمَّا المُراد أنَّ سَوْقَه تامًّا أحسنُ وأَوْلى (١)، يقول ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ): «والأولويَّةُ درجةٌ وراءَ الجواز، وما قَصَد مَن مَنَع الاستعمالَ إلَّا الأحوَطَ والأتقى، والتَّحَرُّزَ عن التَّسامحِ والتَّساهلِ في لفظِ الحديثِ» (٢). الفرع الثَّالث: مَذهب البخاريِّ في اختصارِ المتون وروايتِها بالمعنى. ما تَقدَّم تقريرُه مِن تجويز عامَّةِ المُحدِّثين لتقطيعِ الحديثِ واختصارِه بشروطِه، هو مَذهب البخاريِّ تَبَعًا؛ كما أنَّ عامَّةَ المتأخِّرين الَّذين اعتنوا بـ «الجامعِ الصَّحيحِ» للبخاريِّ مُتوافقون على أنَّ مذهب البخاريِّ تجويزِ اختصارِ المتون وإن لم يُصرِّح بذلك، نظرًا لصنيعِه في كتابِه ومُقارنةِ ما يرويه بغيره. وقد شُهِرَ عنه تقطيعُ المتونِ وتَفريقُها في الأبواب، فيَروي -مثلًا- بإسنادِه تحتَ بعضِ التَّراجِم قطعةً مِن الحديث، ويذكر المتنَ في مَوضعٍ بتمامِه، ثمَّ يذكره باختصارٍ مُقتطَعًا منه في مَواضع أخرى بنفسِ الإسناد (٣). وهو في هذا التَّقطيعِ أو الاختصارِ، مُلتزمٌ بالشُّروطِ الَّتي أشرنا إليها قريبًا، فليس يَعمَدُ إلَّا إلى ما لا تَعلُّق له بالمقتصَر عليه تَعلقًّا يُفضي إلى اختلالِ المعنى كُليًّا أو جُزئيًّا (٤). يشرح ابن حجرٍ (ت ٨٥٢ هـ) السَّببَ في ذلك فيقول: «إنَّ البخاريَّ استنبَطَ فِقهَ كتابِه مِن أحاديثه، فاحتاجَ أن يُقطِّع المتنَ الواحدَ إذا اشتملَ على عِدَّة

стр. 459

أحكامٍ، ليُورد كلَّ قطعةٍ منه في البابِ الَّذي يَستدلُّ به على ذلك الحكمِ الَّذي استنبَط منه، لأنَّه لو ساقَه في المَواضِع كلِّها برُمَّته، لطالَ الكتاب» (١). والبخاريُّ قد يكتفي بإخراجِ قطعةٍ مِن الحديث دون أن يَسوقها تامَّةً في أيِّ مَوضعٍ آخر، وروايتُه بهذه الصُّورةِ قد نَبَّه مِن أهلِ الحديثِ إلى وقوعها في «صَحيحِه»، بحيث يكون المَحذوف مَوقوفًا على الصَّحابي، وفيه شيء قد يُحكَم برفعِه، فيقتصِرُ البخاريُّ على الجملةِ الَّتي يُحكَم لها بالرَّفع على الغالب، ويحذف الباقي، لأنَّه لا تَعلُّق له بأصلِ موضوعِ كتابِه؛ أو يفعلُ ذلك قليلًا لكونِ الحديثِ مَشهورًا بتمامِه، أو لكونِه لم يُرِد إلَّا الاستشهادَ بتلك اللَّفظة، فيقتصر عليها اختصارًا، وهذا قليل جدًّا (٢). هذا بعد التَّنزُّل بأنَّ التقطيع للحديث واختصاره حاصلٌ من البخاريِّ نفسِه! وإلَّا فمِن الباحثين المعاصرين مَن يرى خلاف ذلك، ودَلَّل على أنَّ البخاريَّ إنَّما يورد الأحاديث المُسندة كما سمعها من شيوخِه من وجوهٍ عن الواحد منهم، وأنَّ التَّصرُّف في الرِّواية إنَّما هو ممَّن فوقه لا من البخاريِّ، وإنَّما يضع هو كلَّ روايةٍ بصورتها التي تلقَّاها فيما يراه مناسبًا من الأبواب (٣). الفرع الرَّابع: قِلَّة ما رواه البخاريُّ بالمعنى في «صحيحِه». مع ما سَبق تقريره من كون الرِّواية بالمعنى لا حَرَج فيها للمتأهِّل عند الحاجة، فإنَّ البخاريِّ أهلٌ لتوفيَةِ شروط ذلك بحقَّها؛ فإنَّه إمام في الحديث، بارعٌ في اللُّغة، فقيهُ النَّفس، شَهِد له بذا أشياخُه والأمَّةُ مِن بعده، لا يَزالون ينهلون مِن كنوزِ دقائقِ المعاني الَّتي أودَعها تراجمَ كتابِه.

стр. 460

ومع ذلك فإنَّ ما يرويه البخاريُّ في «صحيحِه» بالمعنى قليلٌ جدًّا! خِلافًا لِما يُهوِّلُ به النَّاقِمون مِن كثرةِ ذلك. فهذه طُرق الأحاديث الَّتي أخرَجَ البخاريُّ في «صحيحِه» مُتكاثرة خارجَه، فعلى مَن يدَّعي كثرة روايته المتون بالمعنى، أن يُرجِع البَصَر في طُرقِ الحديثِ الواحدِ منها كلِّها، ولينظُر: هل تمايَزَ البخاريُّ بلفظٍ مُغايرٍ لِما عند باقي المُصنِّفين؟ ثمَّ إن رَأَى اختلافًا منه عن سائرِهم، فليُرجِع البَصَرَ كرَّتين بعد ذلك: هل هذا اللَّفظُ المُختلِف مِن تصَرُّف البخاريِّ نفسِه، أو هو مِمَّن فوقَه؟ أو مِمَّن تحتَه مِن النُّساخِ والرُّواةِ عنه؟! فمَن جدَّ لفِعْلِ ذلك وَجَدَ الفروقَ قليلةً جدًّا، خصوصًا في الأحاديث القصيرة، وهذا شيءٌ نقولُه عن دراسةٍ واستقراءٍ، لا أدَلَّ على ذلك: أنَّا لو جَعلنا المُقارَن برواياتِ البخاريِّ هي روايات «صحيح مسلم»، باعتبارِ ما قرَّرناه سابقًا من كون مُصنِّفِه مُحافِظًا على ألفاظِ الحديثِ، مُتحرِّزًا فيها -بإقرارِ المُعترِضين على البخاريِّ-. فلو قارَنَّا بين روايةِ البخاريِّ ورواية مسلمٍ للحديث الواحدِ عن الشَّيخِ واحدٍ (١)، سنجد أنَّ المُتَّفقَ عليه بينهما على هذه الصِّفة: واحدٌ وثلاثمائةِ (٣٠١) حديثٍ؛ ما لم يَتطابَق فيه لفظُ المتنِ في هذا العددِ، قد جاء على صُوَرٍ مختلفة زيادةً ونقصًا، تقديمًا وتأخيرًا، وإبدالَ كلمةٍ بكلمةٍ، وضبطَها، ونحو ذلك. فكان مجموعُ هذا مِمَّا ترجِعُ الفروق بينهما فيه إلى الرِّوايةِ بالمعنى يبلغ ثلاثةً وعشرين (٢٣) حديثًا فقط، وهي نسبة ضئيلةٍ إلى مجموع (٣٠١) حديثًا، أي قُرابة (٧%) فقط (٢).

стр. 461

ومع هذا، فإنَّه لا يُستَطاع الجزمُ بأنَّ التَّصرُّفَ في المتنِ في هذه النِّسبةِ الضَّئيلة، هو مِن قِبَلِ البخاريِّ نفسِه، اللَّهم إلَّا في حديثٍ واحدٍ فقط! يغلب على الظَّنِّ أنَّ البخاريَّ تَصرَّف في متنه وهو: ما أخرجه البخاريُّ مِن حديثِ أبي موسى، أنَّ النَّبي ﷺ قال: «مَثل الَّذي يَذكر ربَّه، والَّذي لا يَذكر ربَّه، كمَثل الحيِّ والميِّت» (١). فقد رواه مسلم مِن الطَّريق نفسِه بلفظِ: «مَثل البَيتِ الَّذي يُذكَر الله فيه، والبيتُ الَّذي لا يُذكَر الله فيه، مَثل الحيِّ والميِّت» (٢). يقول ابن حجر: «انفرادُ البخاريِّ باللَّفظِ المَذكور، دون بقيَّة أصحابِ أبي كريب وأصحابِ أبي أسامة، يُشعِر بأنَّه رواه مِن حفظِه، أو تَجوَّز في روايتِه بالمعنى الَّذي وَقع له، وهو أنَّ الَّذي يُوصف بالحياةِ والموتِ حقيقةً هو السَّاكن لا السَّكَن» (٣). وعامَّةُ ما أشارَ إليه ابن حجرٍ مِن ذلك هو مِمَّا رواه البخاريُّ مُعَلَّقًا في «صحيحِه». وأمَّا عمَّا استَدلَّ به (النَّجميُّ) مِن قولِ البخاريِّ: «رُبَّ حديثٍ سمِعتُه بالبَصرة، كتبتُه بالشَّام .. » على أنَّ أحاديث كتابِه مُتصرَّف في لفظِها بالمعنى: فقد قدَّمنا بأنَّ البُخاريَّ مِمَّن يَرى جوازَ الرِّواية بالمَعنى، ولا حَرجَ عليه في ذلك، مادام هو أهلًا لتحقيقِ شروطِ ذلك؛ لكن ليسَ في مَقولِه ذاك دلالةٌ قَطُّ على أنَّ عامَّة ما رواه كان بالمَعنى! ولا أنَّ ما أودَعه «صحيحَه» هو كذلك؛ كلُّ ما في هذه العبارة، أنَّه كان يَسمعُ الشَّيءَ، ولا يكتبُه حينَها، بحكمِ ظروفِ السَّفَرِ وضيقِ الوقتِ، حتَّى إذا مَرَّ وقتٌ على سَفرِه، ووَجَد مناسبةً له كتَبَه، أو ترجمةً لائقةً وَضَعه فيها.

стр. 462

وليست بِضعةُ أيَّامٍ ولا حتَّى بضعُ أسابع، بالظَّرفِ الَّذي يُنسِيه ما سَمِعه البخاريُّ، وهو إمامُ زمانِه في الحفظِ؛ مع ما كان عليه مِن عادةٍ أنَّه لا يَكتُب الشَّيء حتَّى يكونَ انتهَى مِن تَحَفُّظِه! فقد قال: «ما كَتَبتُ حكايةً قطُّ كنتُ أتحفَّظُها» (١)؛ فالحديثُ الَّذي سَمِعَه في البَصرة، لم يَكتُبه في الشَّام حتَّى يكون قد انتهى مِن تَحفُّظه فيما بينهما. وأمَّا سكوتُه عن جوابِ مَن سَأله عن كتابةِ ذلك بكَمالِه: فهو منه نوعُ تورُّعٍ عن الجزمِ، لتَطرُّقِ الاحتمالِ إلى ما سَمِعه أن يكون تصَرَّفَ في لفظِ بعضِه بما يُوافِق المعنى الَّذي سَمِعه. فلو أجابَ السَّائلَ بـ (نعم)، لم يَكُن بذلك مُوافقًا لِما في نفسِه مِن احتمالِ ضِدِّه! ولو أجاب بـ (لا)، فلَعلَّ قَلِيلي الفَهمِ -كبعضِ أهلِ زمانِنا- أن يُزْروا عليه ذلك، ويَنتَقِصوا مِن ضَبطِه للمتونِ! فاستحبَّ السُّكوت. وأمَّا ما نَقَله المُعترِض مِن قولِ ابن حَجَرٍ في حديثٍ أخرجَه البخاريُّ: «هذا مِن نوادر ما وَقع في البخاريِّ، أنْ يُخرِج الحديثَ تامَّا بإسنادٍ واحدٍ بلفظين»: فقد أجابَ محمَّد أبو شَهبة (ت ١٤٠٣ هـ) عن هذا بقولِه: «هو أبعدُ ما يكون عن الرِّوايةِ بالمعنى، ولم يَسُقه الحافظُ لهذا، وإنَّما ساقَه في مَعرضِ الكلامِ عن حديثِ سحرِ النَّبي ﷺ ، وأنَّ البخاريَّ رواه مرَّةً عن شيخِه إبراهيم بن موسى بلفظ: «حتَّى إذا كان ذاتَ يومٍ أو ذاتَ ليلةٍ» بالشَّك، وفي موضعٍ آخرَ عن هذا الشَّيخ نفسِه بلفظ: «حتَّى إذا كان ذات يوم» مِن غير شكٍّ، وقد ظنَّ الحافظ أوَّلًا أنَّ الشَّك مِن البخاريِّ، ثمَّ ظَهَر له أنَّ الشَّك مِن شيخِ شيخِه عيسى بن يونس .. » (٢)، وراح أبو شهبة يُدلِّل على ذلك. وحاصل القول في هذا الباب: أنَّ هذه التَّصرُّفات مِن البخاريِّ في الاختصارِ والتَّقطيعِ والرِّواية بالمعنى لم يُخالف فيها مذهبَ جماهير المُحدِّثين، وقد تحرَّى الإتقانِ فيما يُبتُّه من متونٍ في

стр. 463

«صحيحِه»، وبمُقابلَتها بغيرها من المتون المَرويَّة في باقي مُصنَّفات الحديث يظهر مصداق ذلك. ومَرَدُّ هذا الصَّنيع من البخاريِّ إلى أنَّ مَقصِدَه الأعظم في الجملةِ هو الاستدلالُ بالحديثِ على الأحكام، فإذا ذَكر مِن الحديثِ ما هو دليلٌ على الحكمِ المُرادِ تحقيقُه، فقد حَصَّل الغرضَ الخادِمَ لموضوعِ كتابِه (١)، وإن كان لا يلزم أن يحذف ما زاد على موطن الشَّاهد عنده كلَّ مرة. الفرع الخامس: موافقة مسلم للبخاريِّ في منهج تقطيع الأحاديث واختصارها. أمَّا تلميذه مسلم؛ وإن كان مشهورًا عنه التَّباعد عن أسلوبِ التَّقطيعِ للمتونِ في «صَحيحِه»، إذْ يُفضِّلُ سردَ الحديثِ بتمامِه وطُرقِه في مكانٍ واحدٍ، وقد عُدَّ صنيعُه هذا مِن أبرزِ الصِّفاتِ المنهجيَّة الَّتي ميَّزته عن شيخه في التَّأليف، «بحيث إنَّ بعضَ النَّاسِ كان يُفضِّله على صحيحِ محمَّد بن إسماعيل، وذلك لما اختَصَّ به مِن جَمعِ الطُّرُقِ، وجودةِ السِّياقِ، والمحافظةِ على أداءِ الألفاظِ كما هي، مِن غير تقطيعٍ ولا روايةٍ بمَعنى» (٢). فإنَّ صنيعَ مسلمٍ هذا هو في الغالبِ الأعمِّ مِن كتابِه، وليس مُطلقًا؛ وهو مِن جِهةِ التَّنظير موافقٌ لشيخِه في جوازِ ذلك، بشروطِه المُعتبرة عند المُحدِّثين (٣)؛ فإنَّه صَرَّح في مُقدِّمة «صَحيحِه» أنَّه ربَّما اختَصَر الحديثَ الَّذي يَشتَمِلُ على عِدَّةِ أحكامٍ إنْ أمْكَنه اختصارُ المتنِ، وفَصلُ ذلك المعنى الزَّائد مِن جملةِ الحديث، إذا لم يُخِلَّ ذلك بالمعنى، وأنَّ تفصيلَ ذلك رُبَّما عَسُر عليه مِن جُملَتِه، فإعادة الحديثِ بهيئتِه إذا ضَاقَ ذلك أسلَمُ لديه (٤).

стр. 464

فلأجل هذا نرى مسلمًا قليلَ الاختصارِ للمتون، وما اختصَره إمَّا أن يذكُرَه بتمامِه في مَوضعٍ آخر (١)، أو لا يذكُره تامًّا أبدًا (٢)، وهو يُنبِّه على ذلك في الأغلبِ بقوله: «ذَكَر الحديث .. »، أو «مثل حديثِ فلانٍ» ونحوها مِن العباراتِ، وقد لا يَنُصَّ صراحةً على الاختصار (٣). وفي ختام هذا المبحث: أستطيع أن أُسجِّل هنا بلا ارتيابٍ قناعتي بأنَّ انعدامَ الخِبرة عند هؤلاء المُعترضين المُعاصرين في التَّعاملِ مع التُّراثِ الشَّرعيِّ على وجهِ العموم، وضحالةَ المعرفةِ بطبيعةِ علوم التَّوثيق القديمة، والغفلة عن مناهج المُتقدِّمين في عرضِ المادَّة العلميَّة في مُصنَّفاتهم على وجه الخصوص: هو السَّببُ الرَّئيسُ في مثلِ تلك الإِيراداتِ المتهوِّرة على تصنيفاتِ المُتقدِّمين؛ ناهيكَ إن كان صاحبُ هذا الإيرادِ مِمَّن أُشرب قلبُه حقدًا على السُّنة. ونحن إذْ نقول هذا، نُدرِك يقينًا أنَّ بعضَ المُتفرِّغين لطرحِ شُبهاتِهم على مَصادرِ أهل الحديثِ لَيَعلمون مِقدارَ السُّخفِ في كثيرٍ ممَّا يَطرحونه، لكنَّهم مُسترسِلون في هذا الطَّرحِ، فإنَّه في ظنِّهم لا بدَّ أن تجِدَ مَحلًّا عند ضِعافِ العقولِ وضِعاف الهُويَّة! والغايةُ تهشيمُ قضايا التَّسليمِ لأصولِ الشَّريعة، والتَّشكيكُ في مَصادر تلقِّيها، لِعلمِهم بأنَّ لكلِّ ساقطةٍ لاقط، والله مِن رواءهم محيط.

стр. 465

الفصل الثَّاني دعوى ظنيَّة آحاد «الصَّحيحين» مطلقًا يحتجُّ أغلبُ مَن يَردُّ أحاديث «الصَّحيحين» على سَواغ ذلك بأنَّ آحادها لا تعدو نِطاقَ الظَّنيَّة بحال، فهي على ذلك مُحتملةٌ للكذبِ والخطأ، على تفاوتٍ بينها في درجات هذا الاحتمال؛ فهي لأجلِ وصفِها الظنِّي هذا لا تقوى على الصُّمودِ أمامَ ما يرَونَه قطعيًّا من المعقولِ أو المحسوسِ، فلا حرجَ حينئذٍ من تعليل هذا الظَّنيِّ بل تكذيبِه! حتَّى وإن جرى عمل المتقدِّمين على تصحيحِه والعمل به. وفي تقرير هذا المبدأ يقول (محمَّد رشيد رضا): «رواياتُ الآحادِ العدولِ الثِّقات -كالصَّحابة وأئمَّة التَّابعين المعروفين، ومَن عُرف بالصِّدق وحسن السِّيرة مثلهم- لا يفيد أكثر من الظَّن، وأجمعوا على أنَّه إذا رُوي عنهم ما يخالف المعقول القطعيَّ والمنقول القطعيَّ كنصِّ القرآن: فإنَّه لا يُعتدُّ بالرِّواية ولا يُعوَّل عليها، إلَّا أن يُوفَّق بينها وبين القطعيِّ منقولًا كان أو معقولًا فقط» (١). وهؤلاء في مثل حكمهم هذا لا يفرِّقون بين ما أخرجه الشَّيخان، وبين ما في سائر كُتب الحديث -إلَّا المتواتر- فالكلُّ عندهم منضوٍ تحت ذاك الأصل العامِّ من الظَّنيَّة.

стр. 466

وقد كان من الطَّبيعي أن يَنحاز دُعاة تنقيةِ «الصَّحيحين» -بمَا يزعمونه فيهما مِن أباطيل- إلى رأي النَّووي الَّذي ارتأى حصر أحاديث الكتابين في نطاقِ الظَّن كباقي الآحاد، مستبعدًا القول بقطعيَّتها، فلذلك لا تجد أحدًا من هؤلاء المعاصرين تخلو نقداته للكتابين من التَّمهيد بتقرير هذا الرَّأي من النَّووي، لمِا لكلام هذا الجِهبذ من هيبة علميَّة كبيرة في نفوس المسلمين. يقول (جولدزيهر) عن جامع البخاريِّ: «كان الاحترام للكتاب في مجموعه، ولكن ليس لسطوره المنفردة وفقراته، ولهذا الاحترام جذور في إجماع الأمَّة، يقول الشَّيخ ابن الَّصلاح: بأنَّ ما رواه الشَّيخان أو أحدهما هو صحيح مقطوع بصحَّته، وأنَّ العلم القاطع يتبع منه، ولكنَّ باحثين عن الحقيقة ومعظم الدَّارسين يناقضون الشَّيخ في الأمر، ويقولون: إنَّ الظَّن هو الأصل، طالما أنَّ التواتر لم يتأكَّد، هذه الكلمات للنَّووي» (١). وكان هذا المُسوِّغُ ملجأً لبعضِ أقطابِ الدَّعوةِ الإسلاميَّة المعاصرة في سعيِهم إلى تجديدِ الدِّين، وتنحيةِ مَا يرونَه دخيلًا يُودي بصورةِ الإسلامِ شوهاءَ في نظرِ الغربِ؛ أظهر من تلمحُ منه هذا (محمَّد الغزاليُّ) في ما سطَّره ردًّا على من عابَ عليه طعنَه في بعضِ أحاديث «الصَّحيحين»، حيث أعتذر عمَّا بَدَر منه في حقِّها بكونِ «الحديث الصَّحيح الآحاديِّ ليس مَقطوعًا بصحَّته، سواءً كان في الصَّحيحين أو غيرهما، وصحَّته ثابتة بطريق غلبة الظَّن ما دام غير مُتواتر، ولا مُدعَّما بالقرائن المؤيِّدة» (٢). وبهذه الاعتذار نفسه اعتَّل مَن اقتفى خطوَه في الطَّعنِ بما صَحَّحه الشَّيخانِ، بل جاوزه في هذا الخَطو كثيرون! منهم (محمد بن سعيد حوَّا) الَّذي أعلن صراحًا بأنَّ الحديث ما دام ظنِّيًا، فلا مانع مِن احتمالِ رَدِّه ولو كان في أحدِ «الصَّحيحين»، أو مُتَّفقًا عليه مِن الشَّيخين (٣).

стр. 467

وصاحبه (إسماعيل الكرديُّ) يعتبر أحاديثَ الآحاد ظنِّية الصُّدورِ مُطلقًا، لا يُحتجُّ بمثلها في عقيدةٍ ولا أصلٍ من أصولِ العبادات (١)، وهذا يسحبه على آحاد «الصَّحيحين»، فلا حرجَ على من ردَّها لخللٍ يراه في متونها (٢). فلقد تحذلقَ بهذه الدَّعاوي مَن لم يشُمَّ رائحة الحديث ولم يدرِ ما حقيقته، يتوكَّؤ على أخطاءِ وقع فيها بعض أربابِ الكلامِ، فيُبعثرَها في أوراق تُزري بالحديثِ وحَملتِه، إراحةً منه لضميرِه مِن لومِ اللَّائمين على غمزِه صحاحَ السُّنَّن، ولسانُ حالِه يقول: قد سُبقت في هذا مِن رجالات الحديث أنفسهم! ترى هذا الانتكاس المنهجيِّ ماثلًا في دعوى العلمانيِّين أيضًا، كحالِ (عبد المجيد الشَّرفي) حين سَوَّغَ رفضَه لكثيرٍ من الصِّحاحِ في جملةٍ واحدةِ: «إنَّها باعترافِ كلِّ القدماءِ -باستثناءِ الظَّاهريَّة- تفيد الظَّن ولا تفيد اليَقين»! (٣) ولعلَّك بعد أن عايَنت تلك الجرأةِ على النُّصوص النَّبويَّة بالإبطال بدعوى احتمالها للكذب، علمتَ حكمة الشَّافعيِّ في التَّمهيدِ لكتابه «اختلاف الحديث» بالكلامِ عن حُجيَّة الآحاد وإفادتها للعلم بشرطِه! وبهذا تظهر أهميَّة تحقيق القول في هذه المسألة الأصوليَّة، وتقرير مَفاد هذه الآحاد الصَّحيحة قبل الشُّروع في الذَّب عن أفرادها، إذْ أنَّ إبطال هذا الأصل الَّذي يعتمده المعاصرون في ردِّ صِحاح الأخبار كفيلٌ بتضييق مسالك الاعتداء على الجزئيَّات الَّتي تندرج تحته، وإمساك حُجَزهم عن اقتحامِ الحِمى النَّبوي الشَّريف. فنقول مستعينين بتوفيق الله وتسديده:

стр. 468

المَبحث الأوَّل مأزِق بعض المُتكلِّمين في تصنيف الآحاد من حيث مرتبةُ التَّصديق ما مرَّ عليك آنفًا من دعاوى حكميَّة على أحاديث «الصَّحيحين»، ليست في حقيقتها إلَّا نتاج سوءِ استعمال لتأصيلاتِ المتكلِّمين في باب الأخبارِ الشَّرعيَّة وحُجَّيتها، وإقحامُ مثل مصطلح «الظنِّ» ومَراتبه في علمِ الحديثِ أو الأصولِ، والحكمُ به على أحاديث الآحادِ، كثُر استعماله عند المُتكلِّمين، ثمَّ شاعَ بين أهل الفقهِ والأصول. وقد تمكَّن مَن استهوته نَزغات التَّمعقُلِ من بعض دُعاة تجديدِ التُّراثِ، أن يوجِدَ مداخِل بتقريرات المتكلِّمين في هذا الباب من ترتيب الآحاد من حيث التَّصديق، فتسلَّلوا من خِلالِ ثغراتها لِواذًا، ليقتلعوا ما استطاعوا مِن غِراسِ السُّنة؛ حتَّى بلغتِ القِحة ببعضِهم أن يُعلنَ إنكارَ الآحادِ جملةً، مُعتَلًّا بنفسِ ما أصَلَّه هؤلاء المتكلِّمين من ظنِّيتِها، ما دُمنا قد أُمرنا في القرآن بالعلمِ والعمل به، لا بالظَّن والعملِ بما احتملَ الكذب في نفسِه، فيشملُ الفروع أيضًا (١).

стр. 469

لقد استشعرَ المُتكلِّمة حجمَ المأزقِ الَّذي حوصروا فيه في هذا الباب مِن مَراتب الأدلَّة، فانبعثَ أفذاذُ أصوليِّيهم إلى مُحاولةِ سَدِّ هذه الثُّغور، فلم يجدوا أمتنَ مِن استعمالِ دليل «قطعيَّة العَمل» للردِّ على مُنكري حجيَّة الآحاد بإطلاق، بالتَّسليم بأنَّها ظنيَّة المَفادِ، لكنْ مع القولِ بقطعيَّةِ وجوبِ الأخذِ بها، استنادًا إلى دليلين اثنين، يفصِّل فيهما الجُويني القول فيقول: «أحدهما: يستند إلى أمرٍ مُتواترٍ لا يَتمارى فيه إلَّا جاحدٌ، ولا يَدرؤه إلَّا معاند، وذلك أنَّا نعلم باضطرارٍ مِن عقولنا أنَّ الرَّسول ﷺ كان يُرسل الرُّسل، ويُحمِّلهم تبليغ الأحكام، وتفاصيل الحلالِ والحرامِ، وربَّما كان يُصحبهم الكُتُب. وكان نقلُهم أوامرَ رسول الله ﷺ على سبيل الآحاد، ولم تكُن العصمة لازمةً لهم، فكان خبرُهم في مَظِنَّة الظُّنون، وجرى هذا مَقطوعًا به مُتواترًا لا اندفاع له، إلَّا بدفع التَّواتر، ولا يدفع المُتواتر إلَّا مباهتٌ، فهذا أحدُ المَسْلَكين. والمسلك الثَّاني: مُستَنِدٌ إلى إجماع الصَّحابة ﵃، وإجماعهم على العمل بأخبار الآحاد منقول مُتواترًا .. فهذا هو المُعتمد في إثبات العلم بخبر الواحد» (١). بهذا تمكَّن جمهور المتكلِّمينَ مِن الانفصالِ عن الحجَّة الَّتي أوردها مُنكرو الآحاد لظنِّيَتِه (٢). غير أنَّ الاقتصارَ على استعمالِ هذا الدَّليلِ «قطعيَّة العملِ» مع واقعيَّته، يحصُر الاحتجاجَ به على خبر الواحدِ في الفروع العَمليَّة، دون الأصولِ العقديَّة والعلميَّة! وهو ما سَلَّم به كثيرٌ من متأخِّري المتكلِّمين (٣)، وليس يَسعُ من فرَّقَ بين

стр. 470

الأحكامِ والعقائد في حجيَّة الآحادِ أن يُماريَ هؤلاءِ، لخفاء دليل التَّفريق؛ وبهذا الاعتبار تظلُّ الأحاديث الخبريَّة العَقديَّة مُستباحةَ الحِمى مِن قِبل كلِّ مَن لم تُوافق هوى طائفتِه. فلهذا كان أعدلَ المذاهب في حكم هذه الآحاد الصِّحاح، وأقطعَها لدابرِ كلِّ مُعتَدٍ على ثوابتِ الأخبار، وأمنعَها لتَسلُّل المُتطفِّلين إلى رياضِ السُّنَن: ما قرَّره جمعٌ من العلماء مِن تقعيدٍ عدلٍ في هذا الباب يُقضى فيه بالتَّفصيل، ويُنهى فيه عن التَّعميمِ، وذلك بالتَّأكيدِ على أنَّ هذه الآحاد قد يُفيد العلمَ في حالاتٍ، مُستندين إلى دليل «القرائنِ» الملتفَّةِ بالأخبارِ، وإلى «دليل الحفظِ الإلهيِّ» (١)، وبهما حَكَموا على جملةِ ما في «الصَّحيحين» من أخبار بالعلمِ. وتفصيل القول في هذا المذهب الرَّجيح يأتي تباعًا في المباحث التَّالية.

стр. 471

المَبحث الثَّاني دفع دعوى ظنِّية الآحاد عن أحاديث «الصَّحيحين» فأمَّا الجواب عَمَّن نفى إفادةَ ما في «الصَّحيحين» للعلمِ من المعاصرين، فيُمَهَّد للجوابِ عنه بالتَّنبيه على ثلاثةِ مَطالب:

стр. 472

المَطلب الأوَّل الاختلاف في ما يفيدُه خبرُ الواحدِ على ثلاثةِ أطرافٍ والصَّواب في ذلك اختلف النَّاس في ما يفيدُه خبرُ الواحدِ على ثلاثةِ أطرافٍ: طرفٌ مِن أهل الكلامِ ونحوهِم: مِمَّن هو بعيدٌ عن معرفةِ الحديثِ وأهلِه، لا يُميِّز بين الصَّحيح والضَّعيف، فيشكُّ في صحَّةِ أحاديث، أو في القطع بها، مع كونِها معلومةً مقطوعًا بها عند أهلِ العلم به، فيحكم على الكلِّ بالظَّنيَّة ما عدا المتواتر (١). فبهؤلاء تأثَّر النَّووي في رَدِّه على ابن الصَّلاح. وطرف آخر: ممَّن يدَّعي اتِّباعَ الحديث والعمل به: كلَّما وَجد لفظًا في حديثٍ قد رواه ثقة، أو رأى حديثًا بإسنادٍ ظاهرُه الصِّحة: يريد أن يجعل ذلك من جنسِ ما جَزم أهل العلم بصحَّته، حتىَّ إذا عارَض الصَّحيحَ المعروفَ، أخذَ يتكَلَّف له التَّأويلات الباردة، أو يجعله دليلًا له في مسائل العلم، مع أنَّ أئمَّة الحديثِ يَعرفون أنَّ مثل هذا غَلط (٢).

стр. 473

والصَّواب في هذا مذهبُ جمهورِ العلماء بالحديث والأصول مِن المُتقدِّمين، وهو الموافقُ للشَّرع والعقل: أنَّ خبر الواحد الثِّقة إذا كان خاليًا من أيِّ قرينةٍ جابرةٍ لاحتمال الغَلطِ فيه، بقي على أصلهِ الصَّحيح مُفيدًا للظَّنِّ من حيثُ هو، قبلَ انضمام القرائنِ المُقويَّة إليه (١)؛ كتلقِّيه مِن قِبل الأمَّة بالقبول، واستفاضتِه، أو تسلسلِه بالأئمَّةِ الحُفَّاظ الفقهاء، ونحو ذلك من القرائن، قدرَ ما يكفي النَّاظرَ فيها للتَّسليم بكونِه صادرًا عن المُخبِر به، فيرتقي الحديثُ إلى مرتبةِ العلمِ به (٢). هذه القرائن، وإنْ كان المازَريُّ (ت ٥٣٦ هـ) لا يَراها ممَّا يُشار إليها بعبارةٍ

стр. 474

تضبطها (١)، فيُمكن أن يُقارَب تعريفها بأن يُقال: «هي ما لا يَبقى معها احتمالٌ، وتسكُن النَّفس عندها، مثل سكونها إلى الخبرِ المُتواتر أو قريبًا منه» (٢). وممَّا يحقِّق أنَّ خبرَ الواحدَ الواجبَ قَبولُه يُوجبُ العلمَ: قيامُ الحجَّة القويَّة على جواز نسخِه للمَقطوع به، فمَشهورٌ رجوعُ أهل قباء عن القبلة الَّتي كانوا يَعلمونها ضرورةً من دين الرَّسول ﷺ بخبر واحد، وكذلك إراقةُ الخمر ونحو كذلك، «فإذا قيل: الخبرُ هناك أفادَهم العلم بقرائن احتَفَّت به، قيل: فقد سلَّمتم المسألة، فإنَّ النِّزاع ليس في مُجرَّد خبر الواحد، بل في أنَّه قد يُفيد العلم» (٣). ومِن أحسنِ ما يُمَثَّل به للدَّلالةِ على مَعقوليَّةِ هذا المذهب: ما مثَّل به الآمديُّ من جِهة الواقع: أنْ لو كان في جوار إنسان امرأته الحامل، وقد انتهت مدَّة حملها، فسمع الطَّلق من وراء الجدار، وضجَّة النِّسوان حول تلك الحامل، ثمَّ سمع صراخ الطِّفل، وخرج نسوةٌ يقلن: إنَّها قد ولدت، فإنَّه لا يستريب في ذلك، ويحصل له العلم به قطعًا، وإنكار ذلك ممَّا يخرج المناظرة إلى المكابرة (٤). وتفريعًا عن هذا التَّأصيل، نسأل سؤالًا يتَّضح به المُراد، فنقول: هل يستطيع المسلم المتَّبِع أن يَحلفَ -مثلًا- على حديث: «إنَّما الأعمال بالنِّياتِ» أنَّه قول النَّبي ﷺ ؟ (٥) فإن قال: نعم؛ فهذا معنى إفادة العلم، لأنَّه إنَّما حَلَف على ما جَزم به.

стр. 475

وإن قال: لا! فهنا انغلقَ عليه فهمُ الأصلِ الَّذي ابتُنيت عليه مَراتب الأخبار. بيانُ ذلك: أنَّ «الخبرَ لا تأتيه الآفةُ إلَّا من كَذِبِ المُخبر عمدًا أو من جهةِ خطئِه» (١)، فإثبات القطعيَّة أو نفيِها عن الأخبار مداره على احتمال وجود تلك الآفةِ من عدمها، وما دام الرَّاوي غير مَعصوم من هذا كلِّه، تأتي بعض القرائن مَضمومةً إلى خبرِه، فتُزيل هذا الاحتمال مِن الأذهان وتُلغيه. وما دامَت قرائنُ التَّصحيح مُفيدةً للظنِّ عند التَّجريد في الجُملة، كإتقانِ رُواة الإسنادِ وإمامتِهم في الحديث، الَّذي حاصل في سَلاسل الذَّهب، أو حديثٍ مَشهورٍ ذي طُرق كثيرة مُتباينة، سالمةٍ من أيِّ علَّة: فإنَّ هذه القرينةَ -والحالة هذه- تقوم مَقام خبرٍ آخر؛ ثمَّ لا يزال التَّزايد في الظَّنِّ بزيادة اقترانِ القرائنِ بالخبر، أو قوَّتِها في ذاتِها، إلى أن يحصُل العلم، حتَّى لا يَرِد عليه ما افُترض من احتمال كذب الرَّاوي أو غلطه. فإذا كانت القرائن وحدَها قد تفيد العلم، فإذا انضمَّ إليها ما صَحَّت نسبتُه بروايةِ العدل الضَّابط عن مثله، فقامت بذلك مَقام الشَّواهد: أفادَت العلمَ مِن باب أولى (٢). وفي تقريرِ هذا الأصل في تقويةِ القرائن للأخبار، يقول الشَّاطبي: «للاجتماعِ من القوَّة ما ليس للافتراق، ولأجلِه أفاد التَّواتر القطعَ، وهذا نوعٌ منه، فإذا حَصَل من استقراء أدلَّة المسألة مجموعٌ يفيد العلم؛ فهو الدَّليل المَطلوب، وإذا تكاثَرت على النَّاظر الأدلَّة، عضَّد بعضُها بعضًا، فصارت بمَجموعِها مفيدةً للقطع» (٣).

стр. 476

لكن لمَّا كان النَّاظر في مثل هذه الأخبار يحتاج إلى جهدٍ في استقراءِ الطُّرق والشَّواهد، وأحوالِ الرُّواة والمتون، كَيْ يطَّلِع على تلك القرائن العائدِ مُجملها إلى المُخبِر، وبعضُها يرجع إلى المُخبَر عنه، وبعضها يرجع إلى المُخبَر بِه: كان الحُكم بالقطعيَّة بهذه المثابةِ لا يُتأتَّى لأيِّ أحدٍ، ولا يلزم اطِّراد هذا الحكم لجميع مَن وقف على ذاتِ الخَبر. فلا يُستشكَل -إذن- عدمُ إفادتها للعلمِ لبعض العلماء غير ذوي التَّخصَّص الحديثيِّ، فإنَّما تُدرَك الكليَّات باستقراء الجزئيَّات، وهذه القرائنُ إنَّما عالجها المُحدِّثون حتَّى صاروا أحَقَّ بها وأهلَها، فما مِن حديثٍ إلَّا وتجدُ لأهل الحديثِ فيه حُكمًا مع إحاطةٍ واسعةٍ بالطُّرق، وطبقات الرُّواة، ومداخل الوَهم، حتَّى كانوا أدرى النَّاس بلسانِ النَّبي ﷺ وحالِه «¬١). وفي هؤلاء يقول ابن القيِّم: « .. إنَّما يعلم ذلك: مَن تضَلَّع في معرفة السُّنَن الصَّحيحة، واختلطت بلحمِه ودمِه، وصارَ له فيها ملَكة، وصارَ له اختصاصٌ شديدٌ بمعرفةِ السُّنَن والآثار، ومعرفةِ سيرةِ رسول الله ﷺ ، وهديِه فيما يأمر به، وينهى عنه، ويُخبر عنه، ويَدعو إليه، ويحبُّه ويكرهه، ويَشرعه للأمَّة، بحيث كأنَّه مُخالِط للرَّسول ﷺ كواحدٍ من أصحابِه» (٢). وأمَّا مَن نحى خلافَ هذا الأصل الَّذي قرَّرناه صوابًا مِن بعض علماء أهل السُّنة، مِمَّن يظهر مِن كلامِه المنعُ من تأثير القرائن في التَّصديقِ مطلقًا، فإنَّ قصده نفي القطعيَّة عن قرائن معيَّنة لا عن كلِّها، أو يكونَ بعضهم قد استبعدَ تحقُّقها من جهة الواقع، لانتفاء التَّجربة الدَّالة على ذلك في واقع النَّاس (٣)، وإن كان جنس تأثيرها مُسلَّمًا عندهم (٤)؛ والله أعلم.

стр. 477

المَطلب الثَّاني احتفاف القرائن المفيدة للعلم بجمهور أحاديث «الصَّحيحين» بعد أن تقرَّر الوجه السَّابق في كونِ الآحاد يُفيد العلمَ بشرطِه، ينبغي أن يُعلَم تبعًا: أنَّ أحاديثَ «الصَّحيحين» قد احتفَ بها من القرائن ما يقطعُ النَّاظر فيها بصدقِها، ففيها الأحاديث المُخرَّجة بسَلاسل ذهبيَّة، والأحاديث المُسلسلة بحُذَّاقِ الحُفَّاظِ، والعامَّة من أحاديثهما مَشهورٌ، قد رُويت من غير وجهٍ صَحيح (١)، رواها هذا الصَّاحب وهذا الصَّاحب من غير أن يَتواطآ، ومثل هذا يوجب العلم القطعيَّ (٢). وما لم يحتَفَّ به شيءٌ مِن هذه القرائن المذكورة، فيكفيه اندراجُه في مجموع ما تلقَّته الأمَّة بالقَّبول قرينةً للجَزم به، فأيُّ قرينةٍ افتُرضَت، كان تلقِّي الأمَّة للحديث بالقَبول، أقوى منها في إيجابِ القَطعِ بصحَّة الخَبر، حتَّى عدَّها كثيرٌ مِن الأصوليِّين بمنزلةِ المتواتر (٣).

стр. 478

المَطلب الثَّالث تَلقِّي الأُمَّة لأحاديث الصَّحيحين بالقَبول قرينةٌ تفيد العلم الفرع الأوَّل: شُهرةِ تقرير ابن الصَّلاح لتلقِّي الأمَّة لأحاديث «الصَّحيحين» بالقَبول. عُدَّ ابن الصَّلاح اشهر مَن أعلن القولَ بتلقِّي الأمَّة للصَّحيحين بالقبول وفصَّل القولَ فيه، ولم يكن ذلك منه بدعًا من الحكم، بل مسبوقًا في ذلك من جِهة التَّعريض والإيجاز من أصوليِّين ومُحدِّثين. فبعد أن ذكَرَ أقسامَ الصَّحيح الَّذي خرَّجه الأئمَّة في تصانيفهم من حيث الرُّتبة قال: «هذه أمَّهات أقسامه، وأعلاها الأوَّل، وهو الَّذي يقول فيه أهل الحديث كثيرًا: (صحيح متَّفق عليه)، يُطلقون ذلك ويَعنون به اتِّفاق البخاريِّ ومسلم، لا اتِّفاق الأمَّة عليه، لكنَّ اتِّفاق الأمَّة عليه لازمٌ من ذلك وحاصلٌ معه، لاتِّفاق الأمَّة على تلقِّي ما اتَّفقا عليه بالقَبول، وهذا القسم جميعُه مقطوع بصحَّته، والعلم اليَقيني النَّظريُّ واقعٌ به .. وما انفرد به البخاريُّ أو مسلم مندرجٌ في قَبيل ما يُقطع بصحَّته، لتلقِّي الأمَّة كلَّ واحدٍ من كتابيهما بالقَبول، على الوجه الَّذي فصَّلناه من حالهما فيما سبق، سِوى أحرف يسيرةٍ تكلَّم عليها بعض أهل النَّقد من الحُفَّاظ، كالدَّارقطني وغيره، وهي معروفة عند أهل هذا الشَّأن» (١).

стр. 479

ويقول في شرحه على «صحيح مسلم»: «ما اتَّفق البخاريُّ ومسلم على إخراجه فهو مقطوع بصدق مَخبرِه، ثابت يقينًا، لتلقِّي الأمَّة له بالقبول، وذلك يفيد العلمَ النَّظريَّ، وهو في إفادة العلم كالمتواتر، إلَّا أنَّ المتواتر يفيد العلم الضَّروريَّ، وتلقِّي الأمَّة بالقَبول يفيد العلمَ النَّظريَّ» (١). فقد جعل ابن الصَّلاح من خلال هذين النَّصَين: ١ - ما اتَّفق عليه الشَّيخان أعلى مراتب الصَّحيح. ٢ - واتِّفاق الأمَّة تابعٌ لاتِّفاقهما لتلقِّيها ما أخرجاه بالقَبول. ٣ - وأنَّ التَّلقِّي في صورتِه تلكَ لا يفيدُ الظَّن الرَّاجح فحسب، بل هو مُفيدٌ للعلم النَّظريِّ (٢)، سواءً ما اتَّفقا عليه، أو ما انفرد كلُّ واحدٍ منهما به. ٤ - ومستنده في هذا الحكم إلى عصمةِ الأُمَّة من الاجتماع على خطأ. ٥ - ومِن ثمَّ استثنى من حكمه بالقطعِ أحاديثَ يسيرةً منهما تكلَّم فيها بعض أئمَّة الحديثِ، لخروجِها عن نِطاق الاتِّفاق السَّابق تقريره. ومُراد ابن الصَّلاح بهذا التَّلقي ما كان محلُّه الأحاديث الَّتي سيقت لأصل موضوع الكتابين، أعني الأحاديث المَرفوعة المُسندة، فتخرج المُعلَّقات والمَوقوفات، ومتونُ الأبوابِ، دون التَّراجِم ونحوِها؛ لأنَّ في بعضِ الأخبار المَسوقة فيها ما ليس مِن ذلك قطعًا (٣).

стр. 480

الفرع الثَّاني: موافقة عامَّة العلماء لابن الصَّلاح على تلقِّي الأمَّة لأحاديث «الصَّحيحين» بالقَبول. وافق ابن الصَّلاح على حكمه العامِّ لأحاديثِ الصَّحِيحين كثيرٌ مِن أئمَّة الفقه والحديثِ قبله، أقدمُ ما وَقفتُ عليه مِن كلامِهم مِمَّا يُخبرون فيه بتَلقِّي «الصَّحيحين» بالقَبول، يَبدأ عامَّتُه مِن القرن الخامسِ، أي بعد قُرابةِ قرنينِ مِن انتشارِ كِتابَيْ الشَّيخين، منهم: أبو بكر الجَوْزَقي (ت ٣٨٨ هـ)، صاحب «المُستخرج على مسلم» (١). ثمَّ أبو إسحاق الإسْفَرايِيني (ت ٤١٨ هـ)، وقد اشتُهِر عنه قولُه في رِسالتِه في «أصول الفقه»: «أهلُ الصَّنعة مجُمِعون على أنَّ الأخبارَ الَّتي اشتملَ عليها الصَّحيحان مَقطوعٌ بصحَّة أصولِها ومتونِها (٢)، ولا يحصُل الخلافُ فيها بحالٍ، وإنْ حَصَل، فذاك اختلافٌ في طُرقِها ورُواتها، قال: فمَن خالفَ حكمُه خَبرًا منها، وليس له تأويلٌ سائغٌ للخَبرِ، نَقَضنا حُكمَه؛ لأنَّ هذه الأخبار تَلقَّتها الأمَّةُ بالقَبول» (٣). ثمَّ أبو نصر السِّجزيُّ (ت ٤٤٤ هـ)، الَّذي قال: «أجمَعَ أهلُ العلم الفقهاءُ وغيرُهم، على أنَّ رجلًا لو حلَف بالطَّلاقِ، أنَّ جميعَ ما في كتابِ البخاريِّ مِمَّا رُوي عن النَّبي ﷺ قد صَحَّ عنه، ورسول الله ﷺ قاله لا شكَّ فيه، أنَّه لا يحنَث .. » (٤). ثمَّ أبو المعالي الجُويني (ت ٤٧٨ هـ) في قولِه: «لو حَلَف إنسانٌ بطلاقِ امرأتِه، أنَّ ما في كِتابي البخاريِّ ومسلمٍ مِمَّا حَكَما بصحَّتِه مِن قولِ النِّبي ﷺ ، لمَا ألزَمتُه الطَّلاقَ، ولا حنَّثتُه، لإجماعِ علماءِ المسلمينِ على صِحَّتِهما» (٥).

стр. 481

ومحمَّد بن أبي نصر الحُميدي (ت ٤٨٨ هـ) بعد نقلِه لاتِّفاق النُّقاد على صِحَّة ما فيهما قال: « .. فتبادرت النِّيات المُوفَّقة على تباعُدها، مِن الطَّوائف المُحقِّقة على اختلافها، إلى الاستفادةِ منهما، والتَّسليمِ لهما في علمِهما، وتمييزِهما، وقبولِ ما شهِدا بتصحيحِه فيهما» (١). ثمَّ نقلُ ابنِ طاهرٍ المَقدسيِّ (ت ٥٠٧ هـ) في كتابِه «صفوة التَّصوُّف» إجماعَ المُسلمين على صحَّة ما أُخرِج فيهما (٢). وغير هؤلاءِ مِن أئمَّة الأصول والحديث ممَّن جاء بعدهم كثير (٣)، حتَّى عدَّ ابنُ تيميَّةَ قولَهم هذا «مذهبَ أهلِ الحديث قاطبةً، وهو معنى ما ذكرَه ابن الصَّلاح في مدخلِه في «علوم الحديث»، فذَكَر ذلك استنباطًا، ووَافقَ فيه هؤلاء الأئمَّة» (٤). ثمَّ وَافقَ ابن الصَّلاح من بعدِه جلَّةُ أهلِ الحديثِ وصَّححوا قوَله، منهم ابنُ حَجرٍ (ت ٨٥٢ هـ) وهو مِن أخبرِهم بـ «الصَّحِيحين»، حيث قال: «والخبر المُحتفُّ بالقرائن أنواع: منها ما أخرجه الشَّيخان في صحيحيهما ممَّا لم يبلغ حدَّ التَّواتر، فإنَّه احتفَّ به قرائن، منها: جلالتهما في هذا الشَّأن، وتقدُّمهِها في تمييز الصَّحيح على غيرهما، وتلقِّي العلماء لكتابيهما بالقَبول، وهذا التَّلقي وحدَه أقوى في إفادة العلم من مجرَّد كثرة الطُّرق القاصرة عن التَّواتر» (٥). وقال الشَّوكاني (ت ١٢٥٠ هـ): «اِعلم أنَّ ما كان مِن أحاديثِ هذا الكتابِ في أحد الصَّحيحين، فقد أسفرَ فيه صُبح الصِّحة لكلِّ ذي عينين، لأنَّه قد قطع

стр. 482

عرق النِّزاع ما صحَّ من الإجماع على تلقِّي جميعِ الطَّوائف الإسلاميَّة لما فيهما بالقَبول، وهذه رُتبة فوقَ رتبةِ التَّصحيح عند جميع أهل العقولِ والمنقولِ، على أنَّهما قد جمعا في كتابيهما مِن أعلا أنواع الصَّحيح ما اقتدى به وبرجاله من تصدَّى بعدهما للتَّصحيح» (١). الفرع الثَّالث: استثناء ما وقع بينه التَّعارض في أحاديث الصَّحيحين بلا مُرجِّح من إفادة العلم. فحيث قرَّرنا كونَ الصَّحيحِ من مذاهبِ العلماءِ فيما صحَّ مِن الآحاد أنَّها مفيدةٌ للعلمِ حيث تنضمُّ إليها القرائن، لا بدَّ من التَّنبيه على سلامة هذه الآحاد مِن موانع القطعيَّة، وإلَّا بقيَت في حيِّز الظَّن، بل قد تهوي بها تلك الموانع إلى القطعِ بكذبِها إذا قويت آفات التخطئةِ (٢). كما قاله أبو العبَّاس المِبرد (ت ٢٥٨ هـ) (٣): «إذا صَحَّت دلائلُ الحقِّ في الظنِّ، وقامت أماراتُه، كان يقينًا، وإذا قامت دلائلُ الشَّك، وبطُلت دلائلُ اليقين، كان كذبًا» (٤). فاعتبارًا لهذه الشَّروطِ السَّلبية مؤثِّرةً في الحكم على آحاد ما في «الصَّحيحين»، نحى ابن حجرٍ إلى استثناءِ ما «يقع التَّجاذب بين مدلُوليه ممَّا وقع في الكِتابين، حيث لا ترجيحَ، لاستحالةِ أن يُفيد المتناقضان العلمَ بصدقهِما مَن

стр. 483

غير ترجيحٍ لأحدِهما على الآخر، وما عَدا ذلك فالإجماعُ حاصلٌ على تسليمِ صحَّتِه» (١). وأصل استثناءِ العسقلانيِّ للمُتعارضين من أصل إفادة العلم مَبنيٌّ على كونِ التَّعارض لا يقع بين القطعيَّين، إذ القطعُ باعتبارِ ذاتِه لا يَتفاوت، ونفي الاحتمال على الإطلاقِ شيءٌ واحد لا يَتَعدَّد (٢)، إنَّما يقع التَّعارض والتَّفاوتُ في الظَّنِيَّات (٣). وابن حجر مَسبوق في هذا الاحتراز من الآمديِّ (ت ٦٣١ هـ)، حيث قال: «لو كان حديث الثِّقة مُفيدًا للعلم بمجرَّده، فلو أخبرَ ثقةٌ آخرَ بضدِّ خبرِه، فإن قلنا: خبرُ كلِّ واحدٍ يكون مُفيدًا للعلم، لزم اجتماعُ العلم بالشَّيء وبنقيضه، وهو مُحال، وإن قلنا: خبرُ أحدِهما يُفيد العلم دون الآخر، فإمَّا أن يكون مُعيَّنا، أو غير مُعيَّن. فإن كان الأوَّل: فليس أحدُهما أولى مِن الآخر، ضرورةَ تَساويهما في العدالةِ والخبرِ. وإن لم يَكن مُعيَّنا: فلم يحصُل العلم بخبرٍ واحدٍ منهما على التَّعيين، بل كلُّ واحدٍ منهما إذا جَرَّدنا النَّظرَ إليه، كان خبرُه غير مُفيدٍ للعلم، لجوازِ أن يكون المُفيد للعلمِ هو خبرُ الآخر» (٤). وحيث أنَّ التَّعارضَ مِن جملة الموانِع من الحكم بقطعيَّة الحديثين، احتاجَ النَّاظر إلى ترجيحِ أحدِهما على الآخر بإحدى المرجِّحاتِ المتعلِّقة بالمتن أو السَّند، هذا إن عجزَ نظرُه عن الجمعِ بينهما (٥)؛ فإمَّا أن يقضيَ بعدهَا بإبطالِ

стр. 484

الحديثِ المرجوحِ، لقوَّة الموانِع من القولِ بصحَّتِه، فيحكم للرَّاجح بالقطعيَّة إذا ساعدته القرائن على ذلك؛ أو يعترفَ بأنَّ المرجوحَ لا يزال دليلًا قابلًا لِأن يكون صحيحًا، غايته أنَّه وُجد لمُقابله ما يقتضي الظَّن بأرجحيَّته، فيبقيان في حيِّز الظَّنيَّاتِ (١). أمَّا إنْ عجزَ عن القدحِ في أيٍّ منهما بعينه، فأوْلى أن يَبْقيَا على حالهما من الظَّنيَّة. وحيث أنَّ التَّرجيح فرعٌ عن الإقرارِ بالتَّعارض، فإنَّ الحديثين القطعيَّين لا يُتأتَّى التَّرجيح بينهما إلَّا مِن جهة النَّسخ، خاصَّةً فيما كان مِن القطعيَّاتِ قريبًا سبَبُه، واضحًا مأخذُه، لا يحتاج إلى دقيقِ نَظرٍ واستقراءٍ؛ فهذا النَّوع لا يبقى معه مَسلكٌ للتَّرجيح مِن الأساسِ، ولا يَسوغ فيه التَّعارض، إلَّا كما يسوغ التَّعارض الظَّاهريُّ بين الآياتِ الكريمةِ أو الأخبار المتواترةِ، كونها ضروريَّةً يهجم تصديقُها على النَّفس (٢). أمَّا ما كان منها مبنيًّا على نظرِ المُستدلِّ في القرائنِ واستقراءِ الشَّواهد - كما هو الحاصل في «الصَّحيحين» - فيقعُ أن ينظر المستدلُّ في حَديثين قد احتفَّ بِهما من الشَّواهدِ ما يوحي بقوَّة الخَبرين بادئَ الأمر، حتَّى يلوحَ له التَّعارض بين مَفهوميهِما، ويعجزَ عن التَّوفيق بينهما، فيكون واقع الأمرِ أنَّ أحدهما ليسَ قطعيًّا، أو لا تعارضَ بين مدلوليهما إلَّا في ذهنِ النَّاظر (٣)، بحيث يمكن الجمعُ بين الحدِيثَين جمعًا مَقبولًا للنَّفس، فلا داعي للتَّرجيح حينئذٍ؛ بعكس ما لو كان الجمعُ مُتكَلَّفًا بعيدَ المأخذِ (٤)، فالأشبهُ عندئذٍ تقديمُ رُتبةِ التَّرجيح على الجمع (٥).

стр. 485

ولا أعلم في «الصَّحيحين» حديثًا توافقَ العلماءُ على ردِّه بتمامِه، لمعارضةِ حديث آخرَ له، مع استحالَةِ التَّوفيق بينهما، بأيٍّ وجهٍ من وجوه الجمعِ المُعتبرة: فلست أعلمُ له مثالًا صحيحًا، وأكثرُ ما يَستدعي التَّرجيح مِن أهل العلمِ في هذين الكِتابين، ما كان الاختلافُ فيهما بين بعضِ ألفاظِ الثِّقاتِ في خبرٍ صحيحٍ في أصلِه، وهذا واقعٌ في مسلمٍ أكثرَ منه عند البخاريِّ (١). الفرع الرابع: ما استدركه ابن حجر على ابن الصَّلاح مِن استثناءِ ما وقع التَّعارض فيه عن إفادة العلمِ، من لوازم عبارة ابن الصَّلاح. هذا؛ وقد ظهر لي في أمرِ ما استدركه ابن حجرٍ على ابن الصَّلاح مِن استثناءِ ما وقع التَّعارض فيه عن إفادة العلمِ؛ أنَّه داخلٌ باللُّزوم في مفهومِ عبارة ابن الصَّلاح من حيث الأصلِ المنهجي؛ وبيان ذلك:

стр. 486

في أنَّ الواحدَ مِن العلماءِ إذا تعارض عنده حديثان، قد تَعذَّر الجمعُ بينهما بوجهٍ مستساغٍ مقبولٍ، فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يرجِّح قبولَ أحد الحديثين على الآخر، فيكونَ ردُّه للمرجوحِ تعليلًا له في واقعِ الأمر (١). الحالة الثَّانية: أن يعجزَ عن التَّرجيحِ والقدحِ في واحدٍ منهما بعينِه، فلا يحصُل العلم بخبرٍ واحدٍ منهما على التَّعيين. ومن ثمَّ فإنَّ المرجوح والمتوقَّف فيه -في كِلتا الحالتين السَّابقتين- يخرجان عمَّا تلقَّته الأمَّة بالقَبول أو اتَّفقوا على صحَّته، كونهما خارجين عن حيِّزِ الثُّبوت ومعنى الصِّحة مِن الأساس؛ إذ الفرضُ فيمن خلُص إلي هذا الموقف في هاتين الحالتين أن يكون جُملة مَن يُعتبر قولهم في الإجماع. كلُّ ما في عبارةِ ابن الصَّلاح، أنَّه لم يُشر فيها إلى ما يُفهَم منه استيعابها لمضمونِ استدراكِ ابن حجرٍ، بل قصر الاستثناءَ ممَّا لا يفيد العلمَ على ما تنازع الحفَّاظ في حكمهم على أفرادِ الأحاديث، فأيَّما حديثٍ بعينِه لم نجد فيه كلامًا لأحدِ المُحدِّثين فالأصل أنَّه يفيد العلمَ بصحَّته عند ابن الصَّلاح، في حين أنَّ ابن حجر لاحظ في نفسِ ما لم يتكلَّم فيه الحُفَّاظ بعضَ ما يصدق عليه التَّعارض الَّذي ينفي عنها القطعيَّة، وقد أحسن في استثناءه ممَّا وقع الاتِّفاق على صحَّتِه فيفيد العلم، والله أعلم.

стр. 487

المَبحث الثَّالث الاعتراضاتُ على تقريرِ ابنِ الصَّلاح مَفاد أحاديثِ «الصَّحيحين» للعلمِ اعترَضَ بعضُ الأصوليِّين مِن المُتكلِّمين على الحُكم الَّذي قرَّره ابن الصَّلاح في حقِّ ما اتُّفِق عليه مِن أحاديثِ «الصَّحيحين»، فيهم مَن هو مُشتغل بالحديثِ على قلَّتهم، تَنوَّعت جهاتُ اعتراضاتِهم على دعواه بحسب مَأخذها النَّقليِّ أو العقليِّ؛ راجعةٌ في مُجملِها إلى أصلين اثنين، لا تكاد تخرجُ تلك المُعارضات المُنتثرة في كُتبِ الأصول أو المُصطلح عن واحدٍ مِن هذين: الأصل الأوَّل: نفي وقوع التَّلقِّي نفسِه. الأصل الثَّاني: منع إفادة التَّلقِّي للمطلوبِ المُتنازع فيه. فأمَّا الأصل الأوَّل في معارضة تقريرِ ابن الصَّلاح ومَن وافقَه: فمَبنيٌّ على نقضِ مُقدِّمات دليلِه، لترجع على النَّتيجة بالنَّقض، وهذا الأصل مُتفرِّع بدورِه إلى جِهتين من جِهاتِ البحثِ والمناظرة: الأولى: مِن جهة نفي الدَّليل على الدَّعوى في أصلها. الثَّأنية: من جهةِ إثباتِ انخرامِ بعض شروطِ تحقُّقِها.

стр. 488

وأمَّا الأصل الثَّاني في مُعارضة تقرير ابن الصَّلاح: فيتمثَّل في نفيِ النَّتيجة الَّتي خَلُص إليها ابن الصَّلاح ومَن وافقه، لتعود بالقطعِ بين مُقدِّمات استدلالِه، وما أفضت إليه مِن نتيجة، وهي مُتفرِّعة إلى ثلاث جهاتٍ: الأولى: مِن جهة محلِّ وقوع التَّلقِّي. الثانية: مِن جهة نفي أثر هذا التَّلقِّي في الاعتقاد. الثَّالثة: مِن جهة نفيِ النَّتيجة بنفيِ بعض لوازِمها. وفي تفصيل الجواب عنها جميعها مُستعينين بالله تعالى نقول:

стр. 489

المَطلب الأوَّل الاعتراض على صحَّة التَّلقِّي مِن الأمَّة لأحاديث «الصَّحيحين» والجواب عنه الفرع الأوَّل: منع التَّسليم بوقوع التَّلقِّي لأحاديث «الصَّحيحين» مِن جهة المطالبة بتصحيح الاتِّفاق. يقوم أصل هذا الاعتراض على استبعادِ العادة لاتِّفاق جميع المُجتهدين على صحَّة أحاديث «الصَّحيحين»، ممَّا يغلِّب جانب الغلَط عندهم في نقلِ من نَقل هذا الاتِّفاق، لانعدام الدَّليل الكاشف عنه؛ واستعمال هذا الاعتراض غالبًا ما يُستدعى في دعوى الإجماعِ السُّكوتيِّ، ويُراد به بيان ظهورِ وانتشار القولِ الَّذي أُقرَّ ولم يُنكَر (١). ولستُ أعلمُ أحدًا أسبقَ من محمَّد بن إسماعيل الصَّنعاني (ت ١١٨٢ هـ) إلى تفصيلِ هذا الاعتراضِ على كلامِ ابن الصَّلاحِ، حيث حاولَ التَّشكيكَ به في حصول اتِّفاق العلماء على قبول أخبار الصَّحيحين. فمن ذلك قوله: «دعوى على كلِّ فردٍ مِن أفرادِ الأمَّةِ المُجتهدين، أنَّه تلقَّى الكتابين بالقَبول، فلا بدَّ مِن البرهان عليها، وإقامته على هذه الدَّعوى مِن

стр. 490

المتعذِّرات عادةً، كإقامة البيِّنة على دعوى الإجماع الَّذي جَزَمَ به أحمد بن حنبل وغيره أنَّ مَن ادَّعاه فهو كاذبٌ» (١). والجواب عن هذا الاعتراض مِن عِدَّة أوجهٍ: الوجه الأوَّل: أنَّ العُمدةَ في نقلِ الإجماع في أيِّ فنٍّ مِن فنون الشَّريعة أو غيرِها إنَّما هي على أئمَّةِ ذاتِ الفنِّ وأربابِ الاستقراءِ فيه، فهم الأمَّة في صناعتهم! وأهل التَّخصُّص أخبرُ النَّاسِ بمَواطن الاتِّفاقِ والاختلافِ في جزئياتِ تخصُّصِهم فضلًا عن كُلِّياتِه، فلا يَضرُّهم جهلُ المُشتَغلين بغير شأنِهم أن يُعارضوهم، لخلوِّ نفوسِهم مِن الأهليَّة لذلك أصلًا، وإنَّما كان الواجبُ «على كلِّ مَن ليس بعالمٍ أن يتَّبع إجماعَ أهلِ العلم» (٢). ولا يخفى على الدَّارسٍ لتاريخ السُّنةِ ومراحل تدوينِها، مُوافقًا كان لملَّةِ الإسلام أو مخالفًا، أنَّ علماء الحديث مِن أشدِّ النَّاس تدقيقًا في مَباحثِ تخصُّصِهم، وأكثرهِم استقصاءً لآراء أئمَّتهم فيما يُراد إصدار حُكم تأصيليٍّ أو فرعيٍّ فيه لو كان قضيَّةً دقيقةً، فما الظَّنُ بموقفِهم مِن قضيَّة جَليَّة شائعةٍ، قد بلغ مَداها الآفاق في الشُّهرة مثل «الصَّحيحين»؟! والإجماع قد وَقَع من أربابِ العلومِ المختلفةِ والفنونِ المتنوِّعةِ، على كثيرٍ مِن مُصنَّفاتِهم؛ فما نحن فيه أوْلى بأن يَقع مِن أئمَّة الحديثِ قياسًا أوْلويًّا، فإنَّ لديهم مِن الدَّوافع الدِّينيَّة لأجل الاتِّفاق على الحقائقِ الشَّرعيَّة ما ليس عند غيرهم.

стр. 491

الوجه الثَّاني: قد يُستسهَل التَّوقُّف في اتِّفاقٍ نَقَله فردٌ مِن أفرادِ أهلِ العلم، خاصَّةً إذا ما كان معروفًا بالتَّساهل في هذا الباب، لكنَّ الأمرَ يعسُر إذا كان النَّاقل لحكاية الاتِّفاق أئمَّة أفذاذ، يتصدَّرهم أبو عمرِو ابن الصَّلاحَ؛ بل يصير مُستبعدًا بالمرَّة ونحن نتحقَّق أنَّ النَّاقلَ لم يَنفرد بحكاية ذلك، بل سَبَقه طوائف مِن أهل الفنِّ ولحِقه آخرون. ونظرةٌ عابرةٌ في مَظانِّ هذه المسألة مِن كُتب الأصولِ أو المُصطلحِ، كفيلةٌ بإقناعِ النَّاظر أنَّ اختلافَ أربابِ هذه المصنَّفات إنَّما هو في ما يفيدهُ هذا التَّلقي مِن حيث مراتب التَّصديق، أمَّا حصول التَّلقي ذاتِه: فلم يختلفوا على الإقرار به، فضلًا عن إمكانِه من حيث الواقع، بل حكوه طَبَقةً بعد طَبقةٍ، وجيلًا بعد جيلٍ (١)، دون أن يَبرُز أحدٌ يُنكر هذه الدَّعوى، ويبيِّن زيفَها على مَدى هذه القرونِ المُتلاحقة؛ وهذا مِن أقوى الأدلَّة على صِحَّة ما قرَّره ابن الصَّلاح وموافقوه في حقِّ «الصَّحيحين». الوجه الثَّالث: لو تأمَّلنا جميلَ ما احتَّف بهذين الكِتابين مِن صفاتٍ تفرَّدا بها عن سائرِ كُتبِ الحديثِ قاطبةً، قد حازا بها مَرتبةً لم يحُزها أيُّ مُصنَّفٍ آخر في الأمَّة (٢)، كـ: جلالةِ مُصنِّفيهما في الحديث روايةً ودرايةً، وتقدُّمهما على تمييز الصحَّيح على غيرهما، بشهادة أقرانِهما ومَن جاء بعدهما مِن أئمَّة الحديث (٣).

стр. 492

وأنَّهما أوَّل مُصَنَّفين في الحديث الصَّحيح المُجرَّد، فـ «لم يَتقدَّمهما إلى ذلك أحد قبلهما، ولا أفصح بهذه التَّسمية - يعني الصَّحيح - في جميعِ ما جمعه أحدٌ سواهما فيما علِمناه» (١). وأنَّهما انتهجا في كتابيهما أدقَّ المناهج العلميَّة في انتقاءِ الصَّحيحِ، حتَّى عُدَّ ما كان على شرطهما أعلى مَراتب الصَّحيح (٢)، واتُّفِق «على أنَّ أصحَّ الكتُب المُصنَّفة صحيحًا: البخاريُّ ومسلم، واتَّفقَ الجمهور على أنَّ صحيح البخاري أصحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد» (٣). أقول: لو تأمَّلنا هذه المُميِّزات الَّتي بوَّأت «الصَّحيحين» تلكمُ المكانة الرَّفيعة عند خواصِّ أهل العلم وطَلبَتِه: عَلِمنا أنَّ كلَّ ميزةٍ منهنَّ، لو نُظر إليها بمُفردِها، لكانت كافيةً في شحذِ هِمَم العلماء في زمنِ الشَّيخين وبعدهما للنَّظر في كِتابيهما واختبارهما، تحقُّقًا من انطباقِ تلك المزيَّة الواحدةِ منهنَّ عليهما (٤)، وهذا -لعَمري- مِن الأسبابِ الَّتي هيَّأها الله سبحانه لكتابيهما حتَّى يشهدَ لهما أهلُ الاختصاص بالإتقانِ والقَبول. يقول أبو عبد الله الحُميديُّ في سياقِ سردِه لمسيرةِ التَّصنيفِ الأوَّلِ في الحديث: « .. واتَّصَل ذلك إلى زمانِ الإمامين أبي عبد الله محمَّد بن إسماعيل البخاريِّ، وأبي الحسين مسلم بن الحجَّاج النَّيسابوريِّ ﵄ وعنهم-، فخُصَّا مِن الاجتهادِ في ذلك، وإنفادِ الوُسع فيه، واعتبارِه في الأمصارِ، والرِّحلةِ عنه إلى مُتباعدات الأقطار، مِن وراء النَّهر إلى فُسطاطِ مصر، وانتقادِه حرفًا حرفًا، واختيارِه سَندًا سَندًا، بما وَقَع اتِّفاقُ النُّقادِ مِن جهابذةِ الإسنادِ عليه، والتَّسليم منهم له ..

стр. 493

فتبادَرَت النِّيات المُوفَّقة على تباعُدها، مِن الطِّوائف المُحقِّقة على اختلافِها، إلى الاستفادةِ منهما، والتَّسليم لهما في علمِهما، وتميِيزهما، وقَبول ما شَهِدا بتصحيحِه فيهما، يَقينًا بصدقِهما في النِّية، وبراءتِهما مِن الإقبالِ على جهةٍ بحَميَّةٍ، أو الالتفاتِ إلى فئةٍ بعصبيَّةٍ، سوى ما صحَّ عمَّن أُمرنا بالرُّجوع إليه، والتَّعويل في كلِّ ما أخبرنا به عليه ﷺ ، حتَّى استقرَّ ذلك وانتشر، وسارَ مَسيَر الشَّمس والقمر» (١). فليس اتِّفاقُ الأمَّةِ وعلمائِها على أصحيَّة الصَّحيحين وفضلِهما على سائرِ الكُتب مجرَّد صُدفة، ولاعن طَواطؤٍ ومُؤامرة، «فقد أعاذَ الله تعالى هذه الأمَّة التي اختارَها لحملِ دينِه وتبليغِ رسالتِه، مِن أن تكون فريسةَ غفلةٍ وغباوةٍ، وأن تجتمع على الضَّلال، بل كان ذلك إلهامًا مِن الله، ومُكافأةً على ما قام به مُؤلِّفا هذين الكتابين مِن جهادٍ في سبيل حفظِهما الأحاديث النَّبوية، ثمَّ تحقيقِها وتنقيحِها، ومعرفةِ رجالِها ورُواِتها، وكشفِ أستارِ الكذَّابين والوضَّاعين، وتميِيزِ الضُّعفاءِ والمَجروحين، ثمَّ في نقلِها ونشرِها في الآفاق، وجمعِها في مجموعةٍ مُهذَّبة مُنقَّحة» (٢). فإذا تأمَّل المُنصِف ما حَرَّرته مِن هذه الخصال آنفًا، عظُم مِقدارُ هذين السِّفْرين في نفسِه، وجَلَّ تَصنيفهما في عينِه، وعذَرَ الأئمَّة مِن الهِندِ شرقًا إلى الأندلسِ غربًا أن تلقُّوهما بالقَبول والتَّسليم، وقدَّموهما على كلِّ مُصنَّفٍ في الحديثِ والقديم. الوجه الرَّابع: ربطُ الصَّنعانيِّ حكايةَ التَّلقِّي للصَّحيحين، بدعوى الإجماع الَّذي أنكره أحمد، هو في حقيقتِه ربطٌ بين مُتبايِنَين، والغَلط إذن قد تخلَّل كلامَه مِن جِهتين:

стр. 494

الجِهة الأولى: مِن جهة اعتراضِه باحتمالِ وجود الإنكار (١): وذلك حين ربْطِه بين حِكايةِ التَّلقِّي للصَّحيحين بالقَبول وبين الإجماع الأصوليِّ الَّذي يرى تعذُّرَ العلمِ به بعد زمنِ الصَّحابة ﵁، لتفُّرقِ العلماء في الأمصارِ (٢). وقول الصَّنعانيِّ في تحجير الإجماع ومنع تحقُّقه ضعيفٌ عند جمهور الأصوليِّين، وليست هذه الوُريْقات محلًّا لنقضه (٣)؛ فإنَّ ابنَ الصَّلاح وعلماء الحديث والأصول معه حين تكلَّموا عن موضوعِ الاتِّفاق على صحَّةِ «الصَّحيحين»، إنَّما عبَّروا عن ذلك بلفظِ (التلقِّي مِن الأمَّة بالقَبول)؛ وهذا إجماعٌ خاصٌّ سبيله التَّتبع والاستقراء، يَصِحُّ بمُجرَّد شُهرةِ الحديثِ الصَّحيحِ بين أئمَّةِ الحديث، دون إنكارٍ أو إظهارِ عِلَّةٍ تمنع القولَ بصحَّتِه ولو مِن واحدٍ (٤)؛ وهذا النَّقد يمتدُّ في ظرفٍ زمنيٍّ مُتَّسِعٍ، بلَغَ في حقِّ الصَّحيحين قرونًا من الزَّمن (٥). وحُكم أهلِ العلمِ إذا تَكرَّر على ما عَمَّت به البَلوى واشتُهِر أمرُه، وتَكرَّرَ

стр. 495

سكوتُ الباقين عن هذا الحكم، مع طولِ الزَّمنِ، دون إبداءِ مُخالفةٍ له، فإنَّه -والحالة هذه- مِن الصُّوَر الَّتي تُفيد العِلم عند جمهورِ الأصوليِّين (١). وقد أشار ابن السَّمعاني (ت ٤٨٩ هـ) إلى هذه الدَّقيقة بقوله: «إنَّ التَّمادي على ذلك الزَّمان الطَّويل، ثمَّ لا يظهر من ذلك القول أحد ينكره، لأنَّه بدونِ هذا يجوز أن يسكتوا عن الإنكار عليه لغرضٍ، ويجوز أن يكون لهيبةٍ له، أو لوجلٍ منه، فأمَّا إذا مرَّ على ذلك الزَّمان الطَّويل فلا يُتصوَّر السُّكوت عن الإنكارِ من كلِّ القومِ، مع اختلافِ الطِّباع، وتباينِ الهِمم، وكثرةِ الدَّواعي من كلِّ وجهٍ، ومنها خبرُ الواحد الَّذي تلقَّته الأمَّة بالقَبول وعملوا به لأجله، فيُقطع بصدقِه، وسواءٌ في ذلك عَمل الكلُّ به، أو عمل البعضُ وتأوَّله البعض» (٢). هذا الَّذي يؤصلِّه السمعانيُّ لمسألة تلقِّي الأخبار بالقبول، ألْزقُ ما يكون بتقرير الأصوليِّين في باب الإجماع حين قالوا: أنَّ حُكمَ أهلِ العلمِ إذا تَكرَّر على ما عَمَّت به البَلوى واشتُهِر أمرُه، وتَكرَّرَ سكوتُ الباقين عن هذا الحكم، مع طولِ الزَّمنِ، دون إبداءِ مُخالفةٍ له، فإنَّه مِن الصُّوَر الَّتي تُفيد العِلم عند جمهورِ الأصوليِّين (٣). وقول مَن قال بجواز كِتمان مَن حمَّله الله أمانة دينِه لحُكمٍ حَديثيٍّ أو إغفاله مِمَّا يَترتَّب عليه إيمان وعملٌ، يجري قولُه هذا في القُبح مَجرى إخبارِ العلماء عن أمرٍ خلاف ما هو عليه! والله تعالى قد رَكَّز في طِباعِ الخلقِ مِن توفيرِ الدَّواعي على نقلِ ما علِموه، والتَّحدُّث بما عرفوه، حتَّى أنَّ العادةَ لتُحيل كتمانَ ما لا يُؤبه له مِمَّا جَرى مِن صِغار الأمورِ على الجمعِ القليل (٤)، فكيف على الجمعِ الكثير
следующие страницы →