الوجه الثَّاني:
قد يُستسهَل التَّوقُّف في اتِّفاقٍ نَقَله فردٌ مِن أفرادِ أهلِ العلم، خاصَّةً إذا ما كان معروفًا بالتَّساهل في هذا الباب، لكنَّ الأمرَ يعسُر إذا كان النَّاقل لحكاية الاتِّفاق أئمَّة أفذاذ، يتصدَّرهم أبو عمرِو ابن الصَّلاحَ؛ بل يصير مُستبعدًا بالمرَّة ونحن نتحقَّق أنَّ النَّاقلَ لم يَنفرد بحكاية ذلك، بل سَبَقه طوائف مِن أهل الفنِّ ولحِقه آخرون.
ونظرةٌ عابرةٌ في مَظانِّ هذه المسألة مِن كُتب الأصولِ أو المُصطلحِ، كفيلةٌ بإقناعِ النَّاظر أنَّ اختلافَ أربابِ هذه المصنَّفات إنَّما هو في ما يفيدهُ هذا التَّلقي مِن حيث مراتب التَّصديق، أمَّا حصول التَّلقي ذاتِه: فلم يختلفوا على الإقرار به، فضلًا عن إمكانِه من حيث الواقع، بل حكوه طَبَقةً بعد طَبقةٍ، وجيلًا بعد جيلٍ (١)، دون أن يَبرُز أحدٌ يُنكر هذه الدَّعوى، ويبيِّن زيفَها على مَدى هذه القرونِ المُتلاحقة؛ وهذا مِن أقوى الأدلَّة على صِحَّة ما قرَّره ابن الصَّلاح وموافقوه في حقِّ «الصَّحيحين».
الوجه الثَّالث:
لو تأمَّلنا جميلَ ما احتَّف بهذين الكِتابين مِن صفاتٍ تفرَّدا بها عن سائرِ كُتبِ الحديثِ قاطبةً، قد حازا بها مَرتبةً لم يحُزها أيُّ مُصنَّفٍ آخر في الأمَّة (٢)، كـ:
جلالةِ مُصنِّفيهما في الحديث روايةً ودرايةً، وتقدُّمهما على تمييز الصحَّيح على غيرهما، بشهادة أقرانِهما ومَن جاء بعدهما مِن أئمَّة الحديث (٣).
стр. 492
وأنَّهما أوَّل مُصَنَّفين في الحديث الصَّحيح المُجرَّد، فـ «لم يَتقدَّمهما إلى ذلك أحد قبلهما، ولا أفصح بهذه التَّسمية - يعني الصَّحيح - في جميعِ ما جمعه أحدٌ سواهما فيما علِمناه» (١).
وأنَّهما انتهجا في كتابيهما أدقَّ المناهج العلميَّة في انتقاءِ الصَّحيحِ، حتَّى عُدَّ ما كان على شرطهما أعلى مَراتب الصَّحيح (٢)، واتُّفِق «على أنَّ أصحَّ الكتُب المُصنَّفة صحيحًا: البخاريُّ ومسلم، واتَّفقَ الجمهور على أنَّ صحيح البخاري أصحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد» (٣).
أقول: لو تأمَّلنا هذه المُميِّزات الَّتي بوَّأت «الصَّحيحين» تلكمُ المكانة الرَّفيعة عند خواصِّ أهل العلم وطَلبَتِه: عَلِمنا أنَّ كلَّ ميزةٍ منهنَّ، لو نُظر إليها بمُفردِها، لكانت كافيةً في شحذِ هِمَم العلماء في زمنِ الشَّيخين وبعدهما للنَّظر في كِتابيهما واختبارهما، تحقُّقًا من انطباقِ تلك المزيَّة الواحدةِ منهنَّ عليهما (٤)، وهذا -لعَمري- مِن الأسبابِ الَّتي هيَّأها الله سبحانه لكتابيهما حتَّى يشهدَ لهما أهلُ الاختصاص بالإتقانِ والقَبول.
يقول أبو عبد الله الحُميديُّ في سياقِ سردِه لمسيرةِ التَّصنيفِ الأوَّلِ في الحديث:
« .. واتَّصَل ذلك إلى زمانِ الإمامين أبي عبد الله محمَّد بن إسماعيل البخاريِّ، وأبي الحسين مسلم بن الحجَّاج النَّيسابوريِّ ﵄ وعنهم-، فخُصَّا مِن الاجتهادِ في ذلك، وإنفادِ الوُسع فيه، واعتبارِه في الأمصارِ، والرِّحلةِ عنه إلى مُتباعدات الأقطار، مِن وراء النَّهر إلى فُسطاطِ مصر، وانتقادِه حرفًا حرفًا، واختيارِه سَندًا سَندًا، بما وَقَع اتِّفاقُ النُّقادِ مِن جهابذةِ الإسنادِ عليه، والتَّسليم منهم له ..
стр. 493
فتبادَرَت النِّيات المُوفَّقة على تباعُدها، مِن الطِّوائف المُحقِّقة على اختلافِها، إلى الاستفادةِ منهما، والتَّسليم لهما في علمِهما، وتميِيزهما، وقَبول ما شَهِدا بتصحيحِه فيهما، يَقينًا بصدقِهما في النِّية، وبراءتِهما مِن الإقبالِ على جهةٍ بحَميَّةٍ، أو الالتفاتِ إلى فئةٍ بعصبيَّةٍ، سوى ما صحَّ عمَّن أُمرنا بالرُّجوع إليه، والتَّعويل في كلِّ ما أخبرنا به عليه ﷺ ، حتَّى استقرَّ ذلك وانتشر، وسارَ مَسيَر الشَّمس والقمر» (١).
فليس اتِّفاقُ الأمَّةِ وعلمائِها على أصحيَّة الصَّحيحين وفضلِهما على سائرِ الكُتب مجرَّد صُدفة، ولاعن طَواطؤٍ ومُؤامرة، «فقد أعاذَ الله تعالى هذه الأمَّة التي اختارَها لحملِ دينِه وتبليغِ رسالتِه، مِن أن تكون فريسةَ غفلةٍ وغباوةٍ، وأن تجتمع على الضَّلال، بل كان ذلك إلهامًا مِن الله، ومُكافأةً على ما قام به مُؤلِّفا هذين الكتابين مِن جهادٍ في سبيل حفظِهما الأحاديث النَّبوية، ثمَّ تحقيقِها وتنقيحِها، ومعرفةِ رجالِها ورُواِتها، وكشفِ أستارِ الكذَّابين والوضَّاعين، وتميِيزِ الضُّعفاءِ والمَجروحين، ثمَّ في نقلِها ونشرِها في الآفاق، وجمعِها في مجموعةٍ مُهذَّبة مُنقَّحة» (٢).
فإذا تأمَّل المُنصِف ما حَرَّرته مِن هذه الخصال آنفًا، عظُم مِقدارُ هذين السِّفْرين في نفسِه، وجَلَّ تَصنيفهما في عينِه، وعذَرَ الأئمَّة مِن الهِندِ شرقًا إلى الأندلسِ غربًا أن تلقُّوهما بالقَبول والتَّسليم، وقدَّموهما على كلِّ مُصنَّفٍ في الحديثِ والقديم.
الوجه الرَّابع:
ربطُ الصَّنعانيِّ حكايةَ التَّلقِّي للصَّحيحين، بدعوى الإجماع الَّذي أنكره أحمد، هو في حقيقتِه ربطٌ بين مُتبايِنَين، والغَلط إذن قد تخلَّل كلامَه مِن جِهتين:
стр. 494
الجِهة الأولى: مِن جهة اعتراضِه باحتمالِ وجود الإنكار (١):
وذلك حين ربْطِه بين حِكايةِ التَّلقِّي للصَّحيحين بالقَبول وبين الإجماع الأصوليِّ الَّذي يرى تعذُّرَ العلمِ به بعد زمنِ الصَّحابة ﵁، لتفُّرقِ العلماء في الأمصارِ (٢).
وقول الصَّنعانيِّ في تحجير الإجماع ومنع تحقُّقه ضعيفٌ عند جمهور الأصوليِّين، وليست هذه الوُريْقات محلًّا لنقضه (٣)؛ فإنَّ ابنَ الصَّلاح وعلماء الحديث والأصول معه حين تكلَّموا عن موضوعِ الاتِّفاق على صحَّةِ «الصَّحيحين»، إنَّما عبَّروا عن ذلك بلفظِ (التلقِّي مِن الأمَّة بالقَبول)؛ وهذا إجماعٌ خاصٌّ سبيله التَّتبع والاستقراء، يَصِحُّ بمُجرَّد شُهرةِ الحديثِ الصَّحيحِ بين أئمَّةِ الحديث، دون إنكارٍ أو إظهارِ عِلَّةٍ تمنع القولَ بصحَّتِه ولو مِن واحدٍ (٤)؛ وهذا النَّقد يمتدُّ في ظرفٍ زمنيٍّ مُتَّسِعٍ، بلَغَ في حقِّ الصَّحيحين قرونًا من الزَّمن (٥).
وحُكم أهلِ العلمِ إذا تَكرَّر على ما عَمَّت به البَلوى واشتُهِر أمرُه، وتَكرَّرَ
стр. 495
سكوتُ الباقين عن هذا الحكم، مع طولِ الزَّمنِ، دون إبداءِ مُخالفةٍ له، فإنَّه -والحالة هذه- مِن الصُّوَر الَّتي تُفيد العِلم عند جمهورِ الأصوليِّين (١).
وقد أشار ابن السَّمعاني (ت ٤٨٩ هـ) إلى هذه الدَّقيقة بقوله:
«إنَّ التَّمادي على ذلك الزَّمان الطَّويل، ثمَّ لا يظهر من ذلك القول أحد ينكره، لأنَّه بدونِ هذا يجوز أن يسكتوا عن الإنكار عليه لغرضٍ، ويجوز أن يكون لهيبةٍ له، أو لوجلٍ منه، فأمَّا إذا مرَّ على ذلك الزَّمان الطَّويل فلا يُتصوَّر السُّكوت عن الإنكارِ من كلِّ القومِ، مع اختلافِ الطِّباع، وتباينِ الهِمم، وكثرةِ الدَّواعي من كلِّ وجهٍ، ومنها خبرُ الواحد الَّذي تلقَّته الأمَّة بالقَبول وعملوا به لأجله، فيُقطع بصدقِه، وسواءٌ في ذلك عَمل الكلُّ به، أو عمل البعضُ وتأوَّله البعض» (٢).
هذا الَّذي يؤصلِّه السمعانيُّ لمسألة تلقِّي الأخبار بالقبول، ألْزقُ ما يكون بتقرير الأصوليِّين في باب الإجماع حين قالوا: أنَّ حُكمَ أهلِ العلمِ إذا تَكرَّر على ما عَمَّت به البَلوى واشتُهِر أمرُه، وتَكرَّرَ سكوتُ الباقين عن هذا الحكم، مع طولِ الزَّمنِ، دون إبداءِ مُخالفةٍ له، فإنَّه مِن الصُّوَر الَّتي تُفيد العِلم عند جمهورِ الأصوليِّين (٣).
وقول مَن قال بجواز كِتمان مَن حمَّله الله أمانة دينِه لحُكمٍ حَديثيٍّ أو إغفاله مِمَّا يَترتَّب عليه إيمان وعملٌ، يجري قولُه هذا في القُبح مَجرى إخبارِ العلماء عن أمرٍ خلاف ما هو عليه! والله تعالى قد رَكَّز في طِباعِ الخلقِ مِن توفيرِ الدَّواعي على نقلِ ما علِموه، والتَّحدُّث بما عرفوه، حتَّى أنَّ العادةَ لتُحيل كتمانَ ما لا يُؤبه له مِمَّا جَرى مِن صِغار الأمورِ على الجمعِ القليل (٤)، فكيف على الجمعِ الكثير
стр. 496
مِن أهل العلمِ فيما هو مِن عظائم الأمور ومُهمَّاتها، كما الشَّأن في أقوالِ النَّبي ﷺ وسيرتِه؟!
فلو افترضنا أحدَ المُحدِّثين المُعتبَرين خالَف في صِحَّةِ شيءٍ مِمَّا في «الصِّحيحين»، وكان إنكارُه له حَقًّا، فإنَّه لا بُدَّ أن يبلُغ إنكارُه، تمامًا كما بلغتنا تَعقُّبات الدَّارقطنيِّ والغسانيِّ وغيرهم مِن الحفَّاظِ عليهما -مع تباعُدِ أصقاعِهم- فأخَذْنا منها وتَرَكنا.
فأمَّا أن يخالِف أحدٌ مِن مثل هؤلاء الأعلام في هذا القبول للصَّحيحين، ولا يُنقل إلينا البتَّة كما احتمَله الصَّنعانيُّ: فلم يَلتفت إلى مثلِ هذا الاحتمال أحدٌ من المحقِّقين، إذ كان خلافَ الظَّاهر عند الأصوليِّين، فلا يُؤثِّر في دعوى الاتِّفاق (١).
الجِهة الثَّانية: الاستشهادُ بِما لا يُطابق دعوى الاعتراض.
استشهد الصَّنعانيُّ على إضعافِ حكايةِ التَّلقي للصَّحيحين بالقَبول بمُجمل قولِ أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ): «مَن ادَّعى الإجماع فقد كَذب، لعلَّ النَّاس قد اختلفوا» (٢).
وهذا استشهادٌ بِما لا يُطابق دعوى اعتراضِه، فإنَّ مَن يطالع كُتبَ الأصوليِّين مِن الحنابلةِ أنفسِهم، يجدهم يحملونَ قولَ إمامِهم على حالاتٍ خاصَّةٍ، وهُم أعلمُ النَّاس حتمًا بمقصودِ مقالاتِه، دون ما قد يُفهم من إطلاق عبارته.
فهذا أبو يعلى الفرَّاء (ت ٤٥٨ هـ) عمدة الحنابلة في مذهبهم، يقول في توجيه كلامِ أحمد: «ظاهرُ هذا الكلامِ أنَّه قد منَعَ صحَّةَ الإِجماع، وليس ذلك على ظاهرِه، وإنَّما قال هذا على طريقِ الوَرع، نحو أن يكون هناك خلافٌ لم يبلغه،
стр. 497
أو قال هذا في حقِّ مَن ليس له معرفةٌ بخلافِ السَّلفِ؛ لأنَّه قد أطلقَ القولَ بصحَّةِ الإِجماع في رواية عبد الله وأبي الحارث» (١).
ويَنحو ابن تيميَّة منحىً آخر في توجيهِ كلامِ الإمام، حيث جعلَ مُرادَه الأمورَ الخفيَّةِ دون الجليَّة الشَّائعة (٢)؛ وعلى هذا التَّوجيه يكون موضوع «الصَّحيحين» خارجًا من مرام كلامه، كونهما من الأمور الشَّائعة في الأمَّة بلا مواربة.
فأمَّا ابن القيِّم (ت ٧٥١ هـ)، ففضَّل تفسيرَ نصِّ إمامِه باستحضار السِّياقِ الَّذي وَرَد فيه، فارتأى كونَه صدر منه ردَّةَ فعلٍ مبالغةً لِما قد بُلي به أحمد وشيخُه الشَّافعي (٣) وغيرهما مِن طوائف أهلِ الأهواءِ وقتهم في طعنهم بالسُّنَنِ، بدعوى عدمِ مَعرفتِها بمَن ذَهَب إليها (٤)؛ فسمُّوا عدمَ علمِهم هذا إجماعًا! واستشهد على هذا التَّوجيه بقولِ أحمد في ختمِ عبارتِه: « .. هذه دعوى بِشر المرِّيسي والأصمِّ» (٥).
والمقصود بيانُ ضعفِ استدلال الصَّنعاني بكلام أحمد، وعدمِ انطباقِه على دعواه بالتَّمام.
وزُبدة القولِ:
أنَّ تلقِّي جملةَ ما في «الصَّحيحين» بالقَبول عند علماء الحديث ممَّا لا يُمكن جحودُه عند المُنصفين، ولا يُتصَوَّر في أصلِه أيُّ خلاف؛ والصَّنعاني نفسُه لم يُصرِّح بالمخالف في ذلك! ولو حدَث خلافٌ بين العلماءِ المُعتَبرين فيه، وكان له وجه من النَّظر، لاعتُبر ذكرُه، واشتُغل بجوابِه؛ فنحن نعلمُ تحقُّق الإجماعِ على صحَّةِ جمهورِ أحاديثِهما بهذا الاعتبار.
стр. 498
لكن يُتنبَّه هنا:
إلى أنَّ الحكمَ بنفسِ هذه الدَّرجةِ مِن القطعِ لكلِّ حديثٍ من «الصَّحيحين» على حِدة أمرٌ ظنيٌّ بالنِّسبة لنا، لعلمنا أنه ليس حاصلًا في كلِّ فردٍ من أحاديثهما، فلا نقطع بنفس الدَّرجة لكلِّ حديث منهما بعينه إلَّا ما علِمنا منه ذلك بمُوجباته، وهو الأصل الغالب في أحاديث الكتابين، وهذا لا يتمُّ إلَّا بعد عمليَّة بحثٍ واستقراءٍ لأقوالِ المُتقدِّمين والمتأخِّرين في هذا الحديثِ الفردِ بعينِه.
الفرع الثَّاني: الاعتراض بالاستفسارِ على التَّلقي.
وهو أنَّ ابن الصَّلاح حين لم يحدِّد في عبارتِه مُرادَه مِن لفظ (الأُمَّة) نصًّا، راح بعض المُعترضين علىه يُفرِزون ما تحتمِله هذه اللَّفظة مِن معانٍ، فكرُّوا على كلٍّ منها بالتَّعقُّب، ليردُّوا ما تحصَّل لدى ابن الصَّلاح مِن نتيجة حُكميَّة عن طريقِ توهينِ مقدِّماتِ تلك النَّتيجة.
وهذا المسلك مِن مَسالك الاعتراضِ يُسمَّى في علم الجَدل بـ: «الاستفسارِ على الإجماع» (١)، وصورتُه: أنْ يأتي المُستدلُّ في دليلِه الإجماعيِّ بلفظةٍ غريبةٍ أو مُجملةٍ لا يَفهمها المُعترض، فيعترض على الإجماعِ بعدم وضوحِ بعضِ ألفاظِه، ويطلب تفسيرَها وتميِيزَها.
فكان أن استُعمل هذا الاعتراضُ مِن بعضِ المُعترضين لاستشكال المُرادِ مِن لفظِ (الأمَّة) في عبارة ابن الصَّلاح، ليتوصَّل بذلك إلى نفيِ دخولِ الأمَّة أجمعِها في دائرةِ التَّلقي المُدَّعى.
ترى مثال هذا الاعتراض بالاستفسار في قول ابنِ المُلقِّن (ت ٨٠٤ هـ): «إن
стр. 499
أرادَ -يعني ابنَ الصَّلاح- كلَّ الأمَّة: فهو أمرٌ لا يخفى فَسادُه؛ وإن أرادَ الأمَّة الَّذين وُجِدوا بعد وضعِ الكتابين: فهُم بعضُ الأمَّة لا كلُّها» (١).
واستُعمل هذا النَّوع مِن الاعتراض الجَدليِّ أيضًا لنفي دخولِ كلِّ المُجتهدين في لفظِ (الأمَّة)، كما تراه في دعوى الصَّنعانيِّ حين قال: «الَّذي يَغلب به الظَّن، أنَّ مِن العلماء المجتهدين مَن لا يَعرف الصَّحيحين، إذ معرفتهما بخصوصِهما ليست شرطًا في الاجتهاد» (٢).
وقال: « .. بل صرَّح إمام الشَّافعية الغزاليُّ، أنَّه يكفي فيه -يعني في شرط الاجتهادِ- سُنَن أبي داود، وصَرَّح السَّيد محمَّد -يعني ابنَ الوزير- في كتابِه القواعد، أنَّه يكفي فيه التَّلخيص الحبير» (٣).
ومِمَّا يَتَحقَّق به هذا المسلك في الاعتراضِ أيضًا: استفسارُ صاحبِ الدَّعوى عَمَّن وَقَع له التَّلقي، كما فعل الصَّنعانيُّ حيث قال: «هل هو لكلِّ فردٍ فردٍ مِن أحاديثهِما؟ فإن كان هو المُراد، فلا يتمُّ فيه الدَّعوى» (٤).
والجواب على هذه الاستفسارات المُشكلة كلِّها من عدَّة وجوه:
الوجه الأوَّل:
أنَّ هذا المَسلك في الاعتراضِ إنَّما يصحُّ بالاستفسارِ في حالةِ إجمالِ لفظِ المُستدِّل بالإجماعِ حيث يدلُّ ظاهره على عدَّةِ احتمالات مُتساوية (٥)؛ لكن لفظُ ابن الصَّلاح ظاهرٌ في قصدِه بعضَ الأُمَّة لا كلِّها، وهم المُختصُّون بالحديث وصنعتِه، وأنَّ سائر الأمَّة تبعٌ لهذا البعض.
стр. 500
وما ذكره ابن الملقِّن من احتمالِ إرادة ابن الصَّلاح كلَّ الأمَّة، أي مُنذ عهد الصِّديق ﵁ إلى ساعة كتابتِه لعبارتِه في مُبيضَّة كتابِه كما يُفهم هذا مِن كلامه لزامًا: ففَرْضٌ مُستبعدٌ أن يخطر ببالِ مُحدِّثٍ مُدقِّقٍ كابن الصَّلاح؛ فأيُّ دخلٍ لأمَّةٍ قد خَلت في مُصنَّفين حادِثين في القرن الثَّالث؟! اللَّهم إلَّا إن كان المقصود بالكُليَّةِ في عبارة ابن الصَّلاح الكُليَّةَ النِسبيَّة، أي الأمَّةَ الَّذين عايشوا زمنَ هذه الدَّعوى ومَن بعدهم، لا مَن قبلهم (١).
والَّذي يُعلم مِن حالِ ابن الصَّلاح براءتُه من هذا القصدِ، وأنَّ مَرامَه ممَّا سطَّره في هذه المسألة بعضُ الأمَّة لا كلُّها، والَّذين هم تحديدًا مِن بعدِ تأليفِ «الصَّحيحين»، بقَرينةِ إخراجِه مِن حكاية الاتِّفاقِ على صحَّة أحاديث «الصَّحيحين» الأئمَّةَ الَّذين ضَعَّفوا منها شيئًا مِمَّن جاؤوا قبل الشَّيخينِ، فلم يُمثِّل بأحدٍ منهم، بل مثَّل بمَن كان زمَنهم أو بعدهم، كالدَّارقطني، وأبي مسعودٍ الدِّمشقي، وابن مَنده، وأبي بكر الإسماعيليِّ، والغسَّاني، وغيرهم مِن جهابذة المُحدَّثين، وهؤلاء في الطَّبقاتِ الأولى الَّتي تلي الشَّيخين بخاصَّة (٢).
وهؤلاء قد مضى الأمرُ عندهم في تلكُم الطَّبقاتِ المتلاحقة على تبجيل الكِتابين، والتَّسليم لهما بِأصحِّيةِ ما فيهما إلَّا ما نبَّهوا على علَّة فيه، إلى أن استقرَّ الحالُ عند أهل الدَّرايةِ بالحديثِ - كابن الصَّلاح ومَن جاء بعده - على أنَّ عامَّةَ ما فيهما قد تَلقَّتهما العلماء بالقَبول، وأنَّه مَذهب أهلِ الحديث؛ وأهل الفنِّ إذا اجتمعوا على أمرٍ يخصُّهم، فهم بلا ريبٍ حُجَّة عند اتِّفاقهم، ولا يضرُّهم سبقُ الخلافِ مِن بعض المتقدِّمين قبلَهم على ما اتَّفقوا هُم على صحَّتِه (٣)، إذْ الصَّحيح من جهة الأصول أنَّ الإجماعَ قبل استقرارِ الخلافِ، يُزيل حكمَ الخلافِ (٤).
стр. 501
الوجه الثَّاني:
يظهر جَليًّا مِن عبارةِ الصَّنعاني توسيعُه دائرةَ المجتهدين المَعْنيِّين بالحكمِ على الحديث، لتشملَ عنده غيرَ أربابِ الفنِّ، والقرينة على قصدِه ذلك: استشهادُه على نَفيِ الاتِفاق على «الصَّحيحين» بكِتابين قد اختُصَّا بأحاديثِ الأحكامِ «سُنن أبي داود» و «التَّلخيص الحَبير»، وهذان إن كَفَيا، فيكفيان المُجتهدَ في الفقهيَّات، فألحقَ الفقيهَ بزُمرة من عُنوا بالإجماع وهم المُحدِّثون.
بل نراه يُوسِّع رُقعة الاجتهاد في أحاديث السُّنة، لتشمل أرباب المقالات البِدعيَّة، بدعوى دخولِهم في مُسمَّى الأمَّةَ (١)! وكأنَّه يَرمي إلى ضرورة اعتبارِ خِلاف طائفتِه الزَّيديَّة في أحاديث الأصولِ مِن «الصَّحيحين» (٢)! حتَّى عابَ لأجلِهم قولَ ابن الصَّلاح: «إنَّ الأمَّة تلَّقت ذلك بالقبول، سِوى مَن لا يُعتَدُّ بخلافِه ووِفاقِه» (٣).
فاعترضَ الصَّنعاني عليه بما يراه إلزامًا له بعدمِ تمامِ دعواه، بقوله: « .. ولا يخفى أن مُسمَّى الأمَّة، ودليل العصمة، شاملٌ لكلِّ مجتهدٍ، والقولُ بأنَّه لا يُعتَدُّ بمُجتهدٍ، وإخراجه عن مُسمَّى الأمَّة، لا يقبله ذو تحقيق، وإلَّا لادَّعى مَن شاء ما شاء بغير دليلٍ» (٤).
ولقد وجدنا كَدَر هذه الشُّبهة لائحًا في كتابات بعض المُعاصِرين، كما عند (الكُرديِّ) في قولِه: «دعوى الإجماع باطلةٌ، إذْ الأمَّة المحمديَّة بمختلفِ مَذاهبها الفقهيَّة، ومَدارسها الكلاميَّة لم تُجمع على ذلك، فالمعتزلة والشِّيعة، لا يرون صِحَّة ما في الصَّحيحين، بل أعلُّوها، وقالوا بأنَّ مُعظمَها مختلَق» (٥).
стр. 502
قلت: إن كان هؤلاءِ الَّذين وصَمَهم الصَّنعانيُّ بالاجتهادِ ليسوا مِن أهلِ التَّخصُّص الحديثيِّ، فلا دخل لانتسابهم للأمَّة في ما لا علم لهم به، فإنَّ العلماء «متَّفقون على الرُّجوعِ في كلِّ فنٍّ إلى أهلِه» (١).
ولا ريب أنَّ عامَّةَ الفِرق المُجافية لمنهج أهل السُّنة والجماعة على جهلٍ مُدقعٍ بالصِّناعة الحديثيَّة ومَعرفةِ السُّنَن، إلَّا من سَلَك مسلَك أهل الحديثِ في منهج النَّقد، فهؤلاء بمثابةِ «مَن عرفَ مِن العِلم ما لا أثرَ له في معرفةِ الحُكم، كأهلِ الكلام، واللُّغةِ، والنَّحو، ودقائقِ الحساب؛ فهو كالعاميِّ لا يُعتَدُّ بخلافِه، فإنَّ كلَّ أحدٍ عاميٌّ بالنِّسبةِ إلى ما لم يُحصِّلْ علمَه، وإن حصَّلَ عِلمًا سِواه» (٢).
فكان الفَرضُ إذن في ما نحن بصَدَدِه أن يُسلِّم العاميُّ -من أيِّ طائفةٍ كان، ولو كان فقيهًا بالحلالِ والحرام- أن يُسلِّم بقواعدِ نَقد الحديثِ للعالمِ بها (٣).
стр. 503
وأهلُ الكلامِ -في الجملة- مِن هذا الصِّنف المُهمَل قولُهم في هذا الفنِّ، إذ لم يَستوفوا شروطَ الاجتهاد فيه؛ فإن وُجِد منهم مَن شَغَله علمُ الأصول وبرَّز فيه، فشأنُ الأصوليِّ الصِّرفِ البحثُ في مَراتب ثبوت النُّصوص مِن جِهة التَّأصيل، أمَّا أن يحكم بمرتبة مِن تلك المراتب وصفًا لحديثٍ بعَينِه، فهذا لا يكون إلَّا للعَالِم بالحديثِ (١)؛ نظيرَ قولِهم «أنَّ تحقيقَ المَناطِ مِن صناعةِ الفقيه المُجتهد، لا مِن تحقيقِ مَسائلِ الأصولِ في ذاتِها» (٢).
وفي تقرير هذا الوجه من الجواب، يقول أَبوالمظَفَّرِ السَّمعاني (ت ٤٨٩ هـ):
«اتَّفَقَ أهلُ الحديثِ أنَّ نقدَ الأَحاديثِ مَقْصورٌ على قومٍ مخصوصين، فما قبِلوه فهو المَقبول، وما رَدُّوه فهو المردود؛ وهم: أَبو عبد الله أحمد بن حنبل الشَّيباني، وأَبو زكريَّا يحي بن مَعين البغدادي، وأبو الحسن علي بن عبد الله المديني، وأبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي .. وجَماعةٌ يكثُر عدَدُهم ذَكَرَهم عُلماءُ الأُمَّةِ.
فهؤلاء وأَشْباههم أهل نَقدِ الأحاديث وصيارفَةُ الرِّجالِ، وهم المَرجوعُ إليهم في هذا الفنِّ، وإليهم انتهَتْ رِئاسةُ العِلمِ في هذا النَّوعِ؛ فَرَحِمَ الله امرءًا عَرَف قَدْرَ نَفْسِهِ، وقدرَ بضاعته مِن العلم، فيطلبَ الرِّبحَ على قَدْره» (٣).
стр. 504
وأرباب الكلامِ وإن كانوا ذوي حِجاج في نُصرةِ أصول الدِّين، فقد ضَعُفت قلوب كثيرٍ منهم -وبخاصَّة المتأخرُّون- عن تقبُّلِ كثيرٍ مِن الصِّحاح، جرَّاء إقبالِهم على نحاتةِ الأفكار الفلسفيَّة، حتَّى فقدَ أكثرُهم المِعياريَّة العلميَّة الصَّحيحة في نقدِ الأخبار، حتَّى إذا أُورِد على بعضِ أصولِهم حديثٌ صحيحٌ عند المُحدِّثين، أوَّلوه إن وَجدوا تأويلَه قريبَ المَأخذ، وإلَّا رَدُّوه (١).
فكانوا في جملتهم غايةً في ضعفِ المعرفةِ بالأحاديث، لا يحصل لهم العلمُ بمَخبرِها بسبب ذلك، «وتجدُ أفضلَهم لا يعتقدُ أنَّه رُوِي في البابِ الَّذي يتكلَّم فيه عن النَّبي ﷺ شيءٌ، أو يظنُّ المَرويَّ فيه حديثًا أو حديثين، كما تجده لأكابرِ شيوخِ المُعتزلة، مثل أبي الحسين البصري، يعتقد أنَّه ليس في الرُّؤيةِ إلَّا حديثًا واحدًا! وهو حديث جرير ﵁، ولا يعلم أنَّ فيها ما شاء الله مِن الأحاديث الثَّابتة المتلقَّاة بالقبول» (٢).
فإنكارُ مثلِ هؤلاءِ لِما عَلِمه وقَطَع به أئمَّة الحديث، أقبحُ من إنكارِ ما هو مَشهور من مذاهبِ الأئمَّة الأربعة عند أتباعهم (٣).
وحاصل القولِ في هذا الوجه: أن لا اعتداد على صدقِ حديثٍ وعدم صدقِه إلَّا بأهلِ العلم بطُرق ذلك، وهم علماء الحديثِ، العالمِون بأحوال رسول الله ﷺ ، الضَّابطون لأقواله وأفعاله، العالمون بأحوالِ حَملة الأخبار، فإَّن علمَهم بحال المُخبِر والمخبَر عنه، ممَّا يعلمون به صدقَ الأخبار، وسائر النَّاس تَبَع لهم في معرفة الحديثِ.
الوجه الثَّالث:
أنَّ سؤال الصَّنعاني عن هذا التَّلقِّي لِما في «الصَّحيحين»، هل هو لكلِّ فردٍ من أحاديثهما؟ جوابه أن يُقال:
стр. 505
إنَّ التَّلقي للكتابين بالقَبول إنَّما هو لما تضمَّناه من أخبار مُسندةٍ مرفوعة في الجملة، لا لكلِّ حرفٍ أو لفظٍ فيهما على حِدة، فهذا ليس إلَّا للقرآنِ الكريم، فهو الَّذي قبوله فرضٌ على الأعيانِ بحروفِه وألفاظِه؛ وجميعُ أهلِ العلمِ بالحديثِ، إنَّما يجزمون بصحَّةِ جمهورِ أحاديثِ الكِتابين، لا بكلِّ حرفٍ فيهما.
فالصَّواب أن نقول: إنَّ (جمهورَ) متونِ «الصَّحيحين» مَعلومةُ الصِّحة مُتقنة، تلقَّاها أهل العلم بالحديثِ بالقَبول والتَّصديق، وأجمعوا على صِحَّتها، وأنَّ فيهما ما هو مَعلول الإسناد والمتنِ معًا، لكنَّه قليلٌ جدًّا، وهذا ما ذكره أبو عمرو ابن الصلَّاح ومَن قبله، كالحافظِ أبي طاهر السِّلفي وغيره (١).
وبهذا نعلمُ أنَّ ما وَرَد عن بعض العلماءِ مِن تعميمِ هذا الاتِّفاقَ على كلِّ حديثٍ فيهما، كما تراه في دعوى الدِّهلوي (ت ١١٧٦ هـ): «الصَّحيحان قد اتَّفقَ المُحدِّثون على أنَّ جميعَ ما فيهما مِن المتَّصلِ المَرفوعِ صحيحٌ بالقطعِ» (٢)؛ وكذا قولِ أحمد شاكر (ت ١٣٧٧ هـ): «أحاديث الصَّحيحين صحيحةٌ كلُّها، ليس في واحدٍ منها مَطعنٌ أو ضعفٌ» (٣)؛ فضلًا عمَّا تَقدَّم مِن عبارةِ الإسفرايِيني في زعمه صحَّة كلِّ ما اشتَمَل عليه الكِتابين: فهذا منهم نوعُ تساهلٌ، مُؤدَّاه الغَلط وعدم الدِّقة في العبارة؛ والأوْلى أن يُستثنى مِن جملة الاتِّفاق ما قدَّمنا شرحَه آنفًا.
وهذه الدِّقة في الاحتراز هي ما تراه في مثلِ قولِ السَّخاوي: «إنَّ الَّذي أوردَه البخاريُّ ومسلم، مُجتَمعين ومُنفَرِدين، بإسناديهما المُتَّصِل، دون ما سيأتي استثناؤُه مِن المُنتَقد والتَّعاليقِ وشِبههما: مَقطوع بصِحَّتِه» (٤).
وختامًا؛ نستطيع بعد ما مضى في هذا المَطلب كلِّه أن نسوغ جُملًا مُختصرةً تَلُمُّ شعثَ ما تَقدَّم مِن الأدلَّة، في ما يَتعلَّق بالموقفِ العلميِّ مِن دعوى الإجماعِ على «الصَّحيحين»: في كونِ الإجماعِ على صحَّةِ جمهورِ أحاديثِ «الصَّحيحين»
стр. 506
أمرٌ مقطوع به، لِلعلم بانتفاءِ المخالفِ المُؤهَّل في ذلك، وأنَّهما أصَحُّ دواوينِ السُّنةِ على الإطلاق؛ لكن لا نقطع بنفس الدَّرجة لكلِّ حديث منهما بعينه، إلَّا ما علِمنا له ذلك بمُوجباته، بعد عمليَّة بحثٍ واستقراءٍ لأقوالِ المُتقدِّمين في هذا الحديثِ الفردِ بعينِه؛ والله أعلم.
стр. 507
المطلب الثَّاني
الاعتراضُ على الاحتجاجِ بالتَّلقِّي مِن جِهة وجهِ الاستدلال والجواب عن ذلك
الفرع الأوَّل: الاعتراض بالمشاركة في الاستدلال بالتَّلقي.
والمَقصود بهذا النَّوع مِن الاعتراض: إتيانُ المُعترضِ بوجهٍ للاستدلالِ مِن دليل الإجماعِ، يُخالف ما ذَهَب إليه المُستدِلُّ به، وهو بهذا الاعتبار، إنَّما يكون بعد التَّسليمِ بسلامةِ التَّلقي أو الإجماعِ وحُجِّيَته (١).
وهذا عين ما سَلَكه النَّوويُّ ومَن تبعه على ما قرَّره ابن الصَّلاح في حقِّ أحاديث «الصَّحيحين» مِن نتيجتِه الحُكميَّة، حيث رأوا أنَّ اتِّفاقَ العلماءِ إنَّما أوجبَ العَملَ بأحاديثهما، لا القطعَ بنسبتِها في نفسِ الأمر كما قولُ ابن الصَّلاح.
فدعوى النَّووي تتَلخَّص في أنَّ تصحيحَ المُحدِّثين للخبرِ المستجمعِ لشروطِ الصِّحة يَجري على حُكمِ الظَّاهرِ لا الباطنِ، وأنَّ غايةَ ما في الحكمِ الظَّاهرِ أن يُفيد الظَّن الرَّاجح، فلا وجهَ عندهم للقطعِ والحالةُ هذه.
ومَنشأ الغَلط في هذا الاعتراضِ كامنٌ في فهمِ ما يَقصده المُحدِّثون بتعبيرِهم: (إنَّ هذا الحديث تَلقَّته الأمَّة بالقَبول)، حيث ظنَّ النَّووي ومَن معه أنَّ
стр. 508
مُستنَد ابن الصَّلاح في جزمِه بالصحَّة هو النَّظر إلى مجرَّد اتِّفاقِ العلماء على العملِ بمتونِ تلك الأحاديثِ وتصحيحِهم لأسانيدِها؛ وهذا ما يُفسِّر لنا لِمَ شنَّع العزُّ بن عبد السَّلام (ت ٦٦٠ هـ) على ابن الصَّلاح قولَه في إفادة أحاديث الصَّحيحين للعلم، وتشبيهه بقول بعضِ المعتزلة الَّذين يَرون أنَّ الأمَّة إذا عمِلت بحديثٍ، اقتضى ذلك القطعَ بصِحَّته (١)، قال: «وهو مَذهبٌ رَديءٌ» (٢)!
فعلى أساس هذا التَّصوُّر بنى النَّوويُّ ردَّه على مذهبِ جمهور أهل الحديثِ، مُستشهدًا بموقف ابنِ برهانَ البغداديِّ (ت ٥١٨ هـ) (٣) مِن أصلِ مَقولتِه (٤): أنَّ الصَّحيحَ ما ذهب إليه المُحقِّقون والأكثرون -على حَدِّ عِبارتِه- مِن انتفاءِ «الفرقِ بين البخاريِّ ومسلم وبين غيرهِما في ذلك، فإنَّ أخبارَ الآحاد الَّتي في غيرهما، يجبُ العمل بها إذا صَحَّت أسانيدها، ولا تُفيد إلَّا الظَّن، فكذا الصَّحيحان» (٥).
ومِن ثمَّ لم يكُن للكِتابين مَزيَّة عند النَّووي وابنِ برهان غير الجزم بالصِّحة الإسناديَّة واستوجابِ العمل، وبهذا افترقا عن باقي كُتبِ الحديثِ، أي «في كونِ ما فيهما صحيحًا لا يُحتاج إلى النَّظرِ فيه، بل يجب العملُ به مُطلقًا، وما كان في غيرهِم لا يُعمَل به، حتَّى يُنظر وتوجد فيه شروط الصَّحيح؛ ولا يَلزم مِن إجماع الأمَّة على العملِ بما فيهما، إجماعُهم على أنَّه مَقطوع بأنَّه كلام النَّبي ﷺ » (٦).
ومِمَّن سلك هذا المسلكَ أيضًا في الاعتراضِ على هذه الجِهة من الاستدلال: بعضُ المُتفقِّهة مِمَّن قَفَى قولًا غريبًا حمَّل فيه كلامَ ابنَ الصَّلاحِ ما
стр. 509
لا يحتملُ، حيث ادَّعَى أبو الفضل الأدفويُّ (ت ٧٤٨ هـ) (١) في كتابه «الإمتاع بأحكامِ السَّماع»، أنَّ ما احتجَّ به ابن الصَّلاح مِن تَلقِّي الأمَّةِ للصَّحيحين بالقَبول على القطعِ بما فيهما عند عدمِ المُعارض: أنَّ هذا لا يختصُّ بالصَّحيحين، فإنَّ الأمَّة تَلقَّت الكُتب الخمسةَ أو السِّتةَ أيضًا بالَقبول، وأنَّ جماعةً أطلقوا عليها اسمَ الصَّحيح أيضًا! (٢)
والجواب على هذا النَّوع من الاعتراض من عدَّة وجوه:
الوجه الأوَّل: إنَّ مجملَ ما ساقَه المُعترضون في الرَّد على أبي عمرو ابن الصَّلاح، راجعٌ إلى اعتقاد أنَّ الاتِّفاقِ على تلقِّي الأمَّة «الصَّحيحين» بالقَبول إنَّما هو اتِّفاق على العملِ بمتونِها فحسب، غير أنَّ النَّاظر في كلامِ مَن تَوَّلى حكايةَ هذا التَّلقي مِن الأئمَّة، يظهر له جليًّا تقصُّدهم لصحَّةَ النِّسبة وصِدقِها لا مُجرَّد العَمل.
شاهد ذلك: ما نقلَه ابن الصَّلاح عن أبي نصر السِّجزي (ت ٤٤٤ هـ) وأبي المعالي الجُويني (ت ٤٧٨ هـ) مِن حُكمِهما بعدمِ حنثِ مَن حَلف بأنَّ ما حَكَمَ الشَّيخان بصحَّتِه هو مِن قولِ النَّبي ﷺ (٣)، فهذا لا شكَّ منهما مُتِّجهٌ إلى تصديق نسبةِ الأخبارِ إلى النَّبي ﷺ لا مجرَّد العمل.
ثمَّ الأصلُ في حكمِ المُحدِّثين على حديثٍ ما أن يتعلَّق بصدقِ النِّسبةِ إلى
стр. 510
قائلها، وإلَّا فإنَّ علوم الحديثِ لم توضع إلَّا للفصلِ بين المَقبول والمَردودِ من الأخبارِ مِن جِهة التَّصديق أساسًا، فلا يُعدل عن هذا الأصل إلَاّ بدليل راجح.
وبهذا يتبيَّن أنَّ جوابَ النَّووي على ابن الصَّلاح بأنَّه «لا يلزم مِن إجماعِ الأمَّةِ على العملِ بما فيهما، إجماعُهم على أنَّه مَقطوعٌ بأنَّه كلام النَّبي ﷺ » (١): خارجٌ عن محلِّ النِّزاع والبحث، إذْ لم يجرِ ذكرُ العملِ في كلامِ ابن الصَّلاح أصلًا؛ فضلًا عن أن يكون في كلامِه نفحةُ اعتزالٍ كما زَعَم العِزُّ بن عبد السَّلام (٢)؛ ولكنْ اتِّفاقُ العلماء على صحَّةِ ما في «الصَّحيحين» هو ما أفادَ العلمَ بما فيهما، لا الاتِّفاقَ على العمل كما تصوَّرَ النَّووي.
ومِن ثمَّ جَرى تَعقبُّ ابن حَجرٍ عليه مِن جهة نفيِ هذا التَّصوُّر، وإثباتِ أنَّ المتمثِّل في اتِّفاقهم على الصِّحة هو الأجدر بالتَّصوُّر، إذ هو الأصل في كلامِهم كما قرَّرناه (٣)، فكان أن دعا مَن يقول بغير هذا إلى الاعترافِ بوجودِ مَزيَّةٍ للاتِّفاق على ما صَحَّ سنَدُه زائدةٍ على مَزيَّة العملِ لِما تُلقِّي وهو ضعيف السَّنَد (٤)(٥).
قال: « .. أمَّا متى قلنا يوجب العمل فقط: لزمَ تساوي الضَّعيف والصَّحيح، فلا بدَّ للصَّحيح من مزيَّة» (٦).
стр. 511
والباعثُ للنَّووي إلى أن يَظُنَّ كونَ التَّلقِّي واقعًا على العملِ بمتونِهما دون صدق النِّسبة -في نظري- شُبهتان:
الشُّبهة الأولى: اعتقادُ أنَّ الآحادَ لا تُفيد إلَّا الظَّنَّ مطلقًا، سواء بقرينةٍ أو بدونها، وهذا مذهب جمهورِ المعتزلةِ والخوارج أيضًا (١)، وظَنَّ بعض الأصوليِّين -لنَقصِ استقراءٍ منهم- أنَّه قولُ الأكثرِ (٢)!
يقول النَّووي في تقريرِه هذه الشُّبهة: «هذا الَّذي ذَكَره ابن الصَّلاح في هذه المَواضع، خلاف ما قاله المُحقِّقون والأكثرون، فإنَّهم قالوا أحاديثُ الصَّحيحين الَّتي ليست بمُتواترةٍ إنَّما تُفيد الظَّن، فإنهَّا آحاد، والآحاد إنَّما تفيد الظَّن على ما تقرَّر» (٣).
والشُّبهة الثَّانية: انفكاكُ الجِهة بين الحُكمِ الباطنِ والظَّاهر:
بمعنى أنَّ الحكم الظَّاهر على الإسناد لا يُعلَم به صدقُ الحديث في نفسِه، ولو باتِّفاقِ المُحدثِّين على صِحَّة إسناده، أو توافرَت قرائنُ تُقوِّيه، فلا أثرَ لهذا الاتِّفاقِ على الحكمِ الظَّاهري في إثباتِ العلم الباطنيِّ، ومُستند هذا كلامٌ للباقلَّاني (ت ٤٠٣ هـ) تأتي مُناقشته إن شاء الله.
فأمَّا الشُّبهة الأولى: فعلمنا أنَّها مُستند النَّووي في إنكارِ إفادة ما في «الصَّحيحين» للعلمِ، وهو -كما قال ابن تيميَّة- «قد بَنى هذا على أصلِه الواهي، أنَّ العلمَ بمَخبرِ الأخبار لا يحصُل إلَّا مِن جِهةِ العدد، فلَزِمَه أنْ يقول: ما دون العددِ لا يُفيد أصلًا، وهذا غلطٌ خالفه فيه حُذَّاق أتباعِه» (٤).
стр. 512
والردَّ عليه فيها مِن وجوه:
الوجه الأوَّل: أنَّ الأصلَ عند المحدِّثين إذا حكموا على حديثٍ بالصِّحة، أنَّهم لا يُفرِقُّون في ذلك بين الإسنادِ والمتنِ، لأنَّ اقتصارَهم على الإعلانِ بصحَّةِ الإسنادِ، تعني عند السَّامعِ أنَّ كلَّ رَاوٍ أصابَ في نقلِ الخبرِ عمَّن فوقَه، مِن أوَّلِ السَّند إلى آخرِه (١)؛ اللَّهم إلَاّ إنْ وُجِد ما يُشعِر بتقصُّدِ الواحد منهم مجرَّدَ الحكمِ الوَصْفيَّ للسَّندِ، دون الحكمِ حقيقةً على نسبةِ الخبرِ إلى قائله (٢).
فلذلك عِيبَ على الدَّارس للحديثِ أن يُفرِّق بين الأسانيد والمتون في أحكام المُحدِّثين، وأصلُ هذه الشُّبهة تَولَّدَ عند المُعاصرين مِن مُغالطاتِ المُستشرقين في فهم مَناهج المحدِّثين، فارتكبوا نفس الحماقةَ الَّتي لا يَزال المُستشرقون وتلامذَتهم يرتكبونها كلَّما عَرضوا للحديثِ النَّبوي، إذْ يَفصِلون بين السَّندِ والمتنِ مثلما يُفصَل بين خَصمين لا يَلتقيان، أو ضُرَّتين لا تجتمعان!
فمَقاييس المُحدِّثين في السَّند لا تُفصَل عن مَقاييسهم في المتن، إلَّا على سبيل التَّوضيح والتَّبويب والتَّقسيم، وإلَّا فالغالبُ على السَّند الصَّحيح أن ينتهي بالمتن الصَّحيح (٣).
الوجه الثَّاني: أنَّ الحديثَ إذا تَلقَّته أئمَّة الحديثِ بالقَبولِ تصديقًا له وعملًا: كان قرينةً تُلحق الحديثَ بصدقِ النِّسبة، لِما قدَّمناه مِن عصمة الله لهذه الأمَّة أن تجتمع على الخطأ والكذب.
يقول ابن تيميَّة: «هذا هو الَّذي ذَكَره المُصنِّفون في أصولِ الفقه، مِن أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والشَّافعي، وأحمد، إلَّا فرقةً قليلةً من المتأخِّرين
стр. 513
اتَّبعوا في ذلك طائفةً من أهل الكلام أنكروا ذلك؛ ولكنَّ كثيرًا مِن أهلِ الكلامِ أو أكثرهم يُوافقون الفقهاءَ وأهلَ الحديث والسَّلَف على ذلك.
وهو قول أكثرِ الأشعريَّة، كأبي إسحاق [الإسفراييني]، وابن فورك (١) .. وهو الَّذي ذكرَه الشَّيخ أبو حامد [الغزالي]، وأبو الطَّيب [الطَّبري]، وأبو إسحاق [الشِّيرازي]، وأمثاله مِن أئمَّة الشَّافعيَّة.
وهو الَّذي ذكَرَه القاضي عبد الوَّهاب [البغدادي]، وأمثاله مِن المالكيَّة.
وهو الَّذي ذَكَره أبو يعلى [ابن الفرَّاء]، وأبو الخطَّاب [الكلوذانيُّ]، وأبو الحسن ابن الزَّاغوني، وأمثالهم مِن الحنبليَّة.
وهو الَّذي ذكره شمس الدِّين السَّرخسي، وأمثالُه مِن الحنفيَّة» (٢).
فما نَعَت به النَّووي كلامَ ابن الصَّلاح بأنَّه «خلاف مذهبِ المحقِّقين والأكثرين» غيرُ مُتَّجِه (٣).
عَيبُ ابنِ الصَّلاح الوحيد حين صحَّح حكايته عن مرتبة أحاديث الصَّحيحين، أنَّه «لم يعرِف مذاهبَ النَّاسِ فيه ليَتقوَّى بها، وإنَّما قاله بمُوجِب الحُجَّة، وظَنَّ مَن اعترضَ عليه مِن المشايخ الَّذين فيهم علمٌ ودينٌ، وليس لهم بهذا الباب خِبرة تامَّة، لكنَّهم يرجعون إلى ما يجدونه في مختصرِ أبي عمرو ابن الحاجبِ، ونحوِه مِن مختصر أبي الحسن الآمدي والمُحصَّل، ونحوِه مِن كلام أبي عبد الله الرَّازي وأمثالِه: ظَنُّوا أنَّ الَّذي قاله الشَّيخ أبو عمرو في جمهورِ أحاديثِ الصَّحيحينِ قولٌ انفرَدَ به عن الجمهور؛ وليس كذلك! بل عامَّةُ أئمَّة الفقهاءِ، وكثيرٌ مِن المتكلَّمين أو أكثرُهم، وجميعُ علماءِ أهلِ الحديثِ على ما ذكره الشَّيخ أبو عمرو» (٤).
стр. 514
الوجه الثَّالث: أنَّا قدَّمنا آنفًا في الردِّ على الصَّنعانيِّ أنَّ ما يجبُ على الأمَّةِ قَبوله شرعًا لا يكون باطلًا في نفسِ الأمر، بل كلُّ دليلٍ يجب اتِّباعُه شرعًا، لا يكون إلَّا حقًّا، ويكون مَدلوله ثابتًا في نفسِ الأمر، فإنَّ الله تعالى لم يأمرنا باتِّباع ما ليس بحقٍّ (١)؛ هذا ابتداءً.
ثمَّ كيف لِمَن قال بمثل قولِ النَّووي أن يوجب على المُسلمِ اعتقادَ مضمونَ حديثٍ عَقديٍّ ما في «الصَّحيحين»، ثمَّ يَأمُره في الوقتِ نفسِه بأن يعتقد احتمال غلطِ الرَّواية فيه؟! كيف يقبل مسلمٌ أن يُقال له: إنَّ الإيمانَ والعملَ بهذه الأحاديث الَّتي أخرجها الشَّيخان واجبٌ شرعًا للإجماعِ، ولكنَّ العلمَ بها ظنيٌّ محتمل للكذب لا تثبت به أصول العقائد؟!
أليسَ هذا عينُ التَّناقضِ الَّذي استهجنه أحمد بن حنبل؟! (٢)
بل استهجَنه (رشيد رِضا) نفسُه! وهو يقرِّر «أنَّ أكثرَ الأحاديث الآحاديَّة المتَّفَق على صِحَّتها لذاتِها -كأكثرِ الأحاديث المُسندةِ في صَحِيحي البخاريِّ ومسلم- جديرةٌ بأن يجُزَم بها جزمًا لا تَردُّد فيه ولا اضطراب، .. ولا شكَّ في أنَّ أهل العلمِ بهذا الشَّأن، قلَّما يَشكُّون في صحَّةِ حديثٍ منها، فكيف يُمكن لمسلمٍ يجزمُ بأنَّ الرَّسول ﷺ أخبرَ بكذا، ولا يؤمن بصدقِه فيه؟! أليسَ هذا من قبيل الجمع بين الكفر والإيمان؟!» (٣).
стр. 515
وأمَّا شُبهة انفكاكِ الجِهة بين الحُكم الباطن والظَّاهر:
فتمامُ الجواب عنها عند الكلام عن الجِهة الثَّانية من جِهات الاعتراض على إفادة التَّلقِّي للعِلم إن شاء الله تعالى.
وأمَّا الجواب الثَّاني على دعوى الأُدفويِّ ومَن تابعه أنَّ التَّلقي للصَّحيحين بالقَبول حاصلٌ لغيرهما من الكتبُ السُّنن .. إلخ:
فهذا صحيح لو كان حاصلًا لأصل «الصَّحيحين» على معنى العمل بما فيها وتداولهما روايةً وتدريسًا، وهو الحاصل لباقي الكتب السِّتة؛ لكن ما أراد العلماء هذا فقط! وإنَّما تلقِّي الأمَّة لأخبار الصَّحيحين تلقٍّ خاصٌّ، هو نتاج سبر ونقد واختبار لصحَّة انطباق شروط الشَّيخين في الصِّحة.
وما كان الأُدفويُّ مِن أحْلاسِ هذا الفنِّ حتَّى يُستشكَل بكلامه على تقريراتِ الأئمَّة! وما فُصِّل جوابُه على النَّووي في الوجهِ السَّابق كافٍ في إسقاطِ كلامِه من أساسِه.
نعم؛ قد ورد عن بعض العلماء وصفَهم لبعضِ كُتب الحديث غيرَ «الصَّحيحين» بأنَّها مُتلقَّاة بالقَبول، كقول الخطابيِّ عن «سُنن أبي داود» (١)، وقول ابن حجر عن «مسند أحمد» (٢)؛ لكن كلام هؤلاء - كما أسلفنا شرحه - هو باعتبارِ تقديرِ الأمَّة لها وتكريمِها والعمل بما فيهما في الجُملة، وأنَّ تلك المُصنَّفات هي المُتلَقَّاة بالقَبول، لا أنَّ مادَّتها هي الصَّحيحة المُتلقَّاة بالقَبول، وإن شئتَ قُلتَ: أكثر ما فيها مَقبولٌ غير مَردود، وإلَّا فنفسُ مُصنِّفيها لم يزعموا لها الصِّحة ولا تقصَّدوها.
стр. 516
الفرع الثَّاني: الاعتراض مِن جهة القولِ بمُوجب الإجماع المستدلِّ به، بدعوى عقليَّة وأخرى نقليَّة.
حقيقة هذا الاعتراض على تلقِّي أحاديث «الصَّحيحين» بالقَبول، تكمنُ في أنَّ المُستدِلَّ بالإجماعِ على حكمٍ ما إذا ما وَضَّح ثبوتَ هذا الإجماعِ ووجهَ استدلالِه منه، فإنَّ المُخالِف يعترِضُ عليه بأنَّ دليلَ الإجماعِ لا يُفيد المُستَدَلَّ عليه، ويُبدي مُستَنَده في القولِ بالمُوجِب، مع بقاءِ الخِلافِ بينهما (١).
وهذا «الاعتراضُ بالقولِ بالمُوجِب»، يكون بحملِ الإجماعِ على غيرِ الموضعِ الَّذي حَمَله عليه المُستدِلُّ، بالاستنادِ على دليلٍ عقليٍّ أو نقليٍّ، وقد استُعمِل كِلا الدَّليلين في الرَّدِ على كلامِ ابن الصَّلاح، فنقول:
فأمَّا مستندهم العقليُّ في هذا الاعتراضِ:
فيتلَخَّص في نفيِ قطعيَّةِ مُستندِ الإجماعِ، وذلك بمنع تأثيرِ اتِّفاقِ الظُّنون في جعلِ المَظنونِ مِن المَنقولاتِ قطعيًّا، حيث يدَّعون أنَّ احتمالَ الخطأِ أو الكذبِ في الرِّوايةِ صِفةٌ مُلازمةٌ للمَنقولِ، يستحيل على النَّاظر رفعُها، كونَه أمرًا غيبيًّا لا يقدرون على الجزم به أصلًا، فكيف أن يُتصوَّر إجماعُهم عليه؟! إذْ لو وَجَب القطعُ بانتفائِه عندهم، لبَطُل كونُه ظنًّا، والفرضُ أنَّه ظَنٌّ (٢).
وبهذا أنكر الباقلَّانيُّ (ت ٤٠٣ هـ) أن يكون للإجماعِ على تصحيحِ الخبرِ أثرٌ في إفادتِه للعلم، حيث قال: «فإنَّ الخبرَ الواحدَ إذا لم يُوجب العلمَ، فلا يُتصوَّر اتِّفاقُ الأمَّة على انقطاعِ الاحتمالِ، حيث لا يَنقطع، والإجماعُ إنَّما يُتصوَّر فيما يجوِّزه العقل، وهذا لا يُجوِّزه العقل» (٣).
стр. 517
فلمَّا قيل: «لو رَفَعوا هذا الظَّنَّ، وباحوا بالصَّدق، فماذا تقول؟
قال مُجيبًا: لا يُتَصوَّر هذا، فإنَّهم لا يَتَوصَّلون إلى العلمِ بصدقِه، ولو قطعوا لكانوا مُجازفين، وأهلُ الإجماع لا يَجتمعون على باطلٍ» (١).
وأمَّا المستند النَّقلي للاعتراضِ على الاتِّفاق:
فمُنبنٍ على دعواهم أنَّ النُّصوص دلَّت على عدم عِصمةِ ظنِّ الأمَّةِ أن تتَّفق على خطأ، وذلك أنَّ الشَّرع إنَّما كَفل للأمَّة العِصمة في طلبِها للواجبِ عليها طلبُه، لا العصمةَ في إصابتِها ذاتَ المَطلوبِ! فلا يُوصَف حينئذٍ هذا الخطأ منها بقُبحٍ؛ قياسًا على خطأِ الأنبياءِ في بعضِ الأحوالِ مع اتِّصافهم بالعصمة أيضًا، وما دامَ أنَّ الكلَّ حُجَّة، فالحُكم واحدٌ فيما أُجمِع عليه وفيما صَدَرَ عن الرُّسُل.
ولقد أطالَ ابنُ الوَزير اليَماني (ت ٨٤٠ هـ) (٢) النَّفَسَ في تقريرِ مُخرجاتِ هذا القياس (٣)، يريد به الرَّدَّ على القائلين بأنَّ ما أخرجه الشَّيخان مَقطوعٌ بصِحَّته؛ ذلك أنَّ ابن الصَّلاح لمَّا استدَلَّ بأنَّ ظنَّ مَن هو مَعصومٌ مِن الخطأ لا يُخطئ، والأمَّةَ في إجماعِها معصومةٌ مِن الخطأ؛ ردَّ عليه بتجويزِ خطأ المَعصومِ في ظنِّه! واستدَلَّ على ذلك بوقوعِه مِن الرُّسل ﵈ مع عصمتِهم، يعني أنَّ الخطأَ يجوز في الإجماع أيضًا إذ لا يُناف العِصمة (٤).
стр. 518
فيقول: «سرُّ المسألة: هل تجويز الخطأ في ظنِّ المعصوم يناقض العصمة؟
والحقُّ أنَّه لا يناقضها، حيث يكون خطأه فيما طلب لا فيما وجب، ولا يوصف خطأه حينئذٍ بقُبح، كتحرِّي القِبلة، ووقتِ الفِطر، والصَّلاةِ، وعدالة الشَّاهد .. وأحاديثِ سهوِ النَّبي ﷺ في الصَّلاة .. »، فـ «العصمة إنَّما هي عن مُخالفةِ المَعصوم فيما أوجَبَه الله عليه، لا عن مخالفتِه ما طَلبه»؛ ومثَّل لكلامِه بوجوبِ حكم الرُّسل بين الخصمين بالبيِّنة، فهذا قد عُصموا عن مخالفتِه، فلا يَحكمون إلَّا حُكمًا جامعًا لشرائطِ الصِّحة، وأمَّا المطلوب لهم وهو موافقة الحقِّ في نفس الأمر، فهذا لم يُعصموا عن مخالفتِه (١).
فأمَّا الجواب عن المُستندِ العقليِّ لهذا الاعتراض، فمِن وجهين:
أمَّا الوجه الأوَّل: فمَنشأ الجزم بصدقِ الحديثِ بعد اتِّفاقِ المُحدِّثين على صِحَّته وتَلقِّي الأمَّة له بالقَبول، راجعٌ إلى اعتقادنا أنَّ الخبر لو كان في نفس الأمرِ كذبًا، لكانت الأمَّة قد اتَّفَقت على تصديقِ الكذبِ والعملِ به، وهذا ممَّا لا يجوز عليها، لسَبْقِ القضاءِ الكونيِّ بِحفظِ الله لهذه الأُمَّة مِن نُفوقِ الخطأِ عليها، ومُستندهم في هذا أصلِ «الحفظ الإلهي» لأدلَّةِ الوحيِ.
هذا الأصلُ مُستقرَأ من مجموعِ أدلَّةِ حفظِ الشَّريعةِ، نظيرُ جزم الفقهاءِ بصحَّة حكمٍ شَرعيٍّ قد أجمعوا عليه، بجامعِ أنَّ الفقهاء والمُحدِّثين إنَّما يَنسبون ما أجمعوا عليه إلى قولِ الشَّارع؛ فكما أنَّ إجماعهم هذا أفاد القطعَ بصحَّةِ هذا الحكمِ الفقهيِّ في باطن الأمر، مع أنَّ حكمَ أفرادِهم ظنِّيٌ في ذاتِه؛ فكذلك أجماعُ المحدِّثين على صِحَّة الخبر يُفيد القطع في باطن الأمر، وإن كان حكمُ أفرادِهم على الخبرِ ظنيًّا في ذاته.
وفي تقرير هذا الاستدلال يقول ابن تيميَّة: «لو كان الحديث كذبًا في نفس الأمر، والأمَّة مصدِّقة له قابلةٌ له: لكانوا قد أجمعوا على تصديقِ ما هو في نفس الأمر كذب، وهذا إجماع على الخطإ، وذلك ممتنع، وإن كُنَّا نحن بدونِ الإجماعِ
стр. 519
نجوِّز الخطأَ أو الكذب على الخبر، فهو كتجويزِنا قبل أن نعلم الإجماعَ على العلم الَّذي ثَبت بظاهرٍ أو قياسٍ ظنِّيٍ أن يكون الحقُّ في الباطنِ بخلافِ ما اعتقدناه، فإذا أجمعوا على الحكمِ جَزمنا بأنَّ الحكم ثابت باطنًا وظاهرًا» (١).
فما حَكَمَ به النَّبي ﷺ وقالَه في شَريعته قولًا وفعلًا وتقريرًا، هو مِن الذِّكرِ الَّذي تَكَفَّلَ الله تعالى بحفظِه، لأنَّه «مُتناول للسُّنةِ، إن لم يكُن بلفظِه فبمعناه؛ لأنَّ المقصودَ مِن حفظِ القرآن، إنَّما هو حفظ ما يُعلَم به أمرُ الله ونهيُه، وهذا ثابتٌ للسُّنة» (٢)؛ فلو جازَ على ذلك الغَلطُ أو السَّهوُ أو الكذِبُ مِن الرُّواة، ولم تقُم أمارةٌ على ذلك، ولا ظهرت علَّتُه لجميعِ أهل الحديث: لسَقَطَ حكمُ ضَمانِ الله وحِفظِه لهذا الذِّكر، ولَكانَ أوجَبَ الله على النَّاسِ أن يقولوا في شريعته ما هو في نفسِ الأمرِ كذبًا!
وهذا مِن أعظمِ الباطل؛ بل المُحقِّقون يقولون: «متى كان المُحدِّث قد كذَب أو غلط، فلا بدَّ أن ينصِب الله حُجَّة يُبيِّن بها ذلك، كما قال بعضُ السَّلف: لو هَمَّ رجلٌ في السَّحَر أن يكذبَ على رسول الله ﷺ ، لأصبحَ والنَّاس يقولون: هذا كذَّاب .. » (٣).
والتَّاريخُ خير شاهدٌ! فلقد عُرِف كذِبُ الكاذِبين في حديثِ رسولِ الله ﷺ ، ووَضعُ الوَضَّاعين فيه، ودُوِّن ما صَحَّت نسبتُه إلى رسول الله ﷺ ، وكُشِف حالُ ما لم تصحَّ نسبتُه إليه، كما دُوِّن مَن يروي عنه ممَّن لا يروي عنه، «حتَّى أصبحَ مِن المستحيل قَبول حديثٍ ليس معروفًا في دواوينِ السُّنة، ولم يبقَ مجالٌ لطعنٍ مَقبولٍ إلَّا بما هو مُدوَّن في كُتبِ علوم الحديثِ والرِّجال؛ اللَّهم إلَّا ما قد يفرِضُه العقل، والعقلُ قد يفرض المُحال!» (٤).
стр. 520
ومِن هذا الُمحال: أن يُلصَق بالشَّريعةِ ما ليس منها على وجهٍ لا يُمكن لأهلِ العلمِ نفيُه عنها، ومِن تمامِ ذلك: أن يجعلَ الله عددًا مِن العلماءِ إن أخطأَ الواحدُ منهم في أمرِ حديثٍ، «كان الآخرُ قد أصابَ فيه، حتَّى لا يضيع الحقُّ» (١)؛ فمِن هنا قُلنا بلزومِ نقلِ الحقِّ الَّذي عند المُنكِر للحديثِ ضرورةً، كي تُقام به الحُجَّة، حتَّى لا يُتوَهَّم ما ليس بدليلٍ دليلًا.
ومن هنا أيضًا قلنا: أنَّ الإجماع على خبرٍ لو لم يكُن حكمُه مُطابقًا للحقِّ، لما مُكِّنِت الأُمَّة مِن الاتِّفاق عليه أصلًا، «لأنَّ عادةَ خبرِ الواحدِ الَّذي لم تقُم الحُجَّة به، ألَاّ تجتمع الأمَّة على قَبولِه» (٢).
فهذا الأصل من الحفظ الإلهيِّ هو الباعث لابن الصَّلاح على تركِ قولِه الأوَّل والَّذي عليه النَّووي، والإيمانِ بأنَّ اتِّفاقَ الأمَّة يفيد القطعَ ولو كان ظنيَّ المُستنَد في أصلِه، كما في قوله: « .. ولهذا كان الإجماع المنبني على الاجتهاد حُجَّة مقطوعًا بها، وأكثر إجماعات العلماء كذلك» (٣).
وحاصل هذا الوجه من الجواب: أنَّ ما صَحَّ مِن الأخبارِ وتَلقَّته الأمَّة بالقَبول -كالحاصل لجمهور أحاديث الصَّحيحين- مقطوع بصحَّتِه، لا مِن جِهة كونِه خبرَ واحدٍ، فإنَّه مِن حيث هو كذلك مُحتَمل، لِما ذُكر مِن الكذِب والغلطِ على الرَّاوي.
وإنمَّا وَجَب أن يُقطَع بصحَّتِه لأمرٍ خارجٍ عن هذه الجِهة: وهو أنَّ الشَّريعةَ محفوظةٌ، والمَحفوظُ ما لا يَدخلُ فيه ما ليس منه، ولا يخرج عنه ما هو منه؛ فالعلمُ بصدقِ الخبر المُتلقَّى بالقبول هو مِن هذه الجِهة، فصارَ بهذا كالإجماع، والعِصمة المُحصَّلة مِن هذا الاتِّفاق أَقوى ممَّا يُظَنُّ أنَّه يقينٌ عقليٌّ.
стр. 521
ثمَّ الوجه الثَّاني من الجواب:
أنَّ استدلال الباقلَّاني ومَن تبعه بأنَّ الخبرَ الواحدَ إذا لم يُوجب العلمَ في نفسِه، فلا يُتصوَّر اتِّفاقُ الأمَّة على انقطاعِ الاحتمالِ فيه؛ غلطٌ مَنشأه نظرُته الانفراديَّة إلى آحادِ الأدلَّة مُجرَّدةً عمَّا يحتفُّ بها مِن دلائل وقرائن، تفيد بمجموعِها غيرَ ما تفيده آحادُها؛ وهذا غلطٌ حاصلٌ في كتابات كثيرٍ مِن أربابِ العلومِ الكلاميَّة في المسائل الأصليَّة والفرعيَّة.
وقد نبَّه الشَّاطبي إلى خلل النَّظر إلى النُّصوص بهذه النَّظرة القاصرة فقال: « .. قد أدَّى عدمُ الالتفاتِ إلى هذا الأصل وما قبله، إلى أنْ ذهبَ بعضُ الأصوليِّين إلى أنَّ كونَ الإجماع حُجَّةً ظنيٌّ لا قطعيُّ، إذْ لم يَجد في آحادِ الأدلَّة بانفرادِها ما يفيده القطعَ، فأدَّاه ذلك إلى مُخالفةِ مَن قبله مِن الأمَّة ومَن بعده!» (١)؛ هذا من جِهة.
ومن جِهةٍ ثانيةً: فإنَّ استبعادَ الباقلَّاني تصوُّرَ الاتِّفاقِ على انقطاعِ الاحتمالِ في خبرِ الواحدِ إذا لم يوجب العلمَ مُتجِّهٌ لو أنَّ كلَّ فردٍ مِن أفراد المُجمِعين قَصَدوا رفعَ هذا الاحتمالِ ابتداءً! في حين أنَّ الاحتمال انقطعَ عن تلقِّي الأمَّة للحديث بالقَبول باعتبارِ الهيئة الاجتماعيَّة لا الهيئة الانفراديَّة!
تمامًا كالعادة المُطَّردة الَّتي أحالت تواطؤَ رواةِ التَّواترِ على الكذبِ، حتَّى أفادَ خبرُهم العلمَ الضَّروريَّ، مع أنَّ خبرَ الواحدِ منهم لا يَنفكُّ عنه احتمالُ الخطأ أو الكذب (٢)؛ فكذا قول الأمَّة من حيث هو وحكمهم لا ينافي الخطأ، لكن لمَّا قام الدَّليل على عصمة هيئتهم الاجتماعيَّة وجب القول به من هذا الوجه.
ومن جِهةٍ ثالثة: أصلُ اعتراضِ الباقلَّاني مُتفرِّعٌ عن مسألةٍ أصوليَّةٍ مُتعلِّقة بمستندِ الإجماعِ الظنِّي، ذهبَت فيه طائفة من الأصوليِّين إلى أنَّ الدَّليلَ الظنِّي
стр. 522
لا يُوجب العلمَ القطعيَّ، فلا يجوز أن يَصدُر عنه الإجماع، لأنَّ الإجماعَ يُوجِب العلمَ القطعيَّ؛ إذ لو استنَدَ الإجماع لغيرِ القطعيِّ لكان الفرعُ أقوى مِن الأصل، وهذا عندهم غير مَعهود في الشَّرع.
والصَّواب في المسألةِ: ما ذهبَ إليه الجمهور مِن أنَّ الاتِّفاقَ إن وُجِد مِن علماء الفنِّ، فهو دليل وحُجَّةٌ يُفيد القطعَ، سواء أكان هذا الاتِّفاق عن دليلٍ قطعيٍّ أو ظنِّي، لأنَّ الحجَّة تنتقل مِن ذلك المستندِ إلى الإجماع ذاتِه (١).
هذا؛ ولسنا نُسلِّم بصحَّة سؤالِ الباقلَّاني هذا مِن أساسه، حيث أحالَ انقلابَ الظَّني المُحتَملِ إلى قطعيٍّ، فضلًا عن أن يُعترَض بمثلِه على ما قرَّرهِ ابن الصَّلاح ودَلَّل به؛ وذلك: لأنَّ الظَّن والقطعَ ليسا صِفةً مُطَّردة للدَّليل في نفسِه، بل هما مِن عوارضِ اعتقادِ النَّاظر المُستدِلِّ بحسبِ ما يظهر له مِن الأدلَّة، أمَّا الخبرُ في نفسِه فلم يكتسب صفةً في ذاتِه، حتَّى يُستنكَر تحوُّله إلى صفةٍ أخرى (٢)!
وعلى هذا: فإنَّ وصفَ الحديثِ بالقطعيَّة أو الظنيَّة وَصفٌ نِسبيٌّ ليس مُطَّردًا، يختلف باختلافِ مَداركِ المُستدلِّ في نظرِه إلى أحوالِ النَّاقلين، وأحوالِ طُرقِ المَنقولاتِ، وفي قوَّةِ الإدراكِ والاستقراءِ أو ضعفِه، وكثرةِ البحثِ وقِلَّتِه ونحو ذلك؛ فانصراف نظر الباقلَّاني عن هذا التَّقرير الدَّقيق هو ما أوجب له ذاك السُّؤال.
стр. 523
وأمَّا الجوابُ عن مُستنَدِهم النَّقلي في نفي دلالة التَّلقي للحديث بالقبول على الجزم بصدقه، فمِن وجوه:
الوجه الأول:
اعتقادُ ابن الوزيرِ كفالةَ الشَّارع العِصمة فيما وَجبَ على المعصومِ فعله، لا فيما طَلب مِن الحقِّ (١): غير صَحيح، فإنَّه يُنافي الحِكمة مِن بعثِ الرُّسُل ﵈، مع إفضائه إلى تجويز اجتماعِ الأمَّة على خطأٍ، يقول فيه ابن تيميَّة: «يلزم منه أنْ لا يكون قولُ أهلِ الإجماع حُجَّة، بل هو كقولِ الواحدِ مِن المُجتهدين، وليس هذا مذهبَه، وإن لَزِم تناقضُه» (٢).
وما استدَّل به ابن الوزير مِن أمثلةِ ما جازَ أن يُخطئ فيه الأنبياء، ثمَّ قياسه على ذلك أن يُخطِئ الإجماعُ الحقَّ بجامعِ العِصمة فيهما: استدلالٌ منه خارج عن محلِّ النَّزاعِ، كونُ ما مثَّل به واقعًا في ما لم يكفل فيه الشَّارعُ عصمةً لنبيٍ أصلًا؛ بيان ذلك:
أنَّ عِصمة الرُّسل ﵈ إنَّما كُفلت فيما يخصُّ تحمُّلَهم للدِّين وتبليغه، فلا يجوز أن يستقرَّ في ذلك شيءٌ مِن الخطأ البتَّة (٣)؛ وحيث احتجنا أن نقيسَ عِصمة الإجماعَ على عِصمة الأنبياء، فليكُن في هذا النِّطاقِ من التَّبليغِ والتَّشريع، فما حَكمَت به الأمَّة أنَّه مِن دِين الله تعالى، فهو حُجَّة قطعيَّة لا يجوز المُعارضة فيه، كما أنَّ النَّبي إذا حَكَم على قولٍ أنَّه مِن الله، كان حُجَّة قطعيَّة.
стр. 524
أمَّا في غير التَّبليغ الدِّينيِّ -كالأمورِ البشريَّة المَحضة، أو ما لا وحيَ فيه مِمَّا يَستوجبُ اجتهادًا مِن الأنبياءِ- فيجوز على الأنبياء في ذلك ما يجوزُ على غيرهِم مِن البَشر مِن الخطأِ والنِّسيان، وإن كانوا أكملَ النَّاس في الأمرين عقلًا وتدبيرًا، وهم لا يُقرُّون على خطأ في التَّشريع.
فكان منشأ الغلَط الَّذي وقع فيه ابن الوزير: أنَّه استشهد بأمثلة من تصرُّفات الأنبياء مُتعلِّقة بغير التَّبليغ والتَّشريع؛ كسهوِ النَّبي ﷺ في الصَّلاة، إذ كان واقعًا منه مِن غير تقَصُّد، بل لمَّا استُفسِر عنه أزالَ احتمالَ التَّشريع مِن تصرُّفه، وبيَّن بقولِه أنَّ فِعلَه خطأٌ خارجٌ عن قصدِ التَّبليغ.
وكذا ما ذكره من مثال أقضيةِ النَّبي ﷺ المَبنيَّةِ على شهادة الخصومِ، فإنَّ الأمور القضائيَّة على الأعيانِ ليست مِن ذاتِ التَّشريعِ، فإنَّ الله تعالى لم يتَكفَّل بحفظِ الدِّماء أن تُهرق، ولا بصيانةِ الأموالِ أن تُؤخَذ، ولا بالفروج أن تُستباح بغير حقٍّ، في الخصوماتِ والأقضيةِ، لا في عهد النُّبوة ولا بعدها، وهذا من بصائر قوله ﷺ : «إنَّما أنا بَشر، وإنَّه يأتيني الخصم، فلعلَّ بعضكم أنْ يكون أبلغ من بعضٍ، فأحسب أنَّه صَدَق، فأقضي له بذلك، فمَن قضيتُ له بحقِّ مسلم، فإنَّما هي قطعةٌ من النَّار، فليأخذها أو فليتركها» (١).
أمَّا اتِّفاق العلماء على صحَّة حكم شرعيٍّ، فهو مِن لبِّ التَّشريع! وما يَترتَّب على احتمالِ الكذبِ أو الوَهم في الرِّوايةِ مِن المَحظورات، لا يَترتَّب على احتمالِ كذبِ الشَّاهدِ في قضاءٍ مِن الأقضية، فلا يصحُّ قياسه على تلك الأمثلة.
يقول المُعلِّمي: «إنْ استمرَّ الحالُ على إثباتِ حديثٍ ولم يَتبيَّن فيه خطأٌ، فقد يُقال إنَّه صارَ مَقطوعًا بصحَّته؛ وهذا بخلافِ الشَّهادة، فإنَّها قد تكون باطلةً في نفسِ الأمرِ، ولا يفضحها الله ، لأنَّها في واقعةٌ واحدةٌ، لا تقتضي الحكمةُ أن لا يقع الحُكم بها» (٢).
стр. 525
ومِن هنا يظهر خطأ آخر لابن الوزيرِ، حينَ أوجب استيفاء حكم الواحدِ مِن الرُّسلِ بين الخصمين للبيِّنات، وأنَّه «قد عُصم عن مُخالفتِه، فلا يَحكم إلَّا حُكمًا جامعًا لشرائطِ الصِّحة» (١)، دون لزومِ إصابة الحقِّ في نفس الأمر كما ادَّعاه.
ونحن نقول: أنَّ ذاتَ الآلياتِ القضائيَّة لا عصمةَ فيها أيضًا! وقِصَّة قضاءِ داود ﵇ على مَن تسوَّروا المِحراب، وعِتابُ الله له عدمَ استيفاء السَّماع مِن الطَّرفين لأكبر شاهدٍ على ما نقول.
الوجه الثَّاني:
أنَّ ما طابقَ ما في نفسِ الأمر مِن أفعالِ الرُّسل وأقوالهم أكثرُ مِمَّا خالَف، فإنَّ المُخالفَ أندرُ شيءٍ بالنِّسبة إلى ما طابقَ، وما خالفَ منه جاءَ الوحيُ بتصويبِه، فلا يُقتدَى بما لم يُصادِف الحقَّ (٢)؛ لكن لا سبيلَ لنا إلى العلمِ بأنَّ المَعصومَ قد أخطأَ في نفسِ الأمرِ إلَّا بوحيٍ، وابنُ الوزيرِ قد جَوَّز الخطأَ على المُجمِعين، فكذا لا سبيلَ لنا إلى معرفةِ خطأِ هذا الإجماع لمِا طُلِب إلَّا بدليل الوحي! والوحي قد انقطع؛ فيبقى الأصلُ في الإجماع مُطابقته للشَّرع.
الفرع الثَّالث: الاعتراضُ على دعوى الاتِّفاق بنفيِ تحقُّق لوازِمه.
مِن الأدلَّة الَّتي سَعى بها المُعارضون لنفيِ إفادة أحاديثِ «الصَّحيحين» للعلم، قولهم بانتفاءِ تحقُّقِ بعضِ لوازم هذا القولِ، وأنَّه لو كان صحيحًا، لوُجِدت معه تلك اللَّوازم.
هذه اللَّوازم ثلاثة:
اللَّازم الأوَّل: أنَّه لو حَصَل العلمُ بأخبارِ «الصَّحيحين»، لمَا «وَقَع فيهما أحاديثُ مُتعارضةٌ لا يُمكن الجمعُ بينهما، والقَطعيُّ لا يَقع فيه التَّعارض» (٣).
стр. 526
واللَّازم الثَّاني: أنَّه لو حصَل العلمُ بأخبارِهما، «لَحصل لكافَّةِ النَّاسِ كالمُتواتر» (١).
واللَّازم الثَّالث: أنَّه لو حصَل العلم بأخبارهما، لأوجبنا عِصمةَ صاحِبَيهِما! و «البخاريُ ليس مَعصومًا، وأهلُ العلمِ غلَّطوهما في مَواضع» (٢)؛ ومن هنا ادَّعى (صادق النَّجميُّ) على علماء السُّنةِ أنَّهم يقولون بعصمةِ «الصَّحيحين»! وأنَّهما مُنَزَّهين «مِن أنْ تَنالهما الآراءُ والأفكارُ وإبداء الرَّأي فيهما، وأنَّ البحثَ والتَّحقيقَ فيهما، يكادُ يكون تَوهينًا لهما، وهذا بمثابةِ التَّوهين للقرآن، ولا توبةَ ولا غفرانَ لِمن يقومُ بذلك»! (٣).
فأمَّا الجواب عن اللَّازم الأوَّل:
قد سَبق ذكر احتِرازِ ابن حجَر باستثناء ما تَعارض مِن أحاديثِهما من غير مرجِّح أن يفيد العلم، فلا طائل من إعادة الكلام فيه.
وأمَّا الجواب عن اللَّازمِ الثَّاني، في دعوى أنَّ العلم بتلك الأحاديث لو حصل لكان لكافَّة النَّاس كالمتواتر:
فقد نبَّهنا قريبًا إلى كونِ الحديثِ ظنِّيًا أو قطعيًّا أمرٌ نسبيٌّ لا يعمُّ، إذ ليسَا صفةً مُلازمةً للدَّليل في نفسِه، بل يختلفُ الأمر بحسبِ ما وَصل إلى المُدرِكِ مِن الأدلَّة، وقدرتِه على الاستدلالِ بها؛ والنَّاس يختلفون في هذا وذاك، ومِن ثمَّ فلا يجوزُ نفيُ قطعيَّة الدَّليل عند زيدٍ، لمجرَّدِ أنَّ عمروًا رآه ظنيًّا، كما لا يجوز نفيُ القطعيَّة عن الخبرِ عند المُحدِّثين أهل الاختصاص، لمُجرَّد أنَّ العوامَّ يرونَه ظنِيًّا (٤).
стр. 527
وأمَّا الجواب عن اللَاّزم الثَّالث في دعوى أنَّ الجزم بأخبار «الصَّحيحين» يقتضي عصمة صاحبيهما:
فإنَّ عدم عِصمة الشَّيخين تُنتج احتمال الخطأ، لا الجزم بالخطأ! وهذا الاحتمال ارتفع بتواتر أنظار النُّقاد على كتابيهما طيلة قرون؛ فما في «الصَّحيحين» لم يُفِدنا العلمَ بصحِّته لمجرَّد أنَّهما مِن تصنيفِ البخاريِّ ومسلمٍ؛ فما نبس بهذا أحدٌ من أهلِ الفهم، وما ينبغي للعاقل أن يقولَه، بل هذا الحكم نتاجُ تراكمِ مُعطياتٍ علميَّة أخرى أفادت أحاديث الكتابين ذلك، أي أنَّ مُتعلَّق العصمة هو نظر الأُمَّة إلى كِتابيهما، لا شَخصا البخاريِّ ومسلم! ونتيجةً لعدمِ إدراكِ هذا الفرق، دخل الالتباس على من يعترض بهذه الشُّبهة.
ثمَّ إنَّا قد قدَّمنا أنَّ أهلَ النَّقد قد خَطَّؤوا الشَّيخين في مَواضع من كِتابيهما، وكان الرَّاجح في مَواضع منها قول مَن خطَّأهما -وإن كان نادرًا-؛ ولذلك نقول على وجه الدِّقة: (جمهور) أحاديث الصَّحيحين تفيد العلم، أو: أحاديث الصَّحيحين مقطوع بصحَّتها (في الجملة) لا مطلقًا.
فها نحن ذا نُثبت أخطاء في الصَّحيحين! فأيُّ مَحلٍّ مِن الإعرابِ يبقى لذكرِ العِصمة هنا؟ وأيُّ حقِّ أريد به باطل أبين مِن هذه المُغالطة؟! فلَكَم ارتُكِبت في هذا الزَّمان مِن جرائم في حقِّ العلمِ وأهلِه بهذه الذَّريعة:
يُتطاوَل على جَنابِ الصَّحابة ﵃، بحجَّةِ عدم عِصمتِهم!
ويُغمَط فقهُ الأئمَّة الأربعة، بحُجَّة عدم عِصمتِهم!
وتُنقَض أصول العلوم الإسلاميَّة، بحجَّة أنَّها نتاجُ بشريٌّ غير مَعصوم!
وهكذا يُطعَن في «الصَّحيحين»، بحُجَّة أنَّ الشَّيخينِ غيرُ مَعصومين!
وكأنَّ نَفْيَ العِصمةِ عن هؤلاء الأكابرِ، يُبيح للأصاغرِ الكلامَ فيما ليس لهم به علمٌ، مع جرعةٍ زائدة مِن قلَّةِ الأدبِ!
ولسنا في المُقابل نمنعُ تخطئةَ العلماء ونقدَ نتاجِهم عمَّن كان مُؤهَّلًا بدعوى أنَّ لحوم العلماء مسمومة! كما لا نَدَّعي أنَّ الدَّعوةَ إلى تنقيةِ التُّراث الإسلاميِّ في
стр. 528
مُجملها دعاوى مَشبوهة ممنوعة بإطلاقٍ، بحُجَّة أنَّ مَن يُدندِن عليها هم مِن المُتلاعبِين بالدِّين!
فلسنا ننزع إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء؛ فإنَّهما آفةُ العلم في زمانِنا، وكلُّ طائفةٍ منهما فتنةٌ لأختها، وضجيجُهما في العلمِ أكثرُ ما يَملأ السَّاحةَ العلميَّة والفكريَّة في زمانِنا للأسف؛ وإلى الله المُشتكى.
стр. 529
الفصل الثَّالث
دعوى إغفال البخاريِّ ومسلم لنقد المتون
стр. 530
المَبحث الأوَّل
مقالات المُعاصرين في دعوى إغفال الشَّيخين لنقد المتون
إغفال تفحُّص المتونِ في عمليَّة النَّقد الحديثيِّ، بعرضِها على أصولِ الشَّرعِ ومُسَلَّمات العقلِ؛ تُهمة اتُّخذت مِعوَلًا توسَّل به كلُّ مَن أزَّته نفسُه لرَدْمِ ما لم يَستسِغه عَقلُه أو ذَوْقُه مِن أخبارِ «الصَّحيحين».
وهي لا شكَّ تهمةٌ وشَيْنٌ لذاتِ المنهجِ النَّقديِّ الَّذي ابتَنَى عليه الشَّيخانِ أحكامهما الحديثيَّة، واعتمداه في تميِيز الأخبارِ كسائرِ المُحدِّثين، منهجٍ بانَتْ مَعالِمه جَليَّةً في مُمارساتِهم النَّقديَّةِ للتُّراثِ الشَّرعي عبر دهورٍ مِن الزَّمن؛ قومٌ أنهكوا أعمارَهم في تفحُّصِ الرِّواياتِ وِفقَ نظرٍ مَنهجيٍّ صارمٍ لا يحابي أحدًا، وممارساتٍ تطبيقيَّةٍ دَؤوبةٍ لهذا الفنِّ، لا ينكرُ جهدَهم في ذلك إلَّا جاحدٌ يُزري بنفسِه.
وكثيرٌ مِمَّن تجاسرَ مِن أهل زمانِنا على أخبار «الصَّحيحين» بالطَّعنِ، يشكرون للشَّيخينِ جهدَهما في ما تَقصَّداه مِن التَّصنيفِ، لكنَّهم يحكمونَ على مُحاولتِهما في ذلك بالفَشَلِ! بحجَّة اختلالِ المَسْلكِ النَّقديِّ الَّتي اتَّبعوه في ذلك؛ منشأ هذا الخَلَلِ كامنٌ بزعمهم في تَمَحورِ عملهما -كباقي المُحَدِّثين- حول رُكنٍ واحدٍ مِن رُكْنَي الرِّوايةِ، وهو الإسنادَ وما تعلَّق به مِن مَباحث، فلم يَرعوا المتنَ تلك العنايةِ اللَّازمة.