← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 224

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

واللَّازم الثَّاني: أنَّه لو حصَل العلمُ بأخبارِهما، «لَحصل لكافَّةِ النَّاسِ كالمُتواتر» (١). واللَّازم الثَّالث: أنَّه لو حصَل العلم بأخبارهما، لأوجبنا عِصمةَ صاحِبَيهِما! و «البخاريُ ليس مَعصومًا، وأهلُ العلمِ غلَّطوهما في مَواضع» (٢)؛ ومن هنا ادَّعى (صادق النَّجميُّ) على علماء السُّنةِ أنَّهم يقولون بعصمةِ «الصَّحيحين»! وأنَّهما مُنَزَّهين «مِن أنْ تَنالهما الآراءُ والأفكارُ وإبداء الرَّأي فيهما، وأنَّ البحثَ والتَّحقيقَ فيهما، يكادُ يكون تَوهينًا لهما، وهذا بمثابةِ التَّوهين للقرآن، ولا توبةَ ولا غفرانَ لِمن يقومُ بذلك»! (٣). فأمَّا الجواب عن اللَّازم الأوَّل: قد سَبق ذكر احتِرازِ ابن حجَر باستثناء ما تَعارض مِن أحاديثِهما من غير مرجِّح أن يفيد العلم، فلا طائل من إعادة الكلام فيه. وأمَّا الجواب عن اللَّازمِ الثَّاني، في دعوى أنَّ العلم بتلك الأحاديث لو حصل لكان لكافَّة النَّاس كالمتواتر: فقد نبَّهنا قريبًا إلى كونِ الحديثِ ظنِّيًا أو قطعيًّا أمرٌ نسبيٌّ لا يعمُّ، إذ ليسَا صفةً مُلازمةً للدَّليل في نفسِه، بل يختلفُ الأمر بحسبِ ما وَصل إلى المُدرِكِ مِن الأدلَّة، وقدرتِه على الاستدلالِ بها؛ والنَّاس يختلفون في هذا وذاك، ومِن ثمَّ فلا يجوزُ نفيُ قطعيَّة الدَّليل عند زيدٍ، لمجرَّدِ أنَّ عمروًا رآه ظنيًّا، كما لا يجوز نفيُ القطعيَّة عن الخبرِ عند المُحدِّثين أهل الاختصاص، لمُجرَّد أنَّ العوامَّ يرونَه ظنِيًّا (٤).

стр. 527

وأمَّا الجواب عن اللَاّزم الثَّالث في دعوى أنَّ الجزم بأخبار «الصَّحيحين» يقتضي عصمة صاحبيهما: فإنَّ عدم عِصمة الشَّيخين تُنتج احتمال الخطأ، لا الجزم بالخطأ! وهذا الاحتمال ارتفع بتواتر أنظار النُّقاد على كتابيهما طيلة قرون؛ فما في «الصَّحيحين» لم يُفِدنا العلمَ بصحِّته لمجرَّد أنَّهما مِن تصنيفِ البخاريِّ ومسلمٍ؛ فما نبس بهذا أحدٌ من أهلِ الفهم، وما ينبغي للعاقل أن يقولَه، بل هذا الحكم نتاجُ تراكمِ مُعطياتٍ علميَّة أخرى أفادت أحاديث الكتابين ذلك، أي أنَّ مُتعلَّق العصمة هو نظر الأُمَّة إلى كِتابيهما، لا شَخصا البخاريِّ ومسلم! ونتيجةً لعدمِ إدراكِ هذا الفرق، دخل الالتباس على من يعترض بهذه الشُّبهة. ثمَّ إنَّا قد قدَّمنا أنَّ أهلَ النَّقد قد خَطَّؤوا الشَّيخين في مَواضع من كِتابيهما، وكان الرَّاجح في مَواضع منها قول مَن خطَّأهما -وإن كان نادرًا-؛ ولذلك نقول على وجه الدِّقة: (جمهور) أحاديث الصَّحيحين تفيد العلم، أو: أحاديث الصَّحيحين مقطوع بصحَّتها (في الجملة) لا مطلقًا. فها نحن ذا نُثبت أخطاء في الصَّحيحين! فأيُّ مَحلٍّ مِن الإعرابِ يبقى لذكرِ العِصمة هنا؟ وأيُّ حقِّ أريد به باطل أبين مِن هذه المُغالطة؟! فلَكَم ارتُكِبت في هذا الزَّمان مِن جرائم في حقِّ العلمِ وأهلِه بهذه الذَّريعة: يُتطاوَل على جَنابِ الصَّحابة ﵃، بحجَّةِ عدم عِصمتِهم! ويُغمَط فقهُ الأئمَّة الأربعة، بحُجَّة عدم عِصمتِهم! وتُنقَض أصول العلوم الإسلاميَّة، بحجَّة أنَّها نتاجُ بشريٌّ غير مَعصوم! وهكذا يُطعَن في «الصَّحيحين»، بحُجَّة أنَّ الشَّيخينِ غيرُ مَعصومين! وكأنَّ نَفْيَ العِصمةِ عن هؤلاء الأكابرِ، يُبيح للأصاغرِ الكلامَ فيما ليس لهم به علمٌ، مع جرعةٍ زائدة مِن قلَّةِ الأدبِ! ولسنا في المُقابل نمنعُ تخطئةَ العلماء ونقدَ نتاجِهم عمَّن كان مُؤهَّلًا بدعوى أنَّ لحوم العلماء مسمومة! كما لا نَدَّعي أنَّ الدَّعوةَ إلى تنقيةِ التُّراث الإسلاميِّ في

стр. 528

مُجملها دعاوى مَشبوهة ممنوعة بإطلاقٍ، بحُجَّة أنَّ مَن يُدندِن عليها هم مِن المُتلاعبِين بالدِّين! فلسنا ننزع إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء؛ فإنَّهما آفةُ العلم في زمانِنا، وكلُّ طائفةٍ منهما فتنةٌ لأختها، وضجيجُهما في العلمِ أكثرُ ما يَملأ السَّاحةَ العلميَّة والفكريَّة في زمانِنا للأسف؛ وإلى الله المُشتكى.

стр. 529

الفصل الثَّالث دعوى إغفال البخاريِّ ومسلم لنقد المتون

стр. 530

المَبحث الأوَّل مقالات المُعاصرين في دعوى إغفال الشَّيخين لنقد المتون إغفال تفحُّص المتونِ في عمليَّة النَّقد الحديثيِّ، بعرضِها على أصولِ الشَّرعِ ومُسَلَّمات العقلِ؛ تُهمة اتُّخذت مِعوَلًا توسَّل به كلُّ مَن أزَّته نفسُه لرَدْمِ ما لم يَستسِغه عَقلُه أو ذَوْقُه مِن أخبارِ «الصَّحيحين». وهي لا شكَّ تهمةٌ وشَيْنٌ لذاتِ المنهجِ النَّقديِّ الَّذي ابتَنَى عليه الشَّيخانِ أحكامهما الحديثيَّة، واعتمداه في تميِيز الأخبارِ كسائرِ المُحدِّثين، منهجٍ بانَتْ مَعالِمه جَليَّةً في مُمارساتِهم النَّقديَّةِ للتُّراثِ الشَّرعي عبر دهورٍ مِن الزَّمن؛ قومٌ أنهكوا أعمارَهم في تفحُّصِ الرِّواياتِ وِفقَ نظرٍ مَنهجيٍّ صارمٍ لا يحابي أحدًا، وممارساتٍ تطبيقيَّةٍ دَؤوبةٍ لهذا الفنِّ، لا ينكرُ جهدَهم في ذلك إلَّا جاحدٌ يُزري بنفسِه. وكثيرٌ مِمَّن تجاسرَ مِن أهل زمانِنا على أخبار «الصَّحيحين» بالطَّعنِ، يشكرون للشَّيخينِ جهدَهما في ما تَقصَّداه مِن التَّصنيفِ، لكنَّهم يحكمونَ على مُحاولتِهما في ذلك بالفَشَلِ! بحجَّة اختلالِ المَسْلكِ النَّقديِّ الَّتي اتَّبعوه في ذلك؛ منشأ هذا الخَلَلِ كامنٌ بزعمهم في تَمَحورِ عملهما -كباقي المُحَدِّثين- حول رُكنٍ واحدٍ مِن رُكْنَي الرِّوايةِ، وهو الإسنادَ وما تعلَّق به مِن مَباحث، فلم يَرعوا المتنَ تلك العنايةِ اللَّازمة.

стр. 531

وفي تثبيت هذه الدَّعوى على البخاريِّ بصفة خاصَّة، يقول (حُسين أحمد أمين) (١) بعد أن سَخر مِن حديثٍ أخرجه: «كان انتقاءُ البخاريِّ للأحاديثِ الصَّحيحةِ على أساسِ صحَّةِ السَّندِ لا المتن، فالإسنادُ عنده وعند غيرِه هو قَوائم الحديث، إنْ سَقَط سَقَط، وإنْ صَحَّ السَّند، وَجَب قَبول الحديث، مهما كان مَضمون المتن»! (٢). ويقول (عابد الجابري) في حقِّ روايةٍ صحَّحها البخاريُّ: «بوسعِ المَرءِ أن يَشُمَّ في الرِّواية الَّتي أوردَها البخاري شبهةً سِياسيَّة، ولا لَوْمَ للبخاريِّ عليها، مادامَ قد قَصُر مُهمَّتَه على اعتبارِ السَّند لا غير» (٣). وغير هذين من المعاصرين اختاروا تلطيف الكلامِ في انتقاد نهجِ البخاريِّ والتَّمهيد له بشكر لطيف، أعقبه بغمزٍ سخيف! كالَّذي سطَّره (حسن عَفانة) في قوله: «جَزَى الله البخاريَّ ومسلمًا وإخوانَهما أصحابَ السُّنَن وكتبِ الحديثِ والرِّجال عن الإسلامِ خيرَ الجزاء، وأدخلَهم فسيحَ جنانِه، لِما بَذلوه مِن جُهدٍ، ولَزِموه مِن أمانةٍ في نقلِ وتدوينِ ما سمعوه بعد تمحيصِ سَنَده، حتَّى وَصَلنا منه ذخيرةٌ لا مَثيل لها في أيِّ دينٍ سَبَقه. على أنَّ ثِقَلَ المهمَّة، وصعوبةَ العمل في تحقيقِ سندِ الحديث، قد أخَذ مِن أولئكِ العلماءِ الأفذاذ جُلَّ أوقاتِهم، فلم يَبْقَ لهم مِن الوقتِ ما يَكفِي ليُمَحِّصوا متونَ الأحاديث!» (٤).

стр. 532

كذلك قال الَّذين مِن بعده مثل قولِه (١)! وكأنَّ شُغل المُحدِّثين من المُتقدِّمينَ كان مُنحصرًا في التَّقميشِ لِما يسمعون، دون تفتيشٍ عن صلاحِيَتِه للحُجَّة! وكأنَّهم مَعاشرُ دَراوِيش غير مُخاطَبين بتلكِ النُّصوص النَّبويَّةِ، فأجْزَأَهم -لقلَّةِ أفهامِهم وضِيقِ أوقاتِهم- أن ينقلوها إلى الأجيالِ اللَاّحقةِ، لتنظرَ هي في حُجِّيَتِها دونهم. لكنْ وَا أسفَ (عَفانةَ) على تَرِكةِ السَّلف! فإنَّه لم يَجِد مَن «يَأتِ بعدَهم فيُمحِّص متونَ الآثارِ والأحاديث! ليَقِف النَّاس على صَحيحِها مَتنًا وسَندًا، وذلك برَدِّها إلى كتابِ الله الكريم، وعَرْضِها على روحِ الشَّريعةِ، إنَّه للأسفِ الشَّديدِ لم يحدُث مِن ذلك إلَّا القَليل، بل الَّذي حَصَل: هو تسليمُ غالبيَّةِ الفقهاءِ بصحَّةِ متنِ الحديثِ إذا صَحَّ سَندُه» (٢). فهذا الظَّن السَّيء في جهودِ الشَّيخين وسائر إخوانهما من المُحدِّثين لحفظِ السُنَّة، هو ما أَزَّ هذا الكاتبَ ومن على شاكِلَتِه للسَّعيِ في سَدِّ ما يَرونَه فجوةً تراثيَّة عظيمة، تَعَلَّلوا بها تسويدَ نَقَداتٍ في مُخلَّفاتِ الآثارِ، يبتغونَ تخليصَ الدِّينِ مِن مُقحَماتِ الأخبارِ الزَّائفة؛ حتَّى رأينا مَن تعَذَّر بنفسِ هذه الدَّعوى لتَصنيفِ كتابٍ في «تجريدِ البخاريِّ ومسلمٍ مِن الأحاديثِ الَّتي لا تَلزم»، يزعم فيه «أنَّ الاعتمادَ شِفاهًا أو عَنْعَنةً على السَّنَدِ، لتقديرِ حالةِ الحديثِ، وصِحَّتِه مِن عَدَمِه، لا يُمكِن أن يُقبَل، وإنَّها -دون أقلِّ شكِّ- سَمَحت بدخولِ الكثيرِ مِن الأحاديثِ المَوضوعة أو الضَّعيفةِ أو الرَّكيكةِ» (٣)! وبهذا يكون لُبُّ دعوتِهم هو «استمرارُ عمليَّة نقدِ نصوصِ الحديث النَّبوي، وإبقاءِهذه النُّصوص مُنفتحةً ومُتحرِّكةً، وقابلةً للتَّجدُّد، عن طريق مُواصلة عمليَّةِ

стр. 533

تصحيحِ الحديث قبولًا ورفضًا، بناءً على مَعايِير اجتهاديَّة، ووفقَ فكرٍ إنسانيٍّ مُتطوِّرٍ» (١)، يتجاوز ذاك النَّقد الحديثيَّ القديم الَّذي قام على الأسانيد والرُّواة، والحفظ والإتقان والمُقارنات؛ فكلُّ ذلك لا يَكفي! بل ينبغي نَقْد الأحاديث وفق مَعايِيَر اجتهاديَّة جديدةٍ تستجيبُ لروحِ العصرِ -بزعمهم- ولمقاصد الإسلام. لقد كان من اللَّازم أن يُعيدوا النَّظَر في منهجِ الشَّيْخَينِ النَّقديِّ مِن أساسِه؛ كونه قواعد لا تَقبَل الجديدَ والتَّطوُّرَ والإبداعَ في ذاتِها، قد بَلَغت حَدَّ النُّضجِ عند أربابِها؛ لم يجِدْ (نَصْر أبو زَيد) فيه للشَّيْخَينِ مَوقفًا لتجديدِ مَعالِمه إلَاّ «مَوقفَ التَّرديدِ والتَّكرار، إذْ يتَصوَّر كثيرٌ مِن علمائِنا أنَّ هذا النَّمَطَ مِن العلومِ يَقَع في دائرةِ العلومِ الَّتي نَضَجت واحترَقتْ، حتَّى لم يَعُد فيها للخَلَف ما يُضيفُه إلى السَّلَف» (٢).

стр. 534

المَبحث الثَّاني دعاوي تسبُّب منهج المُحدِّثين في تَسرُّب المُنكرات إلى كتب التُّراث قديمة هذا الذي تقدَّم من عَيْبِ المُحْدَثِينَ على المُحدِّثين استغراقَهم في دراسةِ الأسانيدِ دون المتونِ ليس أصيلًا مِن بناتِ أفكارهم، ولا عن جهدٍ في استقراءِ عَملِ المُحدِّثينَ وتأمُّل مُصنَّفاتهم؛ بل هي إشاعةٌ كاذبةٌ قَديمةٌ، تُلقِّفت مِن عَهدِ الصِّراعِ العَقديِّ الدَّائر بين أهلِ السُّنةِ ومُخالِفيهم، ترجع في مُجمَلِها إلى مقالات الجَهْمِيَّة، والَّتي «جَعَلَت جُلَّ همِّها النَّظَرَ في نفسِ الحديثِ، فإنْ راقَها أمرُه حَكَمَت بصحَّتِه، وأسندَته إلى النَّبي ﷺ وإن كان في إسناده مَقالٌ .. وإنْ رَاعَهم أمرُه لمخالفتِه لشيءٍ ممَّا يقولون به، وإن كان مَبْنيًّا على مجرَّد الظَّنِ: بادَروا لردِّ الحديثِ! والحكمِ بوضعِه، وعدمِ صِحَّة رفعِه، وإن كان إسنادُه خاليًا عن كلِّ عِلَّة» (١). مِثلُ هذه النَّظرةِ المُزدريةِ لقَدْرِ المُحدِّثينَ، كانت مَقْنَعًا للفخرِ الرَّازِي (ت ٦٠٦ هـ) -مع وافر عقله- لأَنْ يَدَّعِيَ «بأنَّ جماعةً مِن المَلاحدة وَضعوا أخبارًا مُنكَرة، واحتالوا في ترويجِها على المُحَدِّثين، والمُحَدِّثون لسلامةِ قلوبِهم ما عَرَفوها، بل قَبِلوها .. »!

стр. 535

ولأنَّ الرَّازيَّ يَعلمُ قَدْرَ الشَّيْخَين في قلوبِ العَامَّةِ والخاصَّةِ، اعتذَر لهما لكن بما يؤول إلى نعتِهما بنوعِ دَروشةٍ، فقال: « .. البخاريُّ والقشيريُّ (١) ما كانا عَالِمين بالغُيوب، بل اجتهدا، واحتاطا بمقدار طاقتهما، .. غايةُ ما في البابِ أنَّا نُحسن الظَّن بهما وبالَّذين رَوَيَا عنهم، إلَّا أنَّا إذا شاهدنا خَبرًا مُشتملًا على مُنكرٍ لا يُمكن إسناده إلى الرَّسول ﷺ ، قَطَعنا بأنَّه مِن أوضاعِ المَلاحدةِ، ومِن تَرويجاتِهم على المُحدِّثين» (٢). فمَقالة الدَّسِ هذه في الصِّحاحِ قديمة، قد بلغت مِن القُبحِ في تَصَوُّر هذا العِلْم ما لأجله شنَّع أبو المظفَّر السَّمعاني (ت ٤٨٩ هـ) على مُحْدِثِها بنعتِه «جاهلًا، ضالًّا، مبتدعًا، كذَّابًا، يريد أن يُهجِّن بهذه الدَّعوى الكاذبة صِحاحَ أحاديثِ النَّبي ﷺ وآثاره الصَّادقة، فيغلِّط جُهَّالَ النَّاس بهذه الدَّعوى؛ وما احتجَّ مُبتدع في ردِّ آثارِ رسولِ الله ﷺ بحجَّةٍ أوهى منها، ولا أشدَّ استحالةً مِن هذه الحجَّة». ولم تسمح للسَّمعانيِّ نَخوَتُه على أهلِ الحديثِ حتَّى ردَّ على هذه الدَّعوى بقوله: «لَئِن دَخَل في غِمار الرُّواة مَن وُسم بالغَلط في الأحاديث، فلا يروج ذلك على جهابذة أصحابِ الحديثِ ورُتوتِ العلماء، حتَّى أنَّهم عَدُّوا أغاليطَ مَن غلط في الأسانيد والمتون، بل تراهم يَعدُّون على كلِّ رجلٍ منهم في كَمْ حديثٍ غلط، وفي كمْ حرفٍ حرفٍ، وماذا صَحَّف؛ فإذا لم ترُج عليهم أغاليط الرُّواة في الأسانيد والمتون والحروف، فكيف يروج عليهم وضعُ الزَّنادقة وتوليدهم الأحاديث؟!» (٣). والَّذي يُلمُّ بشيءٍ مِن حالِ الرِّوايةِ والتَّصنيفِ الحديثيِّ مِن حين نشأتِه، والجُهدِ المبذول في تفحُّصِ أدقِّ تفاصيلِه، والمتعلِّقة بالرَّاوي ورِوايتِه ومَن رَوى

стр. 536

عنه، وطريقةِ روايتِه، مِن قِبَلِ أئمَّةٍ نَذروا أنفُسهَم لهذا الشَّأن، خصيصةً لهذه الأمَّة شهِد بفضلِها بعضُ الدَّارسين الغربيِّين أنفسِهم (١): يجعلُ مِن القولِ بتَسرُّبِ المَكذوباتِ فيما صنَّفوه مِن أحاديث، دون أن يفطَنَ لذلك أحدٌ مِن أولئك الجهابذة طولَ تلك القرون المتلاحقة، ضربًا مِن ضروبِ الخيالِ المَمجوجِ.

стр. 537

المَبحث الثَّالث أَثَر الأطروحاتِ الاستشراقيَّة في استخفاف المعاصرين بمنهج المُحدِّثين مع مرور الزَّمن وخمولِ علمِ الحديثِ في هذه الأعصرِ المتأخِّرة، انبعثَ مِن المُستشرقين مَن جَدَّد النَّفخَ في هذه الشُّبهة، والتَّرويج لها عبر المُنتدياتِ العِلميَّة، والمجلَّات البَحثيَّة، دون إمعانٍ للنَّظر في الدَّعوى، أو إعمال للفكر في كلامِ المُدَّعى عليهم، أو سبرٍ في البحثِ في مُصنَّافتهم، زاعمين أنَّ حكمَهم على منهجِ المُحدِّثين نتاج بحث موضوعيٍّ، اقتضاه المنهج النَّقديُّ المُستحدَث في توثيقِ الأخبار. بل هؤلاء المُستشرقون قد زادوا على تشنيعِات الأقدمينَ على المحدِّثين أمثلةً مِن عندِهم جديدة، حسِبوها شاهدةً على اختلال الأُسسِ المنهجيَّة الَّتي ابتنَى عليها المُحدِّثون صناعةَ الأخبار؛ فإذا بَلغوا مُنْيتَهم في هدمها -وهيهاتَ لهم- انهدمَ تَبعًا لهذا العلم باقي العلومِ النَّقليَّة مِن تَفسيرٍ وفقهٍ ولُغةٍ وتاريخٍ! لاعتمادِ المُشتغلين بها على منهجيَّةِ أهل الحديث في الرِّواية والإسناد،؛ وهنا تكمُن خطورةُ إسقاطِ علمِ الحديثِ على الإسلامِ كلِّه! ترى شاهدَ هذا الالتفاتِ الخطيرِ لحربِ المُحدِّثين في مثلِ قولِ (عابدٍ الجابريِّ): « .. إنَّ الموروثَ الثَّقافي العربيَّ الإسلاميَّ الَّذي تناقلته الأجيالُ،

стр. 538

منذ عصر التَّدوين إلى اليومِ، ليس صحيحًا على وجعِ القطعِ، بل هو صحيحٌ فقط على شروطِ أهل العلم، الشُّروط الَّتي وَضَعها وخَضَع لها المُحدِّثون والفقهاء والمُفسِّرون والنُّحاة واللُّغويُّيون الَّذين عاشوا في عصرِ التَّدوين، ما بين مُنتصف القرن الثَّاني، ومُنتصف القرن الثَّالث للهجرة» (١). فما هذا الكلام إلَّا علقمٌ من مشروعٍ أقامه المستشرقون في دراستهم للسُّنة، ونُقرُّ لهم بنجاح تسريبِ كثيرٍ مِن أحكامِهم البَحثيَّة وإنفاذِها في عقولِ جمهرةٍ مِن المُثقَّفين المُحْدَثين؛ كتلك الإشكالات الفنيَّة المتعلِّقة بالتَّدوينِ، وتحريفِهم لمفهوم بعض المصطلحات كـ «السُّنة»، وقضيَّة اختلاطِ الأحاديث بالإسرائيليَّات .. إلخ؛ ومِن أكثر ما راج لهم مِن ذلك في القرنين المنصرمين: مَقولُهم بإغفال المُحَدِّثين لنقدِ المُتونِ في توثيقِهم للأحاديث (٢). كان مِن أوائل من هوَّش بهذه التُّهمة عليهم مستشرق إيطاليٌّ يُدعى «كايتاني» Caetani» (٣) ؛ تَضمَّنت فقرةٌ مِن كتابه «الحَوْلِيَّات الإسلاميَّة» (٤) زبدةَ ما خلُصَ إليه في هذا الباب، وهي قوله: «كلُّ قَصدِ المحدِّثين ينحصر ويتركَّز في وادٍ جدبٍ مُمحِلٍ مِن سَردِ الأشخاص الَّذين نَقلوا المَرويَّ، ولا يشغل أحدٌ نفسَه بنقدِ العبارة والمتنِ نفسه! .. »؛ ثمَّ خمَّن عِلَّة هذه الغفلة منهم بقوله: « .. إنَّ المحدِّثين والنُّقادَ المسلمين لا يجسرون على الاندفاعِ في التَّحليل النَّقدي للسُّنة إلى ما وراء الإسناد، بل يَمتنعون عن كلِّ نَقدٍ للنَّص، إذ يرَونه احتقارًا لمَشهوري الصَّحابة، وقِحةً ثقيلةَ الخطَرِ على الكَيانِ الإسلاميِّ» (٥).

стр. 539

غير أنَّ المرجعيَّة الاستشراقيَّة قد تركَّزت قبله في استقاء ما صَوَّبه (جولدزيهر) إلى منهج المحدِّثين مِن مَعاوِل النَّقض (١)؛ فكانت مُؤلَّفات هذا المَجَريِّ هي الأكثرَ تَداوُلًا في هذا الفنِّ بين الدَّارسين (٢)، وهو كسالِفه (كايتاني) يعتبرُ «أنَّ نقدَ الأحاديث عند المسلمين قد غَلَب عليه الجانب الشَّكلي منذ البداية، وأنَّه لا يخضع للنَّقدِ إلَاّ الشَّكل الخارجيُّ للحديث. ذلك أنَّ صِحَّة المَضْمون عندهم مُرتبطة أوثق الارتباط بنقد سلسلة الإسناد، فإذا استقامَ سَنَد حديثٍ لقواعد النَّقد الخارجيِّ، فإنَّ المتن يُصَحَّح، حتَّى ولو كان مَعناه مُجانبًا للواقع، أو احتوى على مُتناقضات، ويكفي للإسناد أن يكون مُتَّصل الحلقات، وأن يكون رواتُه ثقاتٍ، اتَّصل الواحد منهم بشيخه، حتَّى يُقبل مَتن مَرويِّه» (٣). وقد جاء بعد هؤلاءِ مَن خَصَّ البخاريَّ صراحةً بهذه الفِرية، فأقحمَه في زمرةِ المُتهالكين على الإسنادِ من غير تفهُّمٍ، كالَّذي زعمه المستشرق (ألفريد كيُوم) (٤) فيه بقوله: «مَتى ما اقتنعَ البخاريُّ بتحديدِ بحثِه في سلسلةِ الرُّوَاةِ

стр. 540

في السَّند، مُفضِّلًا ذلك على نقد المتن، صارَ كلُّ حديثٍ مَقبولَ الشَّكلِ قطعيًّا بحكمِ الطَّبع» (١). فهذه الدِّراساتُ الغربيَّةُ بما أفرزته من نتائج حُكميَّة على عمل المحدِّثين، قد تبنَّتها شرائح واسعة مِن مُثقَّفين إسلاميِّين وغير إسلاميِّين، تراها منتثرةً في كتاباتِ مثل (أحمد أمين)، و (علي عبد الرَّازق) (٢)، و (محمود أبو ريَّة) (٣)؛ وكان (رشيد رضا) في مقدِّمة هؤلاء المتأثِّرين في هذا الباب بسموم الاستشراق، وعليه يُثني (محمَّد حمزة) أحدُ حَداثيِّي تونس بقوله: «محمَّد رشيد رضا كان بحقٍّ مِن أوائِل المُفكِّرين في بداية هذا القرن الَّذين نَبَّهوا إلى ما اعترى منهجَ المُحدِّثين القُدامى مِن خللٍ، حين رَكَّزوا نقدَهم على السَّندِ دون المتن» (٤). إلى أن جاء الحَدَاثِيُّون ليحتسبوا الجُهدَ في تَعْريبِ تلك الدِّراساتِ الاستشراقيَّة في هذا موضوعه السُّنة والحديث، ثمَّ الاستعانةِ بها للتَّشكيكِ بمَصادر التَّلقي عند أهل السُّنةِ بصفةٍ خاصَّة (٥).

стр. 541

المَبحث الرَّابع المُراد بـ «نقد المتن» عند عامَّة المعاصرين النَّاقدين «للصَّحيحين» أُولى المَعاركِ في ساحة التَّدافع الفكريِّ بين أهلِ الحديثِ وخصومِهم ينبغي أن تبدأ بـ: تحديد المُراد بالمُصطلحات، فإنَّ حُسن التَّصوُّرِ لمُراد الخصمِ من «النَّقد للمتن» -مثلًا- كَفيلٌ بإفحامِ جوابِه، واختصارِ وقتِ نِزالِه، بدل التِّيه الحاصل في كثيرٍ من الجدالات العقيمةِ النَّاجمة عن اختلافِ مُراد كلِّ طرف من هذا المُصطلح. فقد كنت ألاحظ في تَتبُّعي لجملةٍ مِن كتاباتِ المُعترِضينَ على منهج المحدِّثين، أنَّها تحصر معنى النَّقدِ للمتنِ في معنى «تمحيصِ الأحاديثِ مِن جهة مَعقوليَّةِ مَعانيها، بعرضِها على الأصولِ القطعيَّة». ترى مثال ذلك في قول (محمَّد حمزة): «نقد الحديث يَتفرَّع إلى قِسمين: قسم: يستند فيه على الرِّواية وصحَّتها والرَّجال، ومقدار الثِّقة بهم. أمَّا القسم الثَّاني: فيعتمد فيه على الحديث نفسِه ووضعوا له علومًا، منها: علم غريب الحديث ومُختلِفه، وناسخِه ومنسوخِه. بيدَ أنَّ النَّظر في صحَّة المتن، وما إذا كان مُساوقًا للظَّرف الَّذي قيل فيه، واتِّفاق ذلك الحديث مع سُنن الحياة، والقوانين الطَّبيعيَّة، وحكم العقل: لم يحظَ

стр. 542

بما حظيَ به القسم الأوَّل من عناية المُحدِّثين، وهو ما حدا بالباحثين المُحْدثين إلى توجيه نقدِهم إلى هذا الخلل في منهج المحدِّثين» (١). غير أنَّ فئةً مِن أذنابِ المُستشرقين تُصرُّ على أن تفهم مِن عبارات المُستشرقين نفيَ نظرِ المُحدِّثين في المتونِ بالمرَّة، حتَّى ما تَعلَّق بالشُّذوذِ واختلافِ الألفاظ! وأنَّهم يتَعبَّدون بالحديثِ لمُجرَّد وثاقةِ رواتِه واتِّصالِ سنده! فيَتَعلَّقون في هذا الفهم بمثل فقرةٍ للمستشرق (كايتاني) قال فيها: «إنَّ المحدِّثين لا يجسُرون على الاندفاعِ في التَّحليلِ النَّقدي للسُّنة إلى ما وراء الإسناد، بل يَمتنعون عن كلِّ نقدٍ للنَّص» (٢). ولا أخالُ أحدًا أشهرَ مِن (أبو ريَّة) في إشاعةِ هذا التَّعميم الظَّالم في حقِّ المُحدِّثين، فقوَّلهم ما لم يقولوا حين زعم تنكُّبهم عن «غَلَطِ المتون، فهم يقولون: مَتَى صَحَّ السَّند صَحَّ المتن» (٣). وعلى هذا المنوالِ في الفِرَى جرى (إبراهيم فوزي) في قوله عن المُحدِّثين: «يعتبرونَ نقدَ المتن لا يجوز البحثُ فيه متَى صحَّ الإسناد، فابتعدوا عنه» (٤). فهذا التَّصوُّر السَّيء لمنهج المُحدِّثين انسحب على عَمل البخاريِّ ومسلمٍ في صحيحيهما، فلم يُتوَرَّع عن إلزاقِ هذه التُّهمة بهما بالتَّبع، إذ كانا في نَظرِ المُعترضين لا يَعدُوان العناية «بالتَّحقيقِ في السَّند، وبَنيَا صَحيحَيهما على شروطِهما فيه، أو على ما صَحَّ عندهما مِن الإسناد، فإذا صَحَّ الإسناد وكان رجالُه ثِقاتًا في حكمِهما عليهم، كان مَتنُ الحديث صَحيحًا، بمعنى أنَّه ممَّا قاله رسول الله ﷺ على وجهِ التَّحقيقِ» (٥).

стр. 543

فتلك المَقولة من (محمود أبو ريَّة) -هو ومَن تأبَّطَها معه- لا يستحيي من الإعلان بها، وهو يَعلمُ يقينًا بأنَّ علم «مصطلح الحديث» زاخرٌ بمباحثِ الشُّذوذِ والاضطرابِ، والقَلْبِ، والإدراج، والعِلَل، ومختلف الحديث، وهذه كلُّها من مَباحث المتون؛ ويعلم أنَّ علماءَ الحديثِ قد أوْلَوا هذه المَباحث المَتنيَّة حَيِّزًا في مُصنَّفات العِلَل والتَّخاريج. هذا الإقرار تجده في مثل قولِ (كايْتَاني) نفسِه: «إنَّ المحدِّثين صرَّحوا أنَّه لا يلزم من صحَّة السَّند صحَّةُ المتن، فكانوا صريحين في عدم ربط السند بالمتن بالقبول والرفض، وإن كل واحد منهما وحدة مستقلة لإجراء النقد والتحليل عليه، وإن هناك أشياء تؤثر على المتن مع صحة السند كالشُّذوذ ووجود علَّةٍ في المتن» (١). فالَّذي أفهمه من هذا الكلام، أنَّ المُستشرقين المُعتنين بموضوع الحديث، يريدون مِن إطلاقِ هذا النَّفيِ للنَّظر المَتنيِّ عن المُحدِّثين: نفي النَّظر إلى مَعقوليَّة معاني المتون في نفسها، ومدى انتفاء المُعارضات الحِسيَّة والتَّاريخية ونحوها عنها؛ ولكن كثيرٌ من المُثقَّفين العرب انساقوا وراء تلك الإطلاقاتِ مِن غير وَعيٍ تامٍّ بحقيقتها وسِياقاتها، فوقعوا في كذبٍ مفضوح على المُحدِّثين؛ ولعلَّهم تقصَّدوه من باب التَّهويلِ في التَّوصيفِ! تشنيعًا وتصغيرًا لأقدار المُحدِّثين في نظرِ النُّخَب المُثقَّفة المُسلِمَة. فلهذا أجِدُني مُستثقِلًا بعضَ كتاباتِ الإسلاميِّين مِمَّن تَعنَّى الردَّ على المستشرقين وأفراخِهم في هذا الباب، وهم يَستجلبونَ رُكامًا مِن أمثلةِ نقدِ المُحدِّثين لألفاظِ المتونِ، زيادةً، ونقصًا، وتفرُّدًا، واضطرابًا .. إلخ، ممَّا يذكره العلماء في كُتبِ «المصطلح»، مِمَّا يعلمه المُستشرقون قبلهم (٢)؛ فهذا عندي

стр. 544

-والله- مَضيعة لوقت القارئ، واستكثار للأوراقِ بلا فائدةِ، وخروج عن مَحلِّ النَّزاع، بما يَعود على أفهامِ أهلِ الحقِّ بالمَثلبةِ.

стр. 545

المَبحث الخامس دَوْرُ بعض كبارِ كُتَّابِ العَربيَّةِ في تَفَشِّي تُهمة إغفال المحدِّثين لنقد المتون لقد ساهم في استشراءِ هذه الشُّبهة في أوساطِ المثقَّفين قامةُ مَن تَصدَّر القولَ بها مِن العلماءِ والمفكِّرين في النِّصفِ الأوَّل مِن القرن الماضي؛ نستحضر منهم -على سبيل المثال- أحمد أمين (ت ١٣٧٣ هـ). فلَكَم أبدى هذا الرَّجل تحسُّرًا على افتقارِ المُحدِّثين إلى النَّظر الاعتزاليِّ العقلانيِّ إلى المتونِ، فإنَّهم كانوا -بزعمه- «يعنون عِنايةً تامَّةً بالنَّقدِ الخارجيِّ، ولم يُعنوا هذه العنايةَ بالنَّقد الدَّاخلي، .. فقَلَّ أن تظفر منهم بنقدٍ من ناحية أنَّ ما نُسب إلى النبي ﷺ لا يتفق والظُّروف التَّاريخيَّة، أو أنَّ الحوادث التَّاريخيَّة تناقضه، أو أنَّ عبارة الحديث نوع من التَّعبير الفلسفي يخالف المألوف من تعبير النَّبي ﷺ ، أو أنَّ الحديث أشبه في شروطه وقيوده بمتون الفقه، وهكذا .. فلم نَظْفَر منهم في هذا البابِ بعُشْرِ مِعشار ما عُنوا به في جرحِ الرِّجال وتعديلِهم» (١). ومِمَّن يعنيهم (أحمد أمين) بهذا المثلبة البخاريُّ؛ فإنَّه على ما يُكنُّه له لمُحاولات نقده للأحاديث مِن تقديرٍ، يراه مِمَّن «يُثبتُ أحاديثَ دَلَّت الحوادث الزَّمنية والمشاهدة والتَّجربة على أنهَّا غير صحيحة» (٢).

стр. 546

والَّذي علينا التَّنبه إليه هنا: أنَّ طبيعة هذه الشُّبهة كانت محتاجةً لكشفِها وقتَ بروزها على يَدِ مثل هؤلاءِ الكُتَّاب المُبرَّزين، إلى مَن يسبر أقوال المُحدِّثين، ويستحضر مُمارساتهم النَّقديَّة مِن مَظانِّها، ومَن له اطِّلاعٌ واسعٌ على تأصيلاتهم في كُتب الحديثِ والتَّواريخ، واستقراءٌ لأحكامهم التَّطبيقيَّة في كتب التَّخاريج والعِلَل. وهذه درجة لم يكُن قادرًا على بلوغِها إلَّا النَّادر من العلماء وقتئذ! من بعض مَن كان له فهم لهذا الفنِّ ونوعُ إلمامٍ بمُصنَّفاته؛ فقلَّ أن تجد هذا الصِّنف إبَّان تلك الحقبة العلميَّةِ المُوحِشة مِن تاريخ المسلمين، والَّتي عرفت ركودًا في شتَّى العلوم الشَّرعيَّة والكَونيَّة، فما ظنُّك بعلمٍ دقيقٍ مثل علم الحديث في نُدرةِ مشايخِه؟! لقد كان غياب الدَّرس الحديثيِّ المتخصِّص، وقِلَّة الغائصين في أعماقِ نقده ودقائقِه، سببًا مؤثِّرًا في توالي الطُّعونِ في أربابِه، وتكاثر الاستشكالات مع تأخُّر الإجابات، والتباس الأمورِ على جملةٍ كبيرةٍ من المُثقَّفين، بسبب التَّسلُّط الفكريِّ الغَرْبيِّ على العقل العَربيِّ، أكرهَ الجماهير على مُسايرتِه والخنوع له.

стр. 547

المَبحث السَّادس مركزيَّة مقالات (رشيد رضا) في انتشارِ الشُبهة في الطَّبقات اللَّاحقة من المُثقَّفين مع ما قُلناه عن تلك الحقبة من القرن الماضي، فلسنا مِمَّن يحُطُّ مِن قيمةِ بعضِ الرُّموزِ الجليلةِ القدرِ وقتَها، المُتفهِّمة لجملة من هذا الفنِّ العزيز مِن فنونِ الشَّريعةِ، أعني منهم بالدَّرجة الأولى (محمَّد رشيد رضا)، في محاولاتِه لإحياِء ما اندثرَ مِن هذا العلمِ، وبَثِّ شيءٍ مِن ثقافتِه في الأوساط العِلميَّة والأدبيَّة. لكنَّ الشَّيخَ مع هذا - مثله مثل كثيرٍ مِن المُتشرِّعين الإصلاحيِّين وقته - لم ينجُ مِن سطوة التَّيار الكلاميِّ الجاري في أروقةِ أغلب المعاهد الشَّرعيَّة في ربوعِ البلادِ الإسلاميَّة، المُتلكِّئة في حُجِّية الآحادِ في العقائد؛ فرشيد أحدُ خرِّيجيها، وقد ورِثَ مِن تمعقُلات شيخِه (محمَّد عبدُه) في نقدِ النُّصوص الشَّرعيَّة ما ورِث، فضلًا عمَّا علِق في ذهنِه مِن مَقالات المُستشرقين. فكان لكلِّ هذا الدَّافعُ له لأن يجترِئ على المُحدِّثين في مَواطن مِن كتاباتِه، لأنَّهم في اعتقادِه «قلَّما يُعنَون بغَلَطِ المتونِ فيما يخصُّ مَعانيها وأحكامَها، وإنَّما كانت عِنايتهم التَّامة بالأسانيدِ، وسِياق المتونِ وعباراتها» (١).

стр. 548

ويبلُغَ بـ (رشيد) الغَمز في بديهةِ البخاريِّ ومسلمٍ، إلى أن يَتعقَّبَ اتِّفاقَهما على تصحيحِ حديثٍ أودَعاه كِتابَيهما بقولِه: « .. أمَّا علماء الرَّوايات، فليسوا ممَّن يُطلب منهم معرفة هذه الحقائق في نقد المتون» (١)! حتَّى صارَ (رشيد رِضَا) في نَظرِ المناوئين للمُحدِّثين «بحقٍّ مِن أوائلِ المفكِّرين في بدايةِ هذا القرن الَّذين نَبَّهوا إلى ما اعْتَرَى منهجَ المحدِّثين القُدامَى مِن خَلَل، حين رَكَّزوا نقدَهم على السَّنَدِ دون المتنِ» (٢). ولأجل ما كان لـ (رشيدٍ) مِن مكانةٍ في قلوبِ أهلِ الدَّعوة وأرباب القَلَم بمختلفِ مَشاربهم الفكريَّة، فضلًا عمَّا كان لمجلَّتِه «المنار» مِن صيتٍ ذائعٍ؛ فقد تمكَّنت مَقالاته النَّاقمة على منهجِ المُحدِّثين مِن تبوُّئِ مساحةٍ مهمَّةٍ مِن تفكير العقل المُسلم. وهذه نتيجة طبيعيَّة؛ فإنَّ الرَّأيَ المَدخول -كما يقول الجُرجانيُّ- «إذا كان صُدورُه عن قومٍ لهم نباهةٌ، وصِيتٌ، وعلوُّ منزلةٍ في أنواعٍ مِن العلومِ غيرِ العلمِ الَّذي قالوا ذلك القول فيه، ثمَّ وَقَع في الألسُن، فتداوَلته، ونَشَرته، وفَشا وظَهر، وكثُر النَّاقلون له، والمُشِيدون بذِكرِه: صارَ تَرْكُ النَّظَر فيه سُنَّة، والتَّقليد دينًا؛ فكَم مِن خطأٍ ظاهرٍ، ورأيٍ فاسدٍ، حَظِي بهذا السَّبَب عند النَّاس، حتَّى بوَّأوه أخَصِّ مَوضعٍ مِن قلوبِهم، ومَنحوه المحبَّةَ الصَّادقة مِن نفوسِهم، وعَطفوا عليه عطفَ الأمِّ على واحدِها، وكم مِن داءٍ دَوِيٍّ قد استحكَم بهذه العِلَّة، حتَّى أعْيَا علاجه» (٣).

стр. 549

المَبحث السَّابع محاولة استبدال المنهج النَّقدي للمُحدِّثين بمنهجِ النَّقد الداخليِّ الغربيِّ وهكذا لم يَزل الأمر في سفولٍ بعد (رشيد رضا) حتَّى صارت هذه النَّزعة إلى نقد منهج المُحدِّثينَ مُستَراحًا لفِئامٍ مِن المُستَغْرِبين لاقتحامِ سِياجِ التُّراثِ، على أساسِ النَّقد العقليِّ لنصوصه الموافقِ لأساليب النَّقد الغربيِّ للتَّواريخ؛ «نقدٌ للأحاديثِ بميزانٍ جديدٍ، يقوم على أساسِ سلامةِ ومَعقوليَّة المتن ذاتِه، لا على أساسِ سلامةِ الرُّواة» (١). فهذا الاختراع الجديد يُسمُّونه «النَّقدَ الدَّاخلي»، وهو أساسُ المَعارف عند الحَداثيِّين (٢)، يتمُّ وفقَ آليَّةٍ مُبتدعةٍ، تُفضي إلى أنَّ الحقيقةَ العلميَّة لا تَتقرَّر بمُجرَّد الشَّهادة (٣)، بل على «مَناهج مُستحدثةٍ، تفيد مِن الثَّورة المَنهجيَّة المعاصرة، مُعوِّلةً على نقدِ المتونِ، بقياسِها على رُؤَى الإسلام، وجوهرِه، ومَبادئِه العامَّة كما وردت في القرآن، فهو يطرحُ جانِبًا منهجَ الإسناد» (٤)، الَّذي يكرِّس تقديسَ النَّص وشموليتَه، ويقصي مبدأ تاريخيَّته ومحدوديَّته.

стр. 550

فأهلُ النُّصوص من أهل الحديث عندهم مَنعوتون بسَطْحِيَّة النَّظر، وسذاجةِ التَّفكير، لاعتمادِهم على مجرَّدِ السَّمع مِن الثِّقات (١)، «وليس ثَمَّ معيارٌ خارجيٌّ للأمانةِ ولا للدِّقة» (٢).

стр. 551

المَبحث الثَّامن باعث انكبابِ المُستشرقينَ على قضيَّة نقد المتونِ «المنهج التَّاريخي الاستردادي» الغَربيُّ مَسلك حديث في توثيقِ التَّواريخ، يقوم على استردادِ أحداثٍ وقعت في الماضي تبعًا لما ترَكَته مِن آثار؛ مِن أساساتِه اعتمادُه على الملاحظةِ غير المباشرة، يسعى فيه المؤرِّخ إلى الوصول إلى نقاطٍ معرفيَّة قديمةٍ لا يصل إليها إلَّا مِن خلال وسائط مِن وثائقَ وشواهد، فهو يجمع تلك الوقائع المتفرِّقة، ويُناسق بينها، في خطٍّ معاكس لمسيرة الزَّمن، ليُنتج بها معرفةً تاريخيَّة، أقرب ما تكون عنده إلى الحقيقة (١). وبما أنَّ تاريخَ هؤلاءِ فَقيرٌ إلى المُعطياتِ التَّاريخيَّة المُؤسِّسة، منقطعةٌ مُستنداتُه بمَصادرها الأصليَّة، لغفلةِ آبائهم عن توثيقِ أخبارِهم بالتَّسَلسُل الشَّفَوي أو الكِتابيِّ، كانت في أغلبها أخبارًا ومَصادر مُفرَّقة ومُفرغةً في كثيرٍ مِن حلقاتها، أثمنُ ما يظفرونَ به وِجاداتٌ، هي أضعَفُ أدواتِ التَّحمُّل عند المسلمين: فحينئذٍ انحصرَ عملُ المُستشرقِ في دراسةِ متونِ الأخبارِ دون أسانيدها اضطرارًا. هذا الفراغُ التَّاريخيُّ السَّحيقُ عند أهل المِلَل قبل الإسلام قال عنه محمَّد بن المظَفَّر الحافظ (ت ٤١٥ هـ) (٢) قديمًا: «ليس لأحَدٍ مِن الأُمَم كلِّها قديمِهم

стр. 552

وحديثهِم إسنادٌ، وإنمَّا هي صُحف في أيديهِم، وقد خَلطوا بكُتبِهم أخبارَهم، وليس عندهم تَمييزٌ بين ما نَزَل مِن التَّوراة والإنجيل ممَّا جاءهم به أنبياؤهم، وتمييز بين ما ألحقوه بكُتبهِم من الأخبار الَّتي أخذوا عن غير الثِّقات» (١). فلعلَّك قد لمحتَ السِّرَ في تركُّز أغلبِ شُغلِ الأوربِيِّين النَّقديِّ على دراسةِ متونِ الرِّوايات التَّاريخيَّة، وتحليلِها بمعايِير استحدثوها تُقرِّبهم فيما يظنُّون إلى صورة ماضيهِم قدرَ الإمكانِ، لانعدامِ تَسلسُلِ الشُّهودِ الموصِلِ إلى الصُّوَر التَّاريخيَّة المُتوخَّاة (٢)؛ فلم يكن لهم مِن خيارٍ لتضييقِ هذه الفجوةِ إلَّا باللُّجوء إلى التَّخيُّلِ في استعادةِ تلك الصُّور التَّاريخيَّة، وتمحيص الأخبارِ بالنَّظر العقليِّ في ما تفيده، والاعتماد على شهودٍ غير مُباشِرين للأحداث (٣). فذاك السَّند الرِّوائيُّ الإسلاميُّ حين افتقَدَه المنهجُ الغَربيُّ في دراستِه للوثيقة المدوَّنة، اضطرَّ إلى «الفَرْضِ والتَّخمين، لمعرفةِ أصولهِا ومصادِرها القديمة» (٤)، مِمَّا كان له الأثر السَّلبي على ذات المنهجِ وتأخرِّ نضجِه، بقيت لأجله طبيعةُ المعرفة التَّاريخيَّة عند أربابِه ضعيفة، والوصول إلى درجاتِ اليقينِ عندهم ضَئيلةٌ، والقدرة على المُحاكَمات التَّفصيليَّة تكاد تَنعدم. ثمَّ إنَّ هذا المنهج الغربي الحديث -مع ذلك- مَنهجٌ مُجمَلٌ غير مُتخصِّص، موضوع لجميع الدِّراسات التَّاريخيَّة على حَدٍّ سَواء، ما يجعله غير فعَّالٍ في بلوغِ الحقائق على وجه الدِّقة (٥).

стр. 553

وهو وإن اتَّفق مع منهجِ النَّقدِ الحَديثيِّ الإسلاميِّ في أصولِ النَّظر التَّاريخي العامِّ، إذ كلاهما مُرتَكزٌ على مُقدِّماتٍ عقليَّةٍ متَّفق عليها: إلَّا أنَّ قُصارى مَبلغ أولائكَ رَسْمُ خطوطٍ عَريضةٍ لنقدِ التَّواريخ، دون مُراعاةٍ لاختلافِ طَبائعها. وهذا بخلافِ ما تَفتَّقت عنه عبقريَّة المُحَدِّثين، حيث تواردت عقولهم على ابتكار مَنهجٍ نقديٍّ يخصُّ مَجالًا تاريخيًّا بعينِه، مَحصورٍ في التَّاريخ النَّبَوي ومُتعلِّقاته، الزَّاخرِ بالشَّواهدِ والوثائقِ، لم تعرف له البشريَّة سميًّا في العناية والصِّيانة والاهتمام والنَّشر؛ ما أسهم في تهيئة منهج المحدِّثين للاكتمالِ، وتوفير الأدوات المناسبة لنقده، وضبطِه بقواعدَ يصلح تطبيقها على جميعِ جزئيَّاتِ هذا التَّاريخ. ممَّا أبطأ بمنهج الغربيِّين أن يَصلَ إلى المحاكماتِ التَّفصيليَّة الَّتي وَصَل إليها المُحدِّثون (١).

стр. 554

المَبحث التَّاسع خطأ تطبيق «النَّقدِ الدَّاخليِّ» لمنهج الغربيِّ على تاريخِ السُّنة مِن هنا يظهر غلط المُستشرقين ومَن قلَّدهم في تطبيقِ المنهج التَّاريخيَّ المُتَمَعقِلِ على تاريخِ السُّنة النَّبويَّة، مِن جهةِ: كونِه إجماليًّا لا يُثمِر نتائجَ دقيقةَ؛ ومِن جِهة: افتقادِ العاملين به للخِبرةِ بتاريخِ السُّنة النَّبوية الَّذي يُراد انتقاده؛ مع الإضرابِ عمَّن ينظر منهم إلى النُّبوَّةِ عبر مِنظارٍ فكريٍّ عَدائي، وما يَكتنف كتاباتِهم من خطايا منهجيَّة في النَّقدِ (١). فحين يستصحب الغَربيُّ هذه الحمولةَ الفكريَّة في دراستِه للسُّنة، يتَوهَّم بعد استقراءٍ ناقصٍ لدواوينِها، وتتبُّعٍ عَيِيٍّ لتواريخها، ونظرٍ مُستَكِثرٍ لكُتبِ رجالها: أنَّ منهج المحدِّثين -على خلافِ مَنهجِهم- مَيَّالٌ إلى النَّقد الخارجيِّ دون الدَّاخليِّ، نزَّاع إلى الأشكالٍ دون المَضامين. ومِمَّا يعَزِّز هذا الاعتقاد الفاسد في نظره: وقوفه على أحاديثَ صحيحةِ الإسناد استشكلَها عقلُه، فيعتقد اختلاقَها مِن قِبَل المُتفقِّهة المسلمين، ليُشرِّعوا بها بعضِ الاتِّجاهاتِ السِّياسية وقتهم، أو بغيًا على بعضِ الطَّوائف المخالفة لأهل السُّنة؛ فيقول: كان حَقُّ مثل هذه المُنكراتِ أن تُطوى ولا تُروى؛ فإذْ لم

стр. 555

يستنكِرها المُحدِّثونَ وهم أهل الاختصاص، فلا محالة أنَّ مَسلَكَهم في دراسة الأسانيدِ قاصرٌ عن تَنقيةِ الأخبار مِن الزُّيوف الواضحة (١)، وأنَّ عزوفَهم عن النَّظرِ العقليِّ في المتون، واهتمامَهم بالأشكالِ الإسناديَّة، طريقةٌ «لا يُمكن التَّعويل عليها في الأغلبِ، لفُشوِّ الوَضع فيها» (٢).

стр. 556

المَبحث العاشر تسرُّب النَّظرة الاستشراقيَّة إلى دراساتِ الإسلاميِّين لتُراثِ المُحدِّثين مِن هناك بدأت دعواتِ تجديدِ آلياتِ النَّقد الحديثي، وإعادةِ تشكيل قواعدها، تَتوالى داخلَ المنظومةِ الفكريَّةِ الإسلاميَّةِ نفسِها، وصار كثيرٌ من رجالاتِ الفكرِ ينظرون إلى قواعد المُحدِّثين وأحكامِهم نَظرَ المُنافرِ بينها ومُتطلَّباتِ الواقع. فهذا (طه العلوانيَّ) (١) يدعو صراحةً إلى تغيِير منهجِ النَّقد الإسلاميِّ للأخبار، واستحداثِ بديلٍ له، فيقول في كلامٍ له عن عَملِ المُحَدِّث: « .. اِنتهى إلى تقليدِ الرُّواة والنَّقلةِ في قضايا الجرح والتَّعديل، والتَّوثيق، والتَّضعيف، أو تقليد ومتابعة الرُّواة في فهمِهم لتلك المَرويَّات، وفي ذلك ما فيه مِن تَوقُّف عن الإضافةِ إلى العلم، وتكريسِ العقليَّة السُّكونية؛ ولذلك، فإنَّا نرى الحاجة مُلحَّةً إلى إعادةِ النَّظر في بِنية علومِ الحديثِ الفكريَّةِ والمنهجيَّةِ» (٢).

стр. 557

مثلُ هذه الرَّغبة المعاصرة الجامحة لاستبدالِ ما تَوارثته الأمَّة من مناهج التَّوثيق الحديثيِّ، مُستمد مِن جذرٍ أقدم، يرجع إلى (محمَّد عبده) في سوءِ تصوُّرِه لأساساتِ هذا العلم، فقد كان مِن السَّابقينَ إلى التَّقليلِ مِن قيمةِ الأسانيدِ الرَّائجةِ في صدر هذه الأُمَّة؛ يقول مَرَّةً في جدالِ أحَدِ علماءِ الهنود: « .. ما قيمة سَنَدٍ لا أعرف بنفسي رجالَه، ولا أحوالَهم، ولا مكانَهم مِن الثِّقةِ والضَّبط؟! إنَّما هي أسماءٌ تلقَّفَها المشايخُ بأوصافٍ نُقلِّدهم فيها، ولا سَبيلَ لنا إلى البحثِ فيما يقولون» (١). وهذا لا شكَّ منه تطلُّبٌ للمُحَال، وهي مَقالةٌ منه خطيرةٌ! مُنطويةٌ على جهلٍ بطبيعةِ تلك الأسانيد، والمَعايير الَّتي وضعها العلماء قبله للتَّحقُّق من مراتب الرُّواة، مع ما في رفضِه لها من خرمٍ لإجماعِ الأمَّة على اعتبارها بضوابِطها، وما إليه تَؤُول عبارتُه من دعوةٍ إلى الانفلاتِ مِن السُّنَن جملةً. وبمثل هذه الدَّعوى يُعلِّل مَن يلغ في حياض «الصَّحيحين» بأنَّ الكِتابَين على غيرِ منهجيَّةٍ مَوضوعيَّةٍ متينة! ترى ذلك -مثلًا- في ما استنكره (عبد الحميد أبو سليمان) من أحاديثِ في «صحيح مسلم»، حيث أرجعَ باللَّائمةِ سِراعًا إلى المنهجِ النَّقدي الَّذي سارَ عليه مسلم بن الحجَّاج في انتخابِه للأخبار، فقال: «إنْ صحَّت مثل هذه النُّصوص، وما أظنُّ كثيرًا منها يَصحُّ بحرفه على الأقلِّ، مِن باب الدِّراية ونقدِ المتن: وذلك لِما قد يكون لحِقها مِن عيوب الرِّواية، الَّتي يغلب على الظَّن أنَّه لم يتنبِه لها علماء الحديث» (٢).

стр. 558

المَبحث الحادي عشر لزوم النَّظر الإسناديِّ في عمليَّة النَّقدِ الحديثيِّ

стр. 559

المَطلب الأوَّل منشأ فكرة الإسناد للأخبار الشَّرعيَّة على خلاف ما يظنُّ كثيرٌ من المُعترضين على المحدِّثين، فإنَّ منهجهم في أصلِه هو كمنهجِ الغَربيِّين مِن جهة النَّظرِ إلى أنَّ الوقائع التَّاريخيَّة الَّتي حَدَثت في زمنِ سابقٍ تَركت وثائق أو شواهد، وأنَّ إثباتها يحتاج إلى تَتبُّع هذه المُخلَّفاتِ، حتَّى الوصول إلى تلك الواقعةِ، في خطٍّ مُعاكس لمسيرة الزَّمن -كما أشرنا إلى هذا سابقًا-؛ فإنَّ المُحدِّثينَ لإثباتِ حَدَثٍ للنَّبي ﷺ ، يجمعون المَنقول في ذلك عن (الرُّواة)، باتِّجاهٍ معاكس لاتِّجاه نقلِ الرِّواية فيهم، فيَبدؤون بالتَّحقُّقِ مِن تحديثِ الرَّاوي الأخير، ثمَّ مِن شيخِه، وهكذا إلى أن يَعلوا إلى الرَّاوي الأوَّل الَّذي رأى أو سمعَ النَّبي ﷺ . لكن ميزة عملِ المحدِّثين على منهج المؤرِّخين الغربيِّين، هي في حُسنِ اختيارِ الأدواتِ المنهجيَّة المناسبةِ لنَقْدِ ما تخصَّصوا بنقدِه؛ كان من أبرزِ تلك الأدوات الَّتي اتَّسم بها منهجهم النَّقدي، أنَّهم حين علموا بأهميَّة الملاحظةِ المباشرةِ مبكِّرًا، لَحَموا بين هذه التَّقطُّعاتِ الواردة في جميعِ التَّواريخ الأخرى، بابتكارِ بديعٍ يَتَمثَّل في «سَلاسل الإسنادِ»، بحيث أنَّ كلَّ راوٍ في هذه السِّلسلة، يعتمدُ على ما نقله عمَّن فوقه مِن ملاحظةٍ مباشرةٍ، ثمَّ مُقارنتِها بغيرها مِن

стр. 560

الملاحظاتِ المباشرةِ لأقرانهم للواقعةِ ذاتِهما، مع ملاحظةِ العَدالة ومُشامَمَةِ الدِّيانة، ليخلُصوا بمجموعِ ذلك إلى الحكم الأدقِّ على ضبطِهم للأخبار (١). لقد أدرك المحدِّثون منذ الصَّدر الأوَّل ما للإسناد من أهميَّةٍ بالغةٍ في الصِّناعة التَّوثيقيَّة؛ فهو مُرتكزُها الأساس في الحكمِ على الأخبار النَّبويَّة، وإلزامُهم به يَسَّر عليهم الكشف عن مَصدر الخبر؛ فلذا كان التَّفتيش عنه مُبكِّرًا، ظاهرًا في آخر زَمنِ الصَّحابة ﵃ وكبارِ التَّابعين، ثمَّ ازدادَ الإلحاح في طَلبِه بعد جيلِ هؤلاء لشيوعِ الوَضع، وتكاثر أهلِ الأهواء، وتَقالِّ الوَرَع، حتَّى أصبحَ الإخبارُ بمصدرِ الخَبَرِ لا مَناصَ للرَّاوي عنه إذا أراد لرواياتِه القَبول. وفي تقريرِ هذا المنهج وَرَد مَشهورُ قولِ ابنِ سِيرِين (ت ١١٠ هـ): «لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلمَّا وقعت الفتنة، قالوا: سمُّوا لنا رجالكم، فيُنظر إلى أهل السُّنة فيؤخذ حديثهم، ويُنظر إلى أهل البِدع فلا يؤخذ حديثهم» (٢)، يعني بالفتنة هنا: مقتل عثمان ﵁ (٣). وبهذا نتحقَّق أنَّ دعوى التَّقليلِ مِن قيمةِ الإسنادِ، بالاقتصارِ في النَّقد الحديثيِّ على مُجرَّدِ اختبارِ المتونِ بالعقول: هو في حقيقته شَيْنٌ للمنهجِ العقليِّ نفسِه، فإنَّ مِن غير المَعقولِ إثباتُ مَقولٍ إلى قائلٍ بمجرَّد نقدِ دلالة متن ذاك المَقال، اللَّهم إلَّا إن كان غرض هذا النَّقدِ النَّظرُ في استقامةِ المتنِ من حيث هو، فلا علاقةَ لهذا بما نحن بصَددِه من توثيقِ الرِّوايات؛ مع أنَّ أكثر المتونِ لا يُقدَر على مَعرفةِ استقامتِها أو فسادِها في ذاتِها، لانتفاء المانِع مِن نِسبتِها إلى الشَّارع، فـ «مِن المستحيل إذن استعمالُ العقلِ -مِن النَّاحيةِ العقليَّة نفسِها- في تقويمِ كلِّ حديث» (٤).

стр. 561

فظهر بهذا أنَّ المشكلة مع هؤلاءِ المُزَمِّرينَ للنَّقدِ الباطنيِّ: أنَّهم ألبسُوا المتنَ حُلَّة (الشَّرطيَّة)، وهي على غير قياسِه، ولا هي مِن شأنِه! إنَّما هي حُلَّة الإسنادِ، تَكالبوا على خَلْعِها عنه غصْبًا، فلا المتنُ قَبِلَ التَّحلِّي بها إذْ لم تُوائِمه، ولا هم تَركوها بعدُ لمُستحِقِّها الطَّبيعيِّ! وما هو إلَّا الهوى يُعمي ويصمُّ، وفي أمثالِهم يقول مصطفى السِّباعي: «فتحُ البابِ في نقدِ المتنِ بناءً على حكمِ العقلِ الَّذي لا نَعرِفُ له ضابطًا، والسَّيرُ في ذلك بخُطىً واسعةٍ على حَسبِ رأيِ النَّاقد وهواه، أو اشتباهه النَّاشئ في الغالبِ عن قلَّةِ اطِّلاع، أو قصر نَظَرٍ، أو غفلةٍ عن حقائق أخرى؛ إنَّ فتح البابِ على مِصراعيه لمثلِ هؤلاء النَّاقدين يُؤدِّي إلى فوضى لا يَعلَمُ إلَّا الله مُنتهاها، وإلى أن تكون السُنَّة الصَّحيحة غير مُستقِرَّة البُنيان، ولا ثابتة الدَّعائم؛ ففُلان يَنفي هذا الحديث، وفلانٌ يُثبِته، وفلانٌ يَتوقَّف فيه، كلُّ ذلك لأنَّ عقولهم كانت مختلفةً في الحُكْمِ والرَّأي والثَّقافة والعُمق، فكيف يجوز هذا؟!» (١).

стр. 562

المَطلب الثَّاني مَدار النَّقدِ عند المُحدِّثين على المقارنةِ بين الأخبار إنَّ الحكم الصَّحيحَ على منهجِ المُحدِّثين في نقدِ الأخبارِ فرعٌ عن حُسنِ تَصوُّر هذا العلمِ، واستيعابِ أساساتِه الَّتي قامت عليه، فإذا كان نَقدُ المُعاصرين للأحاديثِ قائمٌ كما يزعمون على ملاحظةِ خِلافها لِما هو أقطعُ منها، فكذلك «مَدار التَّعليلِ عند المُحدِّثين هو على بَيانِ الاختلافِ» (١) بين الرُّواة في أداءِ الأسانيد من جِهة، وبين المتونِ الَّتي تنتهي إليها من جِهة أخرى. فهي عَمليَّة نقديَّة لا تقوم أصلًا إلَّا على قوَّة ملاحظةِ المُختلِفات، وحُسن التَّرجيحِ بينها باستعمالِ القرائن؛ ومَشهورٌ في تقريرِ هذا النَّظرِ المُقارِن أصلًا للنَّقد، قولُ ابنِ المَدينيِّ: «البابُ إذا لم تُجمع طُرقه، لم يَتبيَّن خطؤُه» (٢). وإذا كان أوَّلَ مُرتكزاتِ النَّقدِ التَّاريخيِّ الغَّربيِّ: «نقدُ المَصدر» (٣)، وهو الَّذي يَتوجَّه إلى مَصدر الوثيقة ونحوها، للتَّأكُّدِ مِن ضبطِ المصدر لها: فإنَّ المُقرَّر في بدائِه علمِ الحديث، أنَّ ضَبط الأخبارِ شَرطٌ أسَاسٌ لتوثيقِ مَصدرِ الرِّوايةِ -وهو الرَّاوي- ولا يكون ذلك إلَّا بأن يُطمَأنَّ إلى إتقانِه لِما يَرويه حِفظَ صَدرٍ أو حِفظَ

стр. 563

كِتابٍ، عالِمًا بمعنى ما يَروِيه وما يُحيله عن المُراد إن رَوَى بالمعنى (١)، ليَثِقَ المطَّلعُ على روايتِه والمتتبِّعُ لأحواله، بأنَّه أدَّى الأمانة كما تَحمَّلها، لم يُغيِّر مِن حقيقتِها شيئًا، فليس يُسَمَّى ثقةً إلَّا إذا اجتمع فيه شَرْطا العدالةِ والضَّبط (٢). وهذا الضَّبط هو مَناط التَّفاضل بين الرُّواة الثِّقات في منهج المُحدِّثين، يُتحقَّق من اتِّصاف الرَّاوي به بعَرضِ ما يحدِّث به حِفظًا على ما في كُتبِه إن كان له كتاب، أو بعرضِ روايتِه على رواياتِ الثِّقات الضَّابطين المتقِنين، لمعرفةِ مَدى مُوافقةِ حديثِه لحديثهِم أو مخالفتِه، بل تُعرض روايته على باقي رواياتِه نفسِه (٣)! فإن كثُرَت مخالفته دلَّ على اختلالِ ضبطِه، فلا يُحتج بحديثه، ولا تضرُّه المخالفة النَّادرة (٤). وفي التَّنويه بهذه المنهجيَّة النَّقديَّة المقارنة، يقول الخطيب البغداديُّ (ت ٤٦٣ هـ): «هذه الأمَّةُ إنَّما تَنصُّ الحديثَ مِن الثِّقة المَعروف في زمانه، المشهور بالصِّدق والأمانة عن مثله، حتَّى تَتَناهى أخبارهم، ثمَّ يبحثون أشدَّ البحث، حتَّى يعرفوا الأحفظَ فالأحفظ، والأضبطَ فالأضبط، والأطولَ مجالسةً لمِن فوقه ممَّن كان أقلَّ مجالسة، ثمَّ يكتبون الحديثَ مِن عشرين وجهًا وأكثر، حتَّى يُهذِّبوه من الغَلط والزَّلل، ويضبطوا حروفَه ويعدُّوه عدًّا» (٥).

стр. 564

العَجيب؛ أنَّ اكتشاف الإسنادِ آليَّةً لافتِحاصِ الأخبارِ واختبارَ رُواتِها لاختيارِ الأخْيَار، هذا الرِّزق الَّذي خُصَّت به الأُمَّة وحُقَّ الفَخرُ به على سائرِ الأُمَم، وَدَّ مِن الغَرْبِيِّين مَن لو أُورِثوا مثل هذا الكنزَ من أسلافِهم، فدوَّنوا بها تواريخَهم وسِيَر أنبيائهم، إذن لفاخَرُوا به حَضاراتِ الدُّنيا أجمعِها؛ في الوقت الَّذي طُمِسَت فيه عيونُ بعضِ أبناءِ الإسلامِ عن تلمُّحِ حسناتِه! فبِحقٍّ قال المُستشرقِ (مَرْجِيلْيُوث)، يُعلِنها في لحظةِ إنصافٍ لخصومِه: «مع أنَّ نظريةَ الإسنادِ قد أوجبَت الكثيرَ مِن المتاعب، نظرًا لما يَتَطلَّبَه من البَحثِ في ثقةِ كلِّ راوٍ، ولأنَّ وضعَ الأحاديثِ كان أمرًا مَعهودًا، وجرَى التَّسامح معه بسهولةٍ أحيانًا، إلَّا أنَّ قيمَتَها في تحقيقِ الدِّقةِ لا يُمكن الشَّكُ فيها، والمسلمون مُحِقُّون بالفَخْرِ بعِلْمِ حَديثِهِم» (١).

стр. 565

المَبحث الثَّاني عشر عدم قَبول المحدِّثين لأخبارِ الثِّقات بإطلاق يُزري بنفسِه مَن يَدَّعي على المُحدِّثين قَبولَهم لحديثِ الرَّاوي لمجرَّدِ أنَّه ثِقة، أو لأنَّ إسناده صَحيحٌ في ظاهرِه؛ فإنَّ الخطأ والوَهم في الرِّوايةِ سَجيَّةٌ في البَشريَّة، وهما أمْرانِ جائزانِ في أحاديثِ الثِّقاتِ بإجماعِ العقلاء، وإن كان الأصلُ في خبرِ الثِّقة مُطابقة الواقع، والخَطأ طارئٌ مُحتمل، وفي تقرير هذه البديهةِ على الحُفَّاظ يقول مسلم بن الحجَّاج: «ليسَ مِن ناقلِ خَبرٍ، وحاملِ أثرٍ مِن السَّلف الماضين إلى زماننا، وإن كان مِن أحفظ النَّاس، وأشدِّهم توقِّيًا، وإتقانًا لما يحفظ وينقُل، إلَّا الغَلط والسَّهو ممكنٌ في حفظِه ونقلِه» (١). واعتبارًا لهذا الاحتمالِ في رواية الثِّقات، اشترطَ المحدِّثون في حَدِّ «الصَّحيحِ» أن لا يَكون الخبرُ شاذًّا ولا مُعَلَّلًا بعلَّةٍ خَفيَّةٍ، ومَنشأ هذين الخَطأ قطعًا، وبهما وَهَّم أئمَّة الحديثِ أكابرَ الرُّواة في غلَطاتٍ عُدَّت عليهم، مِن غيرِ اتِّكالٍ على سلامةِ الظَّاهر من الإسنادِ، بل يعتقدون أنَّ «الإسنادَ قد يكون كلُّه ثقاتٍ، ويكون الحديثُ مَوضوعًا أو مَقلوبًا، أو قد جَرَى فيه تَدليسٌ، وهذا أصعبُ الأحوال، ولا يَعرفُ ذلك إلَّا النُّقاد» (٢).
следующие страницы →