← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 224

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فظهر بهذا أنَّ المشكلة مع هؤلاءِ المُزَمِّرينَ للنَّقدِ الباطنيِّ: أنَّهم ألبسُوا المتنَ حُلَّة (الشَّرطيَّة)، وهي على غير قياسِه، ولا هي مِن شأنِه! إنَّما هي حُلَّة الإسنادِ، تَكالبوا على خَلْعِها عنه غصْبًا، فلا المتنُ قَبِلَ التَّحلِّي بها إذْ لم تُوائِمه، ولا هم تَركوها بعدُ لمُستحِقِّها الطَّبيعيِّ! وما هو إلَّا الهوى يُعمي ويصمُّ، وفي أمثالِهم يقول مصطفى السِّباعي: «فتحُ البابِ في نقدِ المتنِ بناءً على حكمِ العقلِ الَّذي لا نَعرِفُ له ضابطًا، والسَّيرُ في ذلك بخُطىً واسعةٍ على حَسبِ رأيِ النَّاقد وهواه، أو اشتباهه النَّاشئ في الغالبِ عن قلَّةِ اطِّلاع، أو قصر نَظَرٍ، أو غفلةٍ عن حقائق أخرى؛ إنَّ فتح البابِ على مِصراعيه لمثلِ هؤلاء النَّاقدين يُؤدِّي إلى فوضى لا يَعلَمُ إلَّا الله مُنتهاها، وإلى أن تكون السُنَّة الصَّحيحة غير مُستقِرَّة البُنيان، ولا ثابتة الدَّعائم؛ ففُلان يَنفي هذا الحديث، وفلانٌ يُثبِته، وفلانٌ يَتوقَّف فيه، كلُّ ذلك لأنَّ عقولهم كانت مختلفةً في الحُكْمِ والرَّأي والثَّقافة والعُمق، فكيف يجوز هذا؟!» (١).

стр. 562

المَطلب الثَّاني مَدار النَّقدِ عند المُحدِّثين على المقارنةِ بين الأخبار إنَّ الحكم الصَّحيحَ على منهجِ المُحدِّثين في نقدِ الأخبارِ فرعٌ عن حُسنِ تَصوُّر هذا العلمِ، واستيعابِ أساساتِه الَّتي قامت عليه، فإذا كان نَقدُ المُعاصرين للأحاديثِ قائمٌ كما يزعمون على ملاحظةِ خِلافها لِما هو أقطعُ منها، فكذلك «مَدار التَّعليلِ عند المُحدِّثين هو على بَيانِ الاختلافِ» (١) بين الرُّواة في أداءِ الأسانيد من جِهة، وبين المتونِ الَّتي تنتهي إليها من جِهة أخرى. فهي عَمليَّة نقديَّة لا تقوم أصلًا إلَّا على قوَّة ملاحظةِ المُختلِفات، وحُسن التَّرجيحِ بينها باستعمالِ القرائن؛ ومَشهورٌ في تقريرِ هذا النَّظرِ المُقارِن أصلًا للنَّقد، قولُ ابنِ المَدينيِّ: «البابُ إذا لم تُجمع طُرقه، لم يَتبيَّن خطؤُه» (٢). وإذا كان أوَّلَ مُرتكزاتِ النَّقدِ التَّاريخيِّ الغَّربيِّ: «نقدُ المَصدر» (٣)، وهو الَّذي يَتوجَّه إلى مَصدر الوثيقة ونحوها، للتَّأكُّدِ مِن ضبطِ المصدر لها: فإنَّ المُقرَّر في بدائِه علمِ الحديث، أنَّ ضَبط الأخبارِ شَرطٌ أسَاسٌ لتوثيقِ مَصدرِ الرِّوايةِ -وهو الرَّاوي- ولا يكون ذلك إلَّا بأن يُطمَأنَّ إلى إتقانِه لِما يَرويه حِفظَ صَدرٍ أو حِفظَ

стр. 563

كِتابٍ، عالِمًا بمعنى ما يَروِيه وما يُحيله عن المُراد إن رَوَى بالمعنى (١)، ليَثِقَ المطَّلعُ على روايتِه والمتتبِّعُ لأحواله، بأنَّه أدَّى الأمانة كما تَحمَّلها، لم يُغيِّر مِن حقيقتِها شيئًا، فليس يُسَمَّى ثقةً إلَّا إذا اجتمع فيه شَرْطا العدالةِ والضَّبط (٢). وهذا الضَّبط هو مَناط التَّفاضل بين الرُّواة الثِّقات في منهج المُحدِّثين، يُتحقَّق من اتِّصاف الرَّاوي به بعَرضِ ما يحدِّث به حِفظًا على ما في كُتبِه إن كان له كتاب، أو بعرضِ روايتِه على رواياتِ الثِّقات الضَّابطين المتقِنين، لمعرفةِ مَدى مُوافقةِ حديثِه لحديثهِم أو مخالفتِه، بل تُعرض روايته على باقي رواياتِه نفسِه (٣)! فإن كثُرَت مخالفته دلَّ على اختلالِ ضبطِه، فلا يُحتج بحديثه، ولا تضرُّه المخالفة النَّادرة (٤). وفي التَّنويه بهذه المنهجيَّة النَّقديَّة المقارنة، يقول الخطيب البغداديُّ (ت ٤٦٣ هـ): «هذه الأمَّةُ إنَّما تَنصُّ الحديثَ مِن الثِّقة المَعروف في زمانه، المشهور بالصِّدق والأمانة عن مثله، حتَّى تَتَناهى أخبارهم، ثمَّ يبحثون أشدَّ البحث، حتَّى يعرفوا الأحفظَ فالأحفظ، والأضبطَ فالأضبط، والأطولَ مجالسةً لمِن فوقه ممَّن كان أقلَّ مجالسة، ثمَّ يكتبون الحديثَ مِن عشرين وجهًا وأكثر، حتَّى يُهذِّبوه من الغَلط والزَّلل، ويضبطوا حروفَه ويعدُّوه عدًّا» (٥).

стр. 564

العَجيب؛ أنَّ اكتشاف الإسنادِ آليَّةً لافتِحاصِ الأخبارِ واختبارَ رُواتِها لاختيارِ الأخْيَار، هذا الرِّزق الَّذي خُصَّت به الأُمَّة وحُقَّ الفَخرُ به على سائرِ الأُمَم، وَدَّ مِن الغَرْبِيِّين مَن لو أُورِثوا مثل هذا الكنزَ من أسلافِهم، فدوَّنوا بها تواريخَهم وسِيَر أنبيائهم، إذن لفاخَرُوا به حَضاراتِ الدُّنيا أجمعِها؛ في الوقت الَّذي طُمِسَت فيه عيونُ بعضِ أبناءِ الإسلامِ عن تلمُّحِ حسناتِه! فبِحقٍّ قال المُستشرقِ (مَرْجِيلْيُوث)، يُعلِنها في لحظةِ إنصافٍ لخصومِه: «مع أنَّ نظريةَ الإسنادِ قد أوجبَت الكثيرَ مِن المتاعب، نظرًا لما يَتَطلَّبَه من البَحثِ في ثقةِ كلِّ راوٍ، ولأنَّ وضعَ الأحاديثِ كان أمرًا مَعهودًا، وجرَى التَّسامح معه بسهولةٍ أحيانًا، إلَّا أنَّ قيمَتَها في تحقيقِ الدِّقةِ لا يُمكن الشَّكُ فيها، والمسلمون مُحِقُّون بالفَخْرِ بعِلْمِ حَديثِهِم» (١).

стр. 565

المَبحث الثَّاني عشر عدم قَبول المحدِّثين لأخبارِ الثِّقات بإطلاق يُزري بنفسِه مَن يَدَّعي على المُحدِّثين قَبولَهم لحديثِ الرَّاوي لمجرَّدِ أنَّه ثِقة، أو لأنَّ إسناده صَحيحٌ في ظاهرِه؛ فإنَّ الخطأ والوَهم في الرِّوايةِ سَجيَّةٌ في البَشريَّة، وهما أمْرانِ جائزانِ في أحاديثِ الثِّقاتِ بإجماعِ العقلاء، وإن كان الأصلُ في خبرِ الثِّقة مُطابقة الواقع، والخَطأ طارئٌ مُحتمل، وفي تقرير هذه البديهةِ على الحُفَّاظ يقول مسلم بن الحجَّاج: «ليسَ مِن ناقلِ خَبرٍ، وحاملِ أثرٍ مِن السَّلف الماضين إلى زماننا، وإن كان مِن أحفظ النَّاس، وأشدِّهم توقِّيًا، وإتقانًا لما يحفظ وينقُل، إلَّا الغَلط والسَّهو ممكنٌ في حفظِه ونقلِه» (١). واعتبارًا لهذا الاحتمالِ في رواية الثِّقات، اشترطَ المحدِّثون في حَدِّ «الصَّحيحِ» أن لا يَكون الخبرُ شاذًّا ولا مُعَلَّلًا بعلَّةٍ خَفيَّةٍ، ومَنشأ هذين الخَطأ قطعًا، وبهما وَهَّم أئمَّة الحديثِ أكابرَ الرُّواة في غلَطاتٍ عُدَّت عليهم، مِن غيرِ اتِّكالٍ على سلامةِ الظَّاهر من الإسنادِ، بل يعتقدون أنَّ «الإسنادَ قد يكون كلُّه ثقاتٍ، ويكون الحديثُ مَوضوعًا أو مَقلوبًا، أو قد جَرَى فيه تَدليسٌ، وهذا أصعبُ الأحوال، ولا يَعرفُ ذلك إلَّا النُّقاد» (٢).

стр. 566

يقول ابن تيميَّة عن صرامة موقف المُحدثِّين من أخبار الثِّقات: «إنَّهم يُضعِّفون من حديثِ الثِّقة الصَّدوق الضَّابط أشياءَ تبيَّن لهم أنَّه غلط فيها بأمورٍ يستدلُّون بها، ويسمُّون هذا علم عِلل الحديث، وهو من أشرف علومِهم، بحيث يكون الحديث قد رواه ثقة ضابط وغلط فيه، وغلطُه فيه عُرِف .. كما عَرفوا أنَّ النبي ﷺ تزوَّج ميمونة وهو حلال، وأنه صلَّى في البيت ركعتين؛ وجعلوا رواية ابن عبَّاس لتزوجها حرامًا، ولكونه لم يصلِّ: ممَّا وقع فيه الغَلَط، وكذلك أنَّه اعتمر أربع عُمَر؛ وعَلِموا أنَّ قول ابن عمر إنَّه ﷺ اعتمر في رجب: ممَّا وقع فيه الغلط؛ وعَلِموا أنَّه تمتَّع وهو آمن في حجَّة الوداع، وأنَّ قول عثمان لعليٍّ: «كنَّا يومئذٍ خائفين» ممَّا وقع فيه الغَلط؛ وأنَّ ما وقع في بعضِ طُرق البخاريِّ «أنَّ النَّار لا تمتلئُ حتَّى يُنشئ الله لها خلقًا آخر» ممَّا وقع فيه الغَلَط، وهذا كثيرٌ» (١). هذا الَّذي قرَّرناه مِن عَملِ المُحدِّثين في نقد أخبارِ الثِّقات قد أكبَرَه فيهم رُوَّاد المنهجِ التَّاريخي الغَربيِّ أنفسُهم حين وَصلوا إلى شيءٍ من ممارسةِ حقائقِه، ليُخبرونا مُتأخِّرين بقرون كثيرة: أنَّه لا يَقوم بهذا النَّقدِ «على وجهِ الدِّقةِ، إلَّا الخُبراء الحُذَّاق، الَّذين طالت مُمارستهم للنَّقد، وعظُمت مَعارفهم بالمعلوماتِ المؤثِّرة فيه» (٢). وصدقًا قالوا؛ فإنَّ معرفةَ هذه الأخطاءِ واستخراجِها مِن حديث الثِّقاتِ، لا يتمكَّن منه إلَّا الأئمَّة النُّقاد الجامعون، مَعرفةً لم يُؤتاها الواحد منهم بمجرَّد النَّظر في إسنادِ الحديث نَظرًا رياضيًّا بَحْتًا، ولكنها عمليَّة مُرَكبَّة دقيقة لا تُوهَب إلَّا لحادِّ الذِّهن، كثيرِ المِران بأحوالِ الرُّواة وصفاتِهم، واسعِ الاطِّلاعِ على الأسانيد ومَخارج أحاديثهم، حديدِ الفهم لمتونِها وما يكتنفُها مِن مُشكلات؛ وهو

стр. 567

ما عناه السَّمعاني (ت ٤٠٣ هـ) بقوله: «الصَّحيح لا يُعرف بالرِّواية مِن الثِّقات فقط، وإنَّما بالفَهم، والحفظ، وكثرة السَّماع» (١).

стр. 568

المَبحث الثَّالث عشر شرطُ سَلامةِ المتن مِن القَوادِح لتمامِ النَّقدِ الحديثيِّ منهج المُحدِّثين معتمدٌ على النَّظرة التَّكامليَّة في النَّقدِ بين النَّظَرِ في عُنْصُرَي الرِّواية مِن غير اجتزاءٍ، لعلمِهم بالعلاقةِ الشَّرطيَّةِ بين الإسناد والمتن، فكثيرًا ما يقرِّرون بأنَّ صِحَّة الإسناد لا تستلزم صِحَّة المتن (١)، وإن كانت شرطًا لا بدَّ له منه؛ كما أنَّ استقامةَ المتنِ لا تعني بالضَّرورةِ صحَّة الإسناد، فرُبَّ خَبرٍ صَحيحِ المَعنى، فصيحِ المَبْنى، يمنعُ مِن نسبتِه إلى لفظ الشَّارع وَهاءُ إسنادِه. ومن هنا نستطيع أن نقول:

стр. 569

المَطلب الأوَّل طبيعة العلاقة بين الإسناد والمتنِ إنَّ العلاقةَ بين الإسناد والمتن علاقة تلازمٍ شرطيٍّ، لا تلازم اطِّرادي؛ بمعنى: أنَّه يَلزمُ لوجودِ المَشروطِ وجودُ الشَّرط، ولا يلزمُ مِن وجودِ الشَّرطِ وجودُ المشروطِ ضرورةً؛ فصحَّة السَّند هنا شرطٌ مِن شروط صحَّة الحديث، وصحَّة المتن مَشروط له، وعليه يلزَمُ لصحَّةِ المتنِ صِحَّةُ السَّند، وليست صحَّةِ السَّندِ موجبة لصحَّة المتن (١). فإذا تقرَّر هذا؛ فإنَّ النَّظر في السَّندِ والمتنِ مَعًا أساسٌ لعمليَّة النَّقد الحديثيِّ عند المتقدِّمين، إذْ لا سبيل إلى الحكمِ بصحَّةِ الحديثِ، إلَّا بعد ثبوتِ شرطِه مِن الإسنادِ، وانتفاءِ المانع من ذلك في المتن؛ وبهذا قد أعطى المحدِّثون رُكْنَي الخبرِ حقَّهما مِن النَّظر، فلا هم نسبوا إلى الرُّواة الوَهَم والخَطأ ونحوَ ذلك لمجرَّدِ كونِ المتنِ يدلُّ على خلاف رأيٍ لهم مبنيٍّ على الظَّن، ولا هم اعتقدوا فيهم العصمةَ عن الخطأ والنِّسيان (٢). وعلى هذا يُخرَّج تَصرُّفهم حِيالَ ما كان صحيحَ الإسنادِ باطلَ المتنِ، فإنَّهم لا يحكمون على السَّندِ وحدَه بِما يظهر مِن صحَّتِه، لمِا فيه مِن إيهامٍ لقَبولِ المتن،

стр. 570

ولكنَّهم يقرِنون مع حكمِ الإسنادِ ما يُفيد المنعَ مِن قَبولِ مُقتضاه في المتن في الغالب، كأن يقولوا: «سَنَده صَحيح، والحديث باطل، أو مُنكَر المتنِ» ونحو هذا مِن العِبارات (١)، ولا يَكتفون بقولِ: «إسنادُه صحيح» فقط، نظرًا لما عُهِد مِن منهجِهم أنَّ الإمامَ مِنهم إذا اقتصَرَ على ذلك، دَلَّ غالبًا على أنَّه لم يَطَّلِع على عِلَّةٍ في المتن، فيكون تصحيحًا للحديثِ كلِّه (٢).

стр. 571

المَطلب الثَّاني تعليلُ المحدِّثين للخَبرِ إذا عارَضه ما هو أقوى قد علِمنا قبلُ أنَّ مَدار عَملِ النُّقادِ قائم على بَيانِ الاختلافِ بين رواياتِ الحديثِ الواحدِ، فيُقارِنون مُتونَ الطُّرقِ بعضها ببعضٍ؛ فبدهيٌّ أنَّهم بهذا المنطقِ لنْ يحكموا بصحَّة الحديثِ إذا خالَفَ حديثًا آخرَ مخالفةً حقيقيَّةً رواتُه أرجح، ولا أن يقولوا: كلُّ ذلك صَحيح! بهذا الاعتبار نرى المُحدِّثين كثيرًا ما أعلُّوا حديثَ الثِّقةِ إذا رَوَى ما يُخالف رأيَه (١)، أو خِلافَ الثَّابتِ المَعروفَ مِن السُّنَنِ المَستفيضة؛ كما تراه - مثلًا- في قولِ أحمد (ت ٢٤١ هـ) في حديثِ أسماءَ بنتِ عُمَيس: «تَسَلَّبي ثلاثًا، ثمَّ افعلِي ما

стр. 572

بَدَا لكِ»: إنَّه «مِن الشَّاذِ المُطَّرح»؛ هذا مع أنَّه يُصحِّح ظاهر إسنادِه! وذلك لمخالفةِ مَتنِه عنده للأحاديثِ الصَّحيحةِ الكثيرةِ في الإحْدادِ (١). فإذا تَقرَّر هذا؛ فإنَّ مُعارضةَ الحديثِ بما هو أوسعُ دائرةً مِن جنسِه في الباب الواحد هو مِن أُسسِ عَملِ النُّقاد في حكمِهم على الحديث، فإنَّهم إذا قَدِروا على تَعليلِ خَبرٍ لمجرَّدِ مُعارضتِه لِما هو أرجحُ منه وأشهر، مع كونِ هذا كلِّه في نِطاقِ إخباريٍّ واحد؛ فما الَّذي يَمنعُهم مِن أن يُعِلُّوا خَبَرًا يرونه مُعارضًا لقَطْعيٍّ خارجَ هذا النِّطاق، أكانَ قاطعًا قُرآنيًّا، أو تاريخيًّا، أو إجْماعيًّا .. إلخ؟! والأصلُ في هذا ما قعَّده الشَّافعي (ت ٢٠٤ هـ)، في اشتراطِ خُلُوَّ المتنِ مِن قادحٍ أو مخالفةِ الأقوى ليصحَّ الحديث، في قولِه: «لا يُستدلُّ على أكثرِ صدقِ الحديثِ وكذبِه إلَّا بصدقِ المُخبِر وكذبِه، إلَّا في الخاصِّ القليل مِن الحديث، وذلك أن يُستَدَلَّ على الصِّدقِ والكذبِ فيه: بأن يُحدِّثَ المُحدِّث ما لا يجوز أن يكون مثلُه. أو ما يخالفه ما هو أثبتُ وأكثرُ دلالاتٍ بالصِّدقِ منه» (٢). وعلى مِنوالِ هذا التَّقعيدِ جَرت صياغةُ ابن أبي حاتم الرَّازي (ت ٣٢٧ هـ) لقاعدتِه الَّتي أسَّسَ عليها المعيار العلميِّ لتعليل الأخبار، حيث قال: «يُقاس صحَّة الحديث بعدالةِ ناقِليه، وأن يكون كلامًا يصلُح أن يكون مِن كلام النُّبوة» (٣). فقولُه: «يصلُح أن يكون مِن كلام النُّبوة» جمع به الأصلين الَّذَين أشارَ إليهما الشَّافعي في كلامِه، فإنَّ أيَّ حديثٍ يَستحيلُ أن يكون مثلُه، أو يخالفُه ما هو أثبتُ وأكثر دلالاتٍ بالصِّدق منه: لا يصلُح أن يكون مِن كلامِ النُّبوة.

стр. 573

المَطلب الثَّالث الاكتفاء بتعليل الإسنادِ عادة المُحدِّثين إذا استنكروا المتنَ إنَّ المتونَ الباطلة لمَّا كانت تأتي في الغالبِ الأعمِّ مِن جِهة الضُّعفاء والمَتروكين، صار المُحدِّثون إذا استنكروا الحديثَ نَظَروا في سَنَدِه، فوَجَدوا ما يُبيَّن وَهْنَه فيذكرُونَه، فيَسْتَغنون بذلك عن التَّصريحِ بحَالِ المتنِ. وهذا ما تراه شائعًا في كُتب المَوْضوعاتِ والعِلَل، وما يُعَلُّ مِن الأحاديث في التَّراجم؛ تجدُ غالبَ ذلك ممَّا يُنكَر مَتْنُه حقيقةً، ولكنَّ الأئمَّة يَستغنون عن بيانِ ذلك اختصارًا بقولهم: (مُنكر) ونحوه، أو بالكلام في الرَّاوي والتَّنبيه على خَلَلِ الإسنادِ، إذْ لا حاجة للاستمرارِ بعدها في كشفِ نكارةِ المتنِ إذا انهارَ السَّندُ أمامَ النَّقد (١). فحِينَ أن كانت هذه الطَّريقة هي الأصلَ في نقدِ المحدِّثين، وكانت مُنكراتِ الضُّعفاء والمَتروكين أكثرَ مِن مُنكراتِ الثِّقاتِ بما لا يُقارَن: ظَنَّ مَن ظَنَّ مِن خلالِ مُلاحظتِه لعَملِ المحدِّثين أنَّ أكثرَ الأحاديثِ المُنكَرة في مَتنِها لم يَرْعِها المُحَدِّثون اهتمامًا، وأنَّ أغلبَ نظرهم مُنصرفٌ إلى الإسنادِ فقط، بدليل خلوِّ أحكامهم من التَّنبيه على نكارة تلك المتون!

стр. 574

والحقيقةُ ما أوضحناه لك، أنَّ المُحدِّثين فعلًا قد تَفحَّصوا سند الحديثِ ومتنَه، وأنَّ نقْدَهم للسَّند في حقيقتِه هو لمصلحةِ المتن، لكن آثروا بيانَ ما في سَنَدِ الرِّواية المُنكرة مِن كذَّاب أو مَتروك، دون تكلُّفِ شرحِ ما في المتنِ مِن عيوب، اكتفاءً ببُطلانِ مَصدرِها عن إبطالِ مَخبَرِها؛ وهذا - كما قلنا - في الغالبِ. ولكن لمَّا غفل بعضُ المعاصرين عن هذه العادة، ظنُّوا أنَّ المُحدِّث ليس له أن يَتَعرَّض للنَّقدِ مِن جهة المَتنِ أصلًا! وكأنَّهم تَوَهَّموا ذلك مِن حصرِ بعضِ مَن كَتَب في علمِ المصطلحِ وظيفةَ المُحدِّثِ في نقدِ الإسنادِ فقط (١)، وقول بعض المُحقِّقين أنَّ صِحَّة الحديثِ إنَّما تُحصَّلُ بمعرفةِ الرُّواة ومَراتبهم (٢)! غير أنَّ في هذا الإطلاقَ نظرًا! ولو أنَّا سلَّمنا صِحَّتَه، فإنَّ مَبناه على الغَالب الأعمِّ لا مطلقًا، ويكون مَقصودُ مَن أطلقَه: أنَّ النَّقدَ مِن جهةِ الإسنادِ هو مِن خَصائصِ المُحدِّث المُتأخِّر خاصَّة، لمِا قَرَّرنا آنفًا من أنَّ أغلبَ ما تَجيءُ المَناكيرُ في المتونِ مِن جِهةِ الضُّعفاءِ والمَتروكين، فاكْتُفِي بالرُّسومِ الإسناديَّة في حَدِّ الصَّحيح، لكونِ مَراتِب الرُّواةِ مُبتَناةٌ من الأساس على سابق نَظرٍ المُتقدِّمينَ في مُتونِ مَرويَّاتِهم. لكنْ إذا ما استبانَ للمُحدِّثِ مخالفةُ متنٍ لواقعٍ قطعيٍّ، فإنَّ «اعتبارَ الواقعِ حينئذٍ أَوْلى مِن المَشيِ على القَواعدِ، وإنَّما القواعدُ للفَصلِ فيما لم يَنكشِف أمرُه مِن الخارج على وجهِه» (٣). فالحقُّ أن يُقال هنا: أنَّ أئمَّةَ الحديثِ كانوا حقًا أدقَّ نظرًا، وأبعدَ غورًا، وأهدأ بَالًا، حين لم يَجرُوا في نقد المتنِ الأشواطَ البعيدةَ الَّتي جَرَوها في نقدِ السَّند؛ ذلك لاعتبارٍ

стр. 575

مَنهجيٍّ لاحظوه مِن مجموعِ أدلَّة الشَّرْع، وهو أنَّ «اعتقاد الاستشكال لا يَستلزِمُ البُطلان» (١). فقد يرى المُحدِّث الحديثَ مُشكلًا في ذهنِه، متشابهًا له في فهمِه، لكنَّه على بالٍ بأنَّ الخَلل في ظَنِّ البطلانِ أكثر جدًّا مِن الخللِ في الأحاديثِ الَّتي يرويها الثِّقات، وأنَّه لا يلزم مِن هذا المُشكل عليه أن يكون كذلك عند غيرِه؛ فإنَّ كثيرًا ما يَستشكل أحدُهم آيةً أو حديثًا، فيأتي من يُجلِّي وجهَ هذا الإشكالِ، ويَكشف الشُّبهة بمزيدِ مُوضِحاتٍ فَتَح الله بها عليه (٢). فإذا ما استبانَت في المتنِ عِلَّة قادحة واضحة، ورَكنَتْ إلى إثباتها نفسُه بعد أن يكون قد استوفى النَّظر في ما قد يرفعها؛ فحينئذٍ لا يجوز له أن يُقصِّرْ فيما يُطلَب منه، فيجوز له تعليل الحديث مِن جهة المتن بخاصَّة، «كما أنَّ غيرَه له أن يَتَعرَّض للنَّقدِ مِن جهةِ المتنِ إذا ظَهَر له ما يُوجِبه، فله هو ذلك إذا ظَهرَ له ما يُوجِبه، بل هو أرجحُ مِن غيره» (٣). ولقد تَعَرَّض كثيرٌ مِن أئمَّةِ الحديثِ للنَّقدِ مِن جهةِ المتنِ، والَّذي يَعْنِينا من ذلك: إثباتُ نماذج في ذلك مِن تطبيقاتِ البخاريِّ ومسلمٍ، وذلك لتكتملَ الصُّورة في ذهنِ القارئِ لطبيعةِ نقدِ المُحدِّثينَ مِن تطبيقاتِ عَلَمَيْنِ شامِخيْن مِن أسْيادِهم، وليَزولَ الارتيابُ بعدُ عن المنهجِ العِلْميِّ الَّذي اعتمده الشَّيْخان في نقدِ المتونِ على وَجهِ الخصوص، فتُستَأصلَ حُجَّة مَن يدَّعي تَباعُدهما عن نقدِ المتونِ مِن جذورِها، وتكُفَّ يَدُ الجهالةِ عن تشطيبِ ما لم يَرُقها مِن أخبارِ كِتابَيْهما.

стр. 576

المَبحث الرَّابع عشر نماذج من نقدِ البخاريِّ ومسلم للمتون قد أَوْلى الشَّيخان اهتمامًا بليغًا بحال المتونِ في نظرِهما النَّقدي للأحاديث، فلم يكونوا يَتَردَّدون أبدًا في إعلالِ حديثٍ تَبَيَّن لهم خَلَلُ مَتْنِه، أو مُعارضَتِه ما هو أثبتُ منه دلالةً ونقلًا؛ بل كثيرًا ما أدخل البخاريُّ الرَّجلَ غير المُكثِر في الضُّعفاء بحَديثٍ خالَفَ متنُه فيه المعروفَ مِن التَّاريخ أو السُّنةَ الثَّابتةَ؛ فمَن لم يكن له مِن المَروِيَّاتِ ما يَتَبيَّن به أمرُه إلَاّ ما يُستَنْكَر، فهو المستحِقُّ لاسمِ الضَّعف عنده، ولو لم يعلم أحدًا قبله جرحَّه تجريحًا صريحًا (١). فقد قرَّرنا سابقًا أنَّ عِلْمَ العِلَل أحد الأصول الَّتي ينبني عليها عِلْم الرِّجال، وبه توصَّل الشَّيخانِ وغيرهما من النُقَّاد إلى فَرْزِ مَراتِبِ الرُّواة، عبر سَبْرِ مَرويَّاتِهم والتَّحقُّقِ مِن سلامتها مِن القَوادح؛ وهذا ما يُفسِّر توافرَ أمثلة نقدِ البخاريِّ للمتون في كِتابيه في الرِّجال: «التَّاريخ الكبير»، و «التَّاريخ الأوسط». لقد كان بَيانُ هذا التَّرابط بين تعليل المتون وعلم الرِّجال مِن أجَلِّ مَقاصد مسلم في تأليفِه لكتاب «التَّمييز»، وقد أعرب عن هذه العَلاقة التَّلازميَّة فيه بقوله: «أهلُ الحديث هم الَّذين يَعرفونهم ويُميِّزونهم، حتَّى يُنزلوهم مَنازلهَم في التَّعديل

стр. 577

والتَّجريح، وإنَّما اقتصصنا هذا الكلام لكي نُثبتَه مَن جَهِل مَذهبَ أهلِ الحديث، ممَّن يُريد التَّعلُّم والتَّنبُّه على تثبيتِ الرِّجال وتَضعيفِهم، فيعرفَ ما الشَّواهد عندهم والدَّلائل الَّتي بها ثبَّتوا النَّاقل للخَبر مِن نقلِه، أو سقطوا مَن أسقطوا منهم» (١). إنَّ الملاحَظ على كثيرٍ مِن أحكامِ الشَّيخينِ على الرُّواة، أنَّهما يجمعان في كثيرٍ من نقدِهما للمرويِّ بين النَّظر المَتنيِّ والإسناديِّ، وبخاصَّة البخاري؛ فإنَّ دلَّ هذا على شيءٍ، فعلى تحرِّيهما الدِّقة في هذا الباب، واعتقادهما لاقتضاء علَّة المتن لعلَّةٍ في السَّند ظاهرة كانت أو خفيَّة؛ فإن لم يظهر منشأ خلل المتن في السَّند، فقد يُعلَّان الحديَث ولو كان رُواته ثقاتًا -كما سيأتي بيان مثاله- وهذا الغاية في الإعلاء من قيمة النَّظر المَتنيِّ عندهما أثناء عمليَّة النَّقد. ولإن كان الشَّيخان قد أظهرا مِن مُمارسة النَّقدِ أمثلةً كثيرةً تُنبِي عن تَبصُّرهما بالمتونِ حال تحقُّقهم من الأخبار، فإنَّ عنايةَ البخاريِّ بالمتونِ فائقةٌ في ذلك عنايةَ مسلم بكثيرٍ، لتفاوتِ ما بينهما ذكاءً وفهمًا وحفظًا؛ فلِلبخاريِّ في باب التَّعليل فَضلٌ على تلميذِه، و «لولاه ما ذَهب مسلمٌ ولا جاء» (٢)! وهذا ما سيتَبيَّن لك في ما انتخبتُه مِن نقداتِهما الكثيرةِ؛ مع تنبُّهي إلى اختلافِ مَقاصد التَّصنيف لديهما. فهذا أوانُ الشُّروعِ في سَوقِ شواهد الإمتاع والإبداع في نقد الشَّيخين للمتون، على أنَّ في المِثال أو مِثالين مِن ذلك كفايةً للمُنصِفِ لنقضِ قولِ مَن فاهَ من المعاصرين بإغفالِهما تمحيصِ المتون؛ فإنَّ الكُليَّة السَّالبةَ تَنتَقِضُ بجزئيَّةٍ مُوجَبةٍ (٣)؛ ولكن غرضي حشدُ الدَّلائل في مثل هذا المَقام واستكثارها بما يَثلَجُ صدرَ القارئ يقينًا يُحجِم به عن تلمُّسِ غير ما في هذا المَبحثِ حُجَّةً على الخصمِ.

стр. 578

المَطلب الأوَّل تعليلُ الشَّيخينِ لأحاديثَ رُوِيَت عن الصَّحابة بالنَّظر إلى مخالفة مُتونِها لما هو مَعروفٌ مِن رِواياتِهم (١) فمِن أمثلة ذلك عند البخاريِّ: ما أخرجه (٢) مِن طريق: أفلت بن خليفة، عن جَسرة بنت دجاجة، عن عائشة ﵂ عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: «لا أُحِلُّ المسجدَ لحائضٍ ولا لجُنب، إلَّا لمحمَّدٍ وآل محمَّد» (٣). فقد عَلَّل البخاريُّ هذا الحديث بمخالفة حديث آخرَ لعائشة، حيث قال: «قال عروة، وعبَّاد بن عبد الله، عن عائشة، عن النَّبي ﷺ : «سُدُّوا هذه الأبواب إلَّا باب أبي بكر» (٤)، وقال: «وهذا أصحُّ». فهذا البخاريُّ حين لاحَظَ تعارضًا بين هذين المَتْنَين، إذ أنَّ حديثَ (جَسرة) الَّذي يَستثني محمَّدا ﷺ وآله ولم يَسْتَثنِ أبا بكر ﵃، مخالفٌ لِما صحَّ عن عائشة مِن استثناءِ أبي بكر ﵁؛ فلو كانت رَوَت هذين الحَديثين حقيقةً، لبيَّنت حين

стр. 579

ذكَرَت أحدَهما المُستثنى الآخرَ الَّذي جاء في الرِّواية الأخرى؛ لمَّا لاحظ البخاريَّ ذلك، دلَّ عنده على انتفاءِ ما زَعَمته (جسرةُ) عنها (١). ولا يُعلَم أحَدٌ مِن المتقدِّمينِ أعَلَّ حديثَ (جَسرة) مِن حيث المتنِ سِوى البخاريِّ (٢). وأمَّا مثال هذا الباب عند مسلم: فما أخرجه (٣) من طريق أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر ﵁ قال: «سمِعتُ رسولَ الله ﷺ أكثرَ مِن عشرينَ مرَّةً، يقرأ في الرَّكعتين بعد المغرب والرَّكعتين قبل الفجر بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾» (٤). يقول مسلم: «وهذا الخبر وَهْمٌ عن ابن عمر ﵁، والدَّليل على ذلك: الرِّواياتُ الثَّابتة عن ابن عمر ﵁: أنَّه ذَكَر ما حفِظَ عن النَّبي ﷺ مِن تَطوُّع صلاتِه باللَّيل والنَّهار، فذَكَر عشرَ ركعاتٍ، ثمَّ قال ﵁: « .. ورَكْعَتي الفجر: أخبَرتني حفصةُ أنَّ النَّبي ﷺ كان يُصلِّي ركعتين خَفيفتين إذا طَلَع الفجر، وكانت ساعةً لا أدخلُ على النَّبي ﷺ فيها». فكيف سَمِع منه أكثر مِن عشرين مرَّةً قراءتَه فيها، وهو يُخبر أنَّه حفِظَ الرَّكعتين مِن حفصةَ عن النَّبي ﷺ ؟!».

стр. 580

المَطلب الثَّاني تعليلُ الشَّيخين لأحاديث تناقض متونها المعروفَ مِن رَأيِ راوِيها ومَذْهَبِه (١) فمِن أمثلةِ هذا عند البخاريِّ: ما أخرجه (٢) مِن طريق عبد الملك بن عُمير، عن سالم البرَّاد، عن أبي هريرة ﵁ مَرفوعًا: «مَن صلَّى على جنازةٍ فله قيراط» (٣). ثمَّ ساق إسنادًا آخر لهذا الحديث، قال فيه: «وقال ابن أبي خالد، سمع سالمًا أبا عبد الله البرَّاد، سمِعَ ابنَ عمر عن النَّبي ﷺ مِثلَه». فأنكرَ أن يكونَ هذا الحديث مَن روايةِ ابن عمر، لأنَّ هذا كان يُنكر على أبي هريرة هذا الخبر! فقال: «وهذا لا يصحُّ، لأنَّ الزُّهري قال عن سالم: إنَّ ابن عمر أنكرَ على أبي هريرة، حتَّى سأل عائشة!» (٤). فها هو البخاريُّ يستبعِد أن يكونَ الحديثُ عن ابن عمر، مع كونِ راوِيه (إسماعيل بن أبي خالد) ثقةً في نفسِه! بل هو أوثقُ عند النُّقادِ مِن (عبد الملك بن

стр. 581

عُمير) راوي الحديث عن أبي هريرة! لكنَّ البخاريَّ مع ذلك يُقدِّم روايةَ عبد الملِك عليه، لأنَّ متنَها معروفٌ عن أبي هريرة، مخالفٌ للمعروفِ من ابن عمر. فلم يَرُج على البخاريِّ نقاوةُ الإسنادِ كما «راجَ على الحافظِ الضِّياء، فأخرج هذا الحديث في (المُختارة)؛ وهو معلول كما ترى» (١). ومثال هذا الباب عن البخاريِّ أيضًا: ما رواه (٢) عن مُسدَّد: حدَّثنا عيسي بن يونس، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: «مَن استقاءَ فعليه القَضاء» (٣). قال البخاريُّ: «ولم يصحَّ»، وفي رواية: «ما أرَاه مَحفوظًا» (٤). فمع أنَّ سَند الحديثِ ظاهرُ الصِّحة، إلَّا أنَّ البخاريَّ ردَّه، عادًّا إيَّاه مِن أوهامِ هشام -وهو ابن حسَّان- نظرًا إلى مخالفةِ متنِه للمعروفِ الثَّابتِ عن أبي هريرة ﵁ بنفيِه الفطرِ بالقيءِ مُطلقًا؛ كالَّذي أخرجه في نفسِ هذا المَوطن مِن حديثِ عمر بن حَكم بن ثوبان، أنَّه سمع أبا هريرة ﵁ قال: «إذا قاءَ أحدُكم، فلا يفطِر، فإنمَّا يُخرِج ولا يُولِج». وأمَّا مثاله عند مسلم: فما رواه تحت ما ترجمه بـ «خبر آخر غير محفوظ المتنِ» (٥)، من طريق: عمر بن عبد الله ابن أبي خَثعم، حدَّثني يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة،

стр. 582

عن أبي هريرة: أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، ما الطَّهور بالخُفَّين؟ قال: «للمُقيمِ يومٌ وليلةٌ، وللمسافر ثلاثة أيَّام ولياليهنَّ» (١). يقول مسلم: «هذه الرِّواية في المسحِ عن أبي هريرة ﵁ ليست بمَحفوظة، وذلك أنَّ أبا هريرة لم يحفَظ المسحَ عن النَّبي ﷺ ، لثبوتِ الرِّوايةِ عنه بإنكارِه المسحَ على الخُّفين .. »، قال: «ولذلك أضعفَ أهلُ المعرفةِ بالحديثِ عُمرَ بن عبد الله بن أبي خثعم وأشباهَم مِن نَقلة الأخبار، لرِوايتهِم الأحاديثَ المُستنكَرة الَّتي تُخالف رواياتِ الثِّقاتِ المَعروفين مِن الحُفَّاظ».

стр. 583

المَطلب الثَّالث إعلالُ الشَّيخين للحديثِ إذا خالفَ متنُه الصَّحيح المشهورَ مِن سُنَّةِ النَّبي ﷺ وهذا النَّوع مِن التَّعليل من أكثرِ ما يستعمله الشَّيخان في نقدِ المتون، وقد رَدَّ النُّقادُ كثيرًا مِن الأحاديث بهذه العِلَّة (١). فمِن أوضحِ أمثلتِه عند البخاريِّ: ما أخرجه (٢) عن عبد الله بن مالك اليحصُبي، عن عقبة بن عامر: أنَّ أختَه نَذَرت أن تحُجَّ ماشيةً، فقال النَّبي ﷺ : (لِتحُجَّ)، وقال بعضهم: (ولتُهدي»)، قال البخاريُّ: «ولا يصحُّ فيه الهَديُ، لقولِ النَّبي ﷺ : «مَن نَذَر أنْ يَعصي الله فلا يَعصِه» اهـ. يشير البخاريُّ في هذا النَّص إلى حديثِ عقبة بن عامر في شأنِ أختِه الَّتي نَذَرت أن تذهبَ إلى الكعبة راجِلةً، وقد اختلَفَت الرَّوايات في جوابِ النَّبي ﷺ له، وأغلبُها مَدارها على عِكرمة، ورُواتها ثقات، فمنها: ما فيه أمرها بالرُّكوب والصَّوم ثلاثة أيَّام، ومنها: ما فيه الرُّكوب والهدي، والرِّواية الَّتي اختارها الشَّيخان في «صحيحيهما» تقتصرُ على الأمرِ بالرُّكوب فقط، دون إلزامٍ بكفَّارة (٣).

стр. 584

ولِذا اختارَ البخاريُّ لهذا الحديثِ في «صحيحه» (١) إسنادًا آخر إلى عقبة ﵁ ليس فيه عكرمة، ولفظ متنِه فيه: «لتَمشِ ولتركبْ»، لأجل أن يُوافق المشهورَ من سُنَتِّه ﷺ في أحاديث خرَّجها هو نفسه في «صحيحه» (٢)، والَّتي تخلو من ذكر كفَّارةٍ على النَّاذِر، لا بصيامٍ ولا هدي. وهنا نلحظ أنَّ البخاريَّ لم يسلُك في هذا المثالِ ما سَلكه بعض العلماء من طريقة التَّوفيق بين هذه الرِّوايات (٣)؛ فليس هو مِمَّن يقنع بهذا المنهج المُتكلَّف، وإنَّما يأخذ بالرِّواياتِ المَشهورة الثَّابتة، ويردُّ ما عَداها ولو كانت بأسانيدِ جيِّدةً في ظاهرِها، إذ الأخذُ بالأصحِّ في مثل هذه الحالات أوْلى عنده مِن تعسُّفِ التَّأويلات (٤). فكان من حصيفِ تَعاملِ الشَّيخينِ مع الأخبارِ، أنَّ الحديثَ الضَّعيفَ لا يَلتفِتانِ إليه ولا يُعارِضان به الصَّحيحَ، ولا يشتغلانِ بتأويلِه، ما داما يَريانِ في إسنادِه خَلَلًا (٥).

стр. 585

ومثاله الآخر عند البخاريِّ: ما رواه (١) مِن حديثِ حُصين بن عبد الرَّحمن، عن زيد بن وهب، عن ثابت بن وديعة الأنصاري في أكلِ بعضِ الصَّحابةِ الضَّب، وفيه: «فلم يأكل ﷺ ولم يَنْهَ» (٢). وقد تابع حصين بن عبد الرَّحمن كلٌّ مِن: عديِّ بن ثابت، ويزيد بن أبي زِياد، عن زيد بن وهب به. أمَّا الأعمش فخَالفهم، فرواه هو عن زيد بن وهب، عن عبد الَّرحمن بن حسنة، عن النَّبي ﷺ قال: «فأكفِئوها» (٣). فلم يتردَّد البخاريُّ في الحكم بخطأِ الأعمش في روايتِه هذه، مع أنَّ مخرجَها غير مخرج الأولى؛ فهما بهذا حديثان مستقلَّان! فلم تمنعه إمامةُ الأعمش البخاريَّ مِن توهيمِه، مُحتجًّا فيما احتجَّ به بغلط متنِه، فقال: «وحديث ثابتٍ أصحُّ، وفي نفس الحديثِ نَظر! قال ابن عمر ﵁ عن النَّبي ﷺ : «لا آكله ولا أحرِّمه»، وقال ابن عبَّاس ﵁: «لو كان حرامًا لم يُؤكل في مائدة النَّبي ﷺ » (٤). ومثاله أيضًا عند البخاريِّ: ما ذكره البخاريُّ في ترجمة (حَشْرج بن نَباتة) (٥): أنَّه سمِع سَعيد بن

стр. 586

جُمهان، عن سفينة ﵁، أنَّ النَّبي ﷺ قال لأبي بكر وعمر وعثمان ﵃: «هؤلاء الخلفاء بعدي» (١). فبيَّن البخاريُّ تفرُّدَ (حشرج بن نَباتة) بهذا الحديث، وأنَّه مِن أوهامِه باستنكاره لمتنِه، ولأجله أدخلَ حشرجًا في «الضُّعفاء (٢) «! يقول: «وهذا حديث لم يُتابع عليه؛ لأنَّ عمر بن الخطاب وعليَّ بن أبي طالب قالا: «لم يستخلف النَّبي ﷺ » (٣). فهذا الحديث لفظه صريحٌ في النَّص النَّبويِّ على خلافةِ أبي بكر ﵁ ثمَّ صاحبيه مِن بعده، والثَّابت المعروفُ أنَّه ﷺ لم يستخلف تصريحًا (٤). والبخاريُّ إذا أطلق «نفيَ المتابعة» على متنٍ من المتونِ، فالعادة أنَّه يريد به ردَّ الحديث (٥). وأمَّا مثال هذا البابِ عند مسلم: فما رواه (٦) من طريق أبي معاوية محمَّد بن خازم، عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أمِّ سلمة: «أنَّ رسول الله ﷺ أمَرها أن توافي معه صلاة الصُّبح يومَ النَّحر بمكَّة» (٧).

стр. 587

عقبَّ عليه مسلم ببيان علَّتِه فقال: «وهذا الخبر وَهم من أبي معاوية (١) لا من غيره، وذلك أنَّ النَّبي ﷺ صلَّى الصُّبح في حجَّته يوم النَّحر بالمزدلفة، وتلك سُنَّة رسول الله ﷺ ، فكيف يأمر أمَّ سَلَمة أن تُوافي معه صلاة الصُّبح يومَ النَّحر بمكَّة وهو حينئذٍ يصلِّي بالمزدلفة؟!». فقد أعلَّ مسلم الحديث لما رأى في مَتْنِه مِن فسادِ معارضته للمعروف مِن صلاتِه ﷺ الصُّبحَ بمزدلفة، مُبيِّنًا مَوضعَ اللَّفظ الَّذي أفسد معناه بقوله: «إنَّما أفسد أبو معاوية معنى الحديث حين قال: تُوافي (معه»). ومثاله أيضًا عند مسلمٍ: ما رواه تحت باب «ذكرُ خبرٍ واهٍ تدفعه الأخبارُ الصِّحاح» (٢)، مِن طريق سَلمة بن وردان، عن أنس ﵁: «أنَّ النَّبي ﷺ رأى رجلًا من أصحابه، فقال: «يا فلان هل تزوَّجت؟»، قال: لا، وليس عندي ما أتزوَّج به! قال: «أليس معك: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؟»، قال: بلى، قال: «رُبع القرآن»! قال: «أليس معك: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾؟» قال: بلى، قال: «رُبع القرآن»! قال: «أليس معك: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾؟» قال: بلى، قال: «رُبع القرآن»! قال: «أليس معك: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾؟» قال: بلى، قال: «رُبع القرآن!» قال: «أليس معك آية الكرسيِّ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ﴾؟» قال: بلى، قال: «رُبع القرآن!»، قال: «تزوَّج، تزوَّج، تزوَّج!» (٣).

стр. 588

فقال مسلم: «هذا الخبر الَّذي ذكرناه عن سَلمة عن أنسٍ: خبرٌ يخالف الخبرَ الثَّابت المشهور، فنَقلَ عوامُّ أهل العدالة ذلك عن رسول الله ﷺ ، وهو الشَّائع من قولِه: «﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثُلث القرآن»، فقال ابن وردان في روايتِه: «إنَّها رُبع القرآن»، ثمَّ ذَكر في خبره مِن القرآن خمسَ سُور، يقول في كلِّ واحدٍ منها: «رُبع القرآن»، وهو مُستنكر غير مفهومٍ صحَّةُ معناه!». هكذا أعلَّ مسلم الحديث بنظره المُستنكر لمتنِه، وهو يتعجَّبُ مِن سلمة بن وردان كيف جَعَل القرآن خمسةَ أرباع، كيف تكون خَمْسُ سُوَرٍ كلٌّ منها رُبُعًا للقرآن؟! والرُّبع رابعُ أربعة؛ على ما في متنِه مِن مخالفة الرِّوايات الصَّحيحة، في عدلِ سورةِ الصَّمدِ الثُّلثَ من القرآن لا الرُّبع؛ فهذا أحدُ الأحاديث الَّتي استُنكرت على ابنِ وردان، ولأجلِها ضُعِّف (١).

стр. 589

المَطلب الرَّابع وقوع الاضطراب في إسنادِ حديث، مع ظهور نكارة في متنه سَبيلٌ عند البخاريِّ لردِّه، دون أن يتشاغلَ بترجيحِ إحدَى أوجُه الاضطراب وهذا مِن توظيفِه للنَّقدِ المتنيِّ في ردِّ الحديثِ، مقابلَ مَن قد يقبل مثل هذه الصُّورة من المُحدِّثين بدَعوى أنَّ تعدُّد الطُّرق تُعطيه قوَّة (١).

стр. 590

فقد ردَّ الحديثَ المُختلف في إسنادِه: «أُمَّتي أمَّةٌ مَرحومة، جُعِل عذابُها بأيدِيها في الدُّنيا» (١)، حين رَأى مَتْنَه يخالف المشهورَ الثَّابتَ عن النَّبي ﷺ في الشَّفاعةِ؛ مع أنَّ في «صحيحه» بعضُ أحاديث وَقع اختلاف في أسانيدها أشدَّ ممَّا وقع في هذا الحديث (٢)، لكن لِما رآه في متنِه مِن مخالفة انحازت نفسُه إلى ردِّ الحديث. ومثاله أيضًا عند البخاريِّ: ما رواه (٣) من حديث الحكم، عن مقسم، عن ابن عبَّاس ﵁ مرفوعًا: «بَنيَّ أفيضوا، ولا تَرموا الجمرةَ، حتَّى تطلُعَ الشَّمس» (٤). قال: «حديث الحَكم هذا عن مِقسم مضطرب .. ، ولا يُدرى الحَكم سمِع هذا من مقسم أم لا». ثمَّ أردف هذا التَّعليل الإسناديَّ ببيانِ مخالفةِ متنِه لخمسةِ أحاديث تُثبت أنَّ الَّذين رخَّص لهم في الانصراف من مُزدلفة بليلٍ قد رموا جمرةَ العَقبة قبل طلوع الشَّمس، ثمَّ قال: «وحديث هؤلاء أكثرُ في الرَّمي قبل طلوع الشَّمس، وأصحُّ». فقد ضمَّ البخاريُّ إلى نفيِه المتابعة عن هذين الحديثين السَّابقين الإشارةَ إلى جهالة السَّماع في هذا الحديث المنتقد، وفي هذا إناطة للعلَّة المتنيَّة بموضعِها المحتَملِ في الإسناد (٥).

стр. 591

المَطلب الخامس إشارة البخاريِّ لنكارة المتنِ تعضيدًا لما أعلَّ به إسناده فمن أمثلتِه عنده: قوله (١): رَوى حمَّاد بن سَلمة، عن عليِّ بن زيد، عن أبي نَضرة: «أنَّ معاوية ﵁ لمَّا خَطب على المنبر، قام رجل فقال -قال: ورَفَعه-: «إذا رأيتموه على المِنبر فاقتلوه»، وقال آخر: اكتبوا إلى عمر، فكتبوا، فإذا عمر قد قُتل» (٢). عَلَّل البخاريُّ إسنادَه بقولِه: «وهذا مُرسل، لم يشهد أبو نضرة تلك الأيَّام». ثمَّ عرَّج على نكارةِ متنِه، فقال: «وقد أدركَ أصحاب النَّبي ﷺ معاوية أميرًا في زمان عمر، وبعد ذلك عشرين سنةً، فلم يقُم إليه أحدٌ فيقتله، وهذا ممَّا يدلُّ على أنَّ هذه الأحاديث ليس لها أصول، ولا يثبُت عن النَّبي ﷺ خَبرٌ على هذا الَّنحو في أحدٍ مِن أصحابِ النَّبي ﷺ ». فلأجل هذه النَّكارة الشَّديدة في متنِه، حكم كثيرٌ من النُّقاد على الحديث بالوَضعِ (٣).

стр. 592

المَطلب السَّادس ترجيح الشَّيخين لإسناد على آخرَ أو لفظٍ في متنٍ على ما في متنٍ آخر، بالنَّظر إلى أقومِ المتون دلالةً فمِن أمثلة ذلك عند البخاريِّ: ما نقله التِّرمذي عن البخاريِّ قال: «سألت محمَّدًا -يعني البخاريَّ- عن حديث الحسن: «خَطَبنا ابنُ عبَّاس ﵁ فقال: «إنَّ رسول الله ﵁ فرضَ صدقةَ الفِطر»، فقال البخاريُّ: «روى غيرُ يزيد بن هارون، عن حُميد، عن الحسن قال: «خَطبَ ابن عبَّاس». يقول التِّرمذي: «وكأنَّه رأى هذا أصحَّ، وإنَّما قال محمَّد هذا: لأنَّ ابن عبَّاس كان بالبَصرة في أيَّام علي ﵁، والحسن البصريُّ في أيَّام عثمان وعليٍّ كان بالمدينة» (١). فرجَّح البخاريُّ أن تكون صيغة التَّحديث مِن غير الضَّمير المُتَّصل (نا)، لأنَّ الحسن كان غائبًا عن البصرة وقتَ خُطبة ابن عبَّاس بها.

стр. 593

ومثاله أيضًا عند البخاريِّ: قوله (١): قال لي عبد الله بن محمَّد: حدَّثنا هشام قال: حدَّثنا معمر، عن ابن أبي ذئب، عن الزُّهري، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ما أدري أَعُزيرٌ نبيًّا كان أم لا، وتُبَّع لَعينًا كان أم لا، والحدود كفَّارات لأهلها أم لا» (٢). فهذا إسناد مرسل؛ قد ساق البخاريُّ عقبه طريقًا آخر عن عبد الرَّزاق، عن معمر، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ ، ثمَّ قال: «والأوَّل أصحُّ، ولا يثبت هذا عن النَّبي ﷺ ؛ لأنَّ النَّبي ﷺ قال: الحدود كفَّارة» (٣). فقد رجَّح البخاريُّ فيهما الإرسالَ على الوَصل، كون المتن المُستنكَر أوْلى بذلك الإسنادِ المنقطع من المَوصول. وأمَّا مثاله عند مسلم: فما ذكره عند تعليلِه روايةَ من قصر سند حديثَ جبريل ﵇ على ابن عمر ﵁، فقال: «ذَكرنا روايةَ الكوفيِّين حديثَ ابن عمر ﵁ في سؤال جبريل النَّبي ﷺ عن الإيمان والإسلام، وقد أوهموا جميعًا في إسناده! إذ انتهوا

стр. 594

بالحديث إلى ابن عمر ﵁، حُكي ذلك من حضورِ رسول الله ﷺ حين سأله جبريل ﵇. وإنَّما روى ابن عمر ﵁ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّه هو الَّذي حَضر ذلك دون أن يحضره ابن عمر، ولو كان ابن عمر عايَن ذلك وشاهده لم يجُز أن يحكيه عن عمر!» (١). والأمثلة غير هذه كثيرة جدًا مِن ممارساتِ الشَّيخينِ لنقدِ الأحاديث بالنَّظر إلى حال مدلولات متونها؛ وبالله التوفيق.

стр. 595

المَبحث الخامس عشر غمز البخاريِّ في فقهِه للمتون بدعوى اختلالِ ترجماته للأبواب ونكارةِ فتواه

стр. 596

المَطلب الأوَّل عبقريَّة البخاريِّ في صناعة «صحيحه» البخاريُّ مجتهد مُطلق، وفقيهٌ اكتسابًا وتحصيلًا، أوْقَد فيه مَلَكةَ التَّفقُّه عنايتُه الشَّديدةُ بالقرآن، واطِّلاعُه الفسيحُ على السُّنةِ وآثارِ الصَّحابة والتَّابعين، حتَّى أذعنَ لفهمِه علماءُ الحَرَمَينِ، فأقرُّوا له بالإمامةِ والفقه (١). فهذا شيخُه إسحاق ابن راهُويه (ت ٢٣٨ هـ) إمامُ الفقه والحديث، لم يستنكف أن يُوصي بالبخاريِّ طُلَاّبَه، يحثُّهم عليه بقوله: «اكتبُوا عن هذا الشَّاب، فلو كان في زَمنِ الحسنِ، لاحتاجَ إليه النَّاس، لمعرفتِه بالحديثِ وفقهِه» (٢). هذه الحِرفة العقليَّة والطَّبعُ الفقهيٍّ في البخاريِّ، اصطَبَغ به كتابُه «الجامع» اصطباغًا ظاهرًا، فاشتهرَ عند المُتمرِّسين بمَعانيِ المَنقولِ أنَّ «فقهَ البخاريِّ في تَراجِمه» (٣)، كونُه التزَمَ مع انتقاءِ الصِّحاحِ من الأحاديث استنباطَ الفوائدَ الفقهيَّة،

стр. 597

والنُّكتَ الحكميَّة، والتَّعليق على إثرِها برأيهِ أحيانًا، مُستشهِدًا في ذلك كلِّه بآثارِ الصَّحابةِ والتَّابعين، إذْ لم يكُن «مَقصوده الاقتصارَ على الأحاديثِ فقط، بل مُراده الاستنباط منها، والاستدلالُ لأبوابٍ أرادَها» (١). فكان مِن أسبابِ تفضيلِ العلماءِ -مُحدِّثين وفقهاءَ- لـ «صحيحِه» على سائرِ دواوين السُّنة، وتلقِّيهم إيَّاه بالقَبول، وانكبابِهم على دراسته وتدريسه: هذا الاهتمامُ من صاحبِه بوضعِ تراجم فريدةٍ مُمتعةٍ لأبوابِه، تضمَّنت كثيرًا مِن المعاني الغامضة، والاستنباطات الدَّقيقة. يقول ابن حجر عن هذا النَّجيز: «الجهة العُظمى الموجبة لتقديمه، هي ما ضَمَّنه أبوابَه مِن التَّراجم الَّتي حَيَّرت الأفكار، وأدهشت العقول والأبصار، وإنَّما بَلغت هذه الرُّتبة، وفازت بهذه الحُظوة، لسببٍ عظيمٍ أوجب عظمها، وهو ما رواه أبو أحمد ابن عديٍّ، عن عبد القدُّوس بن همَّام قال: شهدت عدَّة مشايخ يقولون: حَوَّل (٢) البخاريُّ تراجمَ جامعِه بين قبر النَّبي ﷺ ومِنبرِه، وكان يصلِّي لكل ترجمة رَكعتين (¬٣») (٤). فكان أجلى لمسات الإبداعِ مِن البخاريِّ في مُصنَّفه مُتجلِّيةً في صياغتِه لتلك التَّراجم، وحُسنِ اقتناصِه لعجائب المعاني من الأحاديث الَّتي يسوقها في تبويباتِه، مُعربًا عن فهمٍ ميَّزه الله به عن أقرانِه من فقهاءِ أهل الحديثِ. بذا نستطيعُ تلمُّحَ بعضٍ من أسرار عبقريَّة البخاريِّ في «صحيحِه»، تتَجلَّى بادئ الرَّأي في ثلاثِ ميزاتٍ أصبَغها كتابَه: الأولى: اشتراطه لأعلى مَراتبِ الصِّحة في الحديث. الثَّانية: دقَّة الاستنباطِ للمَعاني في التَّراجم.

стр. 598

الثَّالثة: التَّناسب بين الكُتبِ والتَّراجم والأحاديث. وفي تقرير هذه الميزاتِ الثَّلاث في البخاريِّ، يقول أبو بكرٍ الإسماعيليُّ (ت ٢٩٥ هـ) (١): «إنَّ أحدًا مِن المُحدِّثين لم يبلُغ مِن التَّشدد مبلغَ أبي عبد الله، ولا تَسبَّب إلى استنباطِ المعاني، واستخراجِ لطائفِ فقهِ الحديثِ، وتراجمِ الأبواب الدَّالة على ما له وَصلةٌ بالحديثِ المَرويِّ فيه تسبُّبَه، ولله الفضلُ يختصُّ به مَن يشاء» (٢). ومع ما أنعم الله عليه به على البخاريِّ من هذه الفضائل العزيزة في الفهم والتَّصنيف، إلَّا أنَّه قد حَظِيَ بالنَّصيبِ الأوفرِ مِن طعونِ المُعاصرينَ في فقهِه للنُّصوصِ، وامتازَ عن سائرِ المُحدِّثين بمَوفورِ التَّشكيكِ في فهمِه واستيعابِه لمَرامِ الأحاديث، ليخلُص أقوامٌ من مناوئيه إلى نزعِ أهليَّته في تَميِيزِ صِحاح المتونِ مِن مُنكراتِها؛ والجواب على عليهم مُضمَّن تفصيلًا في المَطالب التَّالية:

стр. 599

المَطلب الثَّاني انغلاق فهم بعض المُعاصرين عن إدراك وجه المُناسبة بين تراجمِ البخاريِّ وأحاديثِها سبيل عندهم لتسفيهِه المُتقرَّر عند مُصَنِّفي الحديثِ شَرطُ صِحَّةِ التَّرجمةِ بتَحَقُّقِ المناسبةِ بينها وبين المُترجَم له (١)، فإنَّ كثيرًا مِمَّن نظر في تراجم أبواب البخاريِّ تَعَسَّر عليهم الرَّبطُ بينها وما انتقاه تحتها مِن أخبار؛ ذلك أنَّ البخاريَّ لم يخُض نفسَ الأساليبِ التَّأليفيَّة، والمناهج الوَضعيَّة الَّتي جَرى عليها المُحدِّثون وقتَه في تصنيفِ العلومِ، بل نحى طريقًا خاصًّا في التَّدوينِ، لم يقتصر فيه على مُجرَّدِ ما يَتبادر مِن النُّصوصِ مِن مَعاني. فلقد كان البخاريُّ في تراجمِه سَبَّاقَ غاياتٍ، وصاحبَ آياتٍ في وَضعِ تراجمَ لم يُسبَق إليها، لم يَستطع أن يُحاكيه أحَدٌ مِن المتأخِّرين في طريقتها، حتَّى نَبَّه على مسائل مَظانِّ الفقه مِن القرآن، بل أقامَها منه، ودَلَّ على طُرق التَّأنيس منه، وبه يتَّضح ربطُ الفقه والحديث بالقرآن بعضِه ببعض. فكانت تراجمُه صورةً حَيًّة لاجتهادِه وعَبقريَّته في مَنهجيته (٢)، جامعًا في كتابِه المُباركِ «العِلْمين والخَيْرين الجَمَّين، حازَ كتابُه مِن السُّنةِ جَلالَتها، ومِن

стр. 600

المَسائلِ الفقهيَّة سُلالتَها، وهذا عِوَضٌ ساعَدَه عليه التَّوفيق، ومَذهبٌ في التَّحقيقِ دقيق» (١). والسِرُّ في غموضِ هذه التَّراجم كامنٌ في تنوُّعِ مَقاصد البخاريِّ وبُعد مَراميه، وفرْطِ ذكائِه، وتَعمُّقه في فهمِ الحديث، وحرصِه على الاستفادةِ والإفادة منه أكبرَ استفادةٍ ممكنة؛ «كنَحْلةٍ حريصةٍ توَّاقَة -والله- تجتهدُ أن تَتَشرَّب مِن الزَّهرةِ آخرَ قطرةٍ مِن الرَّحيق، ثمَّ تُحوِّلها إلى عَسَلٍ مُصَفَّى، فيه شفاء للنَّاس» (٢). فلأجل ذا أُلِّفت في فقهِ تَراجمِه كُتبٌ بحالِها قديمًا وحديثًا، أجَالَ العلماء في هذا الموضوعِ قِداحَهم، وأرْكَضوا في هذا المَيْدانِ جِيادَهم، قد اعْتصَروا فيها عقولَهم الرَّاجحة، وعلومَهم الرَّاسخة (٣)، «فلم نَعرِفْ أديبًا ولا لُغويًّا تَعمَّق في فهمِ بيتٍ مِن الأبيات، ومَعرفةِ معنىً مِن المعاني الشِّعريَّة، والوصولِ إلى غايةٍ مِن غاياتِ الشُّعراء، مثل تَعمُّق شُرَّاحِ «الجامعِ الصَّحيحِ» والمُشتغلين بتدريسِه، في فهمِ مَقاصد المؤلِّفِ وشرحِ كلامِه» (٤). والمقصود؛ أنَّ البخاريَّ لمَّا أودع كتابَه مِن الفقهِ الَّذي اشتملت عليه التَّراجم ما أودَع، ورَصَّع في عقودِ تلك الأبوابِ مِن جواهرِ المعاني ما رَصَّع، ظهرَتْ مِن تلك المَقاصد فوائد، وخَفِيَت فوائد، فاضطرَبت بعض الأفهامِ فيما خَفِيَ، فمِن مُحوِّم وشاردٍ.
следующие страницы →