← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 224

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

المَطلب الأوَّل عبقريَّة البخاريِّ في صناعة «صحيحه» البخاريُّ مجتهد مُطلق، وفقيهٌ اكتسابًا وتحصيلًا، أوْقَد فيه مَلَكةَ التَّفقُّه عنايتُه الشَّديدةُ بالقرآن، واطِّلاعُه الفسيحُ على السُّنةِ وآثارِ الصَّحابة والتَّابعين، حتَّى أذعنَ لفهمِه علماءُ الحَرَمَينِ، فأقرُّوا له بالإمامةِ والفقه (١). فهذا شيخُه إسحاق ابن راهُويه (ت ٢٣٨ هـ) إمامُ الفقه والحديث، لم يستنكف أن يُوصي بالبخاريِّ طُلَاّبَه، يحثُّهم عليه بقوله: «اكتبُوا عن هذا الشَّاب، فلو كان في زَمنِ الحسنِ، لاحتاجَ إليه النَّاس، لمعرفتِه بالحديثِ وفقهِه» (٢). هذه الحِرفة العقليَّة والطَّبعُ الفقهيٍّ في البخاريِّ، اصطَبَغ به كتابُه «الجامع» اصطباغًا ظاهرًا، فاشتهرَ عند المُتمرِّسين بمَعانيِ المَنقولِ أنَّ «فقهَ البخاريِّ في تَراجِمه» (٣)، كونُه التزَمَ مع انتقاءِ الصِّحاحِ من الأحاديث استنباطَ الفوائدَ الفقهيَّة،

стр. 597

والنُّكتَ الحكميَّة، والتَّعليق على إثرِها برأيهِ أحيانًا، مُستشهِدًا في ذلك كلِّه بآثارِ الصَّحابةِ والتَّابعين، إذْ لم يكُن «مَقصوده الاقتصارَ على الأحاديثِ فقط، بل مُراده الاستنباط منها، والاستدلالُ لأبوابٍ أرادَها» (١). فكان مِن أسبابِ تفضيلِ العلماءِ -مُحدِّثين وفقهاءَ- لـ «صحيحِه» على سائرِ دواوين السُّنة، وتلقِّيهم إيَّاه بالقَبول، وانكبابِهم على دراسته وتدريسه: هذا الاهتمامُ من صاحبِه بوضعِ تراجم فريدةٍ مُمتعةٍ لأبوابِه، تضمَّنت كثيرًا مِن المعاني الغامضة، والاستنباطات الدَّقيقة. يقول ابن حجر عن هذا النَّجيز: «الجهة العُظمى الموجبة لتقديمه، هي ما ضَمَّنه أبوابَه مِن التَّراجم الَّتي حَيَّرت الأفكار، وأدهشت العقول والأبصار، وإنَّما بَلغت هذه الرُّتبة، وفازت بهذه الحُظوة، لسببٍ عظيمٍ أوجب عظمها، وهو ما رواه أبو أحمد ابن عديٍّ، عن عبد القدُّوس بن همَّام قال: شهدت عدَّة مشايخ يقولون: حَوَّل (٢) البخاريُّ تراجمَ جامعِه بين قبر النَّبي ﷺ ومِنبرِه، وكان يصلِّي لكل ترجمة رَكعتين (¬٣») (٤). فكان أجلى لمسات الإبداعِ مِن البخاريِّ في مُصنَّفه مُتجلِّيةً في صياغتِه لتلك التَّراجم، وحُسنِ اقتناصِه لعجائب المعاني من الأحاديث الَّتي يسوقها في تبويباتِه، مُعربًا عن فهمٍ ميَّزه الله به عن أقرانِه من فقهاءِ أهل الحديثِ. بذا نستطيعُ تلمُّحَ بعضٍ من أسرار عبقريَّة البخاريِّ في «صحيحِه»، تتَجلَّى بادئ الرَّأي في ثلاثِ ميزاتٍ أصبَغها كتابَه: الأولى: اشتراطه لأعلى مَراتبِ الصِّحة في الحديث. الثَّانية: دقَّة الاستنباطِ للمَعاني في التَّراجم.

стр. 598

الثَّالثة: التَّناسب بين الكُتبِ والتَّراجم والأحاديث. وفي تقرير هذه الميزاتِ الثَّلاث في البخاريِّ، يقول أبو بكرٍ الإسماعيليُّ (ت ٢٩٥ هـ) (١): «إنَّ أحدًا مِن المُحدِّثين لم يبلُغ مِن التَّشدد مبلغَ أبي عبد الله، ولا تَسبَّب إلى استنباطِ المعاني، واستخراجِ لطائفِ فقهِ الحديثِ، وتراجمِ الأبواب الدَّالة على ما له وَصلةٌ بالحديثِ المَرويِّ فيه تسبُّبَه، ولله الفضلُ يختصُّ به مَن يشاء» (٢). ومع ما أنعم الله عليه به على البخاريِّ من هذه الفضائل العزيزة في الفهم والتَّصنيف، إلَّا أنَّه قد حَظِيَ بالنَّصيبِ الأوفرِ مِن طعونِ المُعاصرينَ في فقهِه للنُّصوصِ، وامتازَ عن سائرِ المُحدِّثين بمَوفورِ التَّشكيكِ في فهمِه واستيعابِه لمَرامِ الأحاديث، ليخلُص أقوامٌ من مناوئيه إلى نزعِ أهليَّته في تَميِيزِ صِحاح المتونِ مِن مُنكراتِها؛ والجواب على عليهم مُضمَّن تفصيلًا في المَطالب التَّالية:

стр. 599

المَطلب الثَّاني انغلاق فهم بعض المُعاصرين عن إدراك وجه المُناسبة بين تراجمِ البخاريِّ وأحاديثِها سبيل عندهم لتسفيهِه المُتقرَّر عند مُصَنِّفي الحديثِ شَرطُ صِحَّةِ التَّرجمةِ بتَحَقُّقِ المناسبةِ بينها وبين المُترجَم له (١)، فإنَّ كثيرًا مِمَّن نظر في تراجم أبواب البخاريِّ تَعَسَّر عليهم الرَّبطُ بينها وما انتقاه تحتها مِن أخبار؛ ذلك أنَّ البخاريَّ لم يخُض نفسَ الأساليبِ التَّأليفيَّة، والمناهج الوَضعيَّة الَّتي جَرى عليها المُحدِّثون وقتَه في تصنيفِ العلومِ، بل نحى طريقًا خاصًّا في التَّدوينِ، لم يقتصر فيه على مُجرَّدِ ما يَتبادر مِن النُّصوصِ مِن مَعاني. فلقد كان البخاريُّ في تراجمِه سَبَّاقَ غاياتٍ، وصاحبَ آياتٍ في وَضعِ تراجمَ لم يُسبَق إليها، لم يَستطع أن يُحاكيه أحَدٌ مِن المتأخِّرين في طريقتها، حتَّى نَبَّه على مسائل مَظانِّ الفقه مِن القرآن، بل أقامَها منه، ودَلَّ على طُرق التَّأنيس منه، وبه يتَّضح ربطُ الفقه والحديث بالقرآن بعضِه ببعض. فكانت تراجمُه صورةً حَيًّة لاجتهادِه وعَبقريَّته في مَنهجيته (٢)، جامعًا في كتابِه المُباركِ «العِلْمين والخَيْرين الجَمَّين، حازَ كتابُه مِن السُّنةِ جَلالَتها، ومِن

стр. 600

المَسائلِ الفقهيَّة سُلالتَها، وهذا عِوَضٌ ساعَدَه عليه التَّوفيق، ومَذهبٌ في التَّحقيقِ دقيق» (١). والسِرُّ في غموضِ هذه التَّراجم كامنٌ في تنوُّعِ مَقاصد البخاريِّ وبُعد مَراميه، وفرْطِ ذكائِه، وتَعمُّقه في فهمِ الحديث، وحرصِه على الاستفادةِ والإفادة منه أكبرَ استفادةٍ ممكنة؛ «كنَحْلةٍ حريصةٍ توَّاقَة -والله- تجتهدُ أن تَتَشرَّب مِن الزَّهرةِ آخرَ قطرةٍ مِن الرَّحيق، ثمَّ تُحوِّلها إلى عَسَلٍ مُصَفَّى، فيه شفاء للنَّاس» (٢). فلأجل ذا أُلِّفت في فقهِ تَراجمِه كُتبٌ بحالِها قديمًا وحديثًا، أجَالَ العلماء في هذا الموضوعِ قِداحَهم، وأرْكَضوا في هذا المَيْدانِ جِيادَهم، قد اعْتصَروا فيها عقولَهم الرَّاجحة، وعلومَهم الرَّاسخة (٣)، «فلم نَعرِفْ أديبًا ولا لُغويًّا تَعمَّق في فهمِ بيتٍ مِن الأبيات، ومَعرفةِ معنىً مِن المعاني الشِّعريَّة، والوصولِ إلى غايةٍ مِن غاياتِ الشُّعراء، مثل تَعمُّق شُرَّاحِ «الجامعِ الصَّحيحِ» والمُشتغلين بتدريسِه، في فهمِ مَقاصد المؤلِّفِ وشرحِ كلامِه» (٤). والمقصود؛ أنَّ البخاريَّ لمَّا أودع كتابَه مِن الفقهِ الَّذي اشتملت عليه التَّراجم ما أودَع، ورَصَّع في عقودِ تلك الأبوابِ مِن جواهرِ المعاني ما رَصَّع، ظهرَتْ مِن تلك المَقاصد فوائد، وخَفِيَت فوائد، فاضطرَبت بعض الأفهامِ فيما خَفِيَ، فمِن مُحوِّم وشاردٍ.

стр. 601

فقائلٌ يَقول: اختُرِم ولم يُهذِّب الكتابَ، ولم يُرتِّب الأبواب. وقائلٌ يقول: جاءَ الخَلل مِن النُّساخ وتجزيفِهم، والنَّقَلَة وتحريفِهم. وقد سَبَق الجواب على هذين بِما يكفي بالَ المُنصِف مِن الانشغال بهما. يَبقى النَّظر محصورًا في هذا الموطن في قول مَن قال: «قد أبعْدَ البخاريُّ المنتجَعَ في الاستدلال، فأَوْهَمَ ذلك أنَّ في المطابقةِ نوعًا مِن الاعتدال» (١)، وما هو منه إلَّا الغلَط في فهمِ الأحاديث؛ «فإنَّ أدلَّتَه عن تراجِمه مُتقاطعة، فيُحمَل الأمرُ على أنَّ ذلك لقصورٍ في فكرتِه، وتجاوزٍ عن حَدِّ فِطرتِه. وربَّما يجِدون التَّرجمةَ ومعها حديثٌ يُتَكَلَّف في مُطابقتِه لها جِدًّا، ويجدون حديثًا في غيرها هو بالمطابقةِ أوْلى وأجْدَى! فيحمِلون الأمرَ على أنَّه كان يَضع التَّرجمةَ ويُفكِّر في حديثٍ يُطابقها، فلا يَعِنُّ له ذكرُ الجليِّ، فيعدِل إلى الخَفيِّ، إلى غير ذلك مِن التَّقادير الَّتي فَرَضوها في التَّراجم الَّتي انتقدوها، فاعْترَضوها» (٢). ومِمَّن عَلِمتُه سَبَّاقا إلى هذا التَّخريجِ الحاطِّ مِن فقهِ البخاريِّ: أبو الوَليد الباجِيُّ (ت ٤٧٤ هـ)؛ فبعدَ سَوْقِه لمَشهورِ نَصِّ المُستَمْلي في إلحاقاتِ تراجمِ نُسخةِ الفِرَبري مِن «الجامع الصَّحيح» - وقد ذكرناه في موضع سابق - «أتبعَه الباجيُّ بما كانَ الواجبُ عليه تَركُه» (٣)، فإنَّه قال: « .. إنَّما أوْرَدتُ هذا، لمِا عُنِيَ به أهلُ بَلدِنا مِن طَلَبِ مَعْنىً يجمَعُ بين التَّرجمةِ والحديثِ الَّذي يَلِيها، وتَكلُّفهم في تعسُّفِ التَّأويلِ ما لا يَسوغ، ومحمَّد بن إسماعيل البخاريُّ، وإنْ كان مِن أعلمِ النَّاسِ بصحيحِ الحديثِ وسَقيمِه، فليس ذلك مِن عِلْمِ المعاني وتحقيقِ الألفاظ وتمييزها بسَبيلٍ» (٤).

стр. 602

وهذا القولُ منه بمَنأىً عن التَّحقيق! وما ينبغي لِمن استعْصَى عليه الظَّفرُ بوجهِ تلك المناسبات أن يُسارع بردِّ العَيْبِ في المُتَرْجِم، ما دام القصورُ في فهمِ النَّاظرِ واردٌ. فلأجل هذا الَّذي بدر من الباجيِّ، تَعقَّبَه ابنُ رشيد السَّبتي (ت ٧٢١ هـ) بما يَدفع اللَّومَ به عن البخاريِّ، قائلًا: «إنَّما وَقَع للبخاريِّ ﵁ هذا، لِما كان عليه مِن النُّفوذِ في غوامضِ المَعاني، والخلوصِ مِن مُبهماتِها، والغَوصِ في بحارِها، والاقتناصِ لشَوارِدها، وكان لا يَرضى إلَّا بدُرَّة الغائص، وظَبْية القانِص، فكان ﵁ يَتأنَّى ويَقف وقوفَ تخيُّرٍ لا تحيُّرٍ، لازدحامِ المعاني والألفاظ في قلبِه ولسانِه، فحُمَّ له الحِمام، ولم تُمهله الأيَّام، لا لمِا قاله أبو الوليد مِن قولِه الخطأِ الَّذي ضَربنا عن ذكرِه؛ ومَن تأمَّل كلامَه فِقهًا واستنباطًا وعربيَّةً ولغةً، رأى بحرًا جَمَع بحارًا، إلى ما كان عليه مِن حُسنِ النِّيَّة، وجميل الفِعلة في وضعِ تراجم هذا الكتاب» (١). غير أنَّ هذا المُستَحْسَن عند ابن رُشيدٍ يَسلُب حُسْنَه مَن يُسيء فهمَ مَقاصِد البخاريِّ في تراجِمه، مِن بعضِ الاتِّجاهاتِ المُنحرفة المُعاصرة، فعَابوها عليه حينَ عَزَّ عليهم إدراكُ كثيرٍ مِن مُناسَباتِها؛ فلم يَجد (حسن حَنفي) بُدًّا ليتَخلَّصَ مِن دوَّامةِ فهمِها إلَّا بتحقيرِ هذه التَّبويباتِ، كونُها عنده «اختيارًا إيديولوجيًّا طِبقًا للسُّلوكِ القَديم، وما يَتَّفق مع البِيئَةِ العَربيَّة الأولى» (٢)؛ فما البخاريُّ في اختياراتِه لتبويباتِه إلَّا خادِمٌ للتَّوجُّهاتِ السُّلطويَّة والاجتماعيَّة (٣). من هنا، حسُن بنا التَّعريج بإيجازٍ على طبيعةِ التَّبويباتِ الَّتي حبكها البخاريُّ في «صحيحِه» ومنهجه في ترجمتها، كي نجليَّ أنظار من استشكلوا ذلك مِن الغبشِ الحاصل في أفهامهم تُجاه فقهِ البخاريِّ وفهمِه للأحاديث؛ فنقول:

стр. 603

الفرع الأوَّل: أنواع التَّراجم المودعة في «الجامع الصَّحيح». يُقرِّر بعضُ المُتحقِّقين بـ «صحيح البخاريِّ»، أنَّ المناسبة بين التَّراجم والمُترجم لها فيه تأتي على جهتين: الجهة الأولى: جهة المطابقة، وهي نوعان (١): النَّوع الأوَّل: المطابقة الكليَّة: وهي الَّتي تكون التَّرجمة فيها مطابقةً للمُترجم مطابقةً تامَّةً مِن كلِّ وجه، فكلُّ ما دلَّ عليه فهو واردٌ في التَّرجمة. النَّوع الثَّاني: المطابقة الجزئيَّة: وهي الَّتي تكون التَّرجمة فيها مطابقةً للمُترجم مطابقةً ناقصة، فليس كلُّ ما دلَّ عليه المُترجَم واردًا في التَّرجمة، بل إنَّ التَّرجمة دالَّة على جزءٍ من المُترجم فقط. وكِلتا الجِهتين مِن المطابقة لا إشكال فيها فيمن ينظرُ في كتابِ البخاريِّ، لتَنصيصه على المناسبة في نفس التَّرجمة كليًّا أو جزئيًّا (٢). أمَّا الجهة الثَّانية: فجِهة إدراكِها، وهي قسمان: القسم الأوَّل: المناسبة الجَليَّة: وهي الظَّاهرة الَّتي لا تحتاج إلى كثيرِ تدبُّر وتأمُّل، وإنَّما هي الظَّاهر المنقدح في الذِّهن مباشرةً، وهذه واقعة في تراجم البخاريِّ كثيرًا (٣). وليس ذكر هذه الجهة من غرضنا في هذا المبحث أصالةً؛ وفائدتها: الإعلام بما ورد في ذلك الباب من اعتبار لمقدار تلك الفائدة، فكأنَّه يقول: هذا الباب الَّذي فيه كذا وكذا، أو باب ذكر الدَّليل على الحكم الفلاني مثلًا (٤).

стр. 604

القسم الثَّاني: المناسبة الخَفيَّة: وهذه الَّتي تحتاج إلى سِعة علمٍ، وتَوقُّدٍ ذِهنيٍّ حاضر، فآثَرَها البخاريُّ على ما ظهر من التَّراجِم، حيث اقتصَرَ على ما يدلُّ بالإشارةِ، وحَذَف ما يدلُّ بالصَّراحةِ، وهذه الَّتي يَعِزُّ على الأكثرين دَرْكُها، حتَّى سُمِّيت بـ «التَّراجم الاستنباطيَّة» (١). فهذا النَّوع مِن التَّراجِم عند البخاريِّ أجلُّ أنواعِ تراجمه وأنفسِها، حتَّى كانت عادتَه الأشهرَ في تَبويباتِ كتابِه، والصِّفةَ السَّائدة فيها؛ وفيها يقول ابن حَجر: «ظَهَر لي بالاستقراء مِن صَنيع البخاريِّ، اكتفاءُه بالتَّلويحِ عن التَّصريح .. ، قال: وقد سَلَك هذه الطَّريقة في مُعظَمِ تَراجِم صحيحِه» (٢). فمَن أنْعَم النَّظَر في هذه التَّراجم، وقُدِّر له أن يَتَصَفَّحها ويَتلَمَّحها برَويَّةٍ، مُستَعينًا في ذلك بما سَطَّره شُرَّاح الحديثِ، استطاعَ أن يُمسِك بالحبلِ الرَّابطِ بينها، فلَاحَ له عن كثبٍ مَغزى البخاريِّ منها. وثمَّة تَنويعٌ ثانٍ نفيس لتراجمِ البخاريِّ في «صَحيحِه»: وهو ما نحى إليه أبو الحسن السِّندي (ت ١١٣٨ هـ)، يقربُ أن يكون جمعًا بين كِلا الجِهتين السَّالِفتين في التَّقسيمِ الأوَّل: جِهة المُطابقة، وجهة الإدراك، يُعينُ على حَلِّ كثيرٍ مِن الإشكالاتِ الَّتي قد تَكتنِف علاقةَ بعضِ التَّراجم بمُترجَمِها عند بعضِ النَّاظرين، يقول فيه: «اِعلم أنَّ تراجِمَ الصَّحيحِ على قِسمين: ١ - قِسمٌ: يذكرُه لأجلِ الاستدلالِ بحديثِ البابِ عليه. ٢ - وقِسمٌ: يذكره ليُجعَل كالشَّرح لحديثِ الباب: فيُبيِّن به مُجمَل حديث الباب -مثلًا- لكونِ حديثِ البابِ مُطلقًا قد عُلِم تقييدُه بأحاديث أُخَر، فيأتي بالتَّرجمةِ مُقيَّدةً، لا ليستدِلَّ عليها بالحديثِ المُطلَق، بل ليُبيَّن أنَّ مُجمَل الحديث هو المُقيَّد، فصارَت التَّرجمةُ كالشَّرحِ للحديث.

стр. 605

والشُّرَاح جَعَلوا الأحاديثَ كُلَّها دلائل لمِا في التَّرجمة، فأشكَلَ عليهم الأمرُ في مَواضع، ولو جَعَلوا بعضَ التَّراجم كالشَّرحِ، تخلَّصوا من الإشكالِ في مَواضع» (١). فلِلْغَفلةِ عن مثلِ هذه المَقاصد الدَّقيقة، «اعتَقَد مَن لم يُمعِن النَّظرَ، أنَّ البخاريَّ تَرَك الكتاب بلا تَبيِيضٍ» (٢) -وقد أسلفنا التَّنبيه إلى غلطه- ومَن تأمَّل ظَفَر! الفرع الثَّاني: الحِكمة مِن إيثارِ البخاريِّ للتَّلميحِ دونَ التَّصريحِ في أكثرِ تَراجِمه. اختارَ البخاريُّ هذا النَّمط مِن التَّلميحِ في تراجم أبواب كتابه، شحْذًا منه لعقلِ قارِئ كتابِه، وتَدريبًا لفهمِ طلبةِ الحديثِ على الاستنباطِ، وصقلًا للمَلَكاتِ في ذلك، وتنبيهًا على مَواطن العِلَّة؛ وفي تقرير هذه المَقاصد التَّربويَّة الجليلة يقول المُعَلِّمي: «لِلبخاريِّ ﵀ وُلوعٌ بالاجْتِراءِ بالتَّلويح عن التَّصريح، كما جَرى عليه في مَواضع مِن جامِعِه الصَّحيح، حِرصًا منه على رياضةِ الطَّالب، واجتذابًا له إلى التَّنبُّهِ والتَّيقُّظِ والتَّفهُّمِ» (٣). وقد وَجدنا العلماءَ قديمًا وهم يَنْعَمون بمثلِ هذا الحِسٍّ الرَّائقِ في تَلقين العلم، فيتَفنَّنون في تَقليبِ المادةِ العِلميَّة على وجوهٍ مُختلِفةٍ، حِرْصًا على استنهاضِ مَلَكةِ الاستحضارِ في الطَّلَبة. فكان مِن طرائقِ ذلك عندهم -مثلًا-: أن يُورِد الشَّيخ آيةً، ثمَّ يَستفزَّ أذهانَ الطُّلابِ لذكرِ كلِّ ما يَتَعلَّق بها، تفسيرًا وفِقهًا وحديثًا ولُغةً (٤)؛ وهذه الطَّريقة

стр. 606

النَّافعة لتنميِة مَلَكة الاستحضارِ لا تَصلحُ إلَّا بإزاءِ شَيخٍ مُتمَكِّن في مثل مقام البُخاريِّ! الفرع الثَّالث: ألوانٌ من خفيِّ تراجم البخاريِّ الدَّالةِ على غَوْصِه في المعاني واستحضارِه للأدلَّة. لقد ألْفَى المُحقِّقون من أهل المعرفة بـ «الصَّحيح» هذه المناسباتِ الخفيَّة فيه عدَّةَ أنواعٍ: فمنها: أن يكون في التَّرجمةِ لفظٌ يُفيد مَعنىً مُعيَّنًا لا ذِكر له في الحديث الَّذي أثبَتَه، لكن يكون هذا الحديث ذا طُرقٍ، أثبتَ منها البخاريُّ ما يُوافق شرطَه في كتابه، ولم يُثبته مِن الطَّريق الموافقةِ للتَّرجمة، لقصورِ شَرطِها عن شَرطِه، فيأتي بالزِّيادةِ الِّتي لم تُوافق شرطَه في التَّرجمة. كما أنَّه كثيرًا ما يَذكرُ التَّرجمةَ بخلافِ لفظِ الحديث، ويكون الغَرَض منه: الإشارةُ إلى اختلافِ ألفاظِ الرِّوايةِ الواردةِ في الباب، وهذا مُطَّرد في كتابه (١)؛ فيظنُّ الجاهلُ بالرِّوايات أنْ لا علاقةَ بين ما في التَّرجمةِ والحديث! ومثل هذا لا يَنتفِعُ به إلَّا المَهَرة مِن أهلِ الحديث. مثل ما أوردَ من حديثِ الخوارج: ««إنَّ مِن ضِئْضِئِ هذا قومًا يَقرءون القرآنَ، لا يُجاوز حَناجِرَهم .. »؛ أورده البخاريُّ في بابِ «قول الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾» (٢). فقد بيَّن العَسْقَلانيُّ أنَّ حديث الخوارج هنا جاءَ في بعضِ رواياتِه -غير الرِّواية الِّتي ساقها البخاريُّ في الباب المذكورِ- بلفظ: «ألَا تأمنُوني وأنا أمينُ مَن

стр. 607

في السَّماء؟»؛ قال: «وبهذا تظهرُ مُناسبة هذا الحديث للتَّرجمة، لكنَّه جَرى على عادتِه في إدخالِ الحديثِ في البابِ للَفظةٍ تكون في بعضِ طُرقِه، هي المناسبة لذلك الباب، يُشير إليها، ويُريد بذلك شحذَ الأذهانِ، والبَعْثَ على كثرةِ الاستحضارِ» (١). ومن أنواع الخفيِّ من تراجم البخاريِّ: أنَّه يُترجِم للبابَ على صورةٍ ما، فيُورِد فيها أحاديث مُتعارضةً في ظاهرِها، فينبِّه على وجه التَّوفيق بينهما أحيانًا، وقد يَكتفي بصورةِ المُعارضة، تنبيهًا منه على أنَّ المسألةَ اجتهاديَّة (٢)، فيأتي بتلك الأحاديث على اختلافِها، ليُقرِّب إلى الفقيه مِن بعدِه أمرَها، كما فَعَل في بابِ «خروج النِّساءِ إلى البُرازِ» (٣). ومن ذلك: أنَّه يذكرُ حديثَ صحابيٍّ ما لا يُناسب التَّرجمة، وهو يُشير بذلك إلى حديثٍ آخرَ لنفسِ هذا الصَّحابي المُناسب لهذه التَّرجمة! وهذا مِن أشدِّ تَشحيذاتِه للأذهانِ، لِتلتفِتَ إلى مُتعلَّقاتِ الحديث وأشباهِه. يتَّضح هذا بما تَرجَم به بابًا، قال فيه: «باب: طولِ القيامِ في صلاةِ اللَّيل»، أورَدَ في آخره حديثَ حذيفة ﵁: «أنَّ النَّبي ﷺ كان إذا قام للتَّهجدِ مِن اللَّيل، يَشوص فاهُ بالسِّواك». فقد استشكلَتْ بعضُ الأفهام العلاقة بين طول القيامِ وهذا الحديث في التَّسويك؛ حتَّى أبانَ البدرُ بن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) عن وجهِ ذلك بقوله: «أرادَ بهذا الحديث استحضارَ حديثِ حذيفة ﵁ الَّذي أخرجه مسلم: «أنَّه صَلَّى مع النَّبي ﷺ ليلةً، فقرأ البقرةَ وآل عمران والنِّساء في ركعة، وكان إذا مرَّ بآيةٍ فيها تسبيح سبَّح، أو سؤالٍ سَأل، أو تعوِّذٍ تعوَّذ، ثمَّ ركَع نحوًا ممَّا قام» الحديث،

стр. 608

قال: «وإنَّما لم يخرجه البخاريُّ لكونِه على غير شرطه، فإمَّا أن يكون أشار إلى أنَّ اللَّيلة واحدة، أو نبَّه بأحدِ حديثي حذيفة ﵁ على الآخر» (١). بينما رأى العَينيُّ (ت ٨٥٥ هـ) بعده بأنَّ «التَّرجمةَ في طولِ القيام في صلاة اللَّيل، وحديثُ حذيفة فيه القيامِ للتَّهجُّد، والتَّهجُّد في اللِّيل غالبًا يكون بطولِ الصَّلاة، وطولُ الصَّلاة غالبًا يكون بطولِ القِيامِ فيها، وإن كان يَقعُ أيضًا بطولِ الرُّكوع والسُّجود» (٢). ومن ذلك: أن يأتيَ البابُ خاليًا مِن ترجمةٍ أصلًا، ويكتفي عنها بكلمة (بَابٌ)، مع إيراده للأحاديث تحتها، وتُسمَّى بـ «الأبوابِ المُرسَلة» (٣)، فيكون هذا الباب بمَنزلةِ الفَصْلِ مِن البابِ السَّابق، فلا بُدَّ له مِن تَعلُّق به (٤). أو أنَّه يحذِف التَّرجمةَ تكثيرًا للفوائد، فإنَّ الحديث الواردَ في البابِ يُستنبط منه مسائل عديدة مُناسبة لهذا المَحَلِّ، فيَحذف التَّرجمة، تشحيذًا للأذهان في إظهارِ مُضمَره، واستخراجِ خَبيئه، وإيقاظًا للنَّاظِرين أن يُخرِجوا منه تَراجم عديدةً مُناسبة لهذا الحديث (٥). ومن ذلك: أنْ يورِدَ بعد التَّرجمةِ حديثًا يُوافقها، ثمَّ يذكرَ بعده حديثًا لا يُوافقها، ويكون ذكرُه للحديثِ الثَّاني لمصلحةِ الحديثِ الأوَّل، كتَوضيحِ إجمالٍ فيه، أو يكون في إسنادِ الثَّاني تصريحٌ بسماعِ راوٍ قد عَنْعنَ في الحديث الأوَّل، فيُثبت به الاتِّصال، على المَعروفِ مِن شرطِ البخاريِّ في ذلك، وهكذا. والفائدة المُنتزعة مِن هذا: أنَّ كثيرًا ما يَتَحصَّل وجهُ المناسبةِ بالنَّظرِ إلى مَجموعِ الرِّواياتِ في البابِ، فلا تَسْتَقلُّ كلُّ روايةٍ بإفادةِ ما وُضِعَت له التَّرجمة.

стр. 609

وفي تقريرِ هذه الفائدة في النَّظر إلى تراجم البخاريِّ، يقول السِّندي (ت ١١٣٨ هـ): «كثيرًا ما يذكُر بعد التَّرجمةِ آثارًا لأدْنَي خاصيَّةٍ بالباب، وكثيرٌ مِن الشُّراحِ يَرَوْنها دلائلَ للتَّرجمة، فيَأتون بتَكلُّفاتٍ باردةٍ لتصحيحِ الاستدلالِ بها على التَّرجمةِ، فإن عَجزوا عن وجهِ الاستدلال، عَدُّوه اعتراضًا على صاحبِ «الصَّحيح»، والاعتراضُ في الحقيقةِ مُتوجِّه عليهم، حيث لم يَفهموا المَقصود» (١). ومن ذلك: أن يُضَمِّن التَّرجمةَ ما لم تَجرِ العادة بذكرِه في كُتبِ الفقه، وهذا ممَّا يَستغربه بعضُ أهلُ العلمِ مِن تَراجمه، وقد يَظنُّه بعضُ المُعاصرين مِمَّن لا يَعرف البخاريَّ: أنَّه مِن ضَعف إلمامِه بتقسيماتِ الأبوابِ! وأنَّه ذكرٌ لِما لا جَدْوى منه (٢)! يُمثِّلونَ لذلك بترجمتِه لبابِ «أكل الجُمَّار»؛ فقد يَظنُّ الظَّانُ أنَّ هذا لا يُحتاج إلى إثباتِه بدليلٍ خاصٍّ، لأنَّه على أصلِ الإباحةِ كغيره، لكنَّ البخاريَّ لاحَظ أنَّه رُبَّما يُتَخيَّل أنَّ تجميرَ النَّخلِ إفسادٌ للمالِ وتَضييع له، فنَبَّه على بُطلانِ هذا التَّوهُّم إنْ سَبَق إلى ذهنِ أحَدٍ. فلأجل نفاسة هذا المَلمح، عقَّب على البخاريِّ ابنُ المنيِّر (ت ٦٨٣ هـ) في هذا الموطن بأن قال: «رضيَ الله عنك! وقد سَبَق الوَهم إلى بعضِ المُعاصرين، فانتَقَد على مَن جمَّر نخلةً واحدةً بعد أخرى ليَقتات بالجُمَّار، تحرُّجًا وتَورُّعًا مِمَّا في أيدي النَّاس، لما عُدِم قُوتَه المعتاد في بعضِ الأحيان، وزَعَم هذا المُعترض أنَّ هذا إفسادٌ خاصٌّ للمال، وفساد عامٌّ في المال، وربَّما يُلحِقه بنهيِ مالك ﵀ عن بيع التَّمرِ قبل زهوه على القطع إذا كثُر ذلك، لأنَّ فيه تسبُّبًا إلى تقليلِ الأقوات؛ فلمَّا وَقفتُ على ترجمة البخاريِّ، ظَهَرت لي كرامَتُه بعد ثلاثِ مائةِ سنةٍ ونيِّف! ﵀» (٣).

стр. 610

مع ما يجب التَّنبُّه له في هذا الباب من استكناه مقاصد البخاريِّ من تراجمه: أنَّ أكثرَ ما يُترجِم به لمثلِ هذا -مِمَّا قد يظهر منه عدمُ جَدواه- إنَّما يكون تَعقُّباتٍ وتَنكيتاتٍ على عبد الرَّزاق (ت ٢١١ هـ) وابن أبي شيبة (ت ٢٣٥ هـ) في تَراجم «مُصَنَّفيهما»! ومِن ثمَّ فإنَّ مثل هذه التَّوجيهات لهذا النَّوع مِن التَّراجم، لا يَهتدي إليها إلَّا مَن مَارَس المُصَنَّفَيْنِ، واطَّلَع على ما فيهما (١)! ثمَّ إنَّ البخاريَّ قد يَعقِد بابًا يأتي له بترجمةٍ ما، ليس له مِن وراءه قَصدٌ إلَّا نَقضُ ما انتَشَر في النَّاسِ مِن فتوى فقيه، هي عنده مخالفةٌ لدَلالةِ سُنَّة؛ ومَن كان مُطِّلعًا على ما كان سائدًا في عصره مِن آراءٍ يكثر فيها الخِصام، تلَمَّح ذلك في مثلِ هذه التَّراجم مِن طرفٍ خَفيٍّ (٢)! إلى غير ذلك من أنواعِ التَّراجِم الَّتي انبرى العَالِمون الفاهِمونَ لتَجلِيتها، وما ذلك منهم إلَّا حَسَنةٌ مِن حَسناتِ فِقهِ البخاريِّ وواسِع فهمِه للشَّريعة.

стр. 611

الفرع الخامس مجاوزة عبقريَّة البخاريِّ أوجهَ التَّناسب في التَّراجم إلى تناسبِ الكُتِب والأبواب فيما بينها وترتيبها سَيزيدُ انبهارُك بهذه العقليَّة البُخاريَّة وشفوفِ روحِه الإبداعيَّة، حينما تعلمُ أنَّ ما مَرَّ بك مِن أمثلةٍ قليلةٍ في «صحيحِه الجامع» مِن المُناسباتِ، ليس مُقتصرًا على ما كان بين تراجِم الأبوابِ وما ضَمَّته مِن أحاديث وآثار، بل قد طالت يدُ إبداع البخاريِّ الكُتبَ المَوضوعيَّة نفسَها، بالرَّبط فيما بينها من جهة، وبين الأبوابِ في الكتابِ الواحدِ من جهة (١)، بل بين الأحاديثِ في البابِ نفسه من جهة أخرى! فكان يُرتِّبها بحسب الغَرض الَّذي مِن أجله يَسوق تلك الأحاديث. فتارةً يبدأ بالحديث العَالي، ويُتبعه ذكر النَّازل. وتارةً يبدأ بالحديثِ المُعنعَن، ثمَّ يردفه بما فيه التَّصريح بالسَّماع. وتارةً يبدأ بالحديثِ الأكثر دلالةً على الحكم الفقهيِّ، ثمَّ يتبعه بالشَّواهد، وهكذا .. ، كلُّ ذلك وِفقَ منهجٍ مُحكم (٢). فلقد سارَ في هذا كلِّه على ترتيبٍ مُبتَكرٍ لم يُسبَق إلى مثلِه ولا قُورِبَ، حتَّى أصبح الكتاب عِقْدًا مَنظومًا، ووَحدةً مُتناسقةً مُتكاملةً، يخدم غايةً واحدةً.

стр. 612

يَكفيك مَثلًا على ذلك: براعةُ استهلالِه بكتابِ «بدء الوَحي»، وإتباعُه بكتاب «الإيمان»، ثمَّ «العِلم»، وهكذا حتَّى خَتَم التَّسلسل بكتاب «التَّوحيد». وإلى هذا النَّوع مِن التَّناسب، كان التِفاتُ البُلقينيِّ (ت ٨٠٥ هـ) فيما كتبه عن «الصَّحيح» عن علاقةِ كُتبِه فيما بينها تقديمًا وتأخيرًا، فكان ممَّا قاله: «قدَّمَه -أي كتاب بدء الوَحي- لأنَّه مَنبع الخيرات، وبه قامت الشَّرائع، وجاءت الرِّسالات، ومنه عُرف الإيمان والعلوم، وكان أوَّله إلى النَّبي ﷺ بما يقتضي الإيمان من القراءةِ والرُّبوبية وخلق الإنسان، فذَكر بعدُ كتاب (الإيمان) و (العلوم)، وكان الإيمان أشرفَ العلوم، فعقَّبه بكتاب (العلم)، وبعدَ العلم يكون العمل! وأفضل الأعمال البدنيَّة الصَّلاة، ولا يُتوصَّل إليها إلَّا بالطَّهارة، فقال (كتاب الطهارة)، فذكر أنواعها وأجناسها .. ». وهكذا حتَّى ساق البلقينيُّ (ت ٨٠٥ هـ) جميعَ كُتبِ» الصَّحيح» بحسب تَرتيبها، مُبيِّنًا وجهَ التَّناسب بينها؛ ليختم ذلك بقوله: «ولمَّا كانت الإمامةُ والحُكم يَتمنَّاها قومٌ، أردَف ذلك بـ (كتابِ التَّمَني)! ولمَّا كان مَدار حكم الحُكَّامِ في الغالب على أخبارِ الآحاد، قال: (ما جاء في إجازةِ خبرِ الواحد الصَّدوق). ولمَّا كانت الأحكام كلُّها تحتاج إلى الكتاب والسُّنة، قال: (الاعتصام بالكتاب والسُّنة)، وذكر أحكام الاستنباط مِن الكتاب والسنة، والاجتهاد، وكراهية الاختلاف، وكان أصل العِصمة أوَّلًا وآخرًا هو توحيد الله، فختم بكتاب (التَّوحيد) .. » (١). ثمَّ جاء اعتناء تلميذه ابن حَجرٍ (ت ٨٥٢ هـ) بنوعٍ آخرَ مِن المُناسباتِ، دَلَّلَ به على بَراعةِ الاختتامِ عند البخاريِّ للأبوابِ، وبيَّن أنَّه لم يَرَ مَن نَبَّه عليه، بحيث أنَّ البخاريَّ «يَعتني غالبًا بأن يكون الحديث الأخير مِن كلِّ كتابٍ مِن كُتُبِ هذا الجامع مُناسبًا لختمِه، ولو كانت الكلمةُ في أثناءِ الحديثِ الأخير، أو مِن الكلامِ عليه» (٢).

стр. 613

فهذا عن ختم البخاريِّ للكتابِ الواحد من «صحيحِه». أمَّا عن اختتامِه لصحيحِه كلِّه: فقد جاء الحديث فيها مُتناسبًا مع أوَّلِ حديثٍ صَدَّر به «الصَّحيح»، تناسبًا يُبقِ لمن تأمَّله أثرًا بليغًا يوجب رِقَّة في قلبِه، يقول العَينيُّ في بيانِ سَبَبِ بَدْءِ البخاريِّ الكتابَ بحديثِ «إنَّما الأعمال بالنِّيات»: «أرادَ بهذا إخلاصَ القَصدِ، وتصحيحَ النِّية، وأشارَ به إلى أنَّه قَصَد بتأليفِه الصَّحيحَ وجهَ الله تعالى، وقد حَصَل له ذلك، حيث أُعْطِي هذا الكتابُ مِن الحَظِّ ما لم يُعْطَ غيره مِن كُتبِ الإسلام، وقَبِلَه أهلُ المَشرق والمَغرب» (١). أمَّا عن آخر حديثٍ خَتم به «صحيحه»، فهو حديثِ أبي هريرة ﵁: «كلِمتان حبيبتان إلى الرَّحمن، خَفيفتان على اللِّسان، ثَقيلتان في الميزان: سُبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»، حيث جعله آخرَ بابِ: قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، مِن كتاب (التَّوحيد): فوجه تناسبه مع الحديث الأوَّل في النِّيات، قد أبانَ عن حُسنِه البُلقيني بقولِه: «لمَّا كان أصل العِصمة أوَّلًا وآخرًا هو توحيد الله، فختم بكتاب التَّوحيد، وكان آخر الأمور الَّتي يظهر بها المُفلح من الخاسر ثقلُ الموازين وخفَّتُها، فجعله آخر تراجم كتابه ... فبدأ بحديث: «إنَّما الأعمال بالنِّيات»، وخَتَم بأنَّ أعمال بني آدم تُوزن، وأشار بذلك إلى أنَّه إنَّما يُتقبَّل منها ما كان بالنيَّة الخالصة لله تعالى» (٢). وهكذا قد أبان البخاريُّ بهذا التَّناسب عن (فكرٍ مَنظوميٍّ) بَديعٍ، تَجلَّى في هذه الوحدةِ المَوضوعيَّة المترابطة في كلِّ كتابٍ مِن كُتبه وأبوابِه، ابتنى آخرَها على أوَّلها، وأوَّلها على آخرِها، مُتوخِّيًا في ذلك الكمالَ في هندسةِ كتابِه، على تصميمٍ

стр. 614

يجعل «أجزاءَ الكلام بعضُها آخذًا بأعناقِ بعض، فيقوَى بذلك الارتباط، ويَصير التَّأليف حالُه حال البناءِ المُحكَمِ والمُتلائمِ الأجزاء» (١). فلقد أطنبتُ الكلام في هذا الباب المُتعلِّق بتراجم البخاريِّ ومُناسباتِه، كي ينزجِر السَّاخر مِن فقهِ البخاريِّ، فيَعلَم أنَّه بنفسِه كان أوْلى بأن يَسخر؛ وما يُلقِّنه أساتذة الرَّفضِ لِطَلَبتِهم في هذا الباب مِن انخرام أهليَّة البخاريِّ للتَّأليف (٢)، الخرْمُ لأهليَّتِهم لتفهُّم الحقِّ هم به أوْلى! والله غالبٌ على أمرِه.

стр. 615

المَطلب الثَّالث تهكُّم بعض المُناوئين للبخاريِّ بفتوًى تَحُطُّ مِن فَهمِه لنصوصِ الشَّريعة، وبيان كذبها عنه لم يَقتصر أمر خصومِ البخاريِّ على أن يُسفِّهوا عقلَه في ما سَطَّره هو في «صَحيحِه»، بل تجاوَزوا هذا إلى أن يَتناقلَ بعضُ الإماميَّةِ المُعاصرينَ (١) حكايةً مُلَفَّقةً عليه، نَقَلها السَّرَخسِيُّ في «المَبسوط»، يَبْتغون بها الإزراءَ بعقلِ البخاريِّ، والحَطَّ مِن مكانتِه في فقه النُّصوص الشَّرعيَّة؛ فلقد صارت سُبَّة يَتَندَّرون بها على هذا الفَذِّ ويصمونه عليها بالبلادة. فبعدَ أن قَرَّر السَّرَخسِيُّ (ت ٤٨٣ هـ) مسألةَ اشتراكِ الصِّبيانِ في الشُّربِ مِن لَبَنِ بهيمةٍ، أنَّه لا يُعدُّ رَضاعًا، قال: « .. ومحمَّد بن إسماعيل -صاحب الأخبارِ رحمه الله تعالى- يقول: يَثبتُ به حُرمة الرَّضاع! فإنَّه دَخَل بُخارى في زمَنِ الشَّيخِ الإمام أبي حفص -رحمه الله تعالى-، وجَعَل يُفتي، فقال له الشَّيخ -رحمه الله تعالى-: لا تَفْعَلْ! فلسْتَ هنالك، فأبَى أن يَقبلَ نُصحَه، حتَّى استُفتِيَ عن هذه المسألة: إذا أَرْضَع صبيانٌ بلَبنٍ شاةٍ، فأفتى بثبوتِ الحُرمةِ، فاجتمَعوا وأخرجوه مِن بُخارى بسببِ هذه الفتوى» (٢)!

стр. 616

ليُعلِّق (شيخ الشَّريعة الأصفهانيُّ) على هذا النَّقلِ بقولِه: «هذه الفَتاوى إنْ دَلَّت على شيءٍ، فإنَّها تدلُّ على جهلِ البخاريِّ وسذاجَتِه، لأنَّ نشرَ الحُرمة في الرِّضاعِ فرعُ الأبوَّةِ والأمومةِ، ولا يُعقَل أن يكون حيوانٌ أبًا لإنسانٍ أو أُمًّا له» (١). إنَّ هذه الحِكايةَ الَّتي شَانَ بها السَّرخسيُّ هذا الموطِنَ مِن كتابِه النَّافع ليتَه -إذْ أحَبَّ أن يَسُوقَها في كتابه لفائدةٍ غير التَّشفِّي في الخصومة! - أنْ يُورِدَها بصيغةِ التَّمريضِ لا الجَزمِ! ليُشعِرَ القَارئ بضَعفِ نَقْلِها. ومثلُ هذه الإشاعة المُستبْعَدِ صُدورُها مِمَّن شُهد له بالفَضلِ والعِلمِ، لا ينبغي للمُنصِف رِوايتُها إلَّا بعدَ التَّثبُّتِ مِن نسبتِها؛ هذا إن رأى في رِوايتها مَصلحةٌ أصلًا! وإلَّا فما نُسِبَ إلى البخاريِّ مِن هذا الخبر لا خِطَام له ولا زِمام، ولا إسنادَ له يُنظَر فيه؛ بل هي حِكايةٌ تَصرخُ ببُطلانِها، وتَشتكي مِن سوءِ طَويَّةِ مَن اختلَقَها! وذلك أنَّ المُقرَّر عند المُؤرِّخينَ وأهلِ التَّراجِم عدم خروج البخاريِّ مِن بَلَدِه بُخارَى إلَاّ مرَّةً واحدةً، وذلك حين نَفَاه أميرُها خالد بن أحمد الذُّهلي، بعد امتناعِ البخاريِّ مِن إتيانِه لتحديثِه بـ «صحيحِه» و «تاريخِه» (٢). والغالبُ على الظَّن: أنَّ المفتريَ لهذا الهُراءِ على البخاريِّ مُتفقِّهٌ حَنَفيٌّ «أراد أن يثأرَ لأبي حَنيفة» (١)؛ فقد كان بين البخاريِّ وأهلِ الرَّأيِ نوعُ نُفرةٍ عِلميَّة، وكانَ كثيرَ الإلماحِ في الرَدِّ عليهم في «صَحيحِه»، في أكثرِ المَواضِع الَّتي قالَ

стр. 617

فيها: «وقالَ بعضُ النَّاسِ» أو «قال بعضُهم» (٢)، ومن ثمَّ لا نَجِدُ هذه الفِريةَ مَنقولةً إلَّا في كُتبِ الحنفيَّة غالبًا (٣). والله تعالى أعلم.

стр. 618

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين دراسة نقديَّة د. محمد بن فريد زريوح المجلد الثاني

стр. 619

الفصل الرَّابع: الاحتجاج بسبقِ نقدِ العلماء لأحاديث الصَّحيحين في القديم والحديث

стр. 620

المَبحث الأوَّل: استناد الطَّاعنين في أحاديث «الصَّحيحين» على سابق عمل المُحدِّثين في نقدهما لا يتحرَّجُ فئام من المُعاصرين مِن إنكارِ خبرٍ مُودَع في «الصَّحيحين» إذا ضاقت أعطانهم عن تقبُّل متنِه، بدعوى أنَّ باب النَّقد للكتابين مفتوح، لِما رأوه مِن تتابع نُقَّاد أهلِ الحديث ودُقَّاق النَّظرِ من الفقهاء على نقدِهما إلى يومنا هذا، من غير تحرُّج يُبدونه في ذلك. فبهذا المُستندِ التَّاريخيِّ سوَّغ (جمال البَنَّا) في مقدِّمة كتابه إسقاط ثُلثَيْ أحاديثِ «الصَّحِيحين»! (١) وبمثله تذرَّع (سعيد القنوبي) (٢)، و (إسماعيل الكرديُّ) (٣)، و (محمد الأدهمي) (٤) لإلحاق ما تلقَّاه المحدِّثون بالقَبول فيهما برُكام الموضوعات، وذلك كلُّه باسم تنقية التُّراث الإسلاميِّ وتجديده. والواحد مِن هؤلاءِ يَتصوَّر أنَّه بهذا الاعتذارِ المَشروخ لا يخرج عن جادةِ العلماء في النَّقدِ للأخبار، وأنَّ منهجَه الثَّوْرِيَّ على الصِّحَاحِ سائرٌ فيه على نفسِ المَهْيَعِ الَّذي سَلكوه؛ لا يرى نفسَه إلَّا مُتطوِّعًا لإكمالِ ما بَدأوه! على ما قد يلقاه

стр. 621

المسكين جرَّاءها من مشقَّة نفسيَّة لتشنيعِ العامَّة عليه، فلا يجد ما يشفي به غيضَه إلَّا أنْ يعذل أهل الحديث أنْ كانوا السَّبب في صدِّ العامَّة عن سبيل «الصَّحيحين» وغربلتهما من جديد. يقول أحد هؤلاء الَّذين أُشربت قلوبهم بُغضَ حُرَّاس الشَّريعة: «علماء الحديث المُعاصرون كُسَالى عن التَّنقيبِ والبحثِ، ومَرعوبون مِن فكرةِ تنقيحِ أحاديثِ البخاريِّ! برغم أنَّه قد رَفَض مَن قبلَهم أئمَّةٌ ورجال دينٍ مُستنيرون بعضَ أحاديث البخاريِّ، لتَعارُضها مع العقل» (١). وقبله (أبو ريَّة) في عجيبةٍ من مُستهجنات كتابه المتكاثرة، يتوسَّل باتِّفاقِ العلماءِ على مشروعيَّةِ نقدِ الأخبارِ على وجه العموم، لردِّ ما اتَّفقوا على قَبولِه من أخبار على وجه الخصوص! تجده يُغالط القُرَّاء بهذا التَّناقض قائلًا: «لا يَتوَهمنَّ أحَدٌ أنِّي بِدْعٌ في ذلك، فإنَّ علماءَ الأمَّة لم يأخذوا بكلِّ حديثٍ نَقَلته إليهم كُتب السُّنة، فليَسَعْنِي ما وَسِعَهم!» (٢). دعْ عنك عَريضَ الوِسادِ هذا؛ وانظُرْ إلى قامةٍ جليلةٍ مِن قاماتِ الدَّعوة والأدب الإسلاميِّ؛ إلى (محمَّد الغزالي السَّقا) في كتاباتِه النَّقديِّة للمرويَّات؛ كيف تَلمَّحُ منها حرصَه على إفهامِ قارِئِيه بأنَّ إنكارِه لِما أنَكر من صِحاحِ الآثار، ما هو فيه إلَّا مُتَّصِلَ الإسناد بنقداتِ مَن مَضى مِن أهل العلمِ، غير شاردٍ عن منهجِهم في نقد ما يستوجب النَّقد. يقول في ذلك: «إنَّنا نلتزم بما وضعه أئمَّتنا الأوَّلون، ولا نفكِّر في البُعد عنه، كلُّ ما لَفَتنا النَّظرَ إليه، أنَّ الشُّذوذَ والعِلَل في متونِ الأحاديثِ يَتَدخَّل فيها الفقهاء إلى جانبِ الحُفَّاظ، وقد تَدخَّلوا فِعلًا في الماضي، وجَدَّ في عَصرِنا ما يَستدعي المزيدَ مِن البحثِ والاستقصاء» (٣).

стр. 622

فهذه المسوِّغات التَّي يقدِّمها هؤلاء الكُتَّاب المُعاصرين للطَّعنِ في الصِّحاح -وإن كانت من بعضهم عن حسن قصدٍ، لا على سبيل التَّحيُّل- لم تكُن وَليدَة النَّكبة الفكريَّة المعاصرِة قطُّ، بل قديمة قِدَم الفِرَق المُجافية للسُّنة والجماعة؛ الَّذين إذا راعَهَم أمرُ حديثٍ نَبويٍّ لمخالفتِه لشيءٍ ممَّا يقولون به -وإن كان مَبنيًّا على مجرَّد الظَّن- بادروا لتكذيبِه، والحكمِ بوَضعِه، أو نفيِ صحَّةِ رَفعِه، وإن كان إسنادُه خاليَّا عن كلِّ علَّةٍ؛ وإن ساعَدَهم الحالُ على تأويلِه على وجهٍ لا يُخالف أهواءَهم بادروا إلى ذلك، وهو خير أحوالهم. فهذا نهج الاعتزال ومَن حَذا حذوَه في التَّمعقُل على النُّصوص، وإلي أربابِه نسبةُ مَن «نَسَبوا رُواة ما أنكروه مِن الأحاديثِ إلى الاختلاقِ والوَضعِ، مع الجهلِ بمَقاصد الشَّرع، والمُجامِلون منهم اكتَفوا بأنْ نَسَبوا إلى الرُّواةِ الوهمَ والغَلطَ والنِّسيان، وهو ممَّا لا يخلو عنه إنسان، وقالوا: إنَّ المُحدِّثين أنفسُهم قد رَدُّوا كثيرًا مِن أحاديثِ الثِّقاتِ بناءً على ذلك» (١). ولِمن يَعترضُ على أحاديثِ «الصَّحيحين» بسَبقِ الأئمَّةِ إلى ذلك مَآربُ أخرى غير مسألة استحلال نقد الصِّحاح في نظر العامَّة، من أبرزها: إقناعُ النَّاس بأنَّ في ما يذكرونه من نَقداتِ العلماء المتقدِّمين للصَّحيحين خرْمًا لِما يَدَّعيه أهل السُّنة مِن إجماعٍ على صِحَّة ما في الكتابين! وإكذابًا لدعوى تَلقِّي الأمَّة لهما بالقَبول. بل نجد مِن الطَّوائف البدعيَّة مَن يستكثر النَّقلَ عن نُقَّاد أهل السُّنة في تعليلهم لأحاديث «الصَّحيحين»، قِيامًا بالحُجَّةِ على أهلِ السُّنةِ -بزعمهم- بكلام علماء السُّنة أنفسِهم! وباستحضار هذا المَقصد، تفهمُ سببَ اقتصار (سعيد القَنوبيِّ) العُمانيُّ على سَرْدِ نقداتِ أهل السُّنةِ لما فيِ «الصَّحيحين»، دون أن يجلب كلام طائفته في هذا المقام من الرَّد، مُعلِّلًا ذلك لمُريدِيه الإباضيَّةِ بقوله: «أرَاني مُضطَرًّا لذكرِ كلامِ

стр. 623

طائفةٍ مِن العلماءِ مِن أصحابِ المَذاهبِ الأربعةِ، أو مِمَّن يَعترفُ الحَشْويَّة (١) بآرائِهم، ويُكثِرون مِن نقلِ كلامِهم، حول وجودِ بعضِ الأحاديثِ الضَّعيفةِ في الصَّحِيحَين أو أحدهِما» (٢). وعلى نفس هذا الأسلوبِ مشى (إسماعيل الكرديِّ) في مقدَّمة كتابه، تمهيدًا لتقبُّل نفوس قارئيه لعبثه في الكتابين، فلذلك قال: «أَتَيتُ بهذا الكتابِ، الَّذي كانت مُعظم اقتباساتِه ونقودِه الَّتي تَنقد البخاريَّ ومسلم مُوجَّهةً مِن الأئمَّةِ الأربعة ومِن تلاميذهم، ومِمَّن هم مَرجعٌ وثِقةٌ لهم بالذَّاتِ، أي لتلك الفئةِ المُتشبِّثةِ بالماضي .. » (٣). وكان مِن دَهاءِ بعض هؤلاءِ، أنْ أمعنوا في الاستشهاد بعلماءَ مُعاصِرين مُشتغِلين بالحديثِ وتخريجِه خاصَّة، لهم رأيٌ في بعضِ أحاديثِ «الصَّحِيحين»؛ أبرزُهم حسب تتبُّعي لكتاباتهم في هذا الشَّأن خمسة: محمَّد رشيد رضا، ومحمَّد زاهد الكوثري، وأحمد وأخوه عبد الله الغُماريَّان، وناصر الدِّين الألباني (٤)؛ فقد كانوا أحرصَ على نقلِ كلامِ هؤلاء مع من مَضى من المتقدِّمين، لغايةِ إقناع الجماهيرِ بأنَّ بابَ النَّقدِ للكتابينِ لم يُغلَق بعدُ ولن يُغلَق، وأنْ لا مَزيَّة لهؤلاءِ المُعاصرين عليهم، فكلُّهم باحثون على الحقيقة أبناءُ عَصرٍ واحدٍ! فهذا أوان الشُّروع في تزييف هذه الدَّعاوي المُسوِّغات لمِا نراه من عبثٍ بدواوين أهل السُّنة، وذلك منِّي ببيانِ طبيعةِ تعليلاتِ المُتقدِّمين لما في

стр. 624

«الصَّحيحين»، وأنَّها بمنأى عن طريقة خبطِ الطَّاعنين في السُّنَن؛ وببيانِ غلطِ الاعتماد على الخمسةِ العلماءِ المُحْدَثين الَّذين ذكرتهم قريبًا في تعليلاتهم لأحاديث الكتابين -سوى رشيد رضا الَّذي سبق الكلام عنه-، كيْ لا يُتَّخَذَ ذلك وليجةً للاعتضادِ. ذلك أنَّ بيانَ مَآخذِ أهلِ العلم، ونَفيَ مَوارد الظُّنون عنهم، مِن أشرفِ ما تتغيَّاه هذه الأطروحة؛ مع الإعلانِ بخطأِ مَن أخطأ من العلماء في نقده وحكمه، قطعًا لعَلائقِ المُتأوِّلين المُتعلِّقين بأذيالِ أهلِ العلم بباطل؛ فضلًا عن كونِ ذلك مِن لوازمِ الدِّيانة؛ فأقول مستعينًا بربِّي ﵎:

стр. 625

المَبحث الثَّاني نبذةٌ عن أشهرِ مَن نقد «الصَّحيحين» مِن المُتقدِّمين علِمنا قبلُ اهتمامَ أهل الحديث وحُذَّاق العللِ بفحصِ أحاديثِ «الصَّحيحين» منذ وقت مُبكِّر، حيث احتفوا بهما كأشدِّ ما تكون الحَفاوة والإجلال، من غير أن يمنعهم ذلك أن يُعلنوا بأحاديثَ رأوا فيها نوعَ عِلَّةٍ تخِلُّ بشرطِ المُصنِّفَيْن، مَيَّزوها في مُصنَّفاتٍ مستقلَّة عديدة. وليس يخفى على حَدِيثيٍّ أنَّ أبرز مَن تَوجَّه إلى نقد الكتابين مِن أئمَّةِ العِلَل أبو الحسَن الدَّارقطني (ت ٣٨٥ هـ)، وذلك في ثلاثةٍ مِن مُصنَّفاتِه، تفاوتت في عَدد ما أعَلَّته في «الصَّحِيحين»، أشهرُها «التَّتبُّع»؛ مُحصِّل ما في هذا الكتاب من أحاديثَ مُتكلَّم فيها -مِن غير المُكرَّر- مِائَتا حديثٍ (١). والدَّارقطني لم يَتغَيَّ في هذا السِّفْر استيعابَ جميعِ ما يراه مُنتقدًا على الشَّيخين، فإنَّا نجد في كتابِه الآخر المَشهور بـ «العِلَل الواردة في الأحاديثِ النَّبويَّةِ» أحاديثَ أعَلَّها لم يذكرها في كتابِ «التَّتبُّع»، قد بلَغَ تِعدادها سبعةً وثلاثين حديثًا (٢).

стр. 626

فضلًا عن جُزءٍ آخرَ له مُفرَدٍ صغيرٍ أملاه على أحَدِ السُّؤَالِ مِن حِفظِه، اشتمَلَ على اِثني وعشرينَ حديثًا في البخاريِّ تَكلَّم في أسانيدِها، فيه زوائدُ قليلة على ما في «العِلَل» وفي «التَّتبُّع» (١). والدَّارقطنيُّ مع ما أبداه في هذه الصُّحف من كلامٍ في بعض أسانيد «الصَّحيحين»، شديدُ التَّعظيم للكتابين صاحبيهما، كثيرُ الإحالة عليهما، مُعتَدٌّ بتوثيقهماِ للرُّوَاة (٢). وقبله تكلَّم بعضُ الحُفَّاظِ على ما أورده مسلم في «صحيحه»، أشهرهم ابنِ عمَّار الشَّهيد (ت ٣١٧ هـ)، حيث تكلَّم في كتابِه «عِلل الأحاديثِ في كتابِ الصَّحيحِ لمسلم بن الحجَّاج» على سِتة وثلاثين حديثًا، منها ما لم يُورِده الدَّارقطني في «التَّتبع» (٣). ثمَّ أتى بعدهما مَن اشتغل بذكر نقداته على «الصَّحيحين»، أشهرهم أبو عليٍّ الغسَّاني (ت ٤٩٨ هـ) في كتابِه «تَقييد المُهمل، وتمييز المُشكل»، عُنِي في فَصلين منه بذكرِ الأحاديثِ المُعلَّة في الكتابين مِمَّا لم يذكره الدَّارقطني (٤)؛ لِيلْحَقه

стр. 627

أبو الحسن ابنِ القطَّان الفاسيُّ (ت ٦٢٨ هـ)، الَّذي تَكَلَّم في شيءٍ ممَّا فيهما في «بيان الوَهم والإيهام» (١). في مُقابل هؤلاء؛ برزَ مِن أهل الفنِّ مَن تَصدَّى للردِّ على أكثرِ تلك التَّعليلاتِ، والانتصار للشَّيخينِ في أغلبِ ما انتُقِد عليها؛ وذلك قول السُّيوطيِّ (ت ٩١١ هـ): وانتقدوا عليهما يسيرًا ... فكَمْ تَرى نحوهما نصيرًا (٢) أشهرهم في ذلك أبو مَسعودٍ الدِّمشقي (ت ٤٠١ هـ) في كتابه «الأجوبة عمَّا أشكلَ الشَّيخ الدَّارقطني على صحيح مسلم»، وهذا النَّوع مِن الجوابِ هو أغلب مادَّة الكتاب (٣). وليس يَستغني أحدٌ ينشد متينَ جوابِ عن تلك النَّقدات، عَمَّا دبَّجته يراعُ ابن حجر العَسقلانِيِّ (ت ٨٥٢ هـ)، وذلك في مُقدِّمته البديعة لشرحِ البخاريِّ «هُدَى السَّاري»؛ أورَدَ فيه مائةَ حديثٍ وعشرةً (١١٠) مِمَّا أعَلَّه الدَّارقطني وغيرُه على البخاريِّ بخاصَّةٍ، ذَكر أنَّ مسلمًا شاركه في أربعٍ وأربعين حديثًا، دافعَ عنها على سَبيل الإجمالِ، ثمَّ فصَّل القولَ في كلٍّ حديثٍ منها على تَرتيبِ أبوابِ «الصَّحيح»؛ وما لم يذكره في المُقدِّمة، استدركَ الكلامَ عليه في مَواضعِ شَرحِه لها (٤).

стр. 628

المَبحث الثَّالث طبيعة تعليلِ النُّقاد المُتقدِّمين لأخبار «الصَّحيحين» هدفي مِن هذا المَبحث إيقاف القارئ على الشَّريعةِ الَّتي اقتفاها نُقَّادُ الحديثِ في تَعامُلِهم مع «الصَّحيحين» إجمالًا، ورَسمُ الخطوطِ العَريضة الَّتي خطَّها المُتقدِّمون منهم في نقد ما في الكِتابين؛ لتستنيرَ بذلك بعضُ الدُّروبِ المُوحشةِ للجَدل القائمِ حول هذه المُشكلاتِ عند المُعاصرين، ولتنكشفَ اضطراباتُ كثيرٍ مِمَّن لم يَسلكوا شيئًا مِن طرائقِ التَّعليل لدى الأسلاف، وإنَّما هي أوجهٌ فَضفاضًة للنَّظرِ في الأخبار، تتَّسِعُ لكلِّ لابِس ثوبِ زُورٍ في هذا الفنِّ؛ فنقول:

стр. 629

المَطلب الأوَّل أقسام الأحاديث المُعلَّة في «الصَّحيحين» من قِبَل المُتقدِّمين لأجل أن تُفهمَ طبيعة التَّعليلِ القديم لأحاديثِ الكِتابين، والَّتي كانت سِمةً للعَمليَّة النَّقدية للمُحدِّثين الأُوَل، فتُتصوَّر على مُراداتِ أصحابِها ومناهجهم فيها، نُسهِّل سُبل تحصيلها للمُبتدي بإيجازٍ، عبر تقسيمِ ما تُكلِّم فيه من «الصَّحيحين» إلى أربعةِ أقسامٍ نوعيَّة، كلُّ قسمٍ نُتبعه بحكمِه ومسالكِ الأئمَّة في التَّعامل معه. هذه الأقسام قد أشار إليها ابن حجر في معرض تقيِيمه لما وُجِّه إلى أحاديث البخاريِّ من تعليلات بقوله: «ليست كلُّها قادحة، بل أكثرها الجواب عنه ظاهر، والقدح فيه مندفع، وبعضها الجواب عنه محتمل، واليسير منه في الجواب عنه تَعسُّف» (١). فأمَّا القسم الأوَّل: فما أخرجه أحد الشَّيخين مِن طريقٍ فيه كلامٌ، لكن جاء مِن طُرق أخرى صَحيحة في نفس كتابيهما. فهذا النَّوع يُعِلُّ النَّاقد فيه الرِّواية الَّتي جاءت بهذا الإسنادِ المُتكلَّم فيه، لا أصل الحديث؛ وهذا القسم أمره سهل لا إشكال فيه. وأمَّا القسم الثَّاني: فأن يُخرج الشَّيخانِ أو أحدهما حديثًا مِن طريقٍ مُتكَلَّم فيه، وله طُرقٌ أخرى أو شواهد عاضدة عند غيرهِما مِن أصحاب المُصنَّفاتِ الحديثيَّة.

стр. 630

ولا إشكال في هذا القِسم كسابقه، فإنَّ الحديث في النِّهاية صحيحٌ وإن ضَعفَّ النُّقاد طريقَه الَّتي في «الصَّحيحين»، وقد يُصرِّحون هم بصحَّتِه مِن تلك الطُّرق الأخرى (١)؛ وإنَّما يختار الشَّيخان هذا الطَّريق المُتكلَّم فيه لفائدة ما، سيأتي عليها البيان. فهذان القِسمانِ الأوَّل والثَّاني حالُ أغلبِ المُعَلِّ في «الصَّحيحين»! والشَّيخان إنَّما أوردا أغلبَ أمثلتهما في المُتابعاتِ والشَّواهد (٢) لا في الأصولِ (٣)، إذ جَرَت عادَتُهما في هذا النَّوع مِن الأحاديث على تخفيفِ حِدَّة النَّقدِ فيها، بخلافِ أصول الأبواب المُصفَّاةِ للصَّحيح الصِّرف. ثمَّ كثيرًا ما يكون غَرضُهما مِن إيرادِ هذه الرِّواياتِ المُتكلَّمِ فيها (الإشارةُ إلى الخلافِ عليها)، فإنَّهما لا يكَادان يَرويان لفظًا مُنتقدًا في «صحيحيهما» إلَّا ويَرويان اللَّفظَ الآخر الَّذي يُبيِّن أنَّه مُنتَقد (٤)؛ فلا يصحُّ الاستدراك عليهما في مثل

стр. 631

هذه المواطن، ولو تنبَّه النَّاظر إلى أنَّ «الصَّحيحين» ليسا كتابي سرد للحديث المَحضٍ، بل هما من كتب التَّعليل أيضًا -ولو على قلَّته فيهما- لانحلَّت له الكثير من الإشكالات المنتشرة اليوم بخصوص بعض أسانيد الكتابين. أو يكون إيراد الشَّيخان للسَّند المُتكلَّم فيه رغبةً للعُلوِّ في الإسنادِ، ويكون أصلُ حديثه مَعروفًا مِن رواية الثِّقاتِ؛ وبهذا أجاب مسلمٌ أبا زُرعةَ الرَّازيَ (ت ٢٦٤ هـ) حين بَلَغه إنكاره روايته في «صَحيحِه المُسند» عن رُواةٍ ضعفاءَ، كأسباطِ بنِ نَصر، وقَطن بن نسير، وأحمد بن عيسى، حيث قال: «إنَّما قُلت: صَحيح، وإنمَّا أدخلتُ مِن حديثِ أسباطَ وقَطن وأحمد ما قد رَواه الثِّقات عن شيوخِهم، إلَّا أنَّه ربَّما وَقَع إليَّ عنهم بارتفاع، ويكون عندي مِن روايةِ مَن هو أوثقُ منهم بنزولٍ، فأقتصِرُ على أولئك، وأصلُ الحديث مَعروف مِن روايةِ الثِّقات» (١). وهذا كلُّه على فرضِ كونِ تلك التَّعليلات المُوجَّهةِ لأحاديث «الصَّحيحين» صحيحة في ذاتها! وإلَّا فإنَّ كثيرًا منها غير مُعتبر عند المُحقِّقين (٢). أو يكون المُعِلُّ لم يذكُر ما ظاهره التَّعليل إلَّا على وجهِ الاحتمالِ (٣). أو يكون إعلالهم يَسيرًا غير مُؤثِّر في أصل صحَّةِ الرِّواية، بحيث يكون الجوابُ عنه مُتَناولًا (٤).

стр. 632

وبعد هذا البيانِ بأكملِه، يأتينا اليومَ من جَهَلةِ الإماميَّة ومَن يحذو حذوَهم في عَداوةِ السُّنن، مَن يطعنُ في «الصَّحيح» باكتشافِ رواة ضعفاء في بعض أسانيدهما! وهم يجدون البخاريَّ نفسَه يضعَّفهم في كُتب التَّراجم! فاستعصى عليهم حلُّ هذه المعادلة، لفرطِ جهلِهم بمناهج التَّصنيف الحديثيِّ، ثمَّ جهلهم بأنَّ علماء الإسلام مُتَّفقون على أنَّ البخاريَّ ومسلما قد يخرجان للضَّعيف انتقاءً إذا ثَبَت ضبطُه لحديث معيَّن، بأدلَّةٍ مُعتبرة عندهم وقرائن، قد مرَّ ذكر بعضها آنفا (١). وأمَّا القسم الثَّالث: فأنْ يُخرجَ الشَّيخان الحديثَ المُتكلَّم فيه، وله شَواهد ضعيفة ضَعْفًا يَسيرًا. وهذا القسم أقلُّ القِسمين السَّابقين حَديثًا في «الصَّحِيحين»؛ فإذا انضَمَّ إليها ورودُها مِن أوجهٍ أخرى في أسانيدها ضَعف يَسيرٌ، فلا رَيب أنَّها تَتَقوَّى بمجموعها، ويكون أقلُّ أحوالها أن تُبوَّأ رُتبةَ الحُسن. ثمَّ على «تقديرِ توجيه كلامِ مَن انتقدَها عليهما، يكون قولُه مُعارِضًا لتَصحيحِهما، ولا ريبَ في تقديمِهما في ذلك على غيرهِما» (٢). وأمَّا القسم الرَّابع والأخير: فما أخرجَاه وأُعِلَّ بعِلَلٍ مُؤثِّرةٍ، لا يوجد له ما يُقوِّيه. وهذا القسم صحيح الأصلِ (في أغلبِه)، لكن وَقَع في أحاديثه زياداتٌ مُرسَلة، أو مُدرجة، أو وَهمٌ مَا (٣)؛ ولا يصل مَجموع أحاديثِ هذا القسمِ إلَّا إلى خمسة عشر حديثًا، أو قريبًا مِن ذلك (٤).

стр. 633

وفي هذا القسم يقول ابن تيميَّة: «كذلك التَّصحيح لم يُقلِّد أئمَّة الحديث فيه البخاريَّ ومسلمًا، بل جمهور ما صَحَّحاه كان قبلهما عند أئمَّة الحديث صَحيحًا مُتَلقًّى بالقَبول، وكذلك في عصرِهما، وكذلك بعدهما، قد نَظَر أئمَّةُ هذا الفنِّ في كِتابيهما، ووافَقوهما على تصحيحِ ما صَحَّحاه، إلَّا مواضعَ يسيرة نحو عشرين حَديثًا، غالبها في مُسلم، انتقدَها عليهما طائفةٌ مِن الحُفَّاظ» (١). ويقول ابن حجر: «جملة أقسام ما انتقده الأئمَّة على «الصَّحيح»، قد حرَّرتها، وحقَّقتها، وقسَّمتها، وفصَّلتها، لا يظهر منها ما يؤثِّر في أصل موضوع الكتابِ -بحمد الله- إلَّا النَّادر» (٢).

стр. 634

المَطلب الثَّاني تصدير الأمَّة للصَّحيحين فرعٌ عن نقد مُحقِّقيها لهما الحالُ أنَّ مَزيَّة «الصَّحيحين» وجَلالَتهما ثابتةٌ ثُبوتَ الجِبال الرَّواسي، «لا يُهوِّن مِن أمرِهِما إلَّا مُبتدِعٌ مُتَّبعٌ غيرَ سَبيلِ المؤمنين» (١)؛ وهذا الإجماعُ من علمائهم إنَّما هو على جمهورِ أحاديثِ «الصَّحيحين»، لا على كلِّ حرفٍ فيهما على حِدَة، هو في ذاته فضيلةٌ لم يبلغها غير الشَّيخان. والعاقل من النَّاس يعلم أنَّ مَن نَقدَ سبعةَ آلاف درهمٍ مُتنوِّعةٍ، أتَتَه مِن بلادٍ مُختلفة، فلم يَرُج عليه منها إلَاّ دراهمُ مَعدودة، «وهي مع هذا مُغيَّرةٌ ليست مَغشوشةً مَحضةً: فهذا إمامٌ في صَنعتِه! فالكِتابان سَبعة آلافِ حديثٍ وكَسر» (٢)، واشتمالُهما على أحرُف يَسيرةٍ خُولِفا فيها مِن حُذَّاقِ الفَنِّ لا يَعيبُهما في شيءٍ، بل مَحمدةٌ استحقَّا عليها التَّنويه من النُّقاد العارفين بوُعورة ما اشترطاه في كتابيهما، والتَّسليم للشَّيخين بالحِذقِ في هذا الفنِّ، ونُفوذ بَصيرتِهما في انتقاءِ المتونِ، وشِدَّة احتياطِهما في تَصحيحِ الأسانيد.

стр. 635

هذا لنفهمَ مُستندَ ما انْبَنى عليه قَبول الأُمَّةِ للكِتابين؛ لم يكُن أبدًا أمرًا اعتباطيًا أو ناشئًا عن تعصُّب، بل الإجماع المَذكور مَردُّه إلى اختبارِ المُتَخصِّصينَ وتَوافقهم في الحكمِ العامِّ عليهما؛ على خلاف ما ادَّعاه (جُولدْزيهر) من «أنَّ مِن الخطأ اعتقادُ أنَّ مَكانةَ هذين الكِتابين مَردُّها إلى عَدمِ التَّشكيكِ في أحاديثهما، أو نتيجةً لتحقيقٍ عِلميٍّ، فسُلطانُ هذين الكِتابين يَرجع لأساسٍ شَعبيٍّ لا صِلةَ له بالتَّدقيقِ الحُرِّ للنُّصوص، هذا الأساس هو إجماعُ الأمَّة» (١). ولم يكُن للمُتأخِّرون مِن حَمَلة الشَّرعِ أن يخفوا هذه النَّقدات «للصَّحيحين» ويطمسوها عن العامَّة -كما يفتريه بعض من يُلقي الكلام على عواهنه- بل على العكسِ من ذلك! نَراهم يُلقِّنونَنها صغارَ الطَّلَبةِ في حلقات التَّدريس لمتونِ المُصطلَح؛ لعلمهم بأنَّ ما أكْسَبَ «الصَّحِيحين» هذا القَبول العارم، ورَفَعَهما على سائرِ مُصَنَّفاتِ السُّنة، هو تَظافر المُحقِّقينَ على مُناقشتِهما، وفرز ما فيهما مِن عِلَل، وبلوغهم في تَقيِيمهما النِّسبةَ العاليةَ من حيث إصابةِ غرَضِ مُصنِّفيْهما. نعم؛ قد يَحجُب الرَّبَّانيُّون مِن العلماءِ على عَوامِّ النَّاسِ ذكرَ تفاصيل الخلافِ في أحاديثِ «الصَّحِيحَين»، ومَبعثَ كلِّ ناقدٍ في تعليلِه وطبيعتَه، فإنَّ أعْطانَ العَامَّة تَضيق عن استيعابِ ذلك في الغالِب! بل قد يَؤول إلى مَفسدةِ التَّشكُّك في هذا العلمِ وانتقاص أئمَّتِه! وهذا من البصائر الَّتي ضمَّنها أبو داود (ت ٢٧٥ هـ) رسالتَه لأهل مكَّة حين أوصاهم بقوله: « .. ضَررٌ على العامَّةِ أن يُكشَف لهم كلُّ ما كان مِن هذا الباب فيما مَضى مِن عيوبِ الحديثِ، لأنَّ عِلمَ العامَّة يَقصُر عن مثلِ هذا» (٢). وأجمل منه، ما أعقبَ به ابن رَجبٍ (ت ٧٩٥ هـ) هذه الوصيَّة حين قال: «هذا كما قال أبو داود، فإنَّ العامَّة تقصُر أفهامهم عن مثلِ ذلك، وربَّما ساَء
следующие страницы →