← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 224

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

هذه المواطن، ولو تنبَّه النَّاظر إلى أنَّ «الصَّحيحين» ليسا كتابي سرد للحديث المَحضٍ، بل هما من كتب التَّعليل أيضًا -ولو على قلَّته فيهما- لانحلَّت له الكثير من الإشكالات المنتشرة اليوم بخصوص بعض أسانيد الكتابين. أو يكون إيراد الشَّيخان للسَّند المُتكلَّم فيه رغبةً للعُلوِّ في الإسنادِ، ويكون أصلُ حديثه مَعروفًا مِن رواية الثِّقاتِ؛ وبهذا أجاب مسلمٌ أبا زُرعةَ الرَّازيَ (ت ٢٦٤ هـ) حين بَلَغه إنكاره روايته في «صَحيحِه المُسند» عن رُواةٍ ضعفاءَ، كأسباطِ بنِ نَصر، وقَطن بن نسير، وأحمد بن عيسى، حيث قال: «إنَّما قُلت: صَحيح، وإنمَّا أدخلتُ مِن حديثِ أسباطَ وقَطن وأحمد ما قد رَواه الثِّقات عن شيوخِهم، إلَّا أنَّه ربَّما وَقَع إليَّ عنهم بارتفاع، ويكون عندي مِن روايةِ مَن هو أوثقُ منهم بنزولٍ، فأقتصِرُ على أولئك، وأصلُ الحديث مَعروف مِن روايةِ الثِّقات» (١). وهذا كلُّه على فرضِ كونِ تلك التَّعليلات المُوجَّهةِ لأحاديث «الصَّحيحين» صحيحة في ذاتها! وإلَّا فإنَّ كثيرًا منها غير مُعتبر عند المُحقِّقين (٢). أو يكون المُعِلُّ لم يذكُر ما ظاهره التَّعليل إلَّا على وجهِ الاحتمالِ (٣). أو يكون إعلالهم يَسيرًا غير مُؤثِّر في أصل صحَّةِ الرِّواية، بحيث يكون الجوابُ عنه مُتَناولًا (٤).

стр. 632

وبعد هذا البيانِ بأكملِه، يأتينا اليومَ من جَهَلةِ الإماميَّة ومَن يحذو حذوَهم في عَداوةِ السُّنن، مَن يطعنُ في «الصَّحيح» باكتشافِ رواة ضعفاء في بعض أسانيدهما! وهم يجدون البخاريَّ نفسَه يضعَّفهم في كُتب التَّراجم! فاستعصى عليهم حلُّ هذه المعادلة، لفرطِ جهلِهم بمناهج التَّصنيف الحديثيِّ، ثمَّ جهلهم بأنَّ علماء الإسلام مُتَّفقون على أنَّ البخاريَّ ومسلما قد يخرجان للضَّعيف انتقاءً إذا ثَبَت ضبطُه لحديث معيَّن، بأدلَّةٍ مُعتبرة عندهم وقرائن، قد مرَّ ذكر بعضها آنفا (١). وأمَّا القسم الثَّالث: فأنْ يُخرجَ الشَّيخان الحديثَ المُتكلَّم فيه، وله شَواهد ضعيفة ضَعْفًا يَسيرًا. وهذا القسم أقلُّ القِسمين السَّابقين حَديثًا في «الصَّحِيحين»؛ فإذا انضَمَّ إليها ورودُها مِن أوجهٍ أخرى في أسانيدها ضَعف يَسيرٌ، فلا رَيب أنَّها تَتَقوَّى بمجموعها، ويكون أقلُّ أحوالها أن تُبوَّأ رُتبةَ الحُسن. ثمَّ على «تقديرِ توجيه كلامِ مَن انتقدَها عليهما، يكون قولُه مُعارِضًا لتَصحيحِهما، ولا ريبَ في تقديمِهما في ذلك على غيرهِما» (٢). وأمَّا القسم الرَّابع والأخير: فما أخرجَاه وأُعِلَّ بعِلَلٍ مُؤثِّرةٍ، لا يوجد له ما يُقوِّيه. وهذا القسم صحيح الأصلِ (في أغلبِه)، لكن وَقَع في أحاديثه زياداتٌ مُرسَلة، أو مُدرجة، أو وَهمٌ مَا (٣)؛ ولا يصل مَجموع أحاديثِ هذا القسمِ إلَّا إلى خمسة عشر حديثًا، أو قريبًا مِن ذلك (٤).

стр. 633

وفي هذا القسم يقول ابن تيميَّة: «كذلك التَّصحيح لم يُقلِّد أئمَّة الحديث فيه البخاريَّ ومسلمًا، بل جمهور ما صَحَّحاه كان قبلهما عند أئمَّة الحديث صَحيحًا مُتَلقًّى بالقَبول، وكذلك في عصرِهما، وكذلك بعدهما، قد نَظَر أئمَّةُ هذا الفنِّ في كِتابيهما، ووافَقوهما على تصحيحِ ما صَحَّحاه، إلَّا مواضعَ يسيرة نحو عشرين حَديثًا، غالبها في مُسلم، انتقدَها عليهما طائفةٌ مِن الحُفَّاظ» (١). ويقول ابن حجر: «جملة أقسام ما انتقده الأئمَّة على «الصَّحيح»، قد حرَّرتها، وحقَّقتها، وقسَّمتها، وفصَّلتها، لا يظهر منها ما يؤثِّر في أصل موضوع الكتابِ -بحمد الله- إلَّا النَّادر» (٢).

стр. 634

المَطلب الثَّاني تصدير الأمَّة للصَّحيحين فرعٌ عن نقد مُحقِّقيها لهما الحالُ أنَّ مَزيَّة «الصَّحيحين» وجَلالَتهما ثابتةٌ ثُبوتَ الجِبال الرَّواسي، «لا يُهوِّن مِن أمرِهِما إلَّا مُبتدِعٌ مُتَّبعٌ غيرَ سَبيلِ المؤمنين» (١)؛ وهذا الإجماعُ من علمائهم إنَّما هو على جمهورِ أحاديثِ «الصَّحيحين»، لا على كلِّ حرفٍ فيهما على حِدَة، هو في ذاته فضيلةٌ لم يبلغها غير الشَّيخان. والعاقل من النَّاس يعلم أنَّ مَن نَقدَ سبعةَ آلاف درهمٍ مُتنوِّعةٍ، أتَتَه مِن بلادٍ مُختلفة، فلم يَرُج عليه منها إلَاّ دراهمُ مَعدودة، «وهي مع هذا مُغيَّرةٌ ليست مَغشوشةً مَحضةً: فهذا إمامٌ في صَنعتِه! فالكِتابان سَبعة آلافِ حديثٍ وكَسر» (٢)، واشتمالُهما على أحرُف يَسيرةٍ خُولِفا فيها مِن حُذَّاقِ الفَنِّ لا يَعيبُهما في شيءٍ، بل مَحمدةٌ استحقَّا عليها التَّنويه من النُّقاد العارفين بوُعورة ما اشترطاه في كتابيهما، والتَّسليم للشَّيخين بالحِذقِ في هذا الفنِّ، ونُفوذ بَصيرتِهما في انتقاءِ المتونِ، وشِدَّة احتياطِهما في تَصحيحِ الأسانيد.

стр. 635

هذا لنفهمَ مُستندَ ما انْبَنى عليه قَبول الأُمَّةِ للكِتابين؛ لم يكُن أبدًا أمرًا اعتباطيًا أو ناشئًا عن تعصُّب، بل الإجماع المَذكور مَردُّه إلى اختبارِ المُتَخصِّصينَ وتَوافقهم في الحكمِ العامِّ عليهما؛ على خلاف ما ادَّعاه (جُولدْزيهر) من «أنَّ مِن الخطأ اعتقادُ أنَّ مَكانةَ هذين الكِتابين مَردُّها إلى عَدمِ التَّشكيكِ في أحاديثهما، أو نتيجةً لتحقيقٍ عِلميٍّ، فسُلطانُ هذين الكِتابين يَرجع لأساسٍ شَعبيٍّ لا صِلةَ له بالتَّدقيقِ الحُرِّ للنُّصوص، هذا الأساس هو إجماعُ الأمَّة» (١). ولم يكُن للمُتأخِّرون مِن حَمَلة الشَّرعِ أن يخفوا هذه النَّقدات «للصَّحيحين» ويطمسوها عن العامَّة -كما يفتريه بعض من يُلقي الكلام على عواهنه- بل على العكسِ من ذلك! نَراهم يُلقِّنونَنها صغارَ الطَّلَبةِ في حلقات التَّدريس لمتونِ المُصطلَح؛ لعلمهم بأنَّ ما أكْسَبَ «الصَّحِيحين» هذا القَبول العارم، ورَفَعَهما على سائرِ مُصَنَّفاتِ السُّنة، هو تَظافر المُحقِّقينَ على مُناقشتِهما، وفرز ما فيهما مِن عِلَل، وبلوغهم في تَقيِيمهما النِّسبةَ العاليةَ من حيث إصابةِ غرَضِ مُصنِّفيْهما. نعم؛ قد يَحجُب الرَّبَّانيُّون مِن العلماءِ على عَوامِّ النَّاسِ ذكرَ تفاصيل الخلافِ في أحاديثِ «الصَّحِيحَين»، ومَبعثَ كلِّ ناقدٍ في تعليلِه وطبيعتَه، فإنَّ أعْطانَ العَامَّة تَضيق عن استيعابِ ذلك في الغالِب! بل قد يَؤول إلى مَفسدةِ التَّشكُّك في هذا العلمِ وانتقاص أئمَّتِه! وهذا من البصائر الَّتي ضمَّنها أبو داود (ت ٢٧٥ هـ) رسالتَه لأهل مكَّة حين أوصاهم بقوله: « .. ضَررٌ على العامَّةِ أن يُكشَف لهم كلُّ ما كان مِن هذا الباب فيما مَضى مِن عيوبِ الحديثِ، لأنَّ عِلمَ العامَّة يَقصُر عن مثلِ هذا» (٢). وأجمل منه، ما أعقبَ به ابن رَجبٍ (ت ٧٩٥ هـ) هذه الوصيَّة حين قال: «هذا كما قال أبو داود، فإنَّ العامَّة تقصُر أفهامهم عن مثلِ ذلك، وربَّما ساَء

стр. 636

ظنُّهم بالحديثِ جملةً إذا سمعوا ذلك، وقد تسلَّط كثيرٌ مِمَّن يطعَنُ في أهلِ الحديثِ عليهم بذكرِ شيءٍ مِن هذه العِلَل، وكان مَقصوده بذلك الطَّعن في الحديثِ جملةً والتَّشكيك فيه» (١)!

стр. 637

المَطلب الثَّالث كلام المتقدِّمين في «الصَّحِيحَين» أغلبُه في رسوم الأسانيدِ دون رَدٍّ للمتون بتتبُّعِ الانتقاداتِ المُوجَّهة مِن أئمَّة العِلَل إلى أحاديثِ «الصَّحيحين»، والَّتي تبلغُ في مَجموعِها زهاءَ (عِشرينَ وأربعمائةِ) حديثٍ مُتكَلَّمٍ فيه (١)، نجد أغلبَ هذه الإعلَالاتِ مُتَّجه إلى الصّنعةِ الإسناديَّةِ البَحتةِ (٢). وذلك أنَّا رأينا الدَّارقطنيَّ وغيرَه يَتكلَّمون في سَندٍ مُعيَّنٍ، ومِن وجهٍ خاصٍّ لا مُطلقًا، كأنْ يُعِلُّوا طريقًا أو روايةَ شيخٍ بعينِه، خَلَّط في إسنادِه، أو زادَ راوِيًا أو أسقطَه تَوهُّمًا، أو أنَّه مُدلِّس، وفيه ضَعف، أو أنَّ الإسنادَ مُضطَربٌ، أو مُرسَل، أو مَوقوف .. إلخ (٣)؛ فأكثر استدراكاتِهم على الشَّيخينِ إنَّما هو قَدحٌ

стр. 638

في بعض ما أورداه من أسانيدِ (١)، غيرُ مُخرجٍ لمتونِ الحديثِ مِن حَيِّز الصِّحة (٢). أمَّا كلام النُّقاد في ذات المتونِ فقليلٌ جدًّا، وهو مع ذلك مُتَّجِه في أكثرِه إلى طَرفٍ مِن المتنِ لا أصله، كوَهمٍ في لفظٍ، أو شذوذِه، أو قَلْبٍ فيه ونحو ذلك (٣)؛ اللَّهم إلَّا في النَّادرِ من الحديث، وهم في ذلك يُرجعون خلل المتن إلى سببه في الإسناد. فأين هذا مِن منهجِ مَن يَروغُ على أحاديثِهما ضَرْبًا باليَمينِ لأدنى إشكالٍ يَتَوهَّمه في متونِهما، ولا هو يُبالي بالنَّظر إلى مَكمنِ الخَلل في إسنادِه؟!

стр. 639

المَبحث الرابع التَّفاوت الفسيح بين منهجِ المُتقدِّمين وطُرق المُعاصرين من غير ذوي الأهليَّة في تعليلِ «الصَّحيحين» مِمَّا يتأكدُّ التَّذكير به ابتداءً قبل استجلاء أوجه الاختلاف بين الفريقين: أنَّ الَّذي يُسوِّي في أيٍّ عِلمٍ كان، بين الرَّجلِ المَعروفِ بالعلمِ به والدِّقةِ فيه والسَّعيِ في تحصيلِه، والمَهارةِ البَحثيَّةِ المُكتسبَةِ فيه عبر أزمان مَديدةٍ، وشهادةِ النَّاس له بالدِّينِ والصِّدقِ في الطَّلَب؛ ومَن هو دونَه مِمَّن تخلَّفَت عنه هذه الأوصاف، بجامعِ أنَّ الكلَّ بَشَر يُصيب ويُخطئ؛ إنَّ التَّسويةَ بين هذين في العلومِ لمِن أفسدِ القياس! والسَّببُ في ما ابتُليت به الأمَّة من هذه الفوضى في استصدار الأحكام، والعبث بمصادر تشريعها. فهذا الصِّنفِ الثَّاني لا يحِقُّ له التَّبجُّح بنَقداتِ الفُحولِ القُدامى للتُّراث مِمَّن سبق ذكرهم، ولا التَّعذُّرَ بسابقِ نَظراتِهم في مرويَّات السُّنة، بل كان الأستَر لهمُ التَّحايَدُ عن هذا المَسلكِ بالمرَّة! إذ حادوا عن جادتهمِ تَنظيرًا وتطبيقًا، وذلك مِن عِدَّة وجوه: الوجه الأوَّل: حِيادُهم عن منهجِ المُتقدِّمين في الصِّناعةِ الحديثيَّة وأصولها، وعدم مُراعاتِهم للضَّوابطِ الآليَّةِ الَّتي التزموها في النَّقدِ، وتراميهم على نقد المتون -أو ما يسمِّيه بعضهم بالنَّقد الدَّاخلي- دون مراعاة لأحوال الأسانيد ومراتب الرُّواة وحيثيَّات الرِّواية؛ ومَردُّ ذلك إلى اختلافِ الرُّؤى الفكريَّة بين الفَرِيقين،

стр. 640

والمَقصِد من النَّظرِ في السُّنة ومرتبتها في التَّشريع؛ ما أدَّى إلى تباينٍ في المَعايير النَّقديَّة المُحدِّدة للمقبول منها والمَردود. فلمَّا تَنافَرت هاتان المَنهجيَّتان الصِّناعيَّتان في نقد السُّنة، تَوَسَّعت رُقعةُ المَنقودِ المَنقوض منها عند هؤلاء المُحْدَثين لصِحاحِها، حتَّى بَلغوا بها قراطيسَ غَفيرة! في الوقت الَّذي ضاقَ فيه الباب على المُتقدِّمين لنَقدِ «الصَّحيحين»، فلم يُعِلُّوا فيهما إلَّا أحاديث مَعدودة، نظرًا لانضباطِهم بأنظار دقيقةٍ للأخبار، ضاقت صدورُ المُعاصرين عن دَرْكِ مآخِذها، وضبطِ قواعدِها (١). الوجه الثَّاني: جهلُهم بمناهجِ الأئمَّةِ المُتقدِّمين في التَّعليلِ والتَّخريجِ والاعتبارِ، وضَعفُ تَصوُّرِهم لكثيرٍ مِن مَسائِل «علمِ الحديث»، أوقعَهم في خَطايا عِلميَّةٍ جسيمةٍ في أحكامهمِ على الأحاديثِ المَدروسةِ (٢). الوجه الثَّالث: غفلتُهم عن طُرق المُتقدِّمين ومقاصدهم من التَّصنيفِ؛ كما نراه من توهُّم بعضِ المُتعجِّلين أنَّ صاحِبَي «الصَّحيحين» إنَّما أخرجوا كلَّ حرفٍ

стр. 641

فيهما على وجهِ التَّصحيحِ والاحتجاجِ به! والواقع أنَّهما يُخرِجان ما يَعْلَمان عِلَّتَه أحيانًا، لمقاصد لا تخفى على المُتَمَرِّسينِ بأساليبِ المُحَدِّثين في التَّأليف. الوجه الرَّابع: تَحايُدهم -في الجملة- عمَّا تستوجبه المنهجيَّة العلميَّة الرَّصينة مِن الإنصاف والموضوعيَّة في نقدِ «الصَّحِيحين»؛ فإنَّ أئمَّة العِلل لا يُغمطون في غَرَضِهم مِن نَقدِ السُّنَنِ بسَببِ عَداوةٍ مَذهبيَّةٍ أو شَخصيَّة؛ بل تجد جبلًا مثل الدَّارقطنيَّ يخطِّئ البخاريَّ في حديث ما، لكن يُصوِّب حكمَ البخاريِّ في آخر مُختلَفٍ عليه بين النُّقاد. فالإشكال أنَّ دَوافع المتأخِّرين مِمَّن ترامَوا على الصَّحيحين بالطَّعن، غالبًا ما يَكتنِفُها الانحيازُ إلى المَذهبِ العَقديِّ أو التَّيار الفِكريِّ؛ يكفي الحَصيف أن يفهم هذا مِن لَحْنِ تَصريحاتِهم في حَقِّ السُّنةِ؛ فلقد سَالَت البغضاءُ مِن أقلامِهم وما تُخفِي صدورُهم أكبر! هذه البواعث الإيديلوجيَّة هي بحَقٍّ مِن أبرزِ إشكالاتِ الفِكر الحديثِ في نَقدِه للتُّراثِ الإسلاميِّ؛ تَرى الواحد من الإماميَّة يَردُّ كلَّ حديثٍ يُخالف اعتقادَه برِدَّةِ الصَّحابة ﵃ ولزوم الوَصيَّة لعليٍّ ﵁! والإِباضيَّ يضَعِّف من السُّنةِ كلَّ أصلٍ لا يجده في حَفنةِ الكُتب الَّتي ورثها من أسلافه، وآخرَ جهميًّا غالٍ في تَكذيبِ كلِّ أثرٍ يَهدم مَذهبَه في تعطيل الصَّفات؛ وذاك حَداثيٌّ سَاخطٌ على التُّراثِ وكلِّ إسلاميٍّ قديم؛ .. وهَلُمَّ جَرًّا، فيحملهم تعصُّبهم هذا للطَّائفة على تنقص قدر الشَّيخين في نقد المتون لروايتهما ما يخالف قولَهم. وأمَّا الوجه الأخير: فإنَّ الألفاظَ نفسَها المُستعمَلة في نَقدِ «الصَّحيحين» متنافرة فيما بين الفريقين! فبينما نجِدُ تقديرًا مِن علماء الحديث والفقه للخِلافِ والمُخَالَف أثناءَ نقدهم لبعض مرويَّات الكتابين، وقَبولَهم الاحتمالَ فيها بلطيفِ العِبارات، وتخيُّرِ أنسبِ النَّقداتِ في أوجُهِ التَّعليلات، كقولِهم: هذا أشبه، وهذا أصَحُّ، وهذا خالَفه

стр. 642

فلان، والأرجح عندي كذا، ونحو هذه العباراتِ المُحتاطةِ؛ نُصعَق في مقابلها مِن كمِّ شراسة ألفاظ الطَّاعنين المُعاصرين، وتكذيبِهم الفجِّ للأخبار المُتَّفق على صحَّتها، بلغةٍ جازمةٍ وساخرة، مع التَّجنِّي على الشَّيخينِ بشَتَّى الاتِّهاماتِ والتَّهكُّماتِ. وكلُّ إناءٍ بما فيه يَنضح! يقول الحجْويُّ: «الَّذين انتقدوا الصَّحيحين -كالدَّراقطنيِّ- لم يجرؤوا أن يقولوا في حديثٍ واحدٍ أنَّه مَوضوع، أو لم يقُله النَّبي ﷺ ، أو قالوا في راوٍ واحدٍ من رُواتهما وضَّاع أو كذَّاب! أو أنَّه مِن أهل الإلحادِ الَّذين أسلموا كرهًا! وصاروا يكيدون للإسلام بالزِّيادة في السُّنة! كما قال هذا الزَّاعم نقلًا عن الشَّيخ عبدُه المصريِّ؛ فهذه مَقالةٌ مُخترعة، لم يجسُر أحدٌ أن يطعنَ بها في الصَّحيحين، بل ولا سمعنا أحدًا تجاسَر وقال ذلك» (١). فكان على ما بيَّناه قبيحًا بهؤلاء المُحْدَثين أن يتذرَّعوا بنَقداتِ الأئمَّة وتعليلهم لبعض ما في «الصَّحيحين»، لتبايُن ما بينهما في المكانة والمنهج والآلةِ والأغراض. وسيزيد انكشاف هذا التَّباين بذكر أمثلة ذلك من تعليلات الأئمَّة الأربعة لبعض أخبارهما، لكثرة ما ينقُله المُعاصرون عنهم في هذا البابِ، بعد أن تكلَّمنا إجمالًا عن أئمَّة الحديث المُتقدِّمين، لتستبين المَحجَّة على أنَّ هؤلاء الأعلام يا بُعدَهم عن عبث المُعاصرين! فأقول مُستعينًا بالله تعالى:

стр. 643

المَبحث الخامس نقد احتجاجِ المُعاصرين على طعنِهم في أحاديث «الصَّحيحين» بالأئمَّة الأربعة

стр. 644

المَطلب الأوَّل دراسة ما أعلَّه أبو حنيفة النُّعمان (ت ١٥٠ هـ) وهو في «الصَّحيحين» بلغَت أحاديث «الصَّحيحين» الَّتي يُدَّعَى على أبي حنيفة طعنُه فيها سِتَّةَ أحاديث، نأخذها واحدةً تلو الأخرى، لنستبين حقيقةَ دعوى اتِّباعه في إنكارِ المتون إذا صحَّت أسانيدها، والمنهجَ الَّذي يُعامل به هذا الإمام مَنقولاتِ السُّنة، فنقول: الفرع الأوَّل: دراسة ما نُسب إلى أبي حنيفة إعلالُه في أحد «الصَّحيحين». الحديث الأوَّل: أخرج الشَّيخان عن أنس بن مالك ﵁ قال: عَدا يهوديٌّ في عهدِ رسول الله ﷺ على جارية، فأخذ أوضاحًا كانت عليها، ورضخَ رأسها، فأتى بها أهلُها رسولَ الله ﷺ وهي في آخر رَمق وقد أُصمتت (١)، فقال لها رسول الله ﷺ : «مَن قَتلك؟ فلان؟» -لغيرِ الَّذي قَتلها- فأشارت برأسها: أن لا،

стр. 645

قال: فقال لرجلٍ آخر غير الَّذي قَتلها، فأشارت: أن لا، فقال: «ففُلان؟» لقاتلِها، فأشارت: أن نعم، فأمرَ به رسول الله ﷺ ، فرضخَ رأسَه بين حَجرين (١). هذا الحديث ادَّعى (زكريَّا أوزون) (٢) و (إسماعيل الكرديُّ) (٣) و (جمال البَنَّا) (٤) أنَّ أبا حنيفةَ رَدَّه لمُعارضتِه ما هو مَعروفٌ في الشَّرعِ من قتلِ المَقتولِ مِن غير بيِّنةٍ، وينقلون عنه أنَّه قال فيه: «إنَّه هَذَيان» (٥)! ومثل هذا لا يثبُت عن أبي حنيفة، حيث جاء عنه من طريقين: الأوَّل: من طريق زكريَّا السَّاجي، عن عصمة بن محمد، عن العباس بن عبد العظيم، عن أبي بكر بن أبي الأسود، عن بشر بن المفضل، أنَّه سأل أبا حنيفة .. إلخ الكلام (٦). وزاد ابن عبد البرِّ في سنده مع عصمة هذا: سعيد بن محمد بن عمرو (٧). وكلاهما عصمة وسعيد لم أجد لهما ترجمة، والرَّاجح أنَّهما غير مَعروفين، فلا تقوم بمثلهما حجَّة. والثَّاني: من طريق محمَّد بن عمر بن بهتة، عن أحمد بن محمَّد بن سعيد المعروف بابن عقدة الكوفي، عن موسى بن هارون بن إسحاق، عن العبَّاس بن عبد العظيم بنفس الإسناد الأوَّل (٨).

стр. 646

وابن عقدة -مع حفظِه وإكثاره من الرِّواية- قد ضَعَّفه الدَّارقطني (١)، وكان من أعلمِ النَّاس به مِمَّن أخذ عنه؛ بل رَماه بالإكثار من المناكير (٢)، وقال: «لم يكنْ في الدِّينِ بالقويِّ، ولا أزيدُ على هذا» (٣)؛ ومن ثَمَّ خلُص الذَّهبي إلى كونه «صاحب تصانيف، على ضعفٍ فيه» (٤). والَّذي يتحرَّر عندي مِن مجموع ما قيل في ابن عقدة، من سرقة للكُتب، والأمر بالكذب وبناء الرِّواية عليه: «أنَّ الرَّجل ليس بعُمدة» (٥)، وبخاصَّة فيما يُستغرَب متنه أو ينفرد به، كحال هذه الحكاية عن أبي حنيفة؛ ومِمَّا يَشهدُ لبُطلانِها: أنَّ أحدًا من تلاميذ أبي حنيفة لم يذكرها عنه، فلذا لم يعتمدها الحَنفيَّة في كُتبِ المَذهب. وهذا (الكرديُّ) نفسُه، يعلمُ بطعنِ أعلامٍ من الحنفيَّة في هذه الحكايةِ ونقلها، ومع ذلك يُصرُّ على التَّهويشِ بها في كتابِه ذاك! ليصدُقَ عليه قولُ (الكوثريِّ) عقب ردِّه لهذا الهَذيان عن إمامه: «حَاشا أن يقول في حديثٍ صَحَّ عنده: هذا هَذيان؛ وهو نَزيهُ اللِّسان في مخاطبتِه للنَّاس، فكيف يقول هذا في مثل هذا الموقف؟! .. وبعدَ استذكارِ ما في سنِدِه مِن وجوهِ السُّقوط، لا تشُكَّ لحظةً أنَّ الهاذي هو مَن ينسِب الهذيانَ إليه بمثل هذا السَّند» (٦). وأمَّا عن أئمَّة الحنفيَّةِ: فليس في وَدْعِهم الاحتجاجَ بهذا الحديثِ في بابِ القَصاص ما يدلُّ على ردِّه، كما يَدَّعيه مَن لم يَدر مآخذ أقوال الفقهاء ومَناطاة أحكامهم؛ فإنَّ الحنفيَّة يُصَحِّحونه أيضًا تبعًا لأهل الحديث؛ ولكنْ مذهبُ إمامهم أنَّ القَصاص لا يكون إلَّا بالسَّيف، لأدلَّة خاصَّة مُقدَّمة عندهم في هذا الباب،

стр. 647

وهم يُخرِّجون حديث الرَّضخِ: إمَّا على النَّسخ، أي بنسخِ المُثْلَة، أو على أنَّه خاصٌّ بقُطَّاعِ الطُّرق (١). والمُؤسِف حقًّا: أنَّ مَن ذكرتُ آنفًا مِن بعض المُعاصرين لجهلِهم بمناهجِ الأئمَّة في التَّصنيفِ، ادَّعوا أنَّ الحديث فيه إقامة للحدِّ على مُتَّهم من غير إقامة بيِّنة سوى إشارة المقتولة، فتوجَّهوا بإنكار رواية الحديث الَّتي في غيرِ مَوضِعه الأصليِّ من «صحيح البخاريِّ»، وهو كتاب الطَّلاق، وشَنَّعوا على البخاريِّ ما اختارَه في ذلك الموطِن من لفظِ مُختصَرٍ للحديث، وأنَّه يخلو مِن اعترافِ القاتل بالقتل؛ وتَجاهلوا باقي المواضِع الثَّلاثة الأخرى في «صَحيحِه» الَّتي فيها ذكرُ هذا الاعتراف في نصِّ المتن! والباعث للبخاريِّ لإخراج تلك الرِّواية النَّاقصة في كتاب الطَّلاق: عادته في ذكره تحت كلِّ بابٍ ما يَتَعلَّق به مِن أحاديث تامَّة يُخرجها مناسبة لتراجمها، وإذا احتاج لحديث منها في باب آخر، فإنَّه يُخرجه فيه مقتصرا على موضع الشَّاهد منه. وجملة الاعترافِ في الحديث قد ذَكَرها البخاريُّ في أبوابِ الحدودِ، حيث بَوَّب فيه على الحديث بِبابين: باب: «سؤال القاتل حتَّى يقرَّ، والإقرار في الحدود» (٢)، وباب: «إذا أقرَّ بالقتل مرَّة قُتل به» (٣)؛ فلمَّا جاء إلى كتاب الطَّلاق، اختصَرَ الرِّوايةَ هناك، واقتصَرَ على الشَّاهِد منها المتعلِّق بموضوع الطَّلاقِ. والحاصل أنَّ أبا حنيفة بريء من الطَّعن في هذا الحديث، فضلًا عن ازدراءه.

стр. 648

الحديث الثَّاني: ادَّعى (الكرديُّ) (١) و (جمال البنَّا) (٢) إعلالَ أبي حنيفة لِما اتُّفق عليه من حديث عبد الله بنِ عمر ﵁ في رفعِ اليدين عند الرُّكوعِ والقيام منه، وتقديمَه حديثَ ابن مسعود ﵁ عليه، في قوله: «صلَّيتُ مع النَّبي ﷺ ، ومع أبي بكر، ومع عمر، فلم يرفعوا أيديهم إلَّا عند التَّكبيرة الأولى في افتتاح الصَّلاة» (٣). وهذه دعوى غير صحيحة عن الإمام، فليس المَنقول عنه إلَّا أنَّه لم يكُن يَرى رفع اليَدين، فإنَّه وأهلَ الكوفةِ اقتصروا على ما بَلغَهم مِن تَركِ ابن مسعودٍ ﵁ للرَّفعِ (٤)، وغيرُ لازمٍ من عدمِ عمل العالمِ بالنَّصِ تضعيفه (٥)، ولكن لم تبلغهم باقي الأحاديث في سُنيَّةِ الرَّفعِ؛ وهذا كافٍ في الاعتذارِ لأبي حنيفة عن دعوى إنكارِ الحديث في ذلك. وفي تقرير هذا العُذر له، يقول ابن تيميَّة: «أمَّا رفعهما عند الرُّكوعِ والاعتدال مِن الرُّكوع فلم يَعرفه أكثرُ فقهاءِ الكُوفة، كإبراهيم النَّخعي، وأبي حنيفة، والثَّوري، وغيرهم، وأمَّا أكثر فقهاء الأمصار وعلماء الآثار، فإنَّهم عَرفوا ذلك، لِما استفاضت به السُّنة عن

стр. 649

النَّبي ﷺ ، كالأوزاعيِّ، والشَّافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبي عبيد، وهو إحدى الرِّوايتين عن مالك» (١). الحديث الثَّالث: ما اتَّفق عليه الشَّيخانِ من حديثِ زيدِ بن ثابت ﵁: «أنَّ رسول الله ﷺ رخَّص في العَرايا (٢) في أن تُباع بخَرصِها كَيلًا» (٣). فقد زَعَم (الكرديُّ) أنَّ هذا الحديث مَرويٌّ مِن طريق زيد بن ثابت ﵁ وحده، وأنَّ «أبا حنيفةَ وأصحابه ردُّوا ذلك الخبرَ، لأنَّه مُخالف للقياس، إذ هو مِن الأموالِ الرِّبَويَّة، فلا يجوز إلَّا مِثلًا بمِثلٍ، ويحرُم فيه رِبا الفَضل، وفي بَيعهِ بالخرصِ مَظنَّة الرِّبا، وشُبهة الرِّبا تَعمل كالرِّبا، فتُوجب التَّحريم» (٤). وحديث التَّرخيصِ في العَرايا -على نقيضِ ما ادَّعاه- لم يَنفرد به زيد بن ثابت، بل هو ثابتٌ عن أبي هريرة أيضًا (٥)، وغيرهما مِن أصحابِ النَّبي ﷺ (٦). ثمَّ إنَّ أبا حنيفةَ لم يرُدَّ الحديث لمخالفتِه الكتابَ والسُّنة المشهورةَ -كما هي دعوى (محمَّد أبو زهرة) أيضًا (٧) - فهذا الطَّحاوي وهو الأعلمُ بالمَنقولِ عن

стр. 650

أبي حنيفةَ ومَذهبِه يقول: «جاءت هذه الآثار عن رسولِ الله ﷺ وتَواترت في الرُّخصةِ في بَيعِ العَرايا، وقَبِلَها أهل العلمِ جميعًا، ولم يَختلفوا في صحَّةِ مَجيئها، وتَنازعوا في تأويلِها» (١). فالتَّأويل الفِقهيُّ للحديث هو مَحلُّ الخِلاف بين أبي حنيفةَ والفقهاء لا صِحَّته، حيث نزعَ الحنفيَّة بالحديثِ إلى مَعنى الثَّمرِ الَّذي وَهبه صاحبُه، وهو ما زال في رؤوسِ النَّخل، ثمَّ تَراجع عن هِبَته، لتَحرُّجِه مِن دخول المَوهوبِ له بُستانَه أو لنحوِ ذلك، فيُباح له أن يُعطِيَه بَدَله بخَرْصِه تمرًا. واستبعدَ أبو حنيفة أن يكون المُراد بالعَرايا فيه بيعُ الرُّطبِ على رؤوسِ النَّخلِ بالتَّمر خَرْصًا (٢)؛ فردَّ أن يكونَ معنى التَّرخيصِ هنا داخلًا في البيوع، بل في معنى الهِبَة، توفيقًا منه بين هذا الحديثِ وحديثِ النَّهيِ عن المُزابنةِ (٣). ولا شكَّ أنَّ هذا التَّأويل كلَّه مِن أبي حنيفةَ فرعٌ عن تصحيحِه الخَبر. الحديث الرَّابع: عن أبي هريرة ﷺ عن النَّبي ﷺ قال: «لا تُصَرُّوا (٤) الإبلَ والغنمَ، فمَن ابتاعها بعدُ فإنَّه بخير النَّظَرَيْن بعد أن يحتلِبها: إن شاءَ أمسَكَ، وإن شاء رَدَّها وصاعَ تمرٍ» (٥). فقد نَسبَ (الكرديُّ) إلي أبي حنيفة الإعراضَ عن هذا الحديثِ (٦)، و «يُبرِّر

стр. 651

فخرُ الإسلامِ البزدويُّ الحنفيُّ عدمَ اعتمادِ الأحنافِ هذا الخبَرَ بأنَّه مُخالفٌ للقواعدِ والأصول» (١). والحديث لم يَتفرَّد به أبو هريرة -كما أوهمه (الكرديِّ) في مَعرض كلامِه- بل رواه معه ابن عمر، وأنس، وعمرو بن عوف، وأفتى بمُوجِبه ابن مسعود وأبو هريرة، ولا مُخالف لهؤلاء مِن الصَّحابة، وقال به مِن التَّابعين ومَن بعدهم مَن لا يُحصى عددًا، وبظاهرِه أخَذَ جمهور الفقهاء (٢). ثمَّ الأحناف أنفسُهم لم يتَّفقوا على تركِ العَملِ به، فقد أخَذَ به زُفَر، وأبو يوسف في روايةٍ (٣). وما أُثِر عن أبي حنيفةَ تركُه لهذا لحديث، فهو مِن جهة العَمل بظاهِرِه لا غير، وقد حكى ابن عبد البرِّ عن بعضِ أصحابِه أنَّ مُستند تركِه العمَلَ به كونُه مَنسوخًا (٤)، والقول بنسخ الخبر فرع تصحيحِه. يؤكِّد هذا قول الطَّحاويِّ: «ذَهبوا -يعني الحَنفيَّة- إلى أنَّ ما رُوِيَ عن رسولِ الله ﷺ في ذلك مَنسوخٌ، فرُوِي عنهم هذا الكلام مُجمَلًا، ثمَّ اختُلِف عنهم مِن بَعدُ في الَّذي نَسَخَ ذلك ما هو .. » (٥)؛ والله أعلم. الحديث الخامس: أخرجَ الشَّيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن أدركَ مالَه بعَيْنِه عند رجلٍ -أو إنسانٍ- قد أفلَسَ فهو أحَقُّ به مِن غيره» (٦).

стр. 652

قال الكرديُّ: «ورَدَّ أبو حنيفة الحديث المَرويَّ عن أبي هريرة وحدِه، أنَّ رسول الله ﷺ قال .. » وذكر الحديث (١)؛ وتَبِعه على هذه الدَّعوى (جمال البنَّا) (٢). ولم يَرِدْ عن أبي حنيفةَ التَّنصيصُ على ردِّ الحديث، إنَّما الوارد عنه وأصحابِه تأويلُه، وذلك أنَّ الحديث عندهم يحتملُ مَعْنَيين: المعنى الأوَّل: أن يكون استردادُ هذا المالِ بعد أن انتقلت مِلكيَّتُه إلى الَّذي أفلسَ بعدُ؛ فهذا المعنى مَردودٌ عندهم، لأنَّها لم تَعُد في مِلكيِّة البائعِ حتَّى يَحِقَّ له استرجاعُها بعَيْنِها. والمعنى الثَّاني: أنَّ المُفلِسَ لم يَتَملَّك ذلك المالَ أصلًا، فقد جاء فيه قوله: « .. فأصابَ رجلٌ مالَه بعينِه»، وإنَّما مالُه بعينِه يَقعُ على المَغصوبِ والعَواري والوَدائع وما أشبه ذلك، فذلك مالُه بعينِه، فهو أحقُّ به مِن سائرِ الغُرمَاء؛ أمَّا المَبيع: فلم يَبقَ بالبيعِ مِن أموالِه حقيقةً! وكان حملُ الكلامِ على الحقيقةِ أولى (٣). وهذا المعنى هو المُراد عند الحَنفيَّةِ مِن حديثِ أبي هريرة ﵁، توفيقًا منهم بينه وقواعدِ الباب وباقي الآثارِ فيه (٤)؛ فبانَ بذا بأنَّهم يُصحِّحون الحديثَ بدليلِ تأويلِه.

стр. 653

بيدَ أنَّ المعنى الأوَّل الَّذي استبعدوه، قد جاء التَّأكيد عليه في ألفاظٍ أخرى صحيحةٍ للحديث ورَدَ فيها لفظ (البيعِ) صراحةً، بمعنى أنَّ المَتاعَ خَرَج مِن البائع إلى مُلكِ المُشتري الغارِم حَقيقةً، فأذِنَ النَّبي ﷺ للبائِع أن يُعيدَ تملُّكَه بعينِه إذا أفلَس المُشتَرِي، كما في قوله ﷺ مثلًا: «أيمُّا رجلٍ باعَ مَتاعًا، فأفلسَ الَّذي ابتاعَه منه، ولم يَقبِض الَّذي باعَه مِن ثمنِه شيئًا، فوَجَده بعينِه، فهو أحقُّ به» (١). وظنِّي بأبي حنيفةَ أن لو وقفَ على مثلِ هذه الرِّواياتِ الصَّحيحِة سندًا، والصَّريحة دلالةً على هذا المعنى، لتَركَ قولَه الآخر، ولأذعَنَ لسنَّةِ نَّبيِّه ﷺ دونما تَردُّدٍ؛ وهذا عينُ ما ظنَّه الطَّحاويُّ بإمامِه؛ فبعد أن رَجعَ الطَّحاويُّ عن القولِ بمَذهبِ إمامِه أبي حنيفةَ في هذه المسألة، قال في تقريرٍ له يَصلُح مثالًا لحُسنِ التَّجرُّدِ للحقِّ وتركِ التَّعصُّب للأشياخِ: « .. وقد كُنَّا نقول في هذا الحديث: إنَّ قول رسول الله ﷺ فيه: « .. فوَجَد رجلٌ مالَه بعينِه»: أنَّ ذلك قد يحتملُ أن يكون أُريدَ به الودائعُ والعَواري، وأشباههما الَّتي مَلَك واجِدِها قائمٌ فيها، ليست الأشياء المَبيعات الَّتي ليست لواجدِها حينئذٍ، وإنَّما هي أشياء قد كانت له، فزالَ مُلكه عنها، كما يقول أبو حنيفة وأصحابه في ذلك. وقد كان بعض النَّاس مِمَّن يذهب في ذلك مَذهب مالك ومَن تابعه، على قولِه في ذلك، يحتجُّ علينا في ذلك (٢)، وكُنَّا لا نرى ذلك حُجَّةً له علينا في خلافِنا إيَّاه الَّذي ذَكرنا، لانقطاعِ هذا الحديث .. ».

стр. 654

ثمَّ أقرَّ بأنَّه استدرَكَ على ما كان قاله آنفًا، بما حُدِّث به مِن هذا الحديثِ مَوصولًا مِن الثِّقاتِ، فقال: « .. فقَوِيَ بذلك هذا الحديث في قلوبِنا، لمَّا اتصَّل لنا إسناده عن رسولِ الله ﷺ كما قد ذَكرنا .. فلم يَسَع عندنا خِلافُ هذا الحديث لمِن بَلَغه، ووَقَف عليه مِن هذه الوجوهِ المَقبولةِ خلافه، ورجعنا في هذه المعاني المَرويَّة فيه إلى ما كان مالِكٌ يقولُه فيها، وعَذَرنا مَن خالَفَها في خلافِه إيَّاها، إنمَّا كان ذلك منه لأنَّها لم تَتَّصل به هذا الاتِّصال، ولو اتَّصَلَت به هذا الاتِّصال، وقامَت عنده كمِثلِ ما قامت عندنا: لمَا خالَفَها، ولرَجَع إليها وقال بها» (١). الحديث السادس: أخرج البخاريُّ عن أبي جحيفة قال: قلت لعليٍّ ﵁: هل عندكم شيءٌ مِن الوَحيِ إلَّا ما في كتابِ الله؟ قال: «لا والَّذي فَلَق الحَبَّة، وبَرَأ النَّسمة، ما أعلمُه إلَّا فهمًا يُعطيه الله رجلًا في القرآن، وما في هذه الصَّحيفة»، قلتُ: وما في الصَّحيفة؟ قال: «العَقل، وفكاكُ الأَسِير، وأنْ لا يُقتَل مسلمٌ بكافرٍ» (٢). قال (محمَّد الغزاليُّ): «أبو حنيفة يَرى أن مَن قاتَلَنا مِن أفرادِ الكُفَّار قاتلناه، فإنْ قُتل فإلى حيث ألْقَت، أمَّا مَن له ذِمَّة وعهدٌ، فقاتِلُه يُقتَصُّ منه، ومِن ثَمَّ رَفَضَ حديثَ: «لا يُقتَل مسلمٌ في كافر»، مع صِحَّةِ سندِه، لأنَّ المَتن مَعلول بمخالفتِه للنَّصِ القرآنيِّ» (٣). قلت: لم يَرفُض أبو حنيفة هذا الحديث، ولا أعَلَّ متنَه بمخالفةِ القرآن كما ادَّعى الغَزاليُّ؛ وإنَّما حملَه أبو حنيفة وأصحابُه على السِّياقِ الآخر لحديث عليٍّ ﵁: « .. لا يُقتَل مؤمنٌ بكافر، ولا ذو عهدٍ في عهدِه» (٤)، فإنَّ هذه الرِّواية

стр. 655

أتَمُّ مِن الأولى، وهي عندهم على «التَّقديمِ والتَّأخيرِ في المعنى: أي لا يَقتل مؤمنٌ ولا ذو عهدٍ في عهدِه بكافرٍ؛ فيكون الكافر المُراد بذلك هو: الكافر غير ذي العَهد» (١). فالمُراد -إذن- بالكافر: الحَربيُّ، لأنَّ الكافر عندهم متى أُطلِق، يَنصرِفُ إلى الحربيِّ عادةً وعُرْفًا، فصَرَفوا الحديث إليه، توفيقًا بينه وبين عمومات القرآن، وما يَروُونَه أيضًا مِن آثارٍ في هذا الباب، كحديث جابر ﵁: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَادَ مُسْلِمًا بِذِمِّيٍّ، وقال: أنا أَحَقُّ مَن وَفَى بِذِمَّتِهِ» (٢). فهذه جملةُ الأحاديث المَشهورة الَّتي ادُّعِي على أبي حنيفةَ إنكارها، وهي في «الصَّحيحين» أو أحدِهما، قد لاحَت براءتُه عن دعوى إنكارِ متونها، ولله الحمد. الفرع الثَّاني: عدم صحة المَقولة المَنسوبة إلى أبي حنيفة في عرضِ الحديث على القرآن. ولا يصحُّ استدلال المُعاصرين بما يُنسَب إلى أبي حنيفة في كتابِ «العالم والمُتعلِّم» مِن تقرير طويل في ضرورة عرضِ الأحاديثِ على القرآنِ، فإنَّ الكتابَ مَطعون النِّسبةِ إليه (٣). ومَعلومٌ تعظيم أبي حنيفة ﵁ للحديثٍ النَّبويِّ واحتجاجه به، بل «أصحاب أبي حنيفة مُجمعون على أنَّ مذهبَ أبي حنيفة أنَّ ضعيفَ الحديث عنده أوْلى مِن

стр. 656

القياس والرَّأي! وعلى ذلك بَنى مَذهبَه؛ كما قَدَّم حديثَ القهقهةِ -مع ضعفِه- على القياسِ والرَّأي» (١)؛ وإن كان قد خولِف مِن الجمهور في منعِه تخصيصَ الآحادِ لعامِّ القرآن، لاعتبارِه إيَّاه نسخًا، والظَّني عنده لا ينسخ القطعيَّ (٢). وأمَّا تلك القواعد الَّتي يوردها بعض الحنفيَّة فهي مِن اختراعِ عيسى بن أبان (ت ٢٢١ هـ) (٣)، فهو مَن أصَلَّ لوجوبِ عرضِ الصِّحاحِ على القرآن (٤)، وأنَّه يُردُّ منها فيما تَعُمُّ به البَلوى، وقام باستخلاصِ ما يُؤيِّد ذلك مِن بعضِ فتاوى أبي حنيفة وصَاحِبَيه أبي يوسف ومحمَّد الشَّيباني، «وهو كذِبٌ عليه، وعلى أبي يوسف ومحمَّد، فلم يَقُل ذلك أحدٌ منهم البتَّة» (٥)؛ ومع ذلك اغترَّ بها بعض الحنفيَّة كأبي الحسن الكرخي (٦). وبهذا نكون قد أنهينا ما يَتعلَّق بأبي حنيفة؛ وعلى نفسِ هذا المَهيعِ نمشي في تفحُّصِ ما نُسب إلى مالكٍ من الطَّعنِ في بعض أحاديث «الصَّحيحين»، فنقول:

стр. 657

المَطلب الثَّاني دراسة ما أعلَّه مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ) وهو في «الصَّحيحين» الحديث الأوَّل: روى الشَّيخان من طريقِ مالكٍ نفسِه، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: إنَّ رسول الله ﷺ قال: «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبعًا» (١). فقد نقلَ (الكرديُّ) (٢) و (جمال البنَّا) (٣) عن أبي إسحاق الشَّاطبي (ت ٧٩٠ هـ) ردَّ مالكٍ لهذا الحديث (٤)؛ وذلك أنَّ تلميذه ابنُ القاسم (ت ١٩١ هـ) سُئِل عنه: «هل كان يَقول بغسلِ الإناءِ سبعَ مرَّاتٍ إذا وَلغ الكلبُ في الإناءِ في اللَّبن وفي الماء؟ فقال: قال مالك: قد جاء هذا الحديث، وما أدري ما حقيقتُه، قال: وكأنَّه كان يَرى أنَّ الكلبَ كأنَّه مِن أهلِ البيتِ، وليس كغيرِه من السِّباع. وكان يقول: إن كان يُغسَل ففي الماء وحده، وكان يُضعِّفه .. » (٥).

стр. 658

قلت: ليس في كلامِ ابنِ القاسم رَدُّ مَالكٍ للحديث، بل الثَّابت عنه كما في بعض الرِّواياتٍ تصحيحُه إيَّاه؛ إنَّما الخلاف عن مالكٍ في وجه تأويلِه، لِما في ظاهره من إشكال على بعض الأصول. ومردُّ ذلك: إلى أنَّ الحديث دَلَّ على وجوبِ غسلِ الإناء مِن ولوغِ الكلبِ فيه، ومُقتضى هذا أنَّ لُعابَه نَجسٌ، والقرآن دَلَّ على حِلِّ صيدِ الكلبِ، بدون غسلِ موضعِ العَضِّ، مع أنَّ لُعابَه مُختلطٌ بالحيوان المَصِيد، ومُقتضى هذا أنَّ لُعابَ الكلب طاهرٌ. وقد نَصَّ مالكٌ على هذا السَّببِ بقوله: «لا أدري ما حقيقته .. يُؤكل صيدُه، فكيف يُكرَه لعابُه؟» (١). من هنا جاءت رواية ابن القاسمِ عنه بطهارةِ سُؤرِ الكلبِ، ممَّا يعني أنَّ الحكم الَّذي لم يَأخُذ به مالكٌ مِن الحديث: هو نجاسة الكلب فقط -على المَشهورِ مِن قولِه- لا أنَّه ينكر الحديث؛ بل يأخذ بالغسلِ فيه على وجهِ الاستحبابِ، وأمَّا الأمرُ بعَددِ الغَسلاتِ فتَعَبدٌّ مَحضٌ عنده لا لعِلَّة (٢). يقول ابن رُشد الجدُّ: «واختَلَف قول مالك في الحديثِ الواردِ في الكلب، فمرَّةً حملَه على عمومِه في جميعِ الكلابِ، ومرَّةً رآه في الكلبِ الَّذي لم يُؤذن في اتِّخاذه، وتفرقة ابن الماجشون بين البدَوِيِّ والحضريِّ قولٌ ثالث» (٣). فيظهر جليًّا مِن أقوالِ مالكٍ وأصحابِه خُلوُّها مِن إنكارِ الحديثِ (٤)، والاختلاف بينهم كامن في تحديدِ المسلكِ الأرجحِ لدَفعِ ما يبدو مِن تعارضٍ بينه وبين آية صيدِ الكلب، وهذا -لا شكَّ- فرعٌ عن قولِهم بصحَّتِه.

стр. 659

لكن يبقى الإشكالُ فيما نقله ابن القاسم عن مالكٍ قوله عنه: « .. وكان يُضعِّفه»! وبها تَشبَّث مَن نَسبَ إلى مالكٍ طعنَه في الحديث؛ ومن يُقلِّب كُتَب مُحقِّقي المالكيَّة، يجدُ جمهورَهم يَدفعون هذا المعنى المُتبادَر إلى بعضِ الأذهانِ أن يكون مُرادًا لإمامِهم. ترى مثالَ هذا الدَّفعِ في قولِ القاضي عِياض (ت ٥٤٤ هـ): «الأشبهُ عندي أنْ يُريدَ به الوجوبَ، كما نَحا إليه القَابِسيُّ، ويدلُّ عليه: تخصيصُه (الماءَ) بذلك، وأنَّه أعْظَمَ إراقةَ الطَّعامِ؛ ولا حُجَّة لمِن قالَ: إنَّه ضَعَّف الحديثَ بقوله: «ولا أدري ما حَقيقتُه»، فليسَ في هذا ما يَرُدُّه، ولعلَّ المُراد: ما حقيقةُ مَعناه، وحكمةُ الله في هذه العبادة» (١). وأبو عمران الفاسيَّ (ت ٤٣٠ هـ) (٢) وإن نَحى إلى احتمالِ قصدِ مالكٍ بتلك العبارة تضعيفَ الحديث حقيقةً (٣)، فقد تَعقَّبَه ابنُ رشدٍ الجدُّ (ت ٥٢٠ هـ) في هذا الاحتمالِ وأبطله (٤). والصَّحيحُ أنَّ سَبَب تركِ مالكٍ للأخذِ بظاهرِ هذا الخبرِ راجعٌ لِما تَقرَّر عنده مِن طهارةِ لُعابِ الكلبِ في ظاهرِ القرآن (٥)، لكن لم يُختلَف عنه أنَّه يقول بمَشروعيَّةِ غسلِ إناءِ الماءِ لهذا الحديثِ بالذَّاتِ (٦) -كما أشرنا إليه- وهو عنده للنَّدبِ، لاعتبارِه مخالفةَ ظاهرِه للأصلِ القرآنيِّ، فكان بمثابةِ الصَّارِف للأمرِ مِن الوُجوب إلى الاستحبابِ.

стр. 660

وفي تقريرِ هذا الموقف من مالكٍ، يقول أبو العبَّاس اليَزْلِيتي -المشهور بِحْلُولو- (تبعد ٨٩٥ هـ): «أمَّا مسألة الولوغ: فلم يُسقِط فيه العملَ بالخبرِ، بل حَمَل الأمرَ فيه على النَّدبِ، لمُعارضته للقياس (١)، فهو مِن بابِ الجمعِ بين الدَّليلين، لا مِن بابِ تقديمِ القِياس» (٢). الحديث الثَّاني: أخرج الشَّيخان مِن حديثِ ابن عمر ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «المُتبَايِعانِ كلُّ واحدٍ منهما بالخيار على صاحبِه، ما لم يَتفرَّقا، إلَّا بيع الخِيار» (٣). فينقُل ابن القاسم عن شيخِه مَالك قوله: «البَيعُ كلامٌ، فإذا أَوْجَبا البيعَ بالكلامِ، وَجَبَ البيع، ولم يكُن لأحدِهما أن يَمتنعَ ممَّا قد لَزِمه» (٤). وبيان المُخالفة عند مالكٍ في هذا: مَنعُ تَعليقِ البيعِ على الجهالةٍ، وهذا الحديث قد أثبتَ خيارَ المجلسِ، والمَجلسُ مَجهولُ المدَّةِ مِن وجهةِ نَظرِ مالكٍ، وعليه قال عَقِب الحديث: «ليسَ لهذا عندنا حَدٌّ مَعروف، ولا أمرٌ مَعمولٌ به فيه» (٥). يقول الشَّاطبي في شرحِ هذا عن مالكٍ: « .. إشارةٌ إلى أنَّ المجلس مَجهول المدَّة، ولو شرَطَ أحدٌ الخيارَ مُدَّةً مجهولةً لبطَلَ إجماعًا؛ فكيف يَثبتُ

стр. 661

بالشَّرعِ حكمٌ لا يجوز شرطًا بالشَّرع؟ (١) فقد رَجَع إلى أصلٍ إجماعيٍّ؛ وأيضًا فإنَّ قاعدةَ الغَرَر والجهالةِ قطعيَّة، وهي تُعارض هذا الحديث الظَّنيَّ» (٢). فتوهَّمَ (الكرديُّ) و (جمال البنَّا) (٣) مِن هذا الكلامِ للشَّاطبيِّ، أنَّ مالكًا طَعَنَ في صِحَّةِ هذا الحديثِ! وليس في عبارة الشَّاطِبيِّ ما يُفيد ذلك، «إنَّما أرادَ به أنَّه لو كان هذا أمرًا مَعمولًا به، لتشاغل النَّاس بتحديدِ هذا المجلسِ، وتوقيتِ لزومِ البَيعِ» (٤). والغلَط على مالكٍ في هذا الحديث قَديم، بَلَغ بابنِ أبي ذئبٍ (ت ١٥٨ هـ) أن قال في مالكٍ حين بلغه تركه له: «يُستَتَاب، وإلَّا ضُربِت عُنُقه!»؛ فتصدَّى له أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ) بقوله: «مَالكٌ لم يُرِد الحديثَ، ولكنْ تَأوَّلَه على غير ذلك» (٥). هذا؛ وليس في أصحابِ مالكٍ مَن يطعنُ في ثبوتِ الحديث، ومُحصَّل مُدافعاتهم لظاهرِه لا يخرجُ عن مَسْلَكين: إمَّا القول بنسخِه (٦)، أو تأويله على مَعنى الافتراقِ بالأقوالِ، وأنَّ المُتَبايِعين فيه بمَعنى المُتسَاوِمَين (٧).

стр. 662

يقول المَازَريُّ (ت ٥٣٦ هـ): «وقد سَلكَ أصحابُنا هاتين الطَّريقتين .. » (١)، وكِلا المَسْلَكين فَرعٌ عن تَصحيحِهم للخَبر. على أنَّ المَازريَّ اجترَأَ على مخالفةِ أساطينِ مَذهبِه في موقفِهم مِن العملِ بظاهرِ الحديث، فكان يقول: «الإنصافُ يَمنع مِن أن يكون تَركُ حكمِ مَسألةٍ مِن النَّبيِّ ﷺ مِن كلامٍ أورَده مُختصًّا بها، مُعلَّقًا حُكمُها مِن كلامٍ آخرَ قصدُه بيانُ مَعانٍ أُخَرَ لا تدخل هذه المسألة فيها إلَاّ بحكمِ العَرض، أو الاتِّفاقِ، أو دعوى عمومٍ بَعُدَ ادِّعاؤُه، وجميعُ ما أوردناه عن أصحابِ هذه الطَّريقة هذا شأنُهم فيه» (٢). وأَفْيَدُ منه موقف ابنِ رشدٍ الحفيد (ت ٥٢٠ هـ) من تركِ أئمَّته للعمل بظاهر هذا الحديث، حيث قال: «أمَّا أصحابُ مالكٍ، فاعتمدوا في ذلك على ظواهر سَمعيَّة، وعلى القياس؛ فلمَّا قيل لهم: إنَّ الظَّواهر الَّتي تَحتجُّون بها يُخصِّصها الحديث المذكور، فلم يبقَ لكم في مقابلةِ الحديثِ إلَّا القياس، فيلزَمُكم على هذا أن تكونوا مِمَّن يَرى تغليبَ القياسِ على الأثَر، وذلك مَذهبٌ مَهجورٌ عند المَالكيَّة .. ؛ فأجابوا عن ذلك: بأنَّ هذا ليس مِن بابِ رَدِّ الحديثِ بالقياسِ ولا تَغليبٍ، وإنَّما هو مِن بابِ تأويلِه وصَرفِه عن ظاهرِه» (٣). الحديث الثَّالث: أخرج الشَّيخان مِن حديث عائشة ﵂، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَن ماتَ وعليه صيامٌ، صامَ عنه وَلِيُّه» (٤).

стр. 663

وأخرج مسلم من حديث ابن عبَّاس ﵁، أنَّ رجلًا جاءَ إلى النَّبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنَّ أُمِّي ماتَت، وعليها صومُ شهرٍ، أفَأقضِيه عنها؟ فقال: «لو كانَ على أَمِّك دَيْنٌ، أكُنتَ قاضيه عنها؟» قال: نعم، قال: «فدَيْنُ الله أحَقُّ أن يُقضَى» (١). فهذان -كالحديثِ السَّابق- تَوَهَّم (الكرديُّ) (٢) و (جمال البنَّا) (٣) مِن كلامٍ للشَّاطبي (٤) أنَّ مالكًا يُعِلُّهما، لمنافاتِهما للأصلِ القرآنيِّ الكُليِّ: ﴿أَلَاّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨]. وبالرُّجوعِ إلى كلامِ مالكٍ نفسِه، نجده يذكر في هذا الباب بَلاغًا عن ابنِ عمر ﵁ سُئِل فيه: هل يَصوم أحَدٌ عن أحَدٍ، أو يُصَلِّي أحَدٌ عن أحَدٍ؟ فقال: «لا يَصومُ أحَدٌ عن أحَدٍ، ولا يُصلِّي أحَدٌ عن أحدٍ» (٥)؛ فقال مَالك: «وَهذا أمرٌ مُجتَمع عليه عندنا» (٦). فأين ذِكرُ حديثِ عائشة أو ابن عبَّاسٍ في كلامِ مالكٍ؟! غايةُ ما في النَّص

стр. 664

مَنعُ الصِّيامِ عن الميِّت بدلالةِ الأصلِ القرآنيِّ العامِّ، مُستصحِبًا إجماعَ أهلِ المدينةِ على أنَّه لا يُصلِّي أحدٌ عن أحدٍ، ولا يَصوم أحَدٌ عن أحَدٍ (١). فأمَّا نقلُ مالكٍ لهذا الإجماعِ: فنقرُّ بكونه الأصلَ في هذا الباب؛ إنَّما مَحلُّ الخلاف في بعضِ الحالاتِ الَّتي ورَد استثناؤها بالنَّص! كما قال ابن عبد البرِّ: « .. أمَّا الصَّلاة: فإجماعٌ مِن العلماء أنَّه لا يُصلي أحَدٌ عن أحدٍ فرضًا عليه مِن الصَّلاة ولا سُنَّة ولا تَطوُّعًا، لا عن حَيٍّ ولا عن ميِّت، وكذلك الصِّيام عن الحيِّ، لا يُجزِئ صومُ أحدٍ في حياتِه عن أحَدٍ، وهذا كلُّه إجماعٌ لا خلاف فيه؛ وأمَّا مَن ماتَ وعليه صيامٌ: فهذا مَوضع اختلف فيه العلماء قديمًا وحديثًا .. » (٢). ثمَّ قولُ مالكٍ بعد بلاغِه عن ابن عمر: «ولم أسمع أنَّ أحدًا من أصحابِ رسول الله ﷺ ولا مِن التَّابعين بالمدينة أنَّ أحدًا منهم أمر أحدًا قطُّ يصوم عن أحدٍ، ولا يصلِّي أحدٌ عن أحدٍ، وإنَّما يفعل ذلك كلُّ إنسانٍ لنفسِه، ولا يَتأدَّى مِن أحدٍ» (٣). فليس في هذا الكلامِ ما يدلُّ على أنَّ إجماعَ أهل المدينةِ واقعٌ على تركِ حديثِ عائشة بخصوصِه -كما فهِمَه بعضُ المالكيَّة (٤) - إنَّما هذا من مالكٍ توكيدٌ لأصلِه السَّالف: «لا يُصلِّي أحدٌ عن أحدٍ .. ». فمالكٌ نَفَى عِلمَه أنَّ أحَدًا مِن سَلَفِ المدينةِ قال بمَشروعيَّة الصِّيام عن المَيِّت، وعدمُ علمِ مالكٍ بذلك لا يَستلزم نفيَ القائل به في الواقع، فقد ورد عن سعيد بن المُسَيِّب، وهو أحد فقهاء المدينة السَّبعة (٥)!

стр. 665

ومثلُ هذا قد وقَع لمالكٍ في مَسائلٍ أخرى، حَكَم فيها بمُقتضى عدمِ بلوغِه مَن عَمِل بخبرِ ما؛ ويتَّضِح بعدُ بأنَّه قد قال بمُوجبه عَددٌ مِن الصَّحابةِ ومَن بعدهم، فيُتعَقَّب مالكٌ في ذلك (١). الشَّاهد عندي مِن هذا: أنَّ هذا التَّصرُّف الأصوليَّ مِن مالكٍ لا يَقتضي بلوغَ حَدِيثَا عائشة وابن عبَّاس إليه مِن وجهٍ تقوم به الحُجَّة (٢)؛ وهو ما مَال إليه الدَّاودي (ت ٣٠٧ هـ) في قوله: «لعلَّ مالكًا لم يبلُغه هذا الحديث، أو ضَعَّفه لما في سَنَدِه مِن الخلاف» (٣). هذا الاحتمال إذن وارِدٌ عليه، لا يوجد ما يَقطع بخلافِه، وماَلكٌ على إمامتِه في السُّنَن لم يُحِط بكلِّ السُّنة، فكم مِن مَسألةٍ أفتى فيها بخلافِ حديثٍ لم يبلُغه، قد عُلِمت صِحَّتُه عند غيره (٤). ثمَّ على فَرضِ عِلمِ مالكٍ بهذين الحَديثين: فليس يَعني تكذيبَه لهما بحالٍ! فهؤلاء مِن بعده أصحابُه وأتباعُ مَذهبِه لم يَذهَب أحَدٌ منهم إلى مخالفةِ أهلِ

стр. 666

الحديثِ في تَصحيحِه (١)، بل أقوالُهم دائرةٌ فيه بين القولِ بنَسْخِه (٢)، أو القولِ بتَأويلِه على ما يُوافق الأصول (٣)؛ والله أعلم. الحديث الرَّابع: روى الشَّيخان من حديث رافع بن خديج ﵁ قال: «كُنَّا مع النَّبي ﷺ بذي الحليفة، فأصاب النَّاس جوعٌ، وأصَبْنا إِبِلًا وغَنمًا، وكان النَّبي ﷺ في أُخْرَيات النَّاس، فعَجَّلوا فنَصبوا القدور، فأمَرَ بالقدورِ فأُكفِئت» (٤). فقد ذكَرَ (الكُرديُّ) (٥) و (جمال البنَّا) (٦) هذا الحديث في جملةِ ما ردَّه مالكٌ وهو في «الصَّحِيحين»، مُعتَمدين على قولِ الشَّاطبي: «أنكرَ مالكٌ حديثَ إكفاءِ القُدور الَّتي طُبِخت مِن الإبلِ والغَنم قبل القسمِ، تَعويلًا على أصلِ رَفعِ الحَرجِ، الَّذي يُعبَّر عنه بالمصالحِ المُرسلَة، فأجازَ أكلَ الطَّعام قبل القَسم لمِن احتاجَ إليه، قاله ابن العَربيُّ» (٧). وعند الرُّجوعِ إلى كلامِ مالكٍ في المسألة، لا نجد له إنكارًا للحديث!

стр. 667

ولا نَقل عنه تلاميذه شيئًا من ذلك، غايةُ ما في «الموَّطإ» تجويزُ الأكلِ مِن الغنيمةِ قبل القِسمة للجيشِ في دار الحرب، بقيْدِ الحاجةِ وبقدرِها. ونصُّ كلامِ مالك قوله: «لا أرَى بأسًا أن يأكُل المسلمون إذا دَخلوا أرضَ العدوِّ مِن طعامهم ما وجدوا مِن ذلك كلِّه قبل أن يَقَع في المقاسم، وأنا أرَى الإِبلَ والبقرَ والغَنَم بمنزلةِ الطَّعام، يأكل منه المسلمون إذا دَخلوا أرضَ العَدوِّ، كما يأكلون مِن الطَّعام، ولو أنَّ ذلك لا يُؤكَل حتَّى يَحضُر النَّاس المَقاسم، ويُقسَم بينهم أضَرَّ ذلك بالجيوش، فلا أرى بأسًا بما أُكِل مِن ذلك كلِّه على وجهِ المَعروفِ، ولا أرَى أن يَدَّخِر أحدٌ من ذلك شيئًا يَرجع به إلى أهله» (١). فأين ردُّ مالكٍ لحديثِ رافعٍ؟! والَّذي يشهد لقولِ مالك في هذه التَّفصيل قولُ ابنِ عمر ﵁: «كُنَّا نُصِيبُ في مَغازِينا العسلَ والعنبَ، فنأكله ولا نَرفعُه» (٢)؛ يقول ابن حجر: «أي ولا نحمِلُه على سَبيلِ الادِّخار، أو: ولا نَرفَعُه إلى مُتولِّي أمرَ الغنيمة، أو إلى النبَّي ﷺ ، ولا نَستأذنه في أكلِه، اكتفاءً بما سَبَق منه مِن الإذن» (٣). فهذا قولُ مالكٍ له وجهه القويُّ مِن جِهة النَّقلِ والتَّعليل، وليس في حديثِ رافعٍ ما يُناقضه، ولا ما يَدلُّ على النَّهيِ عن الأكلِ مِن الغنيمةِ قبل القسم مُطلقًا، ولا صُرِّح فيه بالعِلَّة من إهراقِ القدورِ أصلًا حتَّى يعارَضَ به فتوى مالك. ومِن ثمَّ اختلفَ المالكيَّة في تحديدِ العِلَّة في الحديثِ على أقوال: منها: أنَّهم كانوا قد انتَهوا إلى دارِ الإسلامِ، وهو المَحلُّ الَّذي لا يجوز فيه الأكلُ مِن مالِ الغَنيمة المُشتركة، وإنَّما مُباحٌ الأكلُ منها قبل القِسمة في دارِ الحرب (٤).

стр. 668

وقيل: أنَّ الصَّحابة أرادوا الأكلَ ممَّا نَهبوه مِن أُناسٍ في أرضِ العَدوِّ مُتأوِّلين لضرورةِ الجوع، فزَجَرهم النَّبي ﷺ عن هذا التَّأويل، وليس لأنَّهم أكلوه قبل القِسمة (١). وقيل في تعليلِ إهراقِ النَّبي ﷺ غيرُ ذلك (٢)، وليس فيها ما يُعارض كلامَ مالكٍ بفضلِ الله. فعندي أنَّ الشَّاطبيَّ وَهِم في دعواه إنكارَ مَالكٍ للحديث، وتعليل ذلك بمُعارضةِ المصلحةِ اجتهادٌ منه. وقد لاحظنا أنَّ إسنادَ الشَّاطبيِّ لِما ادَّعاه على مالكٍ كان إلى ابنِ العَربيِّ (ت ٥٤٣ هـ)، فلمَّا رَجعتُ إلى كلامِ الأخير في شرحِه لـ «المُوطَّأ»، وجدته ينقُل تجويزَ مالكٍ للأكلِ مِن الغنيمةِ قبل القِسمة بقيْدِ الحاجةِ دون ادِّخارٍ! وهو عَينُ ما قرَّرناه آنفًا مِن كلامِ مالكٍ! يؤيِّد ذلك: المقصدَ الَّذي لأجله نقل ابنِ العَربيِّ هذه الفتوى مِن مالكٍ، حيث استعملها للرَّد على مَن يُجوِّزُ الأكلَ مِن الغنيمة قبل القِسمة مُطلقًا مِن غير قَيْدٍ، وقرَّر أنَّ ما أفتى به مالك في هذه المسألةِ، هو مِن دلائلِ المَصلحةِ الَّتي تميَّز بها (٣)؛ والله تعالى أعلم. الحديث الخامس: أخرجَ مسلمٌ عن أبي أيُّوب الأنصاري ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَن صامَ رمضانَ، ثمَّ أتبعَه سِتًّا مِن شوَّال، كان كصيامِ الدَّهرِ» (٤).

стр. 669

فقد ذكر (الكرديُّ) (١)، و (جمال البنَّا) (٢) أنَّ مالكًا لم يَعمل بهذا الحديث، وعَدُّوا ذلك مَطعنًا منه فيه، بل غَلا بعضُ مُتعجِّلةِ الصُّحفِيِّين حتَّى ادَّعوا بِدعيَّةَ العملِ ما فيه، لترْكِ مالكٍ له (٣). وليست نسبةُ التَّركِ إلى مالكٍ بصحيحةٍ بهذا الإطلاقِ المُتَوهَّم، ولم يَثبُت عنه طَعنٌ صريحٌ في هذا الحديث، والَّذي في «مُوطَّئِه» فيما نَقَله عنه يحيَى اللَّيثي قال: «سمعتُ مالكًا يقول في صيام ستَّة أيامٍ بعدَ الفطر من رمضان: إنَّه لم يرَ أحدًا مِن أهلِ العلمِ والفقه يَصومُها، ولم يَبلُغني ذلك عن أحَدٍ من السَّلَف، وإنَّ أهلَ العلمِ يَكرهون ذلك، ويَخافون بِدعتَه، وأن يُلحِقَ برمضان ما ليس منه أهلُ الجهالةِ والجفاءِ لو رَأوا في ذلك رُخصةً عند أهلِ العِلمِ، ورَأَوهم يَعملون ذلك» (٤). وهؤلاء أعلمُ النَّاسِ بمذهبِ مالكٍ، قد حملوا كلامَه هذا على ثلاثِ مَحاملٍ، تخلو ثلاثتُها مِن تعليلٍ للحديث: المَحمل الأوَّل: أنَّ مالكًا قاله لأنَّه لم يبلغه الحديث: وهذا ما نقله المازريُّ عن بعضِ الشُّيوخ، قالوا: «لعلَّ الحديث لم يبلغ مالكًا» (٥). وهو احتمال تَردَّد ابن عبدِ البَرِّ في الرُّكونِ إليه، فقال: «لم يبلغ مالكًا حديثُ أبي أيوب، على أنَّه حديث مدنيٌّ، والإحاطة بعلم الخاصَّة لا سبيل إليه .. »؛ ثمَّ رَجَع عن هذا الظنِّ، فقال: «وما أظنُّ مالكًا جَهِل الحديثَ والله أعلم، لأنَّه حديثٌ مَدنيٌّ، انفرَدَ به عمر بن ثابت، وقد قيل إنَّه رَوى عنه مالك، ولولا عِلمُه به ما أنكَرَه، وأظنُّ الشَّيخ عمر بن ثابت لم يكُن عنده مِمَّن يُعتَمَد عليه، وقد تَرَك

стр. 670

مالكٌ الاحتجاجَ ببعضِ ما رَوَاه عن بعضِ شيوخِه، إذا لم يثِق بحفظِه ببعضِ ما رواه». ثمَّ عاد مرَّةً أخرى لاحتمالِه الأوَّل فقال: «وقد يُمكن أن يكون جهلِ الحديثَ، ولو علمه لقال به، والله أعلم» (١). والَّذي نخلُص إليه من كلامِ ابن عبد البرِّ: أنَّ مالكًا إمَّا أنَّه لم يبلُغه حديث أبي أيُّوب، وإمَّا: المحمل الثَّاني: أن الحديثَ بَلَغ مالكًا، لكن مِن طريقٍ ضعيفٍ: يقول الباجيُّ: «الأصلُ في صيامِ هذه الأيَّام السِّتة: ما رواه سعد بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيُّوب الأنصاري؛ وسعد بن سعيد هذا مِمَّن لا يَحتمِلُ الانفرادَ بمثلِ هذا، فلَّما ورَدَ الحديثُ على مثل هذا، ووَجَد مالكٌ علماءَ المدينةِ مُنكرين العملَ بهذا: احتاطَ بتركِه، لِئَّلا يكون سَبَبًا لمِا قاله» (٢). وهذا الَّذي رَجَّحه ابن رشد الحفيد (٣). المحمل الثَّالث: أنَّ الأمر لا يتعلَّق بثبوت الحديث من عدمه عند مالك، بل هو صحيح عند مالك، وإنَّما كرِه صيامِ هذه السِّت بعد الفطر من رمضان خشيةَ إلحاقها به، وأن لا يُميِّزوا بينها وبينه، ويعتقدوا مع طولِ العهدِ فَرضِيَّتَها، سدًّا منه للذَّريعة إلى ذلك (٤)، وإبقاءً للعبادةِ المُقدَّرة على حَالهِا غير مُختلِطةٍ بغيرها (٥)؛ أمَّا للرَّجُلِ في خاصَّةِ نفسِه يصوم صومًا، فلا يكره مالكٌ له صِيامَها لهذا الحديث.
следующие страницы →