الحديثِ في تَصحيحِه (١)، بل أقوالُهم دائرةٌ فيه بين القولِ بنَسْخِه (٢)، أو القولِ بتَأويلِه على ما يُوافق الأصول (٣)؛ والله أعلم.
الحديث الرَّابع:
روى الشَّيخان من حديث رافع بن خديج ﵁ قال: «كُنَّا مع النَّبي ﷺ بذي الحليفة، فأصاب النَّاس جوعٌ، وأصَبْنا إِبِلًا وغَنمًا، وكان النَّبي ﷺ في أُخْرَيات النَّاس، فعَجَّلوا فنَصبوا القدور، فأمَرَ بالقدورِ فأُكفِئت» (٤).
فقد ذكَرَ (الكُرديُّ) (٥) و (جمال البنَّا) (٦) هذا الحديث في جملةِ ما ردَّه مالكٌ وهو في «الصَّحِيحين»، مُعتَمدين على قولِ الشَّاطبي: «أنكرَ مالكٌ حديثَ إكفاءِ القُدور الَّتي طُبِخت مِن الإبلِ والغَنم قبل القسمِ، تَعويلًا على أصلِ رَفعِ الحَرجِ، الَّذي يُعبَّر عنه بالمصالحِ المُرسلَة، فأجازَ أكلَ الطَّعام قبل القَسم لمِن احتاجَ إليه، قاله ابن العَربيُّ» (٧).
وعند الرُّجوعِ إلى كلامِ مالكٍ في المسألة، لا نجد له إنكارًا للحديث!
стр. 667
ولا نَقل عنه تلاميذه شيئًا من ذلك، غايةُ ما في «الموَّطإ» تجويزُ الأكلِ مِن الغنيمةِ قبل القِسمة للجيشِ في دار الحرب، بقيْدِ الحاجةِ وبقدرِها.
ونصُّ كلامِ مالك قوله:
«لا أرَى بأسًا أن يأكُل المسلمون إذا دَخلوا أرضَ العدوِّ مِن طعامهم ما وجدوا مِن ذلك كلِّه قبل أن يَقَع في المقاسم، وأنا أرَى الإِبلَ والبقرَ والغَنَم بمنزلةِ الطَّعام، يأكل منه المسلمون إذا دَخلوا أرضَ العَدوِّ، كما يأكلون مِن الطَّعام، ولو أنَّ ذلك لا يُؤكَل حتَّى يَحضُر النَّاس المَقاسم، ويُقسَم بينهم أضَرَّ ذلك بالجيوش، فلا أرى بأسًا بما أُكِل مِن ذلك كلِّه على وجهِ المَعروفِ، ولا أرَى أن يَدَّخِر أحدٌ من ذلك شيئًا يَرجع به إلى أهله» (١).
فأين ردُّ مالكٍ لحديثِ رافعٍ؟!
والَّذي يشهد لقولِ مالك في هذه التَّفصيل قولُ ابنِ عمر ﵁: «كُنَّا نُصِيبُ في مَغازِينا العسلَ والعنبَ، فنأكله ولا نَرفعُه» (٢)؛ يقول ابن حجر: «أي ولا نحمِلُه على سَبيلِ الادِّخار، أو: ولا نَرفَعُه إلى مُتولِّي أمرَ الغنيمة، أو إلى النبَّي ﷺ ، ولا نَستأذنه في أكلِه، اكتفاءً بما سَبَق منه مِن الإذن» (٣).
فهذا قولُ مالكٍ له وجهه القويُّ مِن جِهة النَّقلِ والتَّعليل، وليس في حديثِ رافعٍ ما يُناقضه، ولا ما يَدلُّ على النَّهيِ عن الأكلِ مِن الغنيمةِ قبل القسم مُطلقًا، ولا صُرِّح فيه بالعِلَّة من إهراقِ القدورِ أصلًا حتَّى يعارَضَ به فتوى مالك.
ومِن ثمَّ اختلفَ المالكيَّة في تحديدِ العِلَّة في الحديثِ على أقوال:
منها: أنَّهم كانوا قد انتَهوا إلى دارِ الإسلامِ، وهو المَحلُّ الَّذي لا يجوز فيه الأكلُ مِن مالِ الغَنيمة المُشتركة، وإنَّما مُباحٌ الأكلُ منها قبل القِسمة في دارِ الحرب (٤).
стр. 668
وقيل: أنَّ الصَّحابة أرادوا الأكلَ ممَّا نَهبوه مِن أُناسٍ في أرضِ العَدوِّ مُتأوِّلين لضرورةِ الجوع، فزَجَرهم النَّبي ﷺ عن هذا التَّأويل، وليس لأنَّهم أكلوه قبل القِسمة (١).
وقيل في تعليلِ إهراقِ النَّبي ﷺ غيرُ ذلك (٢)، وليس فيها ما يُعارض كلامَ مالكٍ بفضلِ الله.
فعندي أنَّ الشَّاطبيَّ وَهِم في دعواه إنكارَ مَالكٍ للحديث، وتعليل ذلك بمُعارضةِ المصلحةِ اجتهادٌ منه.
وقد لاحظنا أنَّ إسنادَ الشَّاطبيِّ لِما ادَّعاه على مالكٍ كان إلى ابنِ العَربيِّ (ت ٥٤٣ هـ)، فلمَّا رَجعتُ إلى كلامِ الأخير في شرحِه لـ «المُوطَّأ»، وجدته ينقُل تجويزَ مالكٍ للأكلِ مِن الغنيمةِ قبل القِسمة بقيْدِ الحاجةِ دون ادِّخارٍ! وهو عَينُ ما قرَّرناه آنفًا مِن كلامِ مالكٍ!
يؤيِّد ذلك: المقصدَ الَّذي لأجله نقل ابنِ العَربيِّ هذه الفتوى مِن مالكٍ، حيث استعملها للرَّد على مَن يُجوِّزُ الأكلَ مِن الغنيمة قبل القِسمة مُطلقًا مِن غير قَيْدٍ، وقرَّر أنَّ ما أفتى به مالك في هذه المسألةِ، هو مِن دلائلِ المَصلحةِ الَّتي تميَّز بها (٣)؛ والله تعالى أعلم.
الحديث الخامس:
أخرجَ مسلمٌ عن أبي أيُّوب الأنصاري ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَن صامَ رمضانَ، ثمَّ أتبعَه سِتًّا مِن شوَّال، كان كصيامِ الدَّهرِ» (٤).
стр. 669
فقد ذكر (الكرديُّ) (١)، و (جمال البنَّا) (٢) أنَّ مالكًا لم يَعمل بهذا الحديث، وعَدُّوا ذلك مَطعنًا منه فيه، بل غَلا بعضُ مُتعجِّلةِ الصُّحفِيِّين حتَّى ادَّعوا بِدعيَّةَ العملِ ما فيه، لترْكِ مالكٍ له (٣).
وليست نسبةُ التَّركِ إلى مالكٍ بصحيحةٍ بهذا الإطلاقِ المُتَوهَّم، ولم يَثبُت عنه طَعنٌ صريحٌ في هذا الحديث، والَّذي في «مُوطَّئِه» فيما نَقَله عنه يحيَى اللَّيثي قال: «سمعتُ مالكًا يقول في صيام ستَّة أيامٍ بعدَ الفطر من رمضان: إنَّه لم يرَ أحدًا مِن أهلِ العلمِ والفقه يَصومُها، ولم يَبلُغني ذلك عن أحَدٍ من السَّلَف، وإنَّ أهلَ العلمِ يَكرهون ذلك، ويَخافون بِدعتَه، وأن يُلحِقَ برمضان ما ليس منه أهلُ الجهالةِ والجفاءِ لو رَأوا في ذلك رُخصةً عند أهلِ العِلمِ، ورَأَوهم يَعملون ذلك» (٤).
وهؤلاء أعلمُ النَّاسِ بمذهبِ مالكٍ، قد حملوا كلامَه هذا على ثلاثِ مَحاملٍ، تخلو ثلاثتُها مِن تعليلٍ للحديث:
المَحمل الأوَّل: أنَّ مالكًا قاله لأنَّه لم يبلغه الحديث:
وهذا ما نقله المازريُّ عن بعضِ الشُّيوخ، قالوا: «لعلَّ الحديث لم يبلغ مالكًا» (٥).
وهو احتمال تَردَّد ابن عبدِ البَرِّ في الرُّكونِ إليه، فقال: «لم يبلغ مالكًا حديثُ أبي أيوب، على أنَّه حديث مدنيٌّ، والإحاطة بعلم الخاصَّة لا سبيل إليه .. »؛ ثمَّ رَجَع عن هذا الظنِّ، فقال: «وما أظنُّ مالكًا جَهِل الحديثَ والله أعلم، لأنَّه حديثٌ مَدنيٌّ، انفرَدَ به عمر بن ثابت، وقد قيل إنَّه رَوى عنه مالك، ولولا عِلمُه به ما أنكَرَه، وأظنُّ الشَّيخ عمر بن ثابت لم يكُن عنده مِمَّن يُعتَمَد عليه، وقد تَرَك
стр. 670
مالكٌ الاحتجاجَ ببعضِ ما رَوَاه عن بعضِ شيوخِه، إذا لم يثِق بحفظِه ببعضِ ما رواه».
ثمَّ عاد مرَّةً أخرى لاحتمالِه الأوَّل فقال: «وقد يُمكن أن يكون جهلِ الحديثَ، ولو علمه لقال به، والله أعلم» (١).
والَّذي نخلُص إليه من كلامِ ابن عبد البرِّ: أنَّ مالكًا إمَّا أنَّه لم يبلُغه حديث أبي أيُّوب، وإمَّا:
المحمل الثَّاني: أن الحديثَ بَلَغ مالكًا، لكن مِن طريقٍ ضعيفٍ:
يقول الباجيُّ: «الأصلُ في صيامِ هذه الأيَّام السِّتة: ما رواه سعد بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيُّوب الأنصاري؛ وسعد بن سعيد هذا مِمَّن لا يَحتمِلُ الانفرادَ بمثلِ هذا، فلَّما ورَدَ الحديثُ على مثل هذا، ووَجَد مالكٌ علماءَ المدينةِ مُنكرين العملَ بهذا: احتاطَ بتركِه، لِئَّلا يكون سَبَبًا لمِا قاله» (٢).
وهذا الَّذي رَجَّحه ابن رشد الحفيد (٣).
المحمل الثَّالث:
أنَّ الأمر لا يتعلَّق بثبوت الحديث من عدمه عند مالك، بل هو صحيح عند مالك، وإنَّما كرِه صيامِ هذه السِّت بعد الفطر من رمضان خشيةَ إلحاقها به، وأن لا يُميِّزوا بينها وبينه، ويعتقدوا مع طولِ العهدِ فَرضِيَّتَها، سدًّا منه للذَّريعة إلى ذلك (٤)، وإبقاءً للعبادةِ المُقدَّرة على حَالهِا غير مُختلِطةٍ بغيرها (٥)؛ أمَّا للرَّجُلِ في خاصَّةِ نفسِه يصوم صومًا، فلا يكره مالكٌ له صِيامَها لهذا الحديث.
стр. 671
يقول القاضي عياض: «يُحتمَل أنَّ كراهةَ ما كرِه مِن ذلك وأخبرَ أنَّه غير مَعمول به: اتِّصالُ هذه الأيَّام برمضان إلَّا فضل يوم الفِطر، فأمَّا لو كان صومُها في شوَّال مِن غير تَعيينٍ ولا اتِّصالٍ، أو مُبادرةٍ ليوم الفطر: فلا، وهو ظاهرُ كلامه بقولِه: في صِيامِ ستَّة أيام بعد الفطر» (١).
ومِن ثمَّ يحتمل الأمر أنَّ مالكًا حَمَل حرف (مِن) في قوله ﷺ : «مِن شوَّال» على الابتداء لا التَّبعيض، أي أنَّها تُصام في أي أيَّام من أيَّام الشُّهور ابتداءً من شوَّال، وذلك أنَّ مالكًا لم يجد من أهل المدينة ولا بلغه عن أحدٍ من السَّلف مَن كان يتحرَّى صيامها في شوَّال؛ فضلًا عمَّا رأى في ذلك من مفسدة الابتداع.
وهذا ما انتصر له ابن العربي في قوله: «كره علماء الدِّين أن تُصام الأيَّام السِّتة الَّتي قال النَّبي ﷺ فيها: «مَن صام رمضان وستًّا من شوال، فكأنمَّا صام الدَّهر كلَّه» متَّصلةً برمضان، مخافةَ أن يَعتقد أهل الجهالة أنَّها من رمضان.
ورأوا أنَّ صومَها من ذي القعدة إلى شعبان أفضل؛ لأنَّ المقصود منها حاصلٌ بتضعيف الحسنة بعشرة أمثالها متى فُعلت؛ بل صومها في الأشهر الحُرم وفي شعبان أفضل؛ ومن اعتقد أن صومها مخصوص بثاني يوم العيد فهو مبتدع سالكٌ سَنن أهل الكتاب في الزِّيادات» (٢).
وعلى هذا المحملِ مَشى مشهور مذهب المالكيَّة في فهمِ مَوقفِ إمامنا مِن صيامِ السِّت مِن شوَّال (٣): أنَّها مكروهة من غير أن يُرَدَّ الحديث فيها؛ يَشهدُ لهم بذلك تَصريحُ مُطَرِّف بنِ عبد الله (٤) عن مالكٍ، قال: «إنمَّا كرِه صومَها لِئلَّا يُلحِقَ
стр. 672
أهلُ الجاهليَّة ذلك برمضان، فأمَّا مَن يَرغبُ في ذلك لمِا جاء فيه [يعني حديثَ أبي أيُّوب] فلَم يَنْهَه» (١).
وحاصل هذا المبحث: أنَّ مالكًا لم يصحَّ أنَّه ردَّ حديثًا صحيحًا أخرجه الشَّيخان بعده في «الصَّحيحين»، ولكن بصرف معناه عن ظاهره على سبيل التَّأويل.
стр. 673
المَطلب الثَّالث
دراسة ما أعلَّه الشَّافعي (ت ٢٠٤ هـ) وهو في أحد «الصَّحيحين»
الحديث الأوَّل:
روى الشَّيخان مِن طريقِ عمرو بن ميمون، عن سليمان بنِ يَسار، عن عائشة ﵂ قالت: «كنتُ أغسِلُ الجنابةَ مِن ثوبِ النَّبي ﷺ ، فيخرجُ إلى الصَّلاة، وإنَّ بُقَع الماء على ثوبِه» (١).
فأورَدَ (الكرديُّ) (٢) و (القنُّوبي) (٣) و (جمال البنَّا) (٤) كلامًا للشَّافعي على الحديث، يقول فيه: «هذا ليس بثابتٍ عن عائشة، هم يَخافون فيه غَلطَ عمرو بن ميمون، إنَّما هو رأيُ سليمان بن يَسار، كذا حَفِظه عنه الحُفَّاظ أنَّه قال: (غُسْلُه أحَبُّ إليَّ)؛ وقد رُوِيَ عن عائشة خلافُ هذا القول، ولم يَسمع سليمان -عَلِمناه- مِن عائشةَ حرفًا قَطُّ، ولو رَواه عنها كان مُرسلًا» (٥).
стр. 674
قلت: فأمَّا قولُ الشَّافعي: «لم يَسمَعْ سليمانُ -عَلِمناه- مِن عائشة حرفًا قطُّ»، فهو مِن ورَعِه في الحيطَة، فقد قيَّد كلامَه بحسبِ ما يَعلمُه من ذلك (١)؛ كما أنَّ في قولِ الشَّافعيِّ: « .. هم يَخافون فيه غلطَ ميمون»، ما يوحي بعدمِ جزمِه بذلك أيضًا.
لكن الصَّحيح سماعُ سليمان مِن عائشة ﵂ مِن وجوهٍ عدَّة، منها ما هو ما مُصرَّح به عند الشَّيخين في «صَحِيحَيْهما» (٢)؛ وعليه بَوَّب ابنُ حبَّان بقوله: «ذِكرُ الخَبرِ المُدْحِضِ قولَ مَن زَعَم أنَّ سليمان بن يسار لم يَسمع هذا الخبَر مِن عائشة» (٣).
وعمرو بن ميمون راويه عن سليمان -وهو مَن خاف الشَّافعي غلَطه فيه- مِن الثِّقاتِ المَشهورين (٤)، قد رَواه عنه أحدَ عشرَ راويًا فيهم أئمَّةٌ كِبار (٥)؛ فضلًا عن ورودِ الحديث مِن طُرقٍ أخرى عن غيرِ سليمان بنِ يَسار (٦).
فالحديث بهذا ثابتٌ عنه بلا رَيبٍ.
وأمَّا شُبهة احتمالِ غَلَطِ (عمرو بن ميمون)، فمبعثها: مَجيء روايةٍ عنه أنَّها فتوًى لسليمانَ؛ وهذا الاختلاف قد أجابَ عنه ابنُ حَجر بقوله: «ليس بين فَتواه ورِوايته تَنافٍ، وكذا لا تأثيرَ للاختلافِ في الرِّوايتين، حيث وَقَع في إحداهما أنَّ عمرو بن ميمون سألَ سليمانَ، وفي الأخرى: أنَّ سليمان سأل عائشة، لأنَّ كلًّا منهما سَأَل شيخَه، فحفظ بعضُ الرُّواة ما لم يحفظ بعضٌ، وكلُّهم ثِقات» (٧).
стр. 675
وأمَّا قول الشَّافعي: «وقد رُوي عن عائشة خلاف هذا القول»، فيعني به روايةَ فَرْكِ المنيِّ بدلَ غسلِه (١).
وكثيرٌ مِن الفقهاءِ آلَفوا بين الرِّوايتين، ونَفوا التَّضاَد بينهما بأوجهٍ مُتعدِّدة (٢)، مِن ذلك: ما ذكره الشَّافعي نفسُه بقولِه: «إنْ جَعَلناه ثابتًا، فليس بخلافٍ لقولها: «كنتُ أفركُه مِن ثوبِ رسولِ ﷺ ثمَّ يُصلي فيه»، كما لا يكون غَسله قَدمَيْه عُمرَه، خلافًا لمسحِهِ على خُفَّيه يومًا مِن أيَّامه، وذلك أنَّه إذا مَسَح عَلِمنا أنَّه تُجزئ الصَّلاة بالمسحِ، وتُجزئ الصَّلاة بالغسل، وكذلك تجزئ الصَّلاة بِحَتِّه، وتجزئ الصَّلاة بغسلِه، لا أنَّ واحدًا منهما خلاف الآخر» (٣).
فبانَ خطأ الشَّافعيِّ في تضعيف هذا الحديث، والشَّافعيَّة من بعده على خلاف قوله فيه.
الحديث الثَّاني:
أخرجَ مسلمٌ مِن حديثِ أنس بن مالك ﵁ قال: «صَلَّيتُ خلف النَّبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يستفتحون بـ (الحمد لله ربِّ العالمين)، لا يذكرون (بسم الله الرَّحمن الرَّحيم) في أوَّل قراءةٍ ولا في آخرِها» (٤).
فقد زعمَ (الكرديُّ) (٥) أنَّ الشَّافعي ضَعَّف الحديثَ هو وعَددٌ مِن الحفَّاظ.
والحَقُّ أنَّ الشَّافعيَّ مُثبِتٌ لأصلِ الحديث، إنَّما تَكَلَّم في الجملة الأخيرة فقط: «لا يذكرون (بسم الله الرَّحمن الرَّحيم) .. إلخ»، حيث انفردَ مسلم بإخراجها مِن حديث أنسٍ بهذا اللَّفظ المُصرِّح بنفيِ قراءةِ البسملة.
стр. 676
فأعَلَّ الشَّافعي (١) وبعضُ النُّقادِ (٢) روايةَ اللَّفظ المُصَرِّح بالبسملة، لِما رأوه مِن الأكثرينَ أنَّهم قالوا فيه: «فكانوا يَستفتحون القراءةَ بالحمدُ لله ربِّ العالمين»، مِن غيرِ تَعرُّضٍ لذكرِ البسملةِ، وعليها اقتصر البخاريُّ في «صَحيحِه» (٣).
وهؤلاء رأوا أنَّ مَن رواه باللَّفظ الزَّائدِ المَذكورِ إنَّما رواه بالمعنى الَّذي وَقَع له، حيث فَهِم مِن قولِه: «كانوا يَستفتحون بالحمد لله» نفيَ البسملة، فرَوَاه على ما فهِم، ورَأوه قد أخطأَ في فهمِه، إذ المعنى المُراد عندهم: أنَّ السُّورةَ الَّتي كانوا يَفتَتِحون بها هي «الفاتحة»، وليس فيه تَعرُّضٌ لذكرِ الجهرِ بالبَسملةِ (٤).
والحديث بهذه الجملة أخرجه مسلم في المُتابعات لا الأصول، وغيره مِن بعض الحُفَّاظ قد صَحَّحوا الحديث بتلك الجملة، فلم يَرَوها مُخالفةً للرِّوايةِ الأخرى (٥)؛ كما أنَّ ابن حَجرٍ قد دافع على صحَّتها أيضًا، نافيًا عنها وصف
стр. 677
الاضطرابِ أو الإدراجِ أو الشُّذوذ (١).
فإذا سَلَّمنا لتعليلِ الشَّافعي وغيره من الحفَّاظ لهذه الجملةِ، فإنَّها بذلك تندرج في الحروف اليسيرة من «الصَّحيحين» التي تُستثنى مِن تَلقَّي الأمَّة، لوقوع الخلاف فيها قديمًا بين المُعتبرين من النُّقاد؛ فلا حرج على مَن أخذَ بأحدِ القَوْلين بدليله؛ والحمد لله.
стр. 678
المَطلب الرابع
دراسة ما أعلَّه أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ) وهو في أحد «الصَّحيحين»
الحديث الأوَّل:
أخرج الشَّيخان مِن حديثِ أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يُهلِكُ النَّاسَ هذا الحَيُّ مِن قريش» قالوا: فما تأمرنا؟ قال: «لو أنَّ النَّاسَ اعتزلوهم» (١).
ذكر (الكرديُّ) (٢) و (جمال البنَّا) (٣) أنَّ أحمد أنكره، بدلالةِ أمرِه وَلَدَه عبد الله بالضَّربِ عليه، كما هو مُثبَتٌ في «مُسنَدِه» عقِب سَوقِ هذا الحديثِ، حيث قال عبد الله: «قال أبي في مَرَضِه الَّذي ماتَ فيه: اِضرِبْ على هذا الحديث، فإنَّه خِلافُ الأحاديث عن النَّبي ﷺ ، يعني قوله: «اِسمَعوا، وأطيعوا، واصْبِروا» (٤).
стр. 679
فظاهرٌ من كلامِ أحمدَ إنكارُ الجملةِ الأخيرة مِن الحديث فقط: «لو أنَّ النَّاس اعتزلوهم».
لكن قيل: ليس فيه تضعيفٌ للحديث! ولكن قاله منعًا لفُشوِّ ما ظاهره الخروج على الوُلاةِ (١)، خوفًا مِن قصورِ فهمِ بعضِ النَّاس له، فيُظنُّوا أنَّ الاعتزال معناه المُحاداة والخروج، فيَقعوا بذلك في مفاسد أشَدَّ؛ وهذا تخريجُ أحمد شاكر (ت ١٣٧٧ هـ) لكلامِه (٢)، وتبِعَه عليه بعضُ المُعاصِرين (٣).
وكلام أحمد يَأْبى هذا التَّأويل، فإنَّه ظاهرٌ في إنكارِ متنِه، فقد نَصَّ على كونِه مُخالفًا لمِا تَظافرت به السُّنةِ مِن الأمرِ بالسَّمع، والطَّاعة، ولزومِ الجماعةِ، وتركِ الشُّذوذ والانفرادِ؛ فأيُّ محلٍّ للاجتهاد في صرفِ كلامِه عن معناه مع نَصِّه على مُرادِه؟!
ومِمَّا يَشهد على أنَّه يُعِلُّ الحديث حقيقةً: صَريحُ ما نقله عنه تلميذُه المَرُّوذي (ت ٢٧٥ هـ) من نَبْزه للحديث بقولِه: «هو حديثٌ رَديءٌ أُرَاه، هؤلاء المعتزلة يَحتجُّون به، يعني في تَرْكِ حضورِ الجُمعة» (٤)؛ فلو كان الحديث صحيحًا عند أحمد، ما كان أبعَدَه أن يَصِفَه بالرَّديء (٥)!
نعم؛ لا يَمنع مِن تعليلِه إيَّاه أن يمسَحه مِن «مُسنَده» لمِا يخاف أيضًا مِن
стр. 680
مَفسدتِه أن يكون مَطِيَّةً لأهل الأهواء للخروجِ على الإمام؛ وإلَّا ففي «مُسندِه» أحاديث مَعلولةٌ كثيرةٌ لم يأمر بالضَّربِ عليها، إذْ لم يشتَرط هو الصِّحة (١).
فلذا تَعقَّب أحمدَ في إعلالِه لمتنِ الحديث عَددٌ من العلماء، ونفوا تعارضه مع أصل الطَّاعة، فينقُل عنهم ابن القيِّم وجهَ الحديثِ بقولِه: « .. هذا في أوقاتِ الِفتَن والقِتالِ على المُلك، ولزومُ الجماعةِ في وقتِ الاتِّفاق والتِئام الكلمةِ؛ وبهذا تجتَمِعُ أحاديثُ النَّبي ﷺ الَّتي رَغَّب فيها في العُزلةِ والقعود عن القتالِ، ومَدَح فيها مَن لم يكُن مع أحدِ الطَّائفتين، وأحاديثَه الَّتي رَغَّب فيها في الجماعةِ والدُّخول مع النَّاس؛ فإنَّ هذا حالُ اجتماعِ الكلمةِ، وذاك حالُ الفتنةِ والقتالِ، والله أعلم» (٢).
هذا ما أقرَّه المُحقِّقون مِن الشُرَّاحِ في معنى الحديث (٣)؛ وما خَشِيَه أحمد مِن معنى الحديث أن يُؤدِّي إلى مَفسدة (٤)
قد أثبتَ ابنُ بطَّالٍ (ت ٤٤٩ هـ) من معناه
стр. 681
نقيضَ ما خَشِيَه أحمد! حيث جعله «حُجَّةً لجماعةِ الأمَّةِ في تركِ القيامِ على أئمَّة الجَور، ووجوبِ طاعتِهم، والسَّمعِ والطَّاعةِ .. وأنَّه مِنْ أقوى ما يُرَدُّ به على الخوارج» (١)!
قلت: لعلَّ ما جَرَّأَ أحمدَ على تعليلِ هذا الحديث ما رآه من تَفرُّد شُعبة بن الحجَّاج (ت ١٦٠ هـ) بجملةِ الاعتزالِ في آخرِه، حيث جاء الحديث مِن أوجهٍ أخرى صحيحةٍ ليس فيها تلك الجملة، فرآه مِن غرائب شُعبة، كما قاله ابن حَجر (٢).
لكن شُعبة قد رَواه على الوَجهين جميعًا! بجملةِ الاعتزالِ وبدونِها، وكِلا الوَجهين رواتُهما ثِقات أثبات (٣)، وهذا إن دَلَّ على شيءٍ فعلى ضبطِ شُعبة للحديث على كِلا الوَجهين؛ بل الأقربُ مِن حيث الصَّنعة أنْ تكونَ روايةُ الوجهِ الَّذي بجملةِ الاعتزالِ أصحَّ مِن الَّتي بدونها (٤).
فلهذا كلِّه لم يَتَردَّد البخاريُّ ومسلم في إخراج رواية شعبة بجملةِ الاعتزالِ، ليتَبيَّن غَلطُ شيخِهما أحمدَ في تعليلِه إيَّاها، والله يأجُره على اجتهادِه.
стр. 682
الحديث الثَّاني:
روى مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال:
«ما مِن نبيٍّ بَعثه الله في أمَّةٍ قبلي، إلَّا كان له مِن أمَّتِه حواريُّون وأصحاب، يأخذون بسنَّتِه، ويقتدون بأمرِه، ثمَّ إنَّها تخلُف مِن بعدهم خُلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يُؤمرون، فمَن جاهدَهم بيدِه فهو مؤمن، ومَن جاهدَهم بلسانِه فهو مؤمن، ومَن جاهدهم بقلبِه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك مِن الإيمان حبَّة خردل» (١).
فقد ذكرَ (الكرديُّ) (٢) أنَّ أبا عليٍّ الجيانيَّ (ت ٤٩٨ هـ) نقلَ عن أحمدَ تكلَّمه في هذا الحديثِ بقولِه: «هذا الحديث غير مَحفوظ، قال: وهذا الكلام لا يُشبه كلامَ ابنِ مَسعود، وابنُ مسعود يقول: اصْبِروا حتَّى تَلْقوني».
وقد أحالَ (الكرديُّ) هذا النَّقلَ إلى النَّووي في شرحِه لـ «صحيح مسلم» (٣)، وجهل أنَّ النَّوويَّ إنَّما أخَذَه عن عِياضٍ في شَرحِه «الإكمال» (٤)، الَّذي نَقَله بدَورِه مِن كتابِ الجِيَّاني حيث تَعَقَّب مُسلمَ بن الحجَّاج (٥)، ومَصدر هذا النَّص عن أحمد في «مَسائل أبي داود لأحمد»!
وبرجوعنا إلى هذا الأصلِ وتَركِ تلك الوَسائط، وجدنا أنَّ أبا داود يَنقُل عن شيخهِ أحمد كلامًا مُختلِفًا عمَّا نَقَلته هذه الوسائط عنه! يقول هو فيه: «سَمِعتُ أحمدَ ذكَرَ حديثًا لصالح بنِ كيسان، عن الحارثِ بن فُضيل الخَطمي، عن جعفر بنِ عبد الله بنِ الحَكم، عن عبد الرَّحمن بنِ المِسْور بنِ مخَرمة، عن أبي رافعٍ، عن عبد الله بنِ مَسعود، عن النَّبي ﷺ : «يكون أُمَراء يَقولون ما لا يَفعلون، فمَن جاهدَهم بيَدِه .. ».
стр. 683
قال أحمد: جعفر هذا هو أبو عبد الحميد بن جعفر، و (الحارث بن فضيل) ليس بمَحمودِ الحديث (١)، وهذا الكلام لا يُشبه كلامَ ابنِ مسعود، ابنُ مسعود يقول: قال رسول الله ﷺ : اصْبِروا حتَّى تَلقوني» (٢).
فبَانَ بهذا النَّص أنَّ كلامَ أحمد مُتَّجِّهٌ إلى لفظٍ آخرَ للحديث، ليس هو لفظُ مسلمٍ محلُّ البحث كما أوهَمَته عبارةُ الجيَّاني!
فالمَنكور عند أحمد هو الَّذي بلفظِ «الأُمَراء»، أمَّا ما في «صحيحِ مسلم» فبلفظ: «خُلوف»، وفَرقٌ بين اللَّفظين مِن جِهة المعنى؛ فالأولى قد أعلَّها أحمد لكونِ ظاهرِها بابًا للخروجِ على الوُلَاة (٣)، أمَّا الَّتي في «مسلم»: فليس للأُمراءِ فيها ذِكرٌ، فـ (الخُلوف) جَمع خَلْف، «وهو القَرنُ بعد القَرن، واللَّاحقُ بعد السَّابق» (٤)، وهذا عامٌّ في النَّاس.
وأحسَبُ أنَّ هذا القَدْر مِن البَيانِ كافٍ في نَقضِ دَعوى (الكرديِّ) في نسبةِ تعليلِ هذا الحديث الَّذي بلفظِ مسلمٍ إلى أحمد.
لكن يبقى الإشكال في مَوضِعين مِن كلامِ أحمدَ:
الأوَّل: ذِكرُه للحديثِ الَّذي بلفظ «الأمراء» في «مسائلِ أبي داود له»، بنفسِ السَّنَد الَّذي أخرج به مسلم حديثَ «الخلوف»! مِن طريق (صالح بن كيسان)، عن (الحارث بن فضيل) إلى آخر السَّند؛ مع أنَّي لم أقِف على طَريقٍ عن صالحٍ هذا
стр. 684
بلفظِ «الأمراء»! فكُلُّها بلفظِ «الخلوف» (١)، وتَابعَه عليه (عبد العزيز الدَّراوَردي) (٢).
أمَّا لفظ «الأمراء»: فمَرويٌّ مِن طريقِ (عبد الله بن جعفر المَخرمي) (٣) عن (الحارث بن فضيل)، قال فيه: «خَوَالف أُمَراء» (٤)، وهو عند أحمد في «مُسنده»، لكنْ من دونِ ذكرِ «الجهادِ» في آخرِه (٥)؛ وهذا سند مَقبولٌ عند أحمد إلى (الحارث بن فضيل) (٦).
يتحصَّل بهذا أنَّ (الحارث بنَ فُضيل) قد ثَبَت عند أحمد أنَّه مَرويٌّ عنه بكِلا اللَّفظين: بلفظِ «الخلوف»: مِن طريق صالح بن كيسان عنه، مع جملة «المُجاهدة» في آخره؛ وبلفظِ «الأمراء الخَوالف»: مِن طريق المخرميِّ عنه، بدون جملة «المجاهدة».
стр. 685
وغَرضي: بيانُ كونِ (ابنِ كيسان) هذا لم يُروَ عنه لفظُ «الأمَراءِ» أصلًا حتَّى يَستنكِره عليه أحمد! وكأنَّ أحمد وَهم فيه، حيث خَلَّط في كلامِه بين روايةِ ابن كيسان وروايةِ غيرِه -والله أعلم-.
ثمَّ على التَّسليمِ بصحَّةِ لفظةِ «الأُمراء» عن (المَخرميِّ): فينبغي مُعارَضتها بروايةِ (صالح بن كيسان)؛ وصالحٌ هذا لوحدِه أوثقُ وأجَلُّ مِن (المخرميِّ) بدَرجاتٍ، فضلًا عن مُتابعةِ (الدَّراوردي) له في لفظه!
مِمَّا لا يَدع مجالًا للشَّكِ عندي بأنَّ زيادةَ (المخرميِّ) للفظِ «الأمراء» هي مِن أوهامِه، يبلُغ بها الحكمَ بالشُّذوذ، خصوصًا أنَّها تُسبِّبُ إشكالًا في معنى الحديث.
والَّذي جَرَّأني على تخطِئةِ هذا الإمام الكبير قرينةٌ أخرى في كلامِه تُلَوِّح بخَطَئِه:
وهو ما عنيته بالمَوضع الثَّاني مِن مُشكِل كلامِ أحمد:
حيث نَسَب حديثَ «اصْبِروا حتَّى تَلقوني» إلى روايةِ ابنِ مسعود ﵁، وابنُ مَسعود لم تَصحَّ روايةٌ عنه بهذا اللَّفظ أصلًا! بل هي روايةُ غيرِه مِن الصَّحابةِ (١)، أمَّا ابن مسعود فقد رَوى حديثَ: «أنا فَرَطُكم على الحوضِ» (٢)؛ والله أعلم.
стр. 686
وبعد؛
فبعد هذا العرض والنَّقدِ لِما استُشهِد به مِن كلامِ الأئمَّة الأربعةِ على تَعليلِ بعضِ أحاديث «الصَّحيحين»، يَتبيَّنُ أنَّ أغلبَ ما سِيق لهم من أمثلةٍ في ذلك، إنَّما هي في صَالحِ الشَّيخينِ، لم تخالفهما فيما صَحَّحاه مِن أخبارٍ؛ فلم يَثبُت عن أحدٍ من أولئك الأئمَّة المتبوعين كلامٌ فيه على وجه التَّحقيق، وإنَّما هو سوء فهمٍ للمُستشهِد المُعاصِر.
ولم أجِدَ مِمَّا أعَلَّه الأربعة مِمَّا خَرَّجه أحدُ الشَّيخينِ على وجهِ التَّحقيقِ إلَّا ثلاثة أحاديث، تَكلَّم الشَّافعيُّ في اثنين: أخطأَ في الأوَّل، وتُرك فيه قوله؛ والحديث الثَّاني فيه خلاف قديم بين النُّقاد، فيخرج من حيِّز التَّلقِّي، مع أنَّ مسلمًا إنَّما أخرجه في المُتابعات لا الأصول.
وتَكلَّم أحمدُ في واحدٍ، قد أثبتُّ غلَطَه فيه.
فصَوَّبتُ تصحيحَ الشَّيخين لهذه الثَّلاثة كلِّها، وجمهورُ أتباعِ مَذهبِي الشَّافعي وأحمد على قَبولِ هذه الثَّلاثة أيضًا؛ فيكون الخلاف فيها قديمًا، ثمَّ اندثر بتتابع العلماء على قبولها.
والحمد لله على ما وَّفق ويسَّر.
المَطلب الأوَّل
المعايير المُصحِّحة لأيِّ نقدٍ مُعاصرٍ لأحاديث «الصَّحيحين»
توجَّه بعضُ المُشتغلينَ بالنَّقدِ الحديثيِّ في عصرنا إلى «الصَّحيحين» ببيانِ ما ظَهر لهم من عِلَلٍ أحاديثهما، مُتمرِّسين في ذلك بقواعدِ «علم المُصطلَح»؛ قد ساروا فيها على مناهجَ مُتباينةٍ مِن حيث التَّنزيل، حتَّى تَبايَنَت أحكامُهم على المَنقودِ مِن أحاديث الكِتابينِ، حسبَ تمكُّنِ كلٍّ منهم مِن آلاتِ النَّقدِ، وتمكُّنِ النَّزعةِ الفِكريَّة أو المَذهَبِيَّة من هواه.
فقد كان أبرزَ هؤلاءِ المُعاصرينَ الَّذين تَكلَّموا في بعضِ أحاديثِ «الصَّحيحين»، وأمْكَنَ أقرانهمأقرانهم مِن الصَّنعةِ الحديثيَّة، وكان لآرائِهم النَّقديَّة الوَقْعَ الأكبرَ على أبناءِ زمَنِهم ومِن جاء بعدَهم، وتُذرِّع بأقوالِهم كثيرًا مِن أربابِ النِّحَلِ الفكريَّةِ المختلفةِ في للكلام في «الصَّحيحين»: محمَّد زاهد الكَوثريُّ، ثمَّ أحمد بن الصِّديق الغُمَاري، وشقيقه عبد الله بن الصِّديق، ثمَّ محمَّد ناصر الدِّين الألباني، آخر الأربعةِ وَفاةً.
ومنعًا لأيِّ خَطلٍ مَنهجَيٍّ يُودِي بالصِّحاحِ المُتَّفق عليها، وقبل دراسة ما أعلَّه هؤلاء المعاصرون من الصَّحيحين: وجبَ التَّنبيه إلى ثلاثةِ مَعايِير شَرطيَّة، لا بدَّ لكلِّ من تعنَّى النَّظر في «الصَّحيحين» أن يَعتبِر بها قبل الاستعلَانِ بحُكمِه، فأيُّ نقدٍ لم تتحقَّق فيه عُدَّ هملًا، ولم يكُن له قيمةٌ عند المُحقِّقين من أهل الحديث، وهي على النَّحو التَّالي:
стр. 689
المعيار الأوَّل: الانضباطُ بقواعدِ الأئمَّة المُتَقدِّمينَ في التَّعليلِ وقواعِد النَّقد؛ وهذا لا أُرى خلافًا عليه بين من تحقَّق علوم الحديث على أصولها.
المعيار الثَّاني: مُراعاة طريقةِ تَصنيفِ «الصَّحيحين»، ومَنهجُ الشَّيخينِ في انتقاء أحاديثهما؛ فمِن غير اللَّائقِ -مثلًا- أن يُقَدَم على تَضعيفِ ما عَلَّقه البخاريُّ في «صحيحه» بصيغةِ التَّمريضِ، أو أن يُنكِرَ عليهما ما أخرجَاه على وجهِ التَّعليل له، أو ما ذَكروا له أوجُهًا مُتباينةً إشارةً إلى عِلْمِهما بالخلافِ، فيأتي مَن لا يَفهم عوائدَهما في التَّصنيفِ، ليَستدرِكَ عليهما مثلَ هذه الأمثلةِ.
المعيار الثَّالث: أن يكون تعليلُ الحديث في أحدِهما مَسبوقًا إليه مِن أحَدِ الحُفَّاظِ المتقدِّمين بعد الشَّيخين؛ وهنا نحتاج إلى نوعِ تفصيلٍ لهذا الشَّرط، للتَّفريقِ بين وَجْهين مِن أوجهِ التَّعليلِ لأخبارِ «الصَّحيحين»، فنقول:
إنَّ تعليلَ المُعاصِرين لِما في «الصَّحيحين» لا يخرج عن حالَتين:
الأولى: أن يُعِلَّ أحدهم أصلَ حديثٍ بتَمامِه، احتَجَّ به الشَّيخان في «الصَّحيحين»، دون أن يُسبق إلى ذلك مِن أحدِ الحفَّاظِ المُتقدِّمين:
فهذا مِمَّا لا يُقبل مِن صاحبِه؛ وعِلَّة ذلك: أنَّ الكِتابين قد تَلقَّت الأمَّة جملةَ أخبارهما بالقَبول؛ وليس مِن المَقبول اعتقادُ قُدرةِ أحَدِنا على استدراكِ حديثٍ بالتَّعليلِ، وقد مَرَّ على أعيُنِ أكابرِ النُّقادِ والحُفَّاظِ والفقهاءِ طيلةَ قرونٍ مُتتابعةٍ، معتقدين لمُقتضاه؛ بخلاف ما يُنازع فيه بعضُ النُّقاد، فقد بيَّنا قبلُ أنَّ ذلك مِن مَوارِدِ الاجتهادِ في التَّصحيحِ، كمَوارِدِ الاجتهادِ في الأحكامِ الفقهيَّة.
يقول ابن تيميَّة: «ما اتَّفَقَ العلماءُ على صِحَّته، فهو مثل ما اتَّفَق عليه العلماء في الأحكام، وهذا لا يكون إلَّا صِدقًا، وجمهور مُتون «الصَّحيح» مِن هذا الضَّربِ، وعامَّة هذه المتون تكون مَروِيَّةً عن النَّبي ﷺ مِن عِدَّة وجوهٍ، رَوَاها هذا الصَّاحِب، وهذا الصَّاحِب، مِن غير أن يَتَواطآ، ومثلُ هذا يُوجِب العِلمَ القَطعيَّ» (١).
стр. 690
فهؤلاءِ الَّذين يَتذَرَّعون مِن المُعاصِرينَ بقواعدِ المصطلح ليَتَسلَّطوا بها على أخبارِ «الصَّحيحين» بالإعلالِ، لشيءٍ ظهر لهم في أسانيدها، هم مخالفون بادي الرَّأي لأولئك العلماء الَّذين أخذوا عنهم تلك القواعد! فلكم أعلموهم أنَّ أحاديثَ الكِتابينِ قد جاوَزَت القنطرة، وفُرِغَ مِن دراستِها، وتُلقِّيت بالتَّصديقِ لجملةِ ما فيها.
يقول العلائيُّ (ت ٧٦١ هـ): «إذا جَزَم المحدِّث بالخَبرِ وصَحَّحه، واطَّلع غيرُه فيه على عِلَّةٍ قادحةٍ فيه، قُدِّمت على تَصحيحِ ذاك، ما عَدا تصحيح الشَّيخين، لاتِّفاقِ الأمَّةِ على تَلقِّي ذلك منهما بالقبول» (١).
فكان حقًّا مِن الجَهل بالحقيقةِ والشَّرع في الحكمِ، أن يَخضع الدَّارسون للأحاديث لتلك القواعدِ المَرسومةِ المَحدودةِ الَّتي جاءت في كُتبِ مَن تأخَّر زمانه عن زمانِهم، وانحَطَّ مَكانُه عن مكانهم، فيُؤخَذ «تهذيب الكمال» للمِزِّي -مثلًا- أو مُختصراتِه للحافظِ ابنِ حَجر، أو «ميزان الاعتدال» للذَّهبي -على فَضلِ هذه الكُتب، وفَضلِ مُؤلِّفيها على المُشتغلين بهذا العلمِ- فيَحكُم على «الجامعِ الصَّحيح» للبخاريِّ، أو «الجامع الصَّحيح» لمسلم، أو «الموطَّأ» للإمامِ مالكٍ.
فيُعادَ الأمرُ جذعًا! ويُستَأنف النَّظرُ في هذه الكُتبِ الَّتي تَلقَّتها الأمَّة بالقَبول، وبَلغ أصحابُها إلى أقصى دَرجاتِ التَّحقيقِ والدِّقةِ والتَّحرِّي، وتُشرحَ تشريحَ الأجسام، وتُسَلَّطَ عليها المَقاييسُ المَحدودة، الَّتي تَقبل النِّقاشَ، ويَتَّسع فيها مَجال الكلام.
فهذا النَّوع مِن القسوةِ العِلميَّة، والجَفافِ الفكريِّ، والعَملِ التَّقليديِّ -على حدِّ تعبير النَّدْوي- «سيُحدِثُ فوضَى تَزلزلُ بها أركانُ الدِّين، وتَتَضعضَعُ بها العقيدةُ واليَقين، ويَتَورَّط المسلمون في اضطرابٍ قد أغناهم الله عنه، وكفاهم شَرَّه» (٢).
стр. 691
الحالة الثَّانية: أن يكون كلام المُعاصِر فيما يَتَعلَّق ببعضِ الألفاظِ اليَسيرةِ في أخبارِ «الصَّحِيحَين»، لا في أصلِ الخَبرِ:
فهذا باب مَفتوحٌ لِمن انطبقَ عليه المِعيارانِ الأوَّلان مِن مَعايير نقدِ المعاصرين «الصَّحيحين»، لأنَّ الأمَّة إنَّما تَلقَّت أخبارَ «الصَّحيحين» بالقَبول في الجملة، ولم تُطبق على تصديقِ ما فيهما بكلِّ الحروفِ والألفاظِ! فهذا ليس إلَّا لكتابِ الله، فهو الَّذي قَبوله فَرضٌ بحروفِه وألفاظِه؛ وما نُقل إلينا مِن أحاديثِ -سواء في «الصَّحيحين» أو غيرهِما- لم يَكُن النَّبي ﷺ تَلَفَّظ بها جميعَها بحروفِها، بل منها ما رُوِي بالمعنى كما هو مَعلوم.
فمَن بانَ له عِلَّة لفظٍ في حَديثٍ لا تُؤثِّر في أصله ومَعناه، أو زيادةٌ يراها ضَعيفةً في مَبناه، فله أن يُفصِح عن ذلك بشرطِه المُتقدِّم؛ وعلى هذا جَرى المُحَقِّقون مِن الحفَّاظِ المتأخِّرين في نَقدِ «الصَّحِيحَين»، منهم النَّوَويُّ، وابنُ القطَّان الفَاسيُّ، وابن تَيميَّة، وابن القَيِّم، والذَّهبي، وابنُ حَجر، وغيرهم كثير، لمِنَّ تَأمَّل مَواطنَ ذلك في مُصَنَّفاتِهم.
فبهذه المَعايِير الثَّلاثةِ المُقرَّرة على ناقدِ الكِتابين، مُعتمَدنا في اسْتِكناهِ مَوقفِ المَشايخ الأربعةِ المعاصرين مِن أخبارِ «الصَّحِيحين»، ونقد تعليلاتِهم لما أعلُّوه منها، اختبارًا لسلامةِ المنهج الَّذي سَلكوه في ذلك، وتبيُّنًا لمَدى وهاء الفكرةِ الَّتي عَوَّل عليها مَن سَوَّلت له نفسُه الطَعنَ في أحاديثِ «الصَّحِيحين» في تذرُّعه بهؤلاء المُعاصرين؛ فنقول مُستعينين بالله تعالى:
стр. 692
المَطلب الثَّاني
موقف محمَّد زاهد الكَوْثَريُّ (١) (ت ١٣٧١ هـ) من «الصَّحيحين» ونقد عمله في إعلال بعض أخبارهما
الفرع الأوَّل: موقف الكوثريِّ مِن «الصَّحيحين».
لا شكَّ أنَّ الكوثريَّ رأس مِن رؤوسِ الحَنفيَّةِ في وقتِه، ورافعُ رايتِهم في صِقعِه، ذاع صِيتُه في الأوساطِ العلميَّة، بين مادحٍ لمؤلَّفاتِه مُتيَّمٍ بها، وذامٍّ لطريقتِه في الاستدلال والمُغالبة؛ تَميَّز عن أكثرِ مُعاصِريه بمشاركاتِه في العلومِ النَّقلية الَّتي عجزَ أكثر أقرانِه عن خوضِها، كعلومِ الحديثِ والتَّواريخ والسِّيَر، فضلًا عن مَعرفةٍ واسعةٍ بمُصنَّفاتِ العلماءِ مَطبوعِها ومَخطوطِها.
стр. 693
فقد أَسالَ مِدادَ المُنتقدين عليه -بحقٍّ وباطلٍ- في نُصرة ما يعتقد، مُنفلتَ العنان في الرَدِّ على مَن خالَفه في ذلك، ذَرَب اللِّسانِ -أحيانًا- بالإيلاغِ في كثيرٍ من أساطين العلماءِ من أهل الحديث ورجالاتِ الفقه، في سبيل الدِّفاع عن إمامه أبي حنيفة.
فلقد طالت نِبالُه البخاريَّ نفسَه! حتَّى لمَزَه في مُعتقَده أنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ واعتقادٌ، وأنَّه به في سَبيلِ الانحيازِ إلى المعتزلةِ أو الخوارجِ! فكان مِمَّا قالَه في حَقِّه: «مِن الغَريب أنَّ بعضَ مَن يَعدُّونه من أمراء المؤمنين في الحديث! يتَبجَّح قائلًا: إنِّي لم أُخرِج في كتابي عَمَّن لا يَرى أنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ، يَزيد ويَنقُص، مع أنَّه أخرَجَ عن غُلاةِ الخوارجِ ونحوهِم في كتابه!» (١).
ولستُ أدري مِن أين أتَى الكوثريُّ بذاك اللَّفظِ ينسبه إلى البخاريِّ، فإنَّ المَشهورَ عنه قولُه: «كَتَبتُ عن ألفِ نَفرٍ مِن العلماءِ وزيادة، ولم أكتُب إلَّا عَمَّن قال: الإيمانُ قولٌ وعمَلٌ، ولم أكتب عَمَّن قال: الإيمان قولٌ» (٢).
والفرق بين العِبارَتين لائحٌ! فإنَّ الَّتي للكوثريِّ تَنفي أن يكونَ في كتابِ البخاريِّ روايةَ أحدٍ رُمِي بالإرجاء، بينما اللَّفظ الصَّحيح عن البخاريِّ، يدلُّ على عدمِ أخذِه هو عن شيخٍ مُرجئٍ كتابةً عنه، لا أنَّ أسانيدَ كتابِه خاليةٌ مِمَّن رُموا بالإرجاءِ بالمرَّة، ولو تَقدَّموا في الطَّبقة! ولا وَردَ في عبارتِه ذِكرٌ لـ «جامعِه الصَّحيح» أصلًا.
وعلى خلافِ ما تَقصَّدَ الكوثريُّ بنقلِ تلك العبارةِ مِن حَشرِ البخاريِّ في المَيَّالينَ إلى الخَوارِج، فقد استبطنَ تحامُله هذا تغافلًا عن منهجِ البخاريِّ في الرِّواية عن أصحابِ المَقالاتِ.
стр. 694
بيان ذلك: أنَّ مَن رُمِي مِن رجالِ «صحيحِه» ببدعةِ الإرجاءِ قد بَلغوا أحدَ عَشرَ راويًا (١)، رَوَى لهم في الأصولِ والمُتابعاتِ على السَّواء (٢)؛ بينما لم يَروِ عَمَّن رُمِي بقولِ الخَوارجِ إلَّا ثلاثة فقط! وهم:
عِكرمة مَولى ابن عَبَّاس (ت ١٠٤ هـ): على فَرضِ تَلبُّسِه بهذه البِدعة، فلا تَضرُّ حديثَه، فقد كان صادِق اللَّهجةِ، غير دَاعٍ إلى مقالته؛ والحالُ أنَّها لم تثبُت عليه على وجه التَّحقيق (٣).
والوَليد بن كثير (ت ١٥١ هـ): وهذا صَدوقٌ غير دَاعٍ إلى نِحلتِه، قد وَثَّقه كثيرٌ مِن النُّقاد (٤).
وعِمران بن حِطَّان (ت ٨٤ هـ): ويُروَى رجوعُه عن ذلك بأخرة (٥)، وهو أشهَرُ مَن يُستَشكلُ على البخاريِّ روايتَه عنه، مع كونِه لم يُخرِّج له في «صَحيحِه» إلَّا حَديثي في المُتابعاتِ فقط، وفي هذه لا يَضرُّ التَّخريج لمثلِه، ولا صِلةَ لحَدِيثَيْهِ بالخوارج (٦)، مع كونِهما ثابِتان مِن وجوهٍ عَديدة أخرى (٧).
وقد بيَّنا منهج البخاريِّ ومسلمٍ في الرِّواية عن أهل البِدع في مَبحثٍ سابقٍ (٨).
стр. 695
وإن كنتُ مع ذلك لا أرتاب في كونِ الكوثريِّ مُبجِّلًا لصحيحي البخاريِّ مسلمٍ، محتجًّا بأحاديثهما على المُخالف، موصيًا طَلَبة العلم والقائمين على المعاهد بالحرص على تدارسِهما والاعتناء بحفظ أحاديثِهما (١).
الفرع الثَّاني: تعثُّر الكوثريِّ في نقدِ بعض أحاديث «الصَّحيحين» جرَّاء صلابتِه المَذهبيَّة.
لقد أُطِيحَ بالكوثريِّ في أخطائه على الرُّواة والعلماء بردودٍ مُتعاقدةٍ مُتناصرةٍ، لاسِيَما في تعقُّب المُعلِّمي لكتابِه «تَأنيب الخَطيب» الغامِز بجمهرةٍ من الرُّواة بغيرِ وجهِ حَقٍّ؛ فتصدَّى المُعَلِّمِي في «التَّنكيل» للذَّب عن ذِمارِ ثلاثٍ وسبعين ومائتي ترجمةٍ من المُحدِّثينَ وغيرهم، وذلك بالَّتي هي أحسن فهمًا ومَنهجًا وتَقريعًا، فلم يجِدْ (المُؤَنِّبُ) بعدُ مِن الرَّاسِخين تَبِيعًا.
والَّذي آلَ بالكَوثَرِيِّ إلى مثلِ هذه الهنَاتِ العِلميَّة، تسرُّعه في إثباتِ ما يراه صوابًا من غير مزيد تقليبِ نظرٍ فيما هو بصدد تحقيقِه، جرَّاءَ صلابتِه في مذهبِ إمامِه أبي حنيفةَ في الفروع، وعقيدةِ أبي مَنصورٍ في الأصول، تصل أحيانًا إلى حدِّ التَّعصّب! و «العَصَبيَّة لها هُوَاة، وكَمْ جَرَّت مِن مَهازل»! (٢)
يَشهَد عليه بهذه العصبيَّةِ السِّلبيَّة أحدُ مُعجبيه مِن علماء المغرب؛ أعني به عبد الله الغُمارِيَّ، فقد قال في حقِّه: «كُنَّا نُعجَب بالكَوثريِّ، لعلِمِه وسَعةِ اطِّلاعِه، كما كُنَّا نَكره مِنه تَعصُّبَه الشَّديدَ للحَنفيَّة، تَعصُّبًا يفوق تَعصُّبَ الزَّمخشرِيِّ لمذهبِ الاعتزال، حتَّى كان يقول عنه شقيقُنا الحافظ أبو الفَيض: مَجنونُ أبي حنيفة!» (٣).
стр. 696
والمنهج العلميُّ الدَّقيق المتناسق دلالةٌ على حسن تصور صاحبِه، وسلامة فطرته؛ وإنِّي لآسف أن أقول أنَّ الكَوثَريَّ كان في كثيرٍ مِن مَقالاتِه وردودِه -ما تَعلَّق منها بمَسالك التَّصحيحِ والتَّعليل بخاصَّة- يكلَمُ بيدٍ ويَأسو بأخرى! قد نبَّأ بهذا عامَّة مَن تناول الكوثريَّ بالرَّد؛ فلذا خصَّ له أحمد الغُماريُّ «سِفْرًا نارِيًّا تجاوزَ في الحدِّ، بعاملِ ردِّ الفعلِ العَنيفِ» (١)، طُبع بعد وفاةِ الرَّجُلَين، جَمعَ فيه مُتناقِضاتِ الكوثريِّ، وضَمَّ إليه مُتضارِباته، وسَمَه بـ «بيانِ تلبيسِ المُفتري» (٢).
الفرع الثَّالث: مثالان للخلل القابع في منهجِ الكوثريِّ في إعلالِ الصِّحاح.
ولقد كان لهذا التَّجانف مِن الكوثريِّ عن إنصافِ أهل الحديثِ في منهجِ النَّقدِ، آثاره الوَخيمة على نظرِه إلى أحاديث «الصَّحيحين»، بحيث تراه جرِّيئًا على نسفِ كلِّ ما لم يَرُقه مِن مُتونِهما بدعاوي عقديَّةٍ ومذهبيَّة.
стр. 697
فمِن أشهرِ أمثلةِ هذا في بابِ العقائد (١):
ردُّه لحديثِ معاوية بنِ الحَكمِ ﵁ في سؤالِ النَّبيِ ﷺ للجارية: بـ «أين الله؟» (٢)، نَحى فيه إلى تَعليلِه بعد انصارفِه عن تأويلِه، فراحَ يَضرب رواياتِ الحديثِ بعضَها ببعضٍ بدعوى الاضطرابِ، فاستروَحَ الكوثريُّ لإسقاطِ الحديث بذا، مع علمِه بضعفِ كثيرٍ منها، والتَّوفيق بينها مُمكنٌ غير مُتكلَّف (٣).
ومثال ذلك منه في بابِ الفقه:
إعلالُه لما اتُّفِق عليه مِن حديث ابن عبَّاس وابن عمروٍ ﵃: أنَّ رجلًا جاءَ إلى النَّبي ﷺ يومَ مِنى، فقال: حَلقتُ قبل أن أذبح، فقال: اِذبحْ ولا حَرج، وجاء آخرُ فقال: ذَبحتُ قبل أن أرمِي، فقال: اِرمِ ولا حَرج .. » الحديث (٤).
فتعَجَّل الكوثريُّ في مقام نصرة مذهبه إلى تضعيفِ هذا الحديث بكلامٍ عَجيب والله! يقول فيه: «إنَّ هؤلاء السَّائلين مجاهيل في هذه الرِّوايات»! (٥)
فلم تُسعِف الغُماريَّ نفسُه أن يتجاوز عنه هذه الهناتٍ! حتَّى استشاطَ عليه حَنقًا في ردِّه عليه قائلًا: «هذا أقسى ما يكون في الوقاحةِ والإجرام! .. فهذا -كما تَراه- خَرقٌ لإجماعِ العقلاءِ والمسلمين في آنٍ واحدٍ، فإنَّ العقلَ بالضَّرورةِ يقضي أنَّه لا دخلَ لإبهامِ السَّائلين والجهلِ بهم في الرِّواية، لأنَّهم ليسوا بنَقَلة، إنَّما ذُكِروا في الخبرِ سائلين، فلو ذَكَر النَّبي ﷺ ذلك الحكم ابتداءً مِن غير ذكرِ
стр. 698
سؤالِ سائلٍ، لَما كان لذكرِهم أيُّ تأثيرٍ في الحديث، لا في المتنِ، ولا في الإسناد» (١).
فهذان حديثان في «الصَّحيح» قد عمِه رأيُ الكوثريِّ في تضعيفهما، لم يسلك في ذلك مسلكًا علميًّا صحيحًا، ولا سبقه إلى تعليلهما أحدٌ أعرفه مِن المُعتبرين، فما كان جائزًا الاستشهاد به في ما زلَّ فيه، فضلًا عن اتِّخاذ نقداته وليجةً لاعتضاد المعاصرين به في استباحة الصِّحاح؛ والله يغفر له.
стр. 699
المَطلب الرَّابع
موقف أحمد بن الصِّدِّيق الغُماري (١) (ت ١٣٨٠ هـ) من «الصَّحيحين»
الفرع الأوَّل: تَميُّزُ الغُماري في علوم الحديث وسِعة اطِّلاعه على مُصنَّفاتها.
تَبوَّأ الغُماريُّ مكانةً في معرفة الحديثِ لا تكاد تُسامَى في عصرِه ومِصره، لم يُنازِع مُنصفٌ لقِيَه في قُوَّة حفظِه لمتونِ الأحاديث، وسِعَة معرفتِه بدَواوينِها، وغزارةِ تصنيفِه في علومِها (٢)؛ فلستُ أبالغ إن نَفَيْتُ له مُسَاويًا في ذلك ببلاد المغرب كلِّها، في زمنِه ولا قبله! (٣)
стр. 700
يقول عنه تلميذه محمَّد الأمين بوخبزة: «لقد كان الغُماريُّ كثيرَ الكتابةِ سريعًا، فهو يكتبُ في مجلسٍ واحدٍ ما يعجزُ عنه جماعةٌ في ساعاتٍ، واتَّفقَ له أن كتَبَ مُؤلَّفات يَوميَّة، أي أنَّه يكتبُ مُؤلَّفًا في كرَّاساتٍ ثلاثةٍ أو أربعةٍ في يومٍ أو بعضِه! ولكن الحِلو لا يَثِمُّ -كما يقول المَثَل-، فإنَّ عَيْبَ هذا الرَّجلِ أنَّ عِلمَه أكثرُ مِن عَقلِه، فهو مُتسرِّعٌ وصاحب مُبالغة، ولا يَتَحرَّى كثيرًا مِن النَّقل» (١).
وحقًّا وجدته في عامَّة تحقيقاته كما قال؛ يحشُر الطُّرق والأسانيد حشرًا دون نقدٍ ولا تمييز، وكثيرًا ما يبني على مُجرَّد ذلك أحكامًا لا تصحُّ، وهذا شيءٌ يعرِفُه مَن طالَع مُؤلَّفاتِه بتَجرُّدِ النَّاقد، خاصَّةً منها «المُداوي لعِلَل المُناوي»، و «فتح الملِك العليِّ بصحَّة حديث باب مدينة العلم عليّ».
وعلى ما هو عليه مِن سِعَة اطِّلاع وفهمٍ لهذا الفنِّ، ودُربة في مُمارسته، هو وأَخَوَاه عبد الله وعبد العزيز؛ فإنَّ ذلك لم يعصِمه من الوقوعِ في هناتٍ قبيحةٍ في مَسائل منه، خالفَ بها المُحدِّثين في منهجَ التَّعليل والجرح والتَّعديل؛ ممَّا يُعطي النَّاظر في كثيرٍ من مُصنَّفاته هو والآخرَين انطباعًا باستحكامِ الهَوى في أحكامِهم؛ فلقد وقعوا فيما أنكروه على الكوثريِّ مِن التَّعصُّبِ للرَّأي والشُّذوذ فيه!
الفرع الثَّاني: نقد كلامٍ للغُماري يُحتَجُّ به لفتح باب الطَّعن لأخبار «الصَّحيحين».
تَهَاوى بعض المُعاصرين المَهْوُوسين بفكرة تنقية التُّراث الإسلاميِّ على تردادِ بعض مُقرَّرات الغُماريِّ، أشهرها فقرةٌ مِن كلامه طاروا بها كلَّ مَطارٍ، يذكر فيها بعض مَعايير معرفةِ الحديثِ المَوضوع (٢)، يقول فيها:
стр. 701
«كمْ مِن حديثٍ صَحَّحه الحُفَّاظ وهو باطلٌ! بالنَّظر إلى مَعناه ومُعارضتِه للقرآن، أو السُّنةِ الصَّحيحةِ، أو مخالفةِ الواقعِ والتَّاريخِ؛ وذلك لدخولِ الوَهم والغلَطِ فيه على المَعروف بالعدالةِ، بل قد يَتَعمَّد الكذب! فإنَّ الشُّهرةَ بالعدالةِ لا تُفيد القَّطعَ في الواقع.
ومنها أحاديث «الصَّحِيحين»، فإنَّ فيها ما هو مَقطوعٌ ببُطلانِه! فلا تَغتَرَّ بذلك، ولا تَتَهيَّب الحُكمَ عليه بالوضعِ لِما يذكرونه مِن الإجماعِ على صِحَّة ما فيهما، فإنَّها دعوى فارغةٌ! لا تثبُت عند البحثِ والتَّمحيصِ، فإنَّ الإجماعَ على صِحَّةِ جميعِ أحاديثِ الصَّحيحين غير مَعقولٍ ولا واقعٍ» (١).
فعامَّة هذا الكلام محضُ غلط، والغُماريُّ يُشنِّع على الكوثريِّ تناقُضاتِه وهو واقعٌ بها! فها هو ذا يفتحُ بابَ التَّكذيب لمِا في «الصَّحيحين» بدعوى أنْ لا إجماع على ما فيهما؛ مع أنَّه هو نفسُه مَن أنكرَ على الكوثريِّ طعنًا له في حديثٍ أخرَجه الشَّيخان، محتجًّا عليه بأنَّه «طَعْنٌ في أحاديثِ الصَّحِيحين المُجمَعِ على صِحَّتها» (٢)!
وهو نفسُه مَن دافع على أحدِ الرُّواة مِمَّن تُكلِّم فيه بقوله: «يُعتَبر توثيقُ مسلم له ومَن وافقه على توثيقه، فيكون الحديث صحيحًا، لاسيما بعد دخوله في الكتاب المُجمَع مِن الأمَّة على صِحَّتِه» (٣)!
ولقد حَوت فقرَتُه السَّابقة جملةً مِن المغالطاتٍ، لنا في كشفِها ثلاثُ وَقفات:
الوقفة الأولى: قول الغُمارِيِّ أنَّ كثيرًا مِمَّا صَحَّحه الحُفَّاظ باطلٌ بالنَّظر إلى متنِه:
فهذا مثال لمِا ذكرناه عنه آنفًا مِن تسرُّعه في أحكامه المبالغِة! وهو كلام عمومه مُشكلٌ يُستفصَل عنه:
стр. 702
فإن كان قصدُه ما اتَّفقَ الحُفَّاظُ على تصحيحِه من الأخبار، وتلقَّوها بالقَبول -كحال أصولِ المَرفوعات في «الصَّحيحين» -: فكلامه ردٌّ؛ فإنَّ جريان عملهم على تصحيحِها والاحتجاجِ بها مُستَلزِمٌ لاستقامةِ مُتونِها ضرورةً، فلن يَغيب عن جميعِهم نَكارةُ متنِها إن وُجِدَت؛ وسبق الكلام حول هذه المسألة.
وإن كان يريدُ بإطلاقِه بعضَ الحُفَّاظِ، وأنَّ آخرين يُخالفونهم: فهذا يقع كثيرًا؛ يَتنازع النُّقاد في ترجيحِ صِحَّة حديثٍ من عدمه، فما يُصحِّحه جماعةُ ويقبلون متنه، قد يراه آخرون مَعلولًا ويُبطلون مَدلولَه! فلا حَرَج مِن اختيارِ أحَدِ القولينِ بدليلِه.
والظَّاهر من كلامِ الغُماريِّ نزوعه إلى المقصد الأوَّل لا الثَّاني! فإنَّ مِن كبائرِ الغُماريِّ وأصل بلِيَّتِه: استحقارُه لإجماعاتِ المُحدِّثين! فلا يكاد يُبالي بأقوالِ سَاداتِهم إذا خالَفَت رأيَه.
تَرى شاهدَ هذا صارخًا من قبيح قوله: «في المُحدِّثين عادةٌ قبيحةٌ! هي تَقليد السِّابقِ منهم، والاعتماد على ما يقول مِن غير تأمُّلٍ ولا رويَّةٍ، ومع صرفِ النَّظر عن التَّحقيق والاستدلال والبحث فيما يُؤيِّد قولَ ذلك السَّابق أو يُبطله ويَردُّه، لأنَّهم ليسوا أهل نظرٍ واستدلال، وإنَّما أهل رواية وإسناد.
فإذا قال واحدٌ منهم، مثل أحمد، وابن معين، وأبي حاتم، وأبي زرعة، في حديثٍ أو رجلٍ قولًا، فكلُّ مَن جاء بعدهم سيعتَمِد ذلك القول، ويردُّ به الأحاديث المتعدِّدة ويضعِّفها، لا لدليل ولا برهان ..
فلا يهولنك اجتماعُهم على أمرٍ واتِّفاقُهم على شيءٍ! ولا تعتمد عليه، حتَّى تعلم صحَّتَه أو بُطلانه مِن جهة الدَّليل، فإنَّ أهل التَّحقيق والنَّظر لو سَلَكوا طريقتَهم هذه، لأبطلوا ثُلث الشَّريعة! وردُّوا أكثر الأحاديث الصَّحيحة، لولا أنَّ الله أيَّدهم بنورِه، وأمدَّهم بتوفيقِه، فضربوا بأقوالهم عرضَ الحائط، وداسوا اتِّفاقاتهم بالأقدام، وتطلَّعوا بنظرهم الصَّائِب إلى الحقائق ..
стр. 703
فإذا بحثت في الأمر وحقَّقت المسألة، وجدتهم يتِّفقون في وقت الضُّحى على إنكارِ وجودِ الشَّمس في السَّماء، لأنَّ أوَّلهم الأعمى أنكرها فتابعوه على ذلك! ثقةً منهم بقولِه، وتقديمًا لتقليدِه على يقينِ حسِّهم، وهكذا تجدُ اتِّفاقهم على تضعيفِ عبد السَّلام بن صالح الهروي (١)، وعلى إبطالِ حديث: «الطَّير»، وحديث: «أنا مدينة العلم» (٢)، وغير هذا ممَّا يطول ذكره، ويصعب تتبُّعه» (٣).
الوقفة الثَّانية: قوله أنَّ سببَ بطلانِ المتنِ راجعٌ إلى دخولِ الوهم على العَدلِ:
نَعم؛ مُسلَّم به أنَّ الثِّقاتِ مهما بَلغوا في قوَّة ضبطِهم، فلا بدَّ لهم مِن هناتٍ في كثير ما يَروُونَه، والمَعصوم مَن عصَمَه الله؛ لكنَّ الغماريَّ أتبعَ كلامَه بما كانَ الواجبَ تَركُه، ادَّعى فيه على مَشهورِ العدالةِ إمكانَ تعمُّدِ الكذِبَ في الحديث!
وهذا لغوٌ لا طائل منه؛ فإنَّ النُّقادَ لم يُنزلوا العَدْلَ مكانتَه إلَّا بعد تَتبُّعٍ لسيرَتِه ونَخلِ مَرويَّاتِه، فإذا اجتمعوا على تعديلِ راوٍ، فهم شُهداء الله في الأرض، والأصل الثَّابت عند العلماءِ لا يُشَغَّب عليه بمثلِ هذه الاحتمالات.
ولا يُستغرب الشَّيء مِن مَعدِنه! فإنَّ الغُماريَّ هو مَن فاه بـ «أنَّ الجرحَ والتَّعديلَ غيرُ مُحقَّقِ النِّسبةِ إلى جميعِ المُوثَّقين والمَجروحِين، فكم مِن ثقةٍ جَرَّحوه! وكم مِن مَجروحٍ وَثَّقوه!» (٤).
وهذا -لا شكَّ- مِن بَقايا تأثُّرِه بالزَّيدية ومُحدِّثِهم محمَّد بنِ عَقيل الحضرَميِّ (٥)؛ فَلَكَم أثنى على كتابِه «العَتَب الجميل» في الطَّعنِ على أهلِ الجرحِ
стр. 704
والتَّعديل؛ فلقد «أفسدَ هذا الرَّجلُ وقَبِيلُه مِن آلِ السَّقاف الزَّيْدِيِّين بدَسائِسِهم الشَّيخَ أبا الفَيض الغُماري، وقَلبوه زَيْديًّا أكثرَ منهم! كما تراه جَلِيًّا في كتابه «فتح المَلِك العَليِّ، بصحَّةِ حديثِ: باب مدينة العلمِ عَليّ (¬١»)، حتَّى جعلَ المحدِّثين أغلبَهم زَيديَّة! (٢)
ولا عَتَب على نُقَّادِ الرِّجال وهم مَن قام بأعباءِ ما حُمِّلوا مِن أمانةِ نَبيِّهم فتَحمَّلوها، فكَشفوا عن أحوالِ الرُّواةِ عَوارَهم، ومَحوا عن السُّنةِ عارَههم، فمُحالٌ أن يَتوافقوا على عدالةِ رَاوٍ هو خِلافُ ما حَسِبوه، ثمَّ تتبعَهم الأمَّة في التَّديُّنِ بأخبارِه، ولا يَنصب الله لهم عَلامةً على سوء حالِه، وبراءةِ وَحْيِه مِن مُفترَياتِه! و «الله ما سَتَر أحَدًا يكذِبُ في الحديث»، كما قال سفيان بن عُيينة (ت ١٩٨ هـ) (٣).
يقول المُعلِّمي: «إذا استمَرَّ الحالُ على توثيقِ رَجلٍ، ولم يَطعن فيه أحدٌ بحُجَّة، فمِن المُحالِ أن يكون ذلك الرَّجل مِمَّن قد يكذِبُ في الحديث، إذْ لو كان كذلك، لفَضَحه الله تعالى، لِما يَلزم مِن سترِه مِن التصاقِ مَروِيِّه بالشَّريعةِ، وقد تَكفَّل الله بحفظِها؛ نعم، يبقى احتمالُ الغَلطِ في بعضِ ما رَوى، ولكنَّه لا بُدَّ أن يُنبِّه الله عليه بعضَ أهلِ العلمِ» (٤).
الوقفة الثَّالثة: قول الغُماريِّ عن أحاديثِ «الصَّحيحين» أنَّ فيها ما هو مَقطوعٌ ببُطلانِه .. إلخ:
قد سَبق الكلام عن أقسامِ ما انتَقَده الحُفَّاظ مِن أحاديثِ «الصَّحيحين»، وأنَّ منها أحاديث مَردودة معدودة على أصابع اليَدين لا تَصمد أمامَ النَّقد، منها ما أخرجَه الشَّيخان وهُما يَعلمانِ علَّته.
стр. 705
لكن ما يَشين عبارةَ الغُماريِّ إطلاقُه للفظِ (الوَضع) على حديث في «الصَّحيحين»! بل ودعوته غيرَه إلى عَدمِ التَّهيُّبِ مِن الحكمِ عليها بذلك إن بَدا له! مُتذرِّعًا بانتفاءِ الإجماعِ عليها؛ ولا ريبَ أنَّه تَهوُّرٌ يفتحِ ذرائعَ لإنكارِ كلِّ مُتَطفِّل جَهولٍ ما لا يَرُوقه مِن الكِتابين؛ فلم يُبقِ الرَّجل بذا للصَّحيحين حُرمةٌ!
فمَن يدلُّني على ناقدٍ مُعتبَرٍ رمَى راويًا في «الصَّحيحين» بالكَذبِ والوَضعِ قبل الغُماريِّ لمُجرَّدِ نكارةٍ رآها في مَتنٍ رواه؟! وأيُّ ناقدٍ مُعتَبرٍ حَكَم على حديث في «الصَّحيحين» بأنَّه موضوعٌ؟! (١) اللَّهم إلَّا ابنَ حزم (ت ٤٥٦ هـ)! وما أشبَهَ الغُماريَّ به في حِدَّتِه! فقد تابَعَه في تكذيبِ قصَّةِ عَرضِ أبي سفيان لابنتِه حبيبة على النَّبي ﷺ وهي في «صحيح مسلم» (٢)، ووافقه في اتِّهام عكرمةَ بنِ عمَّار رَاوِيه بوَضعِه (٣)!
وفي الشَّهادة على هذا التَّأثُّر الغُماريِّ بابن حزم، يقول بوخبزة الحَسنيُّ: «شيخنا أحمد ابن الصِّدِّيق الغُماري الطَّنجي .. كان لهِجًا بابن حزمٍ، داعِيًا إلى كُتُبِه، حتَّى إنَّه أوْلَم لمَّا خَتم المرَّة الأولى مِن «المُحَلَّى» عن طبعتِه الأولى! وخَرَج منها -وهو شابٌ يَتوقَّد ذكاءً وطُموحًا- نِقمَةً على الفقهاء، ولعنةً على المُتَعصِّبة!