«كمْ مِن حديثٍ صَحَّحه الحُفَّاظ وهو باطلٌ! بالنَّظر إلى مَعناه ومُعارضتِه للقرآن، أو السُّنةِ الصَّحيحةِ، أو مخالفةِ الواقعِ والتَّاريخِ؛ وذلك لدخولِ الوَهم والغلَطِ فيه على المَعروف بالعدالةِ، بل قد يَتَعمَّد الكذب! فإنَّ الشُّهرةَ بالعدالةِ لا تُفيد القَّطعَ في الواقع.
ومنها أحاديث «الصَّحِيحين»، فإنَّ فيها ما هو مَقطوعٌ ببُطلانِه! فلا تَغتَرَّ بذلك، ولا تَتَهيَّب الحُكمَ عليه بالوضعِ لِما يذكرونه مِن الإجماعِ على صِحَّة ما فيهما، فإنَّها دعوى فارغةٌ! لا تثبُت عند البحثِ والتَّمحيصِ، فإنَّ الإجماعَ على صِحَّةِ جميعِ أحاديثِ الصَّحيحين غير مَعقولٍ ولا واقعٍ» (١).
فعامَّة هذا الكلام محضُ غلط، والغُماريُّ يُشنِّع على الكوثريِّ تناقُضاتِه وهو واقعٌ بها! فها هو ذا يفتحُ بابَ التَّكذيب لمِا في «الصَّحيحين» بدعوى أنْ لا إجماع على ما فيهما؛ مع أنَّه هو نفسُه مَن أنكرَ على الكوثريِّ طعنًا له في حديثٍ أخرَجه الشَّيخان، محتجًّا عليه بأنَّه «طَعْنٌ في أحاديثِ الصَّحِيحين المُجمَعِ على صِحَّتها» (٢)!
وهو نفسُه مَن دافع على أحدِ الرُّواة مِمَّن تُكلِّم فيه بقوله: «يُعتَبر توثيقُ مسلم له ومَن وافقه على توثيقه، فيكون الحديث صحيحًا، لاسيما بعد دخوله في الكتاب المُجمَع مِن الأمَّة على صِحَّتِه» (٣)!
ولقد حَوت فقرَتُه السَّابقة جملةً مِن المغالطاتٍ، لنا في كشفِها ثلاثُ وَقفات:
الوقفة الأولى: قول الغُمارِيِّ أنَّ كثيرًا مِمَّا صَحَّحه الحُفَّاظ باطلٌ بالنَّظر إلى متنِه:
فهذا مثال لمِا ذكرناه عنه آنفًا مِن تسرُّعه في أحكامه المبالغِة! وهو كلام عمومه مُشكلٌ يُستفصَل عنه:
стр. 702
فإن كان قصدُه ما اتَّفقَ الحُفَّاظُ على تصحيحِه من الأخبار، وتلقَّوها بالقَبول -كحال أصولِ المَرفوعات في «الصَّحيحين» -: فكلامه ردٌّ؛ فإنَّ جريان عملهم على تصحيحِها والاحتجاجِ بها مُستَلزِمٌ لاستقامةِ مُتونِها ضرورةً، فلن يَغيب عن جميعِهم نَكارةُ متنِها إن وُجِدَت؛ وسبق الكلام حول هذه المسألة.
وإن كان يريدُ بإطلاقِه بعضَ الحُفَّاظِ، وأنَّ آخرين يُخالفونهم: فهذا يقع كثيرًا؛ يَتنازع النُّقاد في ترجيحِ صِحَّة حديثٍ من عدمه، فما يُصحِّحه جماعةُ ويقبلون متنه، قد يراه آخرون مَعلولًا ويُبطلون مَدلولَه! فلا حَرَج مِن اختيارِ أحَدِ القولينِ بدليلِه.
والظَّاهر من كلامِ الغُماريِّ نزوعه إلى المقصد الأوَّل لا الثَّاني! فإنَّ مِن كبائرِ الغُماريِّ وأصل بلِيَّتِه: استحقارُه لإجماعاتِ المُحدِّثين! فلا يكاد يُبالي بأقوالِ سَاداتِهم إذا خالَفَت رأيَه.
تَرى شاهدَ هذا صارخًا من قبيح قوله: «في المُحدِّثين عادةٌ قبيحةٌ! هي تَقليد السِّابقِ منهم، والاعتماد على ما يقول مِن غير تأمُّلٍ ولا رويَّةٍ، ومع صرفِ النَّظر عن التَّحقيق والاستدلال والبحث فيما يُؤيِّد قولَ ذلك السَّابق أو يُبطله ويَردُّه، لأنَّهم ليسوا أهل نظرٍ واستدلال، وإنَّما أهل رواية وإسناد.
فإذا قال واحدٌ منهم، مثل أحمد، وابن معين، وأبي حاتم، وأبي زرعة، في حديثٍ أو رجلٍ قولًا، فكلُّ مَن جاء بعدهم سيعتَمِد ذلك القول، ويردُّ به الأحاديث المتعدِّدة ويضعِّفها، لا لدليل ولا برهان ..
فلا يهولنك اجتماعُهم على أمرٍ واتِّفاقُهم على شيءٍ! ولا تعتمد عليه، حتَّى تعلم صحَّتَه أو بُطلانه مِن جهة الدَّليل، فإنَّ أهل التَّحقيق والنَّظر لو سَلَكوا طريقتَهم هذه، لأبطلوا ثُلث الشَّريعة! وردُّوا أكثر الأحاديث الصَّحيحة، لولا أنَّ الله أيَّدهم بنورِه، وأمدَّهم بتوفيقِه، فضربوا بأقوالهم عرضَ الحائط، وداسوا اتِّفاقاتهم بالأقدام، وتطلَّعوا بنظرهم الصَّائِب إلى الحقائق ..
стр. 703
فإذا بحثت في الأمر وحقَّقت المسألة، وجدتهم يتِّفقون في وقت الضُّحى على إنكارِ وجودِ الشَّمس في السَّماء، لأنَّ أوَّلهم الأعمى أنكرها فتابعوه على ذلك! ثقةً منهم بقولِه، وتقديمًا لتقليدِه على يقينِ حسِّهم، وهكذا تجدُ اتِّفاقهم على تضعيفِ عبد السَّلام بن صالح الهروي (١)، وعلى إبطالِ حديث: «الطَّير»، وحديث: «أنا مدينة العلم» (٢)، وغير هذا ممَّا يطول ذكره، ويصعب تتبُّعه» (٣).
الوقفة الثَّانية: قوله أنَّ سببَ بطلانِ المتنِ راجعٌ إلى دخولِ الوهم على العَدلِ:
نَعم؛ مُسلَّم به أنَّ الثِّقاتِ مهما بَلغوا في قوَّة ضبطِهم، فلا بدَّ لهم مِن هناتٍ في كثير ما يَروُونَه، والمَعصوم مَن عصَمَه الله؛ لكنَّ الغماريَّ أتبعَ كلامَه بما كانَ الواجبَ تَركُه، ادَّعى فيه على مَشهورِ العدالةِ إمكانَ تعمُّدِ الكذِبَ في الحديث!
وهذا لغوٌ لا طائل منه؛ فإنَّ النُّقادَ لم يُنزلوا العَدْلَ مكانتَه إلَّا بعد تَتبُّعٍ لسيرَتِه ونَخلِ مَرويَّاتِه، فإذا اجتمعوا على تعديلِ راوٍ، فهم شُهداء الله في الأرض، والأصل الثَّابت عند العلماءِ لا يُشَغَّب عليه بمثلِ هذه الاحتمالات.
ولا يُستغرب الشَّيء مِن مَعدِنه! فإنَّ الغُماريَّ هو مَن فاه بـ «أنَّ الجرحَ والتَّعديلَ غيرُ مُحقَّقِ النِّسبةِ إلى جميعِ المُوثَّقين والمَجروحِين، فكم مِن ثقةٍ جَرَّحوه! وكم مِن مَجروحٍ وَثَّقوه!» (٤).
وهذا -لا شكَّ- مِن بَقايا تأثُّرِه بالزَّيدية ومُحدِّثِهم محمَّد بنِ عَقيل الحضرَميِّ (٥)؛ فَلَكَم أثنى على كتابِه «العَتَب الجميل» في الطَّعنِ على أهلِ الجرحِ
стр. 704
والتَّعديل؛ فلقد «أفسدَ هذا الرَّجلُ وقَبِيلُه مِن آلِ السَّقاف الزَّيْدِيِّين بدَسائِسِهم الشَّيخَ أبا الفَيض الغُماري، وقَلبوه زَيْديًّا أكثرَ منهم! كما تراه جَلِيًّا في كتابه «فتح المَلِك العَليِّ، بصحَّةِ حديثِ: باب مدينة العلمِ عَليّ (¬١»)، حتَّى جعلَ المحدِّثين أغلبَهم زَيديَّة! (٢)
ولا عَتَب على نُقَّادِ الرِّجال وهم مَن قام بأعباءِ ما حُمِّلوا مِن أمانةِ نَبيِّهم فتَحمَّلوها، فكَشفوا عن أحوالِ الرُّواةِ عَوارَهم، ومَحوا عن السُّنةِ عارَههم، فمُحالٌ أن يَتوافقوا على عدالةِ رَاوٍ هو خِلافُ ما حَسِبوه، ثمَّ تتبعَهم الأمَّة في التَّديُّنِ بأخبارِه، ولا يَنصب الله لهم عَلامةً على سوء حالِه، وبراءةِ وَحْيِه مِن مُفترَياتِه! و «الله ما سَتَر أحَدًا يكذِبُ في الحديث»، كما قال سفيان بن عُيينة (ت ١٩٨ هـ) (٣).
يقول المُعلِّمي: «إذا استمَرَّ الحالُ على توثيقِ رَجلٍ، ولم يَطعن فيه أحدٌ بحُجَّة، فمِن المُحالِ أن يكون ذلك الرَّجل مِمَّن قد يكذِبُ في الحديث، إذْ لو كان كذلك، لفَضَحه الله تعالى، لِما يَلزم مِن سترِه مِن التصاقِ مَروِيِّه بالشَّريعةِ، وقد تَكفَّل الله بحفظِها؛ نعم، يبقى احتمالُ الغَلطِ في بعضِ ما رَوى، ولكنَّه لا بُدَّ أن يُنبِّه الله عليه بعضَ أهلِ العلمِ» (٤).
الوقفة الثَّالثة: قول الغُماريِّ عن أحاديثِ «الصَّحيحين» أنَّ فيها ما هو مَقطوعٌ ببُطلانِه .. إلخ:
قد سَبق الكلام عن أقسامِ ما انتَقَده الحُفَّاظ مِن أحاديثِ «الصَّحيحين»، وأنَّ منها أحاديث مَردودة معدودة على أصابع اليَدين لا تَصمد أمامَ النَّقد، منها ما أخرجَه الشَّيخان وهُما يَعلمانِ علَّته.
стр. 705
لكن ما يَشين عبارةَ الغُماريِّ إطلاقُه للفظِ (الوَضع) على حديث في «الصَّحيحين»! بل ودعوته غيرَه إلى عَدمِ التَّهيُّبِ مِن الحكمِ عليها بذلك إن بَدا له! مُتذرِّعًا بانتفاءِ الإجماعِ عليها؛ ولا ريبَ أنَّه تَهوُّرٌ يفتحِ ذرائعَ لإنكارِ كلِّ مُتَطفِّل جَهولٍ ما لا يَرُوقه مِن الكِتابين؛ فلم يُبقِ الرَّجل بذا للصَّحيحين حُرمةٌ!
فمَن يدلُّني على ناقدٍ مُعتبَرٍ رمَى راويًا في «الصَّحيحين» بالكَذبِ والوَضعِ قبل الغُماريِّ لمُجرَّدِ نكارةٍ رآها في مَتنٍ رواه؟! وأيُّ ناقدٍ مُعتَبرٍ حَكَم على حديث في «الصَّحيحين» بأنَّه موضوعٌ؟! (١) اللَّهم إلَّا ابنَ حزم (ت ٤٥٦ هـ)! وما أشبَهَ الغُماريَّ به في حِدَّتِه! فقد تابَعَه في تكذيبِ قصَّةِ عَرضِ أبي سفيان لابنتِه حبيبة على النَّبي ﷺ وهي في «صحيح مسلم» (٢)، ووافقه في اتِّهام عكرمةَ بنِ عمَّار رَاوِيه بوَضعِه (٣)!
وفي الشَّهادة على هذا التَّأثُّر الغُماريِّ بابن حزم، يقول بوخبزة الحَسنيُّ: «شيخنا أحمد ابن الصِّدِّيق الغُماري الطَّنجي .. كان لهِجًا بابن حزمٍ، داعِيًا إلى كُتُبِه، حتَّى إنَّه أوْلَم لمَّا خَتم المرَّة الأولى مِن «المُحَلَّى» عن طبعتِه الأولى! وخَرَج منها -وهو شابٌ يَتوقَّد ذكاءً وطُموحًا- نِقمَةً على الفقهاء، ولعنةً على المُتَعصِّبة!
стр. 706
فكان يُجرِعهم الحنْظلَ، ويُلقمهم الجنْدَلَ؛ حتَّى إنِّي استفظَعتُ نعتَه لأبي حنيفةَ بـ (أبي جِيفة)! .. في حين أنَّه يَصفُ كثيرًا مِن جَهلةِ المُتصوِّفة بالخُصوصِيَّة والولايةِ الكُبرى، وهم لا يُؤهَّلون لحملِ نِعالِ أبي حنيفة» (١).
إنَّ الأصلَ في حكم النُّقاد على الرَّاوي الثِّقة، إذا خَلَّط في ذكر حديثٍ فوَهِم في نسبتِه إلى النَّبي ﷺ ، أنْ يُدرجوا حديثَه هذا في حَدِّ النَّكارةِ أو البُطلانِ -على أشدِّ تقديرٍ-؛ أمَّا أن يصِموه بالموضوع -كما فعَلَ الغُماريُّ بحديث مسلمٍ- فما أبعدهم عن هذا الغلُوِّ! فإنَّ الموضوع في عامَّة استعمالهم -كما استخلصه الذَّهبيُّ من رحيق كلامهم- «ما كان متنُه مخالفًا للقواعد، وراويه كذَّابًا» (٢)؛ وقد سلَّم الله عكرمةَ بن عمَّار أن يكون كذلك.
وسيأتي مزيد بسط في نقضِ شديد كلامِ ابن حزم والغُماريِّ في حقِّ حديث عَرْض أبي سفيان لابنته على النَّبي ﷺ في «صحيح مسلم»، وذلك في مبحثه الخاصِّ من القسم الثَّاني للبحث.
وللغُماريِّ مِن مثل هذا الشَّطَط في أحكامه على المُحدِّثين ودواوينِهم الشَّيء الكثير؛ فهو الَّذي شَنَّ الغارَة على التِّرمذي وأئمَّة الحديثِ بتُهمةِ جمودِهم على ظاهرِ السَّند، وزَعم أنَّ هذا الجمودَ هو العِلَّةُ في إخراجِ البخاريِّ ومسلم للأباطيلِ في صحيحيهما (٣)، ثمَّ لم يَرْعَوِ عن غَيِّه حتَّى بهَتَ البُخاريَّ بنصبِ العَداوةِ لأهلِ البيت! (٤) نسأل الله السَّلامة.
إنَّ آفةَ الغُماريِّ في نظري -فضلًا عمَّا أمضيناه مِن بوائقه- تَسرُّع نفسِه المضطربةِ إلى إصدارِ الأحكامِ المُنفعلة! لا أكاد أراه في كثيرٍ من الأحاديثِ الَّتي يدرسها يُكلِّف نفسَه التَّفتيش في أسانيدها بنَفَسِ المُقمِّش، ولا استقراءَ كلامِ الأئمَّة عنها بنَفسِ المُوازِن؛ ولكن يُطلق لقلمِه العَنان بما أملاه بادئُ رأيِه.
стр. 707
وسترى أمثلَة هذا مِلْءَ العَينِ إن طالعت رسالتَه المَوسومةِ بـ «المُغِير على الأحاديثِ المَوضوعةِ في الجامعِ الصَّغيرِ»؛ حيث السَّرْدُ المُمِلُّ والتَّعقيب بالطَّعنِ المُجَرَّدِ سِمتانِ بارزتان له؛ والدِّيانة تَستوجِب الوَرع في دراسةِ الوَحي، والتَّحري يَفرض التَّريُّثَ واستفراغَ الجُهد في إثباتِ شيءٍ فيها أو نفيِه؛ والله من وراء القصد.
стр. 708
المَطلب الخامس
موقف عبد الله بن الصِّديق الغُماري (١) (ت ١٤١٣ هـ) من «الصَّحيحين» ودراسة بعضِ ما أعلَّه فيهما
عبد الله بن الصدِّيق أعلمُ الغُمارِيِّين بالحديثِ بعد أخيه البِكْر أحمد، فبسبَبِه أحبَّ هذا الفنِّ وتَوجَّه لدراستِه، وأثرُه على قلمِه الحديثيِّ واضح في مُؤلَّفاته؛ وإن كان عبد الله ألطفَ عِبارةً منه في النَّقد، وألْيَن جانبًا في الرَّد.
فإنَّه مع ضعف اندفاعه هذا -مقارنةً بأحمد- لم يكُن لينجُو مِن بعض العيوبِ المنهجيَّة الَّتي وقَع فيها شقيقه تصحيحًا أو تعليلًا، والعَجلة في رَميِ الحديثِ بالوَضعِ مِن غيرِ دَليلٍ رجيح، وهذا يحصل منه أحيانًا لاستحكامِ النَّزعاتِ المَذهبيَّة عليه (٢).
стр. 709
ومِن مَظاهرِ تحكُّم عبد الله بن الصِّديق في نقدِ «الصَّحيحين»: بما ندَّعيه عليه من استحكام النَّزعة المذهبيَّة: محاوَلتُه اليائسة للطَّعنَ في حديثِ مُعاوية بن الحَكم ﵁ الَّذي سأل فيه النَّبي ﷺ الجارية عن الله بأين
(١) حيث حكَمَ عبد الله بشذوذِ هذا الحديث الصَّحيح وهو في «مسلم»! وبنفسِ العِلَل التَّي ساقَها سَلَفه الكَوثريُّ لإبطال الحديث؛ ثمَّ زاد عليه أشياءَ تَنقضُ المتنَ في زعمِه لم يذكرها الكوثريُّ
(٢).
وقد تَمادى بعبد اللهِ الخَطلُ في مثالٍ آخر أبطلَ فيه الحديثَ المُتَّفق على صِحَّته بين العلماء! مِن قولِه ﷺ آخرَ عُمرهِ المُباركِ: «لَعَنَ الله اليَهود والنَّصارى، اتَّخذوا قبورَ أنبيائِهم مَساجد» (٣)؛ بل أبطلَ أحاديثَ هذا البابِ كلِّها! بدعوى مُخالَفتِها لمِا يَفهمه مِن القرآن غيرَ مُبالٍ بتَكاثر طُرقِها، وتَواترِ مَعناها عن النَّبي ﷺ (٤).
هذا وهو المُقرُّ بأنَّ أكثرَ أهل العلم متقدِّمين ومتأخِّرين قد عَمِلوا به، لكن عذرُهم في ذلك عنده: أنَّهم لم يَتَفطَّنوا لِما تَفَطَّن له فيه مِن العِلَل الَّتي تَقضي بتركِ العَمل به واعتقاده.
يقول: «هذا حديثٌ ثابتٌ في الصَّحيحين وغيرهِما مِن طُرق، وقد عَمِل به كثيرٌ مِن العلماء المُتقدِّمين والمتأخِّرين، ولم يتَفَطَّنوا لمِا فيه مِن العِلَل الَّتي تقتضى
стр. 710
ترك العمل به، وذلك أنَّ القرآن الكريم يُعارض هذا الحديث مِن ثلاثة أوجه .. » (١).
وخلاصة الوجوه الثَّلاثة عنده: أنَّ اليهود آذوا الله ورسولَه بتُهم شائنةٍ، استحقُّوا عليها اللَّعنة، وأنَّهم كانوا يَقتلون الأنبياء، وأنَّهم حاولوا قتل عيسى ﵇ ومحمَّد ﷺ ، فلا يَتَصَوَّر هو بعدَ عُدوانَهم هذا على المُرسلين أن يتَّخذوا قبورَهم مساجد!.
وما أحسنَ ما فنَّد به (محمَّد الغزاليِّ) هذه الشُّبهة الَّتي ألقى بها الغُماريُّ بجوابٍ مُختصرٍ، يقول فيه: «إنَّ الله وَصَف اليهودَ بقولِه: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]؛ فالصَّالحون أبَوا الاعتداءَ على الأنبياء، والمُجرمون سَفَكوا دماءَهم، وبعد قتلِهم، بُنِيَت المَعابد على قبورِهم، تكريمًا لهم، على أنَّ هذه المقابر وساكنِيها حُصِدَت مع اجتياحِ الأعداءِ للأرض المُقدَّسة، فليس هناك الآن قبرٌ قائمٌ به نبيٌّ معروف! وحَلَّ محلَّ القبورِ الدَّارسةِ أصنامٌ وأنصابٌ ومَذابح في الكنائس المسيحيَّة» (٢).
لقد كان عبد الله في دراستِه النَّقديَّة لهذا الحديثِ وأشباهِه مِن حيث تخريجُه، مُتَمِّمًا هو فيه لِما بَدَأه قبلُ أخوه أحمد مِن دراستِه مِن جِهة الفقه، في كتابِه «إحياء المقبورِ، بأدلَّةِ استحبابِ المَساجد والقِباب على القبور»! (٣)
стр. 711
فلَكَم أغضب هذان الكتابان عند طباعتهما صهرَهما الأمين بوخبزةَ! فسارع بعد انعتاقه من طريقتهما إلى إخراجِ جزءٍ صغيرٍ مطبوعٍ، يرُدُّ فيه عليهما ضمنًا تجويزَهما بناء المساجد على القبور، حَوَت واحدًا وأربعينَ حديثًا في النَّهيِ عن ذلك.
فما كان يجسُر عليه عبد الله مِن إسقاطِ ما اتُّفِق عليه من النُّصوص وجَرَى عَملُ الأئمَّة عليها، تَعصُّبًا لمذهبِ الطُّرقيَّةِ المُتأخِّرِ، ودَفْعًا للرِّيَبِ عَمَّا آلَ إليه آلُ الغُماريِّ مِن بناءِ الزَّاويةِ على قبْرِ أبيهم، وبيعِ قبورِها للنَّاس! (١) لَأمرٌ قبيحٌ، يتسامى عنه المُتجرِّدون للحقِّ مِن أهل الحديث ومن غيرهم.
يقول الأمين بوخُبزة: «حدَّثني الفقيه التُّجكاني أنَّه سمِعَ ابن خالِه وصهرَه الأستاذ عبد الله ابن الصِّدِّيق يُنكر خروجَ يأجوج ومأجوج، ويقول: إنَّهم التَّتار! كما سمِعَه يقول: إنَّ الأعمى الَّذي عَبَس النَّبي ﷺ لمَّا جاءَه ونَزَلَت في شأنِه سورة (عَبَس)، ليس هو ابن أمِّ مكتوم! كما قال المُفسِّرون، واتَّفقَ عليه الأوَّلون والآخرون.
ورأيتُ له في بعضِ كُتُبه كـ «خواطره الدِّينيَّة» أشياء مِن هذا القَبِيل، يُريد بها الانفرادَ والإتيانَ بالجديدِ دون برهانٍ ولا بيانٍ، على قاعدة: خالفْ تُعرفْ!» (٢).
ولعبد الله مِن مثل ذاك العُدوان على أحاديث «الصَّحِيحين» كثيرٌ (٣)؛ يَعمِد إلى حديث منها مُتَّفق عليه ثبوتًا، صريح المعنى ظاهرِ الدَّلالة، فيُبطِله بآياتٍ قرآنيَّة ظنِيَّةِ الدَّلالة، على خلاف ما فهمه منها السَّلف الأوَّلون؛ قد تَعقَّبه فيها بعضُ المُشتغلينَ بالتَّخريج وغيرهم (٤).
стр. 712
فكيف يَصحُّ بعد هذه المَعايبِ العلميَّة كلِّها أن يُستباحَ حِمَى «الصَّحِيحين» تأسِّيًّا به؟!
стр. 713
المَطلب السَّادس
موقف الألبانيِّ (١) (ت ١٤٢٠ هـ) مِن «الصَّحيحين»
الألبانيُّ لونٌ آخر من رتوت المُحدِّثين وأفذاذ المُخرِّجين في هذا العصر، كرَّس حياتَه لمشروعِ «تقريب السُّنةِ بين يَدَي الأمَّة» (٢)، فهو في هذا البابِ من التَّخريجِ نهاية لا تُقارَب، وهمَّةٌ في البحث لا تعُارَض، يحشُد لمِا يَراه حَقًّا مِن النُّقولاتِ ما يُحرِج المُخالفَ، ويُبهِرُ المُؤالِف.
أقول هذا إنزالًا له منزلته المُستحقَّة لا تحيُّزًا -معاذ الله- فلقد لامَستُ بنفسي قُوَّة عريضتِه النَّقديَّة أثناء دِراسَتي لمِا أعلَّه مِن أحاديثِ «الصَّحِيحين»؛ فأخَذَ الرَّد عليه مِن جهدي وزادَ نقدُه في كَدِّي ما لم أجِده مِمَّن عرَّجتُ عليهم مِن مُعاصِريه مِمَّن ذكرتهم قريبًا.
стр. 714
الفرع الأوَّل: موقف الألبانيُّ من أحاديث «الصَّحيحين».
الألبانيُّ مُعترِفٌ بعَظيمِ فضلِ «الصَّحيحين»، شديدُ الحَفاوةِ بهما، وهو على جَلَده في التَّحقيق، وحرصِه على التَّدقيق، إذا بَدا له ضَعفُ شيءٍ فيهما، تَباطَأ في إصدارِ حُكمِه، وأنعمَ النَّظرَ تمحيصًا لنقدِه، هِيبةً منه للشَّيخينِ، وإجلالًا منه للكِتابين، خلافًا للثَّلاثةِ المعاصرين قبله!
فكان من جميل ما يقول في حقِّ البخاريِّ: «إنَّ حديثًا يخُرِجه الإمامُ البخاريُّ في «المسندِ الصَّحيح» ليسَ مِن السَّهلِ الطَّعن في صِحَّته لمُجرَّدِ ضعفٍ في إسناده، لاحتمالِ أن يكون له شَواهد تأخذُ بعضُدِه وتُقوِّيه» (١).
وكلام الألبانيِّ هنا متوجِّهٌ فيه بالنَّصيحةِ إلى مَن يجري في مِضمارِ العلماءِ، ويستعمل أدَواتِ نقدهم الَّتي أصَلُّوها في كُتبِ المُصطَلح والتَّخاريج، فيُنبِيه بوعورةِ مَسالكِ النَّقدِ للصَّحِيحين؛ وأمَّا الحائدون عن منهجِ المُحدِّثين المُترامون على الكِتابينِ بشبهاتِ العقلنةِ وهوى النُّفوس، فقد كان الألبانيُّ لهم بالمِرصاد!
فهذا الكوثريُّ وهو الطُّلَعة اللَّوْذَعي، حين تَعَدَّى حَدَّه بإعلال حديث مُتَّفَق عليه في «الصَّحيحين» دون دليل مُعتبر، لم يَسكُت له الألبانيُّ، بل أخَذَ قلمَه يُسطِّرُ به غلطاته ويُبيِّن تَعالُمَه فيه، حَمِيَّةً منه لهذين الأصلين العظيمين من أصول السُّنَّة (٢).
ومثلُ ذلك فعَلَ بالغُماريِّ عبدِ الله حينَ أعَلَّ حَدِيثَيْن فيهما، واحدًا مُتَّفَقًا عليه، والآخَر في «مسلم»؛ فتصدَّى له بأن نَفَى العِلَّة عن أسانيدهما، وبَرَّأهما مِن الشُّذوذِ في مَتْنَيهما، ودَلَّ على أنَّ المُعِلَّ أحقُّ بوصف الشُّذوذِ، إذ خالف فيهما أئمَّة الحديث (٣).
стр. 715
إلى غير هذين مِمَّن تصدَّى الألبانيُّ لدفعِ مُعارضاتِهم عن «الصَّحيحين» (١)؛ قد بَلَغَ ما دافعَ عنه فيهما خمسةً وعشرين حديثًا (٢).
الفرع الثَّاني: المُآخذاتِ على نقداتِ الألبانيِّ لأحاديث «الصَّحيحين».
ومعَ ما أظهرَه الألبانيُّ مِن مَوضوعيَّةٍ في النَّقدِ، وتَجرُّدٍ في الأحكامِ، وذَبٍّ عن «الصَّحِيحين» يُشكَر عليه؛ إلَّا أنَّه أُوخِذَ عليه في أحاديث رأى أنَّ البخاري ومسلمًا -مع جلالتِهما في الفنِّ- قد أخطآ في تصحيحها، والفرضُ أنَّهما غير معصومين في ما اجتهدا فيه، فجائز عنده الاستدراك عليهما مادام هذا النَّقد مبنيًّا على قواعده العلميَّة المعتبرة، بدليل نقد الحفَّاظ لهما على مرِّ القرون.
فلمَّا طبَّق ما دَرَسه مِن قواعدِ علمِ الحديث على ما مَرَّ به من أحاديث «صحيح البخاري»، وَجَد بعضَها تقصُر عن مرتبةِ الصَّحيح أو الحسن؛ فضلًا عمَّا وَجَده من ذلك في «صحيح مسلم».
يقول بعد حكمِه على جملةٍ من حديث في «البخاريِّ» بالشُّذوذ: «هذا الشُّذوذ في هذا الحديث مثال من عشرات الأمثلة الَّتي تدلُّ على جهل بعض النَّاشئين الَّذي يتعصَّبون لـ «صحيح البخاري» وكذا لـ «صحيح مسلم» تعصُّبًا أعمى، ويقطعون بأنَّ كلَّ ما فيهما صحيح! ويُقابل هؤلاء بعض الكُتَّاب الَّذين لا يقيمون لـ «الصَّحيحين» وزنًا، فيردُّون من أحاديثهما ما لا يوافق عقولهَم وأهواءَهم، .. وقد رددتُّ على هؤلاء وهؤلاء في غير ما موضع» (٣).
فهو يرى أنَّ من الواجبِ بيان حالِ مثل هذه الضِّعاف في «الصَّحيح»، أداءً لأمانة العلمِ، ومنعًا لدخولِ ما ليس بسُنَّة في السُّنَّة، وردعًا لمن يُخرج منها ما هو ثابت فيها؛ فقد كان يُبدي هذه النيَّة أحيانًا أثناء تخريجِه لبعض أحاديث البخاريِّ،
стр. 716
كما تراه في تضعيفِه للفظٍ في البخاريّ، قال أثناءه: «لو جاز لنا أن نحابيَ الإمام البخاريَّ، لقُلنا: إنَّه قد توبع الفُضيل على لفظِه، ولكن مَعاذ الله أن نحابي في حديث رسول الله ﷺ أحدًا» (١).
ولأجل الوقوف على منهج الألبانيِّ في نقد أحاديث «الصَّحيحين»، ومدى مُوافقته في ذلك للمنهج النَّقدي عند المحدِّثين، تبيُّنًا لنسبةِ الصَّواب في أحكامِه الَّتي قَضى فيها بالضَّعف أو النَّكارة لما في «الصَّحيحين»، فقد درستُ هذه الأحاديث المُعلَّة ممَّا وقفتُ عليه من تخريجاتِه لها في مُصنَّفاته المتنوِّعة (٢)؛ ومشيتُ في تقسيم هذه المَعلولات على نفسِ الطَّريقة الَّتي ذكرها في جوابِه لبعضِ من سَأله عن حقيقةِ تضعيفِه لبعض ما في «البخاري»، فقال خلالَه: «نقدي الموجود في أحاديث «صحيح البخاري» تارةً يكون للحديثِ كلِّه، يُقال: هذا حديث ضعيفٌ؛ وتارةً يكون نقدًا لجزءٍ من حديثٍ، وأصل الحديث صحيح، لكن يكون جزءٌ منه غير صحيح» (٣).
وأزيد علي هذين القسمين قسمًا آخر، وهو ما تكلَّم فيه في «الصَّحيحين» إسنادًا مع تصحيحِه للمتنِ، فوجدتُ النَّتائج التَّالية:
القسم الأوَّل: ما أعلَّه الألباني إسنادًا في «الصَّحيحين» والمتنُ صحيح عنده.
مثاله: كلامه في إسنادِ حديثَيْ أبي هريرة ﵁ في «صحيح البخاري»: «مَنْ عادَى لي وَليًّا» (٤)، و «ليس مِنَّا مَن لم يَتَغنَّ بالقرآن» مِن روايةِ أبي عاصم الضَّحاك (٥)، وهو يُصحِّحهما من أوجه أخرى.
стр. 717
ومثلها في «صحيح مسلم» قد بَلغَت ثلاثة عشر حديثًا (١)
منها تسعةُ أحاديث مِن طريقِ أبي الزُّبير عن جابر بن عبد الله ﵁، يُضَعِفُّ الألبانيُّ أسانيدَها بدعوى تدليسِ أبي الزُّبير وقد عَنْعَن، لكنَّ مُتونها صحيحةٌ عنده مِن أوجهِ أخرى.
فهذا القسم لا إشكال فيه، ما دام نقد الألباني متعلِّقًا برسومِ الإسنادِ البَحتة، مع إقرارِه بصحَّةِ المتونِ مِن وجوهٍ أخرى.
وأمَّا القسم الثَّاني: ما أعلَّه الألباني مُطلَقًا وهو في «الصَّحيحين».
فمجموعُ ما أعَلَّ فيهما الحديثَ كاملًا: اثنا عشر حَديثًا:
سبعة منها في البخاريِّ: أخطأَ الألبانيُّ في تعليلِها جميعًا! ولم يكن له سَلَفٌ في ذلك.
وخمسة منها في مسلم: أخطأ في ثلاثة أحاديث ولم يكُن له سَلفٌ من المُتقدِّمين في تضعيفها؛ وأصاب في حديثين كان مسبوقًا في أحدهما إلى تعليله مِن بعضِ المُتقدِّمين، والآخر أخرَّه مسلم في الباب عن الرِّواية الأصحِّ إشارة إلى علَّته.
وأمَّا القسم الثَّالث: مِمَّا قد أعَلَّ الألباني فيهما جزءًا من حديث دون أصلِه: فبلغت ستة عشر حديثًا (٢).
ما كان مِن ذلك مُتَّفقًا عليه: فحديث واحد، وهو حديث أبي هريرة: «إن أمَّتي يُدعَون يوم القيامة غرًّا مُحجَّلين مِن آثارِ الوضوء، فمَن استطاعَ منكم أن
стр. 718
يُطيل غُرَّته فليفعَلْ» (١)، فقد حكم الألبانيُّ على الجملة الأخيرة: «فمَن استَطاعَ .. » بالوقفِ على أبي هريرة، وذكر أنَّ بعضَ الرُّواةِ أدرَجَها في المرفوع (٢)؛ وهو مَسبوق في هذا من عدَّة حفَّاظ متأخِّرين، والأمر عندي فيه محتمل.
وسبعة منها في البخاري: أخطأ الألبانيُّ في أربعةٍ منها، وأصابَ في ثلاثة، ثلاثتها خُرِّجَت في المتابعاتِ أو الشَّواهدِ، قد سُبق إلى تضعيف ذلك الجزء فيهما من متقدِّمين.
وتسعة منها في مسلم: أصاب الألبانيُّ في ثمانية، وأخطأ في واحد، لكن أغلبها في المتابعات.
والخلاصة: أنَّ الألبانيَّ لم يُصِبْ فيما أعَلَّه مِن أصول «الصَّحيحين» جملةً إلَّا في اثنين في «صحيح مسلم» قد سُبِق إلى تعليلهما من المُتقدِّمين؛ أمَّا ما كان كلمةً أو فقرةً مِن الحديث، فقد أصابَ في اثني عشر مِن مجموعِ سبعة عشر، وواحد محتمل، أغلبُها في «مسلم»، وأغلبُ هذه عنده في المتابعات والشَّواهد لا في الأصول.
ومن تكلَّم فيهم من الرُّواة الَّذين احتجَّ بهم البخاري: الصَّحيحُ أنَّهم في درجةِ الصَّدوق، كفُليح بن سليمان، ويحيى بن سليم، وأبو شهاب الحنَّاط؛ أو تكون تهمة الاختلاط منتفية عن بعضهم، كحال أبي إسحاق السَّبيعي؛ فإن كانوا ضعفاء حقيقةً فيكونون متابعين في ما أخرجه لهم البخاريُّ، كفضيل بن سليمان وعبد الله بن عبد الرَّحمن بن دينار؛ ومَن ثبت عليه الضَّعف من غير متابعة، فقد سُبق الألبانيُّ إلى التَّنبيه عليه من المتقدِّمين، كحال شريك بن عبد الله.
стр. 719
وأمَّا الَّذين في صحيح مسلم، فمن ضعَّفهم الألبانيُّ فإمَّا أن يكون مسبوقًا في ذلك من المتقدِّمين، كحال عمر بن حمزة العمري؛ أو يكونوا مِمَّن أخرج لهم مسلم في المتابعات والشَّواهد لا الأصول، كهشام بن حسَّان وعياض بن عبد الله الفهريِّ.
لتصدُق بذا مقولةُ الذَّهبي في الرَّاوي الَّذي أخرج له الشَّيخان في الأصول: «تارةً يكون الكلام في تَليينِه وحفظِه له اعتبارٌ، فهذا حديثُه لا ينَحطُّ عن مرتبةِ (الحسن)، الَّتي قد نُسمِّيها: (مِن أدنى درجاتِ الصَّحيحِ)، فما في الكِتابين -بحمدِ الله- رجلٌ احتجَّ به البخاريُّ أو مسلم في الأصول ورواياتُه ضعيفة، بل حسنةٌ أو صحيحةٌ» (١).
ولقد رأيتُ كيف أقدم في نقدِه للصَّحيحين على تعليلِ أحاديث كاملةٍ لم يُسبَق فيها مِن ناقدٍ متقدِّم، بل العلماء على الإقرارِ بصحَّتِها روايةً ودرايةً، ثمَّ تأكَّد هذا الغلط في التَّعليل من غير سلفٍ بخطئه فيها مِن حيث الصَّنعة الحَديثيَّة.
ولن أستدلَّ في هذا المقامِ على غلط الألبانيِّ بأكثر من أن أنقل كلامَه هو الموافقِ على منع تعليل ما تلقَّته العلماء بالقبول في «الصَّحيحين»، وهو ما علَّق به على نصِّ ابن حجر لإفادة الحديث المتلقَّى بالقبول العلمَ، يقول فيه:
« .. وقد غفل عن هذا التَّلقي وأهميَّته كثير من النَّاس في العصر الحاضر، الَّذين كلَّما أشكل عليهم حديثٌ صحيحُ الإسناد لجؤوا إلى ردِّه، بحجَّة أنَّه لا يفيد القطع واليقين، فهم لا يقيمون وزنًا لأقوال الأئمَّة المتخصِّصين الَّذين قيَّدوا قولَهم بأنَّ حديث الآحاد يفيد الظَّن بقيود، منها: إذا كان مختلفًا في قبوله.
أمَّا إذا كان مُتَلقًّى مِن الأمَّة بالقبول، لا سيما إذا كان في «الصَّحيحين» على ما بيَّنه المؤلِّف ﵀: فهو يفيد العلمَ واليقينَ عندهم، ذلك لأنَّ الأمَّة معصومة عن الخطأ، .. فما ظنَّت صحَّته، ووجب عليها العمل به، فلا بدَّ أن يكون صحيحًا
стр. 720
في نفس الأمر، كما قال العلَاّمة أبو عمرو بن الصَّلاح في مقدِّمته، وتبعه الحافظ ابن كثير وغيره» (١).
وفي كلامٍ له آخر أبْيَن في المقصود يقول: «خبر الآحاد يُفيد العلمَ واليقين في كثيرٍ من الأحيان، مِن ذلك: الأحاديث الَّتي تلقَّتها الأمَّة بالقَبول، ومنها ما أخرجه البخاريُّ ومسلم في صحيحَيهِما، ممَّا لم يُنتقَد عليهما، فإنَّه مَقطوع بصِحَّته، والعلمُ اليقينيُّ النَّظري حاصلٌ به .. » (٢).
فليتَ الألبانيَّ أخذَ بهذا التَّأصيل القويم بعينِ الاعتبارِ أثناء تعليلِه لبعضِ أحاديثِ «الصَّحيحين»؛ والَّذي ظَهَر لي في سِرِّ هذا التَّناقض بين ما أصلَّه هنا في هذه المسألة، وبين تَضعيفِه ما ليس له فيه سَلَفٌ مِن المُتقدِّمين من آحاد «الصَّحيحين»:
أنَّ الألبانيَّ متابع لرشيد رضا في تسويتِه بين نوعين مِن النَّقدِ مختلفين في تعليلِ أحاديث «الصَّحيحين»، كان ينبغي التَّفريق بينهما:
بين تضعيفِ كلمةٍ مِن حديثٍ، أو شطرٍ منه، لشذوذٍ ونحو لذلك: فهذا جائزٌ كما قدَّمنا تقريره لمِن تَأهَّل له بشروطه.
وتضعيفِ أصل حديثٍ بأكملِه من غير سلفٍ في ذلك! فهذا الَّذي نمنعُه.
ولعلَّ الألبانيَّ لمَّا رأى بعضَ المُحدِّثين المتأخِّرين مَشوا في نقدِ أحاديث «الصَّحيحين» على النَّوع الأوَّلِ -كابن القطَّان، وابن تيميَّة، وابن حجرٍ- قاسَ على ذلك النَّوع الثَّاني فاستجاز فيه ما استجازَ في الأوَّل!
ظَهر لي هذا التَّأليفُ منه بين هذين النَّوعين المُختلفين في مثالِ جوابِه لمِن سَألَه عمَّن سَبَقه إلى إعلالِ بعضِ أحاديث «البخاريِّ»، حيث قال: « .. في أثناءِ البحثِ العلميِّ، تَمرُّ معي بعضُ الأحاديثِ في «الصَّحيحين» أو في أحدهما، فينكشِفُ لي أنَّ هناك بعضُ الأحاديث الضَّعيفة، لكن مَن كان في ريبٍ ممَّا أحكُم
стр. 721
أنا على بعضِ الأحاديث، فليَعُد إلى «فتحِ الباري»، فسَيَجِدُ هناك أشياءَ كثيرةً وكثيرةً جِدًّا، يَنتقِدُها الحافظ أحمد ابنُ حَجَرٍ العَسقلاني» (١).
وكنَّا قرَّرنا آنفًا أنَّ نقداتِ ابن حجر لبعضِ ما في «الصَّحيحين» هو مِن النَّوع الثَّاني المُتعلِّق بكلمةٍ أو بعضِ كلماتٍ في الحديث، لا أصل الحديث كما فَعَل الألبانيُّ!
وكان الألبانيُّ قد قدَّم لجوابه السَّالف بأن قال للسَّائل: «أمَّا ما يَتَعلَّق بغيري مِمَّا جاء في سؤالِك: وهو هل سَبَقك أحَدٌ؟ فأقول -والحمد لله- سُبِقت من ناسٍ كثيرين، هم أقعد منِّي وأعرفُ منِّي بهذا العلم الشَّريف، وقُدامى جدًّا بنحوِ ألفِ سنةٍ، كالإمام الدَّارقطني وغيره، فقد انتقدوا الصَّحيحين في عشرات الأحاديث، أمَّا أنا فلم يبلغ بي الأمر أن أنتقد عشرة أحاديث .. ».
وهذا أُراه خطأً منهجيًّا في تسويغِ مذهبه هذا؛ فالألبانيُّ وإن سُبق من سلفِ المحدِّثين في أصلِ النَّقد والتَّعليل لأحاديثِ «الصَّحيحين»، لكنَّه لم يُسبَق إلى تعليلِ أفرادٍ منها بعينِها! ومحلُّ النِزاع في هذا لا الأوَّل.
وهذا نفسُ ما وقع فيه (رشيد رضا) قبله، غير أنَّ هذا كان يلِج إلى ذلك من خلالِ طعونه العقليَّة في المتون، والألبانيُّ يلج إلى تعليلها من خلال الصَّنعة الإسناديَّة!
وقد ظهر مِن خلال دراسةِ أحاديث الأقسامِ الثَّلاثة السَّابقة، أنَّ الألبانيَّ قد أصابَ في بعضِ ما أعلَّه مِن أحاديث القسمِ الثَّالث، وأكثرها قد سُبِق إليه مِن الحفَّاظ، لكنَّه غلِطَ في تضعيفِ ما وَهَّنه مِن أحاديث «الصَّحيحين» بأكملِها، صَنعةً وانعدامَ سَلَف.
هذا وهو الألبانيُّ! وقد أمضى ستِّين سنةً مِن عُمره بين أسفارِ الحديثِ نقدًا وتخريجًا وتحقيقًا، فكيف بأقزامِ زمانِنا مِن أصاغر هذا العصر، مِمَّن توجَّهوا إلى «الصَّحيحين» بالطَّعنِ من غير عُدَّةٍ علميَّةٍ ولا سَلفٍ مِن الأُمَّة؟!
стр. 722
حتَّى إذا جاءَهم عَالِمٌ ناصحٌ بالكَفِّ عن هذا العَبَثِ في الصِّحاح، أَخذتهُم العِزَّةُ بالإثمِ، وقالوا: أليسوا رجالًا ونحنُ رجال؟! فهذا الألبانيُّ طَعَنَ، فلِمَ التَّحجير علينا نحن؟!
تسمعُ مثل هذا القياسِ الباطل على نقدات الألبانيِّ مِن أحدِ المُتهوِّرين في نقد ما اتُّفق عليه بمحضِ الرَّأي، حيث يقول: «إنَّ نقدَ أحاديث بعينِها لن يكون مَطْعَنًا في السُّنَة، ولا في مَن قامَ بالنَّقد، وهذا الشَّيخ ناصر الألباني، قد نَقدَ عشراتِ الأحاديثِ في صحيحِ مسلمٍ، وشيئًا يَسيرًا في صحيح البخاري! .. » (١).
فحينئذٍ نقول لأمثالِ هؤلاء: إن أبَيْتم إلَّا اقتحامَ أرضِ السِّباع، فاتركوا عنكم الاحتجاجَ بالألبانيِّ وأمثالِه مِن العلماءِ، فإنَّ عذرَ هذا فيما تَولَّاه مَعقول -على ما فيه من هناتٍ- صادرٌ في ذلك كلِّه عن تخصُّصه في قواعد النَّقد وخِبرةٍ، ثمَّ المُتخَصِّصون يَتَعقَّبونه بنفسِ تلك القواعد؛ فأين هذا مِن مَنهجكم؟!
فها هي أحاديث «الصَّحيحين» التَّي تَكلَّم فيها الألبانيُّ مبثوثة في كُتبه، فتأمَّلوها؛ هل رأيتموه يَطعن في أيٍّ من متونها لأنَّ عقلَه أو ذوقَه لم ترُقه كما تفعلون؟!
والألبانيُّ إذْ تكلَّم مِن ذلك في سِتَّة متونٍ -بصرفِ النَّظر عن صواب نقدِه من خطئه- قد كان مُتبِعًا لذلك بنقدِ أسانيدِها! مُعلِّلًا مصدر ذلك مِن النَّاحية الحديثيَّة كما هي الجادَّة عند المُتقدِّمين.
فاسمعوها منه يُعلِنها مُدْوِيةً في أذانِ المُتصَيِّدين لبعضِ اجتهاداتِه ذريعةً للطَّعن في أحاديث «الصَّحيحين» بمَحضِ التَّمَعقُلِ والتَّشهِّي، حيث يقول بعد تضعيفه لفقرةٍ مِن حديثٍ في البخاريِّ:
стр. 723
« .. قد أطَلتُ الكلامَ على هذا الحديثِ وراويه، دفاعًا عن السُّنة، ولِكَي لا يَتَقوَّل مُتقوِّل، أو يقول قائلٌ مِن جاهلٍ أو حاسدٍ أو مُغرضٍ: إنَّ الألبانيَّ قد طَعَن في «صحيح البخاريِّ» وضَعَّف حديثَه! فقد تَبيَّن لكلِّ ذي بصيرةٍ، أنَّني لم أُحَكِّم عقلي أو رأيِي، كما يفعل أهلُ الأهواء قديمًا وحديثًا، وإنَّما تمسَّكَت بما قاله العلماء في هذا الرَّاوي، وما تَقتضيه قواعدُهم في هذا العلم الشَّريف ومُصطلحِه مِن ردِّ حديثِ الضَّعيف، وبخاصَّةٍ إذا خالَف الثِّقة، والله وليُّ التَّوفيق» (١).
ويقول في موضعٍ آخر:
«بعضُ النَّاس مِمَّن لهم مُشاركةٌ في بعضِ العلومِ، أو في الدَّعوةِ إلى الإسلام -ولو بمفهومِهم الخاصِّ- يَتَجرَّؤون على رَدِّ ما لا يُعجِبُهم مِن الأحاديث الصَّحيحة وتضعيفِها، ولو كانت ممَّا تَلقَّته الأمَّة بالقَبول! لا اعتمادًا منهم على أصولِ هذا العلم الشَّريفِ، وقواعدِه المعروفةِ عند المحدِّثين، أو لشبهةٍ عَرَضت لهم في بعضِ رُواتِها -فإنَّهم لا عِلمَ لهم بذلك، ولا يُقيمون لأهلِ المعرفةِ به والاختصاصِ وَزنًا- وإنَّما يَنطلقون في ذلك مِن أهوائِهم، أو مِن ثقافاتِهم البعيدةِ عن الإيمانِ الصَّحيح القائمِ على الكتاب والسُّنة الصَّحيحة، تقليدًا مِنهم للمُستشرقين أعداءِ الدِّين، ومَن تَشبَّه بهم في ذلك مِن المُستغربين، أمثالِ أبي ريَّة المصريِّ، وعزِّ الدين بليق اللُّبناني .. » (٢).
الفرع الثالث: بيان ما أقرَّه الألبانيُّ من كلام الغُماري بوجود مَوضوعاتٍ في «الصَّحيح».
يَزعُمُ بعض المعاصرين (٣) مُوافقةَ الألبانيِّ لما سبق من كلامِ أبي الفيضِ الغُماريِّ في أحاديث «الصَّحيحين» من «أنَّ فيها ما هو مَقطوعٌ ببُطلانه، فلا تغترَّ
стр. 724
بذلك، ولا تتهيَّب الحُكم عليه بالوضعِ لِما يذكرونه مِن الإجماعِ على صحَّة ما فيهما .. » (١).
فيزعمون أنَّه قد أقرَّ الغُماريَّ على وجودِ المَوضوعاتِ في «الصَّحيحين»، وأنَّه لا ينبغيِ التَّهيُّبِ مِن الحكمِ بذلك فيهما، يَعْنونَ ما عقَّب به الألبانيُّ كلامِ الغُماريِّ حيث قال: «وهذا مِمَّا لا يَشكُّ فيه كلُّ مُتمرِّس في هذا العلمِ، وقد كنتُ ذَكرتُ نحوَه في مُقدِّمة «شرح العقيدة الطَّحاوية» .. غير أنِّي أتَخوَّف مِن قولِ الغُماري أخيرًا: « .. لمُخالفتِها للواقع»، لِما يُخشَى مِن التَّوسُّع في ذلك» (٢).
هذا كلامُ الألبانيِّ؛ وعند نظري في سياقِه وباقي نصوصِه في هذه المسألةِ، خلُصت إلى أنَّ الألبانيَّ -وإن أخطأ في عباراته تلك الَّتي توهم الموافقة للغُماريِّ! إذ كان ينبغي في مثل هذه المضايق التَّفصيل والاحتراز والدِّقة في انتقاء الألفاظ كما عهدناه من مزايا الألبانيِّ في الجملة- غير أنِّي أحيد بتعليقه ذاك أن يكون صريحًا في مُوافقة كلامِ الغُماريِّ كلِّه؛ ذلك أنَّ كلام الغُماريِّ تَضَمَّن عدَّة أفكار:
أولَاها: القطع ببطلان أحاديثَ في «الصَّحيحين» لمخالفتِها للواقع.
ثانيها: لزوم الحكم على مثل هذه الأحاديث فيهما بالوضعِ.
ثالثُها: نفي الإجماع على صحَّة كلِّ أحاديثهما.
رابُعها: أنَّ هذه الأباطيل والمُنكرات ليست سِمةً في الكتابين، وليس كثيرةً فيهما.
والَّذي يَتأمَّل تعليقَ الألبانيِّ -مع استحضار ما نقلناه من نصوص كلامه آنفًا في موقفه من الصَّحيحين- سيظهر له أنَّه إنَّما استشهد بالفِكرتين الأخيرتين من كلام الغُماريِّ فحسب، والدَّليل استعمالُه لهذا النصِّ الغُماريِّ في مَعرضِ الرَدِّ
стр. 725
على مَن أنكرَ عليه إعلالَه لبعضِ أحاديثِ «صحيح مسلم» (١)، بدعوى أنَّ العلماء أجمعوا على صِحَّة كلِّ ما فيه.
فتقصَّد الألبانيُّ نسفَ هذا الادِّعاءَ من مُدَّعيه بإثباتِ انتقادِ العلماء لأحاديث «الصَّحيحين» قديمًا وحديثًا، واختصَّ منهم أبا الفيضِ الغُماريَّ بالتَّمثيلِ لكونِه مُبجَّلًا عند المُنكرِ عليه وأنَّه تلميذ لمدرسته!
فكأنَّه يُحاجُّ هذا الدَّعِيَّ بشيوخِه الغُماريِّين أنَّهم كذلك يعلُّون في الصَّحيحين كما أعلَّ الألبانيِّ، بل أشدَّ! ليُلزِمَه الإنكارَ عليهما كما فعل معه، أو السُّكوتَ والتَّبرُّم مِن أصلِ الفكرةِ الَّتي لأجلها أنكر عليه مِن الأساسِ.
وقد تَتبَّعتُ الأحاديث الَّتي تَكلَّم فيها الألبانيُّ في أحدِ «الصَّحيحين»، فلم أجَدْ له في مؤلَّفاته كلِّها حديثًا حَكَم عليه بالوضعِ؛ قُصارى حُكمِه لا يُجاوز دائرةَ التَّضعيفِ؛ فليس مِن المعقولِ أن يترك هو الأحاديثَ الموضوعةَ دون بيانٍ، ليتَّجه إلى بيانِ ما دونها في الضَّعف!
ومن ثمَّ فإنَّ عبارة الألبانيِّ لا يُمكن بحالٍ أن يُستشهد بها على ادِّعاءِ وجودِ موضوعاتٍ في البخاريِّ مِن جِهة الواقع العلميِّ للمتمرِّسين؛ بل على العكسِ مِن ذلك نجدُ الألبانيَّ يَنفي عن نفسِه ما اتَّهمه به بعضِ أقرانِه من العلماء من أنَّه يُسَوِّي بين «الصَّحيحين» وباقي كتبِ السُّنَن في التَّوقُّف حتَّى يُعلم درجة كلِّ حديثٍ فيها (٢)، بل دافع عن نفسِه بالإقرارِ بأنَّ «الصَّحيحين» أصحُّ الكتب بعد كتابِ الله تعالى باتِّفاقِ علماء المسلمين مِن المحدِّثين وغيرِهم، يقول فيهما: «قد امتازا على غيرهِما مِن كُتب السُّنة بتفرُّدِهما بجمع أصحِّ الأحاديث الصَّحيحة، وطرحِ الأحاديث الضِّعيفة والمتونِ المنكرة، على قواعد متينةٍ وشروط دقيقةٍ، وقد وُفِّقوا في ذلك توفيقًا بالغًا لم يُوفَّق إليه من بعدهم ممَّن نحا نحوَهم في جمع الصَّحيح،
стр. 726
كابن خزيمة، وابن حبَّان، والحاكم، وغيرهم، حتَّى صار عرفًا عامًّا أنَّ الحديث إذا أخرجه الشَّيخان أو أحدهما فقد تجاوز القنطرة ودخلَ في طريقِ الصِّحة والسَّلامة، ولا ريب في ذلك، وأنَّه هو الأصل عندنا» (١).
فلقد كان -إذن- مِن الأمانة والمروءة على مَن يَنقلُ تعليقَ الألبانيِّ على كلامِ الغُماريِّ يوهِم بذلك إقرارَه، أن ينقُلَ في مُقابلِه تشنيعَ الألبانيِّ على الغُماريِّ تضعيفَه لأحاديثِ «الصَّحيحين» بمَحضِ الهَوى والتَّحُكم! ولْيَذكُر أيضًا قولَه عنه: «بعضُ المُشتَغلين بهذا العِلم، لغَلَبة التَّعصُّبِ المَذهبيِّ عليهم، وتَمكُّن الأهواءِ منهم، فإنَّهم في كثيرٍ مِن الأحيانِ يُضعِّفون الأحاديثَ الصَّحيحة، كالشَّيخِ الكوثريِّ، وعبدالله الغُماري، وأخيه الشَّيخ أحمد .. » (١)!
والله الهادي إلى سواء الصِّراط.
стр. 727
الباب [الثالث] [*]
نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريةِ المُعاصرةِ لأحاديث «الصحيحين»
ويشتمل على ثمانية فصول:
* الفصل الأوَّل: نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بالإلهيَّات.
* الفصل الثَّاني: نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بالتَّفسير.
* الفصل الثَّالث: نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بالغَيبيَّات.
* الفصل الرَّابع: نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بالنَّبي ﷺ .
* الفصل الخامس: نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بباقي الأنبياء.
المَطلب الأوَّل
سَوق حديث الجارية
عن معاوية بن الحَكم السُّلمي ﵁، بعد ذكرِه قصَّةَ دخوله لمسجدِ النَّبي ﷺ وكلامِه في الصَّلاة، ثمَّ سؤالِه النَّبيَّ ﷺ عن الكُهَّانِ والتَّطير، قال:
كانت لي جاريةٌ تَرعى غَنمًا لي قِبل أُحُد والجوَّانيَّة (١)، فاطَّلعتُ ذاتَ يومٍ، فإذا الذِّئب قد ذَهب بشاةٍ مِن غَنمِها، وأنا رجلٌ مِن بني آدم، آسَف كما يأسفون، لكنِّي صَكَكتُها صكَّةً.
فأتيتُ رسول الله ﷺ ، فعظُم ذلك عليَّ، قلت: يا رسول الله، أفلا أُعتِقها؟ قال: «ائتِني بها»، فأتيته بها، فقال لها: «أين الله؟»، قالت: في السَّماء، قال: «مَن أنا؟» قالت: أنت رسول الله، قال: «أعتِقها، فإنَّها مُؤمنة» (٢).
стр. 732
المَطلب الثَّاني
سَوْق المُعارضاتِ الفكريَّة المُعاصرةِ لحديث الجارية
تمهيد:
لا يَزال حديث الجارية مُشكلًا على كثيرٍ مِن المُحصِّلين حقيقةُ ما أريد به، قد تَشعَّبت بهم صِيَغ القول فيه؛ حتَّى أفضى بفريقٍ إلى ادِّعاء ما لا يُعرَف له في تأويلِ الحديث أصل (١)، فهؤلاء لا نتشاغل بنقدِ مَقالتِهم تلك ما داموا يُقرِّون لنا بثبوتِه؛ وإنَّما وِجهة النَّقد صَوْبَ فريقٍ انتهى إلى النَّكير والطَّعن في الحديث على عمياء! فلم يعُد إليهم مِن ذلك إلَّا إفكٌ صَريح، إذْ قابلوا الصِّدقَ بالكذب، وعارضوا اليَقين بالشَّك.
فكان أشهر مَن تولَّى منهم كِبرَ ذلك في زمانِنا هذا رجُلان، أحدهما في المشرقِ والآخر في المغرب؛ فأمَّا المَشرقيُّ: فمحمَّد زاهد الكوثريُّ، وأمَّا المَغربيُّ: فعبد الله بن الصِّديق الغُماري؛ ثمَّ رَدَّد مزاعمَهما واغتَّر بشُبهاتهما مَن لا تحقيقَ له في فنِّ الرِّوايةِ، ولا فهمَ له في علم الدِّراية، ألصقُهم بهذين الوصفينِ تلميذٌ أردنيٌّ للغُماريِّ يُدعَى (حسن السَّقاف).
стр. 733
وليس يشكُّ حَديثيٌّ أنَّ القولَ بضعفِ حديث معاوية بن الحكم ﵁ تَنكُّب عن جماعةِ المُحدِّثين، ونَقضٌ لمِا توارَدت عليه أجيالُ الأمَّة مِن تَلقِّيه بالقَبول؛ فأهل الصَّنعةِ مُسلِّمون بثبوتِه، منهم: البَيهقيُّ (١)، وابن عبد البرِّ (٢)، والبَغويُّ (٣)، والجورقاني (٤)، وابن قدامة المقدسيُّ (٥)، والذَّهبي (٦)، وابن حجر العسقلانيُّ (٧)، وابن الوزير اليَماني (٨)، وغيرهم كثير.
لكن بعض مَن أسلفتُ ذكرَ أسَاميهم مِن مُنكري الحديث لم يرفعوا بكلامِ هؤلاءِ الأعلامِ رأسًا، بل طافوا حولَ الحديث تهويشًا بكلِّ شُبهةٍ وقذفًا بكلِّ مَظِنَّة، قصد الانفكاك عن مُقتضى ما في السُّؤالِ عن الله بأين مِن إثباتِ العُلوِّ له سبحانه.
والسَّبيل فيما صحَّ عن رسول الله ﷺ أن يُتلقَّى بالقَبول، والإذعان لخبرِه على مُرادِه، فقد كان ﷺ أعرفَ الخلق بالله -بأبي هو وأمِّي-، وأعلمهم بطريق الهداية إليه؛ فليس لأحدٍ مِن خلقِ الله أن يشمئزَّ عن قَالةٍ قالها، أو يتنكَّب عن مَحجَّة سَلكها، فما يأتي منه ﷺ إلَّا ما طابَ وكرُم، وما له مِنَّا فيما بلَغنا عنه إلَّا السَّمع والطَّاعة، والرِّضا والتَّسليم.
هذا؛ وإنَّ المُتنفِّر عن مثلِ هذا الحديث، المُجِدَّ في الهربِ عنه، لو أنعمَ النَّظر فيه، مع ما يُتلى عليه مِن الآياتِ والذِّكر الحكيم، ويُروى له مِن السُّنَن بالنَّقل القويم: لن يُعدَم له نظائر في القَبِيلَيْن.
стр. 734
تأمَّل لوائحَ هذا في قولِ أبي الحسن الأشعريِّ (ت ٣٢٤ هـ):
«قال تعالى حاكيًا عن فرعون -لعنه الله-: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]؛ كذَّب موسى ﵇ في قوله: إنَّ الله سبحانه فوق السَّماوات.
وقال تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ [المُلك: ١٦]: فالسَّماوات فوقها العرش، فلمَّا كان العرش فوق السَّماوات قال: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾، لأنَّه مُستَوٍ على العرش» (١).
ونَظير ذلك في سُنَّة رسول الله ﷺ قوله: «اِرحموا مَن في الأرض، يرحمكم مَن في السَّماء» (٢)؛ وقوله ﷺ : «ألَا تأمنوني وأنا أمين مَن في السَّماء؟! .. » (٣).
فما جاء من جوابِ الجاريةِ في الحديث واقعٌ بمثلِ ما نَطق به التَّنزيل الكريم، وأبانت عنه سُنة الهادي الأمين، وتوارثه النَّاس عن الصَّحابة والتَّابعين، وهؤلاء «لا يقولون شيئًا مِن ذلك إلَّا وقد أخذوه عن رسول الله ﷺ ، لأنَّهم لا مساغَ لهم في الاجتهاد في ذلك، ولا أن يقولوه بآرائِهم» (٤).
فلأجلِ ذلك نرى الأشعريَّ يُدرج حديثَ الجارية هذا في ما توارثه السَّلف من أدلَّةٍ في إثباتِ العلوِّ لله تعالى، معلِّقًا عليه بقوله: «هذا يدلُّ على أنَّ الله تعالى على عرشه، فوق السَّماء .. » (٥).
стр. 735
وابن كُلَّاب (ت ٢٤٥ هـ) (١) نفسُه قد بَيَّن أنَّ إنكارَ ما في هذا الخبرِ مِن سؤال النَّبي ﷺ للجاريةِ عن الأيْنيَّة وجوابِها له، مِن قبائحِ ما تقحَّمته الجهميَّة دون سائرِ الأمَّة، فقال: «رسول الله ﷺ ، وهو صَفوة الله من خلقِه، وخيرته مِن بريَّتِه، وأعلمهم جميعًا به، يجِيزُ قولَ الأَين، ويقوله، ويستصوب قولَ القائل: إنَّه في السَّماء، ويشهد له بالإيمان عند ذلك، وجهمُ بن صفوان وأصحابه لا يُجِيزون الَّذي زَعموا، ويُحيلون القولَ به».
ثمَّ قال: « .. ولو كان خطأً، كان رسول الله أحقَّ بالإنكار له، وكان ينبغي أن يقول لها: لا تقولي ذلك، فتوهِمين أنَّه مَحدود، وأنَّه في مكانٍ دون مكانٍ؛ ولكن قولي: إنَّه في كلِّ مكان، لأنَّه هو الصَّواب دون ما قلتِ.
كلَّا! لقد أجازه رسول الله ﷺ ، مع علمِه بما فيه، وأنَّه أصوب الأقاويل، والأمر الَّذي يجلِب الإيمان لقائلِه، ومِن أجلِه شهدَ لها بالإيمان حين قال، وكيف يكون الحقُّ في خلاف ذلك والكتاب ناطقٌ به وشاهد له؟!».
يقول أبو بكر ابن فورك (ت ٤٠٦ هـ) بعد نقلِه لنصِّ كلامِ ابن كُلَّاب: «قد حَقَّق ﵀ في هذا الفصل شيئًا مِن مَذاهِبه:
أحدها: إجازة القول بـ «أين الله» في السُّؤال عنه.
والثَّاني: صحَّة الجواب عنه بأن يُقال: في السَّماء.
والثَّالث: أنَّ ذلك يَرجِعُ فيه إلى الإجماعِ مِن الخاصَّة والعامَّة» (٢).
ومع هذه البصائر البيِّنات كلِّها، لم يقنَعوا مَن عَنينا قبلُ مِن المُتأخِّرينَ بهذه الدَّلائل ولا تبصَّروا بكلامِ مَن مَرَّ مِن الأوائل، ومع إعلانِهم التَّقليدَ في العقائد، وتبجُّحهم باقتفاءِ تأصيلِهم للقواعد، فقد أجْلَبوا على الحديثِ بما قَدِروا مِن بِدع المعارضات، مُجمَلةٌ فيما تَعلَّق منها بالمتنِ في الآتي:
стр. 736
المعارضة الأولى: أنَّ الحديثَ مُضطرب المتن، إذ أنَّ لفظ معاوية بن الحَكم فيه أنَّ النَّبي ﷺ سأل الجارية: «أين الله؟»، بينما غيره مِن الصَّحابة وقع في حديثِهم أنَّ سؤاله للجاريةِ كان بلفظ: «مَن ربُّك؟»، أو «أتشهدين ألَّا إله إلَّا الله؟»، فلا يُدرى عندهم أيُّ الألفاظِ هو لفظ النَّبي ﷺ .
وقالوا بعدُ: إنَّ البيهقيَّ قد أشار إلى هذا الاضطراب، حيث قال بعد روايتِه له: « .. وقد ذكرتُ في كتاب الظِّهار مِن السُّنن مخالفةَ مَن خالفَ معاويةَ بنَ الحكم في لفظِ الحديث» (١).
ولعلَّ ما أبردَ يقينَهم بهذا الاضطراب، أن رأوا بعض الرُّواةِ عن معاوية بن الحكم يقول بأنَّ الجارية كانت خرساء، وأنَّها أشارت إشارة، وأنَّ النَّبي ﷺ مَدَّ يدَه إليها، وأشار مستفهمًا: مَن في السَّماء؟ فجاء الرَّاوي الَّذي في «صحيح مسلم» فسَبَك ما فهِمه مِن الإشارةِ في لفظٍ اختاره، فرواه بحسب المعنى الَّذي فهمه (٢)!
المعارضة الثَّانية: أنَّ المعهود مِن حالِ النَّبي ﷺ ، والمتواتر عنه في تلقين الإيمان واختبار إسلام الإنسان، إنَّما كان منه بكلمةِ التَّوحيد، وليس بالسُّؤال عن الأيْنيَّة؛ فما وَقع في بعضِ الرِّوايات لهذا الحديث بلفظ: «أتشهدين ألَّا إله إلَّا الله»، هو اللَّفظ الوحيد الَّذي ينبغي أن يكون جاريًا على الجادَّة، وأجدر أن يكون هو اللَّفظ النَّبوي (٣).
المعارضة الثَّالثة: أنَّ البخاريَّ لم يروِ هذا الحديث في «صحيحه»، بل أخرجه في جزء «خلق أفعال العباد» دون ذكرِ ما يتعلَّق بكونِ الله في السَّماء، ولم يُشِر هو إلى أنَّه اختصَرَ الحديث، مِمَّا يدلُّ على تعليلِه لهذه الجُمَل منه (٤).
стр. 737
المعارضة الرَّابعة: أنَّ مسلمًا أخرجَ هذا الحديث في باب تحريم الكلام في الصَّلاة، ولم يروِه في (كتابِ الإيمان)، فدلَّ صنيعُه على كونِه مُتعلِّقًا متنُه ببابِ الأعمال، ولا دخلَ له في باب الاعتقاد (١).
المعارضة الخامسة: أنَّ في الحديث إثباتًا لعلوِّ الذَّات الإلهيَّة وفوقيَّته على خلقِه، و «الإشكال الكبير في هذا السِّياق هو أنَّ جمهور أهل الإسلام مُتَّفقون على أنَّ الله تعالى لا يحدُّه مكان ولا زمان، ولا يُقال عنه أين ولا كيف، ورسول الله أعلم الخلقِ بالله، فلا يمكن أن يَسأل مثلَ هذا السُّؤال عن الله تعالى» (٢).
المعارضة السَّادسة: أنَّ اعتقادَ عُلوِّ الله تعالى على خلقِه في السَّماء عقيدة العرب المشركين في الجاهليَّة! شاهد ذلك قصَّة إسلام حُصين والدِ عمران، حيث سأله النَّبي ﷺ : «كم إلهًا تعبد؟ فقال: ستَّة في الأرض، وواحد في السَّماء .. » الحديث (٣)، فكيف يكون هذا الاعتقاد دليلًا على الإيمان وهو اعتقاد الجاهليَّة؟! (٤)
стр. 738
المَطلب الثَّالث
دفعُ دعوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ
عن حديثِ الجاريةِ
فأمَّا دعوى المخالِفين في المعارضةِ الأولى قيامَ التَّعارضِ بين ألفاظِ الحديثِ تعارضًا يُفضي إلى اضطرابه:
فقولهم أوَّلًا: إنَّ بعض روايات الحديث عن معاوية بن الحكم تُثبِت أنَّ الجارية لِخَرسها كان الكلام بينها وبين النَّبي ﷺ إشارةً، بخلافِ رواية مسلم الَّتي يظهر منها أنَّه كلام لفظيٌّ؛ فجوابه مِن وجهين:
الوجه الأوَّل: أنَّه إذا تَعارض حديثٌ في أحدِ «الصَّحيحين» مع حديثٍ خارجهما، مع انسدادِ وجوه الجمع بينهما، فالقواعد الحديثيَّة تَقتضي تقديمَ روايةِ «الصَّحيحين» على ما في باقي المُصنَّفات (١)؛ ولا يُقال هنا إذا تَعارضا تَساقطا، ولا أنَّه مُضطرب مِن الأساسِ، لأنَّ ذلك عند تساويهما في القوَّة، واتِّحادِ مخرجِهما (٢).
فإن قدَّرنا جدلًا تساوي الرِّوايتين في القوَّة كما يوهِمه المُعترض، وتعَذَّر الجمع بينهما: تَعيَّن التَّرجيح حينئذٍ، ولا ترجيحَ لغيرِ ما في «الصَّحيحين»! فتُقدَّم رواية مسلم الَّتي باللَّفظ: «أين الله؟»، على الواردة بالإشارة خارجها؛ وهذا على
стр. 739
التَّسليم بأنَّ الرِّواية المعارضِة مُساوية في القوَّة لما في «صحيح مسلم»، فكيف وهي في حقيقتِها واهيةٌ لا تقوى على المدافعة؟! بيان ذلك في:
الوجه الثَّاني: أنَّ الرِّواية المُعارَض بها مِن قِبَل الكوثريِّ لا تنهض بحالٍ لمزاحمةِ ما في «الصَّحيح»، فإنَّ الذَّهبي أوردَ روايةَ الإشارة في كتابه «العلوِّ» مُعلَّقةً مِن غير إسنادٍ، فقال: «عن عطاء بن يسار قال: حَدَّثني صاحب الجارية نفسُه قال: كانت لي جارية ترعى الحديث .. وفيه: فمدَّ النَّبي ﷺ يدَه إليها، وأشار إليها مستفهمًا: مَن في السَّماء؟ .. » (١).
والكوثريُّ إنَّما احتجَّ فيما احتجَّ به على بطلانِ رواية مسلم بهذه الرِّواية الَّتي أوردها الذَّهبيِّ (٢)؛ والعَجب منه؛ كيف استباح تقديمَها -وهي بغير إسنادٍ- على ما جاء في «الصَّحيح» بأصفى إسنادٍ وأصحِّه؟! (٣)
على أنَّ هذا الَّذي تمسَّك به الكوثريُّ لإسقاطِ لفظِ مسلمٍ -دون أن يعلمَ هو حقيقةَ إسنادِه- قد ذكرَ المزِيُّ إسنادَه كاملًا في «تحفة الأشراف»! وذلك من طريق: سعيد بن زيد -أخي حمَّاد بن زيد-، عن توبة العنبري، عن عطاء بن يسار، قال: حدَّثني صاحب هذه الجارية نفسه .. ، فذكر الحديث (٤).
وهؤلاء ثقات، ما عدى سعيد بن زيد الَّذي اختلفَ النُّقاد فيه (٥)؛ فكان
стр. 740
أعدل الأحكام فيه ما وُفِّق إليه ابن حبَّان بقولِه: «كان صَدوقًا حافظًا، مِمَّن كان يخطئ في الأخبار، ويَهِم في الآثار، حتَّى لا يُحتجَّ به إذا انفرد» (١).
قلت: روايته هذه لحديث الجارية بالإشارةِ، قد خالفَ فيها ما رَوَاه الثِّقات بصيغة التَّلفظ، فقد انفردَ عنهم في ذلك وهم أوثق منه وأضبط؛ فهي بهذا الاعتبار مِن قَبيل المنكر أو الشَّاذ! ولفظ مسلمٍ: «أين الله؟» هو المَحفوظ الصَّحيح.
وأمَّا قول المعترضِ ثانيًا: أنَّ الرُّواة مِن الصَّحابة تَفرَّقوا في ألفاظِ الحديث، فتارةً يقولون: «أين الله؟»، وتارةً: «مَن ربُّك»، وتارةً: «أتشهدين ألَّا إله إلَّا الله»:
فجوابه: نفسُ ما دفعنا به المعارضةَ قبلَه: أنَّ رواية معاوية بن الحكم في «صحيح مسلم»، وباقي الرِّوايات المُدَّعاة معارضتها له خارج «الصَّحيح»، والمنهج الحديثيُّ يقتضي تقديم ما في «الصَّحيح» على ما في غيره عند التَّعارض.
هذا على فرضِ تساويِ جميع الطُّرق في القوَّة.
ودعوى الكوثريِّ إشارةَ البيهقيِّ إلى تركِ مسلمٍ ذكرَ قصَّة الجارية في حديث معاوية بن الحكم، ثمَّ تعليله لهذا التَّركِ منه باختلافِ الرُّواة في لفظِه: ففيه نظر لا يخفى؛ فإنَّ قصَّة الجارية قد ذكرها مسلم ضمنَ حديث معاوية بن الحكم في «صحيحه» حقيقةً، ونُسخ كتابِه شاهدة، ولم يَزَل العلماء يَنسبون القِصَّةَ إلى «صحيح مسلم» مِن قَبلِ عهدِ البيهقيِّ.
والتَّحقيق: أنَّ ما وَقع مِن اختلافٍ مُدَّعًى في بعضِ ألفاظِ هذا الحديث، ليس من الاختلاف المُفضي إلى الاضطرابِ -كما يريده الكوثريُّ- لمِا قام عليه الدَّليل مِن كونِ بعضِ تلك الرِّواياتِ إمَّا حكاية حادثةٍ مُستقِلَّة، أو ضعيفة لا تنتهض للمعارضةِ أصلًا، كما سيأتي تحقيقه.