المعارضة الأولى: أنَّ الحديثَ مُضطرب المتن، إذ أنَّ لفظ معاوية بن الحَكم فيه أنَّ النَّبي ﷺ سأل الجارية: «أين الله؟»، بينما غيره مِن الصَّحابة وقع في حديثِهم أنَّ سؤاله للجاريةِ كان بلفظ: «مَن ربُّك؟»، أو «أتشهدين ألَّا إله إلَّا الله؟»، فلا يُدرى عندهم أيُّ الألفاظِ هو لفظ النَّبي ﷺ .
وقالوا بعدُ: إنَّ البيهقيَّ قد أشار إلى هذا الاضطراب، حيث قال بعد روايتِه له: « .. وقد ذكرتُ في كتاب الظِّهار مِن السُّنن مخالفةَ مَن خالفَ معاويةَ بنَ الحكم في لفظِ الحديث» (١).
ولعلَّ ما أبردَ يقينَهم بهذا الاضطراب، أن رأوا بعض الرُّواةِ عن معاوية بن الحكم يقول بأنَّ الجارية كانت خرساء، وأنَّها أشارت إشارة، وأنَّ النَّبي ﷺ مَدَّ يدَه إليها، وأشار مستفهمًا: مَن في السَّماء؟ فجاء الرَّاوي الَّذي في «صحيح مسلم» فسَبَك ما فهِمه مِن الإشارةِ في لفظٍ اختاره، فرواه بحسب المعنى الَّذي فهمه (٢)!
المعارضة الثَّانية: أنَّ المعهود مِن حالِ النَّبي ﷺ ، والمتواتر عنه في تلقين الإيمان واختبار إسلام الإنسان، إنَّما كان منه بكلمةِ التَّوحيد، وليس بالسُّؤال عن الأيْنيَّة؛ فما وَقع في بعضِ الرِّوايات لهذا الحديث بلفظ: «أتشهدين ألَّا إله إلَّا الله»، هو اللَّفظ الوحيد الَّذي ينبغي أن يكون جاريًا على الجادَّة، وأجدر أن يكون هو اللَّفظ النَّبوي (٣).
المعارضة الثَّالثة: أنَّ البخاريَّ لم يروِ هذا الحديث في «صحيحه»، بل أخرجه في جزء «خلق أفعال العباد» دون ذكرِ ما يتعلَّق بكونِ الله في السَّماء، ولم يُشِر هو إلى أنَّه اختصَرَ الحديث، مِمَّا يدلُّ على تعليلِه لهذه الجُمَل منه (٤).
стр. 737
المعارضة الرَّابعة: أنَّ مسلمًا أخرجَ هذا الحديث في باب تحريم الكلام في الصَّلاة، ولم يروِه في (كتابِ الإيمان)، فدلَّ صنيعُه على كونِه مُتعلِّقًا متنُه ببابِ الأعمال، ولا دخلَ له في باب الاعتقاد (١).
المعارضة الخامسة: أنَّ في الحديث إثباتًا لعلوِّ الذَّات الإلهيَّة وفوقيَّته على خلقِه، و «الإشكال الكبير في هذا السِّياق هو أنَّ جمهور أهل الإسلام مُتَّفقون على أنَّ الله تعالى لا يحدُّه مكان ولا زمان، ولا يُقال عنه أين ولا كيف، ورسول الله أعلم الخلقِ بالله، فلا يمكن أن يَسأل مثلَ هذا السُّؤال عن الله تعالى» (٢).
المعارضة السَّادسة: أنَّ اعتقادَ عُلوِّ الله تعالى على خلقِه في السَّماء عقيدة العرب المشركين في الجاهليَّة! شاهد ذلك قصَّة إسلام حُصين والدِ عمران، حيث سأله النَّبي ﷺ : «كم إلهًا تعبد؟ فقال: ستَّة في الأرض، وواحد في السَّماء .. » الحديث (٣)، فكيف يكون هذا الاعتقاد دليلًا على الإيمان وهو اعتقاد الجاهليَّة؟! (٤)
стр. 738
المَطلب الثَّالث
دفعُ دعوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ
عن حديثِ الجاريةِ
فأمَّا دعوى المخالِفين في المعارضةِ الأولى قيامَ التَّعارضِ بين ألفاظِ الحديثِ تعارضًا يُفضي إلى اضطرابه:
فقولهم أوَّلًا: إنَّ بعض روايات الحديث عن معاوية بن الحكم تُثبِت أنَّ الجارية لِخَرسها كان الكلام بينها وبين النَّبي ﷺ إشارةً، بخلافِ رواية مسلم الَّتي يظهر منها أنَّه كلام لفظيٌّ؛ فجوابه مِن وجهين:
الوجه الأوَّل: أنَّه إذا تَعارض حديثٌ في أحدِ «الصَّحيحين» مع حديثٍ خارجهما، مع انسدادِ وجوه الجمع بينهما، فالقواعد الحديثيَّة تَقتضي تقديمَ روايةِ «الصَّحيحين» على ما في باقي المُصنَّفات (١)؛ ولا يُقال هنا إذا تَعارضا تَساقطا، ولا أنَّه مُضطرب مِن الأساسِ، لأنَّ ذلك عند تساويهما في القوَّة، واتِّحادِ مخرجِهما (٢).
فإن قدَّرنا جدلًا تساوي الرِّوايتين في القوَّة كما يوهِمه المُعترض، وتعَذَّر الجمع بينهما: تَعيَّن التَّرجيح حينئذٍ، ولا ترجيحَ لغيرِ ما في «الصَّحيحين»! فتُقدَّم رواية مسلم الَّتي باللَّفظ: «أين الله؟»، على الواردة بالإشارة خارجها؛ وهذا على
стр. 739
التَّسليم بأنَّ الرِّواية المعارضِة مُساوية في القوَّة لما في «صحيح مسلم»، فكيف وهي في حقيقتِها واهيةٌ لا تقوى على المدافعة؟! بيان ذلك في:
الوجه الثَّاني: أنَّ الرِّواية المُعارَض بها مِن قِبَل الكوثريِّ لا تنهض بحالٍ لمزاحمةِ ما في «الصَّحيح»، فإنَّ الذَّهبي أوردَ روايةَ الإشارة في كتابه «العلوِّ» مُعلَّقةً مِن غير إسنادٍ، فقال: «عن عطاء بن يسار قال: حَدَّثني صاحب الجارية نفسُه قال: كانت لي جارية ترعى الحديث .. وفيه: فمدَّ النَّبي ﷺ يدَه إليها، وأشار إليها مستفهمًا: مَن في السَّماء؟ .. » (١).
والكوثريُّ إنَّما احتجَّ فيما احتجَّ به على بطلانِ رواية مسلم بهذه الرِّواية الَّتي أوردها الذَّهبيِّ (٢)؛ والعَجب منه؛ كيف استباح تقديمَها -وهي بغير إسنادٍ- على ما جاء في «الصَّحيح» بأصفى إسنادٍ وأصحِّه؟! (٣)
على أنَّ هذا الَّذي تمسَّك به الكوثريُّ لإسقاطِ لفظِ مسلمٍ -دون أن يعلمَ هو حقيقةَ إسنادِه- قد ذكرَ المزِيُّ إسنادَه كاملًا في «تحفة الأشراف»! وذلك من طريق: سعيد بن زيد -أخي حمَّاد بن زيد-، عن توبة العنبري، عن عطاء بن يسار، قال: حدَّثني صاحب هذه الجارية نفسه .. ، فذكر الحديث (٤).
وهؤلاء ثقات، ما عدى سعيد بن زيد الَّذي اختلفَ النُّقاد فيه (٥)؛ فكان
стр. 740
أعدل الأحكام فيه ما وُفِّق إليه ابن حبَّان بقولِه: «كان صَدوقًا حافظًا، مِمَّن كان يخطئ في الأخبار، ويَهِم في الآثار، حتَّى لا يُحتجَّ به إذا انفرد» (١).
قلت: روايته هذه لحديث الجارية بالإشارةِ، قد خالفَ فيها ما رَوَاه الثِّقات بصيغة التَّلفظ، فقد انفردَ عنهم في ذلك وهم أوثق منه وأضبط؛ فهي بهذا الاعتبار مِن قَبيل المنكر أو الشَّاذ! ولفظ مسلمٍ: «أين الله؟» هو المَحفوظ الصَّحيح.
وأمَّا قول المعترضِ ثانيًا: أنَّ الرُّواة مِن الصَّحابة تَفرَّقوا في ألفاظِ الحديث، فتارةً يقولون: «أين الله؟»، وتارةً: «مَن ربُّك»، وتارةً: «أتشهدين ألَّا إله إلَّا الله»:
فجوابه: نفسُ ما دفعنا به المعارضةَ قبلَه: أنَّ رواية معاوية بن الحكم في «صحيح مسلم»، وباقي الرِّوايات المُدَّعاة معارضتها له خارج «الصَّحيح»، والمنهج الحديثيُّ يقتضي تقديم ما في «الصَّحيح» على ما في غيره عند التَّعارض.
هذا على فرضِ تساويِ جميع الطُّرق في القوَّة.
ودعوى الكوثريِّ إشارةَ البيهقيِّ إلى تركِ مسلمٍ ذكرَ قصَّة الجارية في حديث معاوية بن الحكم، ثمَّ تعليله لهذا التَّركِ منه باختلافِ الرُّواة في لفظِه: ففيه نظر لا يخفى؛ فإنَّ قصَّة الجارية قد ذكرها مسلم ضمنَ حديث معاوية بن الحكم في «صحيحه» حقيقةً، ونُسخ كتابِه شاهدة، ولم يَزَل العلماء يَنسبون القِصَّةَ إلى «صحيح مسلم» مِن قَبلِ عهدِ البيهقيِّ.
والتَّحقيق: أنَّ ما وَقع مِن اختلافٍ مُدَّعًى في بعضِ ألفاظِ هذا الحديث، ليس من الاختلاف المُفضي إلى الاضطرابِ -كما يريده الكوثريُّ- لمِا قام عليه الدَّليل مِن كونِ بعضِ تلك الرِّواياتِ إمَّا حكاية حادثةٍ مُستقِلَّة، أو ضعيفة لا تنتهض للمعارضةِ أصلًا، كما سيأتي تحقيقه.
стр. 741
وبما أنَّ الحكم في هذا المَقامَ يفتقر إلى دراسةِ الأسانيد ومقارنتِها فيما بينها، ليُطَّرح منها ما لا يَصحُّ أن يُعارَض به، وما صَحَّ يُنظر في سياقِه ودعوى المخالفة فيه؛ ناسب أن يُحقَّق القول في ذلك لتنكشف الغُمَّة عن ضعيف الآلة في تمييز الصِّحاح عن الضِّعاف من الأخبار، فأقول:
أمَّا حديث معاوية بن الحكم الَّذي أخرجه مسلم، فقال في إسنادِه:
«حَدَّثنا أبو جعفر محمَّد بن الصَّباح، وأبو بكر ابن أبي شيبة -وتقاربا في لفظ الحديث- قالا: حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن حجَّاج الصَّواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السُّلمي» به.
قلت: هذا الإسناد مُسلسل بالحُفَّاظِ الأثبات لِمن طالعَ تراجمهم في مظانِّها، قد أُجمِع على وثاقتهم مِن أئمَّة الفنِّ، غير أنَّ يحيى بن أبي كثير فيه -مع جلالتِه في الحديثِ- كثير الإرسال، بل نَعَته النَّسائي بالتَّدليس (١)؛ وهذا الوصف فيه مِمَّا اعتلَّ به الكوثريُّ لتضعيف هذا الخبر (٢)!
وليس يَصفو له هذا الاعتلال، فإنَّ يحيى بن كثير قد صرَّح بالتَّحديث عند أحمد في «مسنده» (٣)؛ وعلى افتراض عدم التَّصريح، فقد توبع يحيى عن شيخِه هلال بن أبي ميمونة مِن اثنين:
١ - مالك بن أنس (٤)؛ وكفى به إمامةً في الدِّين، وغُنيةً في المتابعات.
стр. 742
٢ - وفُليح بن سليمان، وحديثه في رتبة الصَّدوق -كما سبق بيانُه- ومتابعته ليحيى مختصرةُ المتن (١).
فبانَ بذا نَقاوةُ إسنادِ مسلمٍ، ويحيى بن كثير الذي فيه يكفيه فضلًا أنَّه «أحسنُ النَّاس سِياقًا له عن هلال بن أبي ميمونة» (٢).
وأمَّا عن الرِّوايات الأخرى الَّتي عورض بها حديث معاوية بن الحكم:
فأسمَنُ ما وقفتُ عليه -على غثاثتِه، ممَّا يستدعي نوعَ نظرٍ فيه- رِوايتان (٣):
أُولاها: ما رواه أبو هريرة ﵁: أنَّ رجلًا أتى النَّبي ﷺ بجاريةٍ سوداء أعجميَّة، فقال: يا رسول الله، إنَّ عليَّ عتقَ رقبةٍ مؤمنة، فقال لها رسول الله: «أين الله؟»، فأشارت إلى السَّماء بإصبعها السَّبابة، فقال لها: «مَن أنا؟»، فأشارت بإصبعها إلى رسول الله وإلى السَّماء، أي: أنتَ رسول الله، فقال: «أعتِقها» (٤).
стр. 743
فهذا الحديث قد جاء مِن طريق: يزيد بن هارون، عن المسعودي، عن عون بن عبد الله، عن أخيه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة ﵁.
وهذا إسناد رجاله ثقات، والمسعوديُّ وإن كان قد اختلطَ بأخرة (١)، وكان يزيد بن هارون -الرَّاوي عنه- مِمَّن أخذ عنه بعد الاختلاط (٢): فإنَّ هذا توبع عنه مِن عبد الله بن رجاء (٣)، وهو مِمَّن أخذ عن المَسعوديِّ قبل اختلاطِه (٤)؛ غير أنَّه رواه عن المَسعوديِّ بلفظ: «مَن ربُّك؟»، فيُقدَّم على لفظِ يزيد عنه في السُّؤالِ عن الأينِ.
فالحديث بذا «مَحفوظٌ عن المَسعوديِّ» (٥)، مُتردِّدٌ بين الصِّحة والحُسن (٦).
إذا تقرَّر هذا الحكم لهذه الرِّواية: أمكنَ الانفصالُ عن دعوى التَّعارض والاضطراب المزعومِ بينها وبين حديثِ معاوية بن الحكم بالنُّزوعِ إلى اختلاف الواقِعتين من الأساسِ! وهذا ظاهر لمِن تأمَّل سياقيهما:
أ- فإنَّ الرَّجل في حديثِ أبي هريرة: هو مَن جاء بالجارية ابتداءً دون طلب، وكان عتق رقبةٍ عليه واجبة؛ بخلافِ حديث ابن الحكم: حيث لم يَأتِ هو بجاريته إلَّا بعد طلب النَّبي ﷺ ، وكانت رغبته في عتقها نَدبًا منه، تكفيرًا عن صَكِّها.
ب- والجارية في حديث أبي هريرة عَجماء لا تُفصِح، بينما جارية ابن الحكمِ فصيحة اللِّسانِ!
стр. 744
ج- أضِف هذا إلى اختلافِ مَخْرَجَي الحديثين، وهو قرينةٌ قويَّةٌ على انفصالِ كلٍّ مِن الحديثين عن الآخر، وكونهما حادثتين مُستقلِّتين.
ثمَّ على فرضِ انسدادِ وجوه الجمعِ بينهما -كما يوهِمه الكوثريُّ-: فقد كرَّرنا مِرارًا أنَّ قواعد العلماءِ تقتضي الانتقالَ إلى التَّرجيح، وحينئذٍ لا مَحيد عن ترجيحِ رواية معاوية بن الحكم على رواية أبي هريرة، لعدَّة اعتبارات:
أولاها: أنَّ حديث ابن الحكمِ في «الصَّحيح»، ورواية أبي هريرة خارجه.
ثانيها: لأنَّ رُواتَه أضبط وأكثر مِن رواةِ حديث أبي هريرة.
ثالثها: لأنَّ حديثه لم يُختلَف في سندِه، بخلافِ حديث أبي هريرة ﵁ فقد اختُلف في وصلِه وإرسالِه (١)؛ ولا شكَّ أنَّ ما لم يُختلف فيه أرجح ممَّا اختُلف فيه (٢).
رابعها: أنَّ معاوية بن الحكم هو صاحب القِصَّة، فروايته لها مُقدَّمَة على روايةِ غيره (٣)، وهذا كافٍ في التَّرجيح وحده.
وهذا -كما قدَّمنا- على تقديرِ كونِ الحديثين حادثةً واحدةً، وأنَّ الجمعَ بينهما عَويصٌ؛ وقد تبيَّن لك أنَّ الحديثين مُتغايران في الحادثة، مختلفان في المَخرجِ، فلا وجهَ لتكلُّف الاضطراب فيما بينهما.
وأمَّا ثاني الرِّوايات الَّتي عورض بها حديث معاوية بن الحكم:
فنفس حديث أبي هريرة السَّابق، لكن بسياقٍ مُغايرٍ له، جاء مِن رواية معمر بن راشد، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن رجلٍ من الأنصار:
أنَّه جاء بأَمَةٍ سوداء إلى النَّبي ﷺ فقال: «يا رسول الله، إنَّ عليَّ رقبةً مؤمنةً، فإن كنت ترى هذه مؤمنةً، فقال لها النَّبي ﷺ : «أتشهدين أن لا إله
стр. 745
إلا الله؟» قالت: نعم، قال: «أتشهدين أني رسول الله ﷺ ؟» قالت: نعم، قال: «أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟» قالت: نعم، قال: «أعتِقها» (١).
كذا رواه معمر عن الزُّهري مَوصولًا، وخالفه ثِقتان ثَبتان في الزُّهري، حيث أرسلَا الحديث، هما: مالك بن أنس (٢)، ويونس بن يزيد الأيلي (٣)،
فلا ريبَ بعدُ في تقديم رواية هذين المرسلة، على رواية مَعمر الَّتي ظاهرها الاتِّصال (٤).
وعليه؛ فالصَّواب في الرِّواية الثَّانية لأبي هريرة الإرسال (٥)، والمُرسَل لا يَقوى على معارضةِ حديثِ معاوية بن الحكم، فضلًا عن أن يُرمَى بالاضطرابِ لأجلِه.
وحاصل القول:
أنَّ حديث الجاريةِ برواية مسلمٍ له راسخٌ في ثبوتِ سندِه، بليغٌ في استقامة متنِه، لم تقع الرِّواية فيه بالمعنى كما زعمه الكوثريُّ والغُماريُّ، بل السُّؤال فيه بـ «أين الله» هو عينُ لفظ النَّبي ﷺ ؛ وهذا ما أَقَرَّ به، لم ينهَض أحَدٌ من الحُفَّاظ النُّقَاد لمسلمٍ باعتراضٍ عليه في ذلك، حتَّى خَرَجَ علينا الاثنان بما يُناقض إجماعَهم بِما قد علِمتَه مِن وَاهِي العِلَل؛ والله يغفر لهما.
стр. 746
وأمَّا دعواهم في المعارضة الثَّانية: أنَّ المَعهودَ مِن حال النَّبي ﷺ تلقينُ الإيمان واختبارَ إسلام الإنسان بكلمة التَّوحيد، وليس بالسُّؤال عن الأيْنيَّة .. إلخ، فجواب ذلك:
أنَّ هذا التَّقعيدَ العامَّ لمثل هذا الحكم، إن كان مستندَه استقراءُ الأحاديث: فإنَّ حديث الجاريةِ واحدٌ مِن تلك الأحاديث! فعدم اعتبارِه في عمليَّة التَّقعيدِ للأحكامِ العامَّةِ انتقائيَّةٌ سِلبيَّة، وخَللٌ في منهجيَّة الاستقراءِ.
وما ردَّ به المُعترض مَبدأ السُّؤالَ النَّبويِّ للجاريةِ بكونِه على غير المَعهود منه ﷺ : إنَّما كان ذلك مِنه ﷺ تَنَزُّلًا إلى قدر فهم جاريةٍ نَاشئةٍ مع قومٍ مَعبوداتُهم في بيوتِهم، بما تَبصَّره مِن حالِها، وتبيَّن له مِن مِقدارِ عقلِها، حيث أرادَ ﷺ أن يَتعرَّف منها بذاك الأسلوب ما يَدلُّ على أنَّها ليست مِمَّن يعبدُ الأصنام الَّتي في الأرض (١).
فإن كانت هي مِن المشركين: تَبيَّن بأن تشير إلى صنمِ بلدٍ أو قوم (٢)؛ فلمَّا أجابته بأنَّ مَعبودَها واحدٌ في السَّماء، عَلِم مِن ذلك أنَّها مُوَحِّدة، إذْ علامةُ الموحِّدين قصرُ العبوديَّة على الله في عَليائه، دون ما يُرى مِن الآلهةِ المعبودةِ في الأرضِ.
يقول أبو سليمان الخطابيُّ (ت ٣٨٨ هـ): «إنَّ هذا السُّؤال هو عن أمارةِ الإيمان، وسِمَةِ أهلِه، وليس بسؤالٍ عن أصلِ الإيمانِ وصفةِ حقيقتِه.
ولو أنَّ كافرًا يريد الانتقالَ مِن الكفرِ إلى دين الإسلام، فوصفَ مِن الإيمان هذا القدرَ الَّذي تكلَّمت به الجارية: لم يصِر به مسلمًا حتَّى يشهد أن لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله ﷺ ، ويتبرَّأ من دينه الَّذي كان يعتقده.
وإنمَّا هذا كرجلٍ وامرأة يوجدان في بيتٍ، فيُقال للرَّجل: مَن هذه منك؟ فيقول: زوجتي، وتصدِّقه المرأة، فإنَّا نصدِّقهما في قولِهما، ولا نكشفُ عن أمرهِما، ولا نطالبهما بشرائطِ عقدِ الزَّوجيَّة، حتَّى إذا جاءانا وهما أجنبيَّان،
стр. 747
يريدان ابتداءَ عقدِ النِّكاح بينهما، فإنَّا نطالبهما حينئذٍ بشرائطِ عقدِ الزَّوجية، مِن إحضارِ الوليِّ والشُّهود وتسميةِ المهر.
كذلك الكافر إذا عُرِض عليه الإسلام، لم يُقتصر منه على أن يقول: إنِّي مسلم، حتَّى يصفَ الإيمانَ بكمالِه وشرائطِه، وإذا جاءنا مَن نجهلُ حالَه بالكفرِ والإيمانِ، فقال: إنِّي مسلم، قبِلناه، وكذلك إذا رأينا عليه أمارةَ المسلمين، مِن هَيئةٍ، وشارةٍ، ونحوهما: حَكمنا بإسلامه، إلى أن يظهر لنا منه خلاف ذلك» (١).
وأمَّا جواب المعارضة الثَّالث: في دعواهم أنَّ البخاريَّ تركَ إخراجَ الحديث في «صحيحه»، وأخرجه في جزء «خلق أفعال العباد» دون ذكر ما يتعلَّق بكونِ الله في السَّماء .. إلخ:
فليس يخفى على مُبتدئٍ في التحصيل أنَّ البخاريَّ لم يقصد في «صحيحِه» إخراجَ كلِّ الصَّحيح، وهو مَن أشارَ إلى قصدِ الاختصارِ في عنوانِ كتابِه نفسِه، تبصرةً لمن عَمِي عن هذا المقصد مِن تأليفه، فسمَّاه «الجامعَ المسندِ الصَّحيح (المختصرِ) مِن أمورِ رسول الله ﷺ وُسنَنه وأيَّامِه».
وكذا إخراجُه للحديثِ في كتابه «خلق أفعال العباد» مختصرًا، لا يلزمه فيه التَّصريح باختصارِه، فقد أخرج في هذا الجزءِ نفسِه غيرَه ممَّا اختصَره دون إشارةٍ منه إلى اختصاره، مع ورودِه كاملًا في مواضع أخرى مِن كُتبه (٢)!
وأمَّا جواب المعارضة الرَّابعة: في دعواهم أنَّ مسلمًا أخرج الحديث في باب تحريم الكلام في الصَّلاة، ولم يروه في كتاب الإيمان .. إلخ:
فدعوى الكوثريِّ فيها تزيُّد ظاهرٌ على مسلم؛ وقد تقدَّم البيان على أنَّ مسلمًا لم يَتَصَدَّ لمِا تَصدَّى له البخاريُّ مِن استنباطِ الأحكامِ وتقطيع الأحاديث
стр. 748
على أبوابِها المناسبة، بل مسلمٌ يجمعُ طرق الحديث في أنسب مكانٍ، لا يكاد يكرِّر الحديث في أكثرَ من بابٍ إلَّا نزرًا يسيرًا.
فلمَّا كان أغلب لفظِ حديث معاوية بن الحكم هذا مندرجًا في الفقهيَّات، ارتأى مسلمٌ وضعَه في كتابٍ فِقهيٍّ، فيما اختاره مِن كتاب الصَّلاة والمساجد.
وإذْ لم يرُق للكوثريِّ إلَّا تبويب مسلمٍ لهذا للحديث في الفقهيَّات، فإنَّ غيره مِن أربابِ المصنَّفاتِ قد احتسَبوه في أبوابِ الاعتقاد وما تعلَّق بها (١)! بل منهم مَن استدلَّ بهِ في العَقديَّات والفقهيَّات مَعًا (٢)! فأين هو من هؤلاء؟!
وأمَّا دعوى المخالف في المعارضة الخامسة: أنَّ الله لا يُسأل عنه بأين، وأنَّ في إثباتِ علوِّ الله وفوقيَّته على خلقِه تحيِيزًا له في جهة، وتموضعًا في مكان، وهذا ينافي تنزيهَه .. إلخ؛ فجوابه:
أنَّ ما جاء في هذا الحديث وأمثالِه مِن إثباتِ العلوِّ لله تعالى وجوازِ السُّؤال عنه بأينَ والإشارة له في جِهة العلوِّ، ليس هو قول المجسِّمة ولا المُشبِّهة، بل قول ربِّنا في كتابه ونبيِّنا في سُنِّته؛ وهو ما اجتمع على الإيمانِ به علماء المسلمين وعوامُّهم صدر هذه الأمَّة المباركة، كما قاله نجمُهم مالك بن أنس: «إنَّ الله فوق السَّماء، وعلمُه في كلِّ مكان» (٣).
يقول ابن عبد البرِّ (ت ٤٦٣ هـ): «قوله في هذا الحديث للجارية أين الله: على ذلك جماعةُ أهل السُّنة، وهم أهل الحديث، ورواتُه المتفقِّهون فيه، وسائر نقلَتِه كلِّهم، نقول ما قال الله تعالى في كتابه .. »، وبعد أن سَرَد بعضَ الآيات في إثبات العلوِّ قال: « .. ولم يزل المسلمون إذا دَهَمهم أمرٌ يُقلِقهم فزَعوا إلى
стр. 749
ربِّهم، فرَفعوا أيديَهم وأوجهَهم نحوَ السَّماء يدعونه، ومخالفونا ينسبونا في ذلك إلى التَّشبيه، والله المستعان، ومَن قال بما نَطق به القرآن فلا عيبَ عليه عند ذوي الألباب» (١).
فعلى أيِّ أساسٍ نَقليٍّ يُقال بأنَّ المسلمين على تحريمِ السُّؤال عن الله بأين؟ بل كيف يُجتَرؤ على حديثه ﷺ أن يُوصف سؤالُه فيه بـ «أنَّه اللَّفظ المستشنع» (٢)؟!
فأمَّا ظاهر ما أفاده حديث الجارية: فليس فيه من كونِ الله تعالى في السَّماء أنَّه في جَوفِها! أو أنَّ السَّموات تحصره وتحويه؛ هذا لم يقُله أحدٌ مِن سَلف الأمَّة ولا عاقل باقٍ على فطرتِه؛ بل العلماء متَّفقون على أنَّ الله فوق سمواته، مُستوٍ على عرشه، بائنٌ مِن خلقه؛ ليس في مخلوقاته شيءٌ مِن ذاته، ولا في ذاته شيء مِن مخلوقاته، ويعلمون أنَّ الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا أفعاله.
بل عقلاء المسلمين يؤمنون بأنَّ مَن اعتقدَ أنَّ الله في جوفِ السَّماء، محصورٌ محُاط به، تحويه المصنوعات، وتحصره السَّموات، فيكون بعض المخلوقات فوقه، وبعضها تحته، أو أنَّه مُفتقِر إلى العرش أو غير العرش مِن المخلوقات: أنَّه ضالٌّ مُبتدِعٌ، إن لم يكن زنديقًا!
ونقول -في مُقابِل ذلك- فيمَن اعتقدَ أنَّه ليس فوق السَّموات إله يُعبَد، ولا على العرش رَبٌّ يُصَلَّى له ويُسجد! وأنَّ محمَّدًا ﷺ لم يُعرَج به إلى ربِّه؛ ولا نَزل القرآن الكريم مِن عنده: أنَّه مُعطِّل مبتدع.
وقد احتجَّ مُجَوِّزو الأيْنيَّة -مع ما قد وَرَد في ذلك من النُّصوص الشَّرعيَّة وإجماعِ السَّلف- بأنَّه لا يُعقَل الوجود بدونِها، وأنَّه مِن أجلى البَديهيَّات وأوضحِ الضَّروريَّات (٣)؛ والله ﷻ قد فَطَر العبادَ عرَبهم وعجَمهم على أنَّهم إذا دَعوا الله توجَّهت قلوبهم إلى العلوِّ؛ لا يقصدونه عن أيمانهم ولا عن شمائلهم أو تحت
стр. 750
أرجلهم؛ فِطرةً أفحمَ بها أبو جعفر الهمدانيُّ (ت ٣٥١ هـ) (١) أبا المعالي الجوينيَّ (ت ٤٧٨ هـ)، وذلك فيما حكاه عنه قال:
«سمعتُ أبا المعالي الجوينيَّ وقد سُئِل عن قولِه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فقال: كان الله ولا عرش .. ، وجَعَل يتخبَّط في الكلام.
فقلتُ: قد علِمنا ما أشرتَ إليه، فهل عندك للضَّرورات مِن حِيلة؟
فقال: ما تريد بهذا القول، وما تعني بهذه الإشارة؟
فقلت: ما قال عارفٌ قطُّ: يا رَبَّاه، إلَّا قبل أن يتَحرَّك لسانُه، قامَ مِن باطنه قصدٌ لا يلتفت يمنةً ولا يسرةً، يقصد الفوق! فهل لهذا القصد الضَّروري عندك مِن حيلة؟ ..
وبكيتُ وبَكى الخلقُ، فضَربَ الأستاذ بكمِّه على السَّرير، وصاح: يا للحيرة! وخرق ما كان عليه، .. ونَزلَ ولم يُجبني، .. فسمعتُ بعد ذلك أصحابَه يقولون: سمعناه يقول: حيَّرني الهَمداني!» (٢).
فهذه الفطرة الَّتي ما بُعث الرُّسل إلَّا بتكميلها وتقريرها، لا بتحويلها وتغييرها كما يفعل مَن خالفَ سُنَّتهم، مِن الحلوليَّة والجهميَّة ونحوهم، فيستنكرون أن يُشارَ إلى الله بأين، ويَورِدون على النَّاس شُبهاتٍ، بكلماتٍ مشتبهاتٍ، لا يفهم كثير من النَّاس مقصودَهم بها؛ ولا تُحسن مع ذلك أن تُجيبَهم.
يقول ابن كُلَّاب: «لو لم يشهد لصحَّةِ مذهبِ الجماعةِ في هذا الفنِّ خاصَّة إلَّا ما ذكرتُ من هذه الأمور، لكان فيه ما يكفي، كيف وقد غُرس في بَنية الفطرة، وتَعَارفِ الآدميِّين مِن ذلك، ما لا شيء أبين منه ولا أوكد؟ بل لا تسأل أَحدًا مِن النَّاس عنه، عَربيًّا ولا عَجميًّا ولا مؤمنًا ولا كافرًا، فتقول: أين ربُّك؟
стр. 751
إلَّا قال: في السَّماء، إن أفصح، أو أوْمأَ بيدِه، أو أشار بطرْفِه، إن كان لا يفصح، لا يشير إلى غير ذلك من أرضٍ ولا سهلٍ ولا جبلٍ.
ولا رأينا أحدًا داعيًا له إلَّا رافعًا يديه إلى السَّماء، ولا وجدنا أحدًا غير الجهميَّة يُسأل عن ربِّه فيقول: في كلِّ مكان! كما يقولون، وهم يدَّعون أنَّهم أفضل النَّاس كلِّهم، فتاهت العقول، وسقطت الأخبار، واهتدى (جهمٌ) وحده وخمسون رجلًا معه! نعوذ بالله من مضلات الفتن» (١).
ومن ثمَّ نقول: إنَّ أصلَ ضلال مَن طَعن في مثل هذا الحديث تكلمُّه فيه بكلماتٍ مُجملةٍ لا أصل لها في الشَّرع؛ ولا قالها أحدٌ مِن أئمَّة المسلمين، كما تراه في نصِّ ما مرَّ عليك من هذه المعارضةِ الخامسةِ، كلفظ التَّحيز، والجسم، والجِهة، ونحو ذلك.
ومنشأ الغلطِ عند هؤلاء النُّفاة: خلطُهم بين نَوعي الأمكنة: الوجوديَّة المخلوقة، والعَدميَّة، فلم يفهموا مِن كونِه فوق السَّماوات إلَّا بالمعنى الأوَّل للمكان المخلوقِ الَّذي يعهدونه في الشَّاهد! وهذا لم يقُل به إمام للسُّنة قطُّ.
وتفصيل الردِّ على هذه الشُّبهة في دفع المعارضات الواردة على حديث «رؤية الله في الجنَّة» من هذا البحث.
وأمَّا دعواهم في المعارضة السَّادسة: أنَّ اعتقاد علوِّ الله تعالى في السَّماء على خلقِه عقيدةٌ للعَرب القدامى في جاهليَّتهم .. إلخ؛ فجواب ذلك:
أنَّ إيمانَ المشركين العرب بأنَّ الله تعالى فوق السَّماء هو من القضايا المركوزة في الفِطَر، فليس للعرب الجاهليِّين اختصاصٌ بذلك، ما هو إلَّا كإقرارِهم بباقي مُقتضياتِ ربوبيَّته سبحانه، كالخلق، والإحياء، والإماتة، والتَّدبير، ونحو ذلك مِمَّا جاء في مثل قول الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١].
стр. 752
ثمَّ إنَّا إذْ نقرُّ بسؤالِ النَّبي ﷺ للجاريةِ عن الأينيَّة في مقامِ استكشافه لدينها، فلسنا ندَّعي أنَّ الإقرار بعلوِّ الله تعالى دليل على الإيمان بمُجرَّده! ولا هذا ما رَمى إليه النَّبي ﷺ مِن سؤاله ذاك.
بل نقول: إنَّ الإيمان بالعلوِّ هو (مِن) الإيمان وليس الإيمان كلَّه؛ وإنَّما استحضره ﷺ في سؤالِه للجاريةِ بخاصَّة استجلابًا لأمارةِ إيمانها، بمِا سبق شرحه مِن مُلابساتٍ في جوابِ المعارضةِ الثَّانيةِ، بما لم يجري به لسانه ﷺ إلَّا مرَّةً أو مرَّتين طولَ حياتِه لاعتبارٍ ضيِّق.
فما أرى مِن الكياسة اختبارُ العامَّة بمثلِ هذا السُّؤال، فضلًا عن أن يكون سُنَّة! -كما قد يعتقده بعضُ المُتنطِّعة- بل هو بباب الكراهة والتَّحريم ألصق إن آلَ أمره إلى الخصومات وانفكاكِ الجماعات، في زمنٍ صار النَّاس ينسلخون فيه مِن دين الله سِراعًا!
والأصل في مثل هذه المقامات -كما يقرِّره ابن تيميَّة- أن يُمنع العامَّة عن الخوضِ في التَّفاصيل الَّتي تُوقِع بينهم الفُرقةَ والتَّناحر، وجمعُهم على الجُمَلِ الثَّابتة بالنصِّ والإجماع، فإنَّ الفُرقةَ والاختلاف مِن أعظم ما نَهى الله عنه ورسولُه (١)؛ والله أعلم.
المَطلب الأوَّل
سَوْق حديث «احتجَّ آدمُ وموسى»
عن أَبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: «احتجَّ آدم وموسى، فقال موسى: يا آدمُ، أنت أبونا، خيَّبتنا، وأخرجتنا مِن الجنَّة!
قال له آدم: يا موسى، اصطفاك الله بكلامه، وخَطَّ لك بيده: أتلومني على أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللهُ عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنةٍ؟! (١)
стр. 755
فحجَّ آدمُ موسى، فحجَّ آدمُ موسى -ثلاثًا-» متَّفق عليه (١).
وفي لفظٍ لمسلم (٢) تفرَّد به: قال رسول الله ﷺ :
«احتجَّ آدم وموسى ﵉ عند ربِّهما، فحجَّ آدم موسى، قال موسى: أنت آدم الَّذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأَسْجَد لك ملائكته، وأسكنك في جنَّته، ثُمَّ أَهبطتَ النَّاسَ بخطيئتك إلى الأرض!
فقال آدم: أنت موسى الَّذي اصطفاك الله برسالته، وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيًّا، فبِكم وجدتَ اللهَ كَتبَ التَّوراة قبل أن أُخلَق؟ قال موسى: بأربعين عامًا، قال آدم: فهل وجدتَ فيها: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]؟ قال: نعم، قال: أفتلُومني على أنْ عملت عملًا كتبه الله عليَّ أن أَعملَه قبلَ أن يخلقني بأربعين سنةً؟!
قال رسول الله ﷺ : فحَجَّ آدمُ موسَى».
стр. 756
المَطلب الثَّاني
سَوْق دَعوى المُعارَضاتِ الفِكريَّةِ المُعاصرةِ لحديثِ «احتَّج آدمُ وموسَى»
أُسُّ المُعارضاتِ الدَّارجة على لسان الطَّاعنين في قدحِهم بهذا الحديثِ تتركَّز في دعواهم: أنَّ آدم ﵇ فيه احتجَّ بما ليس بحُجَّةٍ؛ ولو كان كذلك لكان لِفرعون وهامان وسائرِ الكفَّارِ أن يَحتجُّوا بها، ولمَّا بَطُل ذلك، عَلِمْنا فسادَ هذه الحجَّة.
وفي تقريرِ هذه الشُّبهة، يقول (إسماعيل الكرديُّ):
«الإشكالُ الكبير في الحديث: أنَّه يَنسِب لآدمَ احتجاجَه على معصيته لله، بأنَّ الله تعالى قَدَّرها عليه مِن قبل؛ وبالتَّالي: فلا يجوز مَلامَته عليها! وهذا عَينُ قولِ فرقةِ الجبريَّة، وعليه لا يجوز لَوْمُ أحدٍ مِن العُصاة جميعِهم مِن البَشر؛ لأنَّ كلَّ ما فَعلوه كان مُقدَّرًا عليهم مِن الأزَل! إذن فلماذا الحدود، والقَصاص، والجنَّة، والنَّار؟!
والأنكى مِن ذلك: أنَّه يَنسبُ للرَّسول موافقتَه لكلامِ آدم، واعتباره أنَّه غلب موسى وحَجَّه؛ مكرِّرًا ذلك أكثر مِن مرَّة! هذا مع أنَّ القرآن أبطل هذا النَّوع من الاحتجاج بصريح العبارة .. ويستحيل أن يعلِّمنا رسولُ الله أمرًا يخالف القرآن» (١).
стр. 757
ويقول (سامر إسلامبولي): «النَّبي موسى يلوم آدمَ على إِخراجِ الذُّريَّةِ من الجَنَّة، وسببُ ذلك هو معصيةُ آدم، فاللَّوم هو على المعصيةِ الَّتي نتَج عنها الإخراج من الجنَّة، ولا علاقة هنا لكونِ آدمَ تاب مِن المعصية أو لم يَتُب؛ لأنَّ ذلك متعلِّقٌ به وبمغفرة الله له، والَّذي يهمُّنا ما ترتَّب على المعصية الَّذي هو الإخراجُ من الجَنَّةِ؛ أمَّا تبرير آدم فكان بالقَدَر، واحتجَّ أنَّ ذلك الإخراجَ كان مكتوبًا عليه قبل خلْقه بأربعين سَنة، والجواب النَّبوي هو: أنَّ آدم حجَّ موسى.
ولاشَكَّ هنا أَنَّ احتجاج آدم بالقَدر على إخراجه من الجنَّة يتضمَّن تبرير المعصية؛ لأنَّ الإخراجَ نتيجة المعصية، ولا مُبرِّر لأيِّ تأويلٍ ولَفٍّ ودوران لجعل النَّصِّ صحيحًا، وأنَّ الاحتجاج بالقَدر كان على الإخراج فقط دون معصيةٍ، أو أنَّه يصحُّ الاحتجاج بالقَدر على المعصية الَّتي تاب منها الإنسان وهي في حكم الماضي: ذلك كلُّه تأويل متهافت لنصٍّ باطل، فالنَّص صريحٌ في ترسيخ فكرة أنَّ المعاصي وما يَنتُجُ عنها إنَّما هو بتقدير الله ، وذلك مكتوب قبل الخلق، وذلك يُرسِّخُ فكرة الإجبار والإكراه على الأعمال»! (١).
وهذان المعترضان ومَن وافقهما في هذا الفهمِ للخَبرِ أذيالٌ للمعتزلة؛ فقد سُئل كبيرُهم الجبَّائيُّ (ت ٣٠٣ هـ): «ما تقول في حديث أبي الزِّناد، عن الأَعرج، عن أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ : ألَّا تُنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها؟
فقال الجبَّائي: هو صحيح.
قال البركاني: فبهذا الإسناد نُقل حديث: حَجَّ آدم موسى!
فقال الجبَّائي: هذا خَبَرٌ باطل!
فقال البركاني: حديثان بإسناد واحدٍ؛ صحَّحت أحدهما، وأبطلت الآخر!
قال الجبَّائي: لأنَّ القرآن يدلُّ على بطلانه، وإجماع المسلمين، ودليل العقل.
فقال: كيف ذلك؟
стр. 758
قال الجبَّائي: أليس في الحديث: إنَّ موسى لقي آدم في الجنة ... ، قال الجبَّائيُّ للبركاني: أليس هذا الحديث هكذا؟ قال: بلى، قال الجبَّائي: أليس إذا كان عذرًا لآدم يكون عذرًا لكلِّ كافر وعاصٍ من ذريِّته، وأن يكون مَن لامهم محجوجًا؟ .. فسكَتَ البركاني» (١).
فأنت ترى أنَّ الجُبَّائي لمَّا استقرَّ عنده ما هو نَقيض الظَّاهر مِن الحديث؛ انبنَى على ذلك اعتقادُه مناقضةَ الحديث للضَّرورتين النَّقليَّة والعقليَّة، فردَّ الحديث بناءً على فهمِه المغلوط هذا، وعلى ذلك سار المُحْدَثون من أشياعِه.
стр. 759
المَطلب الثَّالث
دَفع دعوى المعارضِات الفكريَّةِ المعاصرةِ
عن حديثِ «احتجَّ آدمُ وموسَى»
قبل الإبانة عن تهافتِ ما استندَ إليه الطَّاعنون في هذا الحديثِ مِن المعاصرين وأُسوتِهم في ذلك بالمعتزلة؛ فإنَّه يجدر الإشارة إلى أنَّ تحرُّرَ القول في الحديث يكمُن في نَظرين:
النَّظَر الأوَّل: في صحَّة الحديث، وتلقِّي الأمَّة له بالقَبول.
النَّظر الثَّاني: في جَريان ظاهرِه على مقتضى الأصول، والفهم المغلوط لظاهره من قِبل المُعترضين.
وضبطُ القولِ في النَّظرِ الأوَّلِ أن يُقال:
اتَّفقَ أَهل السُّنة والجماعة على صحَّةِ الحديث، وأنَّه لا مَطعن فيه؛ لا مِن جهة إسناده، ولا مِن جهة متنِه، وبتلقِّي العلماء له بالقَبول يرتقي إلى إِفادةِ العلم، هذا إن لم يُقَل بتواترِه، لينحسِمَ بذا الخوض عند أهل الشَّأنِ في صِحَّتِه.
وفي تقريرِ صِحَّة هذا الخَبر، يقول أبو عبد الله ابن مَنْدَه فيه: « .. هذه أَحاديث صِحَاح ثابتةٌ لا مَدْفع لها، ولهذا الحديث طُرُقٌ عن أبي هريرة» (١).
стр. 760
ويقول ابن عبد البرِّ: «هذا حديث صحيح ثابت مِن جهة الإسناد، لا يختلفون في ثبوتِه، رواه عن أبي هريرة ﵁ جماعة مِن التَّابعين، ورُوي مِن وجوه عن النَّبي ﷺ مِن روايةِ الثِّقات الأئمَّة الأثبات» (١).
ويقول ابن القيِّم: «هذا حديث صحيح متَّفق على صحَّتِه، لم تزل الأمَّة تتلقَّاه بالقَبول مِن عهد نبيِّها ﷺ قرنًا بعد قرنٍ، وتقابله بالتَّصديق والتَّسليم، ورواه أهل الحديث في كتبِهم، وشهدوا به على رسول الله ﷺ أنَّه قاله، وحكموا بصحَّته» (٢).
ومِمَّن نصَّ على بلوغِه مبلغَ التَّواتر عن صَحابِيِّه ابنُ كثير الدِّمشقي (ت ٧٧٤ هـ)، حيث قال: «مَن كذَّب بهذا الحديث فمُعانِد؛ لأنَّه متواتر عن أبي هريرة ﵁، وناهيك به عدالةً، وحفظًا، وإتقانًا؛ ثمَّ هو مَرويٌّ عن غيره مِن الصَّحابة .. » (٣).
وأمَّا النَّظر الثَّاني: فإنَّ الحديثَ جارٍ على مُقتضى الأُصُول الشرعيَّة، ليس مخالفًا لشيءٍ منها؛ حتى قال ابن عبد البرِّ: «هذا الحديث مِن أَوضح ما رُوِيَ عن النَّبي ﷺ في إثبات القَدَر ودفع قول القدريَّة» (٤).
ووَجه ذلك: أنَّ الحديثَ قد انتظمَ مَعاقد الإيمان بالقَدر، بدلالةِ المنطوقِ والمَفهوم.
فأمَّا دَلالَته على هذه المَعاقد بالمَنطوق:
فمِن جِهة أنَّه وَقع التَّنصيصُ في الحديث على كتابةِ الله السَّابقة لمعصية آدم ﵇، ولِمَا ترتَّب عليها مِن مصيبة الإخراج.
стр. 761
والمَدلول عليه مِن هذه الأصول بدلالة المَفهوم:
تحقُّق العلمِ السَّابِق للكتابة؛ وأيضًا فإنَّ في جوابِ آدم ﵇ ما يُشعِر بدلالة المفهوم على الأمور التَّالية:
الأوَّل: خلْقُ الله لهذه المعصية، ولِما انْبَنى عليها بعد ذلك مِن الإخراج، ولازم هذا الخَلق، هو:
الثَّاني: سَبْق المشيئة له؛ إذْ المشيئة تَسْبق الخلقَ، ولا خلقَ بلا مشيئةٍ تستلزمها.
وكما أنَّ الخلق يستلزم المشيئة، فإنَّ المشيئة تستلزم:
الثَّالث: سَبْق العلم بها؛ إذْ يستحيل إيجاده للأشياءِ مع الجهل؛ لأنَّ إيجاد الأشياء بإرادة الرَّب ﵎، وهذه الإرادة تستلزم تَصوُّرَ المُراد، فالإرادة مستلزمةٌ للعلم قطعًا.
الرَّابع: إثبات أنَّ للعبد فِعلًا اختياريًا يُنسَب إليه، ووجهُ هذا اللُّزوم: أنَّه لا معنى من لَوْمِ موسى لآدم ﵉ على عَمَلٍ لا اختيار له فيه، ولم يَجْرِ احتجاجه ﵇ بالقدَر لينفي اختيارَه! إذْ لو كان كذلك، للَزِم أيضًا أن يكون احتجاجُه هو أيضًا لا اختيارَ له فيه! فلا تقوم الحجَّة إذَنْ، وسيأتي بيان فساد مَن فَهِم هذا الحديث على خلاف ظاهره.
والمقصود: أنَّ هذا الحديث -كما قال ابن عبد البرِّ- مُتضمِّنٌ لمراتبِ الإيمان بالقَدر الَّتي انعقد إجماع أهل السُّنة عليها:
المرتبة الأولى: إثباتُ عِلمِ الله تعالى المُحيطِ بكل شيء.
المرتبة الثَّانية: إثبات أنَّ الله كَتب كلَّ ما يكون مِن حين خلق الَقلم، حتَّى قيام السَّاعة وأحصاه؛ فلا يخرج شيءٌ عمَّا كَتبه.
المرتبة الثالثة: إِثبات المشيئة النَّافذة في خلقِه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكُن، على أنَّ الإرادة الخَلْقيَّة الكونيَّة ليست كالشَّرعيَّة مستلزمةً لرضا الرَّب ومحبَّتِه.
стр. 762
المرتبة الرَّابعة: إثبات خلق الرَّب ﵎، فهو الخالق وما سِواه مَخلوق.
وقد أسلفنا الإشارة إلى أنَّ للعبد مَشيئةً وقُدرةً وفِعلًا تُنسب إليه، وكلُّ ذلك ليس خارجًا عن إرادةِ الله الكونيَّة ومشيئتِه، يتجلَّى هذا الأصل في أنواع الدَّلائل الَّتي تضمَّنها القرآن الكريم، مِن إسنادِ الفعلِ أو الصُّنعِ أو المشيئةِ ونحوِ ذلك إلى عبده (١).
فبهذه الأصول نطَقَ أهل السُّنة والجماعة، وعليها انعقدَ إجماعُهم؛ كما تراه في مثل قول الأشعريِّ: «قد أجمعَ المسلمون قبل حدوثِ الجهميَّة والمعتزلة والحروريَّة على أنَّ لله عِلمًا لم يزَلْ .. وعِلْم الله سابق في الأشياء .. فمَن جَحَدَ أنَّ لله علمًا فقد خالف المسلمين، وخَرج عن اتِّفاقهم» (٢).
وكذا في ما نقله ابنُ القطَّان الفاسيُّ (ت ٦٢٨ هـ) بقوله: «أجمعوا على أنَّ الإقرارَ بالقَدَر مع الإيمان به واجب .. وأجمع المسلمون على قول: لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله، وعلى قول: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن .. وأجمعوا على أنَّه تعالى قدَّر أفعال جميع الخلق، وآجالهم، وأرزاقهم قبل خلقِه لهم، وأثْبت في اللَّوح المحفوظ جميع ما هو كائن منهم، وأجمعوا على أنَّه الخالق لجميع أفعال العِباد، وأرزاقِهم، والمُنشئ لجميع الحوادث وحده؛ لا خالق لشيءٍ منها سِواه» (٣).
وبهذا يتبيَّن ما انطوَى عليه حديث المُحاجَّة مِن الأصولِ العظيمة في هذا الباب الَّتي قام الإجماع عليها.
إلَّا أَنَّ هناك قَدْرًا مِن الحديث جالت فيه فهوم أهلِ العِلم: وهو حقيقةُ ما وَقَع عليه لَوْمُ موسى ﵇، وحقيقةُ ما احتجَّ به آدَّم ﵇.
стр. 763
وحاصل هذه الأنظار تتمحور في ثلاثة (١):
النَّظر الأوَّل: أنَّ موسى لَامَ آدم ﵉ على الذَّنْبِ نفسِه، فكان الاحتجاج بالقَدَر عليها، على اختلافِ أرباب هذا النَّظر في وجهِ غَلَبة آدم ﵇ بالحُجَّةِ، ذَهب إلى هذا النَّظر بعضُ أهلِ لعلم، منهم: القَنازعي (٢)، وتلميذه ابن عبد البرَّ (٣).
وهذا نَظر مَرْجوحٌ؛ ذلك أنَّ موسى ﵇ لم يَنُطْ لَوْمَه بالذَّنب، ولم يَنطق به أصلًا، فإناطة اللَّوم بذلك مع سكوتِ النَّص عنه دعوى لا دليل عليها؛ على أنَّ موسى ﵇ أعلم بالله وبدينِه أن يلومَ آدم ﵇ على ذنبٍ قد أخبره الله تعالى أن فاعله تابَ منه، وأنَّه اجتباه بعدُ وهَداه (٤).
والنَّظَرُ الثَّاني: أنَّ لَوْمَ موسى لأبيه آدم كان على مصيبة الإخراجِ لا على الذَّنب، وهذا القول نَصَرَه ابن حزم (٥)، واختاره ابن تيمية (٦)، وابن كثير (٧).
أمَّا النَّظَر الثَّالث: فهو تصحيح للنَّظَرَين، أي: جواز أن يكون لَوْمُ موسى ﵇ على المصيبة، وأن يكون اللَّوم متوجِّهًا على الذَّنب لكونِه سبَبَ المصيبة، فلَوم موسى ﵇ على الذَّنبِ لكونِه سَببًا لإخراج آدم والذُّرية مِن الجنَّة؛ لا أنَّه لَوْمٌ على الذَّنب لِذاتِه كما ذَهب إليه أصحاب النَّظرِ الأوَّل.
وهذا الثَّالث مَذهب ابن قيم الجوزيَّة، فقد قال بعد سوقه لكلام ابن تيميَّة في الحديث بما يوافق النَّظر الثَّاني:
«قد يَتوجَّه جوابٌ آخر؛ وهو: أنَّ الاحتجاجَ بالقَدر على الذَّنب يَنفع في موضعٍ، ويضرُّ في موضعٍ؛ فينفع إذا احتجَّ به بعد وقوعِه والتَّوبة منه، وتركِ
стр. 764
معاودتِه -كما فعل آدم ﵇ فيكون في ذِكْر القَدَر إذْ ذاك مِن التَّوحيد ومعرفةِ أسماءِ الرَّب وصفاتِه وذكرِها ما ينتفعُ به الذَّاكرُ والسَّامِعُ؛ لأنَّه لا يدفع بالقدَر أمرًا ونهيًا، ولا يُبطل به شريعة؛ بل يخبر بالحقِّ المحض على وجه التَّوحيد والبراءةِ مِن الحول والقُوَّةِ ..
وأمَّا الموضعُ الَّذي يَضرُّ الاحتجاج به: ففي الحالِ أو المستقبل؛ بأن يرتكبَ فِعْلًا مُحرَّمًا، أو يترك واجبًا، فيلومه عليه لائم، فيحتجَّ بالقَدر على إقامتِه وإصرارِه، فَيبْطل بالاحتجاج به حقًّا، ويرتكب باطلًا.
ونكتةُ المسألة: أنَّ اللَّومَ إذا ارتفع صَحَّ الاحتجاج بالقَدَر، وإذا كان اللَّوم واقعًا، فالاحتجاجُ بالقَدَرِ باطلٌ» (١).
واختار هذا الجمعَ ابنُ الوزير اليَمانيُّ (٢)؛ فهو متضمِّن للنَّظرِ الثَّاني وزيادة، وكلاهما له ما يدلُّ عليه (٣).
وقصدي مِن سَوْقِي لهذه الأنظار في القَدْرِ المختلف فيه مِن الحديث:
إثباتُ كونِ ورثةِ الأنبياءِ مع اختلافِهم في هذا القَدْر، مُتَّفقون على أنَّ حقيقةَ ظاهرِه لا تَدلُّ على تسويغِ الاحتجاجِ بالقَدَر على المَعايب، وإسقاط المَلامة عمَّن أذنبَ، قد حكى الإجماعَ على ذلك غَيرُ واحدٍ.
يقول أبو بكر ابن العَربي: «أجمع العلماء على أنَّه غير جائزٍ لأَحدٍ إذا أتَى ما نَهى الله عنه أو حَرَّمه عليه أنْ يحتجَّ بمثل هذا، فيقول: أفتلومني على أنِّي قتلتُ، وقد سَبق في علم الله أن أَقْتُل؟! وتَلومني على أن أسرق وأزني، وقد سَبق في علمِ الله وقدره؟! هذا ما لا يسوغ لأحدٍ أن يجعله حُجَّةً لنفسه.
والأمَّةُ مُجتمعةٌ على أنَّه جائز لَوْمُ مَن أتى ما يُلام عليه مِن معاصي الله، وذمُّه على ذلك، كما أنَّهم مُجْمِعون على حَمْدِ مَن أَطاع، وأتى مِن الأمور المحمودة ما يُحمَدُ عليه» (٤).
стр. 765
ويقول ابن بطَّال الأندلسيُّ (ت ٤٤٩ هـ): «أمَّا مَن عَمِلَ الخطايا ولم تَأْتِهِ المغفرةُ؛ فإنَّ العلماء مُجمِعون أنَّه لا يجوز له أن يحتجَّ بمثل حجَّة آدم، فيقول: أتلومني على أن قتلت، أو زنيت، أو سرقت؛ وقد قدَّر الله عليَّ ذلك؟! والأمَّة مجمعة على جواز حمْد المحسن على إحسانه، ولَوْم المسيء على إساءته، وتعديد ذنوبه عليه» (١).
وفي مقابل هؤلاء؛ نرى مخالفيهم مِن القَدريَّة يفهمون مِن الحديث خلاف هذا الظَّاهرِ، فتقاطعت فهومُهم على أنَّه يدلُّ على صحَّةِ الاحتجاجِ بالقَدَر على المَعايب! وعلى هذا الاعتبار يسقط اعتبارُ التَّكليف والمؤاخذةِ على الجُرْم؛ وبهذا الفهمِ المغلوطِ للخَبر، والتَّأسيس لظاهرٍ ليسَ هو في الحقيقةِ الظَّاهر الحقيقيَّ الَّذي قَصد المتكلِّم بالنِّص الإفصاحَ عنه، أسَّسوا لردِّ الحديث والطَّعن في دلالتِه.
وقد بيَّنا انَّ الظَّاهرِ الحقيقيِّ للحديث مفارقٌ للظَّاهرِ الَّذي ادَّعوه؛ فإنَّ نصَّه بسياقِه يدلُّ على أَحدِ أمرين:
إمَّا أنَّ اللَّومَ لا يتوجَّه في المصائب، لجَرَيان القَدر السَّابقِ بها؛ فيرتفع حينئذٍ اللَّوم.
ب- أو أَنَّ اللَّوم لا وجهَ له بعد التَّوبة مِن الذَّنب، لا قبله.
وفي كِلتا الدَّلالتين ما يَنفي دلالة النَّصِ على تسويغِ الاحتجاج بالقَدَر على غِشيان الذُّنوب، وركوبِ المَحارم؛ لمُجرَّدِ جَرَيان القَدَر بها؛ والبَوْن فسيح بين الظَّاهر الحقِّ المَدلول عليه بهذا الحديث، وبين الظَّاهر المتوَهَّم الَّذي استبطنَه الطَّاعنون به.
فإذا تحرَّر لنا مَثَار الغَلط في فهم المسألة؛ تبيَّن أنَّ ما أثاره الطَّاعنون حول الحديثِ قضايا ليست موضوعيَّة، وما ساقوه في حقيقته طعنٌ في الظَّاهر الَّذي تَوهَّموه، لا الظَّاهر الَّذي دَلَّ عليه الخَبر وأراده مُخبِرُه؛ والحمد لله ربِّ العالمين.
стр. 766
المَبحث الثَّالث
نقد دعاوى المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث رؤية الله في الجنَّة
стр. 767
المَطلب الأوَّل
سَوْقُ أحاديثِ رُؤيةِ الله تعالى في الَجنَّة
عن أبي موسى الأشعري ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «جَنَّتَان مِن فضَّة، آنيتُهما وما فيهما، وجنَّتان مِن ذهب، آنيتُهما وما فيهما، وما بين القومِ وبين أن ينظروا إلى ربِّهم إلَّا رداء الكِبْر على وجهِه في جنَّة عَدن» متَّفق عليه (١).
وعن عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: كُنَّا جلوسًا عند النَّبي ﷺ ، إذْ نظَرَ إلى القمر ليلةَ البدر، قال: «إنَّكم سَتَرون ربَّكم كما ترَون هذا القَمر، لا تضامُّون في رُؤيتِه، فإنْ استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاةٍ قبل طلوع الشَّمس، وصلاةٍ قبل غروب الشَّمس، فافعلوا» (٢).
وعن صهيب ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: «إذا دَخَل أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ، قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيِّض وجوهَنا؟ ألم تدخلنا الجنَّة وتُنجِّنا مِن النَّار؟ قال: فيكشفُ الحجاب، فما أُعطوا شيئًا أحبَّ إليهم مِن النَّظر إلى ربِّهم ، ثمَّ تلا هذه الآية: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]» (٣).
стр. 768
المَطلب الثَّاني
سَوْق المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ
لأحاديثِ رؤيةِ الله تعالى في الجنَّة
حاصِلُ ما ساقَه المخالفون لأهلِ السُّنةِ على نصوصِ الرؤيَّةِ مِن معارضاتٍ عقليَّةٍ، يمكننا إجماله في مَقامَين:
الأوَّل: مُعارضات مُورَدةٌ على أصل الرُّؤية.
الثَّاني: مُعارضات سِيقت على بعضِ الألفاظِ الواردةِ في أحاديثِ الرُّؤية، تستلحقُ ردَّ الحديثِ كلِّه.
فأمَّا المَقام الأوَّل: فمِمَّا أُورِد على أصلِ الرُّؤية: دعواهم أنَّ ما تضمَّنته تلك الأحاديث مُصادِمٌ للدَّلائلِ العقليَّة والنَّقليةِ:
أمَّا العقليَّة: فادَّعوا أنَّ البَصر لا يُدرِك إلَّا الألوانَ والأشكال، والله تعالى ذاتٌ غير ماديَّة، فمِن المستحيل إذن أن يَقع عليه بَصرٌ سبحانه، والقول به هدْمٌ للتَّنزيه، وتَشبيهٌ لذاتِ الله؛ ذلك أنَّ الرُّؤية لا تحصل إلَّا بانطباعِ صورة المَرئيِّ في الحَدقة، ومِن شرطِ ذلك انحصارُ المَرئيِّ في جِهةٍ معيَّنةٍ مِن المكان، حتَّى يمكن اتِّجاه الحَدقة إليه، وهذا شأن الأجسام، والله تعالى ليس بجسمٍ، ولا تحدُّه جِهةٌ من الجِهات، ولو جاز أن يُرَى في الآخرةِ لجازت رؤيتُه الآن، فشروط الرُّؤيةِ لا تَتغيَّر في الدُّنيا والآخرة (١).
стр. 769
وأمَّا الدَّلائل النَّقلية: فاستدلَّ نُفاة أحاديث الرُّؤية ببعض الأدلَّة القرآنيَّة، زعموا تأكيدَها لما دلَّ عليه نظرهم العقليُّ، مِن أشهرِها:
قول الله تعالى: ﴿لَاّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، والمعنى عندهم: لا تراه الأبصار.
وقول الله تعالى لموسى ﵇ بعد طلبِه النَّظرَ إليه: ﴿لَن تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، و (لن) تفيد التَّأبيد.
وفي تقرير هاتين المُعارَضين لتلكم الأحاديث، يقول (جعفر السُّبحاني):
«ما قيمة روايةٍ تخالف الذِّكرَ الحكيم؟! .. وتخالف أيضًا العقل الصَّريح الَّذي به عرفنا الله سبحانه، والَّذي يحكم بامتناع رؤيتِه، لاستلزامها كونه جسمًا أو جسمانيًّا، مُحاطًا، واقعًا في جِهةٍ ومكان، تعالى عن ذلك علُوًّا كبيرًا» (١).
وعلى هذا أطلقَ سَمِيٌّ له في مِلَّة الرَّفضِ (٢)
دعوى عريضةً على أهل السُّنة، يتَّهِمهم فيها بتوليةِ ظهورِهم عن الآيات النَّافية للرُّؤية، وانجرارِهم وراءَ سرابِ أحاديثِ «الصَّحيحين»، كما تراها في قول (صادق النَّجمي):
«إنَّ مُستند علماء أهل السُّنة في إثبات الرُّؤية هو الأحاديث الَّتي رواها البخاريُّ ومسلم في كتابيهما، وأخرجها أرباب الكُتب المعتبرة عند أهل السُّنة، وبالتَّالي إنَّ هذه الأحاديث هي الَّتي صدَّتهم ومنعتهم عن التَّدبُّر والتَّفكُّر في آيات القرآن المجيد» (٣).
стр. 770
ومِن قِحة ما تقحَّمه الإماميَّة في خصومتِهم مع أهل السُّنة، أن احتجُّوا عليهم في بطلانِ أحاديث الرُّؤية بكلامِ أمِّهم عائشة ﵂ وهم يطعنونَ فيها! فزَعموا استدلالَها على نفيِ رؤيةِ النَّبي ﷺ لربِّه بقوله سبحانه: ﴿لَاّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾، وهو نفس ما استدلُّوا به على نفيِ عمومِ الرُّؤية أيضًا، حيث سُألِت: «يا أَمَتاه؛ هل رأى محمَّد ﷺ ربَّه؟ فكان مِمَّا قالته: .. مَن حَدَّثك أنَّ محمَّدًا ﷺ رأى ربَّه فقد كَذب، ثمَّ قرأت: ﴿لَاّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾» (١).
فأمُّ المؤمنين عائشة إذ أنكرت هذا القولَ في رؤيةِ محمَّد ﷺ ربَّه ليلة المعراج، تمسَّكت في نصرةِ مَذهبِها بهذه الآية، فلو لم تكن هذه الآية مفيدةً للعمومِ بالنِّسبة إلى كلِّ الأشخاصِ وكلِّ الأحوالِ لما تمَّ ذلك الاستدلال عندها.
وفي تقرير هذه الشُّبهة يقول (هاشم معروف): «هذه الرِّواية تَتنافى مع الرِّوايات الَّتي تنصُّ على أنَّه يُرى كما يُرى القمر ليلة تمامِه، .. ولا بدَّ من تكذيب إحدى الطَّائفتين، ولا شكَّ أنَّ رواية السَّيدة عائشة تتَّفق مع الكتاب، ويؤيِّدها العقل، فهي أولى بالقَبول والاعتبار» (٢).
وأمَّا المَقام الثَّاني مِن المعارضات المستنكرةِ لبعضِ ألفاظِ أحاديث الرُّؤية، فأهمُّهما اثنتان، تتلخَّصان في الآتي:
الأولى: ادَّعى فيها (حسن السَّقاف) بأنَّ حديث أبي موسى الأشعريِّ في الرُّؤية: «جنَّتَان مِن فضَّة، آنيتهما وما فيهما .. »، مُعارَضٌ بمِا ورَد عن النَّبي ﷺ في وصفِ الجنَّة أنَّها «لبِنة من ذهبٍ، ولبِنة من فضَّة» (٣)، فليست ذهبًا خالصًا،
стр. 771
أو فضَّةً خالصةً، كما في حديث أبي موسى، ولذا قال هذا السَّقاف: «والجمع بينهما مُتكلَّف، لا ينتظِم مع عِلمنا به» (١).
الثَّانية: ادَّعى فيها نفسُ (السَّقاف) بأنَّ ما في حديث أبي موسى مِن قوله ﷺ : « .. وما بَين القومِ وبين أن ينظروا إلى ربِّهم إلَّا رداء الكِبْر على وجهِه في جنَّة عَدن»: دالٌّ على خلافِ مقصودِ أهلِ السُّنة، إذ فيه أنَّ الرِّداءَ حاجبٌ عن الرُّؤية، فيقول: « .. فالحديث ليس فيه إثبات رؤية النَّاس لربِّهم، والله مُنزَّه عن الحلول في جنَّة عَدن، وهذا الحديث غريب الإسناد، باطل المتن، والله المستعان» (٢).
стр. 772
المَطلب الثَّالث
دَفعُ دعوى المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ
عن أحاديثِ رؤيةِ الله تعالى في الجنَّة
تمهيد:
قبل الشُّروعِ في دحضِ شُبهات المعاصرين في أحاديث الرُّؤية، ننبِّه إلى أنَّ هذا المبحث مِن أجلِّ مسائلِ أصولِ الدِّين وأجلاها أدلَّةً، وأنصعها بيانًا في مدوَّنات عقائد أهل السُّنة؛ كيف ورؤية الله ﷻ هي الغاية الَّتي شَمَّر إليها المُشمِّرون، وتنافس فيها المتنافسون، وحُرمها الَّذين هم عن ربِّهم مَحجوبون، وعن بابِه مَطرودون!
ولقد دلَّ أكثر من دليلٍ من الكتاب والسُّنة والعقل على إثباتِ رؤية المؤمنين لربِّهم في الجنَّة.
فمِن الكِتاب: قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
وهذه مِن أظهر الآيات على إثبات الرُّؤية من عدَّة أوجُهٍ، منها:
أ- أنَّ الله أضاف النَّظر إلى الوجه الَّذي هو محلُّ البصر.
ب- تعدِّي (النَّظر) في الآية بأداة الجرِّ (إلى)، وهي في لسانِ العربِ
стр. 773
صريحة في نظر العَينِ فقط، دون ما سوى ذلك مِن المعاني المُحتمَلة (١).
ج- خلوُّ الكلامِ مِن قرينةٍ تدلُّ على خلاف الحقيقة، وتصرُّف اللَّفظ عن معناه الحقيقيِّ المُتبادَر (٢).
وكذا في قوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]: فالحُسنى فيها الجَنَّة، والزِّيادة بعدها النَّظر إلى وجه الله الكريم؛ بذا فسَّرَها نبيُّنا ﷺ (٣)، ثمَّ الصَّحابة ﵃ مِن بعده (٤).
وكذا قوله تعالى: ﴿كَلَاّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]: وفيها يقول الشَّافعي: «لمَّا حَجَب الله قومًا بالسُّخط، دلَّ على أنَّ قومًا يرونه بالرِّضا» (٥).
أمَّا دلالة العقل على جوازِ الرُّؤية:
فإنَّ كلَّ ذاتٍ مَوجودةٍ يجوز في الأصلِ رؤيتها، ووجود الله تعالى هو أكمل وجود، فجائز رؤيته سبحانه.
يقول الأشعريُّ: «ممَّا يدلُّ على رؤيةِ الله تعالى بالأبصار: أنَّه ليس مَوجود إلَّا وجائزٌ أن يُرِينَاه الله ، وإنمَّا لا يجوز أن يُرى المَعدوم، فلمَّا كان الله موجودًا مُثبَتًا، كان غير مستحيل أن يُرينا نفسَه » (٦).
يُوِضِّح ذلك:
أنَّ تَعذُّر الرُّؤيةِ يكون إمَّا: لخفاءِ المَرئي عن نظر الَّرائي، أو لضعفٍ وآفةٍ في الرَّائي.
стр. 774
فالله تعالى ليس به خفاء، وإنَّما تَعذَّرت رؤيته في الدُّنيا لضعفِ القوَّة الباصرةِ للمخلوق أن تتحمَّل رؤيةَ بارِيها ﷻ ، كما جرى لموسى ﵇ حين تجلَّى ربُّه للجَبل حتَّى ﴿جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً﴾ [الأعراف: ١٤٣].
ففي هذا إبطالٌ لقولِ من ادَّعى أنَّه لو جازَ أن يُرى في الآخرة لجازت رؤيته في الدُّنيا، فإنَّما «الدُّنيا دار فناء، ولا يجوز أن يُرى الباقي في الدَّار الفانية، ولو رأوه في الدُّنيا، لكان الإيمان به ضرورةً، والجملة أنَّ الله تعالى أخبر أنَّها تكون في الآخرة، ولم يخبر أنَّها تكون في الدُّنيا، فوَجَب الانتهاءُ إلى ما أخبرَ الله تعالى به» (١).
وبهذا تتعاضد أدلَّة القرآن والعقل مع السُّنةِ النَّبويَّة لإثباتِ عقيدة الرُّؤية لله تعالى في الجنَّة، لا كما افتراه (النَّجمي) على أهل السُّنة من أنَّهم لم يسُوغوها إلَّا مِن مصدرٍ واحد، وأنَّها عقيدة لم تَرِد إلَّا بأخبار آحاد!
وليس الأمر كذلك، فإنَّه مع ما قد علِمنا من أدلَّة الكتاب والعقل عليها، فإنَّ ما وَرد في هذا الباب مِن المتواتر المَعنويِّ القطعيِّ، فقد رُويت عنه ﷺ بعباراتٍ متنوعةٍ، مِن وجوه كثيرةٍ، يمتنع بمثلها في العادة التَّواطؤ على الكذبِ.
فعن يحيى بن معين قال: «عندي سبعة عشرَ حديثًا في الرُّؤية، كلُّها صِحاح» (٢).
وجمعَ الدَّارقطني طُرقَ الأحاديث الواردةِ في رؤية الله تعالى في الآخرة (٣)، فزادت على العشرين، ثمَّ تَتبَّعها ابن القيِّم (٤)، فبلغت الثَّلاثين، يقول ابن حجر: «وأكثرُ أسانيدها جِياد» (٥).
стр. 775
وفي تقريرِ هذه الحقيقة المتواترة يقول أبو الحسن الأشعري: « .. وخالفوا -يعني المعتزلة- رواياتِ الصَّحابة ﵃ عن نبي الله ﷺ في رؤية الله بالأبصار، وقد جاءت في ذلك الرِّوايات مِن الجِهاتِ المختلفات، وتواترت بها الآثار، وتتابعت بها الأخبار» (١).
ويقول أبو بكر الكَلاباذي (ت ٣٨٠ هـ): «الأخبار في هذا مشهورةٌ متواترةٌ، وَجب القولُ به، والإيمان والتَّصديق له» (٢).
وممَّن جهر بتواتر أحاديث الرُّؤيةِ غيرُ مَن سَبق جَمٌّ غفيرٌ مِن أئمَّة الإسلامِ، منهم: أبو محمَّد ابن حزم (٣)، وابن عطيَّة (٤)، وابن قيِّم الجوزيَّة (٥)، وأبو الفداء ابن كثير (٦)، وأبو العبَّاس القرطبي (٧)، وابن أبي العزِّ الحنفي (٨)، وابن حجر العسقلاني (٩)، وغيرُ هؤلاء كثير.
ولذلك قال ابن تيميَّة:
«وأهل العلمِ بالحديثِ يعلَمون أحاديثَ الرُّؤية متواترةً، أعظمَ مِن تواترِ كثيرٍ ممَّا يظنُّونه متواترًا، وقد احتجَّ أصحابُ الصَّحيح منها أكثرَ ممَّا خرَّجوه في الشُّفعة، والطَّلاق، والفرائض، وسجود السَّهو، ومناقبِ عثمان وعليٍّ، وتحريم المرأة على عمَّتِها وخالتِها، والمسحِ على الخفين، والإجماعِ، وخبِر الواحدِ، والقياسِ، وغيرِ ذلك مِن الأبواب الَّذين يقولون إنَّ أحاديثها متواترة؛ فأحاديث