← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 224

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

أو فضَّةً خالصةً، كما في حديث أبي موسى، ولذا قال هذا السَّقاف: «والجمع بينهما مُتكلَّف، لا ينتظِم مع عِلمنا به» (١). الثَّانية: ادَّعى فيها نفسُ (السَّقاف) بأنَّ ما في حديث أبي موسى مِن قوله ﷺ : « .. وما بَين القومِ وبين أن ينظروا إلى ربِّهم إلَّا رداء الكِبْر على وجهِه في جنَّة عَدن»: دالٌّ على خلافِ مقصودِ أهلِ السُّنة، إذ فيه أنَّ الرِّداءَ حاجبٌ عن الرُّؤية، فيقول: « .. فالحديث ليس فيه إثبات رؤية النَّاس لربِّهم، والله مُنزَّه عن الحلول في جنَّة عَدن، وهذا الحديث غريب الإسناد، باطل المتن، والله المستعان» (٢).

стр. 772

المَطلب الثَّالث دَفعُ دعوى المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ عن أحاديثِ رؤيةِ الله تعالى في الجنَّة تمهيد: قبل الشُّروعِ في دحضِ شُبهات المعاصرين في أحاديث الرُّؤية، ننبِّه إلى أنَّ هذا المبحث مِن أجلِّ مسائلِ أصولِ الدِّين وأجلاها أدلَّةً، وأنصعها بيانًا في مدوَّنات عقائد أهل السُّنة؛ كيف ورؤية الله ﷻ هي الغاية الَّتي شَمَّر إليها المُشمِّرون، وتنافس فيها المتنافسون، وحُرمها الَّذين هم عن ربِّهم مَحجوبون، وعن بابِه مَطرودون! ولقد دلَّ أكثر من دليلٍ من الكتاب والسُّنة والعقل على إثباتِ رؤية المؤمنين لربِّهم في الجنَّة. فمِن الكِتاب: قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. وهذه مِن أظهر الآيات على إثبات الرُّؤية من عدَّة أوجُهٍ، منها: أ- أنَّ الله أضاف النَّظر إلى الوجه الَّذي هو محلُّ البصر. ب- تعدِّي (النَّظر) في الآية بأداة الجرِّ (إلى)، وهي في لسانِ العربِ

стр. 773

صريحة في نظر العَينِ فقط، دون ما سوى ذلك مِن المعاني المُحتمَلة (١). ج- خلوُّ الكلامِ مِن قرينةٍ تدلُّ على خلاف الحقيقة، وتصرُّف اللَّفظ عن معناه الحقيقيِّ المُتبادَر (٢). وكذا في قوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]: فالحُسنى فيها الجَنَّة، والزِّيادة بعدها النَّظر إلى وجه الله الكريم؛ بذا فسَّرَها نبيُّنا ﷺ (٣)، ثمَّ الصَّحابة ﵃ مِن بعده (٤). وكذا قوله تعالى: ﴿كَلَاّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]: وفيها يقول الشَّافعي: «لمَّا حَجَب الله قومًا بالسُّخط، دلَّ على أنَّ قومًا يرونه بالرِّضا» (٥). أمَّا دلالة العقل على جوازِ الرُّؤية: فإنَّ كلَّ ذاتٍ مَوجودةٍ يجوز في الأصلِ رؤيتها، ووجود الله تعالى هو أكمل وجود، فجائز رؤيته سبحانه. يقول الأشعريُّ: «ممَّا يدلُّ على رؤيةِ الله تعالى بالأبصار: أنَّه ليس مَوجود إلَّا وجائزٌ أن يُرِينَاه الله ، وإنمَّا لا يجوز أن يُرى المَعدوم، فلمَّا كان الله موجودًا مُثبَتًا، كان غير مستحيل أن يُرينا نفسَه » (٦). يُوِضِّح ذلك: أنَّ تَعذُّر الرُّؤيةِ يكون إمَّا: لخفاءِ المَرئي عن نظر الَّرائي، أو لضعفٍ وآفةٍ في الرَّائي.

стр. 774

فالله تعالى ليس به خفاء، وإنَّما تَعذَّرت رؤيته في الدُّنيا لضعفِ القوَّة الباصرةِ للمخلوق أن تتحمَّل رؤيةَ بارِيها ﷻ ، كما جرى لموسى ﵇ حين تجلَّى ربُّه للجَبل حتَّى ﴿جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً﴾ [الأعراف: ١٤٣]. ففي هذا إبطالٌ لقولِ من ادَّعى أنَّه لو جازَ أن يُرى في الآخرة لجازت رؤيته في الدُّنيا، فإنَّما «الدُّنيا دار فناء، ولا يجوز أن يُرى الباقي في الدَّار الفانية، ولو رأوه في الدُّنيا، لكان الإيمان به ضرورةً، والجملة أنَّ الله تعالى أخبر أنَّها تكون في الآخرة، ولم يخبر أنَّها تكون في الدُّنيا، فوَجَب الانتهاءُ إلى ما أخبرَ الله تعالى به» (١). وبهذا تتعاضد أدلَّة القرآن والعقل مع السُّنةِ النَّبويَّة لإثباتِ عقيدة الرُّؤية لله تعالى في الجنَّة، لا كما افتراه (النَّجمي) على أهل السُّنة من أنَّهم لم يسُوغوها إلَّا مِن مصدرٍ واحد، وأنَّها عقيدة لم تَرِد إلَّا بأخبار آحاد! وليس الأمر كذلك، فإنَّه مع ما قد علِمنا من أدلَّة الكتاب والعقل عليها، فإنَّ ما وَرد في هذا الباب مِن المتواتر المَعنويِّ القطعيِّ، فقد رُويت عنه ﷺ بعباراتٍ متنوعةٍ، مِن وجوه كثيرةٍ، يمتنع بمثلها في العادة التَّواطؤ على الكذبِ. فعن يحيى بن معين قال: «عندي سبعة عشرَ حديثًا في الرُّؤية، كلُّها صِحاح» (٢). وجمعَ الدَّارقطني طُرقَ الأحاديث الواردةِ في رؤية الله تعالى في الآخرة (٣)، فزادت على العشرين، ثمَّ تَتبَّعها ابن القيِّم (٤)، فبلغت الثَّلاثين، يقول ابن حجر: «وأكثرُ أسانيدها جِياد» (٥).

стр. 775

وفي تقريرِ هذه الحقيقة المتواترة يقول أبو الحسن الأشعري: « .. وخالفوا -يعني المعتزلة- رواياتِ الصَّحابة ﵃ عن نبي الله ﷺ في رؤية الله بالأبصار، وقد جاءت في ذلك الرِّوايات مِن الجِهاتِ المختلفات، وتواترت بها الآثار، وتتابعت بها الأخبار» (١). ويقول أبو بكر الكَلاباذي (ت ٣٨٠ هـ): «الأخبار في هذا مشهورةٌ متواترةٌ، وَجب القولُ به، والإيمان والتَّصديق له» (٢). وممَّن جهر بتواتر أحاديث الرُّؤيةِ غيرُ مَن سَبق جَمٌّ غفيرٌ مِن أئمَّة الإسلامِ، منهم: أبو محمَّد ابن حزم (٣)، وابن عطيَّة (٤)، وابن قيِّم الجوزيَّة (٥)، وأبو الفداء ابن كثير (٦)، وأبو العبَّاس القرطبي (٧)، وابن أبي العزِّ الحنفي (٨)، وابن حجر العسقلاني (٩)، وغيرُ هؤلاء كثير. ولذلك قال ابن تيميَّة: «وأهل العلمِ بالحديثِ يعلَمون أحاديثَ الرُّؤية متواترةً، أعظمَ مِن تواترِ كثيرٍ ممَّا يظنُّونه متواترًا، وقد احتجَّ أصحابُ الصَّحيح منها أكثرَ ممَّا خرَّجوه في الشُّفعة، والطَّلاق، والفرائض، وسجود السَّهو، ومناقبِ عثمان وعليٍّ، وتحريم المرأة على عمَّتِها وخالتِها، والمسحِ على الخفين، والإجماعِ، وخبِر الواحدِ، والقياسِ، وغيرِ ذلك مِن الأبواب الَّذين يقولون إنَّ أحاديثها متواترة؛ فأحاديث

стр. 776

الرُّؤية أعظم مِن حديث كلِّ نوعٍ مِن هذه الأنواع، وفي الصِّحاح منها أكثر ممَّا فيها مِن هذه الأنواع» (١). فعلى ما تَضمَّنته هذه المُتواتراتِ مِن وجوب الإيمان برؤية المؤمنين لربِّهم ﷻ يومَ القيامة، انعقد إجماع الصَّدر الأوَّل من هذه الأمَّة. يقول عثمان الدَّارمي (ت ٢٨٠ هـ) بعد إيرادِه ما في هذا العقدِ مِن دلائل نقليَّة: «هذه الأحاديث كلُّها وأكثرُ منها قد رُويت في الرُّؤية، على تصديقها والإيمان بها أدركنا أهلَ الفقهِ والبَصر مِن مشايخنا، ولم يَزل المسلمون قديمًا وحديثًا يَروُونها ويؤمنون بها، لا يستنكرونها ولا يُنكِرونها، ومَن أنكرها مِن أهلِ الزَّيغ نَسبوه إلى الضَّلال .. فإذا اجتمع الكتاب، وقول الرَّسول، وإجماع الأمَّة: لم يبقَ لمتأوِّلٍ عندها تأوُّل، إلَّا لمكابرٍ أو جاحدٍ» (٢). وبعد أن أوردَ البيهقيُّ (ت ٤٥٨ هـ) جملةَ أحاديث الباب، عَقَّب ببيانِ اتِّفاقِ السَّلف على ما تضَمَّنته، وأنَّ الخلافَ فيها لم يوجد بينهم أبدًا، إذْ لو وُجِد لنُقل إلينا كما نُقل في مسائل هي أدنى شأنًا مِن مسألتنا هذه، فتراه يقول: «رُوِّينا في إثبات الرُّؤية عن: أبي بكر الصديق ﵁، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عبَّاس، وأبي موسى، وغيرهم ﵃، ولم يُرو عن أحدٍ منهم نفيُها، ولو كانوا فيه مختلفين لنُقل اختلافُهم إلينا. وكما أنَّهم لمَّا اختلفوا في الحلال والحرام والشَّرائع والأحكام: نُقل اختلافهم في ذلك إلينا، وكما أنَّهم لمَّا اختلفوا في رؤيتِه بالأبصارِ في الدُّنيا: نُقل اختلافهم في ذلك إلينا، فلمَّا نُقلت رؤية الله بالأبصار عنهم في الآخرة، ولم ينُقَل عنهم في ذلك اختلاف -يعني في الآخرة- كما نُقِل عنهم فيها اختلاف في

стр. 777

الدُّنيا: علِمنا أنَّهم كانوا على القولِ برؤيةِ الله بالأبصارِ في الآخرةِ مُتَّفِقين مُجتمِعين» (١). ولا ريبَ أنَّ ما نَقَله البيهقيُّ وغيره (٢) مِن إجماعٍ على هذه المسألة، هو القولُ الَّذي لا يجوز العدول عنه، لصراحةِ ما أورده في ذلك من أدلَّة، فكان الواحد مِن أولاءِ الأئمَّةِ لصراحةِ النُّصوص في هذه المسألةِ، وتظافر الأدلَّة على ذات المعنى: لا يرتاب في تضليلِ كلِّ مَن ينكر الرُّؤية، وإلحاقِه على الفورِ بالجهميَّة (٣). فأمَّا دعاوي المخالفين فيما أورَدُوه في المقام الأوَّل مِن المعارضات العقليَّة على أصلِ الرُّؤية: في زعمِهم أنَّ كلَّ ما يكون مَرئيًّا فلا بدَّ وأن تنطبع صورته ومثاله في العَين، والله تعالى يتنزه عن الصُّورة والمثال، وأنَّ كلَّ ما كان مرئيًّا فلا بدَّ له من لَون وشكل، والله تعالى منزَّه عن ذلك، فوَجَب ألَّا يُرى. فجوابه أن يُقال: إنَّ كون الرُّؤية بالانطباعِ، ومنعِ كونِ المرئيِّ ذا لونٍ وشكلٍ: هو مِن لوازم المَرئيِّ المخلوقِ المُشاهَد في الدُّنيا، أمَّا رؤية الخالقِ في الدَّار الآخرة، فليست هي كرؤية المخلوق قطعًا، وبِما أنَّ المختلفات في الماهيَّة لا تستوي لوازمها، فليست تجِب تلك اللَّوازم المُدَّعاة في حقِّ الله تعالى. وكذا دَعواهم أنَّ المَرئيَّ لا بدَّ وأن تنطبع صورتُه ومثالُه في العين، وأنَّه لا بدَّ وأن يكون ذا لونٍ وشكلٍ: هو مَبنيٌّ على أنَّ هذه الأشياء المشاهَدة المُحسَّة لا تُرى إلَّا كذلك، وقِياس رؤيةِ الخالق سبحانه عليها في الآخرةِ مِن أبطلِ الأقيسةِ قطعًا، فإنَّ الله تعالى ليس كمثله شيء (٤)، «ولا تُقاس شئون البَشر في

стр. 778

الآخرة على شئونِهم في الدُّنيا؛ لأنَّ لذلك العالمِ سُنَنًا ونواميسَ، تخالف سُنَنَ هذا العالَم ونواميسَه» (١). فيبقى أنَّ الرُّؤية الَّتي يُهيِّؤها الله ﵎ لعباده المؤمنين في الجنَّة، هي مِن الأمورِ الغيبِيَّة الَّتي نقطع فيها الطَّمعَ عن إدراكِ حقيقَتها وكيفيَّتها على وجهِ الإحاطة واليقين، وذلك يدلُّ على مذهبِ السَّلف، الَّذي عُبِّر عنه بأوْجَزِ عبارةٍ اتَّفق عليها جميعُهم، في قولهم: «رؤيةٌ بلا كيف»، فهي خاليةٌ «عن الشَّرائطِ والكيفيَّاتِ المُعتبرةِ في رؤيةِ الأجسامِ والأغراضِ» (٢). وأمَّا قولهم: بأنَّ إثباتَ الرُّؤية يستلزم إثباتَ الجِهة لله تعالى والتَّحيُّز له، وأنَّه مُنَّزه عن ذلك .. إلخ، فجوابه: أنَّ لفظ (الجِهة) مِن الألفاظ المُجملَة الَّتي لم يَرِد نفيُها ولا إثباتُها في الشَّرع، فتأخذ حكمَ مَثيلاتها مِن استفسارِ قائلِها عن مُرادِه منها، فإنْ أرادَ حَقًّا قُبِل، وإن أراد باطلًا رُدَّ، وإن احتملَ حقًّا وباطلًا: لم يُقبَل مُطلقًا، ولم يُرَدَّ جميعُ معناه، بل يُتوَقَّف في اللَّفظِ، ويُفسَّر المعنى. فيُقال هنا لمِن نَفى ما سَّماه بالجِهة: «أتريد بالجهةِ أنَّها شيءٌ مَوجود مخلوق؟ فالله ليس داخلًا في المخلوقات؛ أم تريد بالجهة ما وراء العَالَم؟ فلا ريب أن الله فوق العالَم، بائنٌ مِن المخلوقات. وكذلك يُقال لمِن قال: إنَّ الله في جِهة: أتريد بذلك أنَّ الله فوق العالِم؟ أو تريد به أنَّ الله داخلٌ في شيءٍ مِن المخلوقات؟! فإن أردتَ الأوَّل فهو حقٌّ، وإن أردتَ الثَّاني فهو باطل، ولا معنى (الجِهة)

стр. 779

يُسعفُكَ على ذلك، لأنَّ الجِهة ليست أمرًا وجوديًّا، بل أمرٌ اعتِباريٌّ، ولا شكَّ أنَّ الجهات لا نهاية لها، وما لا يوجد فيما لا نهاية له فليس بمَوجود» (١). وكذلك نقول في لفظ «التَّحيُّز»: إن أريدَ به أنَّ الله تحُوزُه المخلوقات: فالله أعظم وأكبر، بل قد وَسِع كرسيُّه السَّموات والأرض .. وإن أريدَ به أنَّه مُنحازٌ عن المخلوقات، أي مُبايِنٌ لها، مُنفصل عنها، ليس حالًّا فيها: فهو سبحانه كما قال أئمَّة السُّنة: فوقَ سمواته على عرشه، بائنٌ مِن خلقه (٢). وكذا إذا قيل: أنَّه في جِهة بذلك الاعتبار الَّذي قُرِّر هنا قريبًا، فهو صحيح، ومعناه: أنَّه فوق العالم حيث انتَهَت المخلوقات، فهو بذا فوق الجميع، عالٍ عليهم. والحاصل: أنَّ هذه اللَّوازم السَّالف إيرادها مِن قِبل المُعترضين، من لفظ الجِهة والمُقابلة ونحوها: ليست ممتنعةً عند أهلِ السُّنة؛ فإذا كانت (المُقابلة) لازمةً للرُّؤية فهي حَقٌّ، وما كان حقًّا وصوابًا، فلازمه كذلك (٣). وأمَّا استدلال المعترض على نفيِ أحاديث الرُّؤية بآية: ﴿لَاّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾: فالاستدلال بهذا منه عجيب، لأنَّه لو تَأمَّله بتجرُّد، لوَجده عليه لا له! بكِلَا قَوْلي الصَّحابة في تفسيرِها. فأوَّل قَوْلَيهم في ذلك: أنَّ الإدراكَ في الآية بمعنى الرُّؤية، وحَملوا الآيةَ على نفيِ الرُّؤية في الدُّنيا بخصوصِها، لقوله ﷺ : «إنَّكم لنْ تَرَوا ربَّكم حتَّى

стр. 780

تموتوا» (١)، فهذا هو مُراد عائشة ﵂ حينَ استدلالِها بالآيةِ على نَفيِ رؤيةِ النَّبي ﷺ ربَّه ليلةَ المعراجِ، غايةُ ما في ذلك أنَّها فهِمت مِن الآيةِ عدمَ قدرةِ أبصارِنا على رؤيتِه سبحانه في الدُّنيا، ولم يُنقَل عن أحدٍ من الصَّحابة ﵃ مِن طريقٍ صحيحٍ ولا ضعيفٍ أنَّه أراد بذلك نفيَ الرُّؤية في الآخرة (٢). وبهذا ينتفي التَّعارض المُتوهَّم بين تلك الآيةِ على قولِ عائشة ومَن وافقها (٣)، وباقي الآياتِ الصَّريحةِ على ثبوتِ الرُّؤية في الآخرة. وثاني القَوْلين في الآية: أنَّ الإدراكَ فيها هو بمعنى إحاطةِ الرَّائي بربِّه ، وهذا ما جَرت عليه أقوال جلَّةٍ مِن الصَّحابة والأئمَّة بعدهم، تراه -مثلًا- في تفسيرِ ابن عبَّاس ﵁ للآية: «لا يحيطُ بَصرُ أحدٍ بالملِكِ»، وقولِ عطيَّة العوفي: «ينظرون إلى الله، ولا تحيط أبصارهم به مِن عظمتِه، وبصرُه يحيط بهم» (٤). وقد قرَّر ابن تيميَّة وجهَ الاستدلال من الآيةِ على مسألةِ الرُّؤية أحسنَ تقريرٍ وألطفَه في قوله: «أنا ألتزِمُ أنَّه لا يَحتجُّ مُبطِلٌ بآيةٍ أو حديثٍ صحيحٍ على باطلِه، إلَّا وفي ذلك الدَّليل ما يدلُّ على نقيضِ قوِله! فمنها هذه الآية، وهي على جواز الرُّؤية أدلُّ منها على امتناعها، فإنَّ الله سبحانه إنَّما ذكرها في سياقِ التَّمدح، ومَعلوم أنَّ المدحَ إنَّما يكون بالأوصافِ الثُّبوتية، وأمَّا العَدم المحض فليس بكمالٍ ولا يُمدح به.

стр. 781

وإنمَّا يُمدح الرَّب ﵎ بالعدمِ إذا تضمَّن أمرًا وجوديًّا، كتمدُّحه بنفيِ السِّنة والنَّوم، المتضمِّن كمالَ القيوميَّة، ونفيِ الموت المتضمِّنِ كمال الحياة، ونفيِ اللُّغوبِ والإعياء المتضمِّن كمال القدرة، ونفيِ الشَّريك والصَّاحبة والولد والظَّهير المتضمِّن كمالَ ربوبيَّتِه وإلهيَّته وقهرِه، ونفيِ الأكلِ والشُّرب المتضمِّن كمالَ الصَّمدية وغناه، .. ولهذا لم يتمدَّح بعدمٍ محضٍ لا يتضمَّن أمرًا ثبوتيًّا، فإنَّ المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العَدم، ولا يوصف الكامل بأمرٍ يشترك هو والمعدوم فيه. فلو كان المُراد بقوله: ﴿لَاّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ أنَّه لا يُرى بحالٍ: لم يكُن في ذلك مَدحٌ ولا كمال، لمشاركة المَعدوم له في ذلك، فإنَّ العَدم الصِّرف لا يُرى ولا تدركه الأبصار! والرَّب ﷻ يَتعالى أن يُمدَح بما يشاركه فيه العَدم المَحض. فإذن المعنى: أنَّه يُرَى ولا يُدرك ولا يُحاط به .. » (١). فالآية على هذا دالَّة على كمالِ عظمتِه سبحانه، وهو لعظمتِه أجَلُّ وأكبر وأوسع من أن يُدرَك ويُحاط به، فإنَّ (الإدراك) هو الإحاطة بالشَّيء، وهو بذا قدْر زائدٌ على الرُّؤية، والنَّفي في الآية الكريمة ورد على الرُّؤية المحيطة، لا جنسَ الرُّؤية، فهو يُرى بلا إدراكٍ له. نظير ذلك ما في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه: ١١٠]، والمَعنى: يحيطُ بهم علمًا، لأنَّه يَعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، وهم لا يحيطون به عِلمًا، وإن كانوا يَعلمون عنه ما أَذِن الله به، لأنَّ إحاطةَ المُحاط به بالمحيطِ مُحالٌ (٢). فكلا الآيتين جارٍ على قاعدةٍ معروفةٍ في اللُّغة: أنَّ النَّفيَ إذا وَرَد على مُقيَّدٍ

стр. 782

بقيدٍ، كان النَّفي مُنصَبًّا على القيدِ لا المُقيَّد، وأنَّ نفيَ وصفٍ خاصٍّ لمعنى عامٍّ، يستلزم إثباتَ ذلك العامِّ (١). وأمَّا استدلال المُعترضِ بقولِه تعالى: ﴿لَن تَرَانِي﴾، وأنَّ (لن) تفيد التَّأبيد: فالآية كسابقتها حُجَّة عليهم لا لهم! فإنَّ الاستدلال بها على ثبوتِ الرُّؤيةِ من عِدَّة وجوهٍ: الوجه الأوَّل: أنَّه لا يُظَنُّ بكليمِ الله ورسوله الكريم، وأعلمِ النَّاس بربِّه في وقتِه، أن يسأل اللهَ ما لا يجوز عليه، بل هذا مِن أعظمِ المُحال، بدليل: الثَّاني: أنَّ الله تعالى لم يُنكِر عليه سؤالَه، في حين أنَّه لمَّا سأله نوح ﵇ نجاةَ ابنِه، أنكرَ عليه سؤالَه، وزجَره إذ سأَله المُحالَ بقولِه: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦]. الثَّالث: أنَّه تعالى إنَّما قال: ﴿لَن تَرَانِي﴾، ولم يقُل: إنَّي لا أُرَى، أو لا يجوز رؤيتي، أو لستُ بمَرئيٍّ. والفرق بين الجوابين ظاهر، مَثَّلَ له الفخر الرَّازي (ت ٦٠٦ هـ): بأنَّ مَن كان في كمِّه حَجر، فظنَّه رجلٌ طعامًا، فقال له: أطعمنيه، فالجواب الصَّحيح أن يقول له: إنَّه لا يُؤكل، أمَّا إذا كان طعامًا صحَّ أن يقول: إنَّك لن تأكله (٢)؛ فالآية -على ذلك- تدلُّ على أنَّه سبحانه مَرئيٌّ، ولكنَّ موسى ﵇ لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدَّار؛ يوضِّحه: الوجه الرَّابع: قوله تعالى له: ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فالله أعلَمَه أنَّ الجبَلَ مع قُوَّتِه وصلابتِه لا يثبُت للتَّجلي في هذه الدَّار، فكيف بالبَشر الَّذي خُلق مِن ضعف؟! ولا شكَّ أنَّ الله قادر على أن يجعل الجبلَ مستقرًّا، وقد عَلَّق به الرُّؤية، ولو كانت مُحالًا لكان

стр. 783

نظيرَ أن يقول: إن استقرَّ الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام -تعالى الله عن ذلك- فالكلُّ عندهم سواء (١)! وأمَّا دعوى المُعترضِ تأبيدَ النَّفي بـ (لن)، وأنَّه يدلُّ على نفيِ الرُّؤية في الآخرة: فهو قول فاسد مِن جِهة العَربيَّة نفسِها، وفي تقريرِ عدمِ إفادتِها للتَّأبيد، يقول ابن مالك الأندلسيُّ في «ألفيَّته» المشهورة: ومن رأى النَّفي بـ «لن» مُؤبَّدا *** فقولَه ارْدُد وسواه فاعضُدا ثمَّ (لَنْ) لو قدَّرْنا أنَّها للتَّأبيد في الآيةِ، لمَا دلَّ ذلك على دوامِ النَّفي في الآخرة، لوجود أدلَّة خارجيَّة تفيد خلافَ ذلك؛ نظيرُها في كتاب الله، قوله: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٤ - ٩٥]. ثمَّ هو يُخبر عنهم وعن أمثالِهم مِن أهل النَّارِ بتمنِّيهم للموتِ في الآخرة، كما في قولِه: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]. هذا؛ مع أنَّ في ذاتِ سياقِ الآية ما يدلُّ على عدمِ التَّأبيد، وهو ما أبَانَ الباقلَّاني عنه بقولِه: «أرادَ في الدُّنيا -يعني طلبَ موسى ﵇ الرُّؤية-، لأنَّه إنَّما سَأل ربَّه أن يُريَه نفسَه في الدُّنيا، فقوله: ﴿لَن تَرَانِي﴾ جوابُ هذا السُّؤال» (٢). وأمَّا قولُ (حسن السَّقاف) في المقام الثَّاني مِن معارضاتِ أحرفٍ في متنِ أحاديث الرُّؤية: في دعواه أنَّ حديثنا هذا: «جنَّتَان مِن فضَّة، آنيتهما وما فيهما .. »، مُعارَضٌ بحديثٍ آخر لأبي هريرة ﵁ في وصفِ الجَّنة أنَّها «لبِنة مِن ذَهبٍ، ولبِنة مِن فضَّة»، فيُقال له: إنَّ الظَّاهر مِن قولِ النَّبي ﷺ في حديث أبي موسى: «آنيتهما وما فيهما .. » أنَّه بَدَل اشتمالٍ لمِا قبلها: «جَنَّتَان مِن فضَّة .. مِن ذهب»، وعليه فإنَّ الَّذي هو مِن فضَّة وذَهب: ما كان داخلَ تلك الجنَّتين مِن أواني، وقصورٍ، ونحو ذلك (٣).

стр. 784

أمَّا ما أحاطَ بتلك الجِنان، مِن أسوارٍ وحوائطَ، فلم يُشِر له حديث أبي موسى هذا، وإنَّما دلَّ على طبيعةِ هذا البناء الخارجيِّ ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁: «لبِنة من فضَّة، ولبِنة من ذهب .. »، ويؤيِّده أنَّه وقع في حديثٍ آخر لأبي هريرة نفسِه: «حائط الجنَّة مبنيٌّ لبنة من ذهب، ولبنة من فضَّة .. » (١). فبهذا يتَّسق الحديثان ويتكاملان، ولا يتعارَضان كما يشتهيه (السَّقاف)! وأمَّا دعواه الثَّانية: بأنَّ ما في حديث أبي موسى: « .. وما بَين القومِ وبين أن ينظروا إلى ربِّهم إلَّا رداء الكِبْر على وجهِه في جنَّة عَدن» دالٌّ على أنَّ الرَّداء مانع من رؤيتِه: فهذا كلام مَن غلبت عليه عُجمَتُه، وانبطحت لثقلِ رأسِه وِسادَتُه! فإنَّ الحديث قد جاء في سياقِ التَّبشير والتَّفضُّل مِن الله تعالى على أهل الجنَّة، فأيُّ تبشيرٍ وتفضُّلٍ عليهم إذا أخبرهم بأنَّه سيمنعهم مِن رؤيتِه؟! فليت شعري؛ إذا لم تكن الرُّؤية له في جنَّة عَدن وهي دار القرار والنَّعيمِ، وقد وعدهم بها في آياتٍ كثيرة، فمتى تكون؟! إذا قال لك إنسان: رُدَّ لي مالي، فقلتَ: ما بينك وبين أن أُرجعَ لك مالكَ اليومَ إلَّا أن أصلِّي العصرَ .. ، فهذا يدلُّ على ردِّه مالَه إذا صلَّى أو على عدمِه؟! فانظر كيف يُفسَد الوَحيُ ويُحرَّف معناه بهذه الطُّرق السَّخيفة.

стр. 785

ومن ثمَّ نقول: إنَّ الغَرض مِن الحديث حاصل؛ فإنَّ المعنى بيان قُربِ النَّظر، «فكأنَّ في الكلام بعد قولِه (إلَّا رداء الكبرياء) حذفًا تقديره: فإنَّه يمُنُّ عليهم برفعِه، فيحصلُ لهم الفوز بالنَّظر إليه» (١)؛ والله أعلم.

стр. 786

الفصل الثاني نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بالتَّفسير

стр. 787

المَبحث الأوَّل نقد المعارضات الفكريَّة المعاصرة لأحاديث الموافقات القرآنيَّة لعمر بن الخطاب ﵁

стр. 788

المَطلب الأوَّل سَوق أحاديث الموافقات القرآنيَّة لعمر بن الخطاب عن أنس بن مالك قال: قال عمر ﵃: «وافقت الله في ثلاثٍ، أو وافقني ربِّي في ثلاث، قلت: يا رسول الله، لو اتَّخذتَ مقام إبراهيم مصلَّى. وقلت: يا رسول الله، يدخل عليك البَرُّ والفاجر، فلو أمرتَ أمَّهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب. قال: وبلغني معاتبة النَّبي ﷺ بعضَ نسائه، فدخلتُ عليهن، قلت: إن انتهيتنَّ أو ليبدلنَّ الله رسولَه ﷺ خيرًا منكنَّ، حتَّى أتيتُ إحدى نسائه، قالت: يا عمر، أَمَا في رسول الله ﷺ ما يعظ نساءَه حتَّى تعظهنَّ أنت؟ فأنزل الله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ﴾ [التحريم: ٥] الآية» (١). وعن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب ﵃ أنه قال: «لمَّا مات عبد الله بن أبي ابن سلول، دُعي له رسول الله ﷺ ليصلِّي عليه، فلمَّا قام رسول الله ﷺ وثبت إليه، فقلت: يا رسول الله، أتصلِّي على ابن أبيٍّ وقد قال يوم كذا وكذا كذا وكذا؟! أَعدُد عليه قولَه، فتبسَّم رسول الله ﷺ وقال:

стр. 789

«أخِّر عنِّي يا عمر»، فلما أكثرت عليه، قال: «إنِّي خُيِّرت فاخترت، لو أعلم أنِّي إن زدتُ على السَّبعين يغفر له لزدت عليها»، قال: فصلَّى عليه رسول الله ﷺ ثمَّ انصرف. فلم يمكث إلَّا يسيرًا حتَّى نزلت الآيتان من براءة: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلَا تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]، قال: فعجبتُ بعدُ من جرأتي على رسول الله ﷺ يومئذٍ، والله ورسوله أعلم» (١).

стр. 790

المطلب الثاني سَوق دعوى المعارضات الفكريَّة المعاصرة لأحاديث الموافقات القرآنية لعمر بن الخطاب فأمَّا ما وَرد في الموافقة الأولى مِن الحديث الأوَّل: فقد زَعَمَ (ابن قرناس) أنَّ آيةَ ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] قد نزلت في السَّنة الأولى للهجرة، «في وقت لم يكن يُتوقَّع أن تُفتح مكَّة بعد سبع سنوات، وعندها يمكن أن يُتَّخذ المقام مُصلَّى باقتراح من عمر مزعوم» (١). والَّذي أوهَمه نفيَ تنزُّلها موافقةً لكلامِ عمر ﵁ كونها «ضمن الحديث عن إبراهيم ﵇ وما حدث له، أي أنَّها تخبر عن تاريخ مَضى، .. وقد أمر الله النَّاس بأن يتَّخذوا مقام إبراهيم مصلَّى منذ ذلك العهد» (٢). وأمَّا عن الموافقة الثَّانية من الحديث الأوَّل نفسِه: فأُورِد عليها جملةٌ مِن المعارضات، يرجع مُجملها إلى أمرين: دعوى التَّناقض بينها، والقدح في العلمِ الإلهيِّ. أمَّا دعوى التَّناقض: فزعموا أنَّ الأحاديث في هذا الشَّأن متضاربة، فبعضها يشير إلى أنَّ الآية نزلت بعد أن طلب عمررضي الله عنه مِن النَّبي ﷺ حجبَ

стр. 791

نسائِه حين قال: «يا رسول الله، لو أمرت نساءك أن يحتجبن، فإنَّه يكلِّمهنَّ البَرُّ والفاجر»، ورواية أخرى تقول: إنَّها نزلت عندما لبَّى عمر دعوة النَّبي ﷺ للأكل، وأصابت يده إصبعَ عائشة، فقال عمر: «حسّ! لو أُطاع فيكنَّ ما رأتكُنَّ عين» (١). ثمَّ حديث آخر يروي أنَّها نَزلت عندما أرادت سَودة أمُّ المؤمنين الخروجَ لقضاء الحاجة، فلمَّا رآها عمر، وكان حريصًا على نزولِ آية الحجابِ، ناداها: «يا سودة، أمَا والله ما تَخفين علينا، فانظري كيف تَخرجين .. » (٢). ثمَّ رواية أخرى يجزم فيها أنس بن مالك ﵁ أنَّها نزلت يوم أصبح النَّبي ﷺ عروسًا بزينب بنت جحش، وقد دعا قومًا لطعامِه، فجعلَ النَّبي ﷺ يخرج ثمَّ يرجع، وهم قعود يتحدَّثون، وكان النَّبي ﷺ شديدَ الحياء، فخرج منطلقًا نحو حجرة عائشة ﵂، فأُخبر أنَّ القوم خرجوا فرَجع، يقول أنس ﵁: «حتَّى إذا وضَع رجلَه في أسكفَّة الباب داخلة، وأخرى خارجة، أرخى السِّترَ بيني وبينه، وأُنزلت آية الحجاب» (٣). وفي تقرير دعوى التَّضارب بين هذه الرِّوايات، يقول (صادق النَّجمي): «هذه التَّناقضات في قصَّة واحدة -نزول آية الحجاب موافقة لرأي عمر- مصداق

стр. 792

بارزٌ، ودليل بيِّن على صحَّةِ المثَل المعروف الَّذي يقول: الكذَّاب كثير النِّسيان! ولا حافظة للكذاب!» (١). وأمَّا عن دعوى القدحِ في العِلمِ الإلهيِّ: فيقول (ابن قرناس) في آية الحجاب (٢): «هذه الآية لم تنزل لوحدِها، وبسببِ اقتراحِ عمر أعجبَ الله -أستغفر الله- فأنزل فيه آية، ولكن الآية جاءت ضمنَ موضوع كاملٍ يحثُّ نساء النَّبي ﷺ أن يتمسَّكن بالحشمة .. ولم تنزل آيةٌ واحدةٌ في هذه السُّورة ولا في القرآن الكريم بناءً على اقتراحِ عمر بن الخطَّاب، أو سعد بن معاذ، أو حتَّى رسول الله! فالله أعلم وأحكم مِن أن يحتاجَ لمقترحاتِ خلقِه» (٣). وأمَّا عن الموافقة الثَّالثة المتعلِّقةِ بآية سورة التَّحريم: فقد عورِضت بنفسِ المعارضةِ الثَّانية للموافقة الأولى، بدعوى أنَّها لم تنزل لوحدها، «ولكن ضمنَ خمسِ آياتٍ افتُتحت بها سورة التَّحريم، وتَتحدَّث عن مشاكلَ أُسريَّة بين الرَّسول وزوجاتِه» (٤). وأمَّا فيما يتعلَّق بصلاةِ النَّبي ﷺ على ابنِ سَلول: فقد اعتُرِض على متنِه بعدَّةِ اعتراضات، قد كانت مثارَ جدلٍ قديمٍ بين بعضِ الطَّوائف الإسلاميَّة، مِن أبرزِها: ما أورَده (رشيد رضا) في «تفسيرِه» وناقشه، مع كونِه أمْيلَ إلى ردِّ الحديثِ، مع إعذاره لِمن أثبتَه؛ حيث كان أقوى ما عَوَّل عليه في موقفِه منه دعوى أنَّ ظاهرَ الأمرِ في قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وَاردٌ للتَّسوية بين الأمرين، أي: أنَّ الاستغفار وعدَمه سيَّان، وبها استدَلَّ عمر ﵁ على تركِ

стр. 793

الصَّلاة على ابن سلول، لكنَّ الحديثَ بخلافِ هذا الظَّاهر القرآنيِّ، حيث فيه حَملُ (أو) على التَّخيير. فلقد كان هذا الخَبر بحقٍّ مَزلَّةَ أقدامِ لبعضِ المُتقدِّمين مِن أهل العلمِ! حتَّى أنكر أبو بكر الباقلَّاني صحَّته بقوله: «هذا الخبر مِن أخبارِ الآحادِ الَّتي لا يُعلَم ثُبوتها» (١). وقال الجُوَينيُّ: «هذا لم يصححه أهل الحديث» (٢). وقال الغزالي: «الأظهر أنَّه غير صَحيح» (٣). وقال الدَّاودي وهو شارحُ البخاريِّ: «هذا الحديث غير مَحفوظ» (٤). ونظرًا إلى مقام هؤلاء القائلين قال ابن حجر: «استُشكِل فهمُ التَّخيير مِن الآية، حتَّى أقدمَ جماعةٌ مِن الأكابر على الطَّعنِ في صحَّةِ هذا الحديث! مع كثرةِ طُرقِه، واتِّفاقِ الشَّيخين وسائرِ الَّذين خرَّجوا الصَّحيحَ على تصحيحِه، وذلك يُنادي على مُنكري صحَّتِه بعدمِ معرفة الحديثِ، وقِلَّةِ الاطِّلاع على طُرقِه» (٥). والسَّبب في إنكارهم صحَّتَه: ما تَقرَّر عندهم -وهو الَّذي فهمه عمر ﵁ مِن أنَّ أداة (أو) تُحمل على التَّسويةِ، لمِا يقتضيه سياقُ القِصَّة، ولفظ (السَّبعين) يُحمل على المبالغةِ؛ وأهل البيانِ لا يتردَّدُون في أنَّ التَّخصيصَ بالعددِ في هذا السِّياق غير مُراد، ومِن هنا شكَّك (رشيد رضا) في صحَّةِ الحديث، فقال: «إنمَّا يظهر التَّخييرُ لو كانت الآية كما ذُكر في الحديث ولم يكن فيها بَقيَّتُها، أي: التَّصريح بأنَّه لن يغفر الله لهم بسببِ كفرِهم، وأنَّ الله لا يهدي القوم الفاسقين، ومِن ثَمَّ كان المتبادَر مِن (أو) فيها أنَّه للتَّسوية بين ما بعدها وما

стр. 794

قبلها لا للتَّخيير، وبه فَسَّرها المحقِّقون، كما فهِمها عمر، واستشكلوا الحديثَ، إذْ لا يُعقل أن يكون فهمُ عمر أو غيره أصحُّ مِن فهم رسول الله ﷺ لخطابِ الله له! ولذلك أنكرَ بعضهُم صحَّته» (١). وقد تَوارد مِن بعد رشيد رضا على فهمِ الآيةِ على هذا المعنى من التَّسوية فئامٌ أنكروا أن تكون للتَّخيِير، وهو ما جنح إليه من طعن في الحديث من المعاصرين، كـ (جعفر السُّبحاني) (٢)، و (صادق النَّجمي) (٣)، و (فتح الأصبهاني) (٤)، و (الكُردي) (٥)، وغيرهم. فأمَّا (السُّبحاني)، فكان أسهبَ هؤلاءِ في تفصيلِ هذا الفهمِ دليلًا على نُكرانِه للحديث (٦)، فناسبَ إيرادُ معارضاتِه، وفي ضمنها كلامُ (رشيد رضا)، ليتمَّ الرَّد على كلِّ فرعٍ منه على حِدَة، ويستتِمَّ لنا دحض مُعارضتها جملةً، فنقول مُستعينين بالله (٧): يقول هذا المُعترِض: «أوَّلًا: إنَّ المتبادر مِن لفظة (أو) في الآية من قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] أنَّها للتَّسوية، أي الاستغفار وعدمه سيَّان، لأنَّ المحلَّ غير قابل للاستفاضة، لكنَّ النَّبي ﷺ حسب الرِّواية حملها على التَّخيير، حيث قال: إنَّما خيَّرني الله .. فكيف خفي على النَّبي مفاد الآية؟!

стр. 795

ثانيًا: المتبادر مِن الآية عند النَّاطقين بالضَّاد، هو أنَّ عدد السَّبعين فيها كناية عن الكثرة، بمعنى أنَّ الاستغفار لا يُجدي لهم مهما بلغ عددها، سواء أكان أقلَّ من سبعين أو أزيد منه، وهذا ما يفهمه العَربي الصَّميم مِن الآية، ويؤيِّد ذلك أنَّه: سبحانه علَّل عدم الجدوى بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٨٠]. ولكن الظَّاهر أنَّ النَّبي ﷺ فهِم من الآية أنَّ لعدد السَّبعين خصوصيَّة! وأنَّه ما أقدم على الصَّلاة على عبد الله بن أُبيٍّ وهو رأس المنافقين إلَّا لأجلِ أن يستغفر له أزيدَ مِن السَّبعين، الَّذي ربَّما تكون الزِّيادة نافعة لحاله، ولا خفاءَ في أنَّه على خلاف ما يفهمه العربيُّ الصَّميم من الآية، فكيف بنبيِّ الإسلام، وهو أفصح مَن نَطق بالضَّاد؟! ثالثًا: كيف قام النَّبي ﷺ بالصَّلاة على المنافق وهو يشتمل على الاستغفار، مع أنَّ المَرويَّ في الصِّحاحِ أنَّه سبحانه نَهى النَّبي ﷺ عن الاستغفار للمشركين وهو في مكَّة المكرمة؟! قال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]. رابعًا: أنَّه سبحانه نهى النَّبي ﷺ عن الاستغفار في سورة المنافقين، وقد نزلَت في غزوة بني المُصطلق، وغزاهم النَّبيُّ في العامِ السَّادس مِن الهجرة، قال سبحانه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]. ومع هذا البيان الصَّريح، كيف أقدم النَّبي ﷺ على الصَّلاة على المنافق، والَّتي لم تكن إلَّا عملًا لغوًا غير مفيد؟ وما ربَّما يُتوهَّم أنَّه ﷺ قدم على الصَّلاة استمالةً لقلوب عشريتِه، فهو كما ترى، لأنَّ القرآن يخبر بصراحةٍ أنَّ الصَّلاة والاستغفار لا تفيد بحالِه، أفيكون عملُ النَّبي ﷺ بعد هذا التَّصريح سببًا للاستمالة؟!» (١).

стр. 796

ثمَّ أتانا (صادق النَّجمي) مُتبرِّعًا من كيسِ فهمِه بشُبهةٍ أخرى، يقول فيها: الخامسة: إنَّ القول بموافقةَ اللهِ لعمر في تركِ الصَّلاة على ابن أبيٍّ منافٍ للعقل، «ذلك أنَّ قبولَه يستلزم أن يكون هناك مَن هو أعلم مِن النَّبي ﷺ بالأحكام والتَّعاليم السَّماوية، وأدرى منه في معرفةِ فلسفةِ الأحكامِ الإلهيَّة وأسرارها، وأعرف بالمصالح والمفاسد المترتِّبة على التَّعاليم الإسلاميَّة، لأنَّنا نشاهد في الحديث أنَّ الله تعالى قد أنزل آيةً تؤيِّد فكرةَ فردٍ ما غير النَّبي ﷺ ، وتُفنِّد عملَ رسولِ الله، وتنهاه، وتمنعه! .. ألم يكن مِن الأفضل أن يُنزَّل الوحي على هذا الرَّجلِ بدلًا مِن رسول الله ﷺ ؟!» (١).

стр. 797

المَطلب الثَّالث دفع دعوى المعارضات الفكريَّة المعاصرة عن أحاديث الموافقات القرآنية لعمر بن الخطَّاب أمَّا دعوى المُعترضِ بأنَّ آية مقامِ إبراهيم هي مِن أوائل ما نَزل في المدينة بعد الهجرة، فلا يُقال فيه أكثر مِن أنَّه: قولٌ يُعدم دليلًا يقيمُه! نعم؛ قد ذكرَ بعض أهل العلمِ أنَّ سورة البقرة أوَّل ما نَزل في المدينة بعد الهجرة (١)، لكن لا يستلزم ذلك أنْ تكون جميع آياتِها كذلك في الأوَّليَّة؛ إذْ من المُتحقَّق علمُه أنَّ القرآن نَزَل مُنجَّمًا لا جُملة، تنزل السُّورة في وقتٍ، ثمَّ تُلحَق بها آياتٌ قد نَزَلت بعدَها بوقتٍ، فكان النَّبي ﷺ يُرشد كُتَّابَه إلى ما نَزَل مِن الآياتِ حديثًا، فيكتبوها ضمنَ سُورٍ قد تنزَّلت قبلُ، والإجماع والنُّص مترادفان على أنَّ ترتيبَ الآيات في سُوَرها واقعٌ بتوقيفِه ﷺ وأمرِه، من غيرِ خلافٍ في هذا بين المسلمين (٢). والَّذي يظهر عند تبصُّرِ حديثِ عمر ﵁: أنَّ آية مَقامِ إبراهيم قد تَأخَّر نزولها إلى وقتِ اعتمارِ المسلمين، أو وقتِ فتحِهم لمكَّة، أو قبلَ حَجَّة الوداع،

стр. 798

فإحدى هذه الأزمانِ الثَّلاثة أنسبُ الظُّروفِ المَوضوعيَّةِ لاستثارةِ الفكرةِ في ذهنِ عمر رضي الله عنهبلا شكٍّ، ثمَّ اقتراحِها بعدُ على النَّبي ﷺ (١). وأمَّا زعمُ المعترضِ بأنَّ سياقَ الآياتِ دالٌّ على أنَّ الأمرَ باتِّخاذ المقامِ إنَّما خوطب به النَّاس في ذلك الوقت الَّذي ابتُنيت فيه الكعبة فيما مضى، وليس هو أمرًا لأمَّةِ المسلمين: فقد غفل المعترض عن تفصيلٍ في معنى الآية، كان أجدى لتقويةِ شُبهتِه الواهيةِ هذه لو تَأمَّل! فنحن نفيدُه به وبضدِّه كذلك، فنقول: لو جعلَ المُعترِضُ الأمرَ في الآيةِ مُحتملًا أحدَ مَعنيين ابتداءً: إمَّا أن تكون الآية مُجرَّد إخبارٍ إلهيٍّ بخطابٍ تَزامَن مع بناءِ الكعبةِ، قد خُصَّ به النَّاسُ وقتَها، كما يدَّعيه هو. أو تكون أمرًا لأمَّةِ محمَّدٍ ﷺ ؛ وهنا على المعترِضِ السَّعيُ إلى ترجيحِ المعنى الَّذي يوافق هوَاه، بأن يورِد القراءةَ الثَّانيةَ للآية الَّتي جاءت بصيغةِ الإخبار: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ بفتح الخاءِ (٢)، فكان هذا المَسلك أقوى دلالةً على مُرادِه مِمَّا هَرَف بهِ في تفسيرِه للآية! ولو سَلَك هذا الأقوى لتهاوى أيضًا وما نَفَعه في رصفِ شُبهتِه! وذلك أنَّا جوابِ هذا المِسلك في الاعتراضِ على كِلا القراءتين للآيةِ: أنَّا إن حَملنا الآيةَ على صيغة الأمر: يكونُ حديث عمر ﵁ بذا قد أبانَ أنَّ القصدَ بها أمَّة المسلمين، ولا غروَ؛ وهم المخاطَبون بأوامرِ القرآن ابتداءً وأصالةً، فمناسبٌ على هذا أن يكون الحديث مِثالًا لتعيِينِ السُّنة أحدَ المعاني الَّتي تحتملُها الآية.

стр. 799

وأمَّا إن سَلَّمنا أنَّ الأمرَ في الآية مُوَجَّه في أصله إلى إبراهيم ﵇ وأتباعِه، أو أنَّها بصيغة الإخبار: فيكون حديثُ عمر ﵁ هنا دَالًّا على فضلِ اقتداءِ المسلمين بمِلَّةِ إبراهيمَ في هذه الشَّعيرة وغيرها، بل هو الموافق للأصلِ القرآنيِّ، في قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]. وبهذا يُعلَم وِفاقُ حديث عمر للآية على كِلا التَّفسيرين والقراءتين. وأمَّا دعوى المعترضِ التَّناقضَ بين الرِّواياتِ في سببِ نزولِ آية الحجاب، فيُقال في جوابِه: أنْ ليسَ ثمَّةَ تعارضٌ في الحقيقة بين تلك الأخبارِ، وأبْيَنُ طريقٍ للجمعِ بينها: أن يُقالَ بتعدُّدِ أسباب نزولِ الآيةِ ولا بأسَ، فيكون خبرُ قصَّةِ زينب ﵂ هي آخر هذه الرِّواياتِ حدوثًا، للنَّصِ على قصَّتها في الآية الكريمة، وكذا حديث أنس ﵁. ولا مانعَ مع ذلك أن تكون الآية نزلت بعدَ المجموعِ، وكان ذلك سنةَ خمسٍ مِن الهجرة، وليس ببِدعٍ أن يكونَ للآيةِ الواحدةِ عدَّةُ أسبابٍ مُستويةِ الدَّرجة، أو بعضُها أقرب مِن بعضٍ (١)، فيَنسِبُ الرَّاوي النُّزولَ إلى سببٍ منها دون الآخر، باعتبارِ القُربِ منه، ولا يكون القصدُ أنَّها نَزلت فورَ وقوعِ ذلك السَّبَب. وفي تقريرِ سَواغِ هذا الجمعِ، يقول ابن حجر: «يُمكن الجمع بأنَّ ذلك وَقَع قبل قصَّةِ زينب، فلِقُربِه منها أَطلَقت -يعني عائشة- نزولَ الحجابِ بهذا السَّبب -يعني قصَّة سَودة-، ولا مانعَ مِن تعدُّدِ الأسبابِ» (٢). فالحاصل: أنَّ عمرَ ﵁ كان مُلِحًّا في حجبِ أمَّهاتِ المؤمنين، و «النَّبي ﷺ كان ينتظِر الوحيَ في الأمورِ الشَّرعيَّة، ولذا لم يأمرهُنَّ بالحجابِ مع وضوحِ الحاجةِ إليه» (٣)، فلم يزَل ذلك عنده إلى أن نَزَل الحجاب (٤).

стр. 800

على أنَّ البخاريَّ روى في «كتاب التَّفسير» في سياقِ آيةِ الحجابِ ما هو صَريحٌ في كونِ قصَّة سَودة ﵂ كانت بعد الحجابِ لا قبله، وهو المشهور عند أهلِ العلم (١)، كما تراه في قول عائشة: «خرجَت سَودةُ بعدما ضُرِب الحجابُ لحاجتِها، وكانت امرأةً جَسيمةً، لا تخفى على مَن يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب، فقال: يا سَودة، أمَا والله ما تَخفَين علينا، فانظرِي كيف تخرجين .. » الحديث (٢). فيُقال على هذا: إنَّ الأمرَ حينَ وَقَع على وِفق ما أراده عُمر قبلُ مِن إيجابِ حجابِ الوجوهِ على أمَّهاتِ المؤمنين، أحَبَّ أيضًا أن يُحجَب أشخاصُهنَّ مُبالغةً في التَّستُّر، فلذا قال لسَودة: «قد عرفناك .. »، حِرصًا منه على أن ينزِل حكم الحجاب أضيقَ منه، فلا تُرى أشخاصُهنَّ البتَّةَ ولو مع حِجابِهنَّ، لكنَّ الله تعالى أذِنَ لهنَّ بخلافِ رغبةِ عمر، وأنزل آيةَ الحجابِ وليس فيها التَّضييقُ الَّذي أرادَه عمر، لأجلِ ما فيه مِن الحَرج (٣)، فلِذا قال النَّبي ﷺ لسَودة بعد شكواها له قولَ عمرَ في الحديث السَّابق: «إنَّه قد أُذِن لكنَّ أنْ تخرُجنَ لحاجتِكُنَّ». وإنَّما عُدَّ الحجابُ مِن موافقات عمر في قصَّةِ سَودة هذه (٤)، لنزولِ حِصَّةٍ منه على وفقِ رأيه (٥). ويُقال في الجمعِ بين هذا وحديثِ أَنَس ﵁ في نزولِ الحجابِ بسبب زينب: أنَّ عمر ﵁ حَرَص على ذلك، حتَّى قال لسودة ما قال، فاتَّفَقَت القصَّة

стр. 801

للَّذين قَعدوا في البيتِ في زواج زينب، فنَزَلت الآية، فكان كلٌّ مِن الأمْرَين سَببًا لنزولهِا (١). وفي تقرير ما مضى من الجمعِ بين سَبَبَيْ النُّزولِ، يقول أبو العبَّاس القرطبي: «الأَوْلى أن يحُمَل ذلك على أنَّ عمر ﵁ تَكرَّر منه هذا القول قبل نزولِ الحجاب وبعده، ولا بُعدَ فيه .. فإنَّ عمر بن الخطاب ﵁ وَقَع في قلبِه نُفرة عظيمةٌ، وأَنَفة شديدة مِن أن يطَّلِع أحَدٌ على حَرَم النَّبي ﷺ ، حتَّى صرَّح له بقوله: «احجِب نساءَك، فإنَّهن يراهن البَرُّ والفاجر .. »، ولم يَزَل ذلك عنده، إلى أن نَزَل الحجاب وبعده، فإنَّه كان قصدُه ألَّا يخرُجنَ أصلًا، فأفرطَ في ذلك! فإنَّه مُفضي إلى الحرجِ والمشقَّةِ والإضرارِ بهن، فإنَّهن محتاجاتٌ إلى الخروج» (٢). وأمَّا دعوى المُعترضِ قدحَ الحديثِ في العلمِ الإلهيِّ، فيُقال له: إنَّ جعلَك موافقةَ عمر اقتراحًا على الله تعالى واستدراكًا عليه مَنزعٌ خَبيثٌ في فهمِ النُّصوصِ، مَنشأه التَّحاملُ على الصَّحبِ الكِرام ﵃، فأيُّ تَلازمٍ عقليٍّ بين الموافقةِ والاستدراكِ حتَّى يُطعنَ به على الأخبار؟! ولو ادَّخرَ المُعترض فرطَ ضغينتِه عليهم بمَزيدِ تأمَّلٍ لهذه الأخبارَ، دون انتهاضٍ منه لمُجرَدِّ الاعتراض: لتبيَّنَ له أنَّ ذاك الاقتراحَ -كما يسمِّيه- إنَّما تَوَجَّه به عُمر ﵁ إلى شخصِ النَّبي ﷺ وزوجاته، لا إلى الله أصالةً! ولا خَطَر ببالِ عمر أن يُنزِلَ ربُّه في ذلك آياتٍ توافق مُرادَه، فضلًا عن أن يَتقصَّد الاستدراكَ على آياتِه كما تَوهَّمه المُعترض، وحاشاه، وحاشا عاقلًا أن يَفهم ذلك. وقد أسلفنا التَّنبيه مرارًا أنَّ القرآنَ نَزل مُنجَّمًا ثلاثًا وعشرين سنةً، منه ما نَزل ابتداءً مِن غير سببٍ مَعلومٍ بعينِه، ومنه ما نَزَل عَقِب واقعةٍ أو سُؤال ونحو ذلك، كلَّما أُلقِيت على النَّبي ﷺ آيةٌ أو أكثر، أُمِر بوضعِها مِن فورِه في مكانٍ

стр. 802

مُرتَّب مِن سورةٍ مُعيَّنة كما قد سبق تقريره، فلم يكُن هذا التَّنجيم في التَّنزيلِ ليُخِلَّ بالوحدةِ الموضوعيَّةِ لكلِّ سورةٍ من القرآن على حِدَّة (١). وفي هذا رَدمٌ لمِا أرادَ (ابنُ قرناسٍ) أن يُفهِمَه قُرَّاءَه، من نفيِه أن يكون لآية الحجاب سَبب نزولٍ مُستقِّل، كونُها «جاءت ضمنَ موضوعٍ كاملٍ يحثُّ نساءَ النَّبيَّ ﷺ أن يتمسَّكنَ بالحشمة .. » إلخ تخرُّصاتِه (٢)؛ فإنَّ التَّرابطَ المَوضوعيُّ بين الآيات في المقطعِ الواحدِ مِن القرآن، لا يَنفي نزولَ بعضِها قبل بعض، ولا أنَّ لبعضِها سببًا للنُّزولِ مختلفًا عن الآخر. فكم مِن سورةٍ نَزَلت جميعًا أو أشتاتًا في الفترات بين النُّجوم مِن سورةٍ أخرى، وكم مِن آيةٍ في السُّورةِ الواحدةِ تَقدَّمت فيها نزولًا وتأخَّرت تَرتيبًا، وكم مِن آيةٍ على عكسِ ذلك .. وهذا -وربِّي- مِن أجلِّ مَظاهرِ إعجازِ القرآنِ في تنزيله، وعلوِّ نظمِه أن يبلغَه بَشر، فـ «هذا القرآن الَّذي نَزل مُنَجَّمًا على رسول الله ﷺ في أكثر من عشرين عامًا، تنزِلُ الآيةُ أو الآياتُ على فتراتٍ مِن الزَّمن، يقرؤه الإنسانُ ويتلو سوَرَه، فيجِده محكمَ النَّسج، دقيقَ السَّبك، مترابطَ المعاني، رصينَ الأسلوب، متناسقَ الآيات والسُّور، كأنَّه عقد فريدٌ نُظمت حبَّاتُه بما لم يُعهَد له مَثيل في كلامِ البَشر! ولو كان هذا القرآن مِن كلام البَشر، قيل في مناسباتٍ متعدِّدة، ووقائع متتاليةٍ، وأحداثٍ متعاقبةٍ: لوَقَع فيه التفكُّك والانفصام، واستعصى أن يكونَ بينه التَّوافق والانسجام» (٣).

стр. 803

وبهذا الجواب ندحضُ حُجَّة (ابن قرناس) في اعتراضِه على الموافقةِ القرآنيَّة لعمر في آيةِ سورةِ التَّحريمِ. وأمَّا المعارضات المُتَّجِهةُ إلى خبرِ موافقةِ عمر في النَّهيِ عن الصَّلاة على المنافقين، فيُقال في أولاها، وهي دعوى حملِ النَّبي ﷺ لـ (أو) في الآيةِ على التَّخييرِ، وهي للتَّسوية .. إلخ: فإنَّه يجدر بنا الاستنارةُ بأقوالِ السَّلف الأقدمين في هذا الحديث، فبهم فهِمنا الكِتاب والسُّنة، وهم أجدرُ أن ينزعوا عنَّا قيدَ الإشكالِ الظَّاهر منهما، فنقول: نَحا جمع مِن أهلِ التَّفسيرِ إلى أنَّ مقصودَ هذه الآية التَّسويةُ بين الاستغفارِ للمنافقين وعدمِه من حيث أثرُه، ومِن ثَمَّ التَّيئيس مِن أن تلحقهم أيُّ مغفرةٍ، وأنَّ عِلَّة ذلك مَنصوص عليها آخرَ الآية، في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٨٠]. ذَهَب إلى هذا التَّأويل ابن جرير (١)، وأبو بكر الجَصَّاص (٢)، وابن الجوزي (٣)، في آخرين مِن أهل التَّفسير. وهؤلاءِ مع هذا القول، لم ينزِعوا يدًا عن قبولِ حديثِ عمر ﵁، ولكن أعملوا آلةَ التَّأويلِ له على معنى يَتِمُّ به وِفاق الآية، ولنِعم ما فَعلوا. فمِن ذلك قولهم: إنَّ النَّبي ﷺ استغفرَ لابن سلولٍ لعدمِ يَقينِه بوفاتِه على الكفر، وكان الظَّاهر منه الإقرارَ بالإسلام (٤)، وأنَّه لفرط رحمته ﷺ بالنَّاس، وحرصِه على نجاتِهم، اختارَ الأخذَ بمفهومِ العَددِ في لفظِ (السَّبعين) على حقيقتِه، وتَرَك المعنى المجازيَّ له، استقصاءً لمظنَّةِ الرَّحمةِ، ولو مِن وجهٍ ضَعيف (٥).

стр. 804

وذهب آخرون: إلى أنَّ المقصودَ بالآية حقيقةً تخييرُ النَّبي ﷺ بين الاستغفارِ وعدمِه، اعتمادًا على ظاهرِ الحديث، منهم: أبو بكر ابنُ العربيِّ (١)، وابن عطيَّة (٢)، وابن جُزَي (٣)، والآلوسي (٤). وهؤلاء أجابوا عن دلالةِ التَّيئيسِ في الآية: بأنَّه مُستفادٌ مِن طريقِ الاستنباط، والحديث أقوى منه من حيث أنَّه نصٌّ صَريح فيُقدَّم عليه؛ فما فوقَ السَّبعين لم تُبيِّن الآية حكمَه، وبيَّن الحديثُ حكمًا مخالفًا (٥). والَّذي يظهر لي بعد تَأملٍ في الآية الكريمة -والعلم عند الله تعالى-: عدم التَّنافي بين كِلا هذين القولين، فأقول: إنَّ الآية تحتمِل معنَى التَّسويةِ والتَّيئيسِ مع معنى التَّخيِير أيضًا (٦)، فإنَّها خِلوٌ مِن نهَيٍ صَريحٍ عن الاستغفار للمنافقين، غايتها إعلامُ النَّبيِّ ﷺ بأنَّ الله تعالى لا يغفرُ لهم، ولو أكثرَ مِن الدُّعاء لبعضِهم، فالمعنى أنَّ الاستغفارَ مِن عدمه سواءٌ مِن حيث المَآل في آخِرَتِهم، ليَكونَ التَّيئيس مُنصَبًّا في هذه الجهةِ فقط. أمَّا حكم ذلك مِن حيث المآل في الدُّنيا من جهةِ تحقُّق المصالِح ودرءِ المَفاسِد: فلم تتطَّرق الآية له، فيبقى تحقيقُ هذه الحيثيَّة على أصلِه راجعًا إلى سياسةِ النَّبي ﷺ ، ومَعلومٌ مع هذا كونُه ﷺ يُجري على المنافقينَ أحكامَ ظاهرِ أحوالِهم بين عامَّةِ المسلمين، «والقرآن ينعتُهم بسيماهم، كيلا يطمئِنَّ لهم المسلمون، وليأخذوا الحذرَ منهم، فبذلك قُضِيَ حَقُّ المصالحِ كلِّها» (٧).

стр. 805

وابن سلولٍ نفسُه، لم يكن يعاجِلُه النَّبي ﷺ بعقوبةٍ، مع ما صَدَر منه مِن بَوائق، مُراعاةً منه للمَآلاتِ والعواقبِ في إدارةِ المجتمعِ المَدنيِّ بكافَّةِ طوائِفه، ودفعًا منه لِما يُتوَقَّع مِن مفاسدَ على الدَّعوةِ الإسلاميَّةِ ودولتِها الفتيَّة آنذاك (١)، مع ما جُبِل عليه مِن فرطِ رحمةٍ يُحمَد عليها إلى يوم الدِّين. فلمَّا لم تَقتضِ المصلحةُ إهانةَ ابن سلولٍ حين وفاتِه، مع ما له مِن حَظوةٍ عند عشيرَتِه، ومُراعاةً منه لولَدِه الصَّالِح، تطييبًا لقلوبِ بعض الأحياءِ مِن قراباته، ورغبةً منه في استمالةِ قومِه إلى الدِّينِ إذا ما رَأوه لَبَّى طلبَ ابنِ زعيمِهم في إكرامِ مَثواه: بادَرَ النَّبي ﷺ إلى هذا الإجراءِ مِن بابِ السِّياسةِ الشَّرعيَّة، طالما المانِع مِن ذلك غير قطعيٍّ ولا صَريحٍ في كتاب الله، فالآية -كما قُلنا- وإن قَطَعت رجاءَ حصولِ المغفرةِ للمنافقين، فلم تمنع فعلَ الاستغفارِ صَراحةً كما هو الحال مع المشركين الصُّرحَاء. فتخيَّل معي بعد هذا، لو كان النَّبيُّ ﷺ «تَركَ الصَّلاةَ عليه قبلَ ورودِ النَّهي عنها: لكان سُبَّة على ابنِه! وعارًا على قومه! فاستعملَ ﷺ أحسنَ الأمرين وأفضلَهما في مبلغِ الرَّأي، وحقِّ السِّياسة في الدُّعاء إلى الدِّين، والتَّأليفِ عليه، إلى أن نُهي عنه فانتهى» (٢). ونفيُ المُعترضِ أن تكون لهذه الصَّلاة على ابن سَلولٍ فائدةٌ مِن جهة استمالةِ قلوبِ عشيرتِه، بدعوى أنَّ القرآنَ يُخبر أنَّ الاستغفارَ لا تفيد بحالِه: هو نفيٌ صحيحٌ لو كُنَّا على علمٍ بأنَّ قومَه على علمٍ بأنَّ زعيمَهم هذا واحدٌ مِن أولئك المنافقين الَّذين عناهم القرآن بشخصه! إذن لاستهجنوا فعلَ النَّبي ﷺ واستخفُّوا به، إذْ كيف يُصلِّي مُحمَّد ﷺ على غير أهلِ مِلَّتِه؟! في حين أنَّ هذا العلمَ منهم ممَّا يستحيلُ إثباته عنهم.

стр. 806

فهذا عبد الله رضي الله عنهوهو ابنه، قد خفِيَ عليه استصحابُ أبيه للكفر! فما كان إلَّا أن «حَملَ أمرَ أبيه على ظاهر الإسلام، ولدفعِ العارِ عنه وعن عشيرتِه، فأظهرَ الرَّغبةَ في صلاةِ النَّبي ﷺ ، ووقعت إجابتُه إلى سؤالِه على حسبِ ما ظَهر مِن حالِه، إلى أن كشَفَ الله الغطاء عن ذلك» (١)؛ هذا مع كونِه أقربَ النَّاس إليه لحالِ البُنُوَّة، فكيف الظَّنُّ بغيرِه مِن قومِه ممَّن هم أبعدَ منه عنه، ممَّن لا يعلم عنه إلَّا ظاهره؟! لم يكُن هؤلاء إلَّا ليحسِبوه واحدًا مِن أفراد المسلمين. وبعد هذا البيان، يبقى لنا الإشكال المُتعلِّقُ بآخر الآيةِ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٨٠]: فالمعلوم ضرورةً من الدِّين: أنَّ مَن ثَبت كفرُه لا يُستغفَر له، قولًا واحدًا، وبه تَشبَّث مَن حَصَر الآية في التَّسويةِ المستلزمة للنَّهيِ عن الفعلِ البتَّة. وقد وَرَدت في بعضِ جواباتِ أهل العلمِ ما يحلُّ هذا الإشكال، مِن ذلك ما تراه في قول ابن حجر: «في بقيَّة هذهِ الآية من التَّصريح بأنَّهم كفروا بالله ورسوله ما يدلُّ على أنَّ نزولَ ذلك وقع مُتراخيًا عن القصَّة، ولعلَّ الَّذي نَزَل أوَّلًا وتمسَّك النَّبي ﷺ به، قولُه تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، إلى هنا خاصَّة، ولذلك اقتصرَ في جوابِ عمر على التَّخييرِ وعلى ذكرِ السَّبعين (٢). فلمَّا وقعت القَّصة المذكورة، كشَفَ الله عنهم الغطاء، وفضحَهم على رؤوسِ الملَأ، ونادَى عليهم بأنَّهم كفروا بالله ورسولِه، ولَعلَّ هذا هو السِّر في اقتصارِ البخاريِّ في التَّرجمة مِن هذه الآيةِ على هذا القدرِ إلى قوله: ﴿فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، ولم يقع في شيء من نُسخِ كتابِه تكميل الآية، كما جرت به العادة مِن اختلاف الرُّواة عنه في ذلك ..

стр. 807

فكونُ ذلك وَقَع مِن النَّبي ﷺ متمسِّكًا بالظَّاهرِ على ما هو المشروع في الأحكامِ إلى أن يقوم الدَّليلُ الصَّارف عن ذلك: لا إشكالَ فيه، فللَّه الحمد على ما أَلهم وعلَّم» (١). وعندي في جواب ابن حجر هذا نوعُ نظر، أقول فيه -والعلم عند الله-: إنَّ القول بتأخُّر نزولِ تتِمَّةِ الآيةِ -والَّتي فيها ذكر تعليلِ نفيِ المغفرة- يُحتاجُ في إثباتِه إلى دليلٍ نقليٍّ مستقلٍّ، فإنَّ الكلامَ في نزول سُور القرآن وآيِه وتنجيمِه مُتوقِّف علمُه على الرِّوايةِ أصالةً، لا على اجتهادٍ في الرَّأي. ومع ذلك يُقال هنا: إنَّه إذا تَبيَّن ما سَلف تقريرُه مِن تفريقٍ بين المآل الأخرويِّ والفائدة الدُّنيويَّة في الصَّلاة على المنافقين، لم نحتج بعدُ إلى القولِ بتأخُّرِ نزولِ باقي الآية مِن الأساس، حتَّى على فرضِ عِلْمِ النَّبيِّ ﷺ بكفرِ ابن سلولٍ في الباطن، فإنَّ ذلك لا يمنَعُ مِن الصَّلاة عليه، جريًا على حكمِ الظَّاهر، على ما جَرَت به عادتُه الحكيمة في معاملةِ هذا الصِّنفِ مِن العَدوِّ. وأمَّا دعوى المعارضةِ الثَّانية من كونِ المتبادرِ مِن الآيةِ كنايةُ السَّبعين عن الكثرة .. إلخ، فجوابها: أنَّ في روايات قصَّةِ النَّبي ﷺ مع عمرَ ﵁ في شأنِ ابن سَلولٍ بعض اختلافٍ في ألفاظها، قد نَبَّه غير واحدٍ مِن أهل العلم إلى ذلك، حتَّى قال الآلوسيُّ: « .. والأخبارُ فيما كان منه ﷺ مع ابنِ أبيٍّ من الصَّلاة عليه وغيرها لا تخلو من التَّعارض .. » (٢). فأمَّا رواية عمر ﵁ نفسِه للحادثة: فجاءت مِن رواية ابن عبَّاس ﵁ عنه، والَّذي فيها أنَّ النَّبي ﷺ قال له: «أخِّرْ عنِّي يا عمر»، قال عمر: فلمَّا أكثرتُ عليه قال: «إنِّي خُيِّرت فاخترتُ، لو أعلمُ أنِّي إن زِدتُ على السَّبعين يُغفر له، لزِدتُ عليها» (٣).

стр. 808

وأمَّا رواية عبد الله بن عمر ﵁، فوقع في ألفاظها اختلاف: ففي طريق أنسِ بن عياض (١) وأبي أسامة (٢) عنه، أنَّ النَّبي ﷺ قال لعمر: «إنمَّا خيَّرني الله .. وسأزيدُه على السَّبعين» (٣). وجاء مِن طريق صَدقة بن الفضل (٤) عن يحيى بن سعيد (٥): أنَّه ﷺ لم يزِد على أن تَلَا الآية في جوابِه لعمر (٦). ففي هذا الاختلاف في بعض ألفاظِ المتنِ دلالة على تصرُّفِ بعضِ الرُّواة في المتن، ونقلِهم لفظَ كلامِ النَّبي ﷺ بالمعنى الَّذي استقَّرَ في حافظتهم على ما فهِموه، ظَهَر هذا الاختلاف بين لفظِ روايةِ عمر ﵁ الأولى -وهي كما ترى تفيدُ علمَ النَّبي ﷺ بانتفاءِ مفهومِ العددِ في الآية، وعدم الفائدة مِن الزِّيادة على السَّبعين- وبين روايةِ ابنِه عبد الله مِن طريقِها الأولى بخاصَّة، حيث أفادت عزمَ النَّبي ﷺ على الزِّيادةِ على السَّبعين. فلا شكَّ بعقد هذه المقارنة يتَّضح أنَّ رواية عمر هي الصَّحيحة الرَّاجحة، وذلك لثلاثة اعتبارات: الأوَّل: لموافقةِ رواية عمر ﵁ دلالةَ الآية على التَّيئيسِ مِن المغفرة للمنافقين لكفرهم، حيث لا تنفع معه كثرة استغفار، والسَّبعون فيها جارٍ مَجرى المَثلِ للتَّكثُّر.

стр. 809

الثَّاني: عمر ﵁ هو مَن عايَش الحَدثَ، وسمِع مِن النَّبي ﷺ مباشرةً، ومعلومٌ مِن قرائنِ التَّرجيحِ: أنَّ روايةَ صاحبِ القصَّةِ مُقدَّمةٌ على غيرِها عند اختلافِ المتون (١). الثَّالث: رواية عمر ﵁ مستقِلَّةُ الإسنادِ عن رواية عبد الله بن عمر ﵁؛ ثمَّ رُواتُها لم يختلفوا في ألفاظِها كما اختلفَ رواة حديث عبد الله بن عمر، وترجيحُ ما اتُّفِق على ألفاظِه أولى ممَّا اختُلِف في ألفاظه (٢). وبهذه الثَّلاثة يرجح ضعفُ روايةِ عبد الله بن عمر: «وسأزيدُه على السَّبعين»، ويَغلبُ على الظَّنِّ -كما قال ابن عاشور (٣) - أنَّه لفظ زائد وَهِم الرَّاوي فيه بحسبَ ما فهِمه. فإذا كانت هذه الجملة ساقطة، فقد انزاح عن الحديث مُعضِلة كانت أكثرَ ما استشكَلَه الشُّرَّاح والمُفسِّرون من حديث عمر هذا، حتَّى ساروا مذاهبَ شتَّى في التَّوفيق بينه ودلالةِ الآية الكريمة (٤)، والحمد له وحدَه على توفيقِه. أمَّا دعوى المعارضةِ الثَّالثة: في استنكارِهم صلاةَ النَّبي ﷺ على منافقٍ، مع سبقِ نهيِ القرآنِ عن الصَّلاةِ على المُشركين، فجواب ذلك أن يُقال: قد ألمْحنا قبلُ إلى أنَّ النَّهيَ عن الاستغفارِ لمِن ماتَ مُشركًا لا يستلزِم النَّهيَ عنه لمِن ماتَ مُظهرًا للإسلام، لاحتمالِ أن يكونَ معتقدَه صَحيحًا (٥)، ولعلَّ

стр. 810

هذا الاحتمالَ ما حدا بعبدِ الله وَلدِ ابن سَلولٍ إلى أن يطلبَ مِن النَّبي ﷺ الصَّلاةَ عليه، مع علمِه بما كان مِن أبيه مِن جرائمَ في حقِّ الإسلامِ وأهلِه. لكنْ مخالطةُ أمثالِ هؤلاءِ لأحوالِ الإيمانِ، ولو في ظاهر الحال، قد يجرُّ إلى تعلُّقِ هديِه بقلوبِهم بأقلِّ سَبب، وهذا بخلافِ المُعلِنِ لكفرِه، المجاهرِ بعداوتِه للدِّين، وقد علِمنا أنَّ سياسة النَّبي ﷺ مع كِلا الفريقين مُتباينةٌ بالكُليَّة، وابنُ سَلولٍ بَقي على دعوى الإسلامِ إلى أن مات، والنَّبي ﷺ يُجري على المنافقين أحكامَ ظاهرِ حالهِم في عامَّةِ المسلمين. يقول ابن عاشور: « .. مِن أجلِ هذا الجَري على ظاهرِ الحالِ، اختلفَ أسلوبُ التَّأيِيس مِن المغفرةِ، بين ما في هذه الآية -يعني قولَه تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ - وبين ما في آية: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾، لأنَّ المشركين كفرُهم ظاهرٌ، فجاء النَّهي عن الاستغفار لهم صريحًا، وكفر المنافقين خَفيٌّ، فجاء التَّأييسُ مِن المغفرةِ لهم مَنوطًا بوصفٍ يعلمونه في أنفسِهم، ويعلمُه الرَّسول ﷺ ، ولأجلِ هذا كان يستغفر لمِن يسأله الاستغفارَ مِن المنافقين، لِئلَّا يكونَ امتناعُه مِن الاستغفارِ له إعلامًا بباطنِ حالِه، الَّذي اقتضت حكمةُ الشَّريعة عدمَ كشفِه» (١). أما دعوى المُعترضِ: في كونِ موافقةِ القرآنِ لعمر في هذا مُستلزم أن يكون مَن هو أعلم مِن النَّبي ﷺ بمفهومِ الآيات ومقاصد الشَّريعة: فقد مَرَّ جوابُه في ثنايا جوابِ الاعتراضِ الأوَّل المتعلِّق بالمعنى المقصودِ مِن آية: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، حيث بَيَّنا أنَّ الآيةَ لا تحوي نهيًا صَريحًا عن الاستغفار للمنافقين، بل هي حمَّالةٌ لمعنى التَّسوية والتَّيئيس، ومحتملة لمعنى التَّخييرِ إذا ما بانَ للنَّبي ﷺ فائدة في إحدى الخِيرَتين.
следующие страницы →