← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 224

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

فهذا عبد الله رضي الله عنهوهو ابنه، قد خفِيَ عليه استصحابُ أبيه للكفر! فما كان إلَّا أن «حَملَ أمرَ أبيه على ظاهر الإسلام، ولدفعِ العارِ عنه وعن عشيرتِه، فأظهرَ الرَّغبةَ في صلاةِ النَّبي ﷺ ، ووقعت إجابتُه إلى سؤالِه على حسبِ ما ظَهر مِن حالِه، إلى أن كشَفَ الله الغطاء عن ذلك» (١)؛ هذا مع كونِه أقربَ النَّاس إليه لحالِ البُنُوَّة، فكيف الظَّنُّ بغيرِه مِن قومِه ممَّن هم أبعدَ منه عنه، ممَّن لا يعلم عنه إلَّا ظاهره؟! لم يكُن هؤلاء إلَّا ليحسِبوه واحدًا مِن أفراد المسلمين. وبعد هذا البيان، يبقى لنا الإشكال المُتعلِّقُ بآخر الآيةِ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٨٠]: فالمعلوم ضرورةً من الدِّين: أنَّ مَن ثَبت كفرُه لا يُستغفَر له، قولًا واحدًا، وبه تَشبَّث مَن حَصَر الآية في التَّسويةِ المستلزمة للنَّهيِ عن الفعلِ البتَّة. وقد وَرَدت في بعضِ جواباتِ أهل العلمِ ما يحلُّ هذا الإشكال، مِن ذلك ما تراه في قول ابن حجر: «في بقيَّة هذهِ الآية من التَّصريح بأنَّهم كفروا بالله ورسوله ما يدلُّ على أنَّ نزولَ ذلك وقع مُتراخيًا عن القصَّة، ولعلَّ الَّذي نَزَل أوَّلًا وتمسَّك النَّبي ﷺ به، قولُه تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، إلى هنا خاصَّة، ولذلك اقتصرَ في جوابِ عمر على التَّخييرِ وعلى ذكرِ السَّبعين (٢). فلمَّا وقعت القَّصة المذكورة، كشَفَ الله عنهم الغطاء، وفضحَهم على رؤوسِ الملَأ، ونادَى عليهم بأنَّهم كفروا بالله ورسولِه، ولَعلَّ هذا هو السِّر في اقتصارِ البخاريِّ في التَّرجمة مِن هذه الآيةِ على هذا القدرِ إلى قوله: ﴿فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، ولم يقع في شيء من نُسخِ كتابِه تكميل الآية، كما جرت به العادة مِن اختلاف الرُّواة عنه في ذلك ..

стр. 807

فكونُ ذلك وَقَع مِن النَّبي ﷺ متمسِّكًا بالظَّاهرِ على ما هو المشروع في الأحكامِ إلى أن يقوم الدَّليلُ الصَّارف عن ذلك: لا إشكالَ فيه، فللَّه الحمد على ما أَلهم وعلَّم» (١). وعندي في جواب ابن حجر هذا نوعُ نظر، أقول فيه -والعلم عند الله-: إنَّ القول بتأخُّر نزولِ تتِمَّةِ الآيةِ -والَّتي فيها ذكر تعليلِ نفيِ المغفرة- يُحتاجُ في إثباتِه إلى دليلٍ نقليٍّ مستقلٍّ، فإنَّ الكلامَ في نزول سُور القرآن وآيِه وتنجيمِه مُتوقِّف علمُه على الرِّوايةِ أصالةً، لا على اجتهادٍ في الرَّأي. ومع ذلك يُقال هنا: إنَّه إذا تَبيَّن ما سَلف تقريرُه مِن تفريقٍ بين المآل الأخرويِّ والفائدة الدُّنيويَّة في الصَّلاة على المنافقين، لم نحتج بعدُ إلى القولِ بتأخُّرِ نزولِ باقي الآية مِن الأساس، حتَّى على فرضِ عِلْمِ النَّبيِّ ﷺ بكفرِ ابن سلولٍ في الباطن، فإنَّ ذلك لا يمنَعُ مِن الصَّلاة عليه، جريًا على حكمِ الظَّاهر، على ما جَرَت به عادتُه الحكيمة في معاملةِ هذا الصِّنفِ مِن العَدوِّ. وأمَّا دعوى المعارضةِ الثَّانية من كونِ المتبادرِ مِن الآيةِ كنايةُ السَّبعين عن الكثرة .. إلخ، فجوابها: أنَّ في روايات قصَّةِ النَّبي ﷺ مع عمرَ ﵁ في شأنِ ابن سَلولٍ بعض اختلافٍ في ألفاظها، قد نَبَّه غير واحدٍ مِن أهل العلم إلى ذلك، حتَّى قال الآلوسيُّ: « .. والأخبارُ فيما كان منه ﷺ مع ابنِ أبيٍّ من الصَّلاة عليه وغيرها لا تخلو من التَّعارض .. » (٢). فأمَّا رواية عمر ﵁ نفسِه للحادثة: فجاءت مِن رواية ابن عبَّاس ﵁ عنه، والَّذي فيها أنَّ النَّبي ﷺ قال له: «أخِّرْ عنِّي يا عمر»، قال عمر: فلمَّا أكثرتُ عليه قال: «إنِّي خُيِّرت فاخترتُ، لو أعلمُ أنِّي إن زِدتُ على السَّبعين يُغفر له، لزِدتُ عليها» (٣).

стр. 808

وأمَّا رواية عبد الله بن عمر ﵁، فوقع في ألفاظها اختلاف: ففي طريق أنسِ بن عياض (١) وأبي أسامة (٢) عنه، أنَّ النَّبي ﷺ قال لعمر: «إنمَّا خيَّرني الله .. وسأزيدُه على السَّبعين» (٣). وجاء مِن طريق صَدقة بن الفضل (٤) عن يحيى بن سعيد (٥): أنَّه ﷺ لم يزِد على أن تَلَا الآية في جوابِه لعمر (٦). ففي هذا الاختلاف في بعض ألفاظِ المتنِ دلالة على تصرُّفِ بعضِ الرُّواة في المتن، ونقلِهم لفظَ كلامِ النَّبي ﷺ بالمعنى الَّذي استقَّرَ في حافظتهم على ما فهِموه، ظَهَر هذا الاختلاف بين لفظِ روايةِ عمر ﵁ الأولى -وهي كما ترى تفيدُ علمَ النَّبي ﷺ بانتفاءِ مفهومِ العددِ في الآية، وعدم الفائدة مِن الزِّيادة على السَّبعين- وبين روايةِ ابنِه عبد الله مِن طريقِها الأولى بخاصَّة، حيث أفادت عزمَ النَّبي ﷺ على الزِّيادةِ على السَّبعين. فلا شكَّ بعقد هذه المقارنة يتَّضح أنَّ رواية عمر هي الصَّحيحة الرَّاجحة، وذلك لثلاثة اعتبارات: الأوَّل: لموافقةِ رواية عمر ﵁ دلالةَ الآية على التَّيئيسِ مِن المغفرة للمنافقين لكفرهم، حيث لا تنفع معه كثرة استغفار، والسَّبعون فيها جارٍ مَجرى المَثلِ للتَّكثُّر.

стр. 809

الثَّاني: عمر ﵁ هو مَن عايَش الحَدثَ، وسمِع مِن النَّبي ﷺ مباشرةً، ومعلومٌ مِن قرائنِ التَّرجيحِ: أنَّ روايةَ صاحبِ القصَّةِ مُقدَّمةٌ على غيرِها عند اختلافِ المتون (١). الثَّالث: رواية عمر ﵁ مستقِلَّةُ الإسنادِ عن رواية عبد الله بن عمر ﵁؛ ثمَّ رُواتُها لم يختلفوا في ألفاظِها كما اختلفَ رواة حديث عبد الله بن عمر، وترجيحُ ما اتُّفِق على ألفاظِه أولى ممَّا اختُلِف في ألفاظه (٢). وبهذه الثَّلاثة يرجح ضعفُ روايةِ عبد الله بن عمر: «وسأزيدُه على السَّبعين»، ويَغلبُ على الظَّنِّ -كما قال ابن عاشور (٣) - أنَّه لفظ زائد وَهِم الرَّاوي فيه بحسبَ ما فهِمه. فإذا كانت هذه الجملة ساقطة، فقد انزاح عن الحديث مُعضِلة كانت أكثرَ ما استشكَلَه الشُّرَّاح والمُفسِّرون من حديث عمر هذا، حتَّى ساروا مذاهبَ شتَّى في التَّوفيق بينه ودلالةِ الآية الكريمة (٤)، والحمد له وحدَه على توفيقِه. أمَّا دعوى المعارضةِ الثَّالثة: في استنكارِهم صلاةَ النَّبي ﷺ على منافقٍ، مع سبقِ نهيِ القرآنِ عن الصَّلاةِ على المُشركين، فجواب ذلك أن يُقال: قد ألمْحنا قبلُ إلى أنَّ النَّهيَ عن الاستغفارِ لمِن ماتَ مُشركًا لا يستلزِم النَّهيَ عنه لمِن ماتَ مُظهرًا للإسلام، لاحتمالِ أن يكونَ معتقدَه صَحيحًا (٥)، ولعلَّ

стр. 810

هذا الاحتمالَ ما حدا بعبدِ الله وَلدِ ابن سَلولٍ إلى أن يطلبَ مِن النَّبي ﷺ الصَّلاةَ عليه، مع علمِه بما كان مِن أبيه مِن جرائمَ في حقِّ الإسلامِ وأهلِه. لكنْ مخالطةُ أمثالِ هؤلاءِ لأحوالِ الإيمانِ، ولو في ظاهر الحال، قد يجرُّ إلى تعلُّقِ هديِه بقلوبِهم بأقلِّ سَبب، وهذا بخلافِ المُعلِنِ لكفرِه، المجاهرِ بعداوتِه للدِّين، وقد علِمنا أنَّ سياسة النَّبي ﷺ مع كِلا الفريقين مُتباينةٌ بالكُليَّة، وابنُ سَلولٍ بَقي على دعوى الإسلامِ إلى أن مات، والنَّبي ﷺ يُجري على المنافقين أحكامَ ظاهرِ حالهِم في عامَّةِ المسلمين. يقول ابن عاشور: « .. مِن أجلِ هذا الجَري على ظاهرِ الحالِ، اختلفَ أسلوبُ التَّأيِيس مِن المغفرةِ، بين ما في هذه الآية -يعني قولَه تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ - وبين ما في آية: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾، لأنَّ المشركين كفرُهم ظاهرٌ، فجاء النَّهي عن الاستغفار لهم صريحًا، وكفر المنافقين خَفيٌّ، فجاء التَّأييسُ مِن المغفرةِ لهم مَنوطًا بوصفٍ يعلمونه في أنفسِهم، ويعلمُه الرَّسول ﷺ ، ولأجلِ هذا كان يستغفر لمِن يسأله الاستغفارَ مِن المنافقين، لِئلَّا يكونَ امتناعُه مِن الاستغفارِ له إعلامًا بباطنِ حالِه، الَّذي اقتضت حكمةُ الشَّريعة عدمَ كشفِه» (١). أما دعوى المُعترضِ: في كونِ موافقةِ القرآنِ لعمر في هذا مُستلزم أن يكون مَن هو أعلم مِن النَّبي ﷺ بمفهومِ الآيات ومقاصد الشَّريعة: فقد مَرَّ جوابُه في ثنايا جوابِ الاعتراضِ الأوَّل المتعلِّق بالمعنى المقصودِ مِن آية: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، حيث بَيَّنا أنَّ الآيةَ لا تحوي نهيًا صَريحًا عن الاستغفار للمنافقين، بل هي حمَّالةٌ لمعنى التَّسوية والتَّيئيس، ومحتملة لمعنى التَّخييرِ إذا ما بانَ للنَّبي ﷺ فائدة في إحدى الخِيرَتين.

стр. 811

فاختيار النَّبي ﷺ الاستغفارَ لابن سَلولٍ كان صَحيحًا وقتَها في حَقِّه، لاحتمالِ الآية له، ولم يكُن غَلطًا منه في فهم الآيةِ كما توهَّمه المعترض. كما أنَّ ما نزَعَ إليه عمر مِن معنى منعِ الآية للاستغفارِ بلازمِ نفيِ الفائدةَ منه في المآل الأخرَويِّ: هو أيضًا فهمٌ منه صَحيح، تحتمله الآية بهذا القيدِ أيضًا، «فإنَّه إذا لم يكُن للاستغفارِ فائدةُ المغفرةِ يكون عَبثًا، فيكون مَنهيًّا عنه» (١). لكنَّ فهمَ النَّبي ﷺ للآية وتأويلِها باعتبارِ مآلِها المَصلَحيِّ في الدُّنيا هو الأقرب إلى الحقِّ بلا شكٍّ، كلُّ ما في الأمرِ أنَّ عمرَ ﵁ لطبعِه الشَّديد وقُوَّتِه في ما يَراه حَقًّا، أخَذَ بالمعنى الَّذي يَتَضمَّن الشِّدةَ على المنافقين وإهانَتهم، جزاءَ ما لقِي المسلمون مِن أذاهم؛ وأمَّا النَّبي ﷺ ، فلأنَّه أرحمُ الأمَّةِ بالأمَّة، وأعلم بالمصالحِ في حالِها ومآلِها، ولأنَّه «لم يُنهَ عن الصَّلاةِ عليه صَراحةً: مَشى على محتملِ اللَّفظِ، وليسَ في الآيةِ إلَّا أنَّ استغفارَك غير مُفيد له، فلَمْ يَبحثْ عن النَّفعِ الأُخرويِّ، فإنَّه لمَّا أرادَ أن يُصلِّي عليه، اكتفى بسِعةِ الألفاظِ فقط، ولم يكن فيها إلَّا عدمُ نفعِ صلاتِه» (٢)، وهذا سبق تقريره. وهو مع ذلك ﷺ لم يخفَ عليه المناط الَّذي علَّق عمر عليه المنعَ! فإنَّه لم يُنكِر عليه ما كان يذكِّره به ﵁ مِمَّا جرى على لسانِ ابن سَلولٍ مِن قبائح، ولكن نظرُه ﷺ كان أبعدَ مِن عمر في اعتبار المصالح، والمعلوم مِن حالِه ﷺ أنَّه ما خُيِّر بين أمرين إلَّا اختارَ أيسرهما وأنفعهما، ولم يكن مَيَّالًا إلى جانب العقوبة والتَّشديد إلَّا بوحيٍ، أمَّا عمر، فلم يلتفِت إلى احتمالِ إجراءِ الكلامِ على ظاهِره، لمِا غلَب عليه مِن الصَّلابةِ المذكورةِ. فأين عمر ﵁ مِن النَّبي ﷺ ؟! وأين فهمُه من فهمِه؟! فإنَّه كان نبيَّهم وأوْلى به وبالمؤمنين مِن أنفسهم.

стр. 812

والَّذي ينبغي تبيُّنه هنا: أنَّ نزولَ ظاهرِ الآيةِ بموافقةِ رأيِ عمر ﵁، إنَّما هي موافقة جُزئيَّة في النَّتيجة، وليست موافقة تامَّة في مقدِّماتِ تلك النَّتيجة! بيانُ ذلك: أنَّ عمر ﵁ احتجَّ في حوارِه بما صَدَر مِن ابن سَلولٍ مِن جرائم على نفيِ استحقاقِه للاستغفار، لكن الآية الكريمة قد راعَت في نهيِها الصَّريحِ أمرًا آخرَ أجلَّ: إنَّه متغيِّرات الحالةِ الإسلاميَّة، وتَمركُزٌ في موقعِ قوَّةٍ وهَيبةٍ لم يَكُن مُتاحًا للمسلمين من قبلُ، هذا ما لم يجرِ اعتبارُه على بالِ عمر في مجادلَتِه. ذلك أنَّ «النَّبي ﷺ في أوَّلِ الأمرِ كان يَصبِر على أذى المشركين، ويعفو ويصفح، ثمَّ أُمِر بقتالِ المشركين، فاستمرَّ صفحُه وعَفوُه عمَّن يُظهِر الإسلامَ، ولو كان باطنه على خلاف ذلك، لمصلحةِ الاِستئلافِ وعدمِ التَّنفير عنه، .. فلمَّا حَصَل الفتح، ودَخَل المشركون في الإسلام، وقَلَّ أهل الكفر وذَلُّوا: أُمِر بمجاهرةِ المنافقين، وحملِهم على حكمِ مُرِّ الحقِّ» (١). فلأجلِ ذا نُهي النَّبيُّ ﷺ عن إغداقِ رحمتِه على العدُوِّ الباطِن والاستغفار له، لا لِمجرَّد أنَّهم فَعلوا وفعلوا كما قال عمر ﵁، لكن عاجلُ عقوبةٍ لهم قبل يومِ التَّلاقِ، واقتلاعٌ لجذورِ الخَوَنةِ مِن تُربةِ النِّفاقِ. وإنَّ في إعراضه ﷺ عن ابن أبي سلولٍ مع اتسِّاع صحيفة هذا بسواد أعماله، لدليلًا حيًّا على أنَّه ﷺ أبعدُ النَّاس عن إغراءاتِ السَّيف، وطموحاتِ المُستكبرين في الأرض! فصلِّ اللهم عليه وسلَّم، والحمد لله على توفيقه.

стр. 813

المَبحث الثَّاني نقد دعاوي المُعارضات المُعاصرة للتَّفسير النَّبوي لقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾

стр. 814

المَطلب الأوَّل: سَوق التَّفسير النَّبوي لآية: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ عن أبي هريرة ﷺ عن النَّبي ﷺ قال: «قيل لبني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]، فدخلوا يزحفون على أستاهِهم (١)، فبدَّلوا وقالوا: حِنطة، حبَّة في شعرة» (٢).

стр. 815

المَبحث الثَّاني: سَوق المعارضات المعاصرة للتَّفسير النَّبوي لقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ هذا الحديث قد ردَّه بعضُ المُعترضينَ على الشَّيخين، وجَعَله (جمال البَنَّا) فاتحةً لأحاديثِ التَّفسير الَّتي يَنبغي في نظرِه إسقاطُها مِن جملةِ «الصَّحِيحين» (١). وتَتلخَّص اعتراضاتهم على متنِ الحديث في ما يلي: المعارضة الأولى: إنَّ المقصود بالسُّجود مِن الآية: مطلقُ الطَّاعةِ وإقامُ الصَّلاة، حَثًّا لبني إسرائيلَ على شُكرِ المُنعِم عليهم، فيكونُ القصدُ بالتَّبديلِ تركُ الطَّاعةِ وكفر النِّعمة. المعارضة الثَّانية: كيف لبني إسرائيل زمنَ موسى ﵇ أن يَتَلفَّظوا بكلِمَتين عَربيَّتين، مع أنَّ لسانُهم آنذاك بغيرِها؟! وفي تقريرِ هذه الشُّبهة، يقول (دروزة عِزَت): «الحقُّ أنَّ في الحديثِ شيئًا غَريبًا، وبخاصَّة هذا التَّوافق في الألفاظِ العَربيَّة، وهو قولهم: (حنطة)، مقابلَ أمرِهم بأن يقولوا (حِطَّة)! وبنو إسرائيل إنَّما كانوا يَتَكلَّمون العِبرانيَّة في زمنِ موسى ﵇، الَّذي يحكي عنهم هذه المخالفة» (٢).

стр. 816

وقد جَمع (ابن قِرناسٍ) كِلتا الشُّبهتين السَّالفتين في جملةِ شبهاتٍ له يقول فيها: «معنى قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، تعني الامتثالَ لأوامر الله وأداء الصَّلاة .. لكنَّهم كَفروا بأنعُم الله ولم يطيعوا أمره، فهو معنى قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾، وليس المعنى أنَّ الله طلب منهم أن يدخلوا البابَ وهم في وضعِ السُّجود! ويرَدِّدون (١) كلمةَ (حِطَّة)، فدخلوا يزحفون على أسْتاهِهم وقالوا: (حِنطة، حبَّة في شعرة)! وكأنَّهم يتكلَّمون العَربيَّة! لكنَّ الإسلامَ ابْتُلي بخيالاتِ بعضِ المفسِّرين والمحدِّثين، الَّتي ورِثناها عنهم، واعتبرناها دينًا لله .. » (٢). وقد سَبق هؤلاءِ إلى الغَمزِ في هذا الحديثِ مَن كان أعلَم منهم بالشَّرع (محمَّد عبدُه)! حيث ارتمى على هذه الأخبارِ ضَربًا بتُهمةِ الإسرائيليَّة، يقول في هذا الحديث: « .. ولليهودِ في هذا المقامِ كلامٌ كثير، وتأويلاتٌ خُدِع بها المفسِّرون، ولا نُجيز حشوَها في تفسيرِ كلام تعالى» (٣). وقد أقرَّه على هذا النُّكرانِ تلميذُه (رشيد رضا)، وتَبرَّعَ بالاستدلالِ له وتعزيزِه بجملةٍ مِمَّا لا يُحسِن الشَّيخُ الخوضَ فيه، فكان مِمَّا قال: « .. ولا ثقة لنا بشيءٍ مِمَّا رُوي في هذا التَّبديل مِن ألفاظٍ عبرانيَّةٍ ولا عربيَّة، فكلُّه مِن الإسرائيليَّات الوضعيَّة، كما قاله الأستاذ الإمام هنالك، وإن خُرِّج بعضُه في الصَّحيح والسُّنن موقوفًا ومرفوعًا، كحديث أبي هريرة ﵁ المرفوعِ في «الصَّحيحين» وغيرهما. ولم يُصرِّح أبو هريرة ﵁ بسماعِ هذا مِن النَّبي ﷺ ، فيحتمل أنَّه سمعه مِن كعبِ الأحبار، إذْ ثبتَ أنَّه رَوى عنه، وهذا مدرَك عدمِ اعتمادِ الأستاذِ على مثلِ

стр. 817

هذا مِن الإسرائيليَّات، وإن صحَّ سندُه، ولكن قلَّما يوجد في الصَّحيحِ المرفوعِ شيءٌ يقتضي الطَّعنَ في سندِها» (١).

стр. 818

المَطلب الثَّالث: دفعُ المعارضاتِ المعاصرةِ للتَّفسيرِ النَّبويِّ لقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ فأمَّا دعوى المعترضِ في المعارضةِ الأولى: بأنَّ قصدَ الآيةِ بالسُّجود مُطلق الطَّاعةِ وأداءِ الصَّلاة: فمخالفٌ لظاهرِ الآية نفسِها، وسجودُ كلِّ شيءٍ بحسبه، وإذا أُطلِق في الإسنان فالأصل فيه أنَّه خروره بوجهِه على الأرضِ، خضوعًا منه لخالقِه، وتحتمِل الآيةُ أن يكون معناه السُّجودِ فيها انحِناءُهم خُضَّعًا مُتواضعين كالرَّاكع، ولم يُرَد به نفسُ السُّجودِ المعهودِ عندنا بالجبهة (١). وعلى كِلا المَعنَيين لا تَخالُف بين الآيةِ والحديثِ، والَّذي يتعارض والآيةَ حَقَّا تأويلُ المَعترضِ لها على مَعنى الطَّاعةِ وإقامِ الصَّلاة، فإنَّ الآية قَيَّدت السُّجودَ بلحظةِ دخولِ البابِ، ومطلق الطَّاعةِ ليس خاصًّا بتلكِ اللَّحظة، ولا بتلك البُقعة، فلا معنى لتقيِيده بذلك. ليبقى المعنى الأجدرُ بالآيةِ: أنَّ الأمرَ فيها بالسُّجودِ أمرٌ لبَني إسرائيلَ بسُجودٍ جَسديٍّ حَقيقيٍّ عند دخولهم بابَ القريةِ، إظهارًا للافتقارِ إلى مَن مَنَّ عليهم بفتحِها، واستغفارًا منهم لما سَلَف مِن خَطاياهم.

стр. 819

فقيل لهم: قولوا حِطَّة، أي: حُطَّ عنَّا رَبَّنا ذنوبنَا، ولا تُعذِّبنا بما فيه أسرَفنا، لكنَّهم بدلَ ذلك استهزءوا بموسى ﵇، وقالوا: «ما يَشاء موسى أن يلعبَ بنا إلَّا لعِب بناَ؟ حِطَّة، حِطَّة، أيُّ شيءٍ حِطَّة؟! وقال بعضهم لبعض: حِنطة!» (١). و «الحِنطة»: القَمح، و «حَبَّة في شَعرة»: تَفسير لها، وفي بعضِ الرِّواياتِ: «حِطَة» دون «حِنطة» (٢)، أي قالوا هذه الكلمةَ بعينِها، وزادوا عليها مُستهزئين: «الحَبَّة في الشَّعرة» (٣)، ضَمُّوا إليه هذا الكلامَ الخاليَ عن الفائدةِ، تتميمًا للاستهزاءِ، وزيادةً في العُتوِّ (٤). فهم قد بدَّلوا السُّجودَ بالزَّحف، واستبدلوا تلك الكلمةَ الضَّارِعةَ الخاشِعةَ، بكلمةٍ أخرى قريبةِ اللَّفظ، لكن بمعنى آخرَ مُغاير، فبدَل أن يَتوجَّهوا إلى الله تعالى بالضَّراعة، تَوجَّهوا إليه بطلبِ القُوتِ! و «أُمِروا بالإخلاصِ لله نظرًا إلى حياةِ قلوبِهم، فطَلبوا الِحنطةَ نظرًا إلى حياةِ جُسومِهم!» (٥). وفي هذا مِن التَّلاعب بدين الله تعالى والاستهزاءِ بأوامِره والعدولِ عن إرضاءِه إلى الإعلانِ بما يُرضي أهواءَهم، ويُشبع شهواتَ بطونهم، ما سطَّرَه الوَحيُ عنهم فضحًا لقبيحِ أخلاقِهم إلى يومِ القيامة.

стр. 820

يقول البِقاعيُّ (ت ٨٨٥ هـ): «ذَكَر تعالى عُدولَهم عن كلِّ ذلك، واشتغالهَم ببطونِهم وعاجلِ دنياهم، فطلبوا طعامَ بطونِهم الَّتي قد فرغ منها التَّقدير، وأظهَر لهم الغَناء عنها في حالِ التِّيه، بإنزال المَنِّ والسَّلوى، إظهارًا لبلادةِ طباعِهم، وغلبةِ حُبِّ العاجلةِ عليهم» (١). فتحريفُ القولِ عن مواضعِه سِمَة لا تُستغرب مِن يَهود، والله أخبرَ أنَّهم ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]، وكانوا يَأتون النَّبي ﷺ يقولون: رَاعِنا، يعنونَ الرُّعونةَ، لَيًّا بألسنتِهم، وإذا جاءوه حَيَّوه بما لم يُحَيِّه به الله، وقالوا: السَّام عليك يا محمَّد، يُوهِمون بسريعِ اللَّفظ أنَّهم سَلَّموا (٢). فما يُستغربُ بعدُ أن يُحرِّفوا لفظَ أمرِه كما في خَبر أبي هريرة؟! وأمَّا دعوى المُنكِر في المعارضةِ الثَّانية: أنَّ تحريفَ لفظِ (حِطَّة) إلى لفظِ (حِنطة) لا يُتأتَّى إلَّا بلِسانٍ عَربي مُبين، ولسان بني إسرائيل عبرانيٌّ، فجواب ذلك مِن وجوه: أوَّلها: إن كان قصدُ المعترضِ بالعبرانيَّةِ اللُّغةَ العِبريَّة بما نعرفه اليوم: فإنَّها لم تكُن لسانَ قومِ موسى ﵇ أصلًا على الصَّحيحِ مِن كلام المختصِّين في علمِ اللُّغاتِ العَتيقة؛ فإنَّ أولئك الإسرائيليِّين إن كانوا «يحتفظون بلغةٍ لأنفسِهم إلى جانبِ المصريَّة الَّتي هي لغةُ المَحَلِّ الَّذي سَكنوه لعدَّةِ قرونٍ، فإنَّ هذه اللُّغة الخاصَّة لا يُمكن أن تكون هي اللُّغة العِبريَّة المعروفةَ لدينا، فهذه لم تتبلوَر إلَّا بعدَ وفاةِ موسى بحوالي أربعةِ قرون»! (٣).

стр. 821

ثانيها: لو افترَضنا أنَّ لغة القومِ زمنَ موسى ﵇ كانت العِبريَّة -تنزُّلًا- فإنَّه لا تعارضَ بين ما وَرد في الحديث، بيانُ ذلك من جِهتين: الجِهة الأولى: أنَّ العَربيَّة والعِبريَّة كِلاهما مِن الأسرةِ السَّامية (١)، والمُشترَك اللُّغوي بين اللُّغاتِ مِن أسرةٍ واحدةٍ يكون كبيرًا، فلا مانعَ مِن أن يكون لفظَا (حِطَّة) و (حِنطة) مَن هذا المشترَك (٢). يقول ابن حزم: «إنَّ الَّذي وَقفنا عليه وعلِمناه يقينًا: أنَّ السِّريانيَّة والعبرانيَّة والعَربيَّة -هي لغة مُضر وربيعة، لا لغة حِمير- لغةٌ واحدةٌ، تَبدَّلت بتبدُّلِ مَساكن أهلِها، فحدَث فيها جَرش كالَّذي يحدث مِن الأندلسيِّ إذا رام نغمةَ أهل القيروان، ومِن القيروانيِّ إذا رام نغمةَ الأندلسيِّ .. وهكذا في كثيرٍ من البلاد، فإنَّه بمجاورةِ أهلِ البَلدة بأُمَّة أخرى، تتبدَّل لغتها تبديلًا لا يخفى على من تأمَّله» (٣). وعليه؛ فإنَّ وجود تشابه بين العربيَّة وغيرها من اللُّغات السَّامية في مفرداتها وقواعدها ليس بالمستنكر؛ خاصَّةً مع قولِ ثلَّة من الباحثين في علم اللُّغات والاجتماع بكونِ العربيَّة هي الأصل الَّتي تفرَّعت عنها باقي اللُّغات السَّامية (٤)، بل باقي اللُّغات بإطلاق (٥).

стр. 822

الجهة الثَّانية: أنَّ العِبريَّة القديمة نفسَها خَليط مِن عدَّة لغاتٍ، أهمُّها الآراميَّة، والأكاديَّة البابِليَّة منها والآشوريَّة، والهيروغليفيَّة المِصريَّة، وكذا العَربيَّة، فوارِدٌ جدًّا أن يكون اللَّفظان الوارِدان في الحديثِ مِن المعجمِ العَربيِّ الَّذي اختلَط في ذاكَ المَزيجِ العِبْريِّ (١)! وفي تقريرِ قريبٍ مِن هذا التَّأصِيلِ، يقول ابن تيميَّة: «الألفاظُ العِبريَّة تُقارب العربيَّة بعضَ المقاربة، كما تتقارب الأسماء في الاشتقاقِ الأكبر، وقد سمِعت ألفاظَ التَّوراة بالعِبريَّة مِن مسلمةِ أهل الكتاب، فوجدتُ اللُّغتين متقاربِتين غايةَ التَّقارب، حتَّى صِرتُ أفهم كثيرًا مِن كلامِهم العِبريِّ بمجرَّدِ المعرفة بالعَربيَّة .. » (٢). ثالثها: يذهب عَدد من الباحثين إلى أنَّ اللُّغة الَّتي كُتِبت بها التَّوراة الأصليَّة كانت الآرَاميَّة، فإنَّه لابدَّ أنَّ ما أُوتيَه موسى ﵇ مِن ألواحٍ قد كُتِب بلُغةٍ مُقعَّدةٍ مَفهومةٍ (٣)، واللُّغة الَّتي كانت مُتداولة في الشَّامِ آنذاك هي الآراميَّة (٤)، ومِنها تفرَّعَت السِّريانيَّة (٥)، فلذا سُمِّيت باللُّغةِ المقدَّسة، وهاتان لُغتانِ قَريبتان في المعجمِ والقَواعد، ومنها أَخذت العِبريَّة قِسطًا وافرًا مِن لُغتها، وقد سبقت الإشارة إلى قريبٍ من هذا المعنى.

стр. 823

يؤيِّد هذا: ما أورده جَمعٌ مِن المفسِّرين مِن أخبارَ تدلُّ على أنَّ قولَ الفَسَقة من بني إسرائيل: (حِنطة) قد كان بالنَّبطيَّة، حيث قالوا: «حِطَا سمقاثا»، أي: حِنطة حمراء -كذا وَرَد عن ابن مسعود وابن عبَّاس وغيرهما (١) - والنَّبطَ كانت لُغتهم الرَّسميَّة الآراميَّة (٢)! والعَربيَّة والآراميَّة السِّريانيَّة يجتمِعان في الأصلِ السَّامي الغَربيِّ، وفي نفسِ هذا الحديث ما يشهدُ لذلك، حيث إنَّ لفظ (حِنطة) في آراميَّة العَهد القديم هكذا: (ح ن ط ه) (٣)، فهو بنفسِ حروفه في العَربيَّة تمامًا، فلا يُستبعد بهذا أن يكونَ لفظُ الفعلِ العَربيِّ (حَطَّ) الواردِ في حديث أبي هريرة هو بنفسِ حروفِه في الآراميَّة. فأخْلِق بهذه الحقائق أن يكون بها حديث أبي هريرة ﵁ شاهدًا في علمِ تاريخِ اللُّغاتِ، لا مَطعونًا به مِن طالبي الهَناتِ من صِحاحِ الرِّواياتِ! والحمد لله.

стр. 824

المَبحث الثَّالث نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة للتَّفسيرِ الأثَريِّ لآية: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ بقتال الملائكة في بدر

стр. 825

المَطلب الأوَّل سَوق التَّفسيرِ الأثَريِّ لقولِه تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ بقتال الملائكة في بدر ورد في ذلك عن ابن عبَّاس ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ قال يوم بدر: «هذا جبريل، آخذ برأس فرسِه، عليه أداة الحرب»، أخرجه البخاريُّ (١). وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: «رأيتُ رسولَ الله ﷺ يوم أُحد، ومعه رجلان يُقاتلان عنه، عليهما ثياب بِيض، كأشدِّ القِتال، ما رأيتهما قبلُ ولا بعد» (٢). وعن ابن عبَّاس ﵁ قال: بينما رجلٌ مِن المسلمين يَومئذٍ يَشتدُّ في أثرِ رجل من المشركين أمامَه، إذ سمِع ضربةً بالسَّوطِ فوقه، وصوتُ الفارس يقول: أقدِم حَيْزوم! فنظَرَ إلى المُشركِ أمامَه، فَخَرَّ مُستلقيًا، فنظَر إليه، فإذا هو قد خُطِم أنفُه، وشُقَّ وجهُه، كضربةِ السَّوط، فاخضرَّ ذلك أجمع، فجاء الأنصاريُّ، فحدَّث بذلك رسول الله ﷺ ، فقال: «صدقتَ، ذلك مِن مَددِ السَّماءِ الثَّالثةِ» (٣).

стр. 826

المَطلب الثاني سَوق المعارضاتِ الفكريَّة المعاصرة للتَّفسير الأثريِّ لآية: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ بقتال الملائكة أُورد على هذه الأحاديث المُخبِرةِ بقتال الملائكةِ جنبَ المسلمينَ في بدر جملةٌ مِن المعارضاتِ، ألخِّصُ جملتَها في الآتي: المعارضة الأولى: أنَّ مَفاد الآياتِ حصرُ وظيفةِ الملائكة في بدرٍ في تبشيرِ المؤمنين وتطمينِهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَاّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأنفال: ١٠] وهذا أسلوب يفيد الحصر، فلا غرضَ من إنزالِ الملائكةِ إلَّا حصولَ البشرى، وهو ما ينفي إقدامَهم على القتالِ. المعارضة الثَّانية: أنَّ الأمرَ في قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ مُوجَّه لمِن خوطِب بهذا القرآن، وهم الصَّحابة ﵁، وليسَ الملائكة. وفي تقرير هاتين الشُّبهتين، يقول (رشيد رضا): «مُقتضى السِّياق أنَّ وحي الله للملائكة قد تمَّ بأمره إيَّاهم بتثبيت المؤمنين، كما يدلُّ عليه الحصر في قوله عن إمداد الملائكة: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَاّ بُشْرَى﴾ إلخ، وقوله تعالى: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرَّعْبَ﴾، بدءُ كلامٍ خوطب به النَّبي ﷺ والمؤمنون تتمَّةً للبشرى، فيكون الأمر بالضَّرب موجَّهًا إلى المؤمنين

стр. 827

قطعًا، وعليه المحققِّون الَّذين جزموا بأنَّ الملائكة لم تقاتل يومَ بدرٍ، تبعًا لما قبله من الآيات .. فكفانا الله شرَّ هذه الرِّوايات الباطلة الَّتي شوَّهت التَّفسير وقَلَبت الحقائق، حتَّى إنَّها خالفت نصَّ القرآن نفسه، فالله تعالى يقول في إمداد الملائكة: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَاّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾، وهذه الرِّوايات تقول: بل جعلَها مقاتلةً! .. » (١). المعارضة الثَّالثة: أنَّ في القولِ بقتالِ الملائكة في بدرٍ تنقيصًا مِن شأنِ أهلِ بَدر من الصَّحابة ﵃، ونَفيًا لمزيَّتِهم عن باقي المسلمين، فأيُّ فائدةٍ مِن ابتلائِهم بقتالِ المشركين، إذا كانوا هم قد كُفوا ذلك مِن الملائكة؟! وفي تقرير الشُّبهة، يقول (رشيد رضا): « .. ما أدري أين يضع بعض العلماءِ عقولَهم عندما يغترُّون ببعض الظَّواهر وبعض الرِّوايات الغريبة الَّتي يردُّها العقل! ولا يثبتها ما له قيمة من النَّقل! فإذا كان تأييدُ الله للمؤمنين بالتَّأييداتِ الروحانيَّة الَّتي تُضاعف القوَّة المعنويَّة، وتسهيله لهم الأسباب الحسيَّة، كإنزالِ المطر وما كان له مِن الفوائد، لم يكن كافيًا لنصرِه إيَّاهم على المشركين بقتلِ سبعين وأسرِ سبعين، حتَّى كان ألفٌ -وقيل آلاف- من الملائكة يقاتلونَهم معهم! فيفلقون منهم الهام، ويقطعون مِن أيديهم كلَّ بنان. فأيُّ مزيَّة لأهل بدرٍ فُضِّلوا بها على سائر المؤمنين مِمَّن غزوا بعدهم، وأذلُّوا المشركين، وقَتلوا منهم الألوف؟!» (٢). ثمَّ حاول تعليلَ هذه الرِّوايات وهي في «الصَّحيحين» بكونِ ابن جريرٍ لم يذكرها في «تفسيره» البتَّة، لأنَّ مثلها في رأيِه «لا يصدرُ عن عاقلٍ إلَّا وقد سُلِب

стр. 828

عقلُه لتصحيحِ رواياتٍ باطلةٍ لا يَصِحُّ لها سَند .. وابن عبَّاس لم يحضر غزوةَ بدر؛ لأنَّه كان صغيرًا، فرواياته عنها حتَّى في «الصَّحيح» مرسلة، وقد روى عن غير الصَّحابة، حتَّى عن كعب الأحبار وأمثاله» (١).

стр. 829

المطلب الثالث دفع المعارضات الفكريَّة المعاصرة عن أحاديث تفسيرِ آية: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ بقتالِ الملائكة أمَّا عن المعارضةِ الأولى في دعوى المُعترضِ حصرَ الآياتِ لوظيفةِ الملائكة في تبشيرِ وتثبيتِ المسلمينَ يومَ بدر، فيُقال جوابًا لمثلِها: إنَّه استدلالٌ بمَحلِّ الخلاف غير جائز؛ ذلك أنَّا نَدَّعي أيضًا أنَّ الله تعالى قد كَلَّفهم في الآياتِ نفسِها بشيءٍ زائدٍ على مجرَّد التَّثبيت، وهو ما ذكره في قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢]. فقول المُعترضِ بعدم قتال الملائكة في بدر، قرينةٌ على كونِ الأمرِ بالضَّربِ في هذه الآيةِ للمؤمنين: لا يصلُح، لأنَّ نفسَ هذه الدَّعوى نُنازعهم عليها، فأيُّ مانعٍ في أن تكون أمرًا للملائكة أيضًا؟ ثمَّ إنَّ نزولَ الملائكة لتسكينِ القلوب لا يعني بالضَّرورةِ عدمَ مشاركتِهم في القتال، فالأفيدُ أن يُنتقَل بالنِّقاشِ إلى إثباتِ مَن هو المُخاطَب بالأمرِ الإلهيِّ في الآية، وهو ما يظهر جوابه في: ردِّ الاعتراضِ الثَّاني: وهو دعوى أنَّ الأمرَ بالقتالِ مُوَّجَه للصَّحابةِ لا الملائكةِ: فإنَّه لا يخفى الخلافُ القديم في المعني بالمُخاطَب هنا بين أهل التَّفسيرِ

стр. 830

أنفسِهم (١)، ولسنا نُنكِر أنَّ الآية ظنيَّة الدَّلالة، تحتمل كِلا الوَجهين؛ لكنَّ القواعد العلميَّة تقتضي تصحيحَ أحدِهما بالمرجِّحاتِ المُعتبرَة أصوليًّا، وباستعمالِ هذه يَتبيَّن رجحانُ قولِ الجمهورِ في كونِ قتالِ الملائكةِ كان بأمرِ الله تعالى، وقولُهم بعَودِ الأمرِ في الآيةِ إلى الملائكةِ يعتمد على أصلين: الأوَّل: دلالةُ الأحاديث على ذلك نَصًّا: وهذه تَلقَّاها أهلُ الحديثِ بالقَبول، يكفي منها ما أخرجه الشَّيخان ممَّا سبق سَوقَه، ومَعلوم من علمِ الأصولِ أنَّ نصوص السُّنة مُبيِّنة لمُجملِ الآيات، والنَّص إذا وَرَد لم يُعارَض بالمحتملاتِ. الثَّاني: دلالة السِّياق القرآنيِّ نفسه على ذلك: وذلك أنَّ الله تعالى أخبرَ أنَّه أنزلَ الملائكة في بدرٍ مُردِفين: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]، أي: أُنزِلوا فرقةً بعد فِرقةٍ (٢)، وهذا تَعبير يتضَمَّن حمولةً عسكريَّة واضحة! فكأنَّهم مجموعاتُ مآزَرةٍ، تأتي الواحدة تلوَ الأخرى، كما المعهود مِن الجيوش في الحروب، فجاء عَدد الملائكةِ مُساويًا لعددِ المشركين، وكان الصَّحابة زيادة. ولو كانت الغاية مُجرَّد التَّسكين لقلوبِ مَن قاتلَ في بدرٍ، لمَا احتِيجَ إلى كلِّ هذا الإردافِ والتَّتابع بهذا الشَّكلِ مِن هذه الأعدادِ الكثيرة. ثمَّ المعلوم من حال الحروب، أنَّ مَعنويَّات الجنودِ إنَّما تَتقوَّى في حمأةِ المعارك إذا علِموا بالتحاقِ فُرقٍ أخرى مِن حُلفاءِهم! تخفيفًا عنهم لضغطِ المعركة، وتحقيقًا للتَّفوُّقِ المَّاديِّ على العَدوِّ، ومِن ثَمَّ تزدادُ الرَّغبة في الإجهازِ على العَدوِّ، وتُشحذُ الهِمَم للظَّفر منه بالنَّصر.

стр. 831

وقول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَاّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأنفال: ١٠] ليس يفيد الحصرَ بحال كما ادَّعاه المُعترض، لأنَّ الضَّمير في قوله: ﴿جَعَلَهُ﴾ عائِدٌ إلى فعلِ الله مِن الإمدادِ نفسِه، لا إلى الملائكةِ، أي: القَصدُ مِن إنزالِه الملائكةَ للقتالِ طَمأنةُ المؤمنين إذا عَلموا بزيادةِ عددِهم بعد ما رَأوا مِن وفرةِ المشركين وعدمِ تكافئهم، فنفسُ قتالِ الملائكةِ بجوارِهم تَطمينٌ لهم، وفيه تبشيرٌ ضِمنيٌّ بالنَّصر، بأن أوقعَ في نفوسِهم ظنَّ النَّصر، وهذا منه إلهامٌ وتثبيتٌ، وفيه إرشادٌ لما سيُطابق الواقع، ودفعٌ لأيِّ وَسوسةٍ شيطانيَّة. وفي سِباقِ الآياتِ نفسِها ما يدلُّ على كونِ المُخاطَبين بالضَّربِ الملائكةُ، حيث أنَّها افتُتِحَت بخطابِ الله لهم، في قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فناسبَ أن يكون مُختَتَمها للملائكة أيضًا. لكنَّ (رشيد رضا) فَصَل هذا الأمرَ عن سياقِه القريبِ، وألحقَه بسياقٍ بعيدٍ عنه الَّذي فيه خطاب المؤمنين! ولا يجوز استصحابُ السِّياقات البعيدة دون القريبةِ إلَّا بدَليل، «فإنَّ قولَه تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ تفريعٌ على جملة: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرَّعْبَ﴾ المفرَّعة هنا أيضًا على جملة: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في المعنى» (١). هذا؛ ولو فَرَضنا أنَّ الأمرَ بالقِتالِ في الآية كان للمؤمنين، لنَزَلَت عليهم قبل المعركةِ بداهةً ليمتثِلوه! في حين أنَّ السُّورةَ نَزَلت بعدَ انكشافِ الملحمةِ، وفراغِ المؤمنين مِن القِتال! وعلى فرضِ أنَّ الأمرَ القرآنيَّ مُوجَّه للمؤمنين أصالةً، فما المانِعُ أن تكون الملائكة شاركَتهم في القتالِ؟! فلم يكن مِن داعٍ لرَدِّ الأخبارِ الصَّحيحة في هذا الباب.

стр. 832

وأمَّا دعوى المعترض في أنَّ قتالَ الملائكة تنقيصٌ مِن شأنِ أهلِ بَدر، ونَفيٌ لمزيَّتِهم عن باقي المسلمين .. إلخ: فهذا منه صحيح لو كان الحَسمُ في المَعركة مِن جهة الملائكةَ فقط، وكان الصَّحابة ﵃ في دَعةٍ لا يكادون يرفعون سيفًا؛ ولكن الواقع أنَّ قتال هؤلاء كان هو الأصل، وقد أبلوا فيه بَلاءً حَسنًا، وأنَّ الملائكة ما تَنزَّلت إلَّا عَونًا وتَسديدًا وتَبشيرًا، وما خَبر مبارزةِ الثَّلاثةِ مِن المؤمنين أوَّلَ المعركةِ عن أذهانِنا بغائب (١)، فكلُّ هذا «لإرادةِ أن يكون الفعلُ للنَّبيِّ ﷺ وأصحابِه، وتكون الملائكة مَددًا على عادةِ مَدد الجيوش، رعايةً لصورةِ الأسبابِ وسُنَّتِها الَّتي أجراها الله تعالى في عباده» (٢). فنَفي (رشيد رضا) أن تكونَ لأهلِ بَدر بقتالِ الملائكة مَزيَّة على مَن بعدهم قولٌ منه عجيب، فإنَّ أهلَ بدرٍ لِما اجتمعَ فيهم مِن الفَضائلِ خصَّهم الله بقتالِ الملائكةِ، وغزوتُهم كانت فاتحةَ الصِّراعِ المباشرِ بين الإسلامِ والكُفرِ، وفرقانًا بين الحَقِّ والباطِل؛ فلِما احتفَّ بهذه الغزوةِ مِن فرائد الخِصال، وما تَرتَّب عليها مِن أثرٍ على الدَّعوة في الحالِ والمآل، مع قلَّة عددٍ وعَتاد: اقتضَت حكمة الله أن تكون الغَلبة فيها للمسلمين، رحمةً منه وفَضلًا بعد استضعافِهم، ولعدوِّهم عَذابًا وإذلالًا بعد كِبرهم عن الحقِّ وطغيانِهم. فما جَرى بين الفريقين كان -في حقيقتِه- «إبدالًا للحقائقِ الثَّابتة باقتلاعِها ووضعِ أضدادِها، حيث جُعِل الجُبن شجاعةً، والخوف إقدامًا، والهَلع ثَباتًا في جانب المؤمنين، وجُعِلت العزَّة رُعبًا في قلوبِ المشركين، وقُطِعت أعناقهم

стр. 833

وأيديهم بدون سَببٍ من أسبابِ القطعِ المعتادة، فكانت الأعمال الَّتي عُهِد للملائكة عَملُها خوارق عادات» (١)، بَعَث عليها عنايةُ الله بهذه العِصابة المؤمنةِ الَّتي لم هلكت لم يُعبَد في الأرض. ثمَّ ما أدرى (رشيدًا) أنَّ الله لم يُنزِل ملائكةً تَقاتل مع غيرهم مِن «المؤمنين مِمَّن غَزوا بعدهم وأذلُّوا المشركين وقتلوا منهم الألوفَ» (٢)؟ إذا ما حَقَّقوا شرطَ الإيمان، ونصرةَ الدِّين، والأخذَ بما تَوافر مِن أسباب، كما فعله أهل بدر؟! إنَّ إعلالَ (رشيد رضا) حديثَ البابِ بأنَّه مِن روايةِ ابن عبَّاس ﵁ وهي مرسلة لا يقوم على ساق في مقامِ الحِجاج، هو قول لم يَلتفِت إلى مثلِه المحقِّقون، فإنَّ العَمل جارٍ منهم على قَبولِ مَراسيل الصَّحابةِ والاحتجاج بها في العقائدِ والأحكام، فضلًا عن المَغازي والسِّيرة؛ فرواية الصَّحابةِ عن التَّابعين نادرة جِدًّا، لم يكونوا يَروون إلَّا عن الصَّحابة مثلِهم، وهم يبيِّنون ذلك عند المُحاقَقة (٣). وما كان لابن عبَّاس أن يَلجأ إلى تابعيٍّ ليقُصَّ عليه أحداث بدرٍ، وحوله كبار الصَّحبِ مُتوافرون! ولو سَلَّمنا لرشيدٍ قولَه في ابن عبَّاس، فما يقول في روايةِ سعد بن أبي وقَّاص وقد حَكى ما رأته عيناه في بدرٍ مِن قتالِ الملائكة؟! أمَّا دعواه آخرَ هذه المعارضةِ، بأنَّ هذه الأخبار لو كانت صَحيحةً لأخرجها الطَّبري في تفسيره: فإطلالةٌ مِن الشَّيخ خاطفةٌ لموضعِ تفسيرِ ابن جريرٍ لآيةِ: ﴿أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُنزَلِينَ﴾ وهي في آل عمران نفسِها: كانت

стр. 834

لتكون كفيلةً لتُخجِلَه من إيرادِ هذا الكلام! فإنَّ الطَّبريَّ قد مَلأ موضِعَ تأويلِ هذه الآيةِ من تفسيرِه بجملةٍ من الآثارِ الدَّالةِ على قتال الملائكة يومَ بدرٍ، وبأسانيد له صحيحة. وسبحان مَن لا يسهو ويغفل.

стр. 835

المَبحث الرَّابع نقد دعاوي المعارضات المُعاصرة للتَّفسير النَّبوي لآية: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾

стр. 836

المطلب الأوَّل سوق التَّفسير النَّبوي لآية: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ عن أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ قال: «اختصَمَت الجنَّة والنَّار إلى ربِّهما، فقالت الجنَّة: يا ربِّ، ما لها لا يدخلها إلَّا ضعفاء النَّاس وسَقطهم؟ وقالت النَّار: أُوثرت بالمتكبِّرين، فقال الله تعالى للجنَّة: أنتِ رحمتي، وقال للنَّار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء، ولكلِّ واحدةٍ منكما مِلؤها، قال: فأمَّا الجنَّة، فإنَّ الله لا يظلم من خلقه أحدًا، وإنَّه يُنشئ للنَّارِ مَن يشاء (١)، فيُلقون فيها، فتقول: هل من مزيد؟ -ثلاثًا- حتَّى يضع فيها قدمه فتمتلئ، ويُردُّ بعضها إلى بعض، وتقول: قطِ، قطِ، قطِ!» أخرجه البخاريُّ (٢). وعند مسلم: « .. فأمَّا النَّار فلا تمتلئ حتَّى يضع الله ﵎ رجلَه،

стр. 837

تقول: قط، قط، قط! فهنالك تمتلئ، ويُزوى (١) بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله مِن خلقِه أحدًا، وأمَّا الجنَّة فإنَّ الله يُنشئ لها خلقًا» (٢).

стр. 838

المَطلب الثَّاني سَوق المعارضات الفكريَّة المعاصرة لتفسيرِ آيةِ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ ترجع مُجمَل طعونِ المعاصِرين في حديثِ أبي هريرة ﵁ إلى سبعةِ أوجهٍ من المعارضاتِ المَتنيَّة: المعارضة الأولى: أنَّ ظاهرَ الآية على أنَّ جهنَّم لا تَضيقُ بمَن فيها مهما بلغَت أعدادُهم، بينما يُشير الحديث إلى ضِيقِها من ذلك حتَّى تمتلِئ. وفي تقرير هذه الشُّبهة، يقول (ابن قرناس): «إنَّ الآيات تُصوِّر كيف أنَّ النَّار لن تضيق بمن يُلقى فيها من المكذِّبين مهما بلغت أعدادهم» (١). المعارضة الثَّانية: أنَّ في إثباتِ صِفةِ القَدمِ لله تعالى في الحديث نوعَ تجسيمٍ، والقَدَم صِفة للمَخلوقِ تُنزَّه الذَّات الإلهيَّة عن مثلِه. وفي تقرير هذا الاعتراضِ العَقديِّ يقول (زهير الأدهَمي): « .. عندما يضع الله -سبحانه وتعالى عمَّا يصفون- قدَمه على سطحِ هذا الوِعاء، تكون جَهنَّم قد امتلأت، تقول: حَسبي، كَفاني، وعندها تُجرُّ أطرافَ هذا الوِعاء بعضها إلى بعض، وتكون جَهنَّم قد تمَّ إغلاقها على أهلها، .. وعلى طريقة المجسِّمة

стр. 839

أو المشبِّهة -تعالى الله الَّذي ليس كمثله شيء- يمكن أن نتخيَّل ربَّ العزَّة هنا على هيئة وصورة أقلُّ ما يُقال فيها إنَّها لا تليق بجلالة الله وعظمته» (١). المعارضة الثَّالثة: أنَّه يلزم من وضعِ قدم الله تعالى في النَّار مَسُّ الخلقِ للذَّاتِ الإلهيَّة ومخالطتها، فإنَّ لفظ (في) في روايةِ أنس ﵁: « .. حتَّى يضع فيها ربُّ العالمين قدَمه» (٢)، يفيد الظَّرفية، و «معنى ذلك أنَّ بعضَ أجزاءِ جسمِه تحلُّ بخلقِه، لأنَّ النَّارَ بعضُ خلقِه» (٣)، وهذا باطل شَرعًا وعقلًا. ثمَّ فرَّع المُعترض عن هذا التَّوهم الوجهَ التَّالي من أوجُه المعارضةِ، وهو: أنَّ القرآن أخبر أنَّ النَّار تمتلئ بإبليسَ وأتباعه فقط: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥]، بينما الحديث يذكر امتلائها بوضعِ قدمِ الرَّبِ فيها أيضًا (٤). المعارضة الرَّابعة: أنَّ الجنَّة والنَّار مِن الجمادات المَسلوبة العقلِ والحاسَّة، فلن يكون لهما «مَعرفةٌ بما حلَّ فيهما مِن مُتجبِّر ومتكبِّر، أو ضعيفٍ وساقط مِن النَّاس» (٥)، وعليه فإنَّ في «متنِ هذا الحديث خَللًا في المعنى، لأنَّ الجنَّة والنَّار غير عاقلتين فتتكلَّمان» (٦). ثمَّ فرَّعوا عن هذا الاعتراض اعتراضًا لازمًا له، مفاده في: المعارضة الخامسة: أنَّ مَن علِم أساليبَ العربيَّة في الخطابِ القرآنيِّ، يدرك أنَّ ما وَرد في آيةِ ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ مِن كلامِ جهنَّم، هو مَحمول على المجازِ

стр. 840

لا الحقيقة، ومَعناه: استيعابُها لمِن أُلقِيَ فيها مهما بلَغَت أعدادُهم، لكن الحديث صوَّر ذلك على أنَّه حَقيقة. وفي تقرير هذا الاعتراض، يقول إسماعيل (الكردي): «أغلب الظنِّ أنَّ واضعَ الحديث يُريد أن يفسِّر بهذا الحديث قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]، مع أنَّ أدنى مَن له إلمام وتذوُّق للُّغة العربيَّة يُدرك تمامًا أنَّ الآيةَ بَيان بَلاغيٌّ تخويفيٌّ رائعُ التَّعبير عن مَدى سِعة جهنَّم، دون أن يُقصَد منه أنَّ هناك مخاطبةٌ حقيقيَّة، لجهنَّم وإجابة مِن قِبلها! هذا عَدا عن أنَّه لا ذِكر في الآيةِ لقَدَم الجبَّار أو رجلِه .. » (١). وليتَ هؤلاءِ سَلكوا في الحديث ما سلكه (رشيد رضا) مِن تأويلِه متحاشيًا إنكاره (٢). المعارضة السَّادسة: أنَّه من المُحال أن تَتبرَّمَ الجنَّة مِمَّن فيها مِن أولياءِ الله تعالى وإن كانوا ضَعفة، وتغتبطَ النَّارُ بمَن فيها مِن المُتجبِّرين! وهذا ما ظَهَر للموسويِّ مِن الحديث، فيقول: «فأيُّ فضلٍ للمُتجبِّرين والمتكبِّرين لتفتخرَ بهم النَّار، وهم يَومئذٍ في أسفلِ سافلين؟! وكيف تظنُّ الجنَّة أنَّ الفائزين بها من سَقطة النَّاس، وهم مِن الَّذين أنعمَ الله عليهم بين نبيٍّ وصدِّيق وشهيد وصالح؟! ما أظنُّ الجنَّة والنَّار قد بلَغ بهما الجهلُ والحمقُ والخرفُ إلى هذه الغاية» (٣).

стр. 841

المَطلب الثَّالث دفع المعارضات الفكريَّة المعاصرة للتَّفسير النَّبوي لآية: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ أمَّا قول المعترضِ في المعارضةِ الأولى: أنَّ جَهنَّم لن تضيقَ بِمَن فيها مَهما بلغَت أعدادُهم، فيُقال في الجواب عنه: إنَّ الآية مُحتملةٌ لمَعنيْين: الأوَّل منهما: أنَّ السُّؤالَ فيها جاء سؤالَ نَفيٍ، بمعنى: أنَّها تُخبر ألَّا احتمالَ لها لمزيدِ حيث امتلأت، فالآية بهذا المعنى مُتوائمة مع مدلول الحديث. المعنى الثَّاني: أنَّ السُّؤال فيها سؤال طَلبٍ واستزادة، فحيث بَقي فيها مُتَّسَع لذلك، استزادت مِن ربِّها وَقودها. ذَكر الطَّبري كِلا المَعنيْين اللَّذَين تَفرَّق عنهما قولُ أهلِ التَّفسير، ثمَّ رَجَّح المعنى الثَّاني مَقصودًا للآية، فقال: «وَأوْلى القَولين في ذلك عندي بالصَّواب، قول مَن قال: هو بمعنى الاستزادة، هل مِن شيءٍ أَزدَاده؟ وإنَّما قُلنا ذلك أولى القولين بالصَّواب: لِصحَّة الخبرِ عن رسولِ الله ﷺ .. » (١). ثمَّ ذَكَر حديثَ أبي هريرة ﵁ ونحوَه مِن أحاديث هذا الباب.

стр. 842

والجمعُ بين هذا المعنَى الثَّاني ودلالةِ الحديث على امتلاءِ جَهنَّم مُتناولٌ مَيسور بفضلِ الله، وذلك أن نقول: بأنَّ جَهنَّم لن تَزال تَطلبُ المزيدَ مِن ربِّها، حتَّى يضَع عليها الجبَّار سبحانه قدَمه، فيُزوى بعضها إلى بعضٍ، وتَضيق، حتَّى تَمتلِئ بذلك. وفي تقريرِ هذا الوجهِ القَويم من التَّوفيق بين النَّصَّين يقول ابن تيميَّة: «الصَّحيح أنَّها تقول: ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ على سبيلِ الطَّلب، أي: هل مِن زيادةٍ تُزاد فيَّ؟ والمَزيد ما يَزيده الله فيها مِن الجنِّ والإنس، كما في الصَّحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ -وذكر حديثنا هذا-. فإذا قالت: حَسبي، حَسبي! كانت قد اكتفَت بِما أُلقي فيها، ولم تقُل بعد ذلك: هل مِن مَزيد، بل تَمتلئ بما فيها، لانزواءِ بعضها إلى بعض؛ فإنَّ الله يُضيِّقها على مَن فيها لِسعَتها، فإنَّه قد وَعدها ليَملأنَّها مِن الجِنَّة والنَّاس أجمعين، وهي واسعةٌ فلا تَمتلئ، حتَّى يُضيِّقها على مَن فيها» (١). وفضلًا عن هذا الجواب، يُمكن أن يُزاد عليه فيُقال: إنَّه يجوز أن يُقالَ للشَّيء: هو مُمتلئ، مع أنَّ فيه مَكانًا -ولو صَغُر- لا يَزال فارغًا! نبَّه عليه الدَّارمي في مَعرضِ تبكيتِه لِمن رَدَّ هذا الحديث، فقال: «يجوز في الكلامِ أن يُقال لممتلئٍ: استزادَ، كما يَمتلئ الرَّجل من الطَّعام والشَّراب، فيقول: قد امتلأتُ وشبعتُ، وهو يقدِر أن يزداد، كما يُقال: امتلَأ المسجد مِن النَّاس، وفيه فضلٌ وسِعة للرِّجال بعدُ، وامتلأ الوادي ماءً، وهو محتملٌ لأكثر منه .. » (٢). وأمَّا دعوى المُعترضِ استنكارَه للقدَمِ أن تكون صِفةً لله تعالى في المعارضةِ الثَّانية، فجوابه أن يُقال: إنَّ مِن لوازم الإيمان بالله تعالى الإيمان بما وَصَف به نفسَه في كتابه، ووَصَفه به رسوله ﷺ في سُنَّتِه، مِن غيرِ تحريفٍ ولا تعطيل، ومِن غير تكيِيفٍ

стр. 843

ولا تمثيل، مع قطعِ الطَّمَع عن إدراكِنا لكيفيَّةِ تلك الصِّفات، لقولِه تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه: ١١٠]، وتنزيهِه سبحانه أن يُشبِه شيءٌ مِن صفاتِه شيئًا مِن صفاتِ المخلوقين، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. ومعلوم أنَّ السَّمع والبصر مِن حيث هما سَمع وبَصر يتَّصِف بهما جميع الحيوانات، والله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. فكأنَّ الله يُشير للخلقِ: ألَّا يَنفوا عنه صِفةَ سمعِه وبصرِه، بدعوى أنَّ الحوادثَ تَسمع وتُبصر، بدعوى أنَّ ذلك تَشبيه؛ بل عليهم أن يُثبِتوا له صفةَ سمعِه وبصِره على أساسِ ليس كمثله شيءٌ؛ فالله ﷻ له صفات لائقةٌ بكمالِه وجلالِه، وللمخلوقات صفاتهم المناسبة لحالهِم، وكلُّ هذا حَقٌّ ثابت لا شكَّ فيه، وصِفة الربِّ أعلى وأكمل وأجلُّ مِن أن تُشبه صفاتِ المخلوقين (١). هذا التَّأصيل العَقديُّ في باب الأسماء والصِّفات يشمل نَوعَيْ أدِلَّة هذا الباب: الصِّفات الشَّرعيَّة العقليَّة: وهي الَّتي يَشترك في إثباتِها الدَّليل السَّمعي، والدَّليل العقلي. والصِّفات الخَبريَّة: وهي الَّتي لا سَبيل إلى إثباتِها عقلًا إلَّا بطريقِ الخبرِ عن الله تعالى أو رسولِه ﷺ ؛ وهذه بدورها تكون فعليَّة: كالفَرح، والغَضب، والاستواءِ، وتكون ذاتيَّة: كالوَجه، واليَدين. فمِن هذا القسم الأخيرِ صِفة القَدم -كما ثبت في حدِيثِنا هذا وغيرِه ممَّا وَرَد في هذا البابِ- فيجري على هذه الصِّفة الذَّاتية ما يَجري على باقي الصِّفاتِ الثَّابتة شَرعًا، مِن الإيمان بها على ما يَليق بالله تعالى، مِن غير تعطيلٍ ولا تمثيلٍ بصفاتِ المخلوقين، تعالى الله عن ذلك، وفيها يقول أحمد بن حنبل: «قول النَّبي ﷺ : يَضَعُ قدَمَه، نُؤمِنُ به، ولا نردُّ على رسولِ الله ما قال» (٢).

стр. 844

وكذا في تنزيل هذا الأصل على هذه الصِّفةِ، قال الطَّيِبيُّ (ت ٧٤٣ هـ): «القَدَم والرِّجل المَذكوران في هذا الحديث مِن صفات الله تعالى المنزَّهة عن التَّكيِيف والتَّشبيه، وكذلك كلُّ ما جاء مِن هذا القَبيل في الكتاب والسُّنة، كاليَد، والأصِبع، والعَين، والمَجيء، والإِتيان، والنُّزول، فالإيمان بها فَرْض، والامتناعُ عن الخوضِ فيها واجب، والمُهتدي مَن سَلك فيها طريقَ التَّسليم، والخائضُ فيها زائغ، والمنكِر مُعطِّل، والمُكيِّف مُشبِّه» (١). فالحاصل: أنَّه لا يَلزم مِن الاشتراكِ في جنسِ الصِّفة التَّماثلُ في حقيقتِها، وإلَّا لزِمَ مثله في آياتِ الصِّفاتِ الإلهيَّةِ الَّتي يتَّصِف بجنسِها المخلوقُ، وما أكثرَها في كتابِ الله تعالى. فإن زُعِمَ أنَّ هذه مَجاز، فيُقال: فلِمَ لا يُقال مثلَ هذا في تلك الأحاديثِ الَّتي نقضتموها أنَّها مَجاز؟! بل سَعيتم في إبطالِها، ولم يُنقَل عن أحدٍ من مُحَقِّقي المُتكلِّمين الطَّعن في ثبوتِها؛ ولولَا أنَّ الخبرَ ثابتٌ مِن جِهةِ النَّقل، ما تَكلَّف جمهورُهم التَّنقيبَ عن دلالتِه، والخوضَ في تأويلِه (٢). أمَّا ادِّعاء المعارضة الثَّالثِة من أنَّ الخبر يُفيد حصول المُماسَّةِ بين الخالقِ والمَخلوق: فهذا كلام مَن يقيس صفات الله على صِفة المَخلوقِ، أو لم يفهمِ الحديثَ أساسًا! بأنْ تَوهَّم أنَّ قَدَم المولى سبحانه قد وَلَجت جَهَنَّم وبَقيت فيها مُدَّة! تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا؛ وقد تَوهَّم هذا الإفك على أهلِ الإثباتِ من أهل السُّنةِ قَومٌ مِن المُعطلِّة (٣). وهذا جَهل مِمَّن تَوهَّمه أو نَقله عنهم، فإنَّ في الحديث: «حتَّى يَضعَ رَبُّ العِزَّة عليها قدمَه .. »، وهذا لا يَلزم مِنه مماسَّة لا لُغةً ولا عقلًا، فهو كقولِ الله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، و ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ونحوها.

стр. 845

وأمَّا لفظُ الحديث من روايةِ أنسٍ ﵁: «حتَّى يضَع فيها رَبُّ العالمين قدَمه»، فمَجيء (في) فيه بمعنى (على)، كما في قولِ الله تعالى: ﴿وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، والمعنى: على جذوعِ النَّخل (١)، ولأنَّه ضُمِّن مَعنى شدَّةِ الالتصاقِ أُبدِل بحرفِ (في)؛ فكذا أبدِل حرفُ الجرِّ (على) في هذا الحديث بـ (في) لتضمنُّه معنى الإِملاءِ. وأمَّا جواب المعارضة الرَّابعةِ: في دَعوى كونِ الجنَّة والنَّار لا عقلَ لهما ولا مَعرفة ولا حاسَّة، وأنَّ ما وَرَد في الآية الكريمة من كلام جهنَّم لربِّها هو مجاز، فيُقال فيه: حملُ الألفاظ على الحقيقة أصل لا يُحاد عنه إلَّا بقرينةٍ على إرادةِ المخاطِبِ للمَجاز (٢). فأين القرينة هنا؟! وأيُّ مانع شرعيٍّ أو عقليٍّ يَحول دون كلامِ جَهنَّم أو الجنَّةِ وتَمييزِهما إذا أرادَ الله منهما ذلك؟! وقياس عالمِ الغيب على ما عندنا في عالمِ الشَّهادة باطلٌ لا يجوز، وإن كان «لا يَلزم من هذا أن يَكون ذلك التَّميِيزُ فيهما دائمًا» (٣). ورَحِم الله ابنَ المنيِّر (ت ٦٨٣ هـ) على كلماتٍ رصيناتٍ سبكهنَّ في مَعرضِ تعقُّبِه للزَّمخشريِّ حملَه كلامَ النَّار في الآيةَ على المَجاز، يقول فيهنَّ: «نعتقِد أنَّ سُؤال جَهنَّم وجوابها حقيقة، وأنَّ الله تعالى يخلُق فيها الإدراكَ بذلك بشرطِه، وكيف نفرِض وقد وَرَدت الأخبار وتظاهرت على ذلك؟! منها هذا، ومنها: حِجاج الجنَّة والنَّار، ومنها: اشتكاؤُها إلى ربِّها فأذِن لها في نَفَسين. وهذه وإن لم تكن نصوصًا، فظواهرُ يجِبُ حملُها على حقائِقها، لأنَّا مُتعبَّدون باعتقادِ الظَّاهرِ، ما لم يَمنع مانع، ولا مانع هاهنا، فإنَّ القدرة صالحة،
следующие страницы →