المَطلب الثَّالث
دفع المعارضات الفكريَّة المعاصرة
للتَّفسير النَّبوي لآية: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾
أمَّا قول المعترضِ في المعارضةِ الأولى: أنَّ جَهنَّم لن تضيقَ بِمَن فيها مَهما بلغَت أعدادُهم، فيُقال في الجواب عنه:
إنَّ الآية مُحتملةٌ لمَعنيْين:
الأوَّل منهما: أنَّ السُّؤالَ فيها جاء سؤالَ نَفيٍ، بمعنى: أنَّها تُخبر ألَّا احتمالَ لها لمزيدِ حيث امتلأت، فالآية بهذا المعنى مُتوائمة مع مدلول الحديث.
المعنى الثَّاني: أنَّ السُّؤال فيها سؤال طَلبٍ واستزادة، فحيث بَقي فيها مُتَّسَع لذلك، استزادت مِن ربِّها وَقودها.
ذَكر الطَّبري كِلا المَعنيْين اللَّذَين تَفرَّق عنهما قولُ أهلِ التَّفسير، ثمَّ رَجَّح المعنى الثَّاني مَقصودًا للآية، فقال: «وَأوْلى القَولين في ذلك عندي بالصَّواب، قول مَن قال: هو بمعنى الاستزادة، هل مِن شيءٍ أَزدَاده؟ وإنَّما قُلنا ذلك أولى القولين بالصَّواب: لِصحَّة الخبرِ عن رسولِ الله ﷺ .. » (١).
ثمَّ ذَكَر حديثَ أبي هريرة ﵁ ونحوَه مِن أحاديث هذا الباب.
стр. 842
والجمعُ بين هذا المعنَى الثَّاني ودلالةِ الحديث على امتلاءِ جَهنَّم مُتناولٌ مَيسور بفضلِ الله، وذلك أن نقول: بأنَّ جَهنَّم لن تَزال تَطلبُ المزيدَ مِن ربِّها، حتَّى يضَع عليها الجبَّار سبحانه قدَمه، فيُزوى بعضها إلى بعضٍ، وتَضيق، حتَّى تَمتلِئ بذلك.
وفي تقريرِ هذا الوجهِ القَويم من التَّوفيق بين النَّصَّين يقول ابن تيميَّة: «الصَّحيح أنَّها تقول: ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ على سبيلِ الطَّلب، أي: هل مِن زيادةٍ تُزاد فيَّ؟ والمَزيد ما يَزيده الله فيها مِن الجنِّ والإنس، كما في الصَّحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ -وذكر حديثنا هذا-.
فإذا قالت: حَسبي، حَسبي! كانت قد اكتفَت بِما أُلقي فيها، ولم تقُل بعد ذلك: هل مِن مَزيد، بل تَمتلئ بما فيها، لانزواءِ بعضها إلى بعض؛ فإنَّ الله يُضيِّقها على مَن فيها لِسعَتها، فإنَّه قد وَعدها ليَملأنَّها مِن الجِنَّة والنَّاس أجمعين، وهي واسعةٌ فلا تَمتلئ، حتَّى يُضيِّقها على مَن فيها» (١).
وفضلًا عن هذا الجواب، يُمكن أن يُزاد عليه فيُقال:
إنَّه يجوز أن يُقالَ للشَّيء: هو مُمتلئ، مع أنَّ فيه مَكانًا -ولو صَغُر- لا يَزال فارغًا! نبَّه عليه الدَّارمي في مَعرضِ تبكيتِه لِمن رَدَّ هذا الحديث، فقال: «يجوز في الكلامِ أن يُقال لممتلئٍ: استزادَ، كما يَمتلئ الرَّجل من الطَّعام والشَّراب، فيقول: قد امتلأتُ وشبعتُ، وهو يقدِر أن يزداد، كما يُقال: امتلَأ المسجد مِن النَّاس، وفيه فضلٌ وسِعة للرِّجال بعدُ، وامتلأ الوادي ماءً، وهو محتملٌ لأكثر منه .. » (٢).
وأمَّا دعوى المُعترضِ استنكارَه للقدَمِ أن تكون صِفةً لله تعالى في المعارضةِ الثَّانية، فجوابه أن يُقال:
إنَّ مِن لوازم الإيمان بالله تعالى الإيمان بما وَصَف به نفسَه في كتابه، ووَصَفه به رسوله ﷺ في سُنَّتِه، مِن غيرِ تحريفٍ ولا تعطيل، ومِن غير تكيِيفٍ
стр. 843
ولا تمثيل، مع قطعِ الطَّمَع عن إدراكِنا لكيفيَّةِ تلك الصِّفات، لقولِه تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه: ١١٠]، وتنزيهِه سبحانه أن يُشبِه شيءٌ مِن صفاتِه شيئًا مِن صفاتِ المخلوقين، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
ومعلوم أنَّ السَّمع والبصر مِن حيث هما سَمع وبَصر يتَّصِف بهما جميع الحيوانات، والله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
فكأنَّ الله يُشير للخلقِ: ألَّا يَنفوا عنه صِفةَ سمعِه وبصرِه، بدعوى أنَّ الحوادثَ تَسمع وتُبصر، بدعوى أنَّ ذلك تَشبيه؛ بل عليهم أن يُثبِتوا له صفةَ سمعِه وبصِره على أساسِ ليس كمثله شيءٌ؛ فالله ﷻ له صفات لائقةٌ بكمالِه وجلالِه، وللمخلوقات صفاتهم المناسبة لحالهِم، وكلُّ هذا حَقٌّ ثابت لا شكَّ فيه، وصِفة الربِّ أعلى وأكمل وأجلُّ مِن أن تُشبه صفاتِ المخلوقين (١).
هذا التَّأصيل العَقديُّ في باب الأسماء والصِّفات يشمل نَوعَيْ أدِلَّة هذا الباب:
الصِّفات الشَّرعيَّة العقليَّة: وهي الَّتي يَشترك في إثباتِها الدَّليل السَّمعي، والدَّليل العقلي.
والصِّفات الخَبريَّة: وهي الَّتي لا سَبيل إلى إثباتِها عقلًا إلَّا بطريقِ الخبرِ عن الله تعالى أو رسولِه ﷺ ؛ وهذه بدورها تكون فعليَّة: كالفَرح، والغَضب، والاستواءِ، وتكون ذاتيَّة: كالوَجه، واليَدين.
فمِن هذا القسم الأخيرِ صِفة القَدم -كما ثبت في حدِيثِنا هذا وغيرِه ممَّا وَرَد في هذا البابِ- فيجري على هذه الصِّفة الذَّاتية ما يَجري على باقي الصِّفاتِ الثَّابتة شَرعًا، مِن الإيمان بها على ما يَليق بالله تعالى، مِن غير تعطيلٍ ولا تمثيلٍ بصفاتِ المخلوقين، تعالى الله عن ذلك، وفيها يقول أحمد بن حنبل: «قول النَّبي ﷺ : يَضَعُ قدَمَه، نُؤمِنُ به، ولا نردُّ على رسولِ الله ما قال» (٢).
стр. 844
وكذا في تنزيل هذا الأصل على هذه الصِّفةِ، قال الطَّيِبيُّ (ت ٧٤٣ هـ): «القَدَم والرِّجل المَذكوران في هذا الحديث مِن صفات الله تعالى المنزَّهة عن التَّكيِيف والتَّشبيه، وكذلك كلُّ ما جاء مِن هذا القَبيل في الكتاب والسُّنة، كاليَد، والأصِبع، والعَين، والمَجيء، والإِتيان، والنُّزول، فالإيمان بها فَرْض، والامتناعُ عن الخوضِ فيها واجب، والمُهتدي مَن سَلك فيها طريقَ التَّسليم، والخائضُ فيها زائغ، والمنكِر مُعطِّل، والمُكيِّف مُشبِّه» (١).
فالحاصل: أنَّه لا يَلزم مِن الاشتراكِ في جنسِ الصِّفة التَّماثلُ في حقيقتِها، وإلَّا لزِمَ مثله في آياتِ الصِّفاتِ الإلهيَّةِ الَّتي يتَّصِف بجنسِها المخلوقُ، وما أكثرَها في كتابِ الله تعالى.
فإن زُعِمَ أنَّ هذه مَجاز، فيُقال: فلِمَ لا يُقال مثلَ هذا في تلك الأحاديثِ الَّتي نقضتموها أنَّها مَجاز؟! بل سَعيتم في إبطالِها، ولم يُنقَل عن أحدٍ من مُحَقِّقي المُتكلِّمين الطَّعن في ثبوتِها؛ ولولَا أنَّ الخبرَ ثابتٌ مِن جِهةِ النَّقل، ما تَكلَّف جمهورُهم التَّنقيبَ عن دلالتِه، والخوضَ في تأويلِه (٢).
أمَّا ادِّعاء المعارضة الثَّالثِة من أنَّ الخبر يُفيد حصول المُماسَّةِ بين الخالقِ والمَخلوق:
فهذا كلام مَن يقيس صفات الله على صِفة المَخلوقِ، أو لم يفهمِ الحديثَ أساسًا! بأنْ تَوهَّم أنَّ قَدَم المولى سبحانه قد وَلَجت جَهَنَّم وبَقيت فيها مُدَّة! تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا؛ وقد تَوهَّم هذا الإفك على أهلِ الإثباتِ من أهل السُّنةِ قَومٌ مِن المُعطلِّة (٣).
وهذا جَهل مِمَّن تَوهَّمه أو نَقله عنهم، فإنَّ في الحديث: «حتَّى يَضعَ رَبُّ العِزَّة عليها قدمَه .. »، وهذا لا يَلزم مِنه مماسَّة لا لُغةً ولا عقلًا، فهو كقولِ الله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، و ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ونحوها.
стр. 845
وأمَّا لفظُ الحديث من روايةِ أنسٍ ﵁: «حتَّى يضَع فيها رَبُّ العالمين قدَمه»، فمَجيء (في) فيه بمعنى (على)، كما في قولِ الله تعالى: ﴿وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، والمعنى: على جذوعِ النَّخل (١)، ولأنَّه ضُمِّن مَعنى شدَّةِ الالتصاقِ أُبدِل بحرفِ (في)؛ فكذا أبدِل حرفُ الجرِّ (على) في هذا الحديث بـ (في) لتضمنُّه معنى الإِملاءِ.
وأمَّا جواب المعارضة الرَّابعةِ: في دَعوى كونِ الجنَّة والنَّار لا عقلَ لهما ولا مَعرفة ولا حاسَّة، وأنَّ ما وَرَد في الآية الكريمة من كلام جهنَّم لربِّها هو مجاز، فيُقال فيه:
حملُ الألفاظ على الحقيقة أصل لا يُحاد عنه إلَّا بقرينةٍ على إرادةِ المخاطِبِ للمَجاز (٢).
فأين القرينة هنا؟! وأيُّ مانع شرعيٍّ أو عقليٍّ يَحول دون كلامِ جَهنَّم أو الجنَّةِ وتَمييزِهما إذا أرادَ الله منهما ذلك؟! وقياس عالمِ الغيب على ما عندنا في عالمِ الشَّهادة باطلٌ لا يجوز، وإن كان «لا يَلزم من هذا أن يَكون ذلك التَّميِيزُ فيهما دائمًا» (٣).
ورَحِم الله ابنَ المنيِّر (ت ٦٨٣ هـ) على كلماتٍ رصيناتٍ سبكهنَّ في مَعرضِ تعقُّبِه للزَّمخشريِّ حملَه كلامَ النَّار في الآيةَ على المَجاز، يقول فيهنَّ: «نعتقِد أنَّ سُؤال جَهنَّم وجوابها حقيقة، وأنَّ الله تعالى يخلُق فيها الإدراكَ بذلك بشرطِه، وكيف نفرِض وقد وَرَدت الأخبار وتظاهرت على ذلك؟! منها هذا، ومنها: حِجاج الجنَّة والنَّار، ومنها: اشتكاؤُها إلى ربِّها فأذِن لها في نَفَسين.
وهذه وإن لم تكن نصوصًا، فظواهرُ يجِبُ حملُها على حقائِقها، لأنَّا مُتعبَّدون باعتقادِ الظَّاهرِ، ما لم يَمنع مانع، ولا مانع هاهنا، فإنَّ القدرة صالحة،
стр. 846
والعقل يجوِّز، والظَّواهر قاضيةٌ بوقوع ما صَوَّره العقل، وقد وَقع مثل هذا قَطعًا في الدُّنيا، كتسليمِ الشَّجر، وتسبيحِ الحَصا في كفِّ النَّبي ﷺ وفي يدِ أصحابه.
ولو فُتِح باب المَجاز والعُدول عن الظَّواهر في تفاصيلِ المقالة، لاتَّسع الخرق، وضَلَّ كثير مِن الخلق عن الحقِّ» (١).
فالحاصل أنَّ ما في هذه النُّصوصِ من المحاجَّة جاريةٌ على التَّحقيق، وعلى فَرضِ احتمالِ الآية لكلا الحقيقةِ والمجاز، فقد جاءت السُّنة تُعيِّن المُرادَ منهما، فوَجب الأخذُ بها مُبيِّنةً، وطرح أيِّ اجتهادٍ عداها.
ومع كونِ «جُلِّ المفسِّرين على أنَّ القولَ في الآيةِ حقيقةٌ» (٢)، فقد نَحى بعضُ المفسِّرين إلى تأويلِ الآية على المجاز، فنَفوا حقيقةَ الحوارِ بين الله تعالى والنَّار (٣)، وآخرونَ منهم توقَّفوا في ترجيحِ المُراد (٤)، إلَّا أنَّهم لم يُقدِموا على ما أقدمَ عليه هؤلاء المُحدَثونَ من الغَمزِ في الحديثِ! إذ كانوا أعقلَ وأكثر اتِّساقًا مِن أن يُنكروا لفظَ خَبرٍ مثلُه كائنٌ في كتابِ الله.
أمَّا قول المُنكرِ في المعارضة السَّادسة أنَّ في الحديث تبرُّمَ الجنَّة مِمَّن فيها من الضَّعفة .. إلخ، فجوابه:
أنَّ المَفهومَ مِن ظاهرِ الحديث معنَيان، لا أرى الحقَّ يحيد عن أحدِهما:
المعنى الأوَّل: أنَّ الجنَّة والنَّار تخاصَمتا في الأفضلِ منهما، فأقامَت كلُّ واحدةٍ منهما الحجَّة على أفضليَّتها.
وهذا المعنى أبان عنه أبو زرعة العِراقيُّ (ت ٨٢٦ هـ) بقوله: «الظَّاهر أنَّ المُراد بتحاجُج الجنَّة والنَّار: تخاصمُهما في الأفضلِ منهما، وإقامةُ كلٍّ منهما الحجَّة على أفضليَّتها، فاحتجَّت النَّار بقهرِها للمُتكبِّرين والمتجبِّرين، واحتجَّت الجنَّة بكونِها مَأوى الضُّعفاء في الدُّنيا، عوَّضهم الله تعالى عن ضعفهم الجنَّة،
стр. 847
فقطع التَّخاصمَ بينهما، وبيَّن أنَّ الجنَّة رحمتُه، أي: نعمتُه على الخلق، .. وأنَّ النَّارَ عذابه النَّاشئ عن غضبه، وإرادةِ انتقامِه جلَّ وعلا» (١).
والمعنى الثَّاني: أنَّ المحاجَّة والتَّخاصُمَ بينهما ليسَ للمغالبة، بل بمعنى حكاية كلٍّ منهما بما اختُصَّت به على وجهِ الشِّكاية (٢)، كأنَّ كلَّ واحدةٍ منهما تُنكِر ما ابتُليَت به.
وهذا المعنى ما أميلُ إلى كونِه الأرجح -إن شاء الله تعالى- لسياق الحديث؛ فانظر كيف ردَّ عليهما الله تعالى فقال للجنَّة: «أنتِ رحمتي»، وللنَّار: «أنتِ عذابي»! وكأنَّ فيه إفحامًا لكلٍّ منهما بما اقتضته مشيئته ، بألَّا مَشيئة لهما إزاء مَشيئته.
وفي تقريرِ هذا المعنى، يقول الكُورَانيُّ (ت ٨٩٣ هـ) في مَعرضِ ردِّه على أربابِ المَعنى الأوَّل: «إنَّ الخصام هنا مَجاز عن الشِّكاية، ألا تَرى إلى قول كلِّ واحدةٍ: (ما لها لا يدخلها إلَّا كذا -قول الجنة- من الضُّعفاء والسَّقط)، وقول النَّار: (ما لي لا يدخلني إلَّا المتكبِّرون والجبَّارون)؟ وهل يُعقل أن تفتخِر بمثلِ هذه الأشياء؟! وهل يُقال في معرضِ الافتخار: (ما لي)؟! ألا ترى قول سليمان: ﴿مَالِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠]، كأنَّه يَرى نقصًا في مُلكِه! .. فقال الله للجنَّة: (أنتِ رحمتي، وللنَّار: أنت عذابي) أي: أنتما تحت مَشيئتي لا إرادة لكما» (٣).
وأمَّا استنكارُ المعترِض تنكُّرَ الجنَّة في الحديثِ لصِفاتِ مَن دخَلها، بكونِهم سَقطَ (٤) النَّاس وضعفائِهم .. إلخ:
فيُقال: إنَّ شكايةَ الجنَّة مِن صِفةِ ساكنِيها هو باعتبارِ الأغلب لا الكُلِّ، فلا يدخل في الشَّكوى الأنبياء، والمُرسلون، والملوك العادلة، والنُّبلاء مِن أهل
стр. 848
العلم، ونحوهم، و «الأشياء تُوصَف بغالِبها، لأنَّ الجنَّة قد يدخُلها غيرُ الضُّعفاء، والنَّارُ قد يدخلها غير المتكبِّرين» (١)، هذا أوَّلًا.
وثانيًا: يمكن أن يُقال هنا: بأنَّ شِكاية الجنَّةَ هي مِن ذاتِ الصِّفاتِ، لا مِن المتَّصِفين بها، بمعنى أنَّها كرِهت أن يكونَ الضَّعف والمَسكنة صفةً لأهلها، وإن كانت هي في واقعِ الأمرِ فَرِحةً بهم، راضِيةً عن أشخاصِهم، والله تعالى أعلم.
المَطلب الأوَّل سَوق التَّفسير النَّبوي لآية: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ﴾
في هذه الآية، يقول النَّبي ﷺ فيما رواه عنه ابن عمر ﵁:
«مفاتيح الغيب خمس، لا يعلمها إلَّا الله: لا يَعلم ما تَغيض الأرحام إلَّا الله، ولا يَعلم ما في غدٍ إلَّا الله، ولا يَعلم مَتى يأتي المَطر أحَدٌ إلَّا الله، ولا تَدري نفس بأيِّ أرض تموت إلَّا الله، ولا يَعلم متى تقوم السَّاعة إلَّا الله» (١).
وفي رواية: «مفاتيح الغَيب خمسٌ» ثمَّ قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]» أخرجهما البخاريُّ (٢).
стр. 851
المَطلب الثَّاني
سَوْق المعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِ
للتَّفسير النَّبوي لآية: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ﴾
تَرجع مُجملُ نَقدَاتِ مُنكِري الحديثِ إلى أصلين:
الأوَّل: ما تَعلَّق منها بجانبِ التَّفسير وكونِه مُصادمًا لنصِّ القرآن نفسِه.
والثَّاني: ما تعلَّق بجانبِ المكتشفاتِ العلميَّة الحديثة.
فنقتصِرُ هنا على الأوَّل منهما لاندراجِه تحت موضوعِ هذا الفصلِ، والكلامَ عن الثَّاني نستوفيه في الفصل الثالث المُتعلِّق بالغيبيَّات -إن شاء الله-.
أمَّا اعتراضاتُ المُعاصرينَ الخاصَّةِ بهذا التَّفسير النَّبوي، فتنحصر في أوجهٍ ثلاثة:
الوجه الأوَّل: أنَّ في الحديثِ حصرَ مفاتحِ الغيبِ في خمسةٍ، والآية أطلَقت علمَ الله بالغُيوبِ، فدلَّت على عدمِ قصرِها على مجرَّد تلك الخمسة.
وفي تقرير هذا الوجه من الاعتراضِ على الحديث، يقول (جواد عفانة): «أمَّا متنُ هذا الخبِر فتفسيرٌ خاطئٌ للآيةِ الكريمةِ، .. فكيف حَصَرها الرَّاوي بخمسةٍ فقط؟! .. ومَفاتح الغيب لا يعلَم عدَدَها وماهيتَها إلَّا الله!» (١).
стр. 852
الوجه الثَّاني: أنَّ الآيةَ لا تفيدُ اختصاصَ العلمِ بنزولِ الغيثِ، ولا العلمِ بما في الأرحامِ بالله تعالى وحده، كما يُفهِمه الحديث، بدلالةَ التَّغايرِ في التَّعبير في الآيةِ بين جملة إنزال الغَيث، فجاءت فعليَّة، وبين جملةِ (العلمِ بالسَّاعة) المَعطوفةِ عليها، حيث جاءت جملةً اسميَّة.
وفي تقريرِ هذه الشُّبهة، يقول (جعفر السُّبحاني): «لا شَكَّ أنَّ النَّبي ﷺ إذا أخبرَ بأنَّ ثمَّة أمورًا خمسة لا يعلمها إلَّا الله، يحتَّم علينا القبول، لأنَّه خبر صادق مصدَّق، إنَّما الكلام إذا حاولنا استخراجَ هذا الخبر الغَيبيِّ مِن الآية الواردة في آخرِ سورةِ لقمان، فالظَّاهر أنَّ الآية لا تدلُّ على الانحصار إلَاّ في مَوارد ثلاثة:
علم السَّاعة: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾.
العلمُ بما يكسِبه الإنسان في غَدِه: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾.
العلمُ بالأرض الَّتي تموت فيها: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾.
هذه الأمور الثَّلاثة ممَّا استأثر الله سبحانه علمها لنفسه، وأمَّا الأمران الباقيان فلا دلالة في الآية على الاستئثار!
أمَّا الأوَّل، أعني قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾: فهو إخبارٌ عن كونِه سبحانه مُنزِّلَ الغيث، ولا دلالةَ في قولِه على استئثارِ علمِ النُّزولِ بنفسه، ويشهد لذلك تغيير الصِّيغة بين المعطوف عليه والمعطوف، فالمعطوف عليه جملة اسميَّة ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾، والمعطوف جملة فعليَّة ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾، فلو كانت الجملة الثَّانية هادفةً لبيانِ الانحصار، كان الأنسبُ أن يقول: (ونزولُ الغيث)!
وأمَّا الثَّاني: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾: فهو بصددِ إثباتِ العلمِ لله سبحانه، لا بصددِ النَّفيِ عن غيرِه، واستفادة النَّفي منه يحتاج إلى دليلٍ قاطعٍ» (١).
الوجه الثَّالث: لو كان هذا الحديث وَحيًا حقًّا، لما استُعمِل لفظُ (المَطَر) فيه بَدلَ لفظ (الغَيث)، فهو الَّذي جاءَ في الآية، إذْ دلالةُ الأوَّل في القرآنِ على الشَّر، ودلالة الثَّاني فيه على الخير.
стр. 853
حتَّى جَعلَ (نيازي عزُّ الدِّين) هذا الوجهَ قاطعًا على وضعِ الحديثِ! مُدَّعيًا جهلَ راويهِ بأسلوب القرآن، فتراه يقول: « .. إنَّ راويَ الحديث وضَعَ بصمة التَّأليفِ بيدِه في قوله: «وما يدري أحدٌ متى يجيء المَطر»، فإنَّ الله سبحانه لم يستخدِم في كلِّ القرآن كلمةَ المطر إلَّا غَضبًا على العِباد، أمَّا إذا كان خيرًا استخدمَ الغيث!
فلو كان -فِعلًا- وَحيًا ثانيًا مِن السَّماء كما يدَّعي أهل العلم مِن السُّنة، لوَجَب أن لا يَتناقض مع القرآن في استخدامِ الكلمات، ولوَجَب أن يلتزم في هذا الوحيِ كما التزم في الوحي الأوَّل!» (١).
стр. 854
المَطلب الثَّالث دَفع المعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِ عن حديث: «مفاتح الغيب خَمسٌ»
أمَّا جواب الوجه الأوَّل مِن أوجهِ ردِّ هذا الحديث، في دعوى المُعترضِ مخالفةَ الحديثِ القرآنَ بتقييِده لمفاتح الغيب في خمسة:
فإنَّ المُتحقَّق علمُه عند الرَّاسخين في علمِ الوَحيَيْن، أنَّ أوْلى ما سَلكوه مِن طُرقٍ لتَفسيرِ كلامِ الله كلامُ الله نفسُه، ثمَّ تفسيرُهم إيَّاه بكلامِ أعلَمِ الخلقِ به ﷺ .
ومِن جميلِ مُوافقاتِ هذا الحديثِ وفضائلِه، أنَّه جَمَع بين هذين المَسلَكينِ الحُسنيَيْن؛ فإنَّ فيه تفسيرًا نَبويًّا لِما أُجمِل في القرآنِ بالقرآنِ، وهذا الرَّبطُ النَّبويُّ بين الآيَتين لا ريبَ في حُرمةِ فَكِّه ولو باجتهاد، اللَّهم إلَّا عند مَن لا يرفعُ للسُّنةِ رأسًا، فهؤلاء حَقُّهم أن يُرجَع بهم إلى أصولِ الإسلامِ بقناعة، واستِتابتِهم عن غيِّهم وشذوذِهم عن الجماعةِ.
أقول هذا؛ لأنَّ مثلَ (جواد عفانة) حينَ تَأبَّط شرَّ هذه الشُّبهة، كان قد لهجَ بقدرِ السُّنة قبلُ وتبرَّم مِن إنكارها، ولا يَفتأ يُذَكِّر مُعجَبيهِ بـ «أنَّ الذِّكرَ هو القرآن، وأنَّ السُّنةَ هي بيانُه، بما يُفهَم منه أنَّ السُّنة تبيِّن القرآن: تُفصِّل بعضَ مُجملِه، وتقيِّد بعضَ مُطلقِه، وتخصِّصُ بعض عمومِه، ولا شيء غيره» (١).
стр. 855
فأين تَقريرُه الحلوُ هذا مِن مَرارةِ إنكارِه تفسيرَ آيةٍ بسُنَّةٍ تَلقَّتها الأمَّة بالقَبول؟! لكنَّه الفَهمُ السَّقيم حين يَتجَرَّع الهَوى، فيجعلُ الدَّاءَ في أصلِ الدَّوَا؛ والهادي هو الله.
فلننظُر بعدُ إلى حديثِ أبي هريرة هذا: هل فيه حصرٌ لمَفاتح الغيبِ في خمسةٍ بعينِها، دون أن يشملَ ذلك عالمَ الغَيبِ كلِّه، كما يدَّعي المعترض؟
إنْ كان قولُه تعالى المُجمَل: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ ... ﴾ دَالًّا على شُمولِ علمِ الله تعالى لكلِّ شيءٍ، بَدءً مِن الكُليَّات وما عَظُم منها -وهي مفاتح الغيب-، إلى الجزئياتِ الدَّقيقة وما خَفي منها: فغايةُ ما في الآيةُ الأخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ... ﴾ تفصيلُ أصولِ تلك الغَيبيَّاتِ في الآية السَّابقة، بحصرِها في خمسةٍ كبرى ترجع إليها سائر المُغيَّبات.
بيان ذلك:
في أنَّ تخصيصَ الحديثَ لتلكم الخمسةِ المذكورةِ فيه بلفظِ: «مَفاتح الغيب»، إنَّما هو باعتبارِ أنَّ تلك الخمسة هي «الأمَّهات، فإنَّ الأمورَ إمَّا أن تَتَعلَّق:
بالآخرة: وهو عِلم السَّاعة.
أو بالدُّنيا: وذلك إمَّا مُتعلَّق: بالجمادِ المَأخوذِ مِن الغَيب.
أو بالحيوانِ في مَبدئِه: وهو ما في الأرحام.
أو معاشِه: وهو الكَسب.
أو معادِه: وهو المَوت» (١).
وهذا ما قرَّره ابنُ عطيَّة مُرادًا للحديثِ بقوله: «لن تجِدَ مِن المُغيَّبات شيئًا إلَّا هذه -يعني الخمسة- أو ما يُعيده النَّظرُ والتَّأويلُ إليها» (٢).
стр. 856
أمَّا وجهُ التَّعبير عنها بالمفاتيحِ: فـ «لتقريبِ الأمرِ على السَّامع، لأنَّ كلَّ شيءٍ جُعل بينك وبينه حجابٌ فقد غُيِّب عنك، والتَّوصُّل إلى معرفتِه في العادةِ مِن الباب، فإذا أُغلِق الباب، احتِيج إلى المفتاح، فإذا كان الشَّيء الَّذي لا يُطلَّع على الغيبِ إلَّا بتوصيله لا يُعرَف موضعُه، فكيف يُعرف المُغيَّب؟!» (١).
ثمَّ دعوى المُعترضِ في الوَجه الثَّاني عدمَ دلالةِ الآية على استئثارِ الله تعالى بعلمِ نزولِ الغيث وما في الأرحامِ:
لا يقوم على ساقِ العقلِ لكلامِ اللهِ ورسولِه، وهو مُنكر مِن القَولِ، لم ينبِس به أحدٌ مِن الأوَّلين والآخرين مِن أهلِ المِلَّة، وإجماعُ أهلِ السُّنة قائمٌ على اختصاصِ علمِ الله تعالى بهذه الخمسِ.
ومجادلةُ المعترضِ بتَغايُرِ صِيَغِ الجُمَل في الآية، ليَتوَسَّل بذلك إلى نَفيِ الاشتراكِ في المَذكوراتِ في معنى الحصرِ: قولٌ أجنبيٌّ عن أهل اللُّغة، يَأباه سياق الآيةِ نفسِها.
فأمَّا لُغةً: فالأصل في (واو) العطفِ أن تفيد اشتراك المَعطوفِ في المعنى المُراد في المَعطوفِ عليه، ولا نزاع في دَلالةِ المعطوف عليه في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ على الحصرِ، ومقتضى ذلك أن يَدلُّ ما عُطِف عليه، مِن إنزالِ الغيثِ والعلم بالأرحامِ على الحصرِ أيضًا.
وأمَّا السِّياق: فالآية لم تُسَق إلَّا تمدُّحًا لله بالاختصاصِ، فإخراجُ بعضِ ما تشمَله دَلالةُ السِّياق إخلالٌ بما سِيق له، وهو منافٍ للبلاغة، وتفتيتٌ لتماسكِ الآية برُمَّتِها.
وفي تقرير هذا الجواب، يقول العِراقيُّ (ت ٨٠٦ هـ): «إنَّه لو لم يكن مَعناه النَّفي (٢) لقلَّت فائدتُه، لأنَّه تعالى عنده عِلم كلِّ شيء، فلا معنى لتخصيصِ هذه الأمورِ بالذِّكرِ إلَّا اختصاصُه بعلمِها» (٣).
стр. 857
أمَّا كون المَعطوفِ عليه جملةً اِسميَّة مُغايرًا لفعليَّةِ المَعطوف: فليس في ذلك إبطالًا لِما قرَّرناه مِن وجوبِ الاشتراكِ، بل هو مُثبتٌ لها مع زيادةِ فائدة، وذلك:
أنَّ الجملة الفِعليَّة المَعطوفة ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ تقديرُها: وإنَّ الله يُنزِّل الغيث، «وهذا يُفيد التَّخصيصَ بتنزيلِ الغَيثِ، والمقصود أيضًا عنده: علم وقتِ نزولِ الغيث، وليس المقصود مُجرَّد الإخبارَ بأنَّه يُنزِّل الغيث، لأنَّ ذلك ليس ممَّا يُنكرونه، ولكن نُظِمت الجملة بأسلوبِ الفعلِ المضارعِ، ليحصُلَ مع الدَّلالةِ على الاستئثارِ بالعلمِ به الامتنانُ بذلك المَعلوم الَّذي هو نعمة، وفي اختيارِ الفعلِ المضارعِ إفادةُ أنَّه يُجدِّد إنزالَ الغيثِ المرَّة بعد المرَّة عند احتياج الأرض ..
وعُطِف عليه ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾، وجِيء بالمضارع فيه: لإفادةِ تكرُّرِ العلمِ بتَبدُّل تلك الأطوار والأحوال، والمعنى: ينفرِد بعلمِ جميع تلك الأطوار الَّتي لا يعلَمُها النَّاس، لأنَّه عطفٌ على ما قُصِد منه الحَصر، فكان المُسنَد الفِعليُّ المتأخِّر عن المسند إليه مُفيدًا للاختصاصِ بالقرينة» (١).
وأمَّا رَدُّ المُعترِض للحديثِ في الوجهِ الثَّالث من المُعارضاتِ، بدعوى أنَّ الحديث استعملَ لفظَ (المطر)، فخالفَ استعمالَ القرآنِ له في العَذابِ:
فإنَّ قولَنا بأنَّ السُّنة وَحي ثاني، لا يَلزم منه تطابُق ألفاظِه مع ألفاظِ الوَحي الأوَّل، فلِكلٍّ خَصائصه الَّتي تُميِّزه، ومَفادُهما واحدٌ لا اختلافَ فيه.
وألسنةَ العَرب قد جَرت على الإبدالِ بين لَفظي (المَطَر) و (الغَيثِ) بلا غَضاضة (٢)، وجاءت بذا الأخبار النَّبويَّة نفسُها عن الجَمٍّ الغَفيرٍ مِن أربابِ البَيانِ وفَصيحِ اللِّسانِ، ما سمِعنا أحدًا منهم اعترَض على الحديثِ كاعتِراضِ مَن ابتُلينا به مِن مُتفيهِقةِ الزَّمَان.
стр. 858
وأمَّا دعوى أنَّ لفظَ (المَطر) لم يَجِئ في القرآن إلَّا للعذابِ: فإنَّ استعمال القرآنِ للمَطرِ في العَذابِ أغْلَبيٌّ (١)، ودعوى الاطِّرادِ يَرُدُّها القرآنُ في نحرِه، ويُكذِّبُ صاحِبَها في وجهِه، صادِحًا في أُذنِه بقولِه: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]!
وبقولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]!
فإنْ جَعَل الإمطارَ في الآيتين عَذابًا، فقد تُوُدِّع مِن عقلِه، وانتهت مقاولةُ مثلِه.
والحمد لله على هدايتِه بفضلِه.
المَطلب الأوَّل سَوق التَّفسير النَّبوي لقولِه تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت النَّبي ﷺ يقول: «يَكشِف ربُّنا عن ساقِه، فيسجُد له كلُّ مؤمنٍ ومؤمنة، فيبقى كلُّ مَن كان يسجد في الدُّنيا رياءً وسمعةً، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طَبقًا واحدًا»؛ أخرجه البخاريُّ (١).
وفي رواية مسلم: « .. فيكشفُ عن ساقٍ، فلا يبقى مَن كان يسجدُ لله مِن تلقاء نفسِه إلَّا أذِن الله له بالسُّجود، ولا يبقى مَن كان يسجد اتِّقاءً ورياءً إلَّا جَعل الله ظهره طبقةً واحدةً» (٢).
стр. 861
المَطلب الثَّاني سَوْق المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ للتَّفسير النَّبوي لآيةِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾
اعتُرضَ على حديثِ أبي سعيدٍ هذا بثلاثِ مُعارضاتٍ تَقضي عند أصحابِها بنكارةِ متنِه:
فأمَّا المعارضة الأولى فقالوا فيها: إنَّ التَّعبيرَ القرآنيَّ بالكَشف عن السَّاقِ استعارة لغويَّة، وغَرَض الآيةِ تَصويرُ هَوْلِ المَشهدِ يَومئذٍ وشِدَّتِه، بينما الرَّاوي يجعلُ هذا التَّعبيرَ المَجازيَّ في الآيةِ حقيقةً في روايتِه، وينسِبُه صِفةً لله تعالى.
وفي تقرير هذا الاعتراض، يقول (إسماعيل الكُرديُّ):
«مِن الواضح أنَّ الرَّاوي يُحاول أن يُفسِّر بهذا الحديث قولَه تعالى في سورة القَلم: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]، مع أنَّ معنى الآية يختلِف تمامًا عن المعنى الَّذي يريد إثباتَه! فالآية تتَحدَّث عن يومٍ عصيبٍ يُكشف فيه عن ساق، وهذا مَجاز عربيٌّ بَليغ مَعروف، يدلُّ على تعاظم الأمرِ واشتدادِ هولِه، وهو ما فَسَّر به عبد الله بن عبَّاس الآيةَ» (١).
وأمَّا المعارضة الثَّانية: أنَّ في هذا الحديث ذِكرًا لاختبارٍ يَجري للنَّاس يومَ القيامة، مع أنَّ الآخرةَ إنَّما هي دارُ جَزاءٍ لا دارَ اختبار كالدُّنيا.
стр. 862
وفي تقرير هذا الاعتراض الثَّاني، يقول (محمَّد الغزالي): «قالوا: إنَّ السَّاق هي العَلامة الَّتي يَعرِف بها المؤمنون ربَّهم في امتحانِ عَصيبٍ يجري لهم يوم القيامة .. وليست الآخرة دارَ اختبارٍ، إنَّ الاختبار تمَّ في الدُّنيا، كما جاء في البخاري: اليومَ عملٌ ولا حساب، وغدًا حسابٌ ولا عَمل» (١).
وأمَّا المعارضة الثَّالثة: فإنَّ في نِسبة السَّاقِ صِفةً لله تعالى تَشبيهًا له سبحانه بصفاتِ خلقِه، وهو منافٍ للتَّنزيه الواجب له عقلًا وشرعًا.
فبعد أن ذَكَر (الغَزاليُّ) ما وَرد عن ابنِ عبَّاس ﵁ في تفسيرِ الآيةِ بالشِّدة، قال:
«ما نعرفُ إلَّا هذا التَّفسيرَ للوَحيِ الكريم؛ حتَّى جاء بعضُ المُولَعِين بمشكلِ الحديثِ وغريبِ الرِّوايات، فذكروا كلامًا آخرَ لا بدَّ مِن كشفِ حقيقته، لخطورةِ مَضامينه وشذوذها عمَّا يَعرف علماء المسلمين .. ».
وبعد أن ساقَ حديثَ أبي سعيدٍ ﵁، استشنعَ متنَه بأنْ قال:
«هذا سِياقٌ غامضٌ، مضطربٌ، مبهَمٌ، وجمهور العلماءِ يرفضُه، ..
والحديثُ كلُّه مَعلول، وإلصاقُه بالآيةِ خَطأ، وبعضُ المَرضى بالتَّجسيمِ هو الَّذي يُشيع هذه المَرويَّات!» (٢).
стр. 863
المَطلب الثالث دفعُ المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ عن التَّفسير النَّبويِّ لآيةِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾
أمَّا دعوى المُنكرِ في شُبهتِه الأولى كونَ التَّعبيرِ في الآية مجرَّدَ استعارةٍ لُغويَّة .. إلخ:
فيُقال في الجواب عنه:
فلا يُنكَرُ قِدَمُ الخلافِ في تفسير هذه الآية مِن سورةِ القَلم مُنذ زَمنِ السَّلف، فقد «قال جماعةٌ مِن الصَّحابةِ والتَّابعين مِن أهلِ التَّأويل: يَبدو عن أمرٍ شديدٍ» (١)، وهو مَنقولٌ عن ابنِ عبَّاس ﵁ وبعضِ أصحابِه، نزوعًا منهم إلى أساليبِ العَربِ في التَّعبِير.
وأصل ذلك: أنَّ الرَّجل كان إذا وَقَع في أمرٍ عظيمٍ يحتاج إلى معاناةٍ وجِدٍّ فيه: شَمَّر عن ساقِه، فاستُعيرت السَّاق في موضعِ الشِّدة (٢).
ونَحا جماعةٌ آخرون مِن الصَّحبِ الكِرامِ إلى روايةِ مثلِ ما في حديثِ
стр. 864
أبي سعيدٍ في كونِ المَكشوف هو ساقٌ هي صِفةٌ لله تعالى، رُوي ذلك عن ابن مسعودٍ، وأبي هريرة ﵃ (١).
والمقرَّر عند أربابِ أصولِ التَّفسير بالإجماع (٢): أنَّ الخِلافَ إذا وَقَع في تفسيرِ مُجملِ آيةٍ من كتابِ الله، وكان فيها مِن النَّبي ﷺ بَيانٌ عنه صَحيح، فلا شكَّ أنَّ السُّنة قاضيةٌ في هذا المَقامِ.
وإنَّما مناطُ الخلاف: في ما إذا كانَ الحديثُ ظاهرًا في تفسيرِ آيةٍ لا نَصًّا فيها، ففي هذه الحالة يُحتمَل الخلاف؛ وما نحن بصَددِ دراستِه مِن حديثِ أبي سعيد ﵁ مِن أوضحِ الأمثلةِ على هذه المسألة! ذلك أنَّ ابنَ عبَّاس ﵁ وإن نَحا في تفسيرِ الآيةِ مَنحًى لُغوِيًّا، وغيرُه أخَذَ فيها بما صَحَّ مِن خبرٍ مَرفوعٍ، فإنَّ ابن عبَّاس ومَن تبِعه لا يُعَدُّون بذا مُخالِفين للتَّفسيرِ النَّبوي نفسِه؛ فإنَّ الحديثَ وإن كان التَّشابه بينه وبين الآيةِ ظاهرًا، لكنْ لم يَنُصَّ صَراحةً على كونِه تَفسيرًا للآية! فتَرجِعُ المسألة حينئذٍ إلى الاجتهادِ.
وفي تقرير هذه القاعدة في خلافِ المُفسِّرين، يقول ابن تيميَّة:
«الصَّحابة ﵃ قد تَنازعوا في تفسيرِ الآية: هل المُراد به الكشفُ عن الشِّدة؟ أو المُراد به أنَّه يَكشف الرَّبُ عن ساقِه؟
ولم يتنازع الصَّحابة والتَّابعون في ما يُذكر مِن آياتِ الصِّفاتِ إلَّا في هذه الآية، بخلاف قولِه: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [ص: ٧٥]، ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [الرحمن: ٢٧] ونحو ذلك، فإنَّه لم يَتنازَع فيها الصَّحابة والتَّابعون.
وذلك أنَّه ليس في ظاهرِ القرآنِ أنَّ ذلك صِفةٌ لله تعالى، لأنَّه قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾، ولم يقُل: (عن ساقِ الله)، ولا قال: (يكشف الرَّب عن ساقِه)، وإنَّما ذَكَر ساقًا مُنكَّرة غيرَ مُعرَّفة ولا مُضافة، وهذا اللَّفظ بمجرَّدِه لا يدلُّ على أنَّها ساقُ الله.
стр. 865
والَّذين جَعلوا ذلك مِن صِفات الله تعالى، أثبتوه بالحديثِ الصَّحيحِ المفسِّرِ للقرآن، وهو حديث أبي سعيد الخدري المخرَّج في «الصَّحيحين»، الَّذي قال فيه: فيكشِف الرَّب عن ساقِه» (١).
فعلى ذلك، أمكننا القولُ بأنَّ الباعثَ لابنِ عبَّاس ﵁ ومن تبعه إلى استعمالِ العُرفِ اللُّغويِّ في تفسيرِ هذه الآية، وتركِ اعتمادِه على الخَبرِ النَّبوي، أحدُ اعتبارين:
الأوَّل: إمَّا أنَّ الحديثَ لم يَبلُغهم، فحمَلوا الآيةَ على المَعهود عندهم مِن لسانِ العَرب (٢).
الثاني: أنْ يكون عارِفًا بالحديثِ، لكن رأى أنَّ النَّبي ﷺ عنَى أمرًا آخرَ لم يتقصَّد به تفسيرَ الآيةِ، فكأنَّ الآيةَ ليست عند ابن عبَّاسٍ مِن آيات الصِّفات أصلًا.
وأصل اعتباري لهذا الثَّاني، راجعٌ إلى أنَّ التَّشابهَ وإن كان مَوجودًا بين الآية والحديث، إلَّا أنَّه شَبَه جُزئيٌ لا كليٌّ، بدلالةِ الظَّاهرِ مِن حديثِ أبي سعيد نفسِه، إذْ فيه: أنَّ مَن يُكشف لهم السَّاق أهلُ الإيمانِ أو مُدَّعِيه مِن المنافقين؛ أمَّا الكُفَّار الصُّرَحاء فقد تبِعوا مَعْبوداتِهم إلى النَّار؛ في حين أنَّا نرى سياقَ الآيةَ في سورةِ القَلم جاءَ كلُّه في الكفَّار، والسُّورة مَكيَّة تخاطِبهم، والنِّفاقُ لم يَظهر بعدُ!
فبهذا رجَّحْنا أنَّ المُرادَ مِن الحديث غيرُ منطبقٍ على الآيةِ بالتَّمام، فليس هو نَصًّا في تفسيرِها (٣).
стр. 866
وبه يُعلَمُ أنَّ ابنِ عبَّاس ﵁ وإن نَحى في تفسيرِ الآيةِ على نَحوِ أهلِ اللُّغةِ، فإنَّ ذلك منه غيرُ مُقتضٍ لنفيِ نفسِ الصِّفةِ المذكورة في الحديث، وقد وردَت هي في خبرٍ آخر عن الشَّارع، فإنَّ انتفاءَ الدَّليل المُعيَّن لا يقتضي انتفاءَ المَدلول (١).
ومِن ثَمَّ قُلنا: إنَّ تفسيرَ ابن عبَّاس ﵁ ومَن تبِعه للآيةِ ليس تأويلًا منه للصِّفة كما تَوهَّمه عنه مَن لم يفهم كلامَه، فليست الآية نَصًّا في ذلك؛ إنَّما أخذ ابن عبَّاس بظاهرِ اللَّفظِ بما يتبادر إلى ذهنِ العَربيِّ إذا خُوطبِ بمثلِه، وهذا الطَّريقُ يُلجَأون إلى سلوكِه في حالِ لم يجدوا في نصوصِ الوَحيِ ما يُبِين عن المُرادِ منها (٢).
وحاصل الكلام في هذا المقام: أنَّ السَّببَ الحقيقيَّ في اختلافِ المتأخِّرين في هذه الآيةِ يرجع إلى اختلافٍ في الرِّوايةِ عن السَّلف:
فمَن ذَهب إلى اعتمادِ الحديثِ تفسيرًا للآية، باعتبارِ التَّشابه الظَّاهرِ بينهما، فهو يَرى أنَّ النَّبي ﷺ قد حَدَّد المدلولَ المُراد من لفظِ السَّاقِ في الآية، فقائلُ هذا سائغٌ قولُه، وله فيه أئِمَّتُه.
стр. 867
ومَن ذَهب في تفسيرِ الآيةِ إلى اعتمادِ اللُّغة، ولم يَرَ الحديثَ واردًا لتفسيرِها: فقولُه سائغٌ، وله فيه أيضًا أئِمَّتُه (١).
الشَّاهد الأهمُّ مِن هذا كلِّه: أنَّ أحَدًا مِن هؤلاء الأئمَّةِ لم يَطعن في خبرِ أبي سعيدٍ ﵁ بأيِّ دعوًى كانت كما فَعَله المُحْدَثون!
وأمَّا جوابُ المعارضةِ الثَّانية: في دعوى المُنكرِ للحديثِ كونَ الآخرةِ دارَ جزاءٍ، لا تَكليفَ فيها بسجودٍ ولا بغيرِه، فيُقال فيه:
إنَّ ما استشهدَ به (الغزاليُّ) مِن كلامٍ أورده البخاريِّ في كتابِه، ليتوصَّل به إلى إبطالِ خبرٍ صحيحٍ، لا يَصِحُّ منه مَسلكًا علميًّا مُعتبرًا في النَّقدِ، لأمرين:
أوُّلاهما: أنَّ الأثرَ الَّذي عَناه بالاستشهادِ، لا يصِحُّ مَرفوعًا إلى النَّبي ﷺ ، كما قد يتوهَّمه مَن لا خبرةَ له بشأنِ مُصنَّفاتِ الحديث، بل هو مَوقوف على عليٍّ ﵁، ونسبة الغزاليِّ له إلى «الصَّحيح» مُطلقًا يُوهِم كونَه في «الصَّحيح» مُسندًا للاحتجاجِ، في حينِ أنَّ البخاريَّ قد ذَكَره مُعَلَّقًا، مُترجِمًا به أحدَ أبوابِ كتابِه لا غير (٢).
ثانيهما: على فرضِ صِحَّةِ هذا الأثرِ عن عليٍّ ﵁ فإنَّ عمومَه غير مُراد، والاستدلال بالعُمومِ لنفيِ الخصوصِ لا يمشي عند الأصوليِّين، وعمومُ هذا الأثرِ يَقتضي قصْرَ الاختبارِ والتَّكليفِ في حالِ الدُّنيا فقط، ونَفْيَ ذلك عن النَّاسِ مُطلقًا مِن لحظةِ الموتِ إلى دخولِ إحدى الدَّارين!
وهذا ما لا يقول به عالِم قَطُّ، ولا حَتَّى الغزاليُّ يقول به، فإنَّه يُثبِت سؤالَ المَلَكيَين للنَّاسِ في البَرزخ وفتنتهم (٣).
стр. 868
ولذا كان الصَّحيح أن يُقال في هذا الباب: إنَّ التَّكليفَ أو الاختبارَ إنَّما يَنقطِعان عند دخولِ دارِ القَرار، أمَّا في البرزخِ وعَرَصاتِ يومِ القيامةِ فلا يَنقطع مُطلقًا، وهذا ما حكاه الأشعريُّ عن مذهبِ أهلِ السُّنةِ والجماعةِ (١)، بل عَدَّه بعضُ المُحَقِّقين مِن المَعلومِ مِن الدِّين بالضَّرورةِ (٢).
لكن هذا التَّكليف وقتئذٍ لا يَقتضي ترتيبَ ثوابٍ أو عقابٍ خاصَّيْنِ على المُكَلَّفين بالضَّرورة، بل الغايةُ منه إظهارُ حالِ المُختَبرين وتقريع مَن خالَف منهم، وهو بذا نوع عقوبة (٣)؛ و «مَن لم يُكلَّف في الدُّنيا يُكلَّف في عَرصات القيامة، وهذا ظاهرُ المناسبةِ، فإنَّ دارَ الجزاءِ لا امتحانَ فيها، وأمَّا الامتحان قبل دارِ الجزاء، فمُمكنٌ لا مَحذور فيه» (٤).
هذا هو المَنقول عن علماءِ السُّنة والحديث، ونقَلَه ابن حجرٍ موافقًا له (٥).
وأمَّا دعواهم في الاعتراضِ الثَّالث: أنَّ ظاهرَ الحديث التَّشبيه والتَّجسيم.
فالجواب عليه: وإن كان مُضمَّنًا في الجوابِ عن المعارضةِ الأولى آنفًا، فقد سَبق الإجابة عن شبيهِه عند الكلامِ عن شبهةِ مَن نَفَى (صِفة القَدم) في مَبحثٍ قبل هذا: في كونِها تُثبَت لله تعالى كما أثبتَها له نبيُّه ﷺ ، مِن غير تَكييفٍ ولا تمثيل لها بصفةِ المَخلوقين، فإنَّ مثلَها مثلُ باقي الصِّفاتِ الذَّاتية، والكلام في هذا الباب واحد، ما يُقال في بَعضِ الصِّفاتِ، يُقال في البعضِ الآخر؛ فلا يُستفصل عن حقيقة ذلك وكيفيَّتِه، ويُفوَّض علم ذلك إلى الله.
стр. 869
الفصل الثالث نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بالغَيبيَّات
المَطلب الأوَّل سَوْق حديث «مفاتيحُ الغيبِ خمسة»
قول الله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩].
فسَّره النَّبي ﷺ بآية أخرى في كتاب الله تعالى، فيما رواه ابن عمر ﵁ عنه ﷺ قال: «مفاتيح الغيب خمس، لا يعلمها إلَّا الله: لا يعلم ما تغيض الأرحام إلَّا الله، ولا يعلم ما في غدٍ إلَّا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحدٌ إلَّا الله، ولا تدري نفس بأيِّ أرض تموت إلَّا الله، ولا يعلم متى تقوم السَّاعة إلَّا الله» (١).
وفي رواية عند البخاري: « .. ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام» (٢).
وفي رواية عند الشَّيخين قال ابن عمر: قال النَّبي ﷺ : «مفاتيح الغيب خمس، ثمَّ قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]» (٣).
стр. 872
المَطلب الثَّاني سَوق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ لحديث «مفاتح الغيب خمسة»
ممَّا أورده المعارضون على حديثِ ابن عمر ﵁، شبهاتٌ تدَّعي معارضته لبعضِ مُكتشفاتِ العلومِ التِّقنيَّة الحديثة، فمِن ذلك:
أوَّلًا: أنَّ الإنسان في هذا العصر المتأخِّر استطاع بواسطةِ ما اخترعه من آلاتٍ رصديَّة معرفةَ أوقات نزول الأمطار في مختلف البلدان، بل وأصبح قادرًا على استمطار الغيومِ نفسها، بما يسمُّونه (المطرَ الصِّناعي).
ثانيًا: أنَّه صار مِن السَّهل معرفة جنس الأجنَّة في الأرحامِ وعددها بتصويرها عن طريق تسليط نوعٍ مِن الأشعَّة الكاشفة على بطونِ الحوامل.
فما دام أنَّ العلم البشريَّ قد توصَّل إلى معرفة هذه الأشياء، فلا يجوز إذن أن تكون قد كَشفتْ ما اختصَّ الله تعالى بعلمِه!
يقول (جواد عفانة) في تقرير هاتين الشُّبهتين: «تُرى؛ لو كانت الآية تقول: ولا يُنزِّل الغيث إلَّا هو، ولا يعلم ما في الأرحام إلَّا هو، فما سيكون موقف المسلمين من القرآن هذه الأيَّام بعد أن صاروا هم أنفسُهم يستطيعون إنزالَ الغيث ومعرفة ما في الأرحام؟!» (١).
стр. 873
المَطلب الثَّالث دفع المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ عن حديثِ «مفاتح الغيب خمس»
تمهيد:
لم يُمهِّد بعضُ الباحثين مِن مُعَظِّمي السُّنَن دراستَه لهذا الحديث بجمعِ النُّصوص الواردة في بابِه أوَّلًا قبل الخوضِ في إشكالاته سبيلًا لإزاحةِ شبهةِ التَّعارض بين ما ثَبت مِن الحقائق العلميَّة في علمِ الأجنَّة الحديث، والتَّفسيرِ الشَّائعِ لعلمِ ما في الأرحام؛ فلم يلبثوا أن أقحموا عِلمَ نوعِ الجنين وصفاتِه الخِلقيَّة في علم الغيب الَّذي لا يعلمه إلَّا الله حقيقةً! وكذا جَعلوا ذاتَ القدرةِ على إنزال المَطر مِن السَّحاب ممَّا اختصَّ به الله وحده؛ قد جعلوا هذا هو المُراد من قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤].
ومن ثمَّ قالوا بنفيِ التَّعارض بين علم البَشر وعلمِ الله لمِا في الأرحام من جهة أنَّ عِلم البَشر علم جزئيٌّ ظنيٌّ، وأنَّ عِلم الله محيطًا شاملًا للذُّكورةِ، والأنوثةِ، والآجال، والأرزاق، والشقاوة، والسَّعادة، ونحو ذلك؛ وكذا جعلوا قدرةَ الله في إنزالِ المطرِ والعلمِ به كاملةً متحقِّقة، مقابل قدرةِ البشر النَّاقصةِ المُتوهَّمة.
стр. 874
هكذا ارتآ بعض المعاصرين التَّوفيق بين الآية وما فهموه مِن الحديث، فأوقعهم هذا التَّفسير الخاطِئ في الخلطِ بين الغَيب المطلقِ المَقصور علمُه على الله تعالى وحدَه -المتمثِّل في مفاتح الغيب الخمس المذكورة في الحديث- وبين علمِ الله المحيط بعالم الشَّهادة مِن المَوجودات، والَّتي يُدرك بعضَه علمُ البَشر، بما يعلمونه مِن سننِ الكون والحياة! مع أنَّ الله تعالى قد فصل بين القضِيَّتين بجلاءٍ في قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَاّ يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَاّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].
فقد دَلَّت هذه الآية على أنَّ مفاتح الغيبِ لا يعلمُها أحدٌ سِواه، وكذلك جملة ما في البرِّ والبَحر لا يعلمُ جميعَه أحدٌ سِواه، لكن لأنَّه مِن علمِ الشَّهادةِ، فقد يحصُل العلمُ ببعضِه لبعضِ خلقِه، مِمَّن توفَّرت لهم أسباب معرفته.
والنَّبي ﷺ قد أخبر أنَّ مفاتحَ الغيب المقصور علمُها على الله في هذه الآية هي الخمس الواردة في آية سورة لقمان، بتحديدٍ ظاهرٍ لا لبسَ فيه.
فعلى هذا يكون العلمُ الأوَّل في الآية ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ﴾: مِن الغيبِ المطلق المتعلِّق بالله سبحانه دون من سواه.
والعلم الثَّاني فيها ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ... ﴾ إلى آخرها: مِن الغَيبِ النِّسبيِّ الَّذي يمكن للمخلوقِ معرفتُه دون إحاطةٍ تامَّة، فهو علم شهادةٍ لِمن علِمه، وغيبًا لمِن فَقَدَ أسبابَ معرفتِه (١).
إذا تبيَّن هذا الفرق بين هذين العِلْمَين، فهل يُمكِن أن يعلمَ البَشر شيئًا مِن مَفاتحِ الغيب؟ والجواب أن يُقال:
إنَّ كلمةَ العلماء مُجمعة على أنَّ مفاتح الغيب الخمسة لا يَعلمها إلَّا الله سبحانه، فلا يخضع أيٌّ منها في كُليَّاتِها وجُزئيَّاتها للسُّنَنِ الكونيَّة المطَّردة في عالم الشَّهادة، ولا يمكن لمخلوقٍ أن يَعلم أيَّ شيءٍ منها اعتمادًا على قوانين الاستكشافِ لهذا الكون المَنظور.
стр. 875
يقول الطَّبري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ﴾: «وعِند الله علم ما غابَ عنكم أيَّها النَّاس مِمَّا لا تعلمونه، ولن تعلموه، ممَّا استأثر بعلمِه نفسه، ويعلم أيضًا مع ذلك جميع ما يعلمُه جميعُكم» (١).
ويقول ابن حجر: «المُراد بالغيبِ المَنفيِّ في قوله تعالى: ﴿قُل لَاّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَاّ اللَّهُ﴾ هو المَذكور في هذه الآية الَّتي في لقمان» (٢).
فنستخلص مِن هذا: أنَّ مَن اعتقدَ أنَّ العلمَ بنوعِ الجنينِ، هو المقصود بالآية مِن علمِ ما في الأرحام، وأنَّه مِن الغيب الَّذي لا يعلمه إلَّا الله: فقد أخطأَ الفهمَ عن الله ورسوله، بل هو مِن عالم الشهادة الخاضعِ لسُننِ المعرفةِ الَّتي بثَّها الله تعالى في خلقِه، والعلماء منذ القديمِ يقرُّون بإمكانِ معرفةِ جنسِ الجنينِ، لم يعدُّوا ذلك مَحظورًا معرفتُه على الخَلقِ.
يقول العِراقيِّ: «قد يحصل لغير الأولياء مَعرفةُ ذكورةِ الحَملِ وأنوثتِه بطولِ التَّجارب، وقد يُخطِئ الظَّنُّ، وتَنخرم العادة» (٣).
والَّذي أوقع بعض المُعاصرين في تلك المَزلَّةِ في الفهم: أخذه بمعنى العمومِ المستفادِ مِن الاسم المَوصول (ما)، في قولِه تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾، لتشملَ عنده معنى جنسِ الجَنين، مع ما يَتبادر في عُرفِ النَّاسِ إذا سألتهم عَمَّا في رَحمِ امرأةٍ حامل، دون تمعُّنٍ منه في ألفاظِ الحديث المفسِّر للآية الكريمة.
شُبهة العِلمِ بوقتِ نزولِ المَطر:
وأمَّا كون الإنسانِ قادرًا على معرفةِ أوقاتِ نزولِ الأمطارِ، كما يظهر في نَشراتِ الأخبار الجَويَّة: فإنَّ الَّذي نَطق به الحديث هو العلم بوقتِ نزولِ الغيث، وليس الظنَّ، أمَّا ما يَصل إليه المُختَصُّون في الأحوالِ الجَويَّة فقُصَاراه أن يكون
стр. 876
ظَنًّا غالبًا باعترافِهم هم، وكلُّنا يَعلم كثرةَ الأخطاءِ في تنبُّؤاتهم، مع ما تَوافر لديهم مِن آلاتٍ دقيقة، وبُدوٍّ لأسباب ما تَنبَّأوا به.
ذلك لأنَّ الجبهات الهوائيَّة، أو المنخفضات الجويَّة، قد تتلاشى، أو تتعمَّق، أو يتغيَّر اتِّجاهها وسرعتها بين لحظةٍ وأخرى فجأةً، دون سابق سَببٍ ظاهر، ولذا تراهم يُؤثِرون تسميةَ ما يتَكلَّمون به في هذا البابِ بـ (التَّوقُّعات)، فلا يجزمون فيه بشيءٍ.
ولو افترضنا جَدلًا أنَّ نسبةَ الخطأ في توقُّعاتهم مُنعدِم في ما يخصُّ نزولَ المطَر، فإنَّ هذه النِّسبة المنعدمةَ لن تكون إلَّا بعد حدوثِ الأسبابِ المباشرةِ الآنيَّةِ لنزولِ الأمطارِ؛ وهذا لم يَقع به التَّحَدِّي في الحديث، لأنَّ ذلك يظهر للعاميِّ أيضًا!
فإنَّك ترى الفلَّاحَ يرى سَحابًا يُمطر أرضًا بعيدةً في الأُفق، وهو يجد الرِّياح وقتها تهبُّ بشدَّة جِهةَ أرضهِ أو بستانِه، فيعلم أنَّ ذلك السَّحابَ مُدركٌ أرضَه بالإمطارِ بإجراءِ الله تعالى العادة بذلك؛ فإذا قال هذا: ستُمطرُ على أرضي بعد قليل إن شاء الله، لم يُعدُّ بذلك مُعتديًا على ما اختصَّ الله بعلمِه.
إنَّ العلم الكامل الحقَّ في هذا أن يُجزمَ بتشكُّلِ منخفضٍ جويٍّ في وقتِ كذا، ومكان كذا، بسرعة كذا، فينجم عنه سقوط أمطارٍ بقدرِ كذا، في ساعة كذا، بل في شهر كذا مِن عام كذا، ثمَّ يصدق قوله في كلِّ مرَّة! هذا الَّذي لا يستطيعه بَشرٌ.
ولو أنَّ مُذيعًا أخبرَ النَّظَّارة، بأنَّ يوم كذا، بعد عامينِ، يكون مَطيرًا، أو ملتهبًا بالشَّمس، لمَا شكَّ سامعوه أنَّها مَزحةٌ للتَّرويحِ عن نفوسِهم!
وأمَّا عن استمطارِ السَّحاب المسمَّى بالمطر الصِّناعي:
فحقيقته: أنَّه عبارة عن إنزالٍ لبخار الماء الموجود في الغيوم، بقذفها ببِلَّورات ثلجيَّة أو أبخرة مستخرجة من الفضَّة، مع شروطٍ أخرى متعلِّقة باتِّجاه الرِّياح، وحرارة الجوِّ، وقابليَّة السُّحب نفسها للإمطار، يساعد ذلك على تشكُّل
стр. 877
النُّويَّات وتكاثف البخار حولها، ثمَّ تحوُّلها إلى قطرات ماء تسقط بعد ذلك، دون قدرة على التحكُّم في كمِّه أو مكانه أو زمانه (١).
وقد أشار الله تعالى إلى الأسباب المخلوقة الَّتي تتمُّ بها عمليَّة الإمطار في بضعِ آياتٍ من كتابه العزيز، منها قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ﴾ [النور: ٤٣].
فهل يستطيع بَشَرٌ تحقيقَ هذه الأسباب، مِن تبخير تلك الكميَّات الضَّخمة من مياه البحار، ثمَّ تكثيفها في درجة برودة معيَّنة يُتحكَّم بها في جوِّ السَّماء، ثمَّ النَّفخ في الهواء لتوليدِ رياحٍ تنقل تلك السُّحب نحو الحقول والمزارع والسُّدودِ، ثمَّ التَّحكُّم في كميَّات المياه المنزلةِ الَّتي يحتاجونها من تلك السُّحب؟!
غاية ما يفعله المُستمطِرون، أن يأتوا إلى السَّبب الأخير مِن تلك العمليَّة المرَكَّبة كلِّها، فيزوِّدوا الغيومَ المتشكِّلة ببعضِ المواد، تحفيزًا لها على إنزال ما تحمله مِن بخار ماء.
فمَثَل ذلك منهم: كمَثل الفلَّاح مع زرعِه يُوفِّر له الظُّروف الملائمة للنُّمو، ويزيد فيه بعض الموادِ لتسريع نبْتِه، أو تكثير غلَّتِه، وليس في هذا ما ينفي أن يكون الزَّرع ممَّا اختصَّ به الله سبحانه على وجه الحقيقة: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٤].
لأجل ذلك، اِرتأى بعضُ علماءِ الأرصادِ الغَربيِّين تخطِئةَ تسميَّةِ هذه العمليَّة بالمطر الصِّناعي، لأنَّها عمليَّة في حقيقتِها لا تصنع مطرًا، واختاروا تسميتها بـ (التَّمطير الصِّناعي)، لأنَّها إنزال شيءٍ هو مَوجود أصلًا (٢).
ومع هذا كلِّه؛ فإنَّ نتائج الاستمطار الصِّناعي لا تزال ضعيفةً إلى الآن، ولا يُمكن الجزم بنتائجِها، الَّتي لا تَتناسب أصلًا مع ضخامةِ الأموالِ الَّتي تُنفَق
стр. 878
عليها، وهو ما حالَ دون تعميمِها في البلدانِ الَّتي تحتاج إلى الأمطار، حتَّى تجد دُوَلًا متقدِّمةً كأستراليا، تلفحها سنينٌ عِجافٌ من الجفافِ، لا تلجأ إلى هذا الاستمطارِ الصِّناعيِّ، لمعرفتها بقلَّة جدواه أو عدمه.
هذا مِنَّا كلُّه من بابِ مجاراة المعترضِ في مجادلتِه؛ وإلَّا فإنَّ قضيَّة الاستمطار خارجة عن محلِّ النِّزاع مِن الأساسِ! لأنَّ المقصور فعلُه على الله تعالى في حديث ابن عمر ﵁ هو: العلم بوقتِ نزول المطر، لا القدرة على إنزال المطرِ في ذاته!
يتبيَّن هذا بصورةٍ أوضح في المقصود بالعلم الإلهيِّ المتعلِّق بما في الأرحام:
حيث جاء الخبر عن رسول الله ﷺ في عدِّ مفاتح الغَيبِ بصيغتين اثنتين:
الصِّيغة الأولى: تُشير إلى الغيوبِ الخمسة بذكرِ آيةِ سورةِ لقمان، وهي رواية عند البخاري عن ابن عمر ﵁ قال: قال النَّبي ﷺ : «مفاتيح الغيب خمس، ثمَّ قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ... ﴾ [لقمان: ٣٤]» (١).
وهي أيضًا في «صحيح مسلم» من رواية ابن عمر في حديث جبريل الطَّويل (٢).
وأمَّا الصِّيغة الثَّانية مِن الخبر: فقد جاء فيها تفصيل الغيوب الخمس من لفظ النَّبي ﷺ نفسه، في قوله: «مفاتيح الغيب خمس، لا يعلمها إلَّا الله: لا يعلم ما تغيض الأرحام إلَّا الله، ولا يعلم ما في غدٍ إلَّا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحدٌ إلَّا الله، ولا تدري نفس بأيِّ أرض تموت إلَّا الله، ولا يعلم متى تقوم السَّاعة إلَّا الله» (٣).
стр. 879
وفي رواية عند البخاري: « .. ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام» (١).
فنلحظ أنَّ الصِّيغتين قد اتَّفقتا في لفظ ثلاث مِن تلك الغيوب: في علمِ السَّاعة، وعدم درايةِ الأنفسِ لكسبِها، ومكان موتِها.
وهذه الثَّلاثة غَيب مطلقٌ لا يعلمه إلَّا الله باتِّفاق، واختلفت الصِّيغتين في اثنتين الباقيتين: في إنزال المطر، وما في الأرحام.
فالصِّيغة الأولى: أشارت إلى أن اللَّفظ العامَّ في قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ هو مفتاح للغيبِ مِن غير تفصيل.
أمَّا الصِّيغة الثَّانية: فقد عَدَلت عن عمومِ المعنى إلى قصدِ التَّخصيص، وذلك أنَّ النَّبي ﷺ قد حَدَّد معنى هذا المُجملِ مِن ذاك العمومِ في الآيةِ بقوله: « .. ولا يَعلم ما تغيضُ الأرحام إلَّا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله .. ».
وإعمالًا للقواعد الأصوليَّة في مثل هذا المقام يكون الجمع بين النَّصين بحملِ العامِّ على الخاصِّ، أي بجعلِ (غَيض الأرحام) و (زمن الإمطارِ) هما الغيب الَّذي لا يعلمه إلَّا الله في الآية، فهما فقط مِفتاحا الغيبِ، لا مُطلقَ ما في الأرحام: مِن ذكورة، وأنوثة، وعلم بصفات الجنين، ولا مطلقَ إنزال الغيث الوارد في عموم الآية الكريمة؛ مع أنَّ في سورة الرَّعد إشارة إلى هذا المعنى المُخصَّص أيضًا، في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨].
فعِلمُ الله تعالى لمِا تحمِل كلُّ أنثى في هذه الآية، كعلمِ الله لما في الأرحام في آية لقمان، مِن حيث دلالة (ما) الموصولة في كِلتيهما على شمولِ علمِه سبحانه لعالمِ الغيبِ والشَّهادةِ في الحمل، هذا المعنى العام المجمَل فُصِّل في قوله بعدها: ﴿وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾.
стр. 880
وعلى هذا نقول: إنَّ علم ما تغيض الأرحام هو مِن الغيب المقصور علمُه على الله تعالى -كما دَلَّ عليه الحديث- أمَّا العِلم المتعلقُّ بازديادِ الأرحام بالأجنَّة، فهو مِن عالم الشَّهادة؛ وعلمُ الله فيه علمُ إحاطةٍ وشمول.
الَّذي يؤكِّد لنا هذا المعنى الآيةُ الَّتي تتلوها مباشرةً، أعني قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩].
ففيها إشارة إلى أنَّ الآية السَّابقة تَضَمَّنت جزءً مِن عالمِ الغيبِ: وهو غيضُ الأرحام، وجزء متعلِّق بعالم الشَّهادة: وهو علم الله المحيط الشَّامل لأحوالِ وصفاتِ حملِ كلِّ أنثى، وما تزداد به أرحامهنَّ.
فما المقصود إذن بغَيْضِ الأرحام؟
يدور لفظ (الغَيْض) في لغةِ العَربِ على معنى: النَّقصِ، والغَور، والذَّهابِ، والنُّضوبِ، يُقال: غاضَ الماء غَيضًا ومَغاضًا: إذا قَلَّ ونَقص، أو غار فَذَهب، أو قلَّ ونَضَب، أو نَزَل في الأرض وغاب فيها، وغاضت الدرَّة: احتبس لبنُها ونقص (١).
وعلى هذه المعاني دارَ تفسير أهل العلم لغَيْضِ الأرحام في الآية، فجعلوه على معنيين:
الأوَّل: أنَّه الدَّم النَّازل على المرأة الحامل.
والثَّاني -وهو لازم للأوَّل-: أنَّه السَّقط النَّاقص للأجِنَّة قبل تمام خلقها (٢).
يقول الرَّاغب الأصفهاني: «وما تَغيض الأرحام: أي تفسِدُه الأرحام، فتجعله كالماءِ الَّذي تبتلعُه الأرض» (٣).
يتبيَّن بهذا أنَّ السَّقط المفسِّر للغَيْضِ المرادِ في كلام علماء اللُّغة والتَّفسير هو: الجنين السَّاقط مِن بطنِ أمِّه قبل اكتمال خلقه، أو هو الجنين الَّذي يهلك في