← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 224

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

ظَنًّا غالبًا باعترافِهم هم، وكلُّنا يَعلم كثرةَ الأخطاءِ في تنبُّؤاتهم، مع ما تَوافر لديهم مِن آلاتٍ دقيقة، وبُدوٍّ لأسباب ما تَنبَّأوا به. ذلك لأنَّ الجبهات الهوائيَّة، أو المنخفضات الجويَّة، قد تتلاشى، أو تتعمَّق، أو يتغيَّر اتِّجاهها وسرعتها بين لحظةٍ وأخرى فجأةً، دون سابق سَببٍ ظاهر، ولذا تراهم يُؤثِرون تسميةَ ما يتَكلَّمون به في هذا البابِ بـ (التَّوقُّعات)، فلا يجزمون فيه بشيءٍ. ولو افترضنا جَدلًا أنَّ نسبةَ الخطأ في توقُّعاتهم مُنعدِم في ما يخصُّ نزولَ المطَر، فإنَّ هذه النِّسبة المنعدمةَ لن تكون إلَّا بعد حدوثِ الأسبابِ المباشرةِ الآنيَّةِ لنزولِ الأمطارِ؛ وهذا لم يَقع به التَّحَدِّي في الحديث، لأنَّ ذلك يظهر للعاميِّ أيضًا! فإنَّك ترى الفلَّاحَ يرى سَحابًا يُمطر أرضًا بعيدةً في الأُفق، وهو يجد الرِّياح وقتها تهبُّ بشدَّة جِهةَ أرضهِ أو بستانِه، فيعلم أنَّ ذلك السَّحابَ مُدركٌ أرضَه بالإمطارِ بإجراءِ الله تعالى العادة بذلك؛ فإذا قال هذا: ستُمطرُ على أرضي بعد قليل إن شاء الله، لم يُعدُّ بذلك مُعتديًا على ما اختصَّ الله بعلمِه. إنَّ العلم الكامل الحقَّ في هذا أن يُجزمَ بتشكُّلِ منخفضٍ جويٍّ في وقتِ كذا، ومكان كذا، بسرعة كذا، فينجم عنه سقوط أمطارٍ بقدرِ كذا، في ساعة كذا، بل في شهر كذا مِن عام كذا، ثمَّ يصدق قوله في كلِّ مرَّة! هذا الَّذي لا يستطيعه بَشرٌ. ولو أنَّ مُذيعًا أخبرَ النَّظَّارة، بأنَّ يوم كذا، بعد عامينِ، يكون مَطيرًا، أو ملتهبًا بالشَّمس، لمَا شكَّ سامعوه أنَّها مَزحةٌ للتَّرويحِ عن نفوسِهم! وأمَّا عن استمطارِ السَّحاب المسمَّى بالمطر الصِّناعي: فحقيقته: أنَّه عبارة عن إنزالٍ لبخار الماء الموجود في الغيوم، بقذفها ببِلَّورات ثلجيَّة أو أبخرة مستخرجة من الفضَّة، مع شروطٍ أخرى متعلِّقة باتِّجاه الرِّياح، وحرارة الجوِّ، وقابليَّة السُّحب نفسها للإمطار، يساعد ذلك على تشكُّل

стр. 877

النُّويَّات وتكاثف البخار حولها، ثمَّ تحوُّلها إلى قطرات ماء تسقط بعد ذلك، دون قدرة على التحكُّم في كمِّه أو مكانه أو زمانه (١). وقد أشار الله تعالى إلى الأسباب المخلوقة الَّتي تتمُّ بها عمليَّة الإمطار في بضعِ آياتٍ من كتابه العزيز، منها قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ﴾ [النور: ٤٣]. فهل يستطيع بَشَرٌ تحقيقَ هذه الأسباب، مِن تبخير تلك الكميَّات الضَّخمة من مياه البحار، ثمَّ تكثيفها في درجة برودة معيَّنة يُتحكَّم بها في جوِّ السَّماء، ثمَّ النَّفخ في الهواء لتوليدِ رياحٍ تنقل تلك السُّحب نحو الحقول والمزارع والسُّدودِ، ثمَّ التَّحكُّم في كميَّات المياه المنزلةِ الَّتي يحتاجونها من تلك السُّحب؟! غاية ما يفعله المُستمطِرون، أن يأتوا إلى السَّبب الأخير مِن تلك العمليَّة المرَكَّبة كلِّها، فيزوِّدوا الغيومَ المتشكِّلة ببعضِ المواد، تحفيزًا لها على إنزال ما تحمله مِن بخار ماء. فمَثَل ذلك منهم: كمَثل الفلَّاح مع زرعِه يُوفِّر له الظُّروف الملائمة للنُّمو، ويزيد فيه بعض الموادِ لتسريع نبْتِه، أو تكثير غلَّتِه، وليس في هذا ما ينفي أن يكون الزَّرع ممَّا اختصَّ به الله سبحانه على وجه الحقيقة: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٤]. لأجل ذلك، اِرتأى بعضُ علماءِ الأرصادِ الغَربيِّين تخطِئةَ تسميَّةِ هذه العمليَّة بالمطر الصِّناعي، لأنَّها عمليَّة في حقيقتِها لا تصنع مطرًا، واختاروا تسميتها بـ (التَّمطير الصِّناعي)، لأنَّها إنزال شيءٍ هو مَوجود أصلًا (٢). ومع هذا كلِّه؛ فإنَّ نتائج الاستمطار الصِّناعي لا تزال ضعيفةً إلى الآن، ولا يُمكن الجزم بنتائجِها، الَّتي لا تَتناسب أصلًا مع ضخامةِ الأموالِ الَّتي تُنفَق

стр. 878

عليها، وهو ما حالَ دون تعميمِها في البلدانِ الَّتي تحتاج إلى الأمطار، حتَّى تجد دُوَلًا متقدِّمةً كأستراليا، تلفحها سنينٌ عِجافٌ من الجفافِ، لا تلجأ إلى هذا الاستمطارِ الصِّناعيِّ، لمعرفتها بقلَّة جدواه أو عدمه. هذا مِنَّا كلُّه من بابِ مجاراة المعترضِ في مجادلتِه؛ وإلَّا فإنَّ قضيَّة الاستمطار خارجة عن محلِّ النِّزاع مِن الأساسِ! لأنَّ المقصور فعلُه على الله تعالى في حديث ابن عمر ﵁ هو: العلم بوقتِ نزول المطر، لا القدرة على إنزال المطرِ في ذاته! يتبيَّن هذا بصورةٍ أوضح في المقصود بالعلم الإلهيِّ المتعلِّق بما في الأرحام: حيث جاء الخبر عن رسول الله ﷺ في عدِّ مفاتح الغَيبِ بصيغتين اثنتين: الصِّيغة الأولى: تُشير إلى الغيوبِ الخمسة بذكرِ آيةِ سورةِ لقمان، وهي رواية عند البخاري عن ابن عمر ﵁ قال: قال النَّبي ﷺ : «مفاتيح الغيب خمس، ثمَّ قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ... ﴾ [لقمان: ٣٤]» (١). وهي أيضًا في «صحيح مسلم» من رواية ابن عمر في حديث جبريل الطَّويل (٢). وأمَّا الصِّيغة الثَّانية مِن الخبر: فقد جاء فيها تفصيل الغيوب الخمس من لفظ النَّبي ﷺ نفسه، في قوله: «مفاتيح الغيب خمس، لا يعلمها إلَّا الله: لا يعلم ما تغيض الأرحام إلَّا الله، ولا يعلم ما في غدٍ إلَّا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحدٌ إلَّا الله، ولا تدري نفس بأيِّ أرض تموت إلَّا الله، ولا يعلم متى تقوم السَّاعة إلَّا الله» (٣).

стр. 879

وفي رواية عند البخاري: « .. ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام» (١). فنلحظ أنَّ الصِّيغتين قد اتَّفقتا في لفظ ثلاث مِن تلك الغيوب: في علمِ السَّاعة، وعدم درايةِ الأنفسِ لكسبِها، ومكان موتِها. وهذه الثَّلاثة غَيب مطلقٌ لا يعلمه إلَّا الله باتِّفاق، واختلفت الصِّيغتين في اثنتين الباقيتين: في إنزال المطر، وما في الأرحام. فالصِّيغة الأولى: أشارت إلى أن اللَّفظ العامَّ في قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ هو مفتاح للغيبِ مِن غير تفصيل. أمَّا الصِّيغة الثَّانية: فقد عَدَلت عن عمومِ المعنى إلى قصدِ التَّخصيص، وذلك أنَّ النَّبي ﷺ قد حَدَّد معنى هذا المُجملِ مِن ذاك العمومِ في الآيةِ بقوله: « .. ولا يَعلم ما تغيضُ الأرحام إلَّا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله .. ». وإعمالًا للقواعد الأصوليَّة في مثل هذا المقام يكون الجمع بين النَّصين بحملِ العامِّ على الخاصِّ، أي بجعلِ (غَيض الأرحام) و (زمن الإمطارِ) هما الغيب الَّذي لا يعلمه إلَّا الله في الآية، فهما فقط مِفتاحا الغيبِ، لا مُطلقَ ما في الأرحام: مِن ذكورة، وأنوثة، وعلم بصفات الجنين، ولا مطلقَ إنزال الغيث الوارد في عموم الآية الكريمة؛ مع أنَّ في سورة الرَّعد إشارة إلى هذا المعنى المُخصَّص أيضًا، في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]. فعِلمُ الله تعالى لمِا تحمِل كلُّ أنثى في هذه الآية، كعلمِ الله لما في الأرحام في آية لقمان، مِن حيث دلالة (ما) الموصولة في كِلتيهما على شمولِ علمِه سبحانه لعالمِ الغيبِ والشَّهادةِ في الحمل، هذا المعنى العام المجمَل فُصِّل في قوله بعدها: ﴿وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾.

стр. 880

وعلى هذا نقول: إنَّ علم ما تغيض الأرحام هو مِن الغيب المقصور علمُه على الله تعالى -كما دَلَّ عليه الحديث- أمَّا العِلم المتعلقُّ بازديادِ الأرحام بالأجنَّة، فهو مِن عالم الشَّهادة؛ وعلمُ الله فيه علمُ إحاطةٍ وشمول. الَّذي يؤكِّد لنا هذا المعنى الآيةُ الَّتي تتلوها مباشرةً، أعني قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩]. ففيها إشارة إلى أنَّ الآية السَّابقة تَضَمَّنت جزءً مِن عالمِ الغيبِ: وهو غيضُ الأرحام، وجزء متعلِّق بعالم الشَّهادة: وهو علم الله المحيط الشَّامل لأحوالِ وصفاتِ حملِ كلِّ أنثى، وما تزداد به أرحامهنَّ. فما المقصود إذن بغَيْضِ الأرحام؟ يدور لفظ (الغَيْض) في لغةِ العَربِ على معنى: النَّقصِ، والغَور، والذَّهابِ، والنُّضوبِ، يُقال: غاضَ الماء غَيضًا ومَغاضًا: إذا قَلَّ ونَقص، أو غار فَذَهب، أو قلَّ ونَضَب، أو نَزَل في الأرض وغاب فيها، وغاضت الدرَّة: احتبس لبنُها ونقص (١). وعلى هذه المعاني دارَ تفسير أهل العلم لغَيْضِ الأرحام في الآية، فجعلوه على معنيين: الأوَّل: أنَّه الدَّم النَّازل على المرأة الحامل. والثَّاني -وهو لازم للأوَّل-: أنَّه السَّقط النَّاقص للأجِنَّة قبل تمام خلقها (٢). يقول الرَّاغب الأصفهاني: «وما تَغيض الأرحام: أي تفسِدُه الأرحام، فتجعله كالماءِ الَّذي تبتلعُه الأرض» (٣). يتبيَّن بهذا أنَّ السَّقط المفسِّر للغَيْضِ المرادِ في كلام علماء اللُّغة والتَّفسير هو: الجنين السَّاقط مِن بطنِ أمِّه قبل اكتمال خلقه، أو هو الجنين الَّذي يهلك في

стр. 881

الرَّحم؛ فيتحلَّل ويغور وتختفي آثاره منها، ويصدق عليه أنَّ الرَّحم تبتلعه كما تبتلع الأرض الماء. وعلم الأجنة الحديث يجلِّي هذه الحقيقة: حيث يقرِّر أهل التَّخصُّص بالأجِنَّة، أنَّ الأجِنَّة عندما تهلك في الأسابيع الثَّمانية الأولى مِن عمرها؛ إمَّا أن تسقط خارجَ الرَّحم، أو تتحلَّل ثمَّ تختفي من داخله، فيتغيَّر فيه حجم الرَّحم، ليأخذ في الصِّغر والجمود، نظرًا لامتصاص السَّائل (الأمنيوسي) الَّذي يعيش فيه الجنين، بسبب تهتُّك هذا الأخير، ويسمُّون هذا الهلاك بصورَتيه: «الإسقاطَ التلقائي المبكِّر»، وهو يكثر حدوثه خلال الأسابيع الثَّمانية الأولى مِن الحمل، فأمره شائع في الحوامل، تصل نسبة حدوثه عندهنَّ إلى ما يقرب من (٦٠%)! (١) فهذا أقرب ما يكون إلى ما قرَّرناه في معنى غيضِ الأرحام. ولله درُّ عبد الرَّحمن السَّعدي (ت ١٣٧٦ هـ)، كيف اهتدى إلى تفسيرِ الغَيْضِ في الآية بكِلتا صورَتي السَّقطِ السَّابقتين كما قرَّرناه؟! وكأنَّه طالع أحوال الأجِنَّة الهالكةِ في أحدث المراجع العلميَّة قبل أن يسطِّر تفسيرَه! فتراه يقول: «ما تغيض الأرحام: أي تنقص ممَّا فيها، إمَّا أن يهلك الحمل، أو يَتَضاءل، أو يضمَحِلَّ» (٢). فقوله «إمَّا أن يهلِك الحمل»: هو السَّقط الَّذي يلفظه الرَّحم. وقوله «أو يتضاءل»: هو الإجهاض المخفيُّ، حيث ينكمش حجم الجنين ويتصاغر. وقوله: «أو يضمحلَّ»: هو الأجِنَّة الَّتي تَتلاشى في الرَّحم. فيتبيَّن مِن هذا التَّفصيل السَّالف، أنَّ المقصودَ بعلمِ ما تغيض الأرحام: هو العلم السَّابق بحدوث الإسقاط التِّلقائي المبكِّر بصورتيه قبل تمامِ تخليقِ الجنين، مع توفُّر مقدِّمات الخلق الضروريَّة ومادَّته الأولى، وتهيُّؤ أسباب ذلك وانتفاء

стр. 882

الموانع لحدوثه، فيتخلَّص الرَّحم من تلك المواد الأوليَّة بإسقاطها، أو بغورِها واندثارِها. وعليه، فإنَّ علمَ غَيْض الأرحام الَّذي لا يعلمه إلَّا الله: هو العلم بمستقبل هلاكِ الأجنَّة المبكرَّة أو حياتها، أو بمعنى آخر: العلم بإرادة الله تعالى في إتمامِ تخليقِ إنسان من عدمه، فهذا العلم هو المقصور على الله وحده، ويستحيل على الخلق جميعًا معرفته. استحالةُ علمِ أهلِ التَّخصُّص الطبِّي بحدوثِ الإسقاط التِّلقائي المبكِّر: إنَّ المراجع الطبيَّة لا تزال تعجَز عن الإجابة عن سبب سقوطِ بعض الأجنَّة بعد موتِها دون بعضها الآخر، ذلك «لأنَّ الجنين في بطنِ أمِّه يمرُّ خلال مرحلة تخليقه بتحوُّلات مُعقَّدة إلى الغاية، لا تزال جوانب كثيرة منها تمثِّل لغزًا محيِّرًا للأطبَّاء أنفسِهم، وقد تحدث خلال هذه المدَّة الحرِجة تغيُّرات مفاجئة، ينجم عنها خلل في الصِّبغيَّات أو الجينات، فتؤدِّي إلى هلاك الجنين المبكِّر بنسبٍ عالية. هذه التَّغيرات المفاجئة المُميتة لا تزال خارجَ نطاقِ العلم القَطعيِّ بحدوثها، وذلك أنَّ معظم أسبابها مَجهولة، يستحيل الكشفُ عنها مُسبقًا، أو توقُّع حدوثها، لأنَّ الخلل في الصِّبغيات يحدث بطريقةٍ عشوائيَّة ومتفرِّقة، ولا يمكن العلمُ بحدوثه قبل أن يحدث. وكذا الاضطرابات في العوامل الجِينيَّة العديدة المسئولة عن تمايز الخلايا ونموِّها، وما يمكن أن يتعرَّض له الجنين من العوامل الماسخة، مِن الإشعاع والفيروسات والمواد الكيميائيَّة، وما يمكن أن تتعرَّض له الأمُّ من الصَّدمات النَّفسيَّة أو العصبيَّة، أو الأمراض المختلفة في المستقبل، كلُّ ذلك غَيْب، لا يستطيع أحدٌ مِن البَشر أن يجزم بحدوثِه أو عدم حدوثِه، وبالتَّالي فما يُبنى عليها مِن حدوثِ الإسقاط التلقائيِّ يظلُّ غَيْبًا لا يعلمه إلَّا الله» (١).

стр. 883

وعلى هذا يتحرَّر الغيب الحقيقيُّ في (الغَيض) بكونه: علمًا بمستقبل حياة الأجنَّة وهلاكها، أو علمًا بسقط الجنين قبل أن يتمَّ خلقه، أو بالعلم بمستقبل تطوُّر مراحل خلق الجنين الأولى، من النُّطفة، إلى العلقة، إلى المضغة، إلى إنشاء الخلق الإنسانيِّ بعد نفخ الرُّوح فيه، إذ يستحيل على العلماء حاضرًا أو في المستقبل معرفة مصير أيِّ طَوْرٍ من أطوار الجنين قبل اكتمال تخليقِه ونفخ الرُّوح فيه، هل سيتخلَّق إلى الطَّور الَّذي يليه، أم يهلك وتغيض به الأرحام، لأنَّ هذه المعرفة لا تخضع لسنن في الخلق مطَّردة، بل علم ذلك عند الله الخالق وحده. وسؤال الملَك الموكَّل بالرَّحم ربَّه عن مصير كلِّ طورٍ من أطوار الجنين الأوَّلي هل ستتخلَّق أم لا: لَخيرُ دليلٍ على هذا التَّقرير! فعن عن أنس بن مالك ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ قال: «وكَّل الله بالرَّحم ملَكًا، فيقول: أي ربِّ نطفة؟ أي ربِّ عَلقة؟ أي ربِّ مضغة؟ فإذا أراد الله أن يقضي خلقها، قال: أي ربِّ أذكر أم أنثى؟ أشقيٌّ أم سعيد؟ فما الرِّزق، فما الأجل، فيُكتب كذلك في بطن أمِّه» (١). مفاتح الغيب الخمس أمورٌ تَتعلَّق بالمستقبل: فهذا المعنى الَّذي قرَّرناه من علمِ غَيْضِ الأرحام، والعلمِ بوقت نزول المطر: هو الَّذي يَتناسب مع باقي مَفاتح الغيب، حيث إنَّها تَتَعلَّق في أصلِها بأمورٍ مستقبليَّة، لا بماضيةٍ أو حاضرة من أمور عالم الشَّهادة. ذلك أنَّ العلم بالمُستقبل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأوَّل: العلم بمستقبلِ الأشياءِ الموجودةِ في عالم الشَّهادة، والخاضعة كليًّا للسُّنَن الكونيَّة: فهذه يُمكن العلمُ بمستقبلِ زمانِها مِن قِبَل العارفين بسُنَنِها، كمعرفة وقتِ طلوع الشَّمس وغروبها، ووقت الكسوف والخسوف وغير ذلك.

стр. 884

فهذا القسم خارجٌ عن نطاق الغيب المطلق الَّذي لا يعلمه إلَّا الله، بل معرفة المستقبل فيه متاحة للخلقِ. الثَّاني: العلم بمستقبلِ الأشياءِ المَعدومةِ الَّتي لم تُوجد بعدُ في عالم الشَّهادة، هل ستوجد أم لا؟ فهذا القسم غَيْبٌ مُطلق، لا خلاف عند العقلاء أنَّ علمه عند الله تعالى وحده، فيستحيل على الخلقِ أن يعلموا منه شيئًا، لأنَّ أصلَه ومستقبلَه غير خاضعٍ لأيِّ سُنَّة كونيَّة معهودة، لانعدام وجوده من الأصلِ. الثَّالث: العلم بمستقبلِ أشياءٍ هي موجودة في عالم الشَّهادة، تخضع في وجودها لسُنَن الكون، لكن لا يخضعُ مستقبلُها لسُننٍ مَشهودة: فهذا هو القسم الَّذي يَتَجلَّى في مفاتح الغيب الخمس! وبيانُ هذه من الحديث: أنَّ هذه الدُّنيا المشهودة، لا يقدر أحدٌ أن يعلمَ زمنَ انتهائِها وزوالها، مع وجود علاماتٍ تدلُّ على قُربها بدلالةِ الشَّرعِ، فهو مُستقبل محظورٌ على الخلقِ معرفتُه، وهذا المَعنيُّ في الحديث بقولِه: «ولا يَعلمُ متى تقوم السَّاعة إلَّا الله .. ». وهذه السُّحب الَّتي تغطِّي غلافَ الأرضِ، تُخلَق وفقَ سُنن الله تعالى الَّتي أودعها في الأرضِ والسَّماء على آناء اللَّيل والَّنهار، لا يقدِر مخلوقٌ أن يعلمَ يقينًا مُستقبلَ حركتِها، وأحجامها، ووقت نِتاجها مِن قبل أن يكتملَ تكوُّنها، وتنعقدَ أسباب إمطارها، لأنَّها لا تخضع لسُنَنٍ مشاهدةٍ مُطَّردة ثابتة، فهو بهذا في علمِ الله تعالى وحدَه، وهذا المَعنيُّ في الحديث بقول النَّبي ﷺ : «ولا يعلم متى يأتي المطرُ أحد إلَّا الله .. ». ثمَّ هذه الأنفس الَّتي تملأ الأرض ضَجيجًا وسعيًا في رزقِها وهنائِها، لا تعلم يقينًا كسبَها من خيرٍ أو شرٍّ، وما سيجري لها مِن حوادث، مع كدِّها وحرصِها على ذلك، فمستقبلُ كسبِها محجوبٌ عنها، ولو في الزَّمن القريب، إذ لا يخضع لسُنَنٍ مَعلومة محدَّدة، وهذا المَعنيُّ بقول الله تعالى الوارد في الحديث: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾.

стр. 885

وهذه الأنفس عينُها، الخاضعة لنواميس الحياة، لا تعلم أيضًا مَوعدَ رحيلِها من دُنياها، ونهاية وجودها بالموتِ مكانًا وزمانًا، لأنَّها أمور لا تخضع أيضًا لسُننٍ كونيَّةٍ مَعهودة ثابتة، وهذا المَعنيُّ بقول الله تعا لى الوارد في الحديث: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾. ثمَّ هذه الأمشاج الَّتي يُخلق بها الإنسان، تنتقلُ في أرحامِ النِّساءِ مِن طَورٍ إلى طَور، في ظلمات ثلاث، بعد أن أصبحت مَرئيَّة مَشهودة، بهيئاتها الكُليَّة، وتفاصيلها الجزئيَّة، يبقى مصيرُها وتمامُ تخليقِها خلالَ هذه الأطوار مَجهولًا: أيتِمُّ تخليقُ هذا الإنسان، فيُنفخ بالرُّوح، ويصرخ خارجًا من بطنِ أمِّه بزغاريد الحياة؟ أم يسقط، وتَتلاشى أطوارُه في أغوارِ الرَّحم؟! إنَّ العِلمَ بمستقبلِ الأجنَّة المبكِّرة في أطوارِها الصَّحيحةِ أو شبهِ الصَّحيحة، هل هي هالكة أم مخلَّقة؟ هل يَغيض الرَّحم بها، أم ينشأ منها إنسان جديد تُنفخ فيه الرُّوح، ويزداد به الرَّحم؟ .. كلُّ هذا ممَّا اختصَّ به الخالق سبحانه. والمَعنى أنَّ ما سيحدث في عالم الحيوان مِن التَّكوين في المستقبل هو مِن خزائن الغيب الَّتي لا يحيط بما فيها إلَّا هو، وهو الغيب المستقبليُّ المحجوب عن عِلمِ البشر، الَّذي لا يخضع لسُنَن مشهودة مُطَّردة، بل علمه خاضعٌ لسُنَن غيبيَّة لا يعلمها إلَّا الله تعالى، فهذا المَعنيُّ بقول النَّبي ﷺ : «ولا يَعلم ما تغيض الأرحام إلَّا الله .. »، كما أسلفنا تقريره. والحاصل: أنَّه مادام أنَّ مُستقبل هذه الأشياء الخمسة ومَصيرَها لا يخضع لسُنَن الشَّهادة ونواميس الحياة، فإنَّه يَستحيل على البَشَرِ العلمُ بتفاصيلِها عِلمًا يُدرك بيقين، لا بظنٍّ أو تخمين. ولقد تحدَّى الله النَّاس بها في كتابه وعلى لسانِ نبيِّه، في زمنٍ سادت فيه الكَهانة، والعرافة، والتَّنجيم، والسِّحر، ومع ذلك عجزوا، ولا يزال هذا التَّحدي ساريًا عبر القرون، حتَّى اكتشف الإنسان في هذا العصر -بما أذن الله به- بعضًا من سُنَنِه في الكونِ، ممَّا كان يجهله في حياته الدُّنيا؛ وهو مع هذا العلم عاجزٌ أن يدرك بيقينٍ هذه المغيَّبات الخمس، مع توفُّر مقدِّمات لها مِن جنسِها.

стр. 886

يقول ابن كثير: «هذه مفاتيح الغيب الَّتي استأثر الله تعالى بعلمها، فلا يعلمها أحد إلَّا بعد إعلامه تعالى بها؛ فعلم وقت السَّاعة لا يعلمه نبيٌّ مرسل ولا ملَك مقرَّب؛ وكذلك إنزال الغيث لا يعلمه إلَّا الله، ولكن إذا أمر به عَلِمتهُ الملائكة الموكَّلون بذلك، ومَن شاء الله مِن خلقِه؛ وكذلك لا يعلم ما في الأرحام ممَّا يريد أن يخلقه الله تعالى سواه، ولكن إذا أمر بكونه ذكرًا أو أنثى، أو شقيًّا أو سعيدًا علم الملائكة الموكَّلون بذلك، ومن شاء الله من خلقِه» (١). فقد قسَّم ابن كثير هذين الغَيبَين الأخيرين إلى قسمين: قِسم يتعلَّق بالحَدَث قبل إيجادِه، أي قبل تكوُّنِ الغيثِ واكتمالِ كلِّ أسباب الإمطار منه، وقبل تكوُّن ما في الأرحام وبروزه لعالم الشَّهادة: فهذا القدر هو الَّذي يدخل فيما اختصَّ الله وحده بعلمه، وهو المقصود ابتداءً من الآية، بنصِّ الحديث الَّذي حدَّدها بأنَّها مفاتح للغيب خمسة. وأمَّا القسم الثَّاني: فبعد بروزهما لعالمِ الشَّهادة، وخضوعهما لسُنَن التَّسخيرِ والخلق، فهذا الَّذي يُمكن لبعضِ الخلقِ العلم به بتعليمِ الله إيَّاه، «وهو لا يُنافي الاختصاصَ والاستئثارَ بعلمِ المَذكورات، لأنَّ المُراد بالعلمِ الَّذي استأثر به سبحانه: العلمُ الكامل بأحوال كلٍّ على التَّفصيل، وما يعلم به الملَك، ويطَّلع عليه بعض الخواصِّ دون ذلك العلم الكامل» (٢). ولذا فإنِّي على يقين أنَّ الإنسان سيظلُّ عاجزًا عن إدراكِ سِرِّ إنشائِه في بطنِ أمِّه، وعن معرفةِ كمالِ تخليقِه في أطوارِه مِن نقصانِه. كذلك سيظلُّ هذا الإنسان عاجزًا عن معرفةٍ قطعيَّةٍ بوقتِ نزولِ المطر قبل تكوُّن السُّحب الممطرة، أو أثناء تكوُّن أطوارها الأولى، ولن يزال الظَّن والاحتمال ديدنَ علماء الأرصاد في حديثهم عن وقتِ نزول الأمطار، ولو بعد بروز السُّحب الممطرة لعالم الشَّهادة وخضوعها لسُنَنِه!

стр. 887

كأن الله سبحانه يُعلِمنا بهذا: أنَّه وإن أَذِن في علمِنا ببعضِ ما أودعه في كونِه من سُنَن، فإنَّه لن يأذنَ لأحدٍ بفتحِ هذه الأبواب الخمسة حتَّى يعرفَ سُنَنَها ويخبَرَ عمَّا فيها بيقين، أمَّا غيرها مِن أبواب عالم الشَّهادة، فهي مَفتوحة لنا، وسُنَنُها مَبثوثة بين أيدينا، فسِيروا في الأرض، وانظروا في ملكوتِ السَّماوات، وتفكَّروا في آيات الأنفسِ، فكلُّ ذلك منه مسخَّر لكم. أليس الحديث إذن عَلَمٌ على نُبوَّة محمَّد ﷺ ؟ ثمَّ يأتي مِن يُشكَّك في هذا الحديث أن يكون من خبرِه صِدقًا وعدلًا، فـ ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

стр. 888

المَبحث الثاني نقد دعاوى المعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث نخسِ الشَّيطان للمَولود

стр. 889

المَطلب الأوَّل سَوق حديث نخسِ الشَّيطان للمَولود عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ما من مَوْلُودٍ يُولَدُ إلا نَخَسَهُ (١) الشَّيْطَانُ فَيَسْتَهِلُّ (٢) صَارِخًا من نخسة الشَّيْطَانِ إلا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ». قال أبو هُريرة: «اقرؤوا إن شِئْتُمْ: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]»، متَّفق عليه (٣). وفي رواية له: «كُلُّ بَنِي آدَمَ يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ يوم وَلَدَتْهُ أُمُّهُ إلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا» (٤).

стр. 890

المَطلب الثاني سَوق المعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِ على حديث نخسِ الشَّيطان للمَولود مع جلاءِ الحديث في تقريرِ عداوةِ الشَّيطانِ للإنسان منذ لحظةِ خروجِه إلى مُعتركِ الدُّنيا، وعدم منابذتِه للعقل إذْ كان خبرًا غَيبيًّا محضًا؛ إلَاّ أنَّه لَم ينْجُ من سِهامِ الاعتراضِ قديمًا وحديثًا؛ فكان القاضي عبد الجبَّار الهمَداني فرَطَ القومِ إلى مَلْءِ عَيبتِه منه (١)، ثمَّ تبِعَه عليه فئامٌ مِن المُحْدَثين، كان إمامهم في عصرِنا (محمود أبو ريَّة)، حيث أنَّه قد شمَّ بأنْفِه النَّقديِّ أنفاسًا مِن أَثَرِ المَسيحيَّة في الحديث! يقول: « .. ومِن المَسيحيَّات في الحديث: ما رواه البخاريُّ [وذكر الحديث] .. وفِقه هذا الحديث الَّذي سمعه الصَّحابي الجليل مِن الرَّسول ﷺ : أنَّ الشَّيطان يطعن كلَّ ابنِ آدم، أو ينخسه؛ إلَّا عيسى بن مريم وأمَّه، وبذلك لم يسلَم مِن طعنِ الشَّيطان أحدٌ غيرهما مِن بني آدم أجمعين، حتَّى الرُّسل: نوح وإبراهيم، وموسى، وغيرهم، وخاتمهم محمَّد صلوات الله عليه وعلى جميع النَّبيِّين؛ فانظُر، واعجَب!» (٢).

стр. 891

وقد كان (محمَّد عبده) من فتح البابِ لأمثالِ هذا للوُلوغِ في هذا الحديث خاصَّةً، حيث قال: «المُحَقَّق عندنا أنَّه ليس للشَّيطانِ سلطانٌ على عبادِ الله المُخلَصين، وخيرُهم الأنبياء والمُرسَلون، وأمَّا ما وَرَد في حديثِ مريم وعيسى، مِن أنَّ الشَّيطان لم يمْسَسهما .. فهو مِن الأخبارِ الظَّنية، لأنَّه مِن رواية الآحاد، ولمَّا كان مَوضوعها عالم الغَيب، والإيمان بالغَيب مِن قسمِ العقائد، وهي لا يُؤخَذ فيها بالظَّن: كُنَّا غير مُكَلَّفين الإيمانَ بمَضمونِ تلك الأحاديث في عقائدِنا» (١). وقد كان مِمَّا أورَده المخالفون مِن معارضاتٍ على هذا الحديث؛ قولهم: المعارضة الأولى: أنَّ حِفظَ عيسى ﵇ وأمِّه مِن نَخسةِ الشَّيطان دون سائر الأنبياء، فيه نوعُ تفضيلٍ لهما عليهم، ومنهم نبيِّنا محمَّد ﷺ ! وهذا ما يُفهم جَليًّا مِن تعليقِ (أبو ريَّة) آنفًا على الحديثِ (٢). المعارضة الثَّانية: أنَّ الحديثَ مُناقضٌ لِما ثَبَت في الطِّب مِن أنَّ سَبب صُراخِ كلِّ مَولود حين ولادتِه هو: دخولُ الَهواء لأوَّلِ مرَّةٍ لرِئَتِه. المعارضة الثَّالثة: أنَّ زوجةَ عمران (أمَّ مريم) ليست الوحيدة في الدُّنيا الَّتي أعاذت وليدَها وذرَّيته مِن الشَّيطان الرَّجيم؛ بل كلُّ مسلمٍ تقيٍّ يفعل ذلك! وفي تقرير الشُّبهتين الأخيرتين، يقول (إسماعيل الكرديُّ): «لقد ثَبَت في الطبِّ أنَّ سببَ صراخِ كلِّ مولود حين ولادته هو: دخول الهواء لأوَّل مرَّةٍ لرئتيه، بعد أن كان يَتلقَّى الأوكسجين مِن دَم أمِّه عبر الحبل السُّري، ولو لم يبكِ لاختنق. ثمَّ؛ هل زوجةُ ابنِ عمران (أمُّ مريم) هي الوَحيدة في الدُّنيا الَّتي أعاذت وليدها وذريَّته مِن الشَّيطان الرَّجيم؟! أليسَ كلُّ مسلمٍ تَقِيٍّ يقول حين الجماع:

стр. 892

(اللَّهم جنِّبنا الشَّيطان، وجنِّب الَّشيطان ما رَزقتنا)؟! فلماذا لا يُعيذُ الله مَوْلودَه -حسب الحديثِ- مِن نَخْسة الشَّيطان؟ وهل دعاءُ المسلمين جميعُهم غير مَقبول» (١).

стр. 893

المَطلب الثَّالث دفعُ دَعوى المعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِ عن حديث نخسِ الشَّيطان للمَولودِ فأمَّا ما أوردوه في المعارضةِ الأولى، من دعوى أنَّ حِفظَ عيسى ﵇ وأمِّه مِن نَخسةِ الشَّيطان دون سائر الأنبياء تفضيلٌ لهما على سائر الأنبياء؛ فيُقال في ردِّه: إنَّ امتيازَ نبيِّ الله عيسى وأمِّه ﵉ بهذه الخَصيصةِ لا يستلزم تفضيلهما على رسول الله ﷺ ولا باقي الأنبياء، فإنَّ ذِكرَ فَضيلةٍ لا يستلزم الرُّجحان بالأَفضليَّة (١)، وذلك للقطعِ بأَنَّ نبيَّنا ﷺ هو سَيِّد وَلد آدم، ويليه في الرُّتبةِ أبوه إبراهيم ﵇، والقطعُ بفضيلته ﷺ وتقَدُّمِه على جميع الأنبياء أمرٌ مَعلوم، وأمَّا مريم ﵍ فمهما سَمَت في مَراتب الوِلاية، فلن تصِل إلى مقام الأنبياء. وقد أخبرنا نبيُّنا ﷺ «أنَّه ما مِن أحَدٍ إلَّا وُكِل به قرينُه مِن الشَّياطين» (٢)، فلا يخرج من عمومِ مقالتِه هذه لا مريم ولا ابنُها ﵉، وهما وإن عُصِما مِن نخْسِه، فإنَّهما لم يُعصَما «مِن مُلازمتِه لهما، ومُقارنتِه.

стр. 894

ولقد خَصَّ الله تعالى نبيَّنا ﷺ بخاصِّيةٍ كَمُل بها إنعامُه عليه؛ بأنْ أعانَه على شيطانِه حتَّى صحَّ إسلامُه، فلا يأمرُه إلَّا بخير، وهذه خاصَّة لم يُؤْتَها أحدٌ غيرُه، لا عيسى، ولا أمُّه» (١). وأما دعوى المُعترضِ في الثَّانية: في أنَّ الحديثَ مُناقضٌ لِما ثَبَت في الطِّب مِن أنَّ سَبب صُراخِ كلِّ مَولود حين ولادتِه هو دخولُ الَهواء لأوَّلِ مرَّةٍ لرِئَتِه. فالجواب عليه: على تقديرِ أنَّ ما ذَكَره الأطبَّاء بَلَغ إلى حَدِّ الحقيقة العلميَّة المقطوع بها؛ فإنَّ قُصاراهُ: أن يكون كشْفًا عن السَّببِ القريبِ المَحسوسِ لاستهلالِ المَولودِ صارخًا، وهذا التَّفسير العِلميُّ لا يَقضي بامتناعِ أسبابٍ أخرى عَزُبَ الخلْق عن دركِها، لقصورِ مَدارِكِهم عن الإحاطةِ بكلِّ حقيقةٍ (٢). نقول هذا على تقديرِ صِحَّة ما وَصل إليه بعض الأطبَّاءِ في بحثٍ في هذا المَجالِ، وبلوغه مَبلغَ القطعيَّات؛ فلمَّا توَّجَه نظرُنا إلى التَّحقُّقِ مِن هذا البلوغِ وصحَّته، وجدنا الأمرَ لا يَعدو أن يكون فرْضًا يَتطرَّق الوَهم إليه، لا حقيقةً علميَّةً عند الأطبَّاء، كما أوْهمَه المُعترِض! لقد لاحظَ الأطبَّاء تَزامن بُكاءِ الطِّفلِ حين الولادةِ مع أخذِه لأنفاسِه الأولى، فافترضَ بعضُهم أنَّ البكاءَ مَردُّه إلى إحساسِ المَولود بألَمٍ جرَّاء دخولِ الهواءِ إلى رِئَتَيه، وخالفهم آخرون، فافترضوا إيعازَ صرخةِ الوَليد الأولى إلى «الغَضبِ المُضْمَرِ فيه على عَمليَّة طردِه مِن الرَّحِم» (٣). هذا فيما ظَهَر لهم، وإلَّا فإنَّ البروفيسور (ورْدون بُورْن gordon bourne) - وهو من كِبار أطبَّاء الولادة في بريطانيا- يعترِف في كتابِه «الحَمل» (٤) بأنَّ السَّببَ الدَّقيق للبكاءِ وبدءِ عمليَّةِ التَّنفسِ: لا يزال مَجهولًا!

стр. 895

فلنترُك أقوالَ الأطبَّاء وخلافَهم في هذهِ الظَّاهرة المُلازِمة للإنسان، ولنتأمَّل دقيقَ كلامِ ابن القيِّم في جودةِ جمعِه بين السَّببِ الحِسِّي والغيبيِّ لهذا المَشهدِ العجيب للولادةِ، حيث قال: «إن قيل: ما السَّببُ في بكاءِ الصَّبي حالةَ خروجِه إلى هذه الدَّار؟ قيل: ههنا سَبَبان: سَبَبٌ باطِن، أخبَرَ به الصَّادق المَصدوق، لا يعرفه الأطبَّاءُ، وسَببٌ ظاهر. فأما السَّبَب الباطن: فإنَّ الله سبحانه اقتَضَت حكمتُه أنْ وَكَّل بكلِّ واحد مِن وَلد آدمَ شيطانًا، فشيطان المَولود قد خَنس، ينتظر خروجَه، ليُقارِنَه ويَتوكَّل به، فإذا انفصَلَ، استقبلَه الشَّيطانُ وطعَنه في خاصِرَته، تحرُّقًا عليه وتَغيُّظًا، واستقبالًا له بالَعداوة الَّتي كانت بين الأبَوَين قديمًا، فيبكي المَولود مِن تلك الطَّعنة، ولو آمن زنادقةُ الأطبَّاء والطَّبائعيِّين بالله ورسولِه، لم يجدوا عندهم ما يُبطِل ذلك ولا يَرُدُّه .. والسَّبَب الظَّاهر: الَّذي لا تُخبِر الرُّسُل بأمثالِه، لرُخْصِه عند النَّاس، ومعرفتهم له مِن غيرِهم: هو مفارقتُه الَمألوفَ والعادةَ الَّتي كان فيها إلى أمرٍ غريب، فإنَّه يَنتقل مِن جسمٍ حارٍّ إلى هواءٍ باردٍ ومكانٍ لم يألفه، فيستوحِشُ مِن مُفارقتِه وَطَنَه ومَألفَه» (١). وأمَّا الجواب عن الاعتراض الثَّالث، في دعوى المُعترِض أنَّ امرأةَ عمران ليست وحدها من أعاذت وليدَها وذرَّيتَها مِن الشَّيطان، فيُقال: إنَّ سبَبَ انقداحِ هذا الاعتراض عند المُعترضِ أمران: الأول: ظنُّه أنَّ مُقتضى نفوذِ أَثَرِ الدُّعاء -عند توَفُّر شروطِه وانتفاءِ موانعه- بتجنيبِ المَولود الشَّيطان: هو ألَّا يحصُلَ النَّخسُ والطَّعن له! الأمر الَّثاني: ظنُّه أنَّ الطَّعن هو الضَّرَر الَّذي يُجنَّبه المَولود في الدُّعاء النَّبوي عند الجِماع.

стр. 896

فأمَّا الأمر الأول: فهو ناتج عن غَلَطِه في فهمِ الحديث، في أحسنِ أحوالِ الظَّنِ به؛ ذلك أنَّه لا يلزم مِن نُفوذِ أثرِ الدُّعاءِ ألَّا يحصل ما أخبر به النَّبي ﷺ مِن الطَّعن؛ لأنَّ المُراد مِن دُعاء الجِماع في الخبر النَّبوي: أن تَتَحقَّق الحَيْلولة بين الإضلالِ والإغواءِ -الَّذي سببُهما الشَّيطان- وبين المَولود، وليس المُراد مِن الدُّعاء الحيلولة بينه والطَّعن بخصوصِه. والمُقتضي لهذا المُراد مِن هذا الحديث: ما ثَبَت في حديثِ البابِ: مِن وقوعِ النَّخس لكلِّ مَولودٍ سِوى ما استثناه الخَبر، فهذا التَّقدير لازمٌ لاستقامةِ الحديث، وجريانِه على السَّداد، دون تضارُبٍ بين الخَبرين؛ فتقديرُ الإضلال إذن أصْدَقُ مِن تقديرِ الطَّعن؛ لدلالةِ النَّصِ عليه. ثمَّ إن الطَّعن ليس بِضَررٍ يقتضي تخصيصَه بدعاء؛ إذ لو كان كذلك ضَارًّا، لسَلِم منه الأنبياء والأولياء؛ إذْ همْ أَوْلى بهذا المَعنى (١). يقول أبو العبَّاس القرطبي في بيانٍ مُتقَنٍ لمعنى قولِ النَّبي ﷺ في الحديث «لو أنَّ أحدَهم يقول حينَ يَأتي أهلَه: باسمِ الله، اللَّهم جنِّبني الشَّيطان، وجنِّب الشَّيطان ما رزقتنا، ثمَّ قُدِّر بينهما في ذلك، أو قُضيَ ولدٌ: لم يضُرَّه شيطانٌ أبَدًا»: قيل معناه: لم يضرَّه: لم يصْرَعْه الشَّيطان. وقيل: لا يَطعن فيه الشَّيطان عند ولادتِه، ويطعن في خاصرةِ مَن لا يُقال له ذلك. قال القاضي (٢): لم يحْمِلْه أحَدٌ على العمومِ في جميعِ الضَّرر، والإغواء، والوسوسة. قلت -القائل: القرطبيُّ-: أمَّا قصرُه على الصَّرع وحده فليس بشيء؛ لأنَّه تحكُّمٌ بغير دليل، مع صلاحيَّة اللَّفظ له ولغيره.

стр. 897

وأمَّا القول الثَّاني: ففاسدٌ؛ بدليل قوله ﷺ : «كلُّ مَولود يَطعن الشَّيطان في خاصرتِه إلَّا ابن مريم ... »، هذا يدلُّ على أنَّ النَّاجي مِن هذا الطَّعن إنَّما هو عيسى وحده ﵇؛ وذلك مَخصوصُ دعوةِ أمِّ مريم؛ حيث قالت: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]. ثمَّ إنَّ طعنَه ليس بضَررٍ، ألَا تَرى أنَّه قد طَعن في كثير مِن الأولياء والأنبياء، ولم يضرَّهم بذلك؟! ومقصود هذا الحديث -والله تعالى أعلم-: أنَّ الوَلَد الَّذي يُقال له ذلك يُحفَظ مِن إضلالِ الشَّيطان وإغوائه، ولا يكون للشَّيطان عليه سلطان؛ لأنَّه يكون مِن جملةِ العبادِ المَحفوظين المَذكورين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، وذلك ببَركةِ نيَّة الأبَوَيْن الصَّالحَين، وبركةِ اسم الله تعالى، والتعوُّذ به، والالتجاء إليه، وكأنَّ هذا شَوبٌ مِن قولِ أمِّ مريم: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]. ولا يُفهَم مِن هذا نَفْيُ وَسوستِه، وتشعيثِه، وصرعِه! فقد يكون كلُّ ذلك، ويحفظ الله تعالى ذلك الوَلَد مِن ضَررِه في قلبِه، ودينِه، وعاقبةِ أمرِه، والله تعالى أعلم» (١). أعاذنا الله مِن إغواءِ الشَّياطين إنسِهم وجنِّهم.

стр. 898

المَبحث الثَّالث نقد دعاوي المعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث حديث «إذا سمعتم صياحَ الدِّيَكة .. وإذا سمعتم نهيق الحمار»

стр. 899

المَطلب الأوَّل سَوْق حديث «إذا سمعتم صياحَ الدِّيَكة .. وإذا سمعتم نهيق الحمار» عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: «إذا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ، فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وإذا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ، فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ من الشَّيْطَانِ، فإنَّه رَأَى شَيْطَانًا» متَّفق عليه (١).

стр. 900

المَطلب الثَّاني سَوق المعارضات الفكريَّة المعاصرة لحديث «إذا سمعتم صياحَ الدِّيَكة» قد وَلغت في هذا الحديث الشَّريف ألسِنة كثيرٍ مِن أربابِ التَّمعقُل في زماننا، وشطحت فيه أقلام مَن ضاعت أعمارُهم في ردمِ ما شيَّدته جهابذة الرِّوايةِ مِن قواعِد وسَنَن؛ حتَّى صار شعارًا عند بعضِ أولاءِ المُحدَثين على زوغان منهج المُحدِّثين، وتقبُّلهم لمُنكراتِ المتونِ و «ما لا يقبله العقل، وما لا فائدة منها للإسلام والمسلمين»! (١). ترى مثال هذا العارِ مِن الشِّعارِ -مثلًا-: في ما عنوَن به (جواد عفانة) كتابًا له، تعنَّى فيه ردَّ الصِّحاحِ بقوله: «الإسلام وصِياح الدِّيَكة»! يُعلِّل ذلك في تقدِمَتِه بقوله: «قد قصدتُ بقولي (صياح الدِّيكة) لفتَ نظرِ القارئ الفَطين إلى إحدى الخرافات الَّتي نُظمت في قولِ نسَبه الرَّاوي إلى رسول الله ﷺ زورًا وكذبًا» (٢). وترجع مُجمل المعارضات الموجَّهة إلى الحديث إلى واحدة رئيسةٍ تتعلَّق بالواقع المُشاهد، وهي: أنَّ تعليل صِياح الدِّيكة بكونها رأت مَلَكًا، مع تقرُّر أنَّ لكلِّ ابن آدم ملائكةً حَفَظة ومَلَكين يكتبان أعماله: يلزم منه أنْ تصيح الدِّيَكة ليلَ نهار كلَّما رأت

стр. 901

إنسانًا! لرؤيتها الملائكةَ مع كلِّ إنسان، وبما أنَّ هذا لا يحدث: فالحديث كذِبٌ على رسول الله ﷺ ؛ لتكذيبِ الواقعِ المحسوسِ له. هذا ما يتعلَّق بتعليلِ صِياح الدِّيك. وكذا تعليل نهيق الحِمار برؤيتِه الشَّيطان؛ فإنَّه يُشكل عليه أنَّ المتقرِّر شرعًا أنَّ لكلِّ إنسانٍ شيطانًا مُوكلًا به، وأنَّ الشَّيطان كثير الوَسوسة لبني آدم؛ فلو كانت العِلَّة كما ذكر في الحديث: لوجب أن تنهق الحُمر في الأوقات كلِّها لدى رؤيتها للنَّاس! بل إذا وُضع الحديث بجانب حديث: «إذا نُودي للصَّلاة أدبرَ الشَّيطان وَلَهُ ضُرَاطٌ حتى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ .. » (١)، مع كثرة ما يصادف وجودَ حمار أو حمير عند المسجد، وحسب حديث المناداة وخروج الشَّيطان له ضراط، وحسب الحديث الآخر: أنَّ الحمار يرى الشَّيطان وينهق عند رؤيته! يلزم منه النَّهيق مع كلِّ أذان وإقامة، فلمَّا انتفى سماعِ نهيقِ الحمارِ حينئذٍ: لزم منه بطلان الحديث. وفي تقرير هذا الاعتراض يقول (إسماعيل الكردي): «وَرَد في الحديث استحباب الدُّعاء عند سماع صوت الدِّيك، خاصَّة أن الدِّيك يصيح عند الفجر، فيوقظ النَّاس لصلاة الفجر، وورَد أنَّ صياح الدِّيك تسبيحه، أمَّا كون صياح الدِّيك سببه أنَّه يرى مَلاكًا: فهذا مِن غرائب المرويَّات عن أبي هريرة ﵁، ويبدو لي أنَّه إضافة مُدرجة مِن حديث أبي هريرة، ظنَّ الرُّواة أنَّها مرفوعة. ذلك لأَنَّ التَّعليل لسبب صياح الدِّيك يُشكِل عليه: أنَّ القرآن الكريم والحديث نصَّا على أنَّ لكلِّ ابن آدم ملائكةً حفَظَةً، ومَلَكين يكتبان أعماله، وعليه؛ فالمفروض أن تصيح الدِّيَكة ليلَ نهار كلَّما رأت إنسانًا؛ لأجلِ أنَّها ترى معه أولئك الملائكة، مع أنَّ شيئًا مِن هذا لا يحدث! ..

стр. 902

وكذلك تعليل نهيقِ الحمار برؤيته لشيطان؛ فإنَّه يُشكل عليه: ما ورد في صحيح الحديث: أنَّ لكل إنسانٍ شيطانًا موكلًا به، ومثله ما جاء في القرآن الكريم مِن وجود الَقرين للإنسان .. وقد بيَّن لنا الحقُّ تعالى أنَّ الشَّيطان كثير الوَسوسة للإنسان، وعلَّمنا أن نستعيذ بالله مِن شَرِّ الوسواس الخنَّاس ... إلخ. والحاصل أنَّ النَّاس في غالب أحوالهم مُعرَّضون لمحاولات الإضلال مِن قِبَل الشَّيطان ولوساوسه، فلو كان نهيق الحِمار سببه رؤية الشَّيطان: لوَجَب أن تنهق الحمير في الأوقات كلِّها، ولدى رؤيتِها للنَّاس! ويلزم: أنَّه إذا كان الإنسان راكبًا حمارًا، فكلَّما وسوس له الشَّيطان بشيءٍ، وَجب أن ينهق الحمار مِن تحتِه لرؤيتِه الشَّيطان! وكذلك يُشْكِلُ متن الحديث إذا وضعناه بجانب الحديث الأخير؛ حيث كثيرًا ما يكون حمار أو حمير -في القُرى- على باب مَسْجد أو قريبًا منه، ثمَّ نرى أنَّ المؤذِّن يؤذِّن، ولكن لا نسمع نهيق الحمار! مع أنَّه مِن المفروض حسب الحديث الأوَّل: أنَّ الشَّيطان خرج مِن المسجد له ضراط، وحسب الحديث الثَّاني: أنَّ الحمار يرى الشَّيطان، وينهق عند رؤيته!» (١). هذا؛ ولم ينسَ (عفانة) أن يفتِّش لإسناد هذا الحديث عن عِلَّةٍ يُنيط بها ما اكتشفه في المتنِ مِن نكارة، فلم يجِد إلَّا أن يَتَّهم به: عبد الرَّحمن بن هرمز راويه عن أبي هريرة، وحدسُه أنَّه ما سمعه إلَّا مِن كعب الأحبار (٢).

стр. 903

المَطلب الثَّالث دفعُ دعاوي المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ عن حديث «إذا سمعتم صياحَ الدِّيَكة .. وإذا سمعتم نهيق الحمار» أمَّا عن معارض الحديث فيما يُدَّعى من تكذيب الحسِّ له .. إلخ؛ فقولُنا في دحضِه يَنبَجِسُ مِن عِدَّة وجوه: الوجه الأوَّل: أنَّ الحديث قد رواه الأئمَّة، واستهَمَ الشُّراح في بيانِه، فلم يقع لواحدٍ الإدلاءُ بهذا الاعتراض الَّذي اعترض به المعترضون مِن المعاصرين، مع سداد فهومِهم، وذكاء عقولهم، فتفرُّدهم بهذا الاعتراض على الحديث يُنبِئك عن مقدارِ فهمهم في جنبِ فهوم أولئك الأعلام. الوجه الثَّاني: أنَّ الحديث بتمامِه مِن قول رسول الله ﷺ ، ودعوى أنَّ تعليل صياحِ الدِّيَكة في الحديث هو مِن إدراج أبي هريرة ﵁ -كما ادَّعاه الكرديُّ- أو غَلط مِن عبد الرَّحمن بن هرمز -كما ادَّعاه عَفانة-: مجرَّد دعوى يُعوزها البرهان، ولم أرَ أحدًا مِن نقَّاد الحديث صرَّح بذلك، مع كونِهم أدقَّ عينًا بِما تصحُّ نسبته لرسول الله ﷺ وما لا يصحُّ. والمُعترضان إنَّما نَصَبا هذه الدَّعوى الإسناديَّة -فيما يظهر- لِئلَّا يستوحش النَّاظر مِن طعنهما في الحديث، وتكذيبهما له بدعوى مخالفتِه الواقع! (١)

стр. 904

الوجه الثَّالث: أنَّ الحديث أخبرَ عن أمرٍ غَيبيٍّ، لا يَقع للعقل إدراك كُنْهِهِ؛ لعجزِه من جِهة، ولقصورِ الواسطة النَّاقلة للعقلِ -وهي: الحواسُّ- عن تحصُّل هذا الإدراك من جهة أخرى؛ فإذا تحقَّق ذلك، فلا طريق إلى معرفة هذا الغيب إلَّا عن طريق الوحي، وحينئذٍ يجب الإيمان بما أخبر به الصَّادق ﷺ ؛ وذلك مِن مقتضيات الإيمان بالرَّسول ﷺ . وبناءً على ما قُرِّر، يَتبيَّن لك أنَّ دعوى المعترض أن لو كانت الدِّيَكة تصيح عند رؤيتها للملائكة، مع كون كلِّ إنسان محاطًا بملائكة يحفظونه، ومَلكين يكتبان أعماله؛ للَزِم مِن ذلك أن تصيح كلَّ وقت: هي دعوى باطلة، ذلك: أنَّ حصول صياح الدِّيَكة عند رؤية مَلَك، وكذا نهيق الحمار عند رؤية شيطان؛ لا يلزم منهما أن يكونا عند رؤيةِ كلِّ مَلَك أو كلِّ شيطان؛ لأنَّ الَّذي أشهدَ كُلًّا منهما لرؤيةِ ما لا يراه البشر: قادرٌ أن يحجُب عن الدِّيَكة رؤيةَ الملائكةِ الحَفَظة والمُوكَّلين بكتابة الأعمال؛ ويحجُبَ عن الحمارِ: قرينَ الإنسان، وهذا القرين نفسُه الَّذي يُدْبِر لِسماعِه الأَذَان، فهما نوعٌ واحد (١). وكما عَلِمنا بدلالة الواقع عدمَ شهودِ الدِّيَكة رؤيةَ كلِّ أنواع الملائكة، وعدمَ شهود الحمير كلَّ أنواع الشَّياطين، فإنَّ في بعض الأحاديث ما يُعلِم بأنَّ هذا الشُّهود لا يقع لها في كلِّ حين، بل هي محصورة في اللَّيل. جاء القيدُ بهذا في رواية أخرى عن أبي هريرة ﵁ رواها الثِّقات (٢) بلفظ: «إذا سمعتُم صياحَ الدِّيكة باللَّيلِ؛ فاسألوا الله من فضلهِ، فإنَّها رأت ملَكًا، وإذا سمعتُم نهيقَ الحمارِ باللَّيلِ؛ فتعوَّذُوا باللهِ من الشَّيطانِ؛ فإنهُ رأى شيطانًا» (٣).

стр. 905

قال الشَّوكاني: «قوله في الحديث الآخر (مِن اللَّيل): يُقيِّد المطلقَ، فتكون الاستعاذة إذا سمِع النُّباح ليلًا لا نهارًا» (١)، وكذلك قال علي القاريُّ (ت ١٠١٤ هـ) قبله (٢)؛ ويكفي في ردِّ تلك الشُّبهة اليتيمة ما سُقناه مِن تلك الحُجَج؛ والحمد للِه.

стр. 906

المَبحث الرَّابع نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المعاصرة لحديث «إذا هَلك كِسرى فلا كِسرى بعده»

стр. 907

المَطلب الأول سَوْق حديثِ: «إذا هَلك كِسرى فلا كِسرى بعده» عن جابر بن سمرة ﵁، عن النَّبي ﷺ قال: «إذا هَلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هَلك كِسرى فلا كِسرى بعده، والَّذي نفسي بيده، لتُنفقنَّ كنوزُهما في سبيلِ الله»؛ متَّفق عليه (١). وعن أبي هريرة ﷺ ، عن النَّبي ﷺ قال: «هَلَك كسرى، ثمَّ لا يكون كِسرى بعده، وقيصر لَيهلِكَنَّ، ثمَّ لا يكون قيصر بعده، ولتُقسَمنَّ كنوزها في سبيل الله»؛ متَّفق عليه (٢).

стр. 908

المَطلب الثَّاني سَوق المُعارضات الفكريَّةِ المعاصرةِ لحديثِ «إذا هَلك كِسرى فلا كِسرى بعده» أشكلَ هذا الحديث على مَن سَمع أنَّ كِسرى لمَّا قُتِل مَلَك ولدُه، ثمَّ مَلَك بعده جماعة، آخرهم قُتل في زمانِ عثمان ﵁! ومخالفة الحديثِ في ظنِّ هؤلاء للتَّاريخ في شأن قيصرَ أشدُّ وأظهر، إذْ لم تَزَل مَملكة الرُّوم باقيةً بعد هرقل لقرونٍ عديدةٍ. وفي تقرير هذه المعارضة التَّاريخيَّةِ للحديث، يقول إسماعيل الكرديُّ: «بالنِّسبة لكسرى شاه الفُرس: البِشارة صحيحة مائةً بالمائة، فبعدَ عشر سنوات فقط مِن رحلةِ النَّبي ﷺ ، وفي معركة نَهاوَند، سقطت فارس بيد المسلمين، وبعدها بقليل قُتل يَزْدَجِرد الثَّالث، وانقرضت بقتله سلسلة ملوك آل سَاسَان، فلم تَقُم لهم قائمةٌ فيما بعد. أمَّا بالنِّسبة لهلاك قيصر، فإنَّه لمَّا مات، استمرَّت سلسلة القياصرة بعده لِما يقارب ثمانية قرون! جاء خلالها تسعة وستون قيصرًا آخر! فلعلَّ هذه الزِّيادة مُدرجة من كلام أبي هريرة، فظنَّها بعضهم مرفوعةً عن النَّبي ﷺ » (١).

стр. 909

المَطلب الثَّالث دفع المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ عن حديث «إذا هَلك كِسْرى فلا كِسْرى بعده» قد سبق التَّنبيه إلى أنَّ مِن مَثارات الغَلط عند المُستشكلينَ للأخبارِ: فَهمُهم للنَّصِ على غير مُراد صاحبِه، بحيث يأخذون بظاهرِ عمومِه مُجرَّدًا دون اعتبارٍ لما يَحتفُّ به مِن قرائن تُوجِب التَّخصيص. وهذا الحاصل في هذا الحديث، وعليه ابتنَى بعض المُعاصرين إنكارَهم له؛ وكان الفَرض أن ينظروا في ما يحتمله لفظُه مِن أوجُه المعاني، فتُقَرَّ منها ما وافق الشَّرع والعقل، ويُستبعد منها ما يخالف ذلك مخالفةً بيِّنة. فلأجل هذا؛ لم نرَ أحَدًا مِن أئمَّةِ العلمِ -في القديم أو الحديثِ- يُجرِي هذا الخبر على معنى انقضاءِ مُلكِ الرُّومِ بالمَرَّة بعد هلاكِ هرقلَ، ولا قال أحدٌ منهم بانعدامِ مَن يخلُفه في مَملكتِه بعده، كيف والواقع المُعايَش عندهم خِلاف ذلك؟ والمعتزلة مع كثرة شَغَبهم على أخبارِ الغيبِ، لم يُعلَم عن أحدِهم طَعنٌ في هذا الحديث بخصوصِه، بل ولا أورَدَه الغُماري أبو الفضل في «الفوائد المقصودة» فيما ما شَذَّ مِن أحاديث الصَّحيحين وغيرهما في نظره. وقد سَلَك العلماء في تفسيرِ هذا الخبر مَسلكَ التَّخصيصِ لدلالتِه، يظهر ذلك في: حملِهم نَفيَ القَيْصَريَّةِ في الحديثِ على انقراضِها عن مَوضعٍ مَخصوصٍ، لا عن وجهِ الأرض كلِّها؛ وكذا الأمر في كِسرى.

стр. 910

فيكون المعنى من الحديث: لا يَبقى كِسرى بأرضِه، وهي العراق، ولا قيصر بأرضِه، وهي الشَّام، كما كان الشَّأن في عهد النُّبوة، فإعلَامه ﷺ بانقصامِ مُلكِهما وزوالِه هو مِن هذين القُطرَين، ولذا «قوِيَتْ نفوسُ الَعرب على الاتِّجار مع هذين القُطرين، وكانوا مِن قبل يملكون المزَارع في الشَّام، ويقيمون، ويَنعمون» (١). هذا القول مَنقول عن الشَّافعي، وأيَّدَه مُرادًا للحديثِ بسَوقِ سَببِ ورودِه، بأن قال: «كانت قريش تَنتابُ الشَّامَ انْتِيابًا كثيرًا، مع مَعايشها منه، وتأتي العِراق، فلمَّا دَخلت في الإسلام، ذَكَرت للنَّبي ﷺ خوفَها مِن انقطاعِ تعايُشها بالتِّجارة مِن الشَّام والعراق إذا فارقت الكفرَ ودَخلت في الإسلام، مع خلافِ مُلكِ الشَّام والعراق لأهل الإسلام، فقال النَّبي ﷺ : «إذا هَلَك كِسرى فلا كسرى بعده». قال: فلَم يكُن بأرضِ العراقِ كسرى بعدَه ثَبَت له أمرٌ بَعدَه. قال: «وإذا هَلَك قيصر فلا قيصر بعده»، فلم يكُن بأرضِ الشَّام قيصرٌ بعدَه، وأجابهم على ما قالوا له، وكان كما قال لهم رسول الله ﷺ ، وقَطَع الله الأكاسرة عن العراق، وفارسَ وقيصر ومَن قام بالأمرِ بعدَه عن الشَّام. قال: قال النَّبي ﷺ في كِسرى: «يُمَزَّق ملكُه»، فلم يبقَ للأكاسرةِ مُلك، وقال في قيصر: «يثبتُ ملكُه»، فثَبَت له ملكٌ ببلادِ الرُّوم إلى اليوم، وتَنحَّى ملكُه عن الشَّام، وكلُّ هذا أمرٌ يصدِّق بعضُه بعضًا» (٢). وإلى الإقرار بهذا الوجه مِن الشَّافعيِّ مُرادًا للحديث، جنح ابن حبَّان (٣)، والخَطَّابي (٤)، والقاضي عِياض (٥)، والنَّووي (٦)، وابن كثير (٧)، وغيرهم.

стр. 911

فأمَّا كِسرى الثَّاني، المُلَقَّب بـ (بَرْويز) ابنِ هُرمز: فكان حاله كما أخبرَ النَّبي ﷺ في الحديث، فبعد أن قتله ابنُه (شِيرُويَه)، انقطعَ أمرُه بالكليَّة، ولم يَزل مُلك فارس إلى انمحاقٍ وانقراضٍ بعدَه بِدَعوتِه ﷺ . وهو وإن مَلَك بعده جماعةٌ، لكن لم يخلُفه أحَدٌ مثلُه، ولا ثَبَتَ المُلك لأيِّهِم (١)، وكانوا عشرةً على الأقلِّ، كُلَّما خَلَف أحدُهم مَن سَبَقه قَتلوه، ومَن نَجى عاجَله المَرض بالموتِ بعد أشهرٍ قليلةٍ (٢)، آخرُهم يَزْدَجِرد بن شَهريار، وقد هرَب مِن المدائن عند فتح المسلمين مُتخفِّيًا نحوًا مِن عشرين سنة، إلى أن قُتل في عهد عثمان ﵁ سنة (٣١ هـ) (٣). فكان بهذا «كِسرى بن هُرمز آخرَ الأكاسِرة المُمَلَّكين، ومَن وَلِي بعده وُلاة مُتضَعِّفون» (٤)، و «مَا مَلَكَ مَن لم يكُن لمُلكِه طائلٌ ولا ثبوت» (٥)! فبانَ بذا أنْ لا كِسرى مِن بعدِه مِن حيث المُلك حقيقةً، إنمَّا هو اسم فارغٌ مِن المعنى. فإن قال قائل: قَدَّرنا صِحَّةَ هذا المعنى في كِسرى، فكيف بقيصرَ ومملكةُ الرُّوم لم تَزَل بعدَه قرونَ عديدة؟ وجواب ذلك أن يُقال: إنَّ مُلك قيصرَ قد انجلى عن الشَّامِ بالكليَّة، واستُفتِحت خزائِنُه، ولم يخلُفه مِن ملوك الرُّومِ في تلك البلادِ أَحَد، والنَّبي ﷺ إنَّما أخبرَ العَربَ عن هلاكِه حيث كان في زَمانِه (٦) -كما أسلفنا تقريرَه- إذْ كانت العَرَب لا تجعَلُ (قيصرَ) عَلَمًا إلَّا

стр. 912

على مَن مَلَك الشَّام مع الجَزيرة (١) مِن الرُّوم، فإذا سَقَطت الشَّام مِن مَملكتِه، انتفى لَقَب القَيصريَّة تَبعًا لذلك (٢). هذا، وقد كانت الشَّام لقيصرَ «مَشْتاه ومَربَعُه، وبها بيت المَقدس، وهو المَوضع الَّذي لا يَتِمُّ نُسُك النَّصارى إلَّا فيهنَّ، ولا يُمْلِ على الرُّوم أحَدٌ مِن ملوكِهم، حتَّى يكونَ قد دَخَله سِرًّا أو جهرًا» (٣). ولذلك لوحِظَ تاريخيًّا تَخلِّي مُلوك الرُّومِ البِيزَنطيِّينَ عن لَقبِ (القَيصر) بعد ما جرى عليهم في تلك الأرض المُقدَّسة ما جَرى، وانْمحَى فيهم هذا الاسم بعدُ تَدريجيًّا. وفي ذلك يقول أبو زرعة العِراقي: «مِمَّا انقرَضَ ولم يعُد: بقاءُ اسمِ قيصر، لأنَّ ملوك الرُّوم لا يُسمَّون الآن بالأقاصِرة، وذَهَب ذلك الاسم عن مُلكِهم، فصَدَق أنَّه لا قيصر بعد ذلك الأوَّل» (٤). هذا مع فقدِهم لبلادٍ واحدةٍ وهي الشَّام، فكيف يكون بُأسُ دولةِ هرقلٍ وقد فقدوا بعدها بلادَ مِصر؟! لقد كان هِرقلٌ نفسُه مُعترِفًا بأنَّ سقوط هذين القُطرَين العَظيمين لا يُسقِط حكمَ القيصريَّةِ فحسب، بل هو إيذانٌ باندثارِ دولةِ الرُّوم بأكملِها، فكان يقول: «لَئِن ظَهَرت العَربُ على الإسكندريَّة، إنَّ ذلك انقطاعُ مُلك الرُّوم وهلاكُهم؛ لأنَّه ليس للرُّوم كنائس أعظمُ مِن كنائس الإسكندريَّة، وإنَّما كان عيد الرُّوم بالإسكندريَّة حيث غَلَبت العَرب على الشَّام، فلَئِن غَلبونا على الإسكندريَّة لقد هَلَكَت الرُّوم، وانقطعَ مُلكها» (٥).

стр. 913

فقد كان ما خَشِيَه حقًّا! فإنَّه بعد تخلِّيه عن الشَّام، ورجوعِه القَهقرى إلى داخل بلادِه وقواعدِها مِن قُسطنطينية، هَلَك أثناء حصارِ عمرو بن العاص ﵁ للإسكندريَّة سنة (٦٤١ م)، «ولم يكُن قد بَقِيَ مِن أرض مصرَ في أيدي الرُّوم عند وفاةِ هرقل سِوى هذه المدينة، وبدخولهِا في حَوْزة المسلمينَ في السَّنةِ التَّاليةِ، تَمَّ لهم فتحُ مصرَ، واقتطاعُها نهائيًّا مِن الإمبراطوريَّة البِيزَنطيَّة» (١). فظَهَر بهذا أنَّ قوله ﷺ : «لا قيصر» هو على حقيقتِه، لأنَّ القيصر لقبُ مَلِك الشَّام مِن الرُّوم، وليس لقبًا لمَلِك الرُّوم مُطلقًا، وقد انزاحَ مُلك الرُّومِ عن الشَّام، فانزاح معها لقب القيصريَّة تَبَعًا، «وفي هذا بِشارة عظيمةٌ بأنَّ مَلِك الرُّوم لا يعود أبدًا إلى أرض الشَّام» (٢). وأمَّا قوله ﷺ : «لا كِسرى»: فالمُراد مِنه وَقَع لا مَحالة، لأنَّه لم تَبقَ مملكتُه على الوجهِ الَّذي كان زمنَ النَّبي ﷺ ، ولم يثبُت لأحدٍ بعدَه مُلكٌ حتَّى اضمحلَّت دولتُه سَريعًا؛ وكان أنِ «افتَتَح المسلمون بلادَهما، واستقرَّت للمسلمين ولله الحمد، وأنفقَ المسلمون كنوزَهما في سبيلِ الله كما أخبرَ ﷺ ، وهذه معجزات ظاهرة» (٣). ولذلك عَدَّ العلماء هذا الخَبر منه ﷺ مِن أعلامِ نُبوَّتِه (٤).

стр. 914

المَبحث الخامس نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لأحاديث انقضاءِ قرن الصَّحابةِ بعد المائة

стр. 915

المَطلب الأوَّل سَوْق أحاديثِ انقضاءِ قرن الصَّحابةِ بعد المائة عن أنس ﵁: أنَّ رجلًا من أهل البادية أتى النَّبي ﷺ فقال: يا رسول الله، متى السَّاعة قائمة؟ قال: «ويلك! وما أعددت لها؟» قال: ما أعددتُ لها إلَّا أنِّي أحبُّ الله ورسوله، قال: «إنَّك مع من أحببت»، فقلنا: ونحن كذلك؟ قال: «نعم»، ففرحنا يومئذٍ فرحًا شديدًا، فمرَّ غلام للمغيرة، وكان من أقراني، فقال: «إنْ أُخِّر هذا، فلن يدركه الهَرم حتَّى تقوم السَّاعة» متَّفق عليه (١). وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: صلَّى بنا رسول الله ﷺ ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته، فلمَّا سلَّم قام فقال: «أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإنَّ على رأس مائة سنةٍ منها لا يبقى ممَّن هو على ظهر الأرض أحد»، قال ابن عمر: فوَهَل النَّاس في مقالة رسول الله ﷺ تلك، فيما يتحدَّثون مِن هذه الأحاديث عن مائة سنة، وإنمَّا قال رسول الله ﷺ : «لا يبقى ممَّن هو اليوم على ظهر الأرض أحد»، يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن، متَّفق عليه (٢).
следующие страницы →