← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 224

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

فأمَّا كِسرى الثَّاني، المُلَقَّب بـ (بَرْويز) ابنِ هُرمز: فكان حاله كما أخبرَ النَّبي ﷺ في الحديث، فبعد أن قتله ابنُه (شِيرُويَه)، انقطعَ أمرُه بالكليَّة، ولم يَزل مُلك فارس إلى انمحاقٍ وانقراضٍ بعدَه بِدَعوتِه ﷺ . وهو وإن مَلَك بعده جماعةٌ، لكن لم يخلُفه أحَدٌ مثلُه، ولا ثَبَتَ المُلك لأيِّهِم (١)، وكانوا عشرةً على الأقلِّ، كُلَّما خَلَف أحدُهم مَن سَبَقه قَتلوه، ومَن نَجى عاجَله المَرض بالموتِ بعد أشهرٍ قليلةٍ (٢)، آخرُهم يَزْدَجِرد بن شَهريار، وقد هرَب مِن المدائن عند فتح المسلمين مُتخفِّيًا نحوًا مِن عشرين سنة، إلى أن قُتل في عهد عثمان ﵁ سنة (٣١ هـ) (٣). فكان بهذا «كِسرى بن هُرمز آخرَ الأكاسِرة المُمَلَّكين، ومَن وَلِي بعده وُلاة مُتضَعِّفون» (٤)، و «مَا مَلَكَ مَن لم يكُن لمُلكِه طائلٌ ولا ثبوت» (٥)! فبانَ بذا أنْ لا كِسرى مِن بعدِه مِن حيث المُلك حقيقةً، إنمَّا هو اسم فارغٌ مِن المعنى. فإن قال قائل: قَدَّرنا صِحَّةَ هذا المعنى في كِسرى، فكيف بقيصرَ ومملكةُ الرُّوم لم تَزَل بعدَه قرونَ عديدة؟ وجواب ذلك أن يُقال: إنَّ مُلك قيصرَ قد انجلى عن الشَّامِ بالكليَّة، واستُفتِحت خزائِنُه، ولم يخلُفه مِن ملوك الرُّومِ في تلك البلادِ أَحَد، والنَّبي ﷺ إنَّما أخبرَ العَربَ عن هلاكِه حيث كان في زَمانِه (٦) -كما أسلفنا تقريرَه- إذْ كانت العَرَب لا تجعَلُ (قيصرَ) عَلَمًا إلَّا

стр. 912

على مَن مَلَك الشَّام مع الجَزيرة (١) مِن الرُّوم، فإذا سَقَطت الشَّام مِن مَملكتِه، انتفى لَقَب القَيصريَّة تَبعًا لذلك (٢). هذا، وقد كانت الشَّام لقيصرَ «مَشْتاه ومَربَعُه، وبها بيت المَقدس، وهو المَوضع الَّذي لا يَتِمُّ نُسُك النَّصارى إلَّا فيهنَّ، ولا يُمْلِ على الرُّوم أحَدٌ مِن ملوكِهم، حتَّى يكونَ قد دَخَله سِرًّا أو جهرًا» (٣). ولذلك لوحِظَ تاريخيًّا تَخلِّي مُلوك الرُّومِ البِيزَنطيِّينَ عن لَقبِ (القَيصر) بعد ما جرى عليهم في تلك الأرض المُقدَّسة ما جَرى، وانْمحَى فيهم هذا الاسم بعدُ تَدريجيًّا. وفي ذلك يقول أبو زرعة العِراقي: «مِمَّا انقرَضَ ولم يعُد: بقاءُ اسمِ قيصر، لأنَّ ملوك الرُّوم لا يُسمَّون الآن بالأقاصِرة، وذَهَب ذلك الاسم عن مُلكِهم، فصَدَق أنَّه لا قيصر بعد ذلك الأوَّل» (٤). هذا مع فقدِهم لبلادٍ واحدةٍ وهي الشَّام، فكيف يكون بُأسُ دولةِ هرقلٍ وقد فقدوا بعدها بلادَ مِصر؟! لقد كان هِرقلٌ نفسُه مُعترِفًا بأنَّ سقوط هذين القُطرَين العَظيمين لا يُسقِط حكمَ القيصريَّةِ فحسب، بل هو إيذانٌ باندثارِ دولةِ الرُّوم بأكملِها، فكان يقول: «لَئِن ظَهَرت العَربُ على الإسكندريَّة، إنَّ ذلك انقطاعُ مُلك الرُّوم وهلاكُهم؛ لأنَّه ليس للرُّوم كنائس أعظمُ مِن كنائس الإسكندريَّة، وإنَّما كان عيد الرُّوم بالإسكندريَّة حيث غَلَبت العَرب على الشَّام، فلَئِن غَلبونا على الإسكندريَّة لقد هَلَكَت الرُّوم، وانقطعَ مُلكها» (٥).

стр. 913

فقد كان ما خَشِيَه حقًّا! فإنَّه بعد تخلِّيه عن الشَّام، ورجوعِه القَهقرى إلى داخل بلادِه وقواعدِها مِن قُسطنطينية، هَلَك أثناء حصارِ عمرو بن العاص ﵁ للإسكندريَّة سنة (٦٤١ م)، «ولم يكُن قد بَقِيَ مِن أرض مصرَ في أيدي الرُّوم عند وفاةِ هرقل سِوى هذه المدينة، وبدخولهِا في حَوْزة المسلمينَ في السَّنةِ التَّاليةِ، تَمَّ لهم فتحُ مصرَ، واقتطاعُها نهائيًّا مِن الإمبراطوريَّة البِيزَنطيَّة» (١). فظَهَر بهذا أنَّ قوله ﷺ : «لا قيصر» هو على حقيقتِه، لأنَّ القيصر لقبُ مَلِك الشَّام مِن الرُّوم، وليس لقبًا لمَلِك الرُّوم مُطلقًا، وقد انزاحَ مُلك الرُّومِ عن الشَّام، فانزاح معها لقب القيصريَّة تَبَعًا، «وفي هذا بِشارة عظيمةٌ بأنَّ مَلِك الرُّوم لا يعود أبدًا إلى أرض الشَّام» (٢). وأمَّا قوله ﷺ : «لا كِسرى»: فالمُراد مِنه وَقَع لا مَحالة، لأنَّه لم تَبقَ مملكتُه على الوجهِ الَّذي كان زمنَ النَّبي ﷺ ، ولم يثبُت لأحدٍ بعدَه مُلكٌ حتَّى اضمحلَّت دولتُه سَريعًا؛ وكان أنِ «افتَتَح المسلمون بلادَهما، واستقرَّت للمسلمين ولله الحمد، وأنفقَ المسلمون كنوزَهما في سبيلِ الله كما أخبرَ ﷺ ، وهذه معجزات ظاهرة» (٣). ولذلك عَدَّ العلماء هذا الخَبر منه ﷺ مِن أعلامِ نُبوَّتِه (٤).

стр. 914

المَبحث الخامس نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لأحاديث انقضاءِ قرن الصَّحابةِ بعد المائة

стр. 915

المَطلب الأوَّل سَوْق أحاديثِ انقضاءِ قرن الصَّحابةِ بعد المائة عن أنس ﵁: أنَّ رجلًا من أهل البادية أتى النَّبي ﷺ فقال: يا رسول الله، متى السَّاعة قائمة؟ قال: «ويلك! وما أعددت لها؟» قال: ما أعددتُ لها إلَّا أنِّي أحبُّ الله ورسوله، قال: «إنَّك مع من أحببت»، فقلنا: ونحن كذلك؟ قال: «نعم»، ففرحنا يومئذٍ فرحًا شديدًا، فمرَّ غلام للمغيرة، وكان من أقراني، فقال: «إنْ أُخِّر هذا، فلن يدركه الهَرم حتَّى تقوم السَّاعة» متَّفق عليه (١). وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: صلَّى بنا رسول الله ﷺ ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته، فلمَّا سلَّم قام فقال: «أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإنَّ على رأس مائة سنةٍ منها لا يبقى ممَّن هو على ظهر الأرض أحد»، قال ابن عمر: فوَهَل النَّاس في مقالة رسول الله ﷺ تلك، فيما يتحدَّثون مِن هذه الأحاديث عن مائة سنة، وإنمَّا قال رسول الله ﷺ : «لا يبقى ممَّن هو اليوم على ظهر الأرض أحد»، يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن، متَّفق عليه (٢).

стр. 916

وعن عائشة ﵂ قالت: كان رجال من الأعراب جُفاة يأتون النَّبي ﷺ فيسألونه: متى السَّاعة؟ فكان ينظر إلى أصغرهم فيقول: «إن يعش هذا لا يدركه الهَرم حتَّى تقوم عليكم ساعتُكم»، قال هشام: يعني موتهم؛ متَّفق عليه (١). وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: سمعت النَّبي ﷺ يقول قبل أن يموت بشهر: «تسألوني عن السَّاعة وإنَّما علمها عند الله؟! وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسةٍ تأتي عليها مائة سَنة» (٢).

стр. 917

المَطلب الثَّاني سَوق المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ لأحاديث انقضاءِ قرن الصَّحابة بعد مائة سنة يَدَّعي جمعٌ مِن المعاصرين بأنَّ الأخبار في هذا البابِ كذب على النَّبي ﷺ ، لمخالفتها لما هو معلوم بالضَّرورة والحسِّ عدمُ تحقُّقه، فإنَّ ربط قيام السَّاعة بانصرام مائة سنةٍ، أو بوفاة الغلام، يستلزم ذلك قيامها منذ أمَدٍ بعيد! فاسمع (أحمد أمين) وهو يقول: «نرى البخاريَّ نفسه -على جليل قدره ودقيق بحثه- يُثبت أحاديث دلَّت الحوادث الزَّمنية والمشاهدة التَّجريبيَّة على أنَّها غير صحيحة، .. كحديث: لا يبقى على ظاهر الأرض بعد مائة سنة نفس منفوسة» (١). ويقول (سامر إسلامبولي): «المُلاحظ من الحديث أنَّ الجواب قد حدَّد قيام السَّاعة خلال فترة زمنيَّة لا تتجاوز أن يبلغ الغلام سنَّ الهَرم، أي ما يقارب السِّتين عامًا، وقد مضى على قولِ الحديث ألف وأربعمائة عام ولم تقم السَّاعة! فهناك احتمالان: أنَّ الغلام لم يبلغ إلى الآن سنَّ الهَرم، أو أنَّ السَّاعة قد قامت ولم ندرِ نحن، ونكون قد نفذنا من الحساب!» (٢).

стр. 918

وآخرون يَعتبرون أنَّ هذه الأحاديث لا يجوز للنَّبي ﷺ أن يتفوَّه بها أصلًا وقد حُجِب عنه وعن الخلقِ كلِّهم علم السَّاعة؛ كما تراه في قولِ إسماعيل الكردي: «يُشْكِل على متن هذه الرِّواية أيضًا أنَّ فيها مخالفةً لآيات القرآن الكريم، الَّتي تؤكِّد مرارًا أن لا أحد يعلم متى السَّاعة إلَّا الله وحده والَّتي يأمر فيها الله سبحانه نبيَّه الكريم أن يجيب من يسأله عن السَّاعة بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [المُلك: ٢٦]» (١). وكذا يقول عز الدِّين نيازي: « .. إنَّ رؤية الحقِّ لا تحتاج إلى علم خاصٍّ ولا إلى ذكاء خارق، الله سبحانه في وحيه الأساسيِّ يقول لنا: إنَّ علم السَّاعة عند الله وحده، ولا يجلَّيها إلَّا هو، ونحن نصرُّ ونكذِّب آيات الله في القرآن، ونقول: بل إنَّ الرَّسول ﷺ يعلم! وقد قال: لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نَفْس منفوسة اليوم» (٢).

стр. 919

المَطلب الثَّالث دَفعُ دعاوي المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ عن أحاديثِ انقضاءِ قرن الصَّحابة بعد المائة لا يَنقضي عَجبي مِن هؤلاء السُّرْعانِ في تجهيلِ المحدِّثين والطَّعنِ في مرويَّاتِهم، من دون تريُّثٍ وتأمُّل في صنيعِهم وما قد يرد عليه من وهمٍ وسوء فهمٍ، لربَّما كشف عنه أهل العلمِ منذ قرون عديدة. فلو سألناهم -مثلًا- عمَّا يزعمون مِن تكذيب الواقع لأحاديث هذا الباب: هل هو أمرٌ ظَهَر لكم مَعاشر المُحْدَثين بخاصَّة؟ أم ظَهَر لِمن سبَقكم مِن عقلاءِ السَّلف؟ وبصيغةٍ أدقَّ نقول: متى كان سيظهر تكذيبُ الواقع لمثلِ هذا الخَبر الَّذي بَلَغ رتبة القطعِ عند المحدِّثين؟ فلا بدَّ أن يقولوا: مثل هذا الأمر الجَليِّ الواضح في المخالفةِ للواقعِ لابدَّ أن يكون قد ظَهَر لِمن قَبلنا بداهةً، وتحديدًا بعد هرمِ الغُلامِ، أو انقضاء المائة سنةٍ بعد وفاةِ النَّبي ﷺ ! فنقول لهم: إن كان النَّبي ﷺ قد قال هذا الحديث وغيره ممَّا في معناه سنة عشرٍ للهجرة، فسيكون المُجلِّي لكذبِ هذه الأخبار هو سنة (١١٠ هـ)! إذ به يكتمل قرنٌ من زمنِ تحديثه به.

стр. 920

لكنَّا وجدنا المحدِّثين يصحِّحون هذه الأحاديث، ولو بعد مرور هذه السَّنة العاشرة بعد المائة! حيث رواه التَّابعون وأتباعهم في كُتبِهم، مع مخالفته القطعيَّة للواقعِ كما يدَّعيه المعترضونَ! بل أخرجها البخاريُّ ومسلم في «صحيحيهما»، وقد مَرَّ على ظهورِ كذبِه للأعمى -حسب دعواكم- أكثر مِن مائة وأربعين سنةً! فلن يبقى لنا في الحكمِ على هؤلاء المُحدِّثين حسب دعواكم إلَّا القول بأحدِ احتمالين: إمَّا مجانين كلُّهم! يصحِّحون ما يظهر كذبه لأغبى الخليقةِ، ثمَّ يلحقهم في هذا الجنونِ عوَّام المسلمين، حيث أقرُّوا علماءهم على تلك الغباوة المفرطة، وأخذوا عنهم هذه الأخبار. وإمَّا أنَّهم لم يجدوا في هذه الأخبار ما يُخالف الواقعَ بحالٍ، فلذلك قبلوها. إنَّ ظنِّي بالمُعترض أنَّه مهما خالفَ البخاريَّ ومسلمًا وأئمَّة الدِّين في منهج النَّقدِ للرِّوايات، فإنَّه لن يبلُغَ به الشَّطَط في الخصومةِ أن يعتقد فيهم الجنونَ والتَّغابي إلى هذه الدَّرجةِ من البَله. فعليه -إذن- أن يُقرِّر أنَّ لهؤلاء تفسيرًا للحديث يدفع ما قد يظنُّه معارضةً مِن الخبر للشَّرع والواقعِ، ولينظر في تفسيرِهم ذلك للحديثِ، ثمَّ لينقُده بعدُ إذا شاء أن ينقد، لكن لا يحِقُّ له أن يَتوهَّم في مَن صَحَّح الحديث مِن سادات الأمِّةِ أنَّهم كانوا في غفلةٍ عمَّا يستشكله أمثالُ المُعتِرض من الحديث. فإذا رجعنا إلى «الصَّحيحين» نفسيهما، في الَمواطن الَّتي أخرج فيها الشَّيخان حديث أنس ﵁: «إنْ أُخِّر هذا، فلن يدركه الهَرم حتَّى تقوم السَّاعة»، نجِدُهما قد أخرجا بإزاءِه الحديثَ المفسِّر لِما قد يُشكِل مِن فهمِه، وهو: حديث عائشة ﵂، وبه خَتمتُ أحاديث هذا الباب فيما مَرَّ، ليكون كاشفًا لِما مَضى قبلَه مِن أحاديث قد تكون مجملةً، حيث جاء في آخره قولُ النَّبي ﷺ : «إنْ يَعِش هذا، لا يُدركه الهَرَم حتَّى تقوم عليكم ساعتُكم»، قال هشام: يعني موتَهم».

стр. 921

فلو فرَضنا أنَّ البخاريَّ لا يَعِي مِن فهمِ الحديثِ شيئًا، وأنَّه المسكينُ لا يَدْرِي أنَّ السَّاعة لم تَقُم بعد موتِ ذاك الغُلام! فلقد بَيَّن له هشام بن عورة هذا المعنى الواضح في آخر روايتِه للحديث بقوله: «يعني موَتهم»، أي: لن يهرم هذا الغلام حتَّى يموت السَّائل، فتقوم قيامَته، إذْ المَوتُ سَاعةُ كلِّ إنسان، ومن مات فقد قامت قيامتُه. غير أنَّ هذا الَّذي قاله هشام هو ما فهِمه البخاريُّ ومسلم وباقي الأئمَّة حقًّا، بل هو ما كان واضحًا عند علماء الصَّحابة قبلهم قبل أن يهرم ذلك الغلام! كما تراه في ثاني أحاديثِ هذا الباب، في قولِ ابن عمر ﵁: « .. إنمَّا قال رسول الله ﷺ : «لا يَبْقى مِمَّن هو اليومَ على ظهرِ الأرض أحدٌ»، يريد بذلك أن ينخرِمَ ذلك القرن». يقول ابن حجر: «قد بَيَّن ابنُ عمر في هذا الحديث مُراد النَّبي ﷺ ، وأنَّ مُراده أنَّ عند انقضاءِ مائةِ سنةٍ مِن مقالتِه تلك ينخرم ذلك القَرن، فلا يبقى أحدٌ ممَّن كان موجودًا حال تلك المقالة. وكذلك وَقع بالاستقراء، فكان آخر مَن ضُبِط أمرُه ممَّن كان موجودًا حينئذٍ: أبو الطُّفيل عامر بن واثلة، وقد أجمعَ أهل الحديث على أنَّه كان آخر الصَّحابة موتًا، وغاية ما قيل فيه أنَّه بَقِي إلى سنة عشر ومائة، وهي رأس مائة سنةٍ مِن مقالة النَّبي ﷺ » (١). ونحن نَعلمُ أنَّ عبد الله بن عمر ﵁ توفي سنة (٧٣ هـ)، أي: أنَّه قد فهِم الحديث فهمًا صحيحًا قبل أن يُقطَع بمجيءِ سنة (١١٠ هـ)، وهو الوقت المضروب لظهورِ كذبِ الحديث، حسب زعمِ المعترضين من المعاصرين! وعلى نحوِ فهمِ ابن عمر ﵁ ينبغي أن تُفهم أحاديث النَّبي ﷺ مجموعًا طُرقها بعضها إلى بعض، لا بأن يُنظر في كلِّ واحدٍ منها مُنعزلًا عن الآخر؛ فما

стр. 922

جاء في روايةٍ مجملةٍ بلفظٍ: «السَّاعة» مُطلقةً دون إضافة، بيَّنته رواية أخرى بإضافتها إلى ساعةِ ذلك القَرنِ المُخاطَبِ: «تقوم عليكم ساعتُكم». يقول النَّووي: «هذه الأحاديث قد فَسَّر بعضُها بعضًا، وفيها عَلَم من أعلام النُّبوة، والمُراد أنَّ كلَّ نفسٍ منفوسةٍ كانت تلك اللَّيلة على الأرض لا تعيش بعدها أكثر مِن مائة سنة، سواء قلَّ أمرُها قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفيُ عيشِ أحدٍ يوجد بعد تلك اللَّيلة فوق مائة سَنة» (١). العجيب في هذا: أنَّ ذاك المعنى الخاطئ الَّذي توَهَّمه المُحْدَثون من الحديث، فظنُّوه اكتشافًا حصريًّا لهم، قد وَقَع مثله قديمًا زمنَ المقالةِ النَّبوية نفسِها! فقد جاء في كلامِ ابن عمر ﵁: « .. فوَهَل النَّاس -أي غلِطوا- في مقالةِ رسول الله ﷺ تلك، فيما يتَحَدَّثون مِن هذه الأحاديثِ عن مائةِ سَنة». فعلماء الصَّحابة والتَّابعين قد نَبَّهوا على خطأِ هذا الفهمِ، وليس هو مَعنًى تأوَّله أهل السُّنةِ حَديثًا وتَعسَّفوا في تفسيرِ الحديث به، تفاديًا لتخطئةِ المُحدِّثين كما يزعمه المُبطِلون. فإن قال قائل: إن كان الأمرُ كما قرَّر مَن ذكرتَ مِن أهل العلم، فلماذا أجابَ النَّبي ﷺ بأنْ أشار إلى عُمْرِ الغُلامِ، أو انخرامِ القرن، ولم يكتفِ بنفِي علمِه بالسَّاعةِ رأسًا؟ فجواب ذلك: أنَّ الأعرابَ مِن جفائهم كانوا يَسألون النَّبي ﷺ عن مَوعدِ السَّاعة، ومع أنَّ الجواب قد حُسِم في القرآن، إلَّا أنَّه ﷺ لم يحِبَّ أن يرُدَّ جفاءَهم ذاك كلَّ مَرةٍ بجفاءٍ منه، فأرادَ أن يُلفِت انتباهَهم بأسلوبِ الحكيمِ، إلى كون السُّؤال عن وقتِ السَّاعة -فضلًا عن جهلِ المَسئولِ به- لن يَنفعهم في شيء، إنَّما ينفع المرءَ عملُه ومحاسبةُ نفسِه عليه، كما قال للأعرابي: «وما أعددتَ لها؟!».

стр. 923

فأراد ﷺ أن يؤكِّد هذا المعنى للسَّائل فقال: «إنْ أُخِّرَ هذا، فلن يُدركه الهَرم حتَّى تقوم السَّاعة»، وفي الرِّواية الأخرى: «إنْ يَعش هذا، لا يُدركه الهَرم حتَّى تقوم عليكم ساعتُكم». فكأنَّه ﷺ يريد بهذا أن يقول له: إنَّه مهما يكُن مَوعدُ السَّاعةِ أيُّها السَّائل، فإنَّك لن تفوق في العُمرِ عمرَ هذا الغلامِ الصَّغير، وموتُك حينها قيامُ ساعتِك، فانظر فيما قدَّمتَ مِن عملٍ قبل موتك! (١) وبذا يتبيَّن لكلِّ منصفٍ ألَّا تعارض بين الحديث وبين الواقع البتَّة، فضلًا عن أن يكون معارِضًا للقرآن في نفي علم السَّاعة عن غير الله تعالى. والحمد لله على توفيقه.

стр. 924

المَبحث السَّادس نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث «خلق التُّربة يوم السَّبت»

стр. 925

المَطلب الأوَّل سَوق حديث خلق التُّربة يوم السَّبت عن أبي هريرة ﵁ قال: أخَذَ رسول الله ﷺ بيَدِي فقال: «خَلَق الله التُّربةَ يوم السَّبت، وخَلق فيها الجِبال يومَ الأحد، وخلق الشَّجر يومَ الاثنين، وخلق المكروه يوم الثُّلاثاء، وخلق النُّور يوم الأربعاء، وبثَّ فيها الدَّواب يوم الخميس، وخلق آدم ﵇ بعد العصر مِن يوم الجمعة، في آخرِ الخلقِ، في آخرِ ساعةٍ مِن ساعاتِ الجمعة، فيما بين العَصر إلى اللَّيل». رواه مسلم (١).

стр. 926

المَطلب الثاني سَوْق خِلافِ العلماءِ في صحَّةِ حديثِ خَلْقِ التُّربة يومَ السَّبت قد اختلف أهل العلمِ في هذا الحديث قديمًا وحديثًا على طائفتين: الأولى: رَأت الحديثَ مُنكرَ المتنِ، واختلفت في أصل هذه النَّكارة من السَّنَد. فمِن أشهر هؤلاءِ المُعلِّين للحديث: ابنُ المَديني (١)، والبخاريُّ (٢)، وابن عطيَّة الأندلسي (٣)، وأبو العبَّاس القرطبي (٤)، وتلميذه المُفسِّر أبو عبد الله القرطبيُّ (٥)، وابن تيميَّة (٦)، وابن القيِّم (٧)، وابن كثير الدِّمشقي (٨)، ومحمَّد بن نصر القُرَشي (٩)، وعبد الرَّؤوف المُناوي (١٠)، وشهاب الدِّين الآلوسيُّ (١١).

стр. 927

ومِن المعاصرين: جمال الدِّين القاسمي (١)، ومحمَّد رشيد رضا (٢)، وعبد الحفيظ الفاسي (٣)، وأحمد الغُماري (٤)، ومحمَّد الأمين الشَّنقيطي (٥)، ومحمَّد أبو شهبة (٦)، وشعيب الأرنؤوط (٧). والطَّائفة الثَّانية: لم تَرَ في الحديثِ ما يُستنكر، فصَحَّحته لظاهرِ إسناده. وعلى رأس هؤلاء: مسلم بن الحجَّاج، وقبله محمَّد ابن إسحاق صاحب «السِّيرة» (٨)، ثمَّ ابنُ حبَّان (٩)، وابنُ الجوزي (١٠)، والسُّهَيْلي (١١). ومِن أهل اللُّغةِ: ابن الأنباري (١٢)، وتبِعَه أبو منصور الأزهريُّ (١٣). ومِن المعاصرين: أحمد شاكر (١٤)، وانتصَرَ لصحَّتِه: عبد الرَّحمن المُعلِّمي (١٥)، وناصر الدِّين الألباني (١٦).

стр. 928

فأمَّا الفريق الأوَّل: فقد أعَلُّوا الحديث متنًا مِن عدَّة وجوهٍ من المعارضاتٍ (١): المُعارضة الأولى: أنَّ الحديثَ جَعَل استيعابَ الخلقِ في سبعةِ أيَّام، وهذا خلافُ القرآن، الَّذي أخبر أنَّ الله تعالى في عدَّة آياتٍ من كتابه أنَّه ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [السجدة: ٤]. المعارضة الثَّانية: أنَّه خَلَا مِن ذِكْرِ خَلقِ السَّموات. المعارضة الثَّالثة: أنَّه جَعَل خلْقَ الأرض وما فيها في سِتَّة أيَّام، والقرآنُ يُخبر أنَّ الأرضَ خُلِقَت في أربعةِ أيَّام، ثمَّ خُلِقَت السَّماءُ في يَومين، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ٩ - ١٢]. المعارضة الرَّابعة: مخالفتُه للآثارِ المُصرِّحة بأنَّ أوَّل أيَّام الخَلْقِ السِّتة هو يوم الأحد (٢)؛ وعلى ذلك نقَلَ ابن جرير الطَّبري إجماعَ السَّلف (٣)، ودَلَّت عليه أسماءُ أيَّامِ الأسبوع: الأحد إلى الخميس. وفي تقرير هذه المعارضاتِ للحديث، يقول ابن تيميَّة: «ثَبَت بالكتابِ والسُّنةِ والإجماعِ أنَّ الله تعالى خَلقَ السَّمواتِ والأرضَ في ستَّة أيام، وأنَّ آخرَ ما خَلَقَه هو آدم، وكان خَلْقُه يومَ الجمعة، وهذا الحديث

стр. 929

المُختلَف فيه يقتضي أنَّه خَلَق ذلك في الأيَّامِ السَّبعة؛ وقد رُوِي إسنادٌ أصحُّ مِن هذا أنَّ أوَّلَ الخلقِ كان يومَ الأحد» (١). وقال أيضًا: «لمَّا ثَبَت بهذه الأحاديث الَّتي في الصِّحاح والسُّنَن والمسانيد وغيرها، أنَّ آدمَ خُلِق يوم الجمعة، وثَبَت أنَّه آخرُ المَخلوقاتِ بلا نزاعٍ: عُلِم أنَّ ابتداءَ الخلْقِ كان يومَ الأحد، لأنَّ القرآنَ قد أخبرَ أنَّ الخلْقَ كان في سِتَّة أيَّام، وبهذا النَّقلِ المُتواترِ، مع شهادةِ ما عند أهلِ الكتابِ على ذلك، ومُوافقةِ الأسماء، وغير ذلك: عُلِم ضعفُ الحديث المُعارض لذلك. مع أنَّه في نفسِه مُتَعارِض! فهذا الحديث قد بَيَّن ما يُوافق سائرَ الأحاديث مِن أنَّ آدم خُلِق يوم الجمعة، وأنَّه خُلِق آخرَ الخلقِ، ومَعلومٌ بنصوصِ القرآنِ أنَّ الخَلق كان في ستَّةِ أيَّام، وذلك يَدلُّ على ما وَقع فيه مِن الوَهم بذكرِ الخلقِ يومَ السَّبت» (٢). وقال ابن القيِّم عن يوم السَّبت: «لم يَكُن يومًا مِن أيَّامِ تخليقِ العالَم، بل ابتداءُ أيَّام التَّخليقِ الأحد، وخاتمتها الجمعة، هذا أصَحُّ القولين، وعليه يَدلُّ القرآن، وإجماعُ الأمَّة على أنَّ أيَّامِ تخليقِ العالَم ستَّة، فلو كان أوَّلُها السَّبت، لكان سبعة؛ وأمَّا حديث أبي هريرة الَّذي رواه مسلم في صحيحه: «خَلقَ الله التُّربة يوم السَّبت .. » .. فيَتَضمَّنُ أنَّ أيَّام التَّخليق سبعةٌ، والقرآن يردُّه» (٣). وقال ابن كثير في الحديث: «في مَتنِه غَرابةٌ شديدةٌ! فمِن ذلك: أنَّه ليس فيه ذكرُ خلقِ السَّماواتِ، وفيه ذكرُ خلقِ الأرض وما فيها في سبعة أيَّام، وهذا خلاف القرآن؛ لأنَّ الأرض خُلِقت في أربعة أيَّام، ثمَّ خُلِقت السَّماوات في يومين مِن دخان» (٤).

стр. 930

وأمَّا الفريق الثَّاني مِمَّنْ تابَعَ مُسلمًا في تصحيحِ الحديث: فكانت أغلبُ أجوبتِهم عن المُعارضاتِ السَّابقةِ مُنحصرةً في الإجابة عن العِلَّة الأساسةِ الأولى، أعني بها: «مخالفةَ الحديثِ لعَددِ أيَّام الخَلْقِ السِّتة المَذكورة في القرآن»، وهي إجابةٌ منهم تمثِّل في ذاتها توجيهًا لمَفهومِ الحديث، يخلُص النَّاظرُ فيها إلى أنَّهم: يجعلون بَدْءَ الخلقِ يومَ السَّبت، وخَتْمَه يومَ الخميس، فهذه سِتَّة أيَّامٍ كما في القرآن، أمَّا خَلْقُ آدم ﵇، فيجعلونه خارجًا عن هذه الأيَّامِ السِّتةِ للخَلْقِ؛ وبهذا يَندفعُ الإشكال مِن وجهةِ نَظرهِم. مع اختلافِهم في وَجهِ هذا الخروجِ لآدم ﵇ عن خلقِ الأيَّام السِّتة، على وَجْهينِ: الأوَّل: فيذهبُ فيه بعضهم إلى أنَّ خَلْقَ آدم ﵇ مُستَقلٌّ عن خَلْقِ الأرض، فليس هو مِنها، فلا يكون يومُه مَعدودًا في الأيَّامِ السِّتة أصلًا. وفي تقريرِ هذا الوجه، يقول ابن هُبيرة (ت ٥٦٠ هـ): «لمَّا كمُلَت هذه الأشياء في سِتَّة أيَّام كما قال ، واستَتَبَّ أمرُ الدَّار، مُستدعيةً بلسانِ حالِها قدومَ السَّاكنِ حين تهيئةِ الأسبابِ، والفراغِ مِن الرِّزق والمَركب والرِّياش، وتبيِين ما يُكرَه وما يُطلب: كان خَلقُ ساكنِ الدَّارِ أبي البَشر في يومِ الجمعةِ عند آخرِ النَّهار» (١). أمَّا ابن الجوزيِّ، فرأيُه أنَّ أصولَ الأشياءِ هي الَّتي خُلِقَت في الأيَّام السِّتة، وليس مُطلَق الأشياء، وآدم ليس أصلًا، وإنَّما هو كالفَرْعِ مِن بعضِها، وكأنَّ قولَه هذا شارحٌ لِما سَبَق مِن كلامِ ابنِ هُبيرة. يقول ابن الجوزيِّ: «إنْ قيل: فالقرآن يَدلُّ على أنَّ خلقَ الأشياء في ستَّة أيَّام، وهذا الحديث يدلُّ على أنَّها في سبعةٍ! فالجواب: أنَّ السَّموات والأرض وما بينهما خُلِقَ في ستَّة أيَّام، وخُلق آدم مِن الأرض، والأصول خُلِقت في ستَّة، وآدم كالفرعِ مِن بعضها» (٢).

стр. 931

ولِما بين هذين القَولين مِن تَشاكل، جَمَع بينهما المُعلِّمي في جوابٍ له على وجه خروج آدم ﵇، وزاد عليهما: أنَّ خَالقيَّة الله تعالى لمْ تَتَوقَّف بعد الأيَّام السِّتة أصلًا حتَّى يُحصَرَ خَلقُ آدم فيها، فالله ما زال ولا يزال يخلُق، فخَلْقُ آدم كان بعدها، وليس في القرآنِ أنَّ خلْقَه كان في الأيَّامِ السِّتة فقط، حتَّى يُقال إنَّها صارت بهذا الحديث سبعة. يقول: «ليس في هذا الحديثِ أنَّه خَلق في اليوم السَّابع غيرَ آدم، وليس في القرآن ما يدلُّ على أنَّ خلق آدم كان في الأيَّام السِّتة، ولا في القرآن ولا السُّنة ولا المَعقول أنَّ خالقيَّةَ الله وقَفَت بعد الأيَّام السِّتة، بل هذا مَعلومُ البُطلان؛ وفي آياتِ خَلْقِ آدم أوائلَ البقرة، وبعضِ الآثار، ما يُؤخَذ منه أنَّه قد كان في الأرضِ عُمَّارٌ قبل آدم عاشوا فيها دهرًا، فهذا يساعد القولَ بأنَّ خلق آدم متأخِّرٌ بمدَّةٍ عن خلقِ السَّموات والأرض» (١). وأمَّا الوجه الثَّاني لخروجِ خلقِ آدم عن الأيَّام السِّتة: فقد جعل بعضهم الأيَّام المَذكورة في الحديثِ أيَّامًا أخرى غير الأيَّام السِّتة لبدء الخلق، وإنَّما هي بعدها! وهذا ما ارتآه الألبانيُّ بقولِه: «إنَّ الأيَّامَ السَّبعة في الحديثِ هي غيرُ الأيَّام السِّتةِ في القرآن، وإنَّ الحديث يَتحدَّث عن شيءٍ مِن التَّفصيل الَّذي أجراه الله على الأرض، فهو يزيدُ على القرآن ولا يخالفه، وكان هذا الجمع قبل أن أقِف على حديثِ الأخضر، فإذا هو صريحٌ فيما كنتُ ذهبت إليه مِن الجمع، فالحمد لله الَّذي بنعمته تتمُّ الصَّالحات!» (٢). قلت: حديث الأخضر الَّذي عناه الألبانيُّ بالاستدلال: ما رواه الأخضر بن عجلان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة ﵁، أنَّ النَّبي ﷺ أخذ بيدي قال: «يا أبا هريرة، إنَّ الله خَلَق

стр. 932

السَّموات والأَرَضين وما بينهما في ستَّة أيَّام، ثمَّ استوى على العرشِ يوم السَّابع، وخَلَق التُّربة يوم السَّبت، والجبال يوم الأحد، والشَّجر يوم الاثنين، والتَّقن (١) يوم الثُّلاثاء، والنُّور يوم الأربعاء، والدَّواب يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة في آخر ساعةٍ مِن النَّهار بعد العصر، وخلَق أديمَ الأرض أحمرَها وأسودها، وطيِّبَها وخبيثها، مِن أجل ذلك جعل الله مِن آدم الطَّيب والخبيث» (٢). فهذه أَوجُه جوابِ مَن صَحَّح الحديث، وهي تَنحصر -كما ترى- في الإجابةِ عن العِلَّةِ الأولى الرَّئيسةِ مِن عِلَل المتن، وحاصلُها: خروجُ يوم الجمعةِ الَّذي خُلِق فيه آدم ﵇ مِن الأيَّامِ السِّتة لخلقِ السَّموات والأرض. وأمَّا عن المعارضة الثَّانية، وهي خُلوُّ الحديثِ مِن ذِكرٍ لخلقِ السَّموات: فقد أجاب عنها المُعلِّمي بقولِه: «الحديث وإنْ لم يَنُصَّ على خلقِ السَّماء، فقد أشار إليه بذكرِه في اليومِ الخامس: النُّور، وفي السَّادسِ: الدَّواب، وحياةُ الدَّواب محتاجةٌ إلى الحرارةِ، والنُّورُ والحرارة مصدرهُما الأجرامُ السَّماويَّة» (٣). وأمَّا المعارضة الثَّالثة؛ في أنَّ خلْقَ الأرضِ في الحديثِ كان في ستَّةِ أيَّام، بينما صريحُ القرآنِ يَدلُّ على أنَّها خُلِقت في أربعةِ أيَّام: فيقول المُعلِّمي في جوابِها: «الَّذي فيه -يعني الحديث- أنَّ خلقَ الأرض نفسِها كان في أربعة أيَّام كما في القرآن، والقرآن إذْ ذَكر خلقَ الأرض في أربعة أيَّام، لم يذكر ما يدلُّ على أنَّ جملة ذلك خلق النُّور والدَّواب، وإذْ ذَكر خلقَ السَّماء في يومين، لم يذكر ما يدلُّ على أنَّه في أثناء ذلك لم يُحدِث في الأرض شيئًا، والمَعقول أنَّها بعد تمام خلقها أخَذَت في التَّطور بما أودعه الله تعالى فيها، والله سبحانه لا يُشغله شأن عن شأنٍ» (٤).

стр. 933

وأمَّا عن المعارضة الرَّابعة؛ أعني مخالفةَ الحديثِ للآثارِ الدَّالة على أنَّ بدءَ الخلقِ كان الأحد: فقد أجاب عنها المُعلِّمي بأن قال: «الآثار القائلة أنَّ ابتداء الخلق يومَ الأحد: ما كان منها مرفوعًا فهو أضعف مِن هذا الحديث بكثيرٍ، وأمَّا غير المرفوع، فعامَّتُه مِن قول عبد الله بن سلام، وكعب، ووَهب، ومَن يأخذ عن الإسرائيليَّات» (١). وأمَّا تتِمَّة هذه المعارضة مِن كونِ دلالةِ أسماءِ الأيَّامِ على أوَّليَّةِ الأحد في أيَّام الخلق: فقد استعانَ المُعلِّمي في الجوابِ عنها بقولِ السُّهَيلي (ت ٥٨١ هـ): «ليس في تسميةِ هذه الأيَّام (٢) والاثنين إلى الخميس ما يشدُّ قولَ مَن قال إنَّ أوَّل الأسبوع الأحد، وسابعها السَّبت، كما قال أهل الكتاب، لأنَّها تسميةٌ طارئةٌ، وإنَّما كانت أسماؤُها في اللُّغةِ القديمة: شيار، وأول، وأهون، وجبار، ودبار، ومؤنس، والعروبة، وأسماؤها بالسِّريانية قبل هذا: أبو جاد، هوز، حطي، إلى آخرها. ولو كان الله تعالى ذكَرَها في القرآنِ بهذه الأسماء المُشتَقَّة مِن العَددِ لقُلنا: هي تسميةٌ صادقةٌ على المُسمَّى بها، ولكنَّه لم يذكر منها إلَّا الجمعة والسَّبت، وليسا مِن المشتقَّة مِن العَدد! ولم يسمِّها رسول الله ﷺ بالأحَدِ والاثنين إلى سائِرها إلَّا حاكيًا للُغةِ قومِه، لا مُبتدئًا لتسميتها، ولعلَّ قومَه أن يكونوا أخذوا معاني هذه الأسماء مِن أهل الكتاب المُجاوِرين لهم، فألقوا عليها هذه الأسماء اتِّباعًا لهم» (٣). وذهب المُعلِّمي إلى هذا الاحتمال الأخير في كلام السُّهَيليِّ، فقال: «تسميةُ الأيَّام كانت قبل الإسلامِ تقليدًا لأهل الكتاب، فجاء الإسلامُ وقد اشتهرت

стр. 934

وانتشرت، فلم يُرَ ضرورةٌ إلى تغييِرها، لأنَّ إقرارَ الأسماء الَّتي قد عُرِفت واشتهرت وانتشرت لا يُعَدُّ اعترافًا لمناسبتِها لِما أُخذت منه أو بُنيَت عليه، إذْ قد أصبحت لا تدلُّ على ذلك، وإنَّما تدلُّ على مُسمَّياتها فحسب، ولأنَّ القضيَّة ليست ممَّا يجب اعتقادُه، أو يَتعلَّق به نفسُه حكمٌ شرعيٌّ، فلم تَستحِقَّ أن يُحتاطَ لها بتغييرِ ما اشتُهرَ وانتشَر مِن تسميةِ الأيَّام» (١). وبعد؛ فقد لاحَتْ أوجُه مُعارضاتِ الفريق الأوَّل للحديث بأدِلَّتهم، وأعقبناها بأجوبةِ الفريقِ الثَّاني بتأويلاتِهم، فآنَ أوان الشُّروعِ في نقدِ كلِّ مُعارضةٍ والجوابِ عنها كلٍّ على حِدةٍ، ليَتَبيَّن وجهُ الصَّواب في الحديث على قدر المُستطاعِ، فأقول مُستعينًا بالله تعالى:

стр. 935

المَطلب الثَّالث بيان رُجحان قول المُنكرين لحديثِ خلقِ التُّربةِ يومَ السَّبتِ ونقدُ مُعارضاتِهم في ذلك أمَّا عن المعارضة الأولى: فإنَّ ظاهرَ الحديثِ مُفيدٌ لاستغراقِ الخلقِ سبعةَ أيَّام، وهو بهذا الظَّاهر خلافُ ما قرَّره القرآن من استيعابِ خلقِ السَّمواتِ والأرضِ وما بينهما في ستَّةِ أيَّام. وما أُجيبَ به على هذا مِن كونِ خلق آدم ﵇ خارجٌ عن هذه الأيَّام السِّتة: فالصَّواب في ذلك أنَّ خلقَ آدمَ داخلٌ في أيَّام التَّخليقِ هذه، وكان هو في آخرِ أيَّامها، في آخرِ ساعاتِ يومِها، ليكون بهذا خاتِمَ الخلقِ، كما هو مَنطوق الحديثِ نفسِه! والفصلُ في هذه المَسألة مَرَدُّه إلى المُرادِ مِن لفظ «الخلقِ» في الحديث، والظَّاهر الجَليُّ مِن متنِه: أنَّه إنَّما سِيقَ لتفصيلِ الخلقِ الأوَّل، أو إن شئتَ قُلت لتفصيلِ بَدْءِ الخلقِ لهذا العالَم المُشاهَد أوَّلَ مرَّة! وليس المَقصودُ مُطلَق الخلقِ الإلهيِّ، ففي هذا الحديثِ نفسِه قد جُعِلَ لهذا الخلقِ ابتداءٌ -وهو السَّبت- وجُعِلَ لآخرِه انتهاءٌ -وهو الجمعة- كما تراه في قولِه فيه: « .. في آخِرِ الخَلقِ»، والألف واللَّام هنا للعهد، وهذا يقتضي أنَّ هذا الخَلْقَ المَخصوصَ اكتملَ في سبعةِ أيَّام حسَبَ الحديث.

стр. 936

وبذا يظهرُ أنَّ الحديثَ حَمَلَ في طيَّاتِ متنِه ما ينقُضُه! -كما أشار إلى ذلك ابن تيميَّة- فإنَّه بَيَّن ما يُوافقُ سائرَ الأحاديث مِن أنَّ آدم خُلِق يوم الجمعة، وأنَّه خُلِق آخرَ هذا الخلق الَّذي نَتَكلَّم عنه؛ وبما أنَّ الخَلقَ كان في سِتَّةِ أيَّام، فالفَرضُ أن يكون ابتداءه يومَ الأحد لا السَّبت! وفي ذلك دلالةٌ على ما وَقَع في الحديثِ مِن الغلطِ بذكرِ الخلقِ يومَ السَّبت (١)، ويدلُّ على أنَّ آدم داخلٌ في هذا الخلقِ الأوَّل في آخرها. والقول بأنَّ خلقَ آدمَ ﵇ كان آخرَ الأيَّام السِّتة، هو المشهور أيضًا مِن مُعتَقَد أهلِ الكتاب، حتَّى كان عَديُّ بن زيد (٢) في جاهليَّتِه يُنشد في ذلك شعرًا، يقول فيه: قضَى لستَّةِ أيَّامٍ خلائِقَه *** وكان آخرَ شيءٍ صَوَّرَ الرَّجُلَا وليس يعارض هذا التَّقريرَ قولُهم: إنَّ خلقَ آدم ﵇ مُستَقِلٌّ عن خَلقِ الأرض، وأنَّه ليس منها، فلا يدخل بذلك في الأيَّام السِّتة؛ فإنَّا نقول: إنَّ هذا الَّذي قدَّمتموه ليسَ مَحلًّا للنِّزاع! فلسنا نجادل في كونِ خَلْقِ آدمَ مِن جملةِ خلقِ السَّماوات والأرض أو لا، فإنَّا مُقِرُّون بعدمِ نسبتِه إلى ذلك، كيف لا والسَّماء والأرض إنَّما هُيِّئَتا لأجلِه؟! فهذا معلوم. إنَّما مَحلُّ النَّزاع الَّذي ينبغي تحريره: هل خَلْقُ آدم داخل في أيَّامِ الخلقِ الأولى أو لا؛ فنحن نقول بدخولِه فيها، وأنَّه آخرُ الخلقِ منها، مع قولِنا بتَقَدُّمِ خلقِ السَّمواتِ والأرضِ على خلقِه. فبان أنَّ ثمَّة فرقًا بين القولِ بدخولِ آدم ﵇ في خلقِ السَّماوات والأرض -ولسنا نقول به- وبين دخولِ خَلقِه ضمنَ الأيَّام السِّتة في آخرِها، وهذا ما نَدَّعي رُجْحانَه.

стр. 937

أمَّا ما تَوَسَّل به ابنُ الجوزيِّ لإخراجِ آدم ﵇ مِن الأيَّام السِّتة، من كونِ أصولِ الأشياء هي الَّتي خُلِقَت في الأيَّام السِّتة، وليس مُطلق الأشياء، وأنَّ آدم ليس أصلًا، وإنَّما فرعٌ مِنها: فعلى التَّسليم بصِحَّةِ مُقدِّمتِه تلك، فإنَّ آدمَ ﵇ أصلٌ للجِنسِ البَشريِّ، لا فرعًا لجنسٍ آخر! ولا يُقال إنَّه فَرعٌ مِن الأرضِ، ليُخرَجَ مِن كونِه أصلًا؛ فإنَّ لازمَه -حسب قولِ ابن الجَوزيِّ- أن تَخرُج الجبالُ هي أيضًا مِن هذه الأيَّام السِّتة، لكونِها فرعًا عن الأرض! فهي أثَرٌ لتَداخلِ صفائِح قِشرتها! وكذا فلتَخْرُج كثيرٌ مِن أقواتِ الأرضِ من هذه الأيَّام السِّتة، فهي فرعٌ عن الأرضِ أيضًا! فإذا عُلِم بطلان هذا اللَّازم، بطُل به المَلزوم الَّذي أراد ابن الجوزيِّ تقريرَه. ولو أنَّ ابن الجوزيِّ قالَ مثلَ ما قالَ ابن أبي زمنين (ت ٣٩٩ هـ): «خَلَقَ الله أصولَ الخَلْقِ في الأيَّام السِّتة، وخلَقَ آدمَ ﵇ يومَ الجمعة آخرَ الأيَّام السِّتة» (١): لمَا كان لقولِه دافع مِن جهة النَّظر؛ فإنَّ معنى كلام ابن أبي زَمنين هذا، أنَّ أصلَ «الأنواعِ» لا «الأشياء» هي المَخلوقة في الأيَّام السِّتة، والَّتي هي أصولُ المَوَاتِ: كالمعادن، والأتربة، والسَّوائل، والأقوات، وأصول الأحياء: كالدَّواب، والطُّيور، والحيتان، والجِنِّ، والإنس، وهذا ما تَقتضيه البَيْنِيَّة في قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [ق: ٣٨]. وأمَّا دَفعُ المُعلِّميِّ دخولَ خلقِ آدم ﵇ في الأيَّام السِّتة، بكونِ خالقيَّةِ الله تعالى لم تَتَوقَّف بعد الأيَّام السِّتة، فلا يُحصَر خلقُ آدم فيها: فقد قرَّرنا آنفًا أن لا أحَدَ يُنكر خالقيَّةَ الله تعالى بعد الأيَّام السِّتة، فإنَّ خَلْقَ الخلَّاقِ سبحانه لا نهايةَ له، لكن الحديث نفسُه يُثبتُ لهذا الخلق نهايةً بخلقِ بآدم! فعلِمنا أنَّ المَعْنِيَّ به خلْقًا مَخصوصًا، وهو ابتداء خَلقِ هذا العالَم المَشهود في ستَّةِ أيَّام، وقد أشرنا إلى هذا في ما مَضى.

стр. 938

وأمَّا استدعاء المُعلِّمي لبعضِ الآثارِ الدَّالةِ على وجودِ عُمَّارٍ للأرضِ قبل آدم عاشوا فيها دَهرًا، في مقامِ الاحتجاج على أنَّ خلقَ آدم مُتأخِّر بمدَّةٍ طويلةٍ عن خلقِ السَّموات والأرضِ: فقد قَدَّمنا أنَّ تأخُّرَ خَلْقِ آدم ﵇ عن خلقِ السَّماء والأرضِ لا يُنازَع فيه. وأمَّا ما ذَكَره مِن وجودِ آثارٍ تفيد تعميرَ الجِنِّ في الأرضِ قبل آدم بدهر، ليخلُصَ إلى إخراجِ خلقِ آدم مِن جملةِ الأيَّامِ السِّتة: فهذا الَّذي يستَحِقُّ مناقشتَه بإسهابِ، لأنَّه مِن ركائزِ مَن يجادل عن صحَّةِ هذا الحديث، فنقول في ذلك: إنَّ القولَ بَسبْقِ أقوامٍ مِن الِجنِّ إلى سُكْنى الأرضِ قبل آدمَ بدهورٍ، وإن كان هو قولًا شائعًا في كُتُب التَّفسير، خاصَّةً عند آياتِ الخلقِ أوائلَ البقرة؛ فإنَّه يبقى مِن جملةِ الغُيوبِ الَّتي لم يَثبُت فيها دليل صَحيح صَريح مِن كتابٍ أو سُنَّة، فليس في هذا الباب على هذا حُجَّة نقليَّة (١). وقد تَعَقَّب الطَّبريُّ مثلَ هذا القولَ بكلامٍ يحسُن أن يكون قاعدةً في قرائن التَّرجيح في التَّفسير، فقال: « .. إنَّما تركنا القولَ بالَّذي رواه الضَّحاك عن

стр. 939

ابن عبَّاس، ووافَقه عليه الرَّبيع بن أنس، وبالَّذي قاله ابنُ زيد في تأويلِ ذلك (١)؛ لأنَّه لا خَبَر عندنا بالَّذي قالوه مِن وجهٍ يَقطعُ مجيئُه العذرَ، ويُلزِم سامعَه به الحجَّة. والخبرُ عمَّا مَضى وما قد سَلَف، لا يُدرَك علمُ صِحَّتِه إلَّا بمجيئِه مَجيئًا يمتنِع منه التَّشاغب والتَّواطؤ، ويستحيلُ منه الكذب والخطأ والسَّهو، وليس ذلك بموجودٍ كذلك فيما حكاه الضَّحاك عن ابن عبَّاس» (٢). هذا؛ وقد استنبطَ بعض المُحقِّقين من نفسِ آياتِ الخلقِ الَّتي في أوائل البقرةِ، والَّتي سِيقَت لأجلها تلك الآثار، من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٢٩ - ٣٠]؛ استنبطَ منها ما يدلُّ على أوليَّةِ آدمَ في سُكنى الأرض بعد خلقِها! ذلك أنَّ المُتأمِّل في هذه الآياتِ، يخلُص إلى أنَّ القولَ بإعمار قومٍ للأرضِ قبل آدم يُنافي هذا السِّياق القرآني، «لأنَّ تعقيبَ ذكرِ خلقِ الأرضِ ثمَّ السَّماوات بذكرِ إرادتِه تعالى جعْلَ الخليفةِ، دليلٌ على أنَّ جعلَ الخليفةِ كان أوَّلَ الأحوال على الأرض بعد خلقِها، فالخليفة هنا الَّذي يخلفُ صاحبَ الشَّيء في التَّصرُّف في مَملوكاتِه، ولا يلزم أن يكون المَخلوف مُستقِرًّا في المكان مِن قبل؛ فالخليفة آدم، وخَلَفِيَّتُه قيامُه بتنفيذِ مرادِ الله تعالى مِن تعميرِ الأرض .. ، وتلقينِ ذريَّتِه مرادَ الله تعالى» (٣). قلت: وإنَّ تقديمَ الجار والمجرور ﴿لَكُمُ﴾ المُتعلِّق بالفعلِ ﴿خَلَقَ﴾ على المفعولِ به في الآية: فيه معنى الاختصاصِ أو السَّبَبيَّة، أي: أنَّ الله إنَّما خَلَق الأرضَ لأجلِكم ولانتفاعِكم أنتم (٤).

стр. 940

فإذا كانت الأرض على هذا مَخلوقةً للإنس على وجه المِنَّة أصالةً، فكيف يُقال بسبقِ غيرهم إلى الاستمتاع بها؟! ففي هذا مناقضة لتلك المِنَّة والخصوصيَّة، والله أعلم. نعم؛ لا نُنكِرُ بأنَّ الجِنَّ مخلوقةٌ قبل آدم، فهذا مُحكَم التَّنزيل؛ إنَّما الشَّأنُ في إثباتِ أنَّهم كانوا في الأرض على وجهٍ استحكموا فيها بما فيها، وعمَّروا فيها أزمنةً مُتطاولة، فهذا الَّذي يَعُوزه الدَّليل. هذا مع صرفِ نظرنا عن طبيعة مُدَدِ تلك الأيَّام السِّتة! وطولِها الهائل، الَّذي لا يُمنَع معه القولُ بسبقِ بعض المَخلوقات على البعض الآخر بمُدَّةٍ هي في عرف البَشر دهورٌ مِن الزَّمن. وما لنا نَذهبُ بعيدًا في الاستدلال؟ وفي ظاهرِ حديث خلق التُّربة نفسِه ما يدلُّ على أنَّ خلقَ آدم ﵇ كان بعد خلقِ الأرض يومَ سابعةٍ! وفي تقرير هذا المعنى من الحديث يقول البِقاعيُّ (ت ٨٨٥ هـ): «ما يُقال مِن أنَّه كان قبل آدم ﵇ في الأرض خَلقٌ يَعصون، قَاسَ عليهم الملائكة ﵈ حالَ آدم ﵇، كلامٌ لا أصل له، والَّذي يدلُّ عليه حديث مسلم هذا -يعني حديث التُّربة- كما ترى أنَّه أوَّل ساكني الأرض» (١). أقول: هنا قد ترى بعضَ مَن يُصحِّح الحديثَ يَفِرُّ من لازمِ هذا الظَّاهرِ المُشكِلِ على مَذهبِهم في تأخُّرِ آدمَ ﵇ عن خلقِ الأرض بدُهور، بأنْ يقولَ: إنَّ الجمعةَ المذكورة في الحديث ليست عَقِب يوم الخميس الَّذي قبله في الحديث، بل هي جمعةٌ أخرى مستقلَّةٌ، جاءت بعد تلك الأيَّام بأزمانٍ مَديدة! هذا التَّأويل المُتَكلَّف تجده في مثل قول ثناء الله المظهريِّ (ت ١٢٢٥ هـ) (٢): «لا دليلَ في الحديثِ على أنَّ المُراد بالجمعة الَّتي خُلِق فيها آدم أوَّلَ جمعةٍ بعد

стр. 941

خلق الأرض، لعلَّ ذلك الجمعة بعد مُضيِّ الدُّهور! ولولا هذا التَّأويل لزِم خلقُ السَّموات والأرض في سبعةِ أيَّام، والثَّابت بالقرآنِ خَلْقُ السَّمواتِ والأرضِ في ستَّة أيَّام» (١). ثمَّ قد يَستشهدون بقولِ ابنِ عطيَّة في أنَّ «الظَّاهرَ مِن القَصص في طينة آدم: أنَّ الجمعة الَّتي خُلِق فيها آدم قد تَقَدَّمتها أيَّامٌ وجُمَع كثيرة» (٢). فنبدأ هنا بالجواب على كلامِ المظهريِّ، فنقول: لا ريب أنَّ القول بما تأوَّل به الحديث بعيدٌ عن ظاهر الحديثِ، وسِياقُه يأباه. نظير ذلك لو قُلتَ: أتيتُ بلدةَ كذا مُسافرًا، فتجوَّلتُ في أزقَّتها الاثنين، وأتيتُ مَتاحِفَها الثَّلاثاء، وفعلتُ كذا وكذا الأربعاء، وحَزمتُ حقيبتي ورَجعتُ الخميس»، فلن يُدركَ سليمُ البَديهة مِن كلامِك إلَّا تتابعَ هذه الأيَّام! إذ هو المُتبادَر إلى الفهم ابتداءً، والظَّاهر منه، وما كان خلاف الظَّاهر هو محتاجٌ إلى قرينةٍ واضحةٍ لحملِ معنى الكلام على خلافِه، وليس لِمن يَقول بمثل هذا في الحديث إلَّا الظَّن. ثمَّ يلزمه على كلامه فوق هذا أن يكون التَّخليق الأوَّل ابتدأَ السَّبت، ولم ينتهِ إلَّا بعد أحقابٍ مِن الزَّمن حينَ ختَمه بآدم! ولا قائل بهذا فيما أعلمُ. وأمَّا كلام ابن عطيَّة عن آثارِ مُدَّة تخليق الطِّينة: فليس في هذا الباب إلَّا الأثر المَرويَّ عن سلمان الفارسيِّ ﵁ قال: «إنَّ الله خمَّر طينةَ آدم ﵇ أربعينَ ليلةً، أو أربعين يومًا، ثمَّ ضَرَب بيَدَيْه فيه .. » (٣).

стр. 942

وقد كُفينا ردَّ هذا بما أجابَ به البَيهقيُّ قال: «مَعلومٌ أنَّ سلمان ﵁ كان قد أخَذَ أمثالَ هذا مِن أهلِ الكتاب حتَّى أسلَمَ بعدُ، ورُوي ذلك مِن وجهٍ آخر ضعيفٍ عن التَّيمي مرفوعًا، وليس بشيءٍ» (١). وأمَّا جَعْلُ الألبانيِّ الأيَّامَ المذكورة في الحديثِ أيَّامًا أخرى غير الأيَّام السِّتة للتَّخليقِ، بل جعلها بعدها: فبِدعٌ من القولِ لا سَلَف له فيه! فإنَّ كلَّ مَن تَقدَّمه -سواء مِن مُصَحِّحي الحديث أو مُضعِّفيه- مُتَّفِقون على تنزيل الأيَّامِ السِّتةِ في القرآنِ على هذه الأيَّامِ الواردةِ في هذا الحديث، ودونك كُتُب المُفسِّرين وشُرَّاح الحديث لترى ذلك. على أنَّ في الحديثِ نفسِه ما يَرُدُّ فهمَه ذاك! فقد ورَد في نصِّه خلقُ الجِبال، وهذه يَقينًا لم تُخلق إلَّا في الأيَّامِ السِّتةِ لبدءِ الخليقةِ بنصِّ القرآن: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ١٠] (٢). أمَّا ما استدَلَّ به مِن حديثِ الأخضر على فهمِه ذاك: فغير سالمٍ له ولا مُسَلَّم، لأنَّ الأخضر بن عجلان خالفَ في سندِه ومتنِه الثِّقاتَ مِن رُواة هذا الحديث عن ابن جريج، وهم: حجَّاج بن محمَّد المَصيصي (٣)، وهشام بن يوسف الصَّنعاني (٤)، ومحمَّد بن ثور (٥)، والصَّواب روايتُهم دونه. والأخضر صَدوق نازلٌ عن مرتبتهم في الضَّبط، فروايتُه بهذا السِّياقِ الشَّاذِ عن المعروفِ مِن متن الحديث وسندِه مَردودة.

стр. 943

وحاصل القول من مناقشةِ الأجوبةِ على المعارضة الأولى: يتبيَّن أنَّها لا تنهضُ لدفعِها، فتكون بذا معارضةً صحيحة. وأمَّا عن المعارضة الثَّانية والثَّالثة للحديث؛ من دعوى خُلوِّه مِن ذكرِ خلقِ السَّموات، وجعلِه خلقَ الأرض وما فيها في سِتَّة أيَّام (١): فلا أُراها تَسلَمُ مِن دفعِ بعضِ أجوبةِ المُعلِّمي؛ وبيانُ ذلك في الآتي: أنَّ قول المُعلِّمي عن الحديث: إنَّه «وإنْ لم يَنُصَّ على خلقِ السَّماء، فقد أشارَ إليه بذكرِه في اليوم الخامس: النُّور .. » مَقالٌ منه صَحيح، فإنَّ النُّورَ مَصدرُه الأجرام السَّماويَّة كما قال، وفيه أنَّ النُّور خُلِق في اليوم الخامس، وهو اليومُ المُوافق لبدءِ خلقِ السَّماء في القرآن أيضًا. لكن قولُه بعدها مُشيرًا إلى خلقِ السَّموات: « .. وفي السَّادس: الدَّواب، وحياة الدَّواب مُحتاجة إلى الحرارة، والنُّور والحرارة مَصدرهما الأجرام السَّماوية»: فمِمَّا لا يصلح للاحتجاجِ به على ما ادَّعاه مِن تلك الإشارة، لأنَّ الدَّواب وإن كانت حياتُها لا تَستغني عن النُّور والحرارة، فإنَّ الشَّجر والنَّبات أحوجُ إلى ذلك مِنها، ومع ذلك قد ذُكِرت في اليوم الثَّالث يومَ الاثنين، أي قبلَ خلقِ السَّموات بيومٍ كاملٍ! وأمَّا دعوى استغراقِ خلقِ الأرضِ في الحديث ستَّةَ أيَّام: فتلك معارضة لا تَقوم على ساقٍ، وقد أجاد المُعلِّمي في ردِّها، حين بيَّن أنَّ خلقَ الأرضِ نفسِها في الحديثِ كان في أربعةِ أيَّام كما في القرآن، وأنَّ خلقَ النُّور والدَّواب خارجٌ عن جملةِ ذلك، وأنَّه لا مانعَ مِن أن يُحدِثَ الله في الأرضِ شيئًا أثناء خلقِ السَّماء. وأمَّا عن المعارضةِ الخامسة؛ أعني مخالفةَ الحديثِ للآثار الدَّالةِ على أنَّ ابتداءِ الخلقِ يوم الأحد: فصحيح قولُ المُعلِّمي أنَّ ما كان منها مَرفوعًا هو أضعف مِن هذا الحديث

стр. 944

من جِهة السَّند (١)؛ لكن العِبرة هنا ليست بآحادِ هذه الآثار! ولكن بمجموعِ هذه الآثار واستِفاضَتِها في عمومِ السَّلف (٢)، ولأجلها نَقل الطَّبريُّ الإجماعَ عنهم في ذلك، وهو مَن في استقراءِ كلامِهم، وتَتبُّعِ مَقالاتِهم، حتَّى لم يُبالِ بخلافِ ابن إسحاقَ لهم، لمِا استقرَّ عنده من اتِّفاقِ سَوادِهم على أنَّ الأحدَ أوَّل الأيَّام السِّتة. ولو سَلَّمنا فرضًا باحتمالِ خطأِ الطَّبري في هذا الاستقراء: فلا أقلَّ أن يكون قولَ جُملتِهم الغالبة؛ وها هو ابنُ الجوزيُّ: يعترف بنسبةِ القولِ بابتداء الخلق يوم الأحد إلى أكثرِ أهلِ التَّفسيرِ مِن السَّلف أيضًا (٣)، مع كونِه مِمَّن يُصحِّح حديثَ خلق التُّربة! فكان مُجرَّد هذا الاتِّفاق مِن السَّلف كافيًا للقُرشيِّ الحَنفيِّ (ت ٧٧٥ هـ) كي يُعلِّل حديثَ مسلم، فقال موجزًا: « .. واتَّفقَ النَّاس على أنَّ يوم السَّبت لم يقع فيه خلقٌ، وأن ابْتِدَاء الْخلقِ يوم الأحد» (٤). وبهذا نعلمُ أنَّ ما زَعَمَه أبو بكر الأنباريِّ (ت ٣٢٨ هـ) مِن اتِّفاقِ أهلِ العلمِ على أنَّ ابتداءَ الخلقِ كان يوم السَّبت (٥) مجرَّدُ دعوى غَلَّطَه فيها ابنُ تيميَّة (٦). وأمَّا دعوى المُعلِّمي أنَّ غير المرفوع مِن تلك الآثارِ عامَّتُه مِن قولِ عبد الله بن سَلام، وكعب، ووَهب، ومَن يأخذ من الإسرائيليَّات: فقد قرَّرنا آنفًا أنَّ معنى هذه الآثار قول عامَّة السَّلف مِن المُفسِّرين وغيرهم.

стр. 945

وعبد الله بن سلام ﵁ قد صَحَّ عنه بابتداءِ الخلقِ يوم الأحد، وختامِه يوم الجمعة (١)، وهو وإن كان مِمَّن أخذَ عن أهلِ الكتاب قبلَ إسلامِه، فما كان لمثلِه -وهو صَحابيٌّ كريم- أن يَبقى على ذاك القولِ لو جاء عن الرَّسول ﷺ ما يُناقِضه! فضلًا عن أن يُقَرَّ بروايةِ ذلك للتَّابعين وهو مِن البَواطل! فنفهم أنَّ ما دعاه إلى البقاءِ على هذا القول في بدءِ الخلق: ما فهِمه مِن إقرارِ الشَّرع لذلك! وهذه نُكتة لم أرَ مَن انتبَه إليها، والله أعلم. وكذا نقول في كعب الأحبار وروايتِه الَّتي خالف بها ما نُسِبَ إلى أبي هريرة ﵁ مِن حديثِ خلقِ التُّرب: لو عَلِم كعبٌ مِن صاحِبه أبي هريرة ﵁ روايةَ ما يُناقض ما يعتقده ويرويه مِن بدءِ الخلقِ يوم الأحد (٢)، ما بَقيَ كعبٌ على اعتقادِه ذاك، ولمَا انشغلَ بروايتِه تلك بعد روايةِ أبي هريرة عن رسول الله ﷺ . ومِن لَطيف ما رأيتُه يدلُّ على أنَّ ما يَرويه أهلُ الكتاب في يومِ ابتداءِ الخلقِ صحيحٌ يُصَدِّقه الشَّرع: أنَّ الله تعالى حين أبطلَ قولَهم في السَّبت، إنَّما أنكرَ دعواهم أنَّه استراح فيه مِن الخلقِ، في حينِ لم يُنكِر قولَهم معه أنَّ الخلقَ انقطعَ فيه! فيُعَدُّ منه إقرارًا لهم (٣)، والله أعلم. يقول قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]: «قالت اليهود: إنَّ الله خلق السَّموات والأرض في ستَّة أيَّام، ففرَغ مِن الخلقِ يوم الجمعة، واستراحَ يوم السبت، فأكذَبَهم الله تعالى، وقال: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾» (٤)، أي: مِن إعياءٍ

стр. 946

ونَصَب؛ ومثله قال الضَّحاك (١)، وأبو مجلز (٢). ومِن عجيب قدَرِ الله تعالى فينا وفي أهلِ الكِتابين: أنَّ اليهودَ استصحَبوا نعتَ المغضوبِ عليهم في تعظيمِهم للسَّبتِ، إذْ جعلوه مُستَراحَ الرَّبِ من الخلقِ -تعالى عن ذلك سبحانه-؛ واستصحَبَ النَّصارى نعتَ الضَّلالِ في تعظيم الأحدِ، إذْ كان عندهم بدايةَ الخلق، وهل يُحتفَل بشيءٍ لِتوِّه بَدَأ ولم يَسْتَتِمَّ بعد؟! وهَدى الله المسلمين لاتِّخاذِ الجمعة عِيدًا، إذ كان آخرَ يومٍ خَلَق الله فيه العالَم، وكان فيه خلقُ أصلِهم آدم ﵇ (٣)! وأمَّا تتِمَّة هذه المعارضة؛ في دعوى دلالةِ أسماءِ الأيَّامِ على أوَّليَّةِ الأحد في أيَّام الخلق: فكلام المُعلِّمي فيما تَعقَّبها به سَليم. غير أنَّ دعوى السُّهيليِّ بأنَّ تلك الأسامي طارئةٌ على أيَّامِ الأسبوع، وتعدادُه لأسمائها القديمة عند العَرب: وإن كان قولًا صَحيحًا مِن حيث التَّاريخ، لكن يُشكِل عليه أنَّ العَرَب كانوا أيضًا يُسَمُّون الأحدَ (أوَّل) (٤) كما ذَكره السُّهيليُّ نفسُه عنهم! ويَجعلونه أوَّلَ أيَّام الأسبوع! فإمَّا أنَّهم تَبعوا فيه أهلَ الكتاب بخصوصِه لأسبابٍ غير مَعروفة (٥)، أو تكون التَّسمية انْبَنت على ما بَقي فيهم مِن أثارةِ أخبارِ الأنبياء. ثمَّ قول السُّهيلي في أسماء الأيَّام: «لو كان الله تعالى ذَكَرها في القرآن بهذه الأسماء المُشتقَّة مِن العدد، لقُلنا: هي تسميةٌ صادقةٌ على المُسَمَّى بها، ولكنَّه لم يذكر منها إلَّا الجمعة والسَّبت، وليسا مِن المشتقَّة مِن العدد»:

стр. 947

يُشكِلُ عليه أنَّ السَّبتَ وإن لم يُشتَقَّ مِن العَدد، فهو مُشتَقٌ مِن معنى القَطع والسُّكون (١)! يُقال: سَبَتَ الشَّيءَ، إذا قطَعَه (٢)، ويُقال: أسْبَتَت الحَيَّةُ: إذا أطْرَقَت لا تَتحرَّك (٣)، وعليه سُمِيَّ يومُ السَّبت سَبْتًا: لأنَّ الله قَطَع خَلْقَ العَالَم وفَرَغ منه فيه (٤). فلو أنزلنا على أصلِ تَسمية السَّبت دعوى السُّهيليِّ أنَّ أسماء الأيَّام المُشتقَّة مِن العدد لو ذُكرت في القرآن لكانت «التَّسميةَ صادقةً على المُسَمَّى بها»، فإنَّ يوم السَّبت قد ذُكِر في القرآن، فتسميتُه على هذا صادقة على المُسمَّى به! إذ يتضمَّن قطع الرَّب للتَّخليقِ فيه، ومن لازم ذلك بدء التَّخليق في الأحد. ومُحصَّل القول مِن مجموعِ هذه المناقشاتِ أن نقول ختامًا: إنَّ حديثَ «خلق التُّربة يوم السَّبت» قد وُجِّهَت له في القديمِ والحديثِ أربعُ مُعارضاتٍ تطعن في متنِه ذكرتها تباعًا: صَحَّت منها المعارضة الأولى، فلم تُزحزَح بجوابٍ مَكين، واندفعت عنه المعارضة الثَّالثة، لوَهائِها البيِّن للنَّاظر فيها، أمَّا المعارضتان الثَّانية والأخيرة: ففيهما ما يَسلم، وفيها ما فيه نَظر. وإن كانت المعارضة الأولى كافيةً في إسقاطِ الحديث وردِّه بالنَّكارة، والله تعالى أعلم.

стр. 948

لكن يبقى إشكال مهمٌّ يَعتري تعليلَ هذا الحديث؛ وهو: هل يكون حديث خلق التُّربة بهذا مِن قَبيل الإِسرائيليَّات، مع أنَّه في «صحيح مسلم»؟ والجواب: كلَّا! بل مُجرَّد غَلَطٍ مِن أحدِ رُواتِه، بدليل أنَّ الإسرائيليِّين أنفسُهم مُتَّفِقون على أنَّ الخلقَ ابتدأَ الأحد، وانتهى الجمعة، «وعليه بَنَوا قولَهم في السَّبت» (١)، وليس في شيءٍ من صُحُفِهم أنَّ ابتداءَ الخلق كان يوم السَّبت، كما في متنِ هذا الحديث. وكعبُ الأحبار الَّذي يَنسِبُ إليه البعضُ هذه الرِّواية -بتخريجِ أنَّ الرَّاوي أخطَأ بروايتِها عن أبي هريرة ﵁ مَرفوعةً، وكان الفرض أن تكون عن كعب- المعروفُ مِن قولِه هو: أنَّ مُبتدَأ الخلق كان الأحَد لا السَّبت (٢)! فيكون بهذا بريئًا مِن نسبةِ الحديث إلى مَقولِه، ونسبةُ بعض العلماء المتأخِّرين ذلك إليه غَلَطٌ، كابن تيميَّة (٣)، القيِّم (٤)، وابن كثير (٥)، والمُناويُّ (٦)، وتَبعهم بعض مُخرِّجي السُّنَن مِن المعاصرين (٧).

стр. 949

وكان مِن اشهر عُمَدِ هؤلاء في نسبةِ هذا الخبر إلى كعب: قولُ البخاريِّ في ترجمتِه لأيُّوب بن خالد الأنصاريِّ: «ورَوَى إسماعيل بن أميَّة، عن أيُّوب بن خالد الأنصاري، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ قال: خَلق الله التُّربة يوم السَّبت. وقال بعضهم: عن أبي هريرة عن كعب، وهو أصحُّ» (١). ففَهِم البعضُ مِن هذا الكلامِ: وُرودَ حديثِ خلقِ التُّربة يوم السَّبت بإسنادٍ آخرَ وَقَف عليه البخاريُّ، يَنْميه أبو هريرة إلى كعبِ الأحبارِ ولا يرفعُه، فرَّجحوه على إسنادِ مسلمٍ المرفوع! مع جهلِهم بحقيقتِه، تقليدًا للبخاريِّ. لكن يُشكِل على مَسلكِهم هذا في التَّعليلِ: كونُه ترجيحًا للمَجهولِ مِن الإسناد على مَعلومٍ منه! فإنَّ ما ذَكَره البخاريُّ مِن روايةِ الحديث عن أبي هريرة عن كعب، لا نعلم إسنادَه لنتَحقَّقَ مِن صحَّتِه، والأصل اعتمادُ ما ظَهر مِن الأسانيد حتَّى يُكشف ما خَفِي منها (٢). وما يزيد فهمَهم لكلامَ البخاريَّ إشكالًا: ما سَبَق تقريرُه مِن أنَّ المَحفوظ عن كعبٍ خلافُ ما في حديث خلق التُّربة، أي أنَّه يقول بأنَّ ابتداءَ الخلق كان يوم الأحد، وهو قول أهل الكتاب قاطبةً! فمِن أين سيأتي البخاريُّ بروايةٍ عن كعبٍ تناقض هذه الحقيقة؟! لقد حاوَل المُعلِّمي التماسَ عُذرٍ للبخاريِّ في هذا المَسلك الغريب من التَّرجيح، حين قال: «مُؤدَّى صنيعِه أن يحدُسَ أنَّ أيُّوب أخطأ، وهذا الحَدس مَبني على ثلاثةِ أمور: الأوَّل: استنكارُ الخَبر لمِا مَرَّ. الثَّاني: أنَّ أيَّوب ليس بالقَويِّ، وهو مُقِلٌّ، لم يُخرِج له مسلم إلَّا هذا الحديث؛ .. وتَكلَّم فيه الأزديُّ، ولم يُنقَل توثيقُه عن أحدٍ مِن الأئمَّة، إلَّا أنَّ ابن حبَّان ذكره في «ثقاته»، وشرط ابن حبَّان في التَّوثيق فيه تسامح معروف.

стр. 950

الثَّالث: الرِّواية الَّتي أشار إليها بقوله: «وقال بعضهم»، وليته ذَكَر سندَها ومتنَها، فقد تكون ضعيفةً في نفسِها، وإنَّما قوِيَت عنده للأَمرين الآخَرين، ويَدلُّ على ضعفِها أنَّ المحفوظ عن كعب، وعبد الله بن سلام، ووهب بن منبِّه، ومَن يأخذ عنهم: أنَّ ابتداءَ الخلق كان يوم الأحد، وهو قول أهل الكتاب المذكور في كتبِهم، .. فهذا يدفع أن يكون ما في الحديث مِن قولِ كعب» (١). غير أنَّ هذا الكلام لا يُزيلُ الإشكالَ الثَّاني، وهو: أنَّ المَشهور عن كعبٍ خلاف حديث خلق التُّربة، فكيف ينسبُه البخاريُّ إليه؟ والَّذي تَبدَّى لي مِن كلامِ البخاريِّ وجهٌ آخرَ مِن التَّأويل، أزعمُ أنَّه أقرب ما تُحمل عليه مَقالَته السَّالفة، أقول فيها مُستَهديًا بالله: إنَّ البخاريَّ لا يعني أنَّ الخبر الَّذي قال فيه: «وقال بعضهم عن أبي هريرة عن كعب»: هو بنفسِ مَتنِ حديثِ خلقِ التُّربة! فليس يُعرَف لهذا الحديث في كلِّ صحائفِ الدُّنيا غير الإسناد الَّذي ساقَه مسلم له عن أيُّوب بن خالد! وليس لمِثل البخاريِّ في سِعة علمِه واطِّلاعِه أن يجهل أنَّ كعبًا لا يقول بما في متنِه من ابتداء الخلق يومَ السَّبت. إنَّما أراد البخاريُّ بقولِه ذاك: ما يدخلُ في جملةِ أخبار هذا الباب الَّذي يندرج فيه حديث مسلمٍ ولو اختلف في متنه، مادام مَوضوعها واحدًا -والله أعلم-؛ ما يعنيه المُحدِّثون بقولهم: «وفي الباب عن فلانٍ وفلانٍ مِن الصَّحابة .. »، أي أنَّ مَوضوع حديث ما قد وَرَد فيه أحاديث أخرى عن فلانٍ وفلانٍ، وهذه الأحاديث قد تختلف لفظًا ومعنًى، وأمثلة ذلك واضحة في «جامع التِّرمذي» (٢). فعلى هذا، يكون متنُ الخَبر الَّذي عَناه البخاريُّ، والَّذي قد عَزاه هو إلى أبي هريرة عن كعب الأحبار، لا يُطابق متنَ حديثِ مسلمٍ في خلقِ التُّربة يوم
следующие страницы →