ونَصَب؛ ومثله قال الضَّحاك (١)، وأبو مجلز (٢).
ومِن عجيب قدَرِ الله تعالى فينا وفي أهلِ الكِتابين: أنَّ اليهودَ استصحَبوا نعتَ المغضوبِ عليهم في تعظيمِهم للسَّبتِ، إذْ جعلوه مُستَراحَ الرَّبِ من الخلقِ -تعالى عن ذلك سبحانه-؛ واستصحَبَ النَّصارى نعتَ الضَّلالِ في تعظيم الأحدِ، إذْ كان عندهم بدايةَ الخلق، وهل يُحتفَل بشيءٍ لِتوِّه بَدَأ ولم يَسْتَتِمَّ بعد؟!
وهَدى الله المسلمين لاتِّخاذِ الجمعة عِيدًا، إذ كان آخرَ يومٍ خَلَق الله فيه العالَم، وكان فيه خلقُ أصلِهم آدم ﵇ (٣)!
وأمَّا تتِمَّة هذه المعارضة؛ في دعوى دلالةِ أسماءِ الأيَّامِ على أوَّليَّةِ الأحد في أيَّام الخلق:
فكلام المُعلِّمي فيما تَعقَّبها به سَليم.
غير أنَّ دعوى السُّهيليِّ بأنَّ تلك الأسامي طارئةٌ على أيَّامِ الأسبوع، وتعدادُه لأسمائها القديمة عند العَرب: وإن كان قولًا صَحيحًا مِن حيث التَّاريخ، لكن يُشكِل عليه أنَّ العَرَب كانوا أيضًا يُسَمُّون الأحدَ (أوَّل) (٤) كما ذَكره السُّهيليُّ نفسُه عنهم! ويَجعلونه أوَّلَ أيَّام الأسبوع! فإمَّا أنَّهم تَبعوا فيه أهلَ الكتاب بخصوصِه لأسبابٍ غير مَعروفة (٥)، أو تكون التَّسمية انْبَنت على ما بَقي فيهم مِن أثارةِ أخبارِ الأنبياء.
ثمَّ قول السُّهيلي في أسماء الأيَّام: «لو كان الله تعالى ذَكَرها في القرآن بهذه الأسماء المُشتقَّة مِن العدد، لقُلنا: هي تسميةٌ صادقةٌ على المُسَمَّى بها، ولكنَّه لم يذكر منها إلَّا الجمعة والسَّبت، وليسا مِن المشتقَّة مِن العدد»:
стр. 947
يُشكِلُ عليه أنَّ السَّبتَ وإن لم يُشتَقَّ مِن العَدد، فهو مُشتَقٌ مِن معنى القَطع والسُّكون (١)! يُقال: سَبَتَ الشَّيءَ، إذا قطَعَه (٢)، ويُقال: أسْبَتَت الحَيَّةُ: إذا أطْرَقَت لا تَتحرَّك (٣)، وعليه سُمِيَّ يومُ السَّبت سَبْتًا: لأنَّ الله قَطَع خَلْقَ العَالَم وفَرَغ منه فيه (٤).
فلو أنزلنا على أصلِ تَسمية السَّبت دعوى السُّهيليِّ أنَّ أسماء الأيَّام المُشتقَّة مِن العدد لو ذُكرت في القرآن لكانت «التَّسميةَ صادقةً على المُسَمَّى بها»، فإنَّ يوم السَّبت قد ذُكِر في القرآن، فتسميتُه على هذا صادقة على المُسمَّى به! إذ يتضمَّن قطع الرَّب للتَّخليقِ فيه، ومن لازم ذلك بدء التَّخليق في الأحد.
ومُحصَّل القول مِن مجموعِ هذه المناقشاتِ أن نقول ختامًا:
إنَّ حديثَ «خلق التُّربة يوم السَّبت» قد وُجِّهَت له في القديمِ والحديثِ أربعُ مُعارضاتٍ تطعن في متنِه ذكرتها تباعًا: صَحَّت منها المعارضة الأولى، فلم تُزحزَح بجوابٍ مَكين، واندفعت عنه المعارضة الثَّالثة، لوَهائِها البيِّن للنَّاظر فيها، أمَّا المعارضتان الثَّانية والأخيرة: ففيهما ما يَسلم، وفيها ما فيه نَظر.
وإن كانت المعارضة الأولى كافيةً في إسقاطِ الحديث وردِّه بالنَّكارة، والله تعالى أعلم.
стр. 948
لكن يبقى إشكال مهمٌّ يَعتري تعليلَ هذا الحديث؛ وهو:
هل يكون حديث خلق التُّربة بهذا مِن قَبيل الإِسرائيليَّات، مع أنَّه في «صحيح مسلم»؟
والجواب: كلَّا!
بل مُجرَّد غَلَطٍ مِن أحدِ رُواتِه، بدليل أنَّ الإسرائيليِّين أنفسُهم مُتَّفِقون على أنَّ الخلقَ ابتدأَ الأحد، وانتهى الجمعة، «وعليه بَنَوا قولَهم في السَّبت» (١)، وليس في شيءٍ من صُحُفِهم أنَّ ابتداءَ الخلق كان يوم السَّبت، كما في متنِ هذا الحديث.
وكعبُ الأحبار الَّذي يَنسِبُ إليه البعضُ هذه الرِّواية -بتخريجِ أنَّ الرَّاوي أخطَأ بروايتِها عن أبي هريرة ﵁ مَرفوعةً، وكان الفرض أن تكون عن كعب- المعروفُ مِن قولِه هو: أنَّ مُبتدَأ الخلق كان الأحَد لا السَّبت (٢)!
فيكون بهذا بريئًا مِن نسبةِ الحديث إلى مَقولِه، ونسبةُ بعض العلماء المتأخِّرين ذلك إليه غَلَطٌ، كابن تيميَّة (٣)، القيِّم (٤)، وابن كثير (٥)، والمُناويُّ (٦)، وتَبعهم بعض مُخرِّجي السُّنَن مِن المعاصرين (٧).
стр. 949
وكان مِن اشهر عُمَدِ هؤلاء في نسبةِ هذا الخبر إلى كعب: قولُ البخاريِّ في ترجمتِه لأيُّوب بن خالد الأنصاريِّ: «ورَوَى إسماعيل بن أميَّة، عن أيُّوب بن خالد الأنصاري، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ قال: خَلق الله التُّربة يوم السَّبت.
وقال بعضهم: عن أبي هريرة عن كعب، وهو أصحُّ» (١).
ففَهِم البعضُ مِن هذا الكلامِ: وُرودَ حديثِ خلقِ التُّربة يوم السَّبت بإسنادٍ آخرَ وَقَف عليه البخاريُّ، يَنْميه أبو هريرة إلى كعبِ الأحبارِ ولا يرفعُه، فرَّجحوه على إسنادِ مسلمٍ المرفوع! مع جهلِهم بحقيقتِه، تقليدًا للبخاريِّ.
لكن يُشكِل على مَسلكِهم هذا في التَّعليلِ: كونُه ترجيحًا للمَجهولِ مِن الإسناد على مَعلومٍ منه! فإنَّ ما ذَكَره البخاريُّ مِن روايةِ الحديث عن أبي هريرة عن كعب، لا نعلم إسنادَه لنتَحقَّقَ مِن صحَّتِه، والأصل اعتمادُ ما ظَهر مِن الأسانيد حتَّى يُكشف ما خَفِي منها (٢).
وما يزيد فهمَهم لكلامَ البخاريَّ إشكالًا: ما سَبَق تقريرُه مِن أنَّ المَحفوظ عن كعبٍ خلافُ ما في حديث خلق التُّربة، أي أنَّه يقول بأنَّ ابتداءَ الخلق كان يوم الأحد، وهو قول أهل الكتاب قاطبةً!
فمِن أين سيأتي البخاريُّ بروايةٍ عن كعبٍ تناقض هذه الحقيقة؟!
لقد حاوَل المُعلِّمي التماسَ عُذرٍ للبخاريِّ في هذا المَسلك الغريب من التَّرجيح، حين قال: «مُؤدَّى صنيعِه أن يحدُسَ أنَّ أيُّوب أخطأ، وهذا الحَدس مَبني على ثلاثةِ أمور:
الأوَّل: استنكارُ الخَبر لمِا مَرَّ.
الثَّاني: أنَّ أيَّوب ليس بالقَويِّ، وهو مُقِلٌّ، لم يُخرِج له مسلم إلَّا هذا الحديث؛ .. وتَكلَّم فيه الأزديُّ، ولم يُنقَل توثيقُه عن أحدٍ مِن الأئمَّة، إلَّا أنَّ ابن حبَّان ذكره في «ثقاته»، وشرط ابن حبَّان في التَّوثيق فيه تسامح معروف.
стр. 950
الثَّالث: الرِّواية الَّتي أشار إليها بقوله: «وقال بعضهم»، وليته ذَكَر سندَها ومتنَها، فقد تكون ضعيفةً في نفسِها، وإنَّما قوِيَت عنده للأَمرين الآخَرين، ويَدلُّ على ضعفِها أنَّ المحفوظ عن كعب، وعبد الله بن سلام، ووهب بن منبِّه، ومَن يأخذ عنهم: أنَّ ابتداءَ الخلق كان يوم الأحد، وهو قول أهل الكتاب المذكور في كتبِهم، .. فهذا يدفع أن يكون ما في الحديث مِن قولِ كعب» (١).
غير أنَّ هذا الكلام لا يُزيلُ الإشكالَ الثَّاني، وهو: أنَّ المَشهور عن كعبٍ خلاف حديث خلق التُّربة، فكيف ينسبُه البخاريُّ إليه؟
والَّذي تَبدَّى لي مِن كلامِ البخاريِّ وجهٌ آخرَ مِن التَّأويل، أزعمُ أنَّه أقرب ما تُحمل عليه مَقالَته السَّالفة، أقول فيها مُستَهديًا بالله:
إنَّ البخاريَّ لا يعني أنَّ الخبر الَّذي قال فيه: «وقال بعضهم عن أبي هريرة عن كعب»: هو بنفسِ مَتنِ حديثِ خلقِ التُّربة! فليس يُعرَف لهذا الحديث في كلِّ صحائفِ الدُّنيا غير الإسناد الَّذي ساقَه مسلم له عن أيُّوب بن خالد! وليس لمِثل البخاريِّ في سِعة علمِه واطِّلاعِه أن يجهل أنَّ كعبًا لا يقول بما في متنِه من ابتداء الخلق يومَ السَّبت.
إنَّما أراد البخاريُّ بقولِه ذاك: ما يدخلُ في جملةِ أخبار هذا الباب الَّذي يندرج فيه حديث مسلمٍ ولو اختلف في متنه، مادام مَوضوعها واحدًا -والله أعلم-؛ ما يعنيه المُحدِّثون بقولهم: «وفي الباب عن فلانٍ وفلانٍ مِن الصَّحابة .. »، أي أنَّ مَوضوع حديث ما قد وَرَد فيه أحاديث أخرى عن فلانٍ وفلانٍ، وهذه الأحاديث قد تختلف لفظًا ومعنًى، وأمثلة ذلك واضحة في «جامع التِّرمذي» (٢).
فعلى هذا، يكون متنُ الخَبر الَّذي عَناه البخاريُّ، والَّذي قد عَزاه هو إلى أبي هريرة عن كعب الأحبار، لا يُطابق متنَ حديثِ مسلمٍ في خلقِ التُّربة يوم
стр. 951
السَّبت بالحرف! وإنَّما يُطابقُ مَوضوعَه العامَّ الجامع، هذا الموضوع هو حَدُّ ابتداءِ الخلق الأوَّل، وانتهاءهِ بخلقِ آدم.
هنا يُقال: وهل يوجد خَبَرٌ آخر يرويه أبو هريرة عن كعب في بدءِ الخلقِ ونهايتِه غير ما في مسلمٍ؟
أقول: نعم، أحدُس أن يكون مُراد البخاريِّ: ما رواه أبو هريرة عن كعب بعد أن قال له: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «خَيرُ يومٍ طَلَعت فيه الشَّمس وغابت يوم الجمعة»، فقال كعبٌ: «نعم، إنَّ الله خَلَق الخلقَ يومَ الأحد، حتَّى انتهى إلى الجمعة، فخَلَق آدمَ آخرَ ساعاتِ النَّهار يوم الجمعة» (١).
فكأنَّ البخاريَّ يقول: إنَّ الأصحَّ عن أبي هريرة في هذا الباب ما رواه بعضهم عنه عن كعب الأحبار مِن قولِه، وقولُ كعبٍ أنَّ ابتداءَ الخلق يوم الأحد.
فكأنَّه أراد أن يشير بهذا إلى أنَّ حديث أيُّوب مَعلول من جِهتين:
الأولى: أنَّ رفعَه عن أبي هريرة لا يصحُّ.
الثَّانية: أنَّ الأصحَّ في متنِ الخبر ما جاء عن أبي هريرة عن كعب في أنَّ ابتداءَ الخلقِ يومَ الأحد.
فإن قيل: إنَّ ما حَدَسته مِن خبرِ كعبِ هذا إسنادُه ضعيف! فكيف يجعله البخاريُّ أصحَّ من حديث التُّربة؟
قلت: الحديث أخرجه ابن سلام قال: حدَّثنا عثمان، عن سعيد المقبري، أنَّ إنَّما الخلاف في يحيى بن سلام، وشيخِه عثمان، وهو الأخنسي.
فأمَّا يحيى بن سلام: وإن كان قد تَكلَّم بعض العلماء في حفظِه، فقد مَشَّى حالَه آخرون، وأعدل الأقوال فيه ما قاله أبو زرعة: «لا بأس به، ربَّما وَهِم» (٢).
وأمَّا عثمان بن محمَّد الأخنسي: فالبخاريُّ وَثَّقه، وهذا المهمُّ لدينا (٣).
стр. 952
فيكون هذا الإسناد مُحتَمِلًا للتَّحسينِ عند البخاريِّ، مع ما يَشهَدُ لمتنِه من أحاديث أخرى، وقد مَرَّ ما رواه أبو صالح عن كعب في ما يوافق ذلك.
وعلى فرضِ ضَعفِه، فإنَّ البخاريَّ قال: « .. هو أصَحُّ»، ولا يلزم من هذه العبارة أن يكون صَحيحًا في نفسِه، ولكن مِن بابِ: (أصحُّ ما في الباب)؛ ومع ما في متنِ حديث التُّربة مِن نكارةٍ اقتضت عنده تخليطَ راويه في سندِه ومتنِه (١)،
استوجبَ تغليبَ غيره عليه.
стр. 953
هذا الَّذي أراه في توجيه كلام البخاريِّ، فإنِّي على اعتقاد بأنَّ مثله لا يُصحِّح نسبةَ الكلامِ إلى مَن يُعلَم نَأيُه عنه يقينًا.
ولعلَّ هذا المَلْحظ نفسَه هو ما به اطمأنَّت نفس مسلم لتصحيح الحديث! ذلك أنَّه عَلِم أنَّ خَبر خلقِ التُّربة لا يقول بمثلِه كعب، فكأنَّ الشُّبهة انتفت عنده في الحديث أن يغلطَ فيه الرَّاوي فيجعله عن أبي هريرة بينما هو عن كعب! حيث أنَّ كعبًا لا يقول بمثلِ متنِه أصلًا! فتمحَّضَ عنده أنَّه عن أبي هريرة مرفوعًا؛ مع تاويلِ مسلمٍ للمتنِ على وجهٍ يَراه غير مُناقضٍ للأصولِ، كما قد أشرنا إليه.
ومع كلِّ ما قُلته: يبقى كلامِ البخاريِّ مَزَّلة أفهامٍ، مُحتملَةً عندي، والمَقام لا يتَّسع لبَسطها بأكثر من هذا؛ ويكفينا القطعُ بأنَّ الحديث أشَدُّ ما يُقال فيه: أنَّه غَلط مِن الرَّاوي، وليس هو مِن الإسرائيليَّات في شيء، والله تعالى أعلم.
المَطلب الأوَّل سَوْق حديثِ الجسَّاسة
عن عَامِرُ بن شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيِّ، أَنَّهُ سَأَلَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ -أُخْتَ الضَّحَّاكِ بن قَيْسٍ- وكانت من الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ، فقال: حَدِّثِينِي حَدِيثًا سَمِعْتِهِ من رسول الله ﷺ لا تُسْنِدِيهِ إلى أَحَدٍ غَيْرِهِ.
فقالت: «لَئِنْ شِئْتَ لأَفْعَلَنَّ، فقال لها: أَجَلْ؛ حَدِّثِينِي .. ».
فذَكرتْ له قصَّةَ تأَيُّمِها من زوجِها، واعتدادها عند ابن أمِّ مكتوم، ثمَّ قالت:
«فلمَّا انْقَضَتْ عِدَّتِي، سمعتُ نِدَاءَ المُنَادِي مُنَادِي رسول اللَّه ﷺ يُنَادِي: الصَّلاةَ جَامِعَةً، فَخَرَجْتُ إلى المَسْجِدِ، فَصَلَّيْتُ مع رسول الله ﷺ ، فَكُنْتُ في صَفِّ النِّسَاءِ الَّتي تَلِي ظُهُورَ الْقَوْمِ، فلمَّا قَضَى رسول الله ﷺ صَلاتَهُ، جَلَسَ على الْمِنْبَرِ وهو يَضْحَكُ، فقال: «لِيَلْزَمْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُصَلَّاهُ»، ثُمَّ قال: «أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُمْ؟» قالوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قال: «إنِّي والله ما جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ ولا لِرَهْبَةٍ، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ لأَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ كان رَجُلًا نَصْرَانِيًّا، فَجَاءَ فَبَايَعَ، وَأَسْلَمَ، وَحَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الَّذي كنت أُحَدِّثُكُمْ عن مَسِيحِ الدَّجَّالِ: حدَّثني أَنَّهُ رَكِبَ في سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ مع ثَلاثِينَ رَجُلًا من لخمٍ وَجُذَامَ، فَلَعِبَ بِهِمْ المَوْجُ شَهْرًا
стр. 956
في الْبَحْرِ، ثُمَّ أرفَؤوا (١) إلى جَزِيرَةٍ في الْبَحْرِ حتَّى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، فَجَلَسُوا في أَقْرُب (٢) السَّفِينَةِ، فَدَخَلُوا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْهُمْ دَابَّةٌ أَهْلَبُ (٣)
كَثِيرُ الشَّعَرِ، لا يَدْرُونَ ما قُبُلُه من دُبُرِهِ من كَثْرَةِ الشَّعَرِ، فَقَالُوا: وَيْلَكِ! ما أَنْتِ؟
فقالت: أنا الجسَّاسَةُ.
قالوا: وما الجسَّاسَةُ؟
قالت: أَيُّهَا الْقَوْمُ! انْطَلِقُوا إلى هذا الرَّجُلِ في الدَّيرِ؛ فإنَّه إلى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ.
قال: لَمَّا سَمَّتْ لنا رَجُلًا؛ فَرِقْنَا منها أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً؛ قال: فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا حتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ؛ فإذا فيه أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا، وَأَشَدُّهُ وِثَاقًا، مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إلى عُنُقِهِ ما بين رُكْبَتَيْهِ إلى كَعْبَيْهِ بِالْحَدِيدِ.
قُلْنَا: وَيْلَكَ! ما أنت؟!
قال: قد قَدَرْتُمْ على خَبَرِي، فَأَخْبِرُونِي: ما أَنْتُمْ؟
قالوا: نَحْنُ أُنَاسٌ من الْعَرَبِ رَكِبْنَا في سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ، فَصَادَفْنَا الْبَحْرَ حين اغْتَلَمَ، فَلَعِبَ بِنَا الموْجُ شَهْرًا، ثُمَّ أَرْفَأْنَا إلى جَزِيرَتِكَ هذه، فَجَلَسْنَا في أَقْرُبِهَا، فَدَخَلْنَا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْنَا دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ لا يُدرَى ما قُبُلُهُ من دُبُرِهِ من كَثْرَةِ الشَّعَرِ، فَقُلْنَا: وَيْلَكِ! ما أَنْتِ؟ فقالت: أنا الْجَسَّاسَةُ، قُلْنَا: وما الْجَسَّاسَةُ؟ قالت: اعْمِدُوا إلى هذا الرَّجُلِ في الدَّيْرِ (٤)؛ فإنَّه إلى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ، فَأَقْبَلْنَا إِلَيْكَ سِرَاعًا، وَفَزِعْنَا منها، ولم نَأْمَنْ أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً.
стр. 957
فقال: أَخْبِرُونِي عن نَخْلِ بَيْسَانَ (١)؛ قُلْنَا: عن أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قال: أَسْأَلُكُمْ عن نَخْلِهَا: هل يُثْمِرُ؟ قُلْنَا له: نعم، قال: أَمَا إنه يُوشِكُ أَنْ لَا تُثْمِرَ.
قال: أَخْبِرُونِي عن بُحَيْرَةِ الطَّبَرِيَّةِ؛ قُلْنَا: عن أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قال: هل فيها مَاءٌ؟ قالوا: هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ؛ قال: أَمَا إِنَّ مَاءَهَا يُوشِكُ أَنْ يَذْهَبَ.
قال: أَخْبِرُونِي عن عَيْنِ زُغَرَ (٢)؛ قالوا: عن أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قال: هل في الْعَيْنِ مَاءٌ؟ وَهَلْ يَزْرَعُ أَهْلُهَا بِمَاءِ الْعَيْنِ؟ قُلْنَا له نعم، هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ، وَأَهْلُهَا يَزْرَعُونَ من مَائِهَا.
قال: أَخْبِرُونِي عن نَبِيِّ الْأُمِّيِّينَ؛ ما فَعَلَ؟ قالوا: قد خَرَجَ من مَكَّةَ، وَنَزَلَ يَثْرِبَ، قال: أَقَاتَلَهُ الْعَرَبُ؟ قُلْنَا: نعم، قال: كَيْفَ صَنَعَ بِهِمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ: أَنَّهُ قد ظَهَرَ على من يَلِيهِ من الْعَرَبِ، وَأَطَاعُوهُ، قال لهم: قد كان ذلك؟! قُلْنَا: نعم.
قال: أَمَا إِنَّ ذَاكَ خَيْرٌ لهم أَنْ يُطِيعُوهُ، وَإِنِّي مُخْبِرُكُمْ عنِّي: إنِّي أنا الْمَسِيحُ! وإِنِّي أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لي في الْخُرُوجِ، فَأَخْرُجَ، فَأَسِيرَ في الأرض، فلا أَدَعَ قَرْيَةً إلا هَبَطْتُهَا؛ في أَرْبَعِينَ لَيْلَةً غير مَكَّةَ وَطَيْبَةَ، فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلْتَاهُمَا، كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً أو وَاحِدًا مِنْهُمَا اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بيَدِه السَّيْفُ صَلْتًا يَصُدُّنِي عنها، وَإِنَّ على كل نَقْبٍ منها مَلائِكَةً يَحْرُسُونَهَا».
قالت -أي: فاطمة بنت قيس-: قال رسول اللَّهِ ﷺ -وَطَعَنَ بِمِخْصَرَتِهِ (٣) في الْمِنْبَرِـ: «هذه طَيْبَةُ! هذه طَيْبَةُ! هذه طَيْبَةُ! -يَعْنِي: الْمَدِينَةَ- أَلَا هل كنت حَدَّثْتُكُمْ ذلك؟»، فقال النَّاس: نعم، «فإنَّه أَعْجَبَنِي حَدِيثُ تَمِيمٍ أَنَّهُ وَافَقَ الَّذي كنتُ أُحَدِّثُكُمْ عنه وَعَنْ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، أَلَا إنَّه في بَحْرِ الشَّام، أو بَحْرِ الْيَمَنِ؛ لا،
стр. 958
بَلْ مِن قِبَلِ الْمَشْرِقِ ما هو (١)! مِن قِبَلِ الْمَشْرِقِ ما هو! مِن قِبَلِ الْمَشْرِقِ ما هو! .. وأَوْمَأَ بيدِه إلى الْمَشْرِقِ.
قالت: فَحَفِظْتُ هذا مِن رسول اللَّهِ ﷺ » (٢).
стр. 959
المَطلب الثاني سَوْق المعارضاتِ الفكريَّة المعاصرة لحديث الجسَّاسةِ
تنقسم مواقف المخالِفين مِن المعاصرين مِمَّا دَلَّ عليه هذا الحديث إلى موقفين (١):
الموقف الأوَّل: مَن ذهب إلى ردِّ الحديث ضِمنًا لا تصريحًا.
الموقف الثَّاني: مَن رَدَّهُ تَصْريحًا.
فأمَّا الموقف الأوَّل: فيتَمثَّل في كلِّ مَن ردَّ الأحاديث الدَّالَّة على خروجِ الدَّجال وطَعن فيها بعامَّة؛ فرَدُّ تلك الأحاديث يَلحَق بها مِن باب أَوْلى «حديثُ الجسَّاسة» (٢).
وأمَّا الموقف الثَّاني: فأوَّل مَن علِمتُ تَولَّى رَدَّ هذا الحديث صَراحةً: (محمَّد رشيد رضا)، مُجلِبًا عليه بأوقارٍ مِن المُعارَضات مِن كِلا جِهتي الرِّواية والدِّراية.
فكان مِمَّا قاله في هذا الحديث:
«إنَّ روايةَ الرَّسول ﷺ عن تميم الدَّاري إنْ سَلِم سَندُها من العِلل: هل
стр. 960
تجعل الحديثَ مُلحَقًا بما حَدَّث به النَّبي ﷺ مِن تلقاء نفسه، فيُجْزَمُ بصدق أصله، قياسًا على إجازته ﷺ أو تقريره للعمل إذ يدلُّ [على] حلِّه وجوازه؟
والظَّاهرُ لنا أنَّ هذا القياسَ لا مَحَلَّ له هنا، والنَّبي ﷺ ما كان يَعلم الغيب؛ فهو كسائرِ البَشر يحْمِل كلامَ النَّاس على الصِّدق؛ إذا لم تحُفَّ به شبهة، وكثيرًا ما صَدَّق المنافقين والكُفَّار في أحاديثِهم، وحديث العُرَنِيين (١) وأصحاب بئر مَعونة (٢) ممَّا يدلُّ على ذلك، وإنمَّا كان يعرف كذِب بعضَ الكاذبين بالوَحي، أو بعض طرق الاختبار، أو أخبار الثِّقات، ونحو ذلك مِن طُرق العلمِ البشريِّ، وإنَّما يمتاز عن غيرهم بالوحي، والعصمة من الكذب، وما كان الوحي ينزل إلَاّ في أمر الدِّين، وما يتعلَّق بدعوتِه وحفظِه وحفظ ما جاء به؛ وتصديقُ الكاذب ليس كذبًا .. » (٣).
وممَّا قاله أيضًا:
« .. هل يجب أن تكون حكايته ﷺ لما حدَّث به تميم تصديقًا له؟ وهل كان ﷺ مَعصومًا مِن تصديقِ كلِّ كاذبٍ في خبر؛ فيُعَدُّ تصديقُه لحكايةِ تميم دليلًا على صدقه فيها؟ ويُعَدُّ ما يرِدُ عليها مِن إشكالٍ واردًا على حديث له حكم المرفوع؟ .. إنَّ ما قالوه في العصمة لا يدخل فيه هذا، فالمُجمَع عليه هو العصمة في التَّبليغ عن الله تعالى، وعن تعمُّد عصيانه بعد النُّبوة .. وتصديقُ الكاذب لا يُعدُّ ذنبًا .. » (٤).
وممَّن نَسج بعده على منوالِه: (محمَّد أبو ريَّة)، وسيأتي نصُّ كلامه -قريبًا-.
وجاء بعده (أبو الأعلى المَوْدودي) فنَبَز الحديثَ بأنَّه «أسطورةٌ ووَهْم»!
стр. 961
وقال: «إنَّ الأمر الَّذي تحقَّقتُ فيه: أنَّه (أسطورة) هو ذلك الوَهم الَّذي يؤكِّد أنَّ الدجَّال محبوسٌ في مكانٍ ما» (١).
وآخر مَن علمتُه كتَبَ في هذا الحديث يردُّه د. حاكم المطيري في كُتَيِّبه «دراسة لحديث الجساسة، وبيان ما فيه من العلل في الإسناد والمتن».
قلتُ: ومِن المُتَحقَّق علمُه بين نُقَّاد الحديث صِحَّة إسنادِ حديثِ فاطمة بنت قيس، وبراءةُ متنِه ممَّا يُستنَكر، وإن كان فيه ما قد يُستشكَل على بعضِ الأذهان، ولا أعَلمُ حتَّى ساعتي هذه مَن رَدَّه وطَعَن فيه مِن الأئمَّة المُعتبَرين قديمًا أو حديثًا؛ بل البخاريُّ مع إعراضِه عن إخراجِه، واكتفائِه بإخراجِ حديثِ جابرٍ الواردِ في ابن صيَّاد (٢)؛ سالِكًا في ذلك نوعًا مِن مسالِك التَّرجيح: قد صرَّحَ بصِحَّتِه، كما سيأتي عليه البَيانُ تفصيلًا في موضعِه مِن هذا المَبحث.
وكذا صَرَّح بصحَّتِه غيرُ واحدٍ مِن أئمَّة الحديثِ، منهم:
التِّرمذيُّ في قوله: «حَسن صَحيح غَريب» (٣).
وصَحَّحَه الدَّارقطنيُّ (٤)، وابن عبد البرِّ (٥)، بل عَدَّه أبو نُعيم الأصبهانيُّ مِن الأحاديث المُتَّفق على صِحَّتِها (٦)؛ بل لا تَكاد تَرى مُصَنِّفًا في علومِ الحديثِ إلَّا مَثَّل به على روايةِ الأكابر عن الأصاغِر، لروايةِ النَّبي ﷺ ما سمِعه عن تميمٍ للصَّحابة.
وعلى هذا؛ كان النَّظر مِنَّا مُتوجِّهًا إلى ما ثوَّره (رشيد رضا) وغيرُه على هذا الحديث مِن معارضات عقليَّةٍ، فكان أبرز ما وجدناه منهم عليه من نَقداتٍ مُنتظِمٌ في المعارضاتِ التَّالية:
стр. 962
المعارضة الأولى: أنَّ الدَّواعي مُتوافرة لاستفاضةِ هذا الحديث لو كان حقيقةً، ورواية الآحادِ مِن النَّاس له مَظِنَّة قويَّة لنكارتِه.
وفي تقريرِ هذا الاعتراض، يقول (رشيد رضا):
«مِن عِلل الحديث: أنَّه مِن الأحاديث الَّتي تَتوفَّر الدَّواعي على نقلها بالتَّواتر، لغرابة موضوعِه، ولاهتمام النَّبي ﷺ به، وجمعِه النَّاس له، وتحديثِه به على المنبر، واستشهادِه بقول تميمٍ على ما كان حدَّثهم به قبل إسلامه، ولسماع جمهور الصَّحابة له منه ﷺ ، فمِن غير المعقول ألَّا يُروى إلَّا آحاديًّا؛ ويؤيِّده امتناع البخاريِّ عن إخراجِه في «صحيحه»، لشدَّةِ تحرِّيه .. » (١).
المعارضة الثَّانية: على فرضِ صحَّة الواقعةِ، فإنَّ النَّبي ﷺ لم يُقِرَّ تميمًا ﵁ على كلِّ حديثِه، وأنَّ في إبطالِه ﷺ لبعضِ حديثِه نَزعًا للثِّقةِ مِن باقيه، وعلى فرضِ تصديقِ النَّبي ﷺ لكلِّه، فليس هو مَعصومًا مِن تصديقِ الكَذَبة.
ولتقرير هذه الاعتراضِ المتفرِّع إلى اثنين، استشهدَ (رشيد رضا) بكلام للطيِّبي مَفاده: أنَّ ظاهر قوله ﷺ : «ألَا إنَّه في بَحْرِ الشَّام، أو بَحْرِ الْيَمَنِ؛ لا، بَلْ مِن قِبَلِ الْمَشْرِقِ ما هو .. »، يدلُّ على تصديقِه لتميمٍ أوَّلَ الأمر، ثمَّ كُوشِف ﷺ في موقفِه بأنَّه في جهةِ المشرق، وليس في أحد البَحرين، فأعقبَ (رشيد رضا) هذا النَّقل عنه بقوله:
«إنَّ نفيَ النَّبي ﷺ لبعض قولِ تميمٍ يُبطل الثِّقة به كلَّه، ويحصر عجبَه ﷺ في شيءٍ واحدٍ منه لا يُعرَف بالرَّأي، وهو موافقتُه لما سَبق إخباره به ﷺ مِن ظهورِ الدَّجال، وكونِه لا يدخل مكَّة ولا المدينة، وإن بقيَ الإعجاب ممَّا ذُكر منه في مَحلِّه .. » (٢).
ثمَّ انتقلَ إلى تقريرِ الشُّبهةِ الثَّانيةِ في عدمِ عصمتِه ﷺ مِن تصديق الكاذب، وقد سَبق كلامه في أصحابِ الموقفِ الثَّاني مِن حديث الجسَّاسة، فأغنى عن إعادتِه هنا.
стр. 963
المعارضة الثَّالثة: أنَّ الحِسَّ يَقضي بعدمِ صِحَّة هذا الحديث، وبيان ذلك:
أنَّ الجزيرة الَّتي رَفأَ إليها تميم ﵁ وأصحابه بسفينِتهم لن تعدو أن تكون في إحدى البِحار المحيطة بالجزيرة العربيَّة أو القريبة منها، وكلُّها قد مسَحَها علماء البِحار في هذه الأزمنة مَسحًا؛ فلو صَحَّ وجود هذه الجزيرة، ووجود الدجَّال فيها: لتوافرت هِمَمهم على نقلِ ذلك، ولعَرَفه النَّاس.
وفي تقرير هذا، يتساءَل (رشيد رضا) سُؤالَ مستنكرٍ:
«أين هذه الجزيرة الَّتي رَفأَ إليها تميم وأصحابه في سفينتهم؟ إنَّها في بحر الشَّام، أو بحر اليَمن؛ كما في اللَّفظِ المرفوعِ -إنْ صحَّ الحديث-؛ أي: في الجهةِ المقابلةِ لسواحلِ سورية مِن البحر المتوسِّط، أو الجهة المجاورة لشواطئ اليَمن من البحر الأحمر: وكلٌّ مِن البَحرين قد مَسَحه البحَّارة في هذه الأزمنة مَسْحًا، وجابوا سطحَهما طولًا وعرضًا، وقاسوا مياهَهما عُمقًا عُمقًا، وعَرفوا جزائرَهما فردًا فردًا؛ فلو كان في أحدِهما جزيرةٌ فيها دير، أو قصرٌ حُبس فيه الدَّجال، وله جسَّاسة فيها تُقابل النَّاس، وتنقل إليه الأخبار: لعَرف ذلك كلَّه كلُّ الناس» (١).
ومثله (محمود أبو ريَّة)، لكن بنبرةِ المُستهزِئ قال: «لعلَّ علماء الجغرافيا يَبحثون عن هذه الجزيرة، ويعرفون أين مكانها مِن البحر! ثمَّ يخبروننا؛ حتَّى نرى ما فيها من غرائب الَّتي حدَّثنا بها سيِّدنا تميم الداري ﵁ .. » (٢).
أمَّا (محمَّد الغزاليُّ)، فقد عَبَّر عن هذه المعارضةِ نفسِها بأسلوبه الأدبيِّ المعهود، قائلًا:
«وهَاكُم مَوقفًا آخرَ مِن واعظٍ يحبُّ الحكايات، ويَستنصِتُ النَّاسَ بما تحوي من العجائب! قال: إنَّ الدجَّال موجود الآن في إحدى الجُزر ببحر الشَّام أو بحر اليَمن، مشدود الوِثاق، وقد رآه تميم الدَّاري بعدما غرق في السَّفينة الَّتي كان يركبها هو وصحبُه، وتحادثوا معه، وهو على وشك الخروج!
стр. 964
وقد حدَّثتْ بذلك فاطمة بنت قيس في سياقٍ طويلٍ!
قال لي طالب يسمع الدَّرس: هل يمكن أن نذهبَ في رحلةٍ إلى هذه الجزيرة؛ لنرى الدَّجال؟
قلتُ له: وماذا تفعل برؤيتِه؟ الدَّجالون كثيرون، وإذا تحصَّنت بالحقِّ نَجوتَ منهم، ومن كبيرِهم عندما يخرج!
قال: ألم يزُرْ أحدٌ هذه الجزيرة بعد تميم الدَّاري؟
فآثرتُ السُّكوتَ، وحرَّفْتُ الطَّالبَ عن الموضوع بلباقةٍ.
إنَّ أساطيلَ الرُّومان، والعرب، والتُّرك، والصَّليبيِّين؛ تجوب البحرَ الأبيض المتوسِّط والأحمر من بضعة عشر قرنًا، ولم ترَ هذه الجزيرة؛ وفي عصرنا هذا طُرِق كلُّ شِبرٍ في البرِّ والبحر، والتُقِطت صورٌ لأعماقِ المحيطات عن طريقِ الأقمار الصناعيَّة، فأين تقع هذه الجزيرة؟! .. » (١).
المعارضة الرَّابعة: أنَّ الحديثَ مُعارَضٌ بقول النَّبي ﷺ : «لا تَأتي مائة سَنةٍ وعلى الأرض نفسٌ منفوسةٌ اليوم» (٢):
فلو كان الدَّجال مَوجودًا وقتَها لهلَك قبل تمامِ المائة، ولعارَضَ ما ثَبت قطعًا مِن خروجِه قُبيل السَّاعة.
يقول محمَّد العُثَيمين (ت ١٤٢١ هـ) في تقريرِ هذه المعارضة: «ثَبَت في «الصَّحيحين» عن النَّبي ﷺ قال: «إنَّه على رأسِ مائةِ سنةٍ، لا يبقى على وجهِ الأرضِ مِمَّن هو عليها اليوم أحَد»، فإذا طَبَّقنا هذا الحديث على حديثِ تميم الدَّاري ﵁، صارَ مُعارضًا له؛ لأنَّ ظاهرَ حديث تميم الدَّاري ﵁ أنَّ هذا الدَّجال يبقى حتَّى يخرج، فيكون معارضًا لهذا الحديث الثَّابت في الصَّحيحين» (٣).
стр. 965
المعارضة الخامسة: أنَّ في طلب النَّبي ﷺ لتأييدِ رَجلٍ مِن أهل الكتاب لِما كان يحدِّث به: حَطٌّ من شأنِه، واستغنائِه بتصديقِ الله تعالى له في القرآن الكريم:
يقول (جعفر السُّبحاني): «إذا كان ﷺ هو أعلمَ الأمَّة، فكتابه هو المهيمن على جميع الكتب السَّماوية .. فإذا كان الأمر كذلك، فما هي الحاجة للحصول على تأييدِ تميم الدَّاري لصحَّةِ كلامِه؟! وهذا يحطُّ مِن شأنِ النَّبي ﷺ وكتابه المُنزَّل، فتميمٌ الدَّاري أحوج إلى تأييدِ النَّبي ﷺ » (١).
стр. 966
المَطلب الثَّالث دفع المُعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ عن حديثِ الجسَّاسة
أمَّا عن المعارض الأوَّل: وهو دعوى ردِّ الحديث لعَدمِ استفاضتِه، مع توفُّر الدَّواعي لذلك، فالجواب عنه:
أنَّ تلك الدَّواعي لنقلِ الحديث مُتواترًا كما قرَّرها (رشيد رضا) لا توجِبُ أن يكونَ الحديثُ كذلك مِن جِهة واقع الرِّواية، فإنَّ عددًا مِن المَرويَّات قد تَوَفَّرت لها ذات الشُّروط لم تبلُغنا بالتَّواتر، هي مع ذلك ممَّا يقرُّ (رشيد رضا) بصحَّتها بلا شكٍّ، مثل خطبة حجَّة الوَداع، وقد كانت في جمعٍ لم يعرف الإسلام مثله عددًا في عهد النُّبوة، ومع ذلك لم يروِها إلَّا آحاد قلائل.
فإن قيل: قد يُستشكَل على هذا الجواب أمور، منها:
أنَّ أهل الأصولِ على أنَّ خَبر الواحدِ فيما تَتوافر الدَّواعي على نقلِه، إذا انفردَ الواحدُ بروايتِه عن باقي الخَلقِ لم يُقبَل؛ لكونِ الدَّواعي على نقلِه مُتوفِّرة عَقلًا وطَبعًا؛ إمَّا لغرابتِه، وإمَّا لتعلُّقِه بأصلٍ مِن أصول الدِّين، ولم يخالف في هذا إلَّا الإِمامِيَّة، فقالوا بقَبولِه (١).
стр. 967
وحديث الجسَّاسة هذا يُشبِه أن يكونَ مِن هذا النَّوع الَّذي تَتوافر الدَّواعي لنقلِه عن جمعٍ لا عن فرد، فهي خطبة عامَّة، خَصَّها النَّبي ﷺ بالنِّداءِ، وحَضرَها جَمعٌ مِن المسلمين رِجالًا ونِساءً، وقد حَوَت مِن أعاجيبِ الأخبارِ ما حَوَت.
والَّذي أرَاه سديدًا في ردِّ هذا الاستشكال، أن يُقال:
ليس الحديث غريبًا فردًا كما تَوَهَّمَه مَن رَدَّ الحديثَ، فقد شاركَ فاطمةَ بنتَ قيسٍ في روايتِها هذه الحادثةَ بعضُ أصحابِ النَّبي ﷺ ، حيث قال ابن حجرٍ عند شرحِه للحديث: «قد تَوهَّم بعضُهم أنَّه غريب فَرد، وليس كذلك، فقد رواه مع فاطمة بنت قيس: أبو هريرة، وعائشة، وجابر» (١).
والتَّحقيق عندي أنَّ الحديث قد تابعَ فاطمةَ فيه اثنان مِن الصَّحابة لا ثلاثة كما قال ابن حجر، أعني بالاثنين: أبا هريرة، وعائشة؛ فأمَّا جابر فلا يثبتُ عنه؛ وتفصيل ذلك في الآتي:
أمَّا حديث أبي هريرة ﵁:
فقد جاء مِن طريقِ مجالد بن سعيد عن الشَّعبي في آخر روايتِه لحديث فاطمة بنت قيس، يقول فيه الشَّعبي: « .. فلقيتُ المحرَّرَ بنَ أبي هريرة، فحدَّثتُه حديثَ فاطمة بنت قيس، فقال: أَشهدُ على أبي أنَّه حدَّثني كما حدَّثَتك فاطمةُ، غير أنَّه قال: قال رسول الله: إنَّه نحو المشرق .. » (٢).
ومُجالد بن سعيد هذا وإن كان ضعيفًا في الأصل (٣)، لكن تابَعه عن الشَّعبي: سليمانُ بن أبي سليمان الشَّيباني (٤)، وهو ثِقة حافظ، حديثُه في غِنىً عن متابعةِ ثِقةٍ، فضلًا عن مثلِ مُجالد.
стр. 968
وكذا المُحرَّر في روايتِه عن والدِه أبي هريرة ﵁ تحديثَه بما في حديث فاطمة، قد جاء له شاهدٌ عن أبيه مِن طريق: محمَّد بن أبي بكر المقدَّمي، عن سعد بن زياد، عن نافع مولى حمنة، عن أبي هريرة ﵁: أنَّ النَّبي ﷺ استوَى على المنبر، فقال: حدَّثني تميم الدَّاري، فرَأى تميمًا في ناحيةِ المسجد، فقال: قُمْ يا تَميم، فحَدِّث النَّاسَ بما حدَّثتني، فقال: كنَّا في جزيرة في البحر .. »، وذَكَر حديثَ الجسَّاسة (١).
وهذا إسناد وإن لم يكُن بالمَتين (٢)، لكن يصلحُ مثله مقويًّا لحديثِ المُحرَّر بن أبي هريرة؛ ويتحصَّل من ذلك ثبوت حديثِ تميمٍ في الجسَّاسة عن أبي هريرة ﵁.
وأمَّا متابعة عائشة ﵂:
فقد جاءت مِن نفسِ طريق مجالد بن سعيد السَّابق آخرَ روايةِ الشَّعبي، حيث ورَد فيه مع سؤالِه للمُحرَّر عن حديث فاطمة: سؤالُه لمحمَّد بن القاسم عن قصَّة تميم، فكان جوابُ محمَّدٍ له بقولِه: «أشهدُ على عائشةَ أنَّها حَدَّثتني كما حدَّثَتك فاطمةُ .. » (٣).
وكما الحال في روايةِ المُحرَّر، قد صَحَّت هذه الفقرة عن عائشةَ مِن نفسِ
стр. 969
طريق سليمان الشَّيباني، غير أنَّ المَسئول فيه ليس محمَّدَ بنَ القاسم -كما في روايةِ مجالد بن سعيد- بل عبد الرَّحمن بن أبي بكر، وهو الصَّحيحُ في إسنادِه (١).
وأمَّا عن متابعة جابر بن عبد الله ﵁:
فالصَّواب أنْ لا أصلَ لهذا الحديث عنه! فلستُ أُرَاه إلَّا مِن تخاليطِ الوَليد بن جميع (٢) وأوهامِه، إذْ جعَلَه عن أبي سلمة عن جابر (٣)، والصَّواب المَعروف فيه أنَّه: عن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس كما قال الدَّارقطني (٤)؛ وقد نَصَّ ابنُ عَديٍّ على أنَّ الوليد لم يُتابَع عليه، وعَدَّه مِن مناكيرِه (٥)، واستغربه ابن كثير جدًّا (٦).
فلا وجهَ عندي لاكتفاءِ ابن حجرٍ (٧) والألبانيِّ (٨) بظاهرِ هذا الإسنادِ لتحسينِه وهو بهذا النَّحوِ مِن العِلَّة (٩).
стр. 970
ومُحصَّل القول: أنَّ خبرَ تميمٍ ﵁ ليس غريبًا تفرَّدت به صحابيَّةٌ -كما تَوهَّم مَن أنكره مِن المعاصرين- بل شهِد لصدقِه مِن الصَّحابةِ أبو هريرة، وعائشة، وناهيك بهذين إمامةً في الحفظِ والدِّين.
فكان حَقُّ الحديث أن يُعرَف بالشُّهرة لا الغُربة (١)،
والمَشهور مِن الحديث مَقبول في ما تَوافَرت الدَّواعي إلى نقلِه، حتَّى الحنفيَّةَ قبِلوه في ما تَعمُّ به البَلوى، مع أنَّهم يشترطون فيه التَّواترَ خلافًا للجمهورِ، فحكمُ المَشهورِ عندهم حكمُ المُتواترِ في هذا الباب (٢).
ولَعَمري؛ إنَّ الواحدَ مِن أولاءِ الصَّحبِ الكِرامِ ﵃، لتكفينا شهادتُه على نفسِه في ما سمِعه أو رآه مِن نبيِّه ﷺ لنصَدِّقَه فيه، ولو كان عجيبَ المَخْبَرِ، واسعَ المَحْضَر، فكيف باتِّفاقِ ثلاثتِهم على روايةِ نفسِ المَشهد؟ ثمَّ كيف لو رواه أكثرُ مِن هؤلاء، لكن لم تَتَّصِل بنا روايتَهم مِن جِهة التَّدوين؟!
ولذا قال ابن حجر: «دَلَّ ورُودَها علينا مِن روايةِ عائشة أمِّ المؤمنين، وأبي هريرة، وجابر وغيرهم ﵃، على أنَّ جماعةً آخرين رَووها، وإنْ لم تتَّصلْ بنا روايتُهم» (٣).
هذا كلُّه مِمَّا يَنفي عن فاطمة تُهمةَ الوَهمِ أو الخَلطِ في ما رَوته مِن قصَّة تَميم ﵁. فليت شعري؛ كيف بعد ذلك يُقال في مثلِها أنَّها وَهِيَت في حفظِها لحديثِ نبيِّها إلى دركةِ التَّخليطِ بين خطبةٍ سمعتها مِنه ﷺ على المنبر حينَ حَدَّث
стр. 971
عن الدَّجال (١)، وقصَّةٍ مُستقلَّةٍ سمعتها عن تَميم؟! .. كما يزعمُه أحدُ الباحثين (٢).
أيُّ غفلةٍ هذه بَلَّغت صاحبَها أن يسمع كلامٍ يسرُده قَصَّاصٌ يُؤنِس به سَامِعِيه، ثمَّ يَنسِب ما سمعه بطولِه إلى المَعصومِ ﷺ ؟! أليس هذا الخَرَف بعينِه؟!
هل يُعلَم صحابيٌّ وَقَع في مثلِ هذا الخلطِ المَشينِ بين خَبَرين مُتبايِنين، بل النَّحْلِ على النَّبي ﷺ ما لم يقُله! وبهذه الصُّورة الفَجَّة الدَّالةِ على اختلاطِ صاحبها وشديدِ غفلتِه؟! (٣)
أيُّ عاقلٍ يُجيز أن تَقَعَ مثل تلك الفَقيهة في مثلِ ما ادُّعيَ عليها، وقد راكَمَت في عينِ حديثِها مِن قرائنِ الحفظِ، ومُعايشتِها لتفاصيلِ أحداثِه، ما يُنْبِي عن شديدِ تثبُّتٍ منها في الإِخبار، ويُحيلُ أيَّ احتمالٍ لخلطِ الأَخبار؟!
فلقد ذَكَرتْ فاطمة ﵂ أنَّها سمِعتْ بأُذُنِها النِّداءَ للصَّلاة، وأنَّها إنَّما ذَهبتْ إلى المسجدِ تُجيبه، حتَّى ذَكَرتْ مَكانَ جلوسِها بتدقيقٍ! ثمَّ شَرعت في وصفِ مشهدِ ما رَأَته مِن حركاتِ النَّبي ﷺ قبل كلماتِه، وكيف ضحِك بدءَ خطابِهم، وماذا قال للنَّاسِ تسكينًا لارتياعِهم، وكيف أنَّ الجمعَ كان منه جرَّاءَ خبرٍ سُرَّ به، ثمَّ هو بعد سَرْدِ ما جرى مِن تفاصيل القصَّةِ، استشهدَ فاطمةَ ومَن معها مِن
стр. 972
الحضورِ بـ: «ألَا هل كنتُ حدَّثتكُم ذلك؟»، فذكرتْ إجابتَهم له بِنَعم، ثمَّ أنَّه ﷺ خَتَم خُطبَتَه إعجابًا بحديثِ تميم أنْ وافَق ما حدَّثهم به قبلُ عن الدَّجال، لتُنهيَ هذا السَّردَ العَجيبَ بما رأته مِن إشارتِه بيدِه الشَّريفةِ إلى مكانِ خروجِه.
فمثلُ هذا لا يكون أبدًا عن وهمٍ، لا يكون إلَّا عن تعمُّدِ اختلاق! وقد برَّأ الله فاطمة ﵂ أن تقعَ في مثلِه؛ وقد علمنا مُتابعة غيرها لها فيه.
وكان مِن جَليلِ فهمِ ابنِ القيِّمِ لأنماطِ الخِطابِ ودلالاتِه، أن جَعل ما حدَّثت به فاطمةُ دليلًا في نفسِه على صدقِ خبرِه، وفضلِ راوِيَتِه، كما في قوله: «إذا شئتَ أنْ تعرِفَ مقدارَ حِفظها وعلمِها، فاعرِفهُ مِن حديثِ الدَّجال الطَّويل الَّذي حدَّث به رسولُ الله ﷺ على المنبرِ، فوَعَته فاطمةُ وحفظته، وأدَّته كما سمعته، ولم يُنكِره عليها أحدٌ مع طولِه وغرابتِه» (١).
نعم؛ لم يُنكره عليها أَحدٌ البتَّة، وعلى مثلِ هذه الحالِ يَتنزَّل تقرير المَازَريِّ حين قال: «إنَّ الصَّاحِبَ إذا رَوَى مِثلَ هذا الأمرَ العجيبَ، وأحالَ على حضورِه فيه مع سائرِ الصَّحابة، وهم يَسمعون روايتَه ودعواه حضورَهم معه، ولا يُنكِرون ذلك عليه (٢)، فإنَّ ذلك تصديقٌ له يُوجِب العلمَ بصحَّة ما قال» (٣).
فمَنْ ظَنَّ بها بعد كلِّ هذا ظنَّ سَوءٍ في التَّحديثِ، فإنَّا سائلوه:
لِمَ لم يَتَنبَّه أحَدٌ مِن الأئمَّة قبلك طيلةَ قرونٍ إلى هذه العِلَّة في خبرِها حتَّى خَرجتَ علينا تُلوِّح باكتشافِكَ؟!
أين الأمَّة مِن دعوى التَّعليل هذه؟
مَن جَرُؤَ مِن علمائِها على رَميِ صحابيَّةٍ بالتَّضعيفِ أو التَّخليطِ كما فعلتَ؟
فهذا عامر الشَّعبي، وهو الَّذي سمِع من فاطمةَ حديثَها عن النَّبي ﷺ في وصفِ الدَّجال، وسمِع منها أيضًا حديثَها في الجسَّاسة (٤)، لم يَدَّعِ عليها هذا الخلْطَ أو تطرُّقَ الوَهمِ إليها في مَزجِهما، وقد كان أَوْلى أن يَتنبَّه لذلك!
стр. 973
ثمَّ أئمَّة العِلَل بعده أجدرَ النَّاس أن يُوَفَّقوا لبيانِ ذلك، وأوْلى أن يُعِلِّوا حديثَها بهذا الانفرادِ المُدَّعى.
بل أنا أقول: إنَّ في نفسِ تفرِقَتِها بين هذين الخبرين وهي تُحدِّث بهما، لأكبرُ دليل على تثبُّتِها ومَزيد عنايتِها وتمييزها لِما تُنميه إلى نبيِّها ﷺ مِن غيرِه!
يبقى إشكال أخيرٌ قد يُشَوَّش به على أذهانِ من يعتقد صحَّة حديثِ فاطمة هذا، وهو: أنَّ عددًا مِن الصَّحابة ﵃ ظَلَّ على اعتقادِ أنَّ ابنَ صيَّادٍ (١) هو الدَّجالُ، أو كان يرتابُ فيه على أقلِّ تقدير، حتَّى بعد وفاة النَّبي ﷺ ، مع أنَّه قد خُطِب فيهم قبلُ بقصَّة تميم، مِن هؤلاء: ابن مسعود (٢)، وأبو سعيد الخدري (٣)، وابن عمر (٤)، وأختُه حفصة (٥)،
وجابر بن عبد الله، وكان يحلِف على ذلك، فلمَّا سُئِل عن حلِفه هذا قال: «إنِّي سمعتُ عمرَ يحلِف على ذلك عند النَّبي ﷺ ، فلم يُنكِره النَّبي ﷺ » (٦).
فالفَرض في حديث الجسَّاسةِ أن يكون قاطعًا للنِّزاع في ماهيَّة ابن صيَّاد بكونِه غير المَسيح الدَّجال، فإنَّ هذا مَحبوس في جزيرة، فلِم بَقوا على اعتقادِ ذلك فيه؟
стр. 974
وما يُمكننا الجواب به عن هذا جوابان، يُكمِّل أحدُهما الآخر:
أمَّا الأوَّل: فيُقال فيه باحتمالِ جهلِ مَن ذُكِر بقصَّة تميمٍ: فإنَّا لا نَتَخرَّص القولَ بأنَّ حضورَ الخطبةِ كان غَفيرًا، بل لعلَّه مَشهدٌ قد فَوَّته كثيرٌ مِن الصَّحابة، خاصَّةً أنَّه كان فُجاءةً، ثمَّ بعض الغائِبين لم تبلُغه بعدُ مع ذلك، لغيابِه وقتَها عن المَدينة مدَّةً، أو لم يكُن من شأنِه الرِّواية أصلًا، إلى غيرِ ذلك مِن أعذارٍ رَبُّنا أعلَمُ بها.
وفي تقرير هذا الجواب يقول أبو جعفر الطَّحاوي:
«إنْ قال قائل: فكيف بَقِي ابن مسعود، وأبو ذرٍّ، وجابر ﵃ على ما كانوا عليه فيه مِمَّا قد رويتُه عنهم في هذا الباب مِمَّا قالوه فيه بعد النَّبي ﷺ ؟
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيقِ الله وعونِه: أنَّه قد يحتمِل أنَّ ذلك كان منهم لأنَّهم لم يعلَموا بما كان مِن رسول الله ﷺ بِما حَدَّث به النَّاسَ عن تميم الدَّاري ﵁، ولا مِن سُرورِه به، فقالوا في ذلك ما قالوا .. » (١).
وإلى مثلِه نحا البيهقيُّ في جوابِه، فقال:
«إنَّ الدَّجالَ الأكبرَ الَّذي يخرج في آخر الزَّمان غيرُ ابن صيَّادٍ، .. وكَأنَّ الَّذين يجزِمون بابنِ صيَّادٍ هو الدَّجال لم يسمعوا بقصَّة تميم، وإلَّا فالجمع بينهما بعيد جدًّا؛ إذْ كيف يلتَئِم أن يكون مَن كان في أثناءِ الحياةِ النَّبويَّة شِبهَ المُحتلِم، ويجتمعُ به النَّبي ﷺ ويسألُه، أن يكون في آخرِها شيخًا كبيرًا مَسجونًا في جزيرةٍ من جزائر البحر، مُوثَقًا بالحديدِ، يَستفهِمُ عن خبر النَّبي ﷺ هل خَرَج أو لا؟
فالأَوْلَى أن يُحمَل على عدمِ الاطِّلاع.
أمَّا عمر: فيحتمل أن يكون ذلك مِنه قبلَ أن يَسمع قصَّةَ تميم، ثمَّ لمَّا سمِعها لم يعُد إلى الحلِفِ المذكور» (٢).
стр. 975
وأمَّا الجواب الثَّاني: فلعَلَّ ظاهرَ حديث تميم ﵁ لم يَكُن قاطِعًا في نفيِ كونِ ابن صيَّادٍ الدَّجالَ عند مَن رمَاه به من الصَّحابة، لِما ظَنَّه مِن قِرائن تقطعُ في مَجموعِها بكونِه هو، كما جَرى لجابرٍ في اعتقادِه، حيث شهِدَ حلِفَ عمر ﵁ عند النَّبي ﷺ بأنَّه هو، فاستصحَبَ ما كان اطَّلعَ عليه مِن عمر ﵁ بالحضرة النَّبويَّة، فظَنَّ هذا إقرارًا قاطعًا على صدقِ المَحلوفِ عليه (١).
وهذا بخلافِ قصَّةِ تَميم، إذْ كانت ظنيَّةَ في دلالتِها في نفيِ ذلك عنه؛ ذلك أنَّ ما رآه أمرٌ عَجيبٌ خارج عن العادة، فمُحتَملٌ أَن يكون ما لقِيَه شيطانًا صُوِّرَ له الدَّجالَ، أو كان قرينَه، فصارَ يتكَلَّم إلى تميمٍ بلسانِ الدَّجَال، كأنَّه مِن بابِ التَّمثيلِ له، وهذا أمرٌ عَجَبٌ لا شكَّ.
وأمرُ الدَّجال مُلتبِسٌ على كلِّ الأحوال، يُتوقَّع منه أيُّ شيء مخالفٌ للمَألوف.
وفي تقرير ذلك يقول المُعلِّمي: «قد يأذنُ الله تعالى للشَّياطين -لحكمةٍ خاصَّةٍ- فيتمثَّلون في صُوَرٍ يَراها مَن حَضَر، فأمَّا الجسَّاسة: فشيطان، وأمَّا الدَّجال: فقد قال بعضُهم إنَّه شيطان، وعلى هذا فلا إشكال، كَشَف الله تعالى لتميمٍ وأصحابه فرَأوا الدَّجالَ وجسَّاسَتَه وخاطبوهما، ثمَّ عادَ حالهما إلى طبيعةِ الشَّياطين مِن الاسْتِتار، وإنْ كان الدَّجال إنسانًا: فلا أَرى ذلك إلَّا شيطانًا مُثِّل في صورةِ الدَّجال .. » (٢).
стр. 976
نعم؛ كان بعضُ السَّلف مِمَّن عايَشَ تميمًا في الشَّامِ يعتقِدُ في الدَّجال المَحبوسِ في الجزيرة أنَّه شيطان، كجبير بن نفير (١)، وعمرو بن الأسود (٢)، وكثير بن مُرَّة (٣)، ويزيد بن شريح (٤)، وشريح بن عبيد (٥)، والمقدام بن مَعدي يَكْرِب وهو صَحابيٌّ ﵁! هؤلاء كلُّهم كانوا يقولون: «الدَّجال ليس إنسانًا، إنَّما هو شيطان في بعضِ جَزائر البحر، مُوثَق بسبعينَ حلْقةً، لا يُعلَم مَن أوثقه .. » (٦).
ولا أستبعدُ أنْ يكونَ أصلُ هذا الاعتقادِ في الدَّجالِ مَأخوذًا عن تميمٍ نفسِه، فإنَّ مِن هؤلاء مَن سمِع تميمًا، أو سَمِع مِمَّن سَمِع منه (٧)؛ كما لا يبعُد أن يكون بعضُهم قد تَلَقَّاه أيضًا مِن بعضِ الكِتابيِّين (٨)، لكنْ مُجرَّد تقريرِهم لطبيعةِ هذا الدَّجالِ المَحبوسِ كافٍ في عدمِ امتناعِ ذلك فيه.
الشَّاهد عندي من هذا:
أنَّ حديث تميمٍ قد تَطرَّق إليه احتمالٌ في ماهيَّة أشخاصِه عند جابرٍ، بصرفِ النَّظر عن قوَّة هذه الاحتمالاتِ مِن ضعفِها؛ خلافًا لما وقعَ في نفسِ جابرٍ مِن ابن صيَّادٍ، إذْ كان انطباقُ صِفاتِ الدَّجال عليه، وجَزمُ عمر به، مع إقرارِ النَّبي ﷺ له على حَلفِه فيما رآه، وكان الحقُّ يجري على لسانِ عمر وقلبِه: كلُّ
стр. 977
هذا أورثَ في نفسِ جابرٍ نوعَ قطعٍ بأنَّ ابن صيَّادٍ هو الدَّجال، فقَدَّم هذا القطعَ منه على ما في حديث تميم مِن ظَنٍّ في الماهيَّة، والله تعالى أعلم.
ويَغلِبُ على ظنِّي أنَّ هذا المَسْلكَ من جابرٍ في التَّرجيحِ عينَه هو ما مشى عليه البخاريُّ في كتابِه، فإنَّه لمَّا اشتدَّ التباس الأمرِ في هذه الأخبار، «اقتصَرَ في كتابِه على حديثِ جابر عن عمر في ابنِ صيَّاد، ولم يُخرِج حديثَ فاطمة بنت قيس في قصَّة تميمٍ» (١) كما قال ابن حَجَرٍ، وهذا مَنزعٌ منه حَسن في توجيهِ اختيارِ البخاريِّ.
وليس يَعني أنَّ البخاريَّ يُضعِّف حديثَ فاطمة (٢) -كما تَوَهَّمه (رشيد رِضا) حين رَأى «الصَّحيحَ» خاليًا مِنه، فظَنَّه تضعيفًا مِن مُصَنِّفِه له- كلَّا؛ فإنَّه وإن لم يُخرِج حديثَ فاطمة بنت قيس ﵂ إلَّا أنَّه قد نَطَق بتصحيحِه.
وذلك فيما نقَلَه عنه تلميذُه التِّرمذي؛ قال: «سألتُ محمَّدًا عن هذا الحديث -يعني: حديث الجسَّاسة- فقال: «يَرويه الزُّهري عن أبي سلمة، عن فاطمة ابنةِ قيس، .. وحديث الشَّعبي عن فاطمة بنت قيس في الدَّجال: هو حديث صحيح» (٣).
стр. 978
فلم يحمِلْهُ رجحانُ حديثِ جابرٍ ﵁ عنده على الطَّعنِ في حديثِنا هذا.
وعلى ذلك نقول:
إنَّ الرُّجحانَ المقصودَ مِن كلامِ ابن حجرٍ فيما تَعَلَّق بترجيحِ البخاريِّ إنَّما هو رُجحانُ دَلالة، لا رُجحانٌ صِحَّةٍ أو ضعفٍ؛ قد أبانَ ابن حَجرٍ نفسُه عن مُراده من ترجيح البخاريِّ في بعضِ جَواباتِه المنشورة، مما يُزيل ذاكَ التَّوهُّمَ عن تقريرِه الَّذي في «الفتح».
فقلد سُئِل عن حديثِ الجسَّاسةِ: هل فيه عِلَّةٌ لأجلِها لم يُخرِجه البخاريُّ، مع أنَّه ليس في البابِ شَيءٌ يُغني عنه؟
فأجاب ابن حجر بقولِه: «ليست له عِلَّةٌ قادحةٌ تقتضي تركَ البخاريِّ لتخريجِه، .. والَّذي عندي أنَّ البخاريَّ أعرضَ عنه لمِا وَقَع مِن الصَّحابة ﵃ في أمرِ ابنِ صيَّاد، ويظهر لي: أنَّه رجُحَ عنده ما رَجُح عند عمر وجابر وغيرهِما ﵃ مِن أنَّ ابن صيَّاد هو الدَّجال، وظاهر حديث فاطمة بنت قيس يَأبى ذلك، فاقتصَرَ على ما رَجُح عنده، وهو على ما يَظهر بالاستقراءِ مِن صنيعِه: يُؤثِر الأرجحَ على الرَّاجح، وهذا مِنه» (١).
فكِلا الحديثين عند البخاريِّ في حيِّزِ القَبول -حديث فاطمة وحديث ابنِ صيَّا- كلُّ ما في الأمرِ، أنَّه اختارَ أحدَهما على الآخر ورَّجحه من حيث الدَّلالة على المَطلوب، فإنَّ «مِن عاداتِ البخاريِّ أنَّه إذا اختارَ جانِبًا، ذَهب يُهدِر جانبًا آخرَ، كأنَّه لم يَرِد فيه شيءٌ» (٢)؛ فكذا شأنُه مع حديثِ الجسَّاسة، ترَك أن يُدخلَه «جامِعَه الصَّحيح»، إذْ كان ظاهره مُعارِضًا لِما اختارَه مِن كونِ ابنِ صيَّادٍ هو الدَّجالَ.
стр. 979
وطالمَا أنَّ كتابَه «الصَّحيح» مَعنيٌّ فيه بالفقهِ وترجيح المعاني، اقتصرَ على الأرجحِ مِن حيث دلالتُه على المَطلوبِ دون الرَّاجحِ (١)، والله أعلم.
أمَّا عن المعارض الثَّاني: في دعوى (رشيد رضا) أنَّ النَّبي ﷺ لم يقرَّ تميمًا ﵁ على كلِّ حديثه، لمكاشفةِ الوحي له في ذلك، وفي هذا إبطال للثِّقة في باقيه .. إلخ:
فهذه دعوى مُبتناة على غير تريُّثٍ في تأمُّلِ الحديث، نَتاجَ تجافي صاحبِها عن أخبارِ الخوارقِ والغَرائبِ، أدَّى به إلى ردِّ هذا الحديث بمثلِ هذا الاعتراضِ الواهي؛ وإلَّا فهل يُعقَل أنْ يَنقُل النَّبي ﷺ كَلامًا عن أحَدٍ مِن النَّاس ليستشهِدَ به على أمْرٍ غَيبيٍّ دينيٍّ كان يُخبِر به، ويجمَع له النَّاس، ويُشهِدهم عليه، ثمَّ هو في قرارةِ نفسِه غيرُ مُصَدِّقٍ به أصلًا ولا مُقِرٍّ له؟!
ويَعجبُ المرء مِن قولِ (رشيد رضا) أنَّ الرَّسول ﷺ قد يُصدِّق الكاذب، في سياقِ كلامِه عن تصديقِ النَّبي ﷺ لصحابيٍّ جليلٍ مثل تميمٍ الدَّاري!
ثمَّ يذهَبُ مَذهبًا بعيدًا حينَ يحمِلُ على الحديثِ، فيُؤدِّيه ذلك إلى الطَّعنِ بِراويه تميمٍ! وقد ثَبَتت صُحبَته ﵁، وحسُن إسلامُه، وزكَّاه عمر ﵁؛ هذا مع اعتِرافِ رشيدٍ بأنَّ أحدًا لم يذكُر فيه شبهةً، ومع ذلك بَقي رشيدٌ مُصِرًّا على الغَمزِ فيه بقولِه للقُرَّاء بعد كلِّ الفضائل فيه: « .. وستعلَمُ ما فيه!»، مدَّعيًا «أنَّ نفيَ النَّبي ﷺ لبعضِ قول تميمٍ يُبطِل الثِّقة به كلِّه»!
إنَّ غايةَ ما أخبر به تميم ﵁ النَّبيَّ ﷺ وَصْفُ ما جرى له مع مَن خاطبَه بالدَّجال، فلم يُحدِّد هو مكانَ الدَّجالِ ولا حيث خروجُه حتَّى يُقال: أنَّ الوحيَ كاشفَ النَّبي ﷺ في غلطِ كلامِه!
стр. 980
فمكان الدَّجال وخروجه أمرٌ نَطَق به النَّبي ﷺ ابتداءً مِن عندِه حيث اجتَهد، ولا علاقة لتميمٍ ﵁ به.
وعلى فرضِ أنَّ المكاشفة كانت لكلامِ تميم ﵁ نفسِه؛ فإنَّ بطلان كلامِ المعترضِ في تضاعيف دعواه نفسِها! إذْ لَولا أنَّ النَّبي ﷺ قد أقرَّه على خبرِه، ما جَعَل بروزَ الدَّجال مِن بحرِ الشَّام أو بحر اليَمن، إذ هُما البَحْران المُتوَقَّع ضياع سَفينةِ تَميم فيهما، فظَنَّ النَّبي بمُقتضى كلامِ تميم ﵁ أنَّ الدَّجال في هذين، فكان كالفرعِ مِن الأصل، حتَّى كاشفه الوَحي بخلافِ اجتهادِه هذا.
ثمَّ يُقال لـ (رشيد رضا): كيف للوحيِ أن يَتنزَّل على نبيِّنا ﷺ ليُصحِّحَ له جِهةَ خروجِ الدَّجال، ثمَّ يسكتَ عن أكثرِ أباطيل القِصَّة لو كانت باطلة؟! فيتركَ النَّبيَ ﷺ والمسلمين معه يُصدِّقون هذا الباطلَ، بل ويُوثِّقون تميمًا ﵁ صاحبَ القصَّة، ويأخذون عنه بعدُ الأخبارَ مِن غير ريبةٍ؟!
بل العقل الحصيف يفرض علينا القول بأنَّ إخبار النَّبي ﷺ عن تميم الدَّاري مُصِدِّقًا له، لمِن أجلى الأمثلةِ على أنَّ ما تَلقَّاه الرَّسول بالقَبول مِن الأخبارِ مُوجبٌ للعلمِ (١).
هذا؛ وما كان لنبيِّنا ﷺ أن يُصدِّق دعاوي المنافقين هكذا بإطلاقٍ كما أفرطَ في دعواه (رشيد رضا)، وهو منه ذهولٌ عن قولِه تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١]؛ فإنَّه هو ﷺ يُصدِّق كلامَ المؤمنين، ولا يصدِّق المنافقين وإن سمِع قولَهم (٢).
العجيب في هذا الادِّعاء من (رشيد)، أنَّه قد نَقَضَ شبهتَه هذه بنفسِه عند تفسيرِه لهذه الآية السَّابقة! حيث قرَّر عندها أنَّ النَّبي ﷺ «كان يُعامل المنافقين بأحكامِ الشَّريعة وآدابها الَّتي يعامل بها عامَّة المسلمين، كما أمره الله تعالى ببناء
стр. 981
المعاملة على الظَّواهر، فظنُّوا أنَّه يصدِّق كلَّ ما يُقال له .. إي نعم؛ هو أُذن، ولكنَّه نِعم الأُذن؛ لأنَّه أُذن خيرٍ لا كما تزعمون، فهو لا يقبل ممَّا يسمعه إلَّا الحقَّ وما وافق الشَّرع .. ولا يصدِّق ما لا يجوز تصديقه شرعًا أو عقلًا»! (١)
فالظَّاهر أنَّ «هدفَ الشَّيخ رشيد كان نزعَ صِبغة الإلزامِ الشَّرعيِّ عن الحديث مهما كلَّف الأمر، فإن لم يكُن مصنوعًا، فهو ليس بمرفوعٍ كلُّه» (٢)؛ والله يغفرُ له.
وأمَّا جواب المعارضة الثَّالثة في دعوى أنَّ البِحارَ قد مَسَحَها البَحَّارة في هذه الأزمنة مسحًا ... إلخ ما قالوا:
فهذا اعتراضٌ شبه الرِّيح، لأنَّ العلم الحديث مع بلوغِه في الاتِّساع والتَّطوُّر شأوًا عظيمًا؛ إلَّا أنَّه مع هذا الترقِّي في العلوم، ما زال الحِسُّ يقضي بقصورِ مُنجَزاته عن الإحاطةِ بكلِّ شيءٍ، وليس عَدمُ علمِ البحَّارةِ بما غُبِّي عليهم بقاضٍ لِأَن يَنفي ما لم يعلموا؛ لأنَّ عدمَ العِلم بالشَّيءِ لا يسلبُه حقيقةَ الوجود.
والَّذي ينبغي الإقرار به: أنَّ الشَّرعَ الحكيم لا يأمر المُكَلَّف بالإيمانِ بأمرٍ لا وَاقع له؛ فإنَّ هذا مُنتَفٍ في تضاعيفِ الأدلَّة الشرعيَّة، لكنَّه يأمر امتحانًا وابتلاءً بالإيمان لواقعٍ مُغيَّبٍ غيرِ مَشهود، والمغالطة تَنشأ حين يُخلط بين البَابين (٣).
فإذا كان الأمر كذلك؛ فإنَّ قَبول أحاديث المصطفى ﷺ ليس مَرهونًا بتصحيح علوم بعض البَشر القاصرة لها، بل علوم البَشر مَرهونٌ قَبولُها بألَّا تُخالفَ ما صَحَّ عن النَّبي ﷺ ، فلا يُترَكَ المقطوع بصحَّته لأمرٍ تَعتوِرُه الظُّنون، وتحيط به مِن كلِّ جانب؛ والمتأمِّل في أحوال العلوم -مع تطوُّرِها نسبيًّا- يجدُ أنَّها في طَوْر المَهْد بالنِّسبة لما يخْفى علينا.
مثال على ذلك: ما نَراه مِن اكتشافاتٍ للكهوف، ومَعالم، وآثارٍ كانت في حيِّز المجهول، عَجَزت التِّكنولوجيا مِن قبلُ عن اكتشافها؛ مع وقوعِ هذه
стр. 982
المكتشفاتِ في دائرةِ أراضي هؤلاء المُكتشفِين (١)، فأوْلَى أن يخفى عليها ما هو خارجٌ عن أرضها!
ومَّما يدلُّك على تهافت هذا الادِّعاء أيضًا: ما يَربو إلى سمعكِ بين الفَينة والأخرى عبر وسائل إعلامٍ عالميَّةٍ مِن أخبارِ كشوفاتٍ جديدةٍ لجُزرٍ نائيةٍ، قد عَمِي عنها العَالَم المتقدِّم حِقبًا مَديدة.
فهذه جزيرة بركانيَّة تُكشَف جنوبَ طوكيو عاصمةِ اليابان قبل سِنين قليلة (٢)!
وأخرى تظهر في نفسِ سنةِ الأولى في ساحلِ باكستانَ الجنوبيِّ مِن بحرِ العَرب (٣)!
وثالثة تُكشَف في شواطئِ محافظةِ (أبْيَن) باليَمن، مِن قِبَل صيَّادٍ عن طريق الصُّدفة! (٤) بعد أن أعمى الله عنها مَن تَبجَّحوا بأنَّهم أحاطوا بكلِّ بَحرِيٍّ خُبْرًا.
ولِم نذهب بعيدًا؟! فهذا كتاب ربِّنا يُخبر عن انحباسِ يأجوجَ ومأجوجَ في السَّدِ منذ عهد ذي القَرنين! وأنَّهم خارجون من رَدمِهم قبل قيام السَّاعة، وهذا بإجماع المسلمين، كما في قولِه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٦ - ٩٧].
ولا أخال أحدًا ذا دين وعقلٍ يرتابُ في هذه الآيات مِن سورة الكهف (٥)، بدعوى أنَّ علماء الجيولوجيا قد مَسَحوا الأرضَ مسحًا، وجابوا سطحَ قارَّاتها طولًا وعرضًا، فلم يجدوا هذا السَّد، وأنَّ أحدًا منهم لم يلحَظ ذاك الحَفر.
стр. 983
فما كان جواب المُعترضِ عن هذه الآية، فهو الجواب نفسُه عن الحديث؛ والَّذي قَدِر على إطلاع تميم ﵁ على هذه الجزيرة، قادرٌ على أن يُضِلَّ سائر النَّاس عنها، ليَجرِيَ قدَرُه على وِفق ما قضى وأراد (١).
وحسمًا لمادَّة هذه المعارضةِ يُقال:
إنَّ الربَّ ﵎ إذا أراد شيئًا هيَّأَ أسبابَه، فالله ﷻ من حكمته أن أطلَعَ تميمًا الدَّاري ﵁ على أمر الدجَّال؛ ليكون ذلك توكيدًا لما كان يُحدِّث به النَّبي ﷺ أصحابَه من شأنَ الدجَّال، ولحِكَمٍ أخرى نجهلُها، «فيزداد المسلمون وثوقًا به، وهذا بيِّنٌ في الحديث» (٢).
وأمَّا دعوى المعارض الرَّابع: أنَّ الحديث مُعارَضٌ بقولِ النَّبي ﷺ : «لا تأتي مائة سنةٍ وعلى الأرض نفسٌ منفوسةٌ اليوم»؛ فيُمكن كشفُ إشكالِه بجوابين:
الأوَّل: أن يكونَ النَّبي ﷺ إنَّما أراد بهذا الحديث «الآدميِّين المَعروفين، وأمَّا مَن خَرج عن العادة، فلم يَدخُل في العُموم، كما لم تدخل الجنُّ، وإن كان لفظًا يَنتظِم الجنَّ والإنسَ، وتخصيصُ مثل هذا مِن مثلِ هذا العمومِ كثيرٌ مُعتاد» (٣).
والجواب الثَّاني: فيما حَرَّره محمَّد الأمين الشَّنقيطي بعدَ ذكرِه لحديثِ تميمٍ، قال:
«هذا نَصٌّ صالحٌ للتَّخصيص، يُخرِج الدَّجالَ مِن عمومِ حديثِ مَوتِ كلِّ نفسٍ في تلكِ المائة، والقاعدة المقرَّرة في الأصول: أنَّ العمومَ يجِبُ إبقاؤُه على عمومِه، فما أخرجَه نَصٌّ مخصِّص خرَج مِن العموم، وبَقي العامُّ حجَّةً في بقيَّة الأفراد الَّتي لم يدلَّ على إخراجها دليلٌ، كما قدَّمناه مِرارًا، وهو الحقُّ ومذهبُ الجمهور، وهو غالبُ ما في الكتاب والسُّنة مِن العمومات، يخرج منها بعضُ الأفراد بنصٍّ مُخصِّص، ويبقى العامُّ حجَّةً في الباقي» (٤).
стр. 984
وحيث أورَد العُثيمين حديثَ انخرامِ القرنِ إشكالًا على حديثِ الجسَّاسة، فإنَّه مع ذلك لم يجزِم بنُكرانِه كدأبِ المُتعجِّلين مِن مُنكري السُّنَن، بل اختارَ طريقَ السَّلامة، والتَّوقُّفَ في ما أشكلَ عليه؛ فعبارتُه قال فيها: «في نفسِه منه شيءٌ»، مُعترفًا بتقصيره في تتبُّع أقوال العلماء في هذه المسألة (١)؛ فلعلَّه لو فعلَ، لانحازَ إلى صَفِّهم في قَبولِهم له.
فإن قيل تفريعًا عن هذا الإشكال:
أليس في هذا الطُّول المفرطِ في عمرِ الدَّجال، من عهد النَّبي ﷺ إلى قربِ قيامِ السَّاعة، ما يُثبت له الخلود، وهو ما قد نَفاه الله تعالى عن عموم البَشر؟
فيُقال في الجوابِ عليه: إنَّ للخلودِ مَعنيَين:
المعنى الأوَّل: ما يُراد به انتفاء الموتِ عن الشَّخصِ، «وهو البَقاء الدَّائم» (٢)، وهو المُراد مِن كونِ أهلِ الجَنَّة وأهلِ النَّارِ المُشركين خالدين فيهما، فإنَّهم باقونَ فيهما أبَدًا مِن غير مَوتٍ ولا تحوُّل.
المعنى الثَّاني: ما يُراد به الطُّول المفرِط في المَكثِ متجاوزًا المَعهود، وإن استتبَعَ عدمَ بقاء، وهو المَقصود بآياتِ خلودِ بعضِ أهلِ الكبائر في النَّار مِن غيرِ أهلِ الشِّرك.
وكِلا هذين المَعنيينِ قرَّرهما الرَّاغب الأصفهانيُّ تعريفًا للفظِ الخلودِ، فقال: «الخلود: هو تبَرِّي الشَّيء مِن اعتراضِ الفسادِ، وبقاؤُه على الحالةِ الَّتي هو عليها؛ وكلُّ ما يَتباطَأ عنه التَّغيير والفساد، تصِفُه العَربُ بالخلودِ، كقولِهم للأثافي: خَوالِد، وذلك لطولِ مَكثِها، لا لدوامِ بقائِها» (٣).
فعلى هذا نقول:
إنْ كان المقصود بالخلودِ في هذا الاعتراضِ ما كان بالمعنى الأوَّل: أي انتفاء الموت عن الشَّخص ودوام بقائِه: فليسَ في جميعِ أخبارِ الدَّجال ما يُفهِم
стр. 985
ذلك، بل الوارد فيها مَقتَلُه على يَدِ المَسيح ابن مريم ﵇ بُعيد نزولِه آخر الزَّمان، ثمَّ يعيشُ النَّاس بعدَ موتِه سَنواتٍ مَديدة.
وإن كان المقصودُ بالخلودِ معنَى اللَّبثِ الطَّويلِ الخارجِ عن العادة: فليس في الشَّرعِ ما يَنفي ذلك عن أحدٍ إذا ما صَحَّ فيه الخَبر؛ والدَّجال كلُّ أمرِه خارقٌ للعادة، وقد علِمتَ حالَه من العَجب، فلا يصِحُّ أن يُقاسَ على سائرِ الأسواءِ من البَشر
وعليه نفهمُ أنَّ نفيَ الله لخلودِ أحدٍ مِن بني آدم في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] (١)، إنَّما هو نَفيٌ للخُلدِ بالمعنى الأوَّل، أي نفيَ البقاءِ في الدُّنيا مِن غيرِ مَوتٍ، أي: أنَّه «لا يخلُد في الدُّنيا بَشَر، فلا أنتَ يا محمَّد ولا هُم إلَّا عُرضةٌ للمَوتِ؛ فإذا كان الأمرُ كذلك، فإنْ مِتَّ أنتَ أيبقَى هؤلاء؟» (٢)، ولذلك أُعقِبَت الآيةُ بقولِه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٥].
وأمَّا جوابُ المعارض الخامس؛ في دعوى أنَّ استشهادَ النَّبي ﷺ برجلٍ كِتابيٍّ على ما كان يحدِّث المُسلمين به: حَطٌّ مِن شأنِه .. إلخ، فيُقال فيه:
إنَّ النَّبي ﷺ لم يكُن المُبادر ابتداءً إلى إشهادِ تميمٍ الدَّاري ﵁ لمِا كان يخبر به عن الدَّجال، بل تميم ﵁ هو مَن وَفَد إليه فأخبره عفوًا بما جَرى له مع الدَّجال؛ فلمَّا أن وافقَ ما كان يحدِّث به النَّبي ﷺ أصحابَه، أعجبَه ﷺ ذلك، فأخبرَ بالقصَّة استزادةً في يقينِ السَّامِعين، وتثبيتًا لإيمانِهم؛ وليسَ مَن رَأى كمَن سمِع!
ثمَّ ما العيب، وهذا القرآن نفسُه قد أمرَ النَّبيَّ ﷺ بإشهادِ بعضِ أهلِ الكتابِ على صِدقِ نُبوَّتِه، مع أنَّ نُبوَّته قد شهِد له بها الوَحيُ نفسُه، فقال تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣]؛ ولكن