← Книги сунны

Книги сунны · id 22547

شرح مشكل الآثار

الطحاوي

Полный текст (6 453 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيمَا دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ، أَوْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ

стр. 3222

٣٢٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ بْنِ الْجَهْمِ الْعَبْدِيُّ الْمُؤَذِّنُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عُتَيِّ بْنِ ضَمْرَةَ قَالَ: رَأَيْتُ عِنْدَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَجُلًا تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَعَضَّهُ أُبَيٌّ وَلَمْ يُكَنِّهِ، فَنَظَرَ إلَيْهِ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ: " كَأَنَّكُمْ أَنْكَرْتُمُوهُ؟ "، فَقَالَ أُبَيٌّ: " لَا أَهَابُ أَحَدًا فِي هَذَا أَبَدًا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ وَلَا تَكْنُوا "

стр. 3223

٣٢٠٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ وَهُوَ ابْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عُتَيٍّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ سَمِعْتُمُوهُ يَدْعُو بِدُعَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ بِهَنِّ أَبِيهِ، وَلَا تَكْنُوا ". قَالَ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَنْ سَمِعَ يَدْعُو بِدُعَاءِ ⦗٢٣٤⦘ الْجَاهِلِيَّةِ مَا أَمَرَ بِهِ فِيهِ. فَقَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ تَقْبَلُونَ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنْتُمْ تَرْوُونَ عَنْهُ.

стр. 3224

٣٢٠٦ - فَذَكَرَ مَا قَدْ حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْبَذَاءُ مِنَ الْجَفَاءِ، وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ ". قَالَ فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْبَذَاءَ فِي النَّارِ , وَمَعْنَى الْبَذَاءِ فِي النَّارِ هُوَ: أَهْلُ الْبَذَاءِ فِي النَّارِ ; لِأَنَّ الْبَذَاءَ لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ , وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِذِكْرِهِ مَنْ هُوَ فِيهِ. ⦗٢٣٥⦘ فَكَانَ جَوَابُنَا فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ وَعَوْنِهِ: أَنَّ الْبَذَاءَ الْمُرَادَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ خِلَافُ الْبَذَاءِ الْمُرَادِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْبَذَاءُ عَلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُبْذَأَ عَلَيْهِ، فَمَنْ كَانَ مِنْهُ ذَلِكَ الْبَذَاءُ , فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْوَعِيدِ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ذَلِكَ الْبَذَاءُ فِيهِ، وَأَمَّا الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فَإِنَّمَا هُوَ عُقُوبَةٌ لِمَنْ كَانَتْ مِنْهُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ ; لِأَنَّهُ يَدْعُو بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَهُوَ كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ: يَا لَبَكْرٍ، يَا لَتَمِيمٍ، يَا لَهَمْدَانَ، فَمَنْ دَعَا كَذَلِكَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ الَّذِينَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْعُقُوبَةِ. وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عُقُوبَتَهُ أَنْ يُقَابَلَ بِمَا فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي، لِيَكُونَ ذَلِكَ اسْتِخْفَافًا بِهِ وَبِالَّذِي دَعَا إلَيْهِ , وَلِيَنْتَهِيَ النَّاسُ عَنْ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَأْنَفِ، فَلَا يَعُودُونَ إلَيْهِ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ

стр. 3225

٣٢٠٧ - كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عُتَيِّ بْنِ ضَمْرَةَ قَالَ: شَهِدْتُهُ يَوْمًا، يَعْنِي أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَإِذَا رَجُلٌ يَتَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَعَضَّهُ بِكَذَا أَبِيهِ، وَلَمْ يُكَنِّهِ، فَكَأَنَّ الْقَوْمَ اسْتَنْكَرُوا ذَلِكَ مِنْهُ، فَقَالَ: " لَا تَلُومُونِي، فَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ لَنَا: " مَنْ رَأَيْتُمُوهُ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ وَلَا تَكْنُوا ". ⦗٢٣٦⦘ وَمَعْنَاهُ مَعْنَى الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ ; لِأَنَّ مَعْنَى مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ عَزَاءِ نَفْسِهِ إلَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ أَيْ: إضَافَتِهَا إلَيْهِمْ. فَقَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ رُوِّيتُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا يَدُلُّ عَلَى دَفْعِ هَذَا الْمَعْنَى.

стр. 3226

٣٢٠٨ - فَذَكَرَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ الرَّمَادِيُّ. ٣٢٠٩ - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ غُلَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ الصُّوفِيُّ ٣٢١٠ - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالُوا جَمِيعًا: عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَفِظْتُهُ مِنْ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: " مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَسَعَ رَجُلًا ⦗٢٣٧⦘ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ ". قَالَ هَذَا الْقَائِلُ: فَلَوْ كَانَ مَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ كَمَا رُوِّيتُمُوهُ لَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ تَرَكَ الْقَوْلَ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لِمَنْ دَعَا بِمَا دَعَا بِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ. فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ وَعَوْنِهِ: أَنَّ مَا فِي الْحَدِيثِ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِمَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ الَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ إنَّمَا هُوَ الدُّعَاءُ بِأَهْلِ الْهِجْرَةِ إلَى اللهِ، وَإِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَهْلِ النُّصْرَةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَالدُّعَاءِ إلَى رَجُلٍ جَاهِلِيٍّ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، كَافِرٍ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، فَجَاءَ فِيمَنْ دَعَا إلَى الْجَاهِلِيِّ ⦗٢٣٨⦘ مَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يَجِئْ مِثْلُهُ فِيمَنْ دَعَا إلَى مُهَاجِرٍ إلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ , وَإِلَى نَاصِرٍ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ. فَإِنْ قَالَ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: " مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ ". قِيلَ لَهُ: لِأَنَّ قَوْلَهُ: يَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَقَوْلَ صَاحِبِهِ: يَا لِلْأَنْصَارِ شَبِيهٌ بِقَوْلِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ: يَا لِفُلَانٍ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَلِكَ الْقَوْلَ مِمَّنْ قَالَهُ؛ إذْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ ﷺ قَدْ أَوْجَبَا لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ النُّصْرَةَ لَهُمْ، وَدَفْعَ الْأَذَى وَالظُّلْمِ وَالْمَكْرُوهِ عَنْهُمْ. وَتَقَدَّمَ الْوَعِيدُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِمَنْ تَرَكَ مَا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، بِمَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الَّذِي مَرَّ بِمَظْلُومٍ فَلَمْ يَنْصُرْهُ، فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا. فَبَانَ بِحَمْدِ اللهِ وَنِعْمَتِهِ اسْتِوَاءُ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي هَذَا الْبَابِ , وَانْتِفَاءُ التَّضَادِّ عَنْهُ، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ.

стр. 3227

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الَّذِي كَانَ يَكْتُبُ لَهُ لَمَّا كَانَ يُمْلِي عَلَيْهِ: غَفُورًا رَحِيمًا، فَيَكْتُبُ: عَلِيمًا حَكِيمًا، وَيَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَكْتُبُ كَذَا وَكَذَا مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، فَيَقُولُ: " نَعَمْ، اكْتُبْ كَيْفَ شِئْتَ "

стр. 3228

٣٢١١ - حَدَّثَنَا بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَكْتُبُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ قَرَأَ الْبَقَرَةَ، وَآلَ عِمْرَانَ , وَكَانَ الرَّجُلُ إذَا قَرَأَ الْبَقَرَةَ، وَآلَ عِمْرَانَ عُدَّ فِينَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُمْلِي عَلَيْهِ: غَفُورًا رَحِيمًا، فَيَكْتُبُ: عَلِيمًا حَكِيمًا، وَيَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَكْتُبُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: " نَعَمْ، اكْتُبْ كَيْفَ شِئْتَ "، وَيُمْلِي عَلَيْهِ: عَلِيمًا حَكِيمًا، فَيَقُولُ: أَكْتُبُ: سَمِيعًا بَصِيرًا، فَيَقُولُ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : " اكْتُبْ أَيَّ ذَلِكَ شِئْتَ "، فَهُوَ كَذَلِكَ فَارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ، وَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِمُحَمَّدٍ، إنْ كَانَ لَيَكِلُ الْأَمْرَ إلَيَّ حَتَّى أَكْتُبَ مَا شِئْتُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: " إنَّ الْأَرْضَ لَمْ تَقْبَلْهُ ". ⦗٢٤٠⦘ قَالَ: أَنَسٌ: فَأَخْبَرَنِي أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهُ رَأَى الْأَرْضَ الَّتِي مَاتَ بِهَا فَوَجَدَهُ مَنْبُوذًا، قَالَ: أَبُو طَلْحَةَ: مَا شَأْنُ هَذَا؟ قَالُوا: إنَّا دَفَنَّاهُ مِرَارًا، فَلَمْ تَقْبَلْهُ الْأَرْضُ ". ٣٢١٢ - حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ. فَقَالَ قَائِلٌ: قَدْ ذَكَرْتَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِكَ هَذَا فِي بَابِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ: " أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ " مَا ذَكَرْتُهُ فِيهِ، وَذَكَرْتَ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يُطْلِقْ لَهُمْ مَا أَطْلَقَ ⦗٢٤١⦘ لَهُمْ فِيهِ مِمَّا تَأَوَّلْتَ السَّبْعَةَ الْأَحْرُفِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ عَلَيْهِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ إلَى ذَلِكَ، وَالْعَجْزِ مِنْهُمْ عَنْ حِفْظِ الْحُرُوفِ بِعَيْنِهَا، وَأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ فِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْمَصَاحِفِ الْمَنْقُولَةِ إلَيْنَا الَّتِي قَدْ قَامَتِ الْحُجَّةُ بِمَا فِيهَا عَلَيْنَا، وَأَنَّهُ لَا يَتَّسِعُ لَنَا أَنْ نَقْرَأَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ بِخِلَافِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي فِيهَا , وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ مَعْنَى مَا فِيهَا، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَيَرُدُّ الْأُمُورَ إلَى الْمَعَانِي الَّتِي فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى مَا قَدْ قِيلَتْ عَلَيْهِ , وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْأَلْفَاظُ بِهَا مَعَ اسْتِوَاءِ الْمَعَانِي فِيهَا. فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ وَعَوْنِهِ: أَنَّ الَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي ذَلِكَ الْبَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي ذَلِكَ الْبَابِ هُوَ فِي الْقُرْآنِ لَا فِي غَيْرِهِ، وَالَّذِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِيمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُمْلِيهِ عَلَى ذَلِكَ الْكَاتِبِ مِنْ كُتُبِهِ إلَى النَّاسِ فِي دُعَائِهِ إيَّاهُمْ إلَى اللهِ ، وَفِي وَصْفِهِمْ لَهُ مَا هُوَ جَلَّ وَعَزَّ عَلَيْهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي كَانَ يَأْمُرُ ذَلِكَ الْكَاتِبَ بِهَا وَيَكْتُبُ الْكَاتِبُ خِلَافَهَا مِمَّا مَعْنَاهَا مَعْنَاهَا، إذْ كَانَتْ كُلُّهَا مِنْ صِفَاتِ اللهِ . فَبَانَ بِحَمْدِ اللهِ وَنِعْمَتِهِ أَنْ لَا تَضَادَّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا اخْتِلَافَ، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ.

стр. 3229

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيمَا اسْتَدَلَّ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِمَّا كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُهُ فِي إبَاحَةِ الرِّبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ

стр. 3230

٣٢١٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ عِلَاطٍ السُّلَمِيَّ قَالَ: " يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ لِي بِمَكَّةَ أَهْلًا وَمَالًا، وَقَدْ أَرَدْتُ إتْيَانَهُمْ، فَإِنْ أَذِنْتَ لِي أَنْ أَقُولَ فِيكَ فَعَلْتُ ". فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ مَا شَاءُ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: " إنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ قَدِ اسْتُبِيحُوا , وَإِنَّمَا جِئْتُ لِأَخْذِ مَالِي لِأَشْتَرِيَ مِنْ غَنَائِمِهِمْ، وَفَشَا ذَلِكَ فِي أَهْلِ مَكَّةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْعَبَّاسَ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَعَقَرَ وَاخْتَفَى مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ ⦗٢٤٣⦘ الْمُسْلِمِينَ، وَأَظْهَرَ الْمُشْرِكُونَ الْفَرَحَ بِذَلِكَ، فَكَانَ الْعَبَّاسُ لَا يَمُرُّ بِمَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِهِمْ إِلَّا قَالُوا: يَا أَبَا الْفَضْلِ، لَا يَسُوؤُكَ اللهُ، قَالَ: فَبَعَثَ غُلَامًا لَهُ إلَى الْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطٍ فَقَالَ: " وَيْلَكَ، مَا الَّذِي جِئْتَ بِهِ، فَالَّذِي وَعَدَ اللهُ وَرَسُولُهُ خَيْرٌ مِمَّا جِئْتَ بِهِ "، فَقَالَ الْحَجَّاجُ لِغُلَامِهِ: " اقْرَأْ عَلَى أَبِي الْفَضْلِ السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: لِيَخْلُ فِي بَعْضِ بُيُوتِهِ؛ فَإِنَّ الْخَبَرَ عَلَى مَا يَسُرُّهُ "، فَلَمَّا أَتَاهُ الْغُلَامُ فَأَخْبَرَهُ فَقَامَ إلَيْهِ فَقَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَاعْتَنَقَهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الْحَجَّاجُ بْنُ عِلَاطٍ فَخَلَا بِهِ فِي بَعْضِ بُيُوتِهِ، وَقَالَ لَهُ: " إنَّ اللهَ قَدْ فَتَحَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ، وَجَرَتْ فِيهَا سِهَامُ الْمُسْلِمِينَ، وَاصْطَفَى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَفِيَّةَ لِنَفْسِهِ , وَإِنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ أَقُولَ فِيهِ مَا شِئْتُ؛ فَإِنَّ لِي مَالًا بِمَكَّةَ آخُذُهُ، فَأَذِنَ لِي أَنْ أَقُولَ فِيهِ مَا شِئْتُ، فَاكْتُمْ عَلَيَّ ثَلَاثًا، ثُمَّ قُلْ مَا بَدَا لَكَ "، ثُمَّ أَتَى الْحَجَّاجُ أَهْلَهُ فَأَخَذَ مَالَهُ ثُمَّ اسْتَمَرَّ إلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: ثُمَّ إنَّ الْعَبَّاسَ أَتَى مَنْزِلَ الْحَجَّاجِ إلَى امْرَأَتِهِ، فَكَانَ الْعَبَّاسُ يَمُرُّ بِمَجَالِسِ قُرَيْشٍ فَيَقُولُونَ لَهُ: يَا أَبَا الْفَضْلِ، لَا يَسُوؤُكَ اللهُ، فَيَقُولُ: " لَا يَسُوؤُنِي اللهُ، قَدْ فَتَحَ اللهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ، وَجَرَتْ فِيهَا سِهَامُ الْمُسْلِمِينَ، وَاصْطَفَى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَفِيَّةَ لِنَفْسِهِ، أَخْبَرَنِي الْحَجَّاجُ بْنُ عِلَاطٍ بِذَلِكَ وَسَأَلَنِي أَنْ أَكْتُمَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا حَتَّى يَأْخُذَ مَا لَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ "، قَالَ: ثُمَّ أَتَى امْرَأَتَهُ فَقَالَ: " إنْ كَانَ لَكِ بِزَوْجِكِ حَاجَةٌ فَالْحَقِي بِهِ "، وَأَخْبَرَهَا بِالَّذِي أَخْبَرَهُ الْحَجَّاجُ بْنُ عِلَاطٍ بِفَتْحِ خَيْبَرَ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: " أَظُنُّكَ وَاللهِ صَادِقًا "، قَالَ: فَرَجَعَ مَا كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ كَآبَةٍ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَظَهَرَ مَنْ ⦗٢٤٤⦘ كَانَ اسْتَخْفَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي كَانُوا فِيهَا ". فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فَوَجَدْنَا مَا قَدْ دَلَّنَا عَلَى أَنَّ إسْلَامَ الْعَبَّاسِ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَهُوَ إقْرَارُهُ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بِالرِّسَالَةِ مِنَ اللهِ وَتَصْدِيقُهُ مَا وَعَدَهُ، وَقَدْ كَانَ الرِّبَا حِينَئِذٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ حَرَامًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ.

стр. 3231

٣٢١٤ - كَمَا حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي قُرَّةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ عَامِرَ بْنَ يَحْيَى الْمَعَافِرِيَّ أَخْبَرَهُمَا , عَنْ حَنَشٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ فِي غَزْوَةٍ، فَطَارَتْ لِي وَلِأَصْحَابِي قِلَادَةٌ فِيهَا ذَهَبٌ وَوَرِقٌ وَجَوْهَرٌ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهَا، فَسَأَلْتُ فَضَالَةَ فَقَالَ: " انْزَعْ ذَهَبَهَا فَاجْعَلْهُ فِي الْكِفَّةِ، وَاجْعَلْ ذَهَبًا فِي الْكِفَّةِ، ثُمَّ لَا تَأْخُذَنَّ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ ⦗٢٤٥⦘ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَأْخُذْ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ "

стр. 3232

٣٢١٥ - وَكَمَا حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ رَبَاحٍ اللَّخْمِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: " أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ بِخَيْبَرَ بِقِلَادَةٍ فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، وَهِيَ مِنَ الْمَغَانِمِ تُبَاعُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالذَّهَبِ الَّذِي فِي الْقِلَادَةِ فَنُزِعَ وَحْدَهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَزْنًا بِوَزْنٍ ". ⦗٢٤٦⦘ ٣٢١٦ - وَكَمَا حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ إدْرِيسَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ قَالَ: حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، عَنْ أَبِي هَانِئٍ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَكَانَ فِي هَذِهِ الْآثَارِ أَنَّ الرِّبَا قَدْ كَانَ يَوْمَئِذٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ حَرَامًا بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ وَجَدْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ كَانَ مِنْهُ فِي خُطْبَتِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.

стр. 3233

٣٢١٧ - مَا قَدْ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَسَدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: " وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ "

стр. 3234

٣٢١٨ - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنِ ابْنِ غَرْقَدَةَ يَعْنِي شَبِيبًا، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " أَلَا إنَّ كُلَّ رِبًا مِنْ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ يُوضَعُ، لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ". ٣٢١٩ - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَازِبِ بْنِ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ أَبُو غَرْقَدَةَ، عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِثْلَهُ. ⦗٢٤٨⦘ فَكَانَ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الرِّبَا قَدْ كَانَ بِمَكَّةَ قَائِمًا لَمَّا كَانَتْ دَارَ حَرْبٍ حَتَّى فُتِحَتْ ; لِأَنَّ ذَهَابَ الْجَاهِلِيَّةِ إنَّمَا كَانَ بِفَتْحِهَا، وَكَانَ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : " أَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا، رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ "، فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ رِبَا الْعَبَّاسِ قَدْ كَانَ قَائِمًا حَتَّى وَضَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ; لِأَنَّهُ لَا يَضَعُ إِلَّا مَا قَدْ كَانَ قَائِمًا، لَا مَا قَدْ سَقَطَ قَبْلَ وَضْعِهِ إيَّاهُ، وَكَانَ فَتْحُ خَيْبَرَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَكَانَ فَتْحُ مَكَّةَ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَكَانَتْ حَجَّةُ الْوَدَاعِ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِلْعَبَّاسِ رِبًا إلَى أَنْ كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ , وَقَدْ كَانَ مُسْلِمًا قَبْلَ ذَلِكَ , وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الرِّبَا قَدْ كَانَ حَلَالًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ لَمَّا كَانَتْ دَارَ حَرْبٍ، وَهُوَ حِينَئِذٍ حَرَامٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى إبَاحَةِ الرِّبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، كَمَا يَقُولُهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ بِذَلِكَ. قَالَ مُحَمَّدٌ: وَهُوَ قَوْلُنَا. وَكَمَا حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا نُعَيْمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ ⦗٢٤٩⦘ بِذَلِكَ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ قَالَهُ قَبْلَهُمْ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ

стр. 3235

كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: " لَا بَأْسَ بِالدِّينَارِ بِالدِّينَارَيْنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ ". وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الرِّبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِخِلَافِ حُكْمِ الرِّبَا بَيْنَهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو رِبَا الْعَبَّاسِ الَّذِي أَدْرَكَهُ وَضْعُ النَّبِيِّ ﷺ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّبَا ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ تَحْرِيمُ الرِّبَا. أَوْ كَانَ فِي حَالِ تَحْرِيمِ الرِّبَا، أَعْنِي بِذَلِكَ التَّحْرِيمِ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فِي دَارِ الْهِجْرَةِ , فَإِنْ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّبَا ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ تَحْرِيمُ الرِّبَا فِي دَارِ الْهِجْرَةِ وَفِي دَارِ الْحَرْبِ , فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَبْطُلَ فِي أَيِّ الْأَمَاكِنِ كَانَ، مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَمِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ , ⦗٢٥٠⦘ وَإِنْ كَانَ مِنْ بَعْدِ تَحْرِيمِ الرِّبَا فَهُوَ أَبْطَلُ , فَلَمَّا أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي خُطْبَتِهِ بِمَا يَدُلُّ أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا حَتَّى وَضَعَهُ، دَلَّ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ وَضْعِهِ إيَّاهُ بِمَكَانِ الرِّبَا فِيهِ خِلَافَ الرِّبَا فِي دَارِ الْهِجْرَةِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي دَارِ الْهِجْرَةِ مَا كَانَ قَائِمًا فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ بَعْدَ تَحْرِيمِ الرِّبَا ; لِأَنَّهُ إنْ كَانَ أَصْلُهُ فِي حَالِ تَحْرِيمِهِ كَانَ غَيْرَ ثَابِتٍ , وَإِنْ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِهِ ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ تَحْرِيمُهُ وَضْعَهُ. فَإِنْ شُبِّهَ عَلَى أَحَدٍ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْعَبَّاسِ مِنْ أَسْرِ الْمُسْلِمِينَ إيَّاهُ، وَمِنْ أَخْذِ الْفِدَاءِ مِنْهُ، تَحَقَّقَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ مُسْلِمًا. قَالَ: وَلَوْ كَانَ مُسْلِمًا قَبْلَ فَتْحِهَا , لِنَفَى ذَلِكَ عَنْهُ إسْلَامَهُ. فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ وَعَوْنِهِ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ مُسْلَمًا حِينَ جَرَى عَلَيْهِ مَا جَرَى مِنَ الْأَسْرِ. لِأَنَّهُ لَمَّا فُدِيَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ رَجَعَ هُوَ وَمَنْ سِوَاهُ مِنَ الْأَسْرَى إلَى مَكَّةَ عَلَى دِينِهِمُ الَّذِي أُسِرُوا عَلَيْهِ، وَكَانَتْ بَدْرٌ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَقَدْ حَكَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي مَغَازِيهِ أَنَّ الْعَبَّاسَ قَدْ كَانَ اعْتَذَرَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَمَّا أَمَرَهُ أَنْ يَفْدِيَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا , وَأَنَّهُ أُخْرِجَ إلَى قِتَالِهِ كَرْهًا , وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ: " أَمَّا ظَاهِرُ أَمْرِكَ فَقَدْ كَانَ عَلَيْنَا، فَافْدِ نَفْسَكَ " ٣٢٢٠ - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ بُهْلُولٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَلَمْ ⦗٢٥١⦘ يَتَجَاوَزْهُ بِهِ، وَبَقِيَ الْعَبَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ. ⦗٢٥٢⦘ فَإِنْ يَكُنْ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ كَمَا ذَكَرَهُ قَدْ تَقَدَّمَ إسْلَامُهُ بَدْرًا , وَإِنْ يَكُنْ بِخِلَافِ ذَلِكَ كَانَ مَا ذَكَرَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فِي حَدِيثِ الْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطٍ يُوجِبُ لَهُ الْإِسْلَامَ , وَذَلِكَ عِنْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ يُوجِبُ إقَامَتَهُ بِمَكَّةَ مُسْلِمًا , وَهِيَ دَارُ حَرْبٍ , وَإِقَامَتُهُ بِهَا فِيمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَوْسَعُ مُدَّةً مِنْ إقَامَتِهِ بِهَا، كَذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَفِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ أَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ مُسْلِمًا، وَلَهُ بِهَا رِبًا قَائِمٌ، وَالرِّبَا مُحَرَّمٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْهِجْرَةِ، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ.

стр. 3236

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْمَوَارِيثِ الَّتِي قُسِّمَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَفِي الْمَوَارِيثِ الَّتِي أَدْرَكَهَا الْإِسْلَامُ مِنْ مَوَارِيثِ الْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ أَنْ تُقْسَمَ

стр. 3237

٣٢٢١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْمَعْرُوفُ بِصَاعِقَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " كُلُّ قَسْمٍ قُسِمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَلَى مَا قُسِمَ، وَكُلُّ قَسْمٍ أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ فَهُوَ عَلَى قَسْمِ الْإِسْلَامِ ". ⦗٢٥٤⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَأَمَّا ابْنُ عُيَيْنَةَ فَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَمْرٍو فَلَمْ يَتَجَاوَزْهُ بِهِ. ٣٢٢٢ - كَمَا حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ إبْرَاهِيمَ الْغَافِقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، ثُمَّ ذَكَرَهُ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا مَا قَدْ شَدَّ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَا فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ فِيهِ مَا يُوجِبُ أَنَّ قِسْمَةَ الْمِيرَاثِ لَوْ كَانَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ فَتْحِهَا عَلَى غَيْرِ قِسْمَةِ الْإِسْلَامِ لَمَضَى ذَلِكَ عَلَى ذَلِكَ الْقَسْمِ , وَإِنْ كَانَتْ قِسْمَتُهُ حِينَئِذٍ فِي دَارِ الْهِجْرَةِ وَفِي أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ مُخَالِفَةً لَهُ فَمِثْلُ ذَلِكَ الْمُعَامَلَةُ بِالرِّبَا الَّذِي ذَكَرْنَا حِينَئِذٍ بِمَكَّةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ أَهْلِهَا الْمُشْرِكِينَ قَدْ كَانَ جَائِزًا وَهُوَ فِي دَارِ الْهِجْرَةِ، وَفِي أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِيهَا بِخِلَافِ ذَلِكَ , وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ.

стр. 3238

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي أَحْكَامِ الْغُصُوبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الَّتِي اخْتَصَمُوا إلَيْهِ فِيهَا فِي الْإِسْلَامِ

стр. 3239

٣٢٢٣ - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ جَمِيعًا قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: " كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَتَاهُ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ فِي أَرْضٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إنَّ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ انْتَزَى عَلَى أَرْضِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ عَابِسٍ الْكِنْدِيُّ، وَخَصْمُهُ رَبِيعَةُ بْنُ عَيْدَانَ، فَقَالَ لَهُ: " بَيِّنَتُكَ بَيِّنَتُكَ "، قَالَ: لَيْسَ لِي بَيِّنَةٌ، قَالَ: " يَمِينُهُ "، قَالَ: إذَنْ يَذْهَبُ بِهَا، قَالَ: " لَيْسَ لَكَ إِلَّا ذَلِكَ "، فَلَمَّا قَامَ لِيَحْلِفَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنِ اقْتَطَعَ أَرْضًا ظَالِمًا لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ "

стр. 3240

٣٢٢٤ - حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ الْكُوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ كَانَتْ لِي، فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي فِي يَدِي، أَزْرَعُهَا، لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْحَضْرَمِيِّ: " أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ "، قَالَ: لَا، فَقَالَ ⦗٢٥٧⦘ النَّبِيُّ ﷺ : " فَأَحْلِفْهُ "، فَقَالَ: إنَّهُ لَيْسَ لَهُ يَمِينٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ "، فَانْطَلَقَ لِيُحَلِّفَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَمَا إنَّهُ إنْ حَلَفَ عَلَى مَالِكَ ظُلْمًا لِيَأْكُلَهُ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ ". ٣٢٢٥ - حَدَّثَنَا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: ثنا جَنْدَلُ بْنُ وَالِقٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: " يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ كَانَتْ لِأَبِي ". فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ خُصُومَةُ الرَّجُلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِيهِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَصْبٍ ادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ أَنَّهُ كَانَ مِنْهُ إيَّاهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ , وَدُعَاءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمُدَّعِيَ بِبَيِّنَةٍ إنْ كَانَتْ لَهُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ , وَإِعْلَامُهُ إيَّاهُ أَنَّ لَهُ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْ طَلَبَهَا. وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَقَامَ عِنْدَهُ بَيِّنَةً عَلَى مَا ادَّعَاهُ عِنْدَهُ , لَحُكِمَ لَهُ بِهِ عَلَى مَنِ ادَّعَاهُ عَلَيْهِ عِنْدَهُ، وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْغَاصِبَ لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِلْكُهُ عَلَى الَّذِي كَانَ غَصَبَهُ إيَّاهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِغَصْبِهِ إيَّاهُ كَانَ مِنْهُ , فَمِثْلُ ذَلِكَ الْحَرْبِيُّ يَغْصِبُ الْحَرْبِيَّ أَرْضًا فِي دَارِ ⦗٢٥٨⦘ الْحَرْبِ، ثُمَّ يُسْلِمَانِ فَيَخْتَصِمَانِ فِيهَا إلَى إمَامِ الْمُسْلِمِينَ، أَنَّهُ يَنْظُرُ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ، وَحَكَمَ بَيْنَهُمَا فِيهِ كَمَا يَحْكُمُ فِي مِثْلِهِ لَوْ كَانَ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. وَقَدْ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يَذْهَبُ إلَى هَذَا الْقَوْلِ أَيْضًا، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إنْ كَانَ مَلِكُهُمْ خُوصِمَ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ فِي دَارِ مُلْكِهِ فَجَعَلَهُ لِغَاصِبِهِ بِغَصْبِهِ إيَّاهُ، ثُمَّ خُوصِمَ فِي ذَلِكَ إلَى إمَامِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَمْضَى ذَلِكَ وَلَمْ يَرُدَّهُ عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ , وَإِنْ كَانَ لَمْ يُخَاصِمْ فِي ذَلِكَ إلَى مَلِكِهِمْ وَلَا كَانَ مِنْهُ فِيهِ إمْضَاؤُهُ لِغَاصِبِهِ نَظَرَ فِيمَا بَيْنَ الْغَاصِبِ لَهُ وَالْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَحَكَمَ فِي ذَلِكَ كَمَا يَحْكُمُ فِي غَصْبِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. وَكَانَ بَعْضُ مَنْ يَذْهَبُ إلَى قَوْلِهِ هَذَا يَحْتَجُّ لَهُ فِيهِ بِمَا قَدْ رُوِّينَاهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا مِنْ كِتَابِنَا هَذَا مِنْ قَوْلِهِ: " كُلُّ مِيرَاثٍ قُسِمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَلَى قِسْمَةِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَكُلُّ مِيرَاثٍ أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ فَهُوَ عَلَى قِسْمَةِ الْإِسْلَامِ ". قَالَ: فَكَمَا كَانَ الْمِيرَاثُ إذَا قُسِّمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى غَيْرِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ أُمْضِيَ ذَلِكَ وَلَمْ يُرَدَّ إلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ , وَإِذَا لَمْ يُقْسَمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ حَتَّى أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ , قُسِمَ عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ , كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ الْغَصْبِ الَّذِي ذَكَرْنَا إذَا أُجْرِيَ فِيهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَعْنًى , أُمْضِيَ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِيهِ , وَلَمْ يُرَدَّ إلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ , وَإِذَا لَمْ يُمْضَ فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى حَتَّى أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ رُدَّ إلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ فِيهِ , وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ.

стр. 3241

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ يَكْتُبُ لَهُ فَكَانَ يُمْلِي عَلَيْهِ: عَلِيمًا حَكِيمًا، فَيَكْتُبُ: سَمِيعًا عَلِيمًا، وَلَا يُنْكِرُ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْهُ، فَارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، هَلْ كَانَ مِنْ قُرَيْشٍ أَوْ مِنَ الْأَنْصَارِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ

стр. 3242

٣٢٢٦ - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْحَجَّاجِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: " كَانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيُّ فَأَسْلَمَ وَقَرَأَ الْبَقَرَةَ، وَآلَ عِمْرَانَ، وَكَتَبَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَعَادَ نَصْرَانِيًّا، فَكَانَ يَقُولُ: مَا يَقْرَأُ مُحَمَّدٌ إلَّا مَا كَتَبْتُ لَهُ، فَأَمَاتَهُ اللهُ ، فَدَفَنُوهُ فَأَصْبَحَ قَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ، فَقَالُوا: هَذَا عَمَلُ مُحَمَّدٍ، إنَّهُ وَأَصْحَابَهُ نَبَشُوا عَلَى صَاحِبِنَا فَأَلْقَوْهُ , فَحَفَرُوا فَأَعْمَقُوا، فَأَصْبَحُوا قَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ، فَقَالُوا: هَذَا عَمَلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، نَبَشُوا عَلَى صَاحِبِنَا فَأَلْقَوْهُ. فَحَفَرُوا لَهُ فَأَعْمَقُوا لَهُ فِي الْأَرْضِ مَا اسْتَطَاعُوا، فَأَصْبَحَ قَدْ لَفَظَتْهُ ⦗٢٦٠⦘ الْأَرْضُ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ، فَأَلْقَوْهُ ". قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَبَانَ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِحَمْدِ اللهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ قُرَيْشٍ وَلَا مِنَ الْأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ كَانَ نَصْرَانِيًّا. فَقَالَ قَائِلٌ: قَدْ ذَكَرْتَ قَبْلَ هَذَا الْبَابِ فِي كِتَابِكَ هَذَا مَا دَفَعْتَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الرَّجُلُ كَانَ الَّذِي يُمْلِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَيَكْتُبُ خِلَافَهُ يُمْضِيهِ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ مَعْنَى مَا أَمْلَى عَلَيْهِ مَعْنَى مَا كَتَبَهُ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ كَانَ يَقُولُ: مَا يَقْرَأُ مُحَمَّدٌ إِلَّا مَا كَتَبْتُ لَهُ , فَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّ الَّذِي كَانَ يَكْتُبُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ كَانَ مِنَ الْقُرْآنِ. فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ وَعَوْنِهِ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي كَانَ يَكْتُبُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ كَانَ قُرْآنًا، إذْ كَانَ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ قُرْآنٍ، مِمَّا كَانَ يَكْتُبُهُ إلَى مَنْ يَدْعُوهُ إلَى اللهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ، ثُمَّ يَقْرَؤُهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ الَّذِينَ يَحْضُرُونَهُ لِيَسْمَعُوهُ وَيَعْلَمُوهُ , وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ بِنَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ بِأَمْرِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ قِرَاءَةً لَهُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَقْرُوءٍ قُرْآنًا , قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ⦗٢٦١⦘ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ , وَقَالَ : ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] , فِي نَظَائِرَ لِذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٍ، يُغْنِي مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْهَا عَنْ ذِكْرِ بَقِيَّتِهَا. فَعَادَ مَعْنَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ إلَى مَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَلَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الَّذِي كَانَ يُمْلِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ فَيَكْتُبُ ذَلِكَ الرَّجُلُ خِلَافَهُ مِمَّا مَعْنَاهُ مَعْنَى الْقُرْآنِ فِي وَاحِدٍ مِنْ ذَيْنِكَ الْحَدِيثَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ , وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ.

стр. 3243

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فِي الرَّجُلِ الَّذِي قَتَلَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ لَهُ إنِّي مُسْلِمٍ، مَا قَالَ لَهُ فِي ذَلِكَ

стр. 3244

٣٢٢٧ - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: " بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى أُنَاسٍ مِنْ جُهَيْنَةَ يُقَالُ لَهُمْ الْحُرُقَاتِ، فَأَتَيْتُ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَذَهَبْتُ لَأَطْعَنُهُ، فَقَالَ: لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ، فَطَعَنْتُهُ فَقَتَلْتُهُ، فَجِئْتُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: " قَتَلْتَهُ وَهُوَ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ؟ "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّمَا قَالَهَا تَعَوُّذًا، قَالَ: " فَأَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ "

стр. 3245

٣٢٢٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْحُرُقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَصَبَّحْنَا وَقَدْ نَذَرُوا بِنَا، فَخَرَجْنَا فِي آثَارِهِمْ، فَأَدْرَكْتُ مِنْهُمْ رَجُلًا، فَجَعَلَ إذَا لَحِقْتُهُ قَالَ: لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ، ثُمَّ قَتَلْتُهُ وَقُلْتُ: إنَّهُ لَمْ يَقُلْهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، إنَّمَا قَالَهَا فَرَقًا مِنَ السِّلَاحِ ". قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: كَأَنَّهُ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: " أَقَالَ: لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ، ثُمَّ قَتَلْتَهُ؟ " فَهَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ إنَّمَا قَالَهَا فَرَقًا مِنَ السِّلَاحِ ". قَالَ أُسَامَةُ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ: " أَقَالَ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ ثُمَّ قَتَلْتَهُ؟ "، حَتَّى وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ إِلَّا يَوْمَئِذٍ "

стр. 3246

٣٢٢٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، يَقُولُ: " بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي جَيْشٍ إلَى الْحُرُقَاتِ حَيٍّ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَلَمَّا يَعْنِي هَزَمْنَاهُمُ ابْتَدَرْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ فَقَالَ: لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ، فَكَفَّ عَنْهُ الْأَنْصَارِيُّ، وَظَنَنْتُ أَنَّمَا يَقُولُهَا تَعَوُّذًا فَقَتَلْتُهُ، فَرَجَعَ الْأَنْصَارِيُّ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَحَدَّثَهُ الْحَدِيثَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " يَا أُسَامَةُ، قَتَلْتَ رَجُلًا بَعْدَ أَنْ قَالَ "، يَعْنِي: لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ، " كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إلَهَ إِلَّا اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ "، قَالَ: فَمَا زَالَ ⦗٢٦٥⦘ يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ إِلَّا يَوْمَئِذٍ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ قَتْلُ أُسَامَةَ الَّذِي قَتَلَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ , وَإِنْكَارُ الرَّسُولِ ﷺ ذَلِكَ، وَأُسَامَةُ فَلَهُ مِنَ الْإِسْلَامِ الْمَوْضِعُ الَّذِي هُوَ لَهُ مِنْهُ. فَقَالَ قَائِلٌ: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ لَا أَصْلَ لَهُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمَا بَقِيَتْ أَحْوَالُهُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ عِنْدَهُ قَبْلَ ذَلِكَ لِإِتْيَانِهِ هَذَا الْجُرْمَ الْعَظِيمَ. فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ وَعَوْنِهِ: أَنَّهُ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ بَقِيَتْ أَحْوَالُ أُسَامَةَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ هَذَا الْفِعْلِ الَّذِي كَانَ مِنْهُ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ لِمَعْنًى أَوْجَبَ لَهُ الْعُذْرَ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُ، وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ وَقَفَ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ شَيْئًا مِنَ الْجِنْسِ الَّذِي قَالَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ بَعْدَ حُلُولِ أُمُورِ اللهِ الَّتِي أَقْبَلَتْ إلَيْهِ بِعُقُوبَتِهِ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَرْفَعُ ذَلِكَ الْقَوْلُ مِنْهُ عَنْهُ تِلْكَ الْعُقُوبَةَ. ⦗٢٦٦⦘ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللهِ : ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥] . فَأَعْلَمَ اللهُ أَنَّ الْإِقْرَارَ لَهُ بِالتَّوْحِيدِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَأْسِ كَلَا قَوْلٍ , وَأَنَّهُ لَا يُوجِبُ رَفْعَ الْبَأْسِ عَنِ الْمُوَحِّدِ لَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ. ثُمَّ قَالَ : ﴿سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ أَيِ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا ذَلِكَ الزَّمَانَ كَفِرْعَوْنَ وَدُونَهُ، فَقَدْ كَانَ مِنْهُ لَمَّا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ أَنْ قَالَ: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠] . فَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ قِيلَ لَهُ: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١] أَيْ أَنَّ هَذَا الَّذِي كَانَ مِنْكَ بَعْدَ حُلُولِ مَا كُنْتَ تَحْذَرُهُ بِكَ لَا يَنْفَعُكَ. فَكَانَ أُسَامَةُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ فِي الَّذِي قَالَ: لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ، لَمَّا جَاءَهُ الْبَأْسُ الَّذِي أَمَرَ اللهُ بِاسْتِعْمَالِهِ فِي مِثْلِهِ، فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ الْقَوْلَ مِنْهُ يَرْفَعُ مَا أَمَرَ اللهُ بِاسْتِعْمَالِهِ فِيهِ لَوْ لَمْ يَقُلْهُ حَتَّى وَقَفَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَنَّ مَجِيءَ الْبَأْسِ مِنْ قِبَلِ اللهِ بِخِلَافِ مَجِيءِ الْبَأْسِ مِنْ قِبَلِ عِبَادِهِ، وَأَنَّ الْإِقْرَارَ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ بَعْدَ مَجِيءِ الْبَأْسِ مِنْ قِبَلِهِ لَا يَرْفَعُ ذَلِكَ الْبَأْسَ وَأَنَّ مَجِيءَ الْبَأْسِ مِنْ قِبَلِ عِبَادِهِ يَرْفَعُهُ ذَلِكَ الْقَوْلُ، فَجَاءَ عُذْرُ أُسَامَةَ مِمَّا ذَكَرْنَا، وَفِيمَا كَانَ مِنْ أُسَامَةَ مِمَّا اسْتَعْمَلَهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَوَادِثَ إذَا كَانَتْ كَانَ مُبَاحًا لَنَا اسْتِعْمَالُ رَأَيْنَا فِيهَا وَرَدُّهَا إلَى مَا يَرُدُّ مِثْلَهَا إلَى مِثْلِهِ مِنْ أَحْكَامِ اللهِ وَإِنَّا إنْ خَالَفْنَا أَحْكَامَهُ فِي الْحَقِيقَةِ غَيْرَ مَلُومِينَ عَلَى ذَلِكَ وَلَا مَأْخُوذِينَ بِهِ. ⦗٢٦٧⦘ وَمِثْلُ هَذَا مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْقَاضِي إذِ اجْتَهَدَ فَأَصَابَ أَنَّ لَهُ أَجْرَيْنِ , وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ أَنَّ لَهُ أَجْرًا، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ بِأَسَانِيدِهِ فِيمَا بَعْدُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، وَنَذْكُرُ مَعَ ذَلِكَ مَعَانِيَهُ الَّتِي قَالَهَا أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ , وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ.

стр. 3247

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْقَوْمِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مِنْهُمْ أَنْ قَالُوا: صَبَأْنَا صَبَأْنَا

стр. 3248

٣٢٣٠ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إلَى بَنِي جَذِيمَةَ فَدَعَاهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: صَبَأْنَا صَبَأْنَا، وَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ وَيَأْسِرُ، وَدَفَعَ إلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، حَتَّى إذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَمَرَ خَالِدٌ كُلَّ رَجُلٍ مِنَّا أَنْ يَقْتُلَ أَسِيرَهُ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي، وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ , فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ذَكَرْنَا صُنْعَ خَالِدٍ لَهُ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: " اللهُمَّ إنِّي أَبْرَأُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ " مَرَّتَيْنِ. ⦗٢٦٩⦘ ٣٢٣١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ حَبِيبٍ الْقُومِسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ. ⦗٢٧٠⦘ قَالَ فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُ بَنِي جَذِيمَةَ: " صَبَأْنَا صَبَأْنَا "، فَكَانَ مِنْ خَالِدٍ فِيهِمْ مَا كَانَ، فَكَانَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيمَا كَانَ مِنْ خَالِدٍ مَا كَانَ، مِمَّا ذَلِكَ كُلُّهُ مَذْكُورٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. فَقَالَ قَائِلٌ: مَا الْمَعْنَى الَّذِي تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَخْذَ الْوَاجِبِ لَهُمْ مِنْ خَالِدٍ لِمَا كَانَ مِنْهُ فِيهِمْ بَعْدَ إسْلَامِهِمْ. فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ وَعَوْنِهِ: أَنَّ الَّذِي كَانَ مِنْهُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ: صَبَأْنَا، قَدْ يَكُونُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَقَدْ يَكُونُ عَلَى الدُّخُولِ فِي دِينِ الصَّابِئِينَ , وَقَدْ يَكُونُ عَلَى مَا سِوَى ذَلِكَ ; إِلَّا أَنَّهُ زَوَالٌ عَنْ شَيْءٍ إلَى شَيْءٍ، فَكَانَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا كَانَ مِنْ إنْكَارِهِ عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ مَا كَانَ مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ عَلَيْهِ الِاسْتِثْبَاتُ فِي أُمُورِهِمْ، وَالْوُقُوفُ عَلَى إرَادَتِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: صَبَأْنَا، هَلْ ذَلِكَ إلَى الْإِسْلَامِ أَوْ إلَى غَيْرِهِ؟ فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بَرِئَ إلَى اللهِ مِمَّا كَانَ مِنْهُ، وَلَمْ يَأْخُذْ لَهُمْ بِمَا لَمْ يَعْلَمْ يَقِينًا وُجُوبَهُ لَهُمْ فِي قَتْلِ خَالِدٍ إيَّاهُمْ، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ.

стр. 3249

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيمَا كَانَ مِنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَمِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فِي الْقَوْمِ الَّذِينَ بُعِثَا إلَيْهِمْ، فَاعْتَصَمُوا بِالتَّوْحِيدِ فَقَتَلَهُمْ خَالِدٌ

стр. 3250

٣٢٣٢ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُكَيْبٍ الْكُوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْأَشْتَرُ قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ: " بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَا وَعَمَّارٌ فِي سَرِيَّةٍ فَأَصَبْنَا أَهْلَ بَيْتٍ قَدْ كَانُوا وَحَّدُوا، فَقَالَ عَمَّارٌ ﵁: إنَّ هَؤُلَاءِ قَدِ احْتَجَزُوا مِنَّا بِتَوْحِيدِهِمْ , فَسَفَّهْتُهُ وَلَمْ أَحْفِلْ بِقَوْلِهِ، فَلَمَّا رَجَعْنَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ شَكَانِي إلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ ﷺ لَا يَنْتَصِرُ لَهُ مِنِّي أَدْبَرَ وَعَيْنَاهُ تَدْمَعَانِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " يَا خَالِدُ، لَا تَسُبَّ عَمَّارًا؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَسُبَّ عَمَّارًا سَبَّهُ اللهُ، وَمَنْ يُسَفِّهْ عَمَّارًا يُسَفِّهْهُ اللهُ " , قَالَ: قُلْتُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا مِنْ ذُنُوبِي شَيْءٌ أَخْوَفُ عَلَيَّ مِنْهُنَّ، فَاسْتَغْفِرْ لِي , قَالَ: فَاسْتَغْفَرَ لِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ". ⦗٢٧٣⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُ عَمَّارٍ فِي أَهْلِ ذَلِكَ الْبَيْتِ الَّذِينَ كَانُوا وَحَّدُوا إِنَّهُمْ قَدِ احْتَجَزُوا بِتَوْحِيدِهِمْ , وَأَنَّ خَالِدًا لَمْ يَحْفِلْ بِقَوْلِهِ، وَكَانَ مَعْنَى خَالِدٍ فِي أَهْلِ ذَلِكَ الْبَيْتِ كَمَعْنَى أُسَامَةَ فِي قَتِيلِهِ الَّذِي قَتَلَهُ بَعْدَ تَوْحِيدِهِ , وَكَانَ مَا كَانَ مِنْ عَمَّارٍ فِيهِمْ إصَابَةُ حَقِيقَةِ حُكْمِ اللهِ فِيهِمْ، فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي اجْتِهَادِهِ مَحْمُودًا , وَكَانَ عَمَّارٌ فِي ذَلِكَ فَوْقَ خَالِدٍ فِي الْحَمْدِ لِلْإِصَابَةِ مِنْهُ لِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ، وَلِتَقْصِيرِ خَالِدٍ عَنْهُ , وَاللهَ نَسْأَلَهُ التَّوْفِيقَ.

стр. 3251

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي النَّفَرِ الْخَثْعَمِيِّينَ الَّذِينَ كَانَ بَعَثَ إلَيْهِمْ خَالِدًا، وَمِنْ قَتْلِهِ إيَّاهُمْ بَعْدَ اعْتِصَامِهِمْ بِالسُّجُودِ

стр. 3252

٣٢٣٣ - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ إلَى أُنَاسٍ مِنْ خَثْعَمَ، فَاعْتَصَمُوا بِالسُّجُودِ، فَقَتَلَهُمْ، فَوَدَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِنِصْفِ الدِّيَةِ، ثُمَّ قَالَ: " أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ، لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا ". فَسَأَلَ سَائِلٌ عَنِ الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ ارْتَفَعَ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ مَا كَانَ مِنْهُ فِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ بَعْدَ أَنْ وَقَفَ عَلَى سُجُودِهِمْ، وَوُجُوبِ الْإِسْلَامِ لَهُمْ بِذَلِكَ. ⦗٢٧٥⦘ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ وَعَوْنِهِ: أَنَّ السُّجُودَ غَيْرُ مَوْقُوفٍ بِهِ عَلَى حَقِيقَةِ مَنْ يَكُونُ مِنْهُ مِمَّنْ لَمْ يُعْلَمْ إسْلَامُهُ قَبْلَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلَّهِ فَيَكُونُ إسْلَامًا لِفَاعِلِهِ , وَقَدْ يَكُونُ عَلَى التَّعْظِيمِ لِلرَّئِيسِ فَلَا يَكُونُ إسْلَامًا لِفَاعِلِهِ، بَلْ يَكُونُ مَقْتًا لَهُ وَلِلْمَفْعُولِ لَهُ إنْ رَضِيَهُ مِنْ فَاعِلِهِ، فَلَمَّا كَانَ السُّجُودُ كَمَا ذَكَرْنَا وَمُحْتَمِلًا مَا وَصَفْنَا، دَخَلَ ذَلِكَ مِنْ خَالِدٍ فِيمَا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ فِيهِ حُجَّةٌ فِي قَتْلِهِ مَنْ قَدْ يَكُونُ لَهُ قَتْلُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ الِاسْتِثْبَاتُ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَعْلَمَ إرَادَةَ أُولَئِكَ الْقَوْمِ بِسُجُودِهِمْ مَا هُوَ، هَلْ هُوَ الْإِسْلَامُ أَوْ غَيْرُهُ؟ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَدَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَا وَدَاهُمْ بِهِ، تَطَوُّعًا مِنْهُ بِذَلِكَ، وَتَفَضُّلًا مِنْهُ بِهِ، وَجَزَاءً مِنْهُ لِغَيْرِهِمْ إلَيْهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : " إنِّي بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ، لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا " , فَإِنَّ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ جَمِيعًا يَقُولُونَ فِي هَذَا الْحَرْفِ: لَا تَرَاءَى ⦗٢٧٦⦘ نَارَاهُمَا، وَيَقُولُونَ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَسْكُنَ بِلَادَ الْمُشْرِكِينَ فَيَكُونُ مَعَهُمْ بِقَدْرِ مَا يَرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَارَ صَاحِبِهِ , وَكَانَ الْكِسَائِيُّ يَقُولُ: الْعَرَبُ تَقُولُ: دَارِي تَنْظُرُ إلَى دَارِ فُلَانٍ، وَدُورُنَا تُنَاظِرُ. وَالْآخَرُ مِنْهُمَا: أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: " لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا " يُرِيدُ نَارَ الْحَرْبِ , وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللهِ: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ﴾ [المائدة: ٦٤] فَنَارُهُمَا مُخْتَلِفَتَانِ، هَذِهِ تَدْعُو إلَى اللهِ، وَهَذِهِ تَدْعُو إلَى الشَّيْطَانِ، فَكَيْفَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ أَهْلُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا سَاكِنًا مَعَ أَهْلِ الْأُخْرَى فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ , وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ.

стр. 3253

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي إلْقَاءِ الْأَرْضِ الرَّجُلَ الْمَدْفُونَ فِيهَا الْقَاتِلَ لِلَّذِي قَالَ: لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ، وَقَتْلِهِ إيَّاهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ تَعَوُّذًا مِنْهُ

стр. 3254

٣٢٣٤ - حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنِ السُّمَيْطِ بْنِ السُّمَيْرِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: " بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ أَبِي عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَلَمَّا غَشِيَهُ بِالرُّمْحِ قَالَ: إنِّي مُسْلِمٌ، فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي قَدْ أَذْنَبْتُ فَاسْتَغْفِرْ لِي، فَقَالَ: " وَمَا ذَاكَ؟ "، قَالَ: إنِّي حَمَلْتُ عَلَى رَجُلٍ، فَلَمَّا غَشِيتُهُ بِالرُّمْحِ قَالَ: إنِّي مُسْلِمٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ مُتَعَوِّذٌ فَقَتَلْتُهُ، فَقَالَ: " أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى يَسْتَبِينَ لَكَ؟ " قَالَ: وَيَسْتَبِينُ لِي؟، قَالَ: " قَدْ قَالَ لَكَ بِلِسَانِهِ فَلَمْ تُصَدِّقْهُ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ "، فَلَمْ يَلْبَثِ الرَّجُلُ أَنْ مَاتَ فَدُفِنَ، فَأَصْبَحَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَقُلْنَا: عَدُوٌّ نَبَشَهُ، فَأَمَرْنَا عَبِيدَنَا وَمَوَالِيَنَا فَحَرَسُوهُ، فَأَصْبَحَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَقُلْنَا: فَلَعَلَّهُمْ غَفَلُوا، فَحَرَسْنَا نَحْنُ، فَأَصْبَحَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْنَاهُ، ⦗٢٧٨⦘ قَالَ: " إنَّ الْأَرْضَ تَقْبَلُ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ، وَلَكِنَّ اللهَ أَحَبَّ أَنْ يُخْبِرَكُمْ بِعِظَمِ الدَّمِ؟ "، ثُمَّ قَالَ: " انْتَهُوا بِهِ إلَى سَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ، فَانْضِدُوا عَلَيْهِ مِنَ الْحِجَارَةِ "، فَفَعَلْنَا ". ٣٢٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ قَالَ: حَدَّثَنَا السُّمَيْطُ، عَنْ عِمْرَانَ قَالَ: " لَقِيَ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ أَبِي الْعَدُوَّ. . . "، ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ فِي هَذَا الْجِنْسِ مَا يُغْنِينَا عَنِ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْبَابِ، غَيْرَ أَنَّ فِي هَذَا الْبَابِ ⦗٢٧٩⦘ حَرْفًا، وَهُوَ قَوْلُ الْخُزَاعِيُّ صَاحِبِ الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : " إنِّي قَدْ أَصَبْتُ ذَنْبًا، فَاسْتَغْفِرْ لِي ". فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ مِمَّنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ بِجُرْمِهِ فِي قَتْلِهِ مَنْ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ لَهُ الَّذِي قَتَلَهُ، فَقَتَلَهُ عَلَى ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّ فِيهِ ظَنَّهُ بِقَوْلِهِ إنِّي مُسْلِمٌ مُتَعَوِّذًا، فَقَدْ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ زِيَادَةً مِنْهُ فِي الِاعْتِذَارِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي قَتْلِهِ ذَلِكَ الرَّجُلَ، أَيْ لِأَنَّ قَتْلَهُ الْمُتَعَوِّذَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ أَيْسَرُ مِنْ قَتْلِهِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ الْقَوْلَ لَا لِلتَّعَوُّذِ بِهِ، وَلَكِنْ لِحَقِيقَةِ دُخُولِهِ فِي الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ رَافِعًا عَنْهُ عُقُوبَةَ ذَنْبِهِ الَّذِي كَانَ مِنْهُ فِيهِ، فَكَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ فِيهِ مَا كَانَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ كَانَ فِي ذَلِكَ، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ.

стр. 3255

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ فِي طَهَارَتِهَا بِالدِّبَاغِ، وَفِيمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ

стр. 3256

٣٢٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ: " قُرِئَ عَلَيْنَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ بِأَرْضِ جُهَيْنَةَ، وَأَنَا غُلَامٌ شَابٌّ: " أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ ". ⦗٢٨١⦘ ٣٢٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ السَّكُونِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي غَنِيَّةَ، عَنِ الْحَكَمِ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " جَاءَنَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ". ٣٢٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ الْحَكَمِ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " كَتَبَ إلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ". قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكَانَ مَا فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُكَيْمٍ: " قُرِئَ عَلَيْنَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ بِأَرْضِ جُهَيْنَةَ وَأَنَا غُلَامٌ شَابٌّ " ⦗٢٨٢⦘ تَحْقِيقُ حُضُورِهِ لِذَلِكَ، وَسَمَاعِهِ إيَّاهُ مِنْ كِتَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي غَنِيَّةَ جَاءَنَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَمَا فِي حَدِيثِ الشَّيْبَانِيِّ: " كَتَبَ إلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ". وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَحْضُرْهُ ابْنُ عُكَيْمٍ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: " جَاءَنَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ " أَيْ: كَتَبَ إلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، عَلَى مَعْنَى كَتَبَ إلَى قَوْمِنَا، كَمَا قَالَ النَّزَّالُ بْنُ سَبْرَةَ: " قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ "

стр. 3257

٣٢٣٩ - حَدَّثَنَا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الدِّمَشْقِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إنَّا كُنَّا وَإِيَّاكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ نُدْعَى بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَنَحْنُ الْيَوْمَ بَنُو عَبْدِ اللهِ، وَأَنْتُمْ بَنُو عَبْدِ اللهِ "، يَعْنِي لِقَوْمِ النَّزَّالِ. هَكَذَا فِي الْحَدِيثِ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِسَمَاعِ النَّزَّالِ إيَّاهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَا بِحُضُورِهِ إيَّاهُ مِنْ قَوْلِهِ , وَإِنَّمَا هُوَ بِسَمَاعِ قَوْمِهِ إيَّاهُ مِنْهُ ⦗٢٨٣⦘ وَبِمَحْضَرِهِمْ لَهُ مِنْ قَوْلِهِ، وَهَذَا جَائِزٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَمَوْجُودٌ مِثْلُهُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْحَدِيثِ.

стр. 3258

٣٢٤٠ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ خَالِدٍ يَعْنِي الْحَذَّاءَ، عَنِ الْحَكَمِ قَالَ: " أَتَيْنَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُكَيْمٍ فَدَخَلَ الْأَشْيَاخُ وَجَلَسْتُ بِالْبَابِ، فَخَرَجُوا، فَأَخْبَرُونِي , عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُكَيْمٍ , أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَتَبَ إلَى جُهَيْنَةَ: " أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا بِعَصَبٍ ". كَتَبَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشَهْرَيْنِ ". قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَوَقَفْنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ فِيهِ كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمَا ذَكَرَ فِيهِ كِتَابَهُ بِهِ، ثُمَّ كَشَفْنَا عَنْ حَقِيقَةِ هَذَا الْحَدِيثِ.

стр. 3259

٣٢٤١ - فَوَجَدْنَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَمْرٍو الدِّمَشْقِيَّ قَدْ حَدَّثَنَا، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَشْيَاخٌ مِنْ جُهَيْنَةَ قَالُوا: " أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَوْ قُرِئَ عَلَيْنَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ : " أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِشَيْءٍ ". فَحُقِّقَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ ابْنَ عُكَيْمٍ لَمْ يَكُنْ شَهِدَ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَا حَضَرَ قِرَاءَتَهُ، عَلَى مَنْ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ قُرِئَ عَلَيْهِ، وَكَانَ هَؤُلَاءِ الْأَشْيَاخُ مِنْ جُهَيْنَةَ لَمْ يُسَمَّوْا لَنَا فَنَعْرِفَهُمْ وَنَعْلَمَ أَنَّهُمْ مِمَّنْ يُؤْخَذُ مِثْلُ هَذَا عَنْهُمْ لِصُحْبَتِهِمْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَوْ لِأَحْوَالٍ فِيهِمْ سِوَى ذَلِكَ تُوجِبُ قَبُولَ رِوَايَاتِهِمْ , وَلَمَّا لَمْ نَجِدْ ذَلِكَ لَهُمْ لَمْ تَقُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَنَا حُجَّةٌ، وَكَانَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا فِي أَمْرِهِ إيَّاهُمْ بِدِبَاغِ جِلْدِ الشَّاةِ الَّتِي مَاتَتْ لَهُمْ , وَقَوْلُهُ لَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ: " إنَّمَا حُرِّمَ لَحْمُهَا " أَوْلَى مِنْهُ؛ لِصِحَّةِ مَجِيئِهِ، وَاسْتِقَامَةِ طَرِيقِهِ، وَعَدْلِ رُوَاتِهِ. ⦗٢٨٥⦘ وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا الْحَدِيثُ فَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ الشَّاةَ كَانَتْ لِسَوْدَةِ ابْنَةِ زَمْعَةَ وَذَكَرَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ كَانَ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانَ لَهُمْ بَعْدَ إنْزَالِ اللهِ تَحْرِيمَ الْمَيْتَةِ.

стр. 3260

٣٢٤٢ - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ح، وَكَمَا حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُقَدَّمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، قَالَ صَالِحٌ فِي حَدِيثِهِ: عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي حَدِيثِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، ثُمَّ قَالَا جَمِيعًا فِي حَدِيثَيْهِمَا: عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَاتَتْ شَاةٌ لِسَوْدَةِ ابْنَةِ زَمْعَةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَاتَتْ فُلَانَةُ، تَعْنِي الشَّاةَ، قَالَ: " فَلَوْلَا أَخَذْتُمْ مَسْكَهَا ". فَقَالَتْ: نَأْخُذُ مَسْكَ شَاةٍ قَدْ مَاتَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إنَّمَا قَالَ اللهُ : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَةَ. فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ تَدْبُغُوهُ فَتَنْتَفِعُوا بِهِ ". قَالَتْ: فَأَرْسَلْتُ فَسَلَخْتُ مَسْكَهَا، فَدَبَغْتُهُ فَاتَّخَذْتُ مِنْهُ قِرْبَةً حَتَّى تَخَرَّقَتْ ". ⦗٢٨٦⦘ ثُمَّ وَجَدْنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ أَيْضًا.
следующие страницы →