← Книги сунны

Книги сунны · id 22547

شرح مشكل الآثار

الطحاوي

Полный текст (6 453 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْغُرَّةِ الَّتِي قَضَى بِهَا فِي الْجَنِينِ، وَمَا مِقْدَارُهَا مِنَ الدِّيَةِ

стр. 4622

٤٥٢٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَرْوَانَ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ سَعِيدٍ يَعْنِي ابْنَ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ حَمَلِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ، قَالَ: كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ مُلَيْكَةُ وَأُمُّ عَفِيفٍ، فَرَجَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَأَصَابَتْ قُبُلَهَا وَهِيَ حَامِلٌ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا وَمَاتَتْ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلَةِ، وَقَضَى فِي الْجَنِينِ غُرَّةً: عَبْدًا أَوْ أَمَةً أَوْ مِائَةً مِنَ الشَّاءِ، أَوْ عْشًرا مِنَ الْإِبِلِ، فَقَامَ أَبُوهَا أَوْ رَجُلٌ مِنْ عَصَبَتِهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ، وَلَا صَاحَ وَلَا اسْتَهَلَّ، وَمِثْلُ ذَلِكَ دَمُهُ يُطَلُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَسْنَا مِنْ أَسَاجِيعِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي شَيْءٍ " ⦗٤١٤⦘ فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بَعْدَ وُقُوفِنَا عَلَى إِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي مِقْدَارِ الْغُرَّةِ الْوَاجِبَةِ فِي الْجَنِينِ مِنَ الدِّيَةِ أَنَّهُ نِصْفُ عُشْرِهَا، فَوَجَدْنَا فِيهِ ذِكْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْغُرَّةَ أَنَّهَا عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ إِعْلَامُ النَّاسِ بِالْغُرَّةِ مَا هِيَ؟ ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: أَوْ مِائَةً مِنَ الشَّاءِ " فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنَ الْغُرَّةِ فِي شَيْءٍ، وَلَكِنَّهُ الْجُزْءُ الَّذِي هُوَ مِقْدَارُ الْغُرَّةِ مِنَ الدِّيَةِ مِنَ الشَّاءِ مَا هُوَ؛ لَأَنَّ الدِّيَةَ مِنَ الشَّاءِ فِي قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُ الشَّاءَ صِنْفًا مِنْ أَصْنَافِ الدِّيَاتِ أَلْفَا شَاةٍ، فَالْمِائَةُ مِنْهَا نِصْفُ عُشْرِهَا، وَمِمَّنْ كَانَ يَجْعَلُ الدِّيَةَ مِنَ الشَّاءِ هَذَا الْمِقْدَارَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، فَلَمْ يَكُنْ يَجْعَلُ الدِّيَةَ إِلَّا فِي الْإِبِلِ، وَفِي الدَّرَاهِمِ وَفِي الدَّنَانِيرِ خَاصَّةً. وَأَمَّا مَالِكٌ فَكَانَ يَجْعَلُهَا فِي الْإِبِلِ، وَفِي الدَّنَانِيرِ، وَفِي الدَّرَاهِمِ. وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ، فَكَانَ يَجْعَلُهَا فِي الْإِبِلِ خَاصَّةً دُونَ مَا سِوَاهَا، وَكَانَ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي ذَلِكَ أَوْلَى، وَلَمْ يَكُنْ مَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي قَصْدِهِ بِالدِّيَةِ لِقَتِيلِ الْأَنْصَارِ إِلَى مِائَةٍ مِنَ ⦗٤١٥⦘ الْإِبِلِ، وَلَا بِقَوْلِهِ فِي قَتِيلِ خَطَأِ الْعَمْدِ فِيهِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، فَدَافَعَ أَنْ تَكُونَ الدِّيَةُ أَصْنَافًا غَيْرَ الْإِبِلِ، ثُمَّ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: " أَوْ عَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ " فَكَانَ هَذَا عِنْدَنَا وَهْمًا فِي النَّقْلِ؛ لِخُرُوجِهِ عَنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ جَمِيعًا؛ وَلِتَلَقِّيهِمْ إِيَّاهُ بِالْخِلَافِ لَهُ، وَكَانَ هَذَا الْحَدِيثُ إِنَّمَا دَارَ عَلَى أَبِي الْمَلِيحِ، فَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنْهُ قَتَادَةُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ.

стр. 4623

٤٥٢٧ - كَمَا حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْمَلِيحِ الْهُذَلِيَّ ابْنَ أُسَامَةَ، وَكَانَ قَدْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ ، هَكَذَا حَدَّثَنَاهُ الرَّبِيعُ فِي مُسْنَدِ أَسَدٍ فِي نَوْعٍ تُرْجِمَ بِمُسْنَدِ أُسَامَةَ الْهُذَلِيِّ، فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ مَكَانَ ابْنِ أُسَامَةَ: عَنْ أُسَامَةَ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ فِيهِ: وَقَدْ كَانَ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَبُو الْمَلِيحِ فَلَمْ يَصْحَبِ النَّبِيَّ ﷺ ، وَلَا عَلِمْنَاهُ رَآهُ، وَالَّذِي صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ هُوَ أَبُوهُ وَهُوَ أُسَامَةُ بْنُ عُمَيْرٍ، قَالَ: كَانَ فِينَا امْرَأَتَانِ، فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِعَمُودٍ، فَقَتَلَتْهَا، وَقَتَلَتْ مَا فِي بَطْنِهَا، فَقَضَى النَّبِيُّ ﷺ فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوِ أَمَةٍ أَوْ بِفَرَسٍ، أَوْ عَشْرٍ مِنَ الْإِبِلِ، أَوْ كَذَا وَكَذَا مِنَ الْغَنَمِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ رَهْطِ الْقَاتِلَةِ: كَيْفَ نَعْقِلُ يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ لَا أَكَلَ وَلَا شَرِبَ وَلَا صَاحَ، وَلَا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَسَجَّاعَةٌ أَنْتَ؟ " فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّ مِيرَاثَ الْمَقْتُولَةِ لِزَوْجِهَا وَلِوَلدِهَا، وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ ⦗٤١٦⦘ فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ مِنْ أَيُّوبَ عَلَى قَتَادَةَ، ذِكْرُ " الْفَرَسِ " وَكَانَ فِيهِ: " أَوْ عَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ "، كَمَا فِي حَدِيثِ قَتَادَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَنَا مِنْ حَدِيثِ أَيُّوبَ، كَمَا هُوَ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ فِي الْوَهْمِ فِي الْعَدَدِ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِمَا مِنَ الْإِبِلِ؛ لِأَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي مِقْدَارِ الدِّيَةِ مِنَ الْإِبِلِ أَنَّهُ مِائَةُ الْإِبِلِ، وَنِصْفُ الْعُشْرِ مِنْهَا إِنَّمَا هُوَ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ لَا عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنْهُ أَيْضًا سَلَمَةُ بْنُ تَمَّامٍ، وَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الشَّقَرِيُّ

стр. 4624

٤٥٢٨ - كَمَا حَدَّثَنَا فَهْدٌ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مُرَّةَ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا الْمِنْهَالُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ تَمَّامٍ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُخَاصِمُ امْرَأَةً، فَقَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ، وَإِنَّ ضَرَّتَهَا ضَرَبَتْ بَطْنَهَا، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " دُوْهُ " وَكَانَ مَعَهَا أَخٌ لَهَا يُقَالُ لَهُ: عِمْرَانُ بْنُ ⦗٤١٧⦘ عُوَيْمِرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَدِي مَنْ لَا أَكَلَ وَلَا شَرِبَ، وَلَا صَاحَ وَلَا اسْتَهَلَّ، وَمِثْلُهُ يُطَلُّ؟ فَقَالَ ﵇: " دَعْنِي مِنْ أَرَاجِيزِ الْبَادِيَةِ أَوْ أَرَاجِيزِ الْأَعْرَابِ، فِيهِ غُرَّةٌ: عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، أَوْ خَمْسُ مِائَةِ دِرْهَمٍ، أَوْ فَرَسٌ، أَوْ عِشْرُونَ وَمِائَةُ شَاةٍ " قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَصْبَحْتُ أَمْلِكُ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَأَخِيهَا، وَكَانَ يَوْمَئِذٍ عَلَى صَدَقَاتِ هُذَيْلٍ: " اقْبِضْ مِنْ تَحْتِ يَدِكَ عِشْرِينَ وَمِائَةَ شَاةٍ " فَفَعَلَ وَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْغُرَّةِ أَنَّهَا عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، أَوْ فَرَسٌ، وَكَانَ فِيهِ أَيْضًا: أَوْ خَمْسُ مِائَةِ دِرْهَمٍ، فَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الدَّرَاهِمَ ⦗٤١٨⦘ جِنْسٌ مِنْ أَجْنَاسِ الدِّيَةِ، وَأَنَّ مِقْدَارَهَا مِنْهَا عَشْرَةُ الَآفِ دِرْهَمٍ كَمَا يَقُولُ الْكُوفِيُّونَ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا يَقُولُ الْحِجَازِيُّونَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْكُوفِيِّينَ يَجْعَلُونَ مِقْدَارَ الدِّيَةِ مِنَ الدَّرَاهِمِ عَشْرَةَ آلَافٍ، وَالْحِجَازِيُّونَ يَجْعَلُونَهَا مِنْهَا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّا قَدْ رُوِيَ مُوَافِقًا لِمَا قَالُوهُ فِيهِ:

стр. 4625

٤٥٢٩ - مَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْعَوَقِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ " قَضَى بِالدِّيَةِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَفِي ذَلِكَ نَزَلَتْ: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤] ، بِأَخْذِهِمُ الدِّيَةَ " ⦗٤١٩⦘ فَطَعَنَ طَاعِنٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: قَدْ رَوَاهُ عَنْ عَمْرٍو مَنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَهُوَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ ٤٥٣٠ - وَذَكَرَ مَا قَدْ حَدَّثَنَاهُ بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. فَكَانَ مِنْ حُجَّتِنَا لَهُمْ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ قَدْ كَانَ رُبَّمَا رَفَعَ هَذَا الْحَدِيثَ وَذَكَرَ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَرُبَّمَا لَمْ يَذْكُرِ ابْنَ عَبَّاسٍ فِيهِ، فَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنْهُ بِإِثْبَاتِهِ ابْنَ عَبَّاسٍ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ الْمَكِّيُّ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْخَيَّاطُ

стр. 4626

٤٥٣١ - كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، سَمِعْنَاهُ مَرَّةً يَقُولُ: ⦗٤٢٠⦘ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا يَعْنِي فِي الدِّيَةِ " فَعَادَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ وَمُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، وَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ مِقْدَارِ الدِّيَةِ مِنَ الدَّرَاهِمِ مَا فِيهِ، وَهُوَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي مَلِيحٍ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا عَشْرَةُ آلَافٍ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُدْرَكُ بِالِاسْتِنْبَاطِ، وَلَا بِالِاسْتِخْرَاجِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ فِيهِ بِالتَّوَقُّفِ، وَالْعَشْرَةُ آلَافٍ قَدْ تَيَقَّنَّا وُجُوبَهَا وَلَمْ نَتَيَقَّنْ وُجُوبَ مَا جَاوَزَهَا، فَكَانَ أَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِنَا أَنْ لَا نَقْضِيَ فِي الدِّيَةِ مِنَ الدَّرَاهِمِ إِلَّا بِعَشَرَةِ آلَافٍ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: أَوْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الشَّاءِ، وَهَذَا مِمَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ ذَهَبَ إِلَيْهِ، وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى خِلَافِهِ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى فَسَادِهِ، وَعَلَى أَنَّ الْأَوْلَى فِي ذَلِكَ مَا فِي حَدِيثِ قَتَادَةَ مِمَّا تَعُودُ بِهِ الدِّيَةُ مِنَ الشَّاءِ إِلَى أَلْفَيْ شَاةٍ، غَيْرَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ طَعَنَ فِي حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ ⦗٤٢١⦘ تَمَّامٍ هَذَا، وَذَكَرَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْمُبَارَكِ جَعَلَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي مَلِيحٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَذَكَرَ فِي ذَلِكَ:

стр. 4627

٤٥٣٢ - مَا قَدْ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا الْمِنْهَالُ بْنُ خَلِيفَةَ، حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ تَمَّامٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي مَلِيحٍ الْهُذَلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْدَ أَبِيهِ أَحَدًا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِامْرَأَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُ: حَمَلُ بْنُ مَالِكٍ، فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا بَطْنَ صَاحِبَتِهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، فَانْطَلَقَ بِهِمَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَعَهَا أَخٌ لَهَا يُقَالُ لَهُ: عِمْرَانُ، فَقَصَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ، فَقَالَ: أَنَدِي مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ، وَلَا صَاحَ وَلَا اسْتَهَلَّ فَمِثْلُهُ يُطَلُّ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " دَعْنِي مِنْ أَرَاجِيزِ أَهْلِ الْبَادِيَةِ أَوْ مِنْ أَرَاجِيزِ الْأَعْرَابِ فِيهِ غُرَّةٌ: عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، أَوْ خَمْسُ مِائَةِ دِرْهَمٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا هِيَ، أَوْ فَرَسٌ، أَوْ عِشْرُونَ وَمِائَةُ شَاةٍ " فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لَهَا بَنِينَ هُمْ سَادَةُ الْحَيِّ أَحَقُّ بِعَقْلِهَا مِنِّي، فَقَالَ: " أَنْتَ أَحَقُّ بِالْعَقْلِ عَنْ أُخْتِكَ مِنْ وَلَدِهَا " فَقَالَ: مَا لَنَا شَيْءٌ نَعْقِلُ وَلَا نَدِي، فَقَالَ لِحَمَلِ بْنِ مَالِكٍ وَهُوَ زَوْجُ الْمَرْأَتَيْنِ، وَهُوَ عَلَى صَدَقَاتِ هُذَيْلٍ: " اقْبِضْ مِنْ تَحْتِ يَدِكَ مِنْ صَدَقَاتِ هُذَيْلٍ عِشْرِينَ وَمِائَةَ شَاةٍ " ⦗٤٢٢⦘ فَعَادَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ تَمَّامٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ أَبِيهِ، فَعَادَ بِذَلِكَ مُنْقَطِعًا، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَلَمَةُ بْنُ تَمَّامٍ أَخَذَهُ عَنِ ابْنِ أَبِي مَلِيحٍ كَذَلِكَ وَحَدَّثَ بِهِ أَبُو مَلِيحٍ عَنْ أَبِيهِ كَمَا فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مُرَّةَ، وَذَلِكَ أَوْلَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ؛ لِجَلَالَةِ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ وَإِتْقَانِهِ وَحِفْظِهِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ وَافَقَهُ أَيُّوبُ فِي رِوَايَتِهِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ أَبِي مَلِيحٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ، وَإِيَّاهُ نَسْأَلَهُ التَّوْفِيقَ.

стр. 4628

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِمَّا قَالَهُ لِيَزِيدٍ أَبِي مَعْنٍ فِي صَدَقَتِهِ الَّتِي أَخَذَهَا مَعْنٌ مِنَ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ وَضَعَهَا عِنْدَهُ: " لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ يَا مَعْنُ مَا أَخَذْتَ "

стр. 4629

٤٥٣٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ الْغُدَانِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ، عَنْ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي، وَخَطَبَ عَلَيَّ فَأَنْكَحَنِي، وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبِي خَرَجَ بِدَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ، فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ: وَاللهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ بِهَا، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: " لَكَ مَا نَوَيْتَ " لِأَبِي، " وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ " ⦗٤٢٤⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فَوَجَدْنَا فِيهِ ذِكْرَ مَعْنٍ أَنَّ أَبَاهُ خَرَجَ بِالدَّنَانِيرِ الَّتِي كَانَ خَرَجَ بِهَا لَيَتَصَدَّقَ بِهَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ وَضَعَهَا عِنْدَهُ، فَكَانَ ذَلِكَ الْوَضْعُ مِنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَاللهُ أَعْلَمُ لِتِلْكَ الدَّنَانِيرِ؛ لِيَضَعَهَا فِي الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهَا لَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ لَهُ فِي ذَلِكَ وَكِيلًا، وَكَانَ تَقَدَّمَ مِنْ يَزِيدَ إِرَادَتُهُ بِتِلْكَ الدَّنَانِيرِ الصَّدَقَةَ عَلَى غَيْرِ ابْنِهِ عَلَى مَا فِي الْحَدِيثِ مِمَّا قَالَهُ لِابْنِهِ مَعْنٍ بَعْدَ أَخْذِهِ صَدَقَتَهُ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ، وَكَانَتِ الْوِكَالِاتُ إِنَّمَا تَكُونُ بِمَا يَتَكَلَّمُ بِهِ الْمُوَكِّلُونَ وَيُخَاطِبُونَ بِهِ وُكَلَاءَهُمْ لَا بِمَا يَنْوُونَهُ فِي ذَلِكَ، وَيَكْتُمُونَهُ عَنْهُمْ فِي قُلُوبِهِمْ، وَكَانَ الثَّوَابُ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَكُونُ مِنْ نِيَّاتِ ⦗٤٢٥⦘ الْمُتَصَدِّقِينَ وَمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَعْمَالِ الَّتِي يُطْلَبُ بِهَا الْقُرْبُ إِلَى اللهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى " مِمَّا سَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللهُ ، وَلَمَّا كَانَ الْأَمْرُ فِيمَا ذَكَرْنَا كَمَا وَصَفْنَا، وَكَانَ مِنْ يَزِيدَ أَبِي مَعْنٍ مَا كَانَ مِنْهُ مِنَ النِّيَّةِ الَّتِي كَانَ نَوَاهَا فِيمَا كَانَ أَخْرَجَهُ لَيَتَصَدَّقَ بِهِ، كَانَ لَهُ ثَوَابُ نِيَّتِهِ، وَكَانَ مَا أَخَذَهُ ابْنُهُ مَعْنٌ مِنْ ذَلِكَ قَدْ أَخَذَهُ مِمَّنْ وُكِّلَ فِيهِ جَائِزُ الْوَكَالَةِ بِمَا فَعَلَهُ فِيهِ، فَجَازَ لِمَعْنٍ مَا فَعَلَهُ لَهُ فِيهِ وَكِيلُ أَبِيهِ فِيمَا دَفَعَهُ إِلَيْهِ، وَكَانَ لِأَبِيهِ ثَوَابُ مَا نَوَاهُ مِنَ الصَّدَقَةِ بِهِ عَلَى الْغَرِيبِ الَّذِي كَانَ أَرَادَ أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً عَلَيْهِ، وَقَدِ احْتَجَّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِقَوْلِهِ فِيمَنْ تَصَدَّقَ بِزَكَاةِ مَالِهِ عَلَى رَجُلٍ يَرَاهُ أَجْنَبِيًّا مِنْهُ، ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ أَبُوهُ أَوِ ابْنُهُ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ هَذَا عِنْدَنَا مِنْ قَوْلِهِ بِشَيْءٍ، وَلَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ حُجَّةٌ لَهُ فِيهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ، وَاللهُ أَعْلَمُ، أَنَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِقَابِضِهَا؛ لِأَنَّهَا زَكَاةُ مَالِ أَبِيهِ، وَزَكَاةُ مَالِ أَبِيهِ أَوْ مَالِ ابْنِهِ لَا تَحِلُّ لَهُ، وَإِذَا كَانَتْ لَا تَحِلُّ لَهُ كَانَتْ غَيْرَ جَازِيَةٍ عَنْ أَبِيهِ، أَوْ عَنِ ابْنِهِ الَّذِي أَعْطَاهُ إِيَّاهَا، وَمِثْلُ ذَلِكَ الرَّجُلِ يَدْفَعُ زَكَاةَ مَالِهِ إِلَى رَجُلٍ عَلَى أَنَّهُ فَقِيرٌ، ثُمَّ يَعْلَمُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ غَنِيٌّ، فَلَا تُجْزِئِهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا حَرَامٌ عَلَى الَّذِي أُعْطِيَهَا، وَإِذَا كَانَتْ حَرَامًا عَلَيْهِ، كَانَتْ غَيْرَ جَازِيَةٍ عَنْ مُعْطِيهِ إِيَّاهَا، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ أَوْلَى مَا قِيلَ فِي هَذَا الْبَابِ عِنْدَنَا، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَإِيَّاهُ نَسْأَلَهُ التَّوْفِيقَ

стр. 4630

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الزِّيَادَاتِ فِي أَثْمَانِ الْأَشْيَاءِ الْمَبِيعَاتِ: هَلْ تُلْحَقُ بِالْأَثْمَانِ الَّتِي عُقِدَتْ تِلْكَ الْبِيَاعَاتُ عَلَيْهَا أَمْ لَا؟ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا حَدِيثَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ فِي بَيْعِهِ جَمَلِهِ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِقْبَالِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَمْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِلَالًا لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ ثَمَنَهُ، وَأَنْ يَزِيدَهُ قِيرَاطًا، فَقُلْتُ: " لَا تُفَارِقُنِي زِيَادَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَبَدًا، فَكَانَ فِي كِيسِي حَتَّى أَخَذَهُ أَهْلُ الشَّامِ يَوْمَ الْحَرَّةِ "، وَكَانَ إِسْنَادُهُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ بِهِ: ٤٥٣٤ - أَنَّ يَزِيدَ بْنَ سِنَانٍ حَدَّثَنَاهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ بْنِ شَقِيقٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ. وَأَعَدْنَا ذِكْرَ إِسْنَادِهِ هَاهُنَا، لَأَنَّا بَعْدَ أَنْ ذَكَرْنَا أَنَّا قَدْ كُنَّا جِئْنَا بِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا ظَنَنَّا أَنَّا لَمْ نَكُنْ جِئْنَا بِهِ، فَأَعَدْنَا إِسْنَادَهُ احْتِيَاطًا. فَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ زِيَادَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِيَّاهُ بَعْدَ الْبَيْعِ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمَا فِي ثَمَنِ الْبَعِيرِ الَّذِي كَانَ ابْتَاعَهُ مِنْهُ بِهِ، وَفِي

стр. 4631

ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ قَدْ لَحِقَتْ بِذَلِكَ الثَّمَنِ، فَصَارَتْ مِنْهُ، وَصَارَتْ كَمَنْ عُقِدَ الْبَيْعُ بِهِ مَعَ مَا سِوَاهُ مِمَّا عُقِدَ الْبَيْعُ بِهِ، وَكَانَ مُحَالًا أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَلَّكَ جَابِرًا مَا مَلَّكَهَ إِيَّاهُ بِمَعْنَى، وَلَا يَمْلِكُهُ بِذَلِكَ الْمَعْنَى، وَيَمْلِكُهُ بِغَيْرِهِ، كَمَا يَقُولُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الزِّيَادَةَ فِي الثَّمَنِ هِبَةٌ مِنَ الَّذِي يَزِيدُهَا لِلَّذِي يَزِيدُهَا إِيَّاهُ، وَمِمَّنْ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ مَالِكٌ وَزُفَرُ؛ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ إِنَّمَا تُمْلَكُ مِنْ حَيْثُ مُلِكَتْ لَا مِمَّا سِوَاهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي غَيْرِ الْبِيَاعَاتِ:

стр. 4632

٤٥٣٥ - مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " أَيُّمَا رَجُلٍ شَارَطَ امْرَأَةً فَعِشْرَتُهُمَا ثَلَاثُ لَيَالٍ، فَإِنْ أَحَبَّا أَنْ يَتَنَاقَضَا تَنَاقَضَا، وَإِنْ أَحَبَّا أَنْ يَزِيدَا فِي الْأَجَلِ زَادَا "، قَالَ سَلَمَةُ: لَا أَدْرِي أَكَانَتْ لَنَا خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً؟

стр. 4633

٤٥٣٦ - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَيُّمَا رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ تَمَتَّعَا فَعِشْرَتُهُمَا بَيْنَهُمَا ثَلَاثُ لَيَالٍ، فَإِنْ أَحَبَّا أَنْ يَزْدَادَا ازْدَادَا " وَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَتِ الْمُتْعَةُ طَلْقًا، وَكَانَتْ حَلَالًا أَنَّهَا إِذَا عُقِدَتْ عَلَى وَقْتٍ بِعَيْنِهِ، فَانْعَقَدَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَحَبَّ مُتَعَاقِدَاهَا أَنْ يَزِيدَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مُدَّةً أَحَبَّاهَا، وَذَكَرَا مِقْدَارَهَا أَنَّ تِلْكَ الزِّيَادَةَ لَاحِقَةٌ بِالْمُدَّةِ الْأُولَى، وَأَنَّ حُكْمَ الْمُدَّةِ الثَّانِيَةِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْمُدَّةِ الْأُولَى، فَمِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا الْبَيْعُ إِذَا وَقَعَ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ بِثَمَنٍ بِعَيْنِهِ، ثُمَّ أَرَادَ وَاحِدٌ مِنْ مُتَعَاقِدَيْهِ زِيَادَةَ صَاحِبِهِ فِيمَا مَلَّكَهُ إِيَّاهُ فِيهِ شَيْئًا، ⦗٤٢٩⦘ فَزَادَهُ إِيَّاهُ، وَقَبِلَهُ مِنْهُ أَنَّ تِلْكَ الزِّيَادَةَ لَاحِقَةٌ بِهِ، وَدَاخِلَةٌ فِي حُكْمِهِ، وَقَدْ رَوَيْنَا حَدِيثَ جَابِرٍ الَّذِي قَدْ رَوَيْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ فِي تَثْبِيتِ هَذَا الْمَعْنَى:

стр. 4634

٤٥٣٧ - وَقَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ، فِي مِثْلِهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرٍ: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى مِنْهُ بَعِيرًا بِأُوقِيَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَوَزَنَ لَهُ وَزَادَهُ قِيرَاطًا " وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ فِي الزِّيَادَاتِ فِي الْبِيَاعَاتِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا يُوَافِقُ هَذَا الْمَعْنَى، فَمِنْ ذَلِكَ:

стр. 4635

مَا قَدْ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ رِجَالٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: قَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَرَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ: " وَدِدْنَا لَوْ أَنَّ عُثْمَانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ تَبَايَعَا حَتَّى نَنْظُرَ أَيُّهُمَا أَعْظَمُ جَدًّا فِي التِّجَارَةِ، فَاشْتَرَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ عُثْمَانَ فَرَسًا بِأَرْضٍ لَهُ أُخْرَى بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، شَكَّ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي الْعَدَدِ، إِنْ أَدْرَكَتْهَا الصَّفْقَةُ وَهِيَ سَالِمَةٌ، ثُمَّ أَجَازَ قَلِيلًا، فَرَجَعَ، فَقَالَ: أَزِيدُكَ سِتَّةَ آلَافٍ إِنْ وَجَدَهَا رَسُولِي سَالِمَةً، قَالَ: نَعَمْ، فَوَجَدَهَا رَسُولُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَدْ مَاتَتْ، قَالَ: فَخَرَجَ مِنْهَا بِالشَّرْطِ الْآخَرِ، فَقَالَ رَجُلٌ لِلزُّهْرِيِّ: فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ؟ قَالَ: فَهِيَ ⦗٤٣٠⦘ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ " فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ مِمَّا قَالَهُ الزُّهْرِيُّ فِي آخِرِهِ أَنَّ الْبَيْعَ لَوْ مَضَى عَلَى الْعِقْدِ الْأَوَّلِ كَانَ مَوْتُ الْفَرَسِ مِنْ مَالِ مُبْتَاعِهَا، وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ زَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عُثْمَانَ فِي ثَمَنِهَا زِيَادَةً زَادَهُ بِهَا عُثْمَانُ شَرْطًا أَوْجَبَ لَهُ إِنْ مَاتَتْ قَبْلَ وُصُولِ رَسُولِهِ إِلَيْهَا مَاتَتْ مِنْ مَالِ عُثْمَانَ وَهُوَ بَائِعُهَا، فَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى إِلْحَاقِ الزِّيَادَاتِ فِي الْعُقُودِ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ عُثْمَانَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بِحَضْرَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِينَ كَانُوا يَتَمَنَّوْنَ أَنْ يَتَبَايَعَا؛ لِيَقِفُوا عَلَى أَيِّهِمَا أَعْظَمُ جَدًّا فِي التِّجَارَةِ، فَلَمْ يُنْكِرُوا مَا كَانَ مِنْهُمَا عَلَيْهِمَا، وَلَمْ يُخَالِفُوهُمَا فِي ذَلِكَ، فَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى مُتَابَعَتِهِمْ إِيَّاهُمَا عَلَيْهِ. وَمِنْ ذَلِكَ:

стр. 4636

مَا قَدْ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا الْأَجْلَحُ الْكِنْدِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ، قَالَ: " رَأَيْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ خَرَجَ مِنَ الْقَصْرِ فَاشْتَرَى قَتًّا بِدِرْهَمٍ، فَاسْتَزَادَ صَاحِبَ الْقَتِّ حَبْلًا، فَنَازَعَهُ حَتَّى أَخَذَ هَذَا قِطْعَةً مِنْهُ، وَهَذَا قِطْعَةً مِنْهُ، ثُمَّ احْتَمَلَهُ عَلَى عَاتِقِهِ حَتَّى دَخَلَ الْقَصْرَ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا كَانَ مِنْ عَمَّارٍ وَهُوَ أَمِيرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْكُنِ الْقَصْرَ الَّذِي كَانَ الْأُمَرَاءُ يَسْكُنُونَهُ إِلَّا وَهُوَ أَمِيرٌ، وَقَدْ حَقَّقَ ذَلِكَ:

стр. 4637

مَا قَدْ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ وَالْأَجْلَحِ، عَنِ ابْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ، قَالَ: " رَأَيْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ خَرَجَ وَهُوَ أَمِيرٌ فَاشْتَرَى قَتًّا، فَاسْتَزَادَهُ حَبْلًا، فَجَعَلَ هَذَا يَمُدُّ، وَهَذَا يَمُدُّ " فَقَالَ أَبُو سِنَانٍ " فَلَا أَدْرِي أَيُّهُمَا غَلَبَ " وَقَالَ الْأَجْلَحُ: " فَاقْتَسَمَاهُ نِصْفَيْنِ " فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ عَمَّارًا وَهُوَ أَمِيرٌ لَا تَصْلُحُ لَهُ الْهَدِيَّةُ، وَلَا يَصْلُحُ لَهُ قَبُولُ هِبَةٍ مِنْ أَحَدٍ اسْتَزَادَ بَائِعَهُ ذَلِكَ الْقَتَّ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ مِنْهُ إِلَّا لِأَنَّهُ يَلْحَقُ الْبَيْعَ، فَيَكُونُ مِنْهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ ثَمَنِهِ، كَهُوَ لَوْ وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَيْهِ مَعَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ سِوَاهُ، وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي أَخْبَرَنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي هَذَا الْبَابِ فِيمَا قِيلَ فِيهِ، وَهَذِهِ الزِّيَادَاتِ عِنْدَنَا إِنَّمَا تَلْحَقُ بِمَا زِيدَتْ فِيهِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الَّذِي زِيدَتْ فِيهِ فِي الْحَالِ الَّذِي اسْتُؤْنِفَ الْبَيْعُ عَلَيْهَا جَازَ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَهُ مَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَمَوْتِ الْمَبِيعِ، أَوْ كَعَتَاقِ مُبْتَاعِهِ إِيَّاهُ، أَوْ كَخُرُوجِهِ مِنْ مِلْكِهِ إِلَى مِلْكِ مَنْ سِوَاهُ، فَإِنَّ تِلْكَ الزِّيَادَاتِ إِنْ كَانَتْ، كَانَتْ بِخِلَافِ هَذَا الْمَعْنَى، وَلَمْ تَلْحَقْ بِذَلِكَ الْعِقْدِ الَّذِي قَدْ زِيدَتْ فِيهِ، وَهُوَ الْمُوَفِّقُ وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ.

стр. 4638

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الزِّيَادَةِ فِيمَا لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِيهِ، بَلْ تَرْجِعُ إِلَى زَائِدِهَا، أَوْ تَكُونُ هِبَةً مِنْهُ لِلَّذِي زَادَهَا إِيَّاهُ

стр. 4639

٤٥٣٨ - حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ أَبَانَ الْبَصْرِيُّ أَبُو شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَهْدِيٍّ الْأُبُلِّيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أَبَا جَهْمِ بْنَ حُذَيْفَةَ مُصَدِّقًا، فَلَاحَاهُ رَجُلٌ فِي صَدَقَتِهِ، فَأَخَذَهُ فَضَرَبَهُ فَشَجَّهُ أَبُو جَهْمٍ، فَأَتَوَا النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالُوا: الْقَوَدُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَكُمْ كَذَا وَكَذَا " فَلَمْ يَرْضَوْا، فَقَالَ: " لَكُمْ كَذَا وَكَذَا " فَرَضُوا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنِّي خَاطِبٌ الْعَشِيَّةَ عَلَى النَّاسِ وَمُخْبِرُهُمْ بِرِضَاكُمْ " فَقَالُوا: نَعَمْ، فَخَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: " إِنَّ هَؤُلَاءِ اللَّيْثِيِّينَ أَتَوْنِي يُرِيدُونَ الْقَوَدَ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِمْ كَذَا وَكَذَا فَرَضُوا " قَالَ: " أَرَضِيتُمْ؟ " قَالُوا: لَا، قَالَ: فَهَمَّ بِهِمُ الْمُهَاجِرُونُ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﵇ أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُمْ، ثُمَّ دَعَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَزَادَهُمْ، فَقَالَ: " أَرَضِيتُمْ؟ " قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: " فَإِنِّي خَاطِبٌ عَلَى النَّاسِ وَمُخْبِرُهُمْ بِرِضَاكُمْ " قَالُوا: نَعَمْ، فَخَطَبَ ⦗٤٣٣⦘ النَّاسَ، فَقَالَ: " أَرَضِيتُمْ؟ " قَالُوا: نَعَمْ فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعْنًى لَطِيفٌ مِنَ الْفِقْهِ يَجِبُ أَنْ يُوقَفَ عَلَيْهِ، وَيُوقَفَ بِهِ عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي هَذَا الْمَعْنَى بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ فِي الْمَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْمَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ زِيَادَةٌ فِي بَيْعٍ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَتَنَاقَضَهُ مُتَعَاقِدَاهُ، ثُمَّ يَتَعَاقَدَانِهِ مِنْ ذِي قَبْلِ، وَتَزْوِيجٌ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَتَنَاقَضَاهُ، أَوْ يَتَعَاقَدَانِهِ مِنْ ذِي قَبْلٍ بِمَا يَتَعَاقَدَانِهِ، فَجَازَتْ فِي ذَلِكَ الزِّيَادَةُ، وَكَانَ الصُّلْحُ عَنْ أَبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ مِمَّا لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَنَاقَضَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالَّذِينَ صَالَحَهُمْ بِهِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ رَجُلًا لَوْ شَجَّ رَجُلًا شَجَّةً، أَوْ جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً، فَصَالَحَهُ مِنْهَا عَلَى شَيْءٍ أَوْ صُولِحَ عَنْهُ مِنْهَا عَلَى شَيْءٍ، ثُمَّ أَرَادَ مُتَعَاقِدَا ذَلِكَ الصُّلْحِ أَنْ يَتَنَاقَضَاهُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُمَا لَا يَقْدِرَانِ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُمَا إِنْ نَقَضَاهُ، لَمْ يَنْتَقِضْ، وَمَا هَذِهِ ⦗٤٣٤⦘ سَبِيلُهُ، فَالزِّيَادَةُ فِيهِ غَيْرُ لَاحِقَةٍ بِأَصْلِهِ وَمُخْتَلَفٌ فِيهَا، فَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ تَقُولُ: إِنَّهَا بَاطِلَةٌ، وَإِنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى الَّذِي زَادَهَا، وَمِمَّنْ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ تَقُولُ: إِنَّهَا هِبَةٌ مِنَ الَّذِي زَادَهَا لِلَّذِي زَادَهَا إِيَّاهُ، فَإِنْ سَلَّمَهَا إِلَيْهِ جَازَتْ لَهُ، وَإِنْ مَنَعَهُ مِنْهَا لَمْ يُجْبَرْ عَلَى تَسْلِيمِهَا إِلَيْهِ، وَهَذَا مَعْنًى قَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قَاسِمٍ مَا يَدُلُّ فِي جَوَابَاتِهِ اشْتِهَارُهُ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ فِيهِ، وَقَدْ مَالَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي بَعْضِ مَسَائِلِهِ الَّتِي تَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَدْفَعْ إِلَى أُولَئِكَ الْقَوْمِ مَا لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَخْذُهُ، وَأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ إِلَى أَحَدٍ إِلَّا مَا يَكُونُ طَيِّبًا لَهُ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرِيعَتِهِ فِي مِثْلِ هَذَا تَحْرِيمُ أَكْلِ الرِّبَا، وَتَحْرِيمُ إِطْعَامِهِ، وَفِي إِبَاحَتِهِ إِيَّاهُمْ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى طِيبِهِ لَهُمْ، وَأَنَّ ذَلِكَ قَدْ صَارَ إِلَيْهِمْ هِبَةً مِنْهُ لَهُمْ، كَمَا قَالَ ذَلِكَ مَنْ قَالَهُ مِمَّنْ ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ الْحُجَّةُ عَلَى النَّاسِ جَمِيعًا، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.

стр. 4640

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ إِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ فِي حُدُودِهِمْ مِنَ الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ فِيهَا، وَمِنَ الْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ فِيهَا، وَهَلْ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ [المائدة: ٤٩] أَمْ لَا؟

стр. 4641

٤٥٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ السَّقَطِيُّ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا مُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: زَنَى رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ فَدَكٍ، فَكَتَبَ أَهْلُ فَدَكٍ إِلَى نَاسٍ مِنَ الْيَهُودِ بِالْمَدِينَةِ أَنْ سَلُوا مُحَمَّدًا عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ أَمَرَكُمْ بِالْجَلْدِ فَخُذُوهُ، وَإِنْ أَمَرَكُمْ بِالرَّجْمِ فَلَا تَأْخُذُوهُ عَنْهُ، فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: " أَرْسِلُوا إِلَيَّ أَعْلَمَ رَجُلَيْنِ فِيكُمْ " فَجَاءُوهُ بِرَجُلٍ أَعْوَرَ، يُقَالُ لَهُ: ابْنُ صُورِيَّا وَآخَرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَنْتُمَا أَعْلَمُ مَنْ قِبَلَكُمَا؟ " فَقَالَا: قَدْ نَحَلَنَا قَوْمُنَا بِذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُمَا: " أَلَيْسَ عِنْدَكُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ؟ " فَقَالَا: بَلَى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " فَنَشَدْتُكُمَا بِالَّذِي فَلَقَ الْبَحْرَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، وَأَنْزَلَ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى، وَظَلَّلَ عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ، وَأَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، ⦗٤٣٦⦘ مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ مِنْ شَأْنِ الرَّجْمِ؟ " فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: مَا نُشِدْتُ بِمِثْلِهِ قَطُّ، ثُمَّ قَالَا: نَجِدُ أَنَّ النَّظَرَ زَنْيَةٌ، وَالِاعْتِنَاقَ زَنْيَةٌ، وَالْقُبْلَةَ زَنْيَةٌ، فَإِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ يُبْدِي وَيُعِيدُ كَمَا يَدْخُلُ الْمِيلُ فِي الْمُكْحُلَةِ فَقَدْ وَجَبَ الرَّجْمُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " هُوَ ذَاكَ " فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، وَنَزَلَتْ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ، وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا، وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ الْآيَةَ فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ فِي الْآيَةِ الْمَتْلُوَّةِ فِيهِ لِنَبِيِّهِ الْخِيَارَ فِي أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ الْيَهُودِ إِذَا جَاءُوهُ، وَفِي أَنْ يُعْرِضَ عَنْهُمْ، فَلَا ⦗٤٣٧⦘ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ قَوْمٌ: هَذِهِ آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، وَكَانَ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رَجْمِ النَّبِيِّ ذَلِكَ الْيَهُودِيَّ بِاخْتِيَارِهِ أَنْ يَرْجُمَهُ، وَقَدْ كَانَ لَهُ أَنْ لَا يَرْجُمَهُ لِقَوْلِ اللهِ: ﴿أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] ، أَيْ: فَلَا تَحْكُمْ بَيْنَهُمْ، وَقَدْ خَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَذَكَرُوا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] ، وَرَوَوْا مَا قَالُوا فِي ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ:

стр. 4642

٤٥٤٠ - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَارِثِ الْوَاسِطِيُّ الْبَاغَنْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " آيَتَانِ نُسِخَتَا مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ، يَعْنِي سُورَةَ الْمَائِدَةِ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُخَيَّرًا إِنْ شَاءَ حَكَمَ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ أَعْرَضَ عَنْهُمْ، فَرَدَّهُمْ إِلَى أَحْكَامِهِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] ، قَالَ: فَأُمِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ عَلَى ⦗٤٣٨⦘ كِتَابِنَا " ⦗٤٣٩⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكَانَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا قَدْ حَقَّقَ نَسْخَ هَذِهِ الْآيَةِ بِالْآيَةِ الْمَتْلُوَّةِ فِي حَدِيثِهِ، وَكَانَ حُكْمُ مَنْ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ عَلَى مِثْلِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا، وَكَانَ الْأَوْلَى بِالْأَحْكَامِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا وَاللهُ أَعْلَمُ هُوَ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ لَوْ لَمْ تَكُنِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةً، لَا الْإِعْرَاضُ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا حَكَمُوا بَيْنَهُمْ، شَهِدَ لَهُمُ الْفَرِيقَانِ اللَّذَانِ ذَكَرْنَا بِالنَّجَاةِ وَتَرْكِ مَفْرُوضٍ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُمْ حَكَمُوا: وَعَلَيْهِمْ أَنْ يَحْكُمُوا بِهِ، يَقُولُ: قَدْ أَدُّوا الْمُفْتَرَضَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، وَيَقُولُ الْآخَرُونَ: قَدْ حَكَمُوا بِمَا لَهُمْ أَنْ يَحْكُمُوا بِهِ، وَخَرَجَ الْحُكَّامُ بِذَلِكَ عِنْدَهُمْ مِنْ تَرْكِ مُفْتَرَضٍ إِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ فِيهِ، وَإِذَا أَعْرَضُوا عَنْهُمْ، وَتَرَكُوا الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ، فَأَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ يَقُولُ: قَدْ تَرَكُوا مُفْتَرَضًا عَلَيْهِمْ، وَالْفَرِيقُ الْآخَرُ يَقُولُ: قَدْ تَرَكُوا مَا لَهُمْ تَرْكُهُ، وَكَانَ مَا يُوجِبُ النَّجَاةَ لَهُمْ عِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا أَوْلَى بِهِمْ مِمَّا يُوجِبُ لَهُمُ النَّجَاةَ عِنْدَ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ، وَلَا يُوجِبُهُ لَهُمْ عِنْدَ الْفَرِيقِ الْآخَرِ، هَذَا لَوْ لَمْ تَكُنِ الْآيَةُ ⦗٤٤٠⦘ مَنْسُوخَةً، فَإِذًا وَجَبَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي ذَكَرْنَا مَعَ اتِّصَالِ إِسْنَادِهِ، وَحُسْنِ سِيَاقَتِهِ أَنْ تَكُونَ مَنْسُوخَةً بِالْآيَةِ الَّتِي تَلَوْنَا بَعْدَهَا، كَانَ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ أَوْلَى، وَكَانَ التَّمَسُّكُ بِهَا أَحْرَى، وَوَجَدْنَا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ [المائدة: ٤٩] يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ إِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْكَ، وَأَنْ يَكُونَ عَلَى مَعْنَى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ بِوُقُوفِكَ عَلَى مَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِمَّا يُوجِبُ ذَلِكَ الْحُكْمَ عَلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْكَ. فَنَظَرْنَا: هَلْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ؟

стр. 4643

٤٥٤١ - فَوَجَدْنَا فَهْدًا قَدْ حَدَّثَنَا، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ النَّخَعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنِ الْبَرَاءِ، ﵁، قَالَ: مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِيَهُودِيٍّ قَدْ حُمِّمَ وَجْهُهُ، وَقَدْ ضُرِبَ يُطَافُ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " مَا شَأْنُ هَذَا؟ " فَقَالُوا: زَنَى، فَقَالَ: " مَا تَجِدُونَ حَدَّ الزِّنَى فِي كِتَابِكُمْ؟ " قَالُوا: يُحَمَّمُ وَجْهُهُ، وَيُعَزَّرُ وَيُطَافُ بِهِ، فَقَالَ: " أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ، مَا تَجِدُونَ حَدَّهُ فِي كِتَابِكُمْ؟ " فَأَشَارُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ الرَّجُلُ: نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا، فَكَرِهْنَا أَنْ نُقِيمَ الْحَدَّ عَلَى سِفْلَتِنَا وَنَتْرُكَ أَشْرَافَنَا، فَاصْطَلَحْنَا عَلَى شَيْءٍ، فَوَضَعْنَا هَذَا، فَرَجَمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَقَالَ: " أَنَا أَوْلَى مَنْ أَحْيَا مَا أَمَاتُوا مِنْ أَمْرِ اللهِ تَعَالَى " ⦗٤٤١⦘ وَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجَمَ ذَلِكَ الْيَهُودِيَّ بِلَا تَحَاكُمٍ مِنَ الْيَهُودِ إِلَيْهِ فِيهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ أَوْلَى الِاحْتِمَالَيْنِ بِالْآيَةِ الَّتِي تَلَوْنَاهَا الْمُوَافِقُ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْهُمَا، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] ، أَيْ: وَأَنِ احْكُمْ عَلَيْهِمْ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْكَ فِي الْكِتَابِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكَ بَعْدَ عِلْمِكَ بِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِ تَحَاكَمُوا فِي ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فِيهِ أَوْ لَمْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْكَ فِيهِ، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ.

стр. 4644

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي حُدُودِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي الزِّنَى وَهَلْ هِيَ الرَّجْمُ؟ وَهَلْ هُوَ بَاقٍ فِيهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَوْ قَدْ نُسِخَ ذَلِكَ وَأُعِيدَ إِلَى غَيْرِهِ؟ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ رَوَيْتَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجْمَهُ لِلْيَهُودِيِّ الَّذِي رَجَمَهُ لِلزِّنَى الَّذِي كَانَ مِنْهُ فِي حَدِيثَيْ جَابِرٍ وَالْبَرَاءِ اللَّذَيْنِ رَوَيْتَهُمَا فِيهِ، فَلِمَ تَرَكَهُمَا مَنْ تَرَكَهُمَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؟ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَزُفَرُ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَقَالُوا: لَا يُرْجَمُ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي الزِّنَى، وَقَدْ وَقَفُوا عَلَى هَذَيْنِ الْأَثَرَيْنِ وَمَا سِوَاهُمَا مِمَّا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي ذَلِكَ، وَذَكَرُوا:

стр. 4645

٤٥٤٢ - مَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، أَخْبَرَهُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ مِنْ شَأْنِ الرَّجْمِ؟ " فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ، كَذَبْتُمْ، إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ، فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، ⦗٤٤٣⦘ فَوَضَعَ يَدَهُ أَحَدُهُمْ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ، فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، قَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَرُجِمَا، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَكَانَ جَوَابَنَا لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الَّذِيَ لَهُ تَرَكُوا رَجْمَ الزُّنَاةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْدَ وُقُوفِهِمْ عَلَى هَذِهِ الْآثَارِ، وَمَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهَا أَنَّ الْحُكْمَ كَانَ عِنْدَهُمْ فِي الْيَهُودِ، يَعْنِي فِي حَدِّ الزِّنَى ⦗٤٤٤⦘ فِي التَّوْرَاةِ، الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ رَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ رَجَمَهُ مِنَ الْيَهُودِ الْمَذْكُورِينَ فِيهَا إِنَّمَا هُوَ بِالزِّنَى خَاصَّةً كَانَ مَعَهُ إِحْصَانٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِحْصَانٌ، وَكَانَ الدَّلِيلُ عِنْدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ سُؤَالَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْيَهُودَ: " مَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ "، فَأَجَابُوا بِمَا أَجَابُوهُ بِهِ مِمَّا ذُكِرَ، يَعْنِي فِي الْآثَارِ الَّتِي قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ فِي سُؤَالِهِ ﷺ إِيَّاهُمْ ذِكْرُ زَانٍ مُحْصَنٍ، وَلَا ذِكْرُ زَانٍ غَيْرُ مُحْصَنٍ، وَكَذَلِكَ كَانَ فِي جَوَابِهِمْ إِيَّاهُ عَنْ ذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ زَنًى مِنْ مُحْصَنٍ، وَلَا زَنًى مِنْ غَيْرِ مُحْصَنٍ، فَاسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعُقُوبَةَ كَانَتْ فِي الزِّنَى فِي التَّوْرَاةِ كَذَلِكَ، ثُمَّ كَانَتِ الْعُقُوبَةُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الزُّنَاةِ فِي الْإِسْلَامِ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ، فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] ، فَكَانَ ذَلِكَ حَدَّ الزَّانِيَاتِ، ثُمَّ قَالَ : ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا، فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: ١٦] ، فَكَانَ ذَلِكَ حَدَّ الرِّجَالِ فِي ذَلِكَ بِلَا جَلْدٍ وَلَا رَجْمٍ، ثُمَّ نَسَخَ اللهُ ذَلِكَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ بِالسَّبِيلِ الَّذِي قَدْ كَانَ تَقَدَّمَ فِي ذِكْرِهَا بِقَوْلِهِ فِي كِتَابِهِ: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] ، فَقَالَ ﷺ مَا ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ.

стр. 4646

٤٥٤٣ - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ، حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: " خُذُوا عَنِّي، فَقَدْ جَعَلَ ⦗٤٤٥⦘ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ يُجْلَدُ وَيُنْفَى، وَالثَّيِّبُ يُجْلَدُ وَيُرْجَمُ "

стр. 4647

٤٥٤٤ - وَكَمَا حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: وَأَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ زَاذَانَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حِطَّانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " خُذُوا عَنِّي، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَرَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ " فَبَيَّنَ بِذَلِكَ السَّبِيلَ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ فِي ذَلِكَ مَا هِيَ، وَأَعْلَمَ بِحُدُودِ كُلِّ صِنْفٍ مِنَ الْأَبْكَارِ وَمِنَ الثَّيِّبِ. ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَعْدَ عِلْمِهِ بِرَجْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَنْ كَانَ يَرْجُمُهُ فِي الزِّنَى مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ

стр. 4648

مَا قَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: " مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ " فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ غَيْرُ مُحْصَنِينَ، وَإِذَا كَانُوا كَذَلِكَ لَمْ ⦗٤٤٧⦘ يَكُونُوا فِي الزِّنَى مَرْجُومِينَ، وَهُوَ ﵁ الْمَأْمُونُ عَلَى مَا قَالَ، وَلَمَّا خَرَجَ أَهْلُ الْكِتَابِ مِنَ الْإِحْصَانِ الَّذِي يُوجِبُ الرَّجْمَ بَعْدَ إِطْلَاقِ اللهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَأَنْ لَا يَتَّبِعَ أَهْوَاءَهُمْ وَكَانَ النَّاسُ جَمِيعًا فِي الْبَدْءِ غَيْرَ مُحْصَنِينَ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمُ الْأَسْبَابُ الَّتِي تُوجِبُ لَهُمُ الْإِحْصَانَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ عُقُوبَاتُ الزِّنَى إِذَا كَانَ مِنْهُمْ، وَهُوَ الْجَلْدُ الَّذِي هُوَ حَدُّهُمْ قَبْلَ أَنْ يَكُونُوا مُحْصَنِينَ، كَانُوا عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا غَيْرَ خَارِجِينَ عَنْهُ حَتَّى تَقُومَ الْحُجَّةُ بِخُرُوجِهِمْ عَنْهُ إِلَى مَا يَنْقِلُ عُقَوبَاتِهِمْ فِي زِنَاهُمْ مِنَ الْجَلْدِ إِلَى الرَّجْمِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الرَّجُلَ الْمُسْلِمَ يَكُونُ مُحْصَنًا بِزَوْجَتِهِ الْمُسْلِمَةِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَا حُرَّيْنِ بِالِغَيْنِ قَدْ جَامَعَهَا وَهُمَا بَالِغَانِ، فَوَجَبَ بِذَلِكَ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى نَقْلِ حُكْمِ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ سَبِيلَهُ مِنَ الْجَلْدِ إِلَى الرَّجْمِ إِذَا كَانَ مِنْهُ الزِّنَى، وَتَرْكُهُ مَنْ سِوَاهُ عَلَى حَدِّهِ الْأَوَّلِ الَّذِي قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ كَانَ حَدَّهُ فِي الزِّنَى حَتَّى يُجْمِعُوا كَذَلِكَ عَلَى نَقْلِهِ مِنْ ذَلِكَ الْحَدِّ إِلَى الرَّجْمِ الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَا، وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ فِي أُمُورِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى مَا قَالَهُ مَنْ قَالَهُ مِنَ انْتِفَاءِ الرَّجْمِ مِنْهُ. وَقَدْ دَخَلَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ فِي هَذَا الْمَعْنَى، فَذَكَرَ عَنْهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي مُخْتَصَرِهِ الصَّغِيرِ الَّذِي أَلَّفَهُ عَلَى قَوْلِهِ، وَكَتَبْنَاهُ عَمَّنْ حَدَّثَنَاهُ عَنْهُ، قَالَ: وَإِذَا أَسْلَمَ النَّصْرَانِيُّ ثُمَّ زَنَى، وَقَدْ تَزَوَّجَ فِي النَّصْرَانِيَّةِ، فَلَا يَكُونُ مُحْصَنًا حَتَّى يَطَأَ زَوْجَتَهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ يُعْتَقُ وَلَهُ زَوْجَةٌ، فَيَزْنِي، فَلَا يَكُونُ مُحْصَنًا حَتَّى يَطَأَهَا بَعْدَ الْعِتْقِ، ثُمَّ يَزْنِيَ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَكُونَ مُحْصَنًا، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ تُعْتَقُ وَلَهَا زَوْجٌ، فَلَا تَكُونُ مُحْصَنَةً حَتَّى تَزْنِيَ بَعْدَمَا يُصِيبُهَا زَوْجُهَا بَعْدَ الْعِتْقِ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ كَانَ فِي الْإِحْصَانِ أَنَّ مَا كَانَ مِنَ النَّصْرَانِيِّ فِي نَصْرَانِيَّتِهِ ⦗٤٤٨⦘ مِنَ التَّزْوِيجِ وَالْجِمَاعِ لَا يُحَصِّنُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يُحَصِّنُهُ فِي حَالِ نَصْرَانِيَّتِهِ، لَكَانَ الْإِسْلَامُ إِذَا طَرَأَ عَلَيْهِ وَكَّدَهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ، دَلَّ أَنَّ مِنْ أَسْبَابِ الْإِحْصَانِ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الرَّجْمُ فِي الزِّنَى الْإِسْلَامُ، وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى لُزُومِهِ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ قَالَهُ مُخَالِفُهُ فِيهِ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.

стр. 4649

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي رَجْمِهِ مَنْ رَجَمَهُ مِنَ الْيَهُودِ هَلْ كَانَ ذَلِكَ بِشَهَادَةِ مَنْ سِوَاهُمْ مِنَ الْيَهُودِ عَلَيْهِمْ وَمَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَمِنْ رَدِّهَا. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ رَوَيْتُمْ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الْيَهُودَ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْهُمْ زَنَيَا، وَكَانَ مَجِيئُهُمْ بِهِمَا يَدُلُّ أَنَّهُمَا أَتَيَاهُ بِاخْتِيَارِهِمَا، وَيَدُلُّ تَرْكُ رَسُولِ اللهِ ﷺ سُؤَالَهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ سِوَاهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِيَشْهَدُوا عَلَى مَا رَمُوهُمَا بِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَفِي تَرْكِهِ لِذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى قَبُولِهِ شَهَادَةَ مَنْ جَاءَ بِهِمْ إِلَيْهِ مِنَ الْيَهُودِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ لِمَا مَرَّ عَلَيْهِ ﷺ بِالْيَهُودِيِّ الْمُحَمَّمِ رَأْسُهُ، فَأَعْلَمُوهُ بِالزِّنَا الَّذِي كَانَ مِنْهُ حَتَّى فَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ مِنْ أَجْلِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ إِقْرَارٌ مِنْ ذَلِكَ الْيَهُودِيِّ بِمَا ذَكَرُوهُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا تَصْدِيقٌ لَهُ إِيَّاهُمْ

стр. 4650

عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَ مِنْهُمْ إِعْلَامُهُمُ النَّبِيَّ ﷺ مَا كَانَ مِنْهُ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: " أَنَا أَوْلَى مَنْ أَحْيَا مَا أَمَاتُوا مِنْ أَمْرِ اللهِ "، فَرَجَمَهُ، فَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى قَبُولِ شَهَادَاتِهِمْ كَانَتْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. فَكَانَ جَوَابَنَا لَهُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ كَمَا ذَكَرُوا فِيهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ هَذَا الْمَعْنَى بِأَكْشَفَ مِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ

стр. 4651

٤٥٤٥ - كَمَا حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الْجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ، أَخْبَرَنَا مُجَالِدٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّةٍ قَدْ زَنَيَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْيَهُودِ: " مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُقِيمُوا عَلَيْهِمَا الْحَدَّ؟ " فَقَالُوا: قَدْ كُنَّا نَفْعَلُ إِذْ كَانَ الْمُلْكُ لَنَا وَفِينَا، فَأَمَّا إِذْ ذَهَبَ مُلْكُنَا فَلَا نَجْتَرِئُ عَلَى الْقَتْلِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " ائْتُونِي بِأَعْلَمِ رَجُلَيْنِ مِنْكُمْ " فَأَتَوْهُ بِابْنَيْ صُورِيَّا، فَقَالَ لَهُمَا: " أَنْتُمَا أَعْلَمُ مَنْ وَرَاءَكُمَا؟ " قَالَا: كَذَلِكَ يَقُولُونَ، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَنْشُدُكُمَا بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، كَيْفَ تَجِدُونَ حَدَّهُمَا فِي التَّوْرَاةِ؟ " فَقَالَا: نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ: الرَّجُلُ يُقَبِّلُ الْمَرْأَةَ زَنْيَةٌ وَفِيهِ عُقُوبَةٌ، وَالرَّجُلُ يُوجَدُ عَلَى بَطْنِ الْمَرْأَةِ زَنْيَةٌ وَفِيهِ عُقُوبَةٌ، فَإِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ يُدْخِلُهُ فِي فَرْجِهَا كَمَا يَدْخُلُ الْمِيلُ فِي الْمُكْحُلَةِ رُجِمَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " ائْتُونِي بِشُهُودٍ " فَشَهِدَ أَرْبَعَةٌ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَرَجَمَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ⦗٤٥١⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكَذَلِكَ وَجَدْنَا الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ فِي الْفِقْهِ فِي قَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَإِنْ كَانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ مَعَ اخْتِلَافِ مِلَلِهِمْ، فَأَمَّا فِي اتِّفَاقِهَا فَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِكَ، مِنْهُمْ شُرَيْحٌ وَهُوَ قَاضِي الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ: عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ﵃.

стр. 4652

كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ شَيْخٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، عَنْ شُرَيْحٍ: " أَنَّهُ كَانَ يُجِيزُ شَهَادَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ " ⦗٤٥٢⦘ وَمِنْهُمْ: عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَعَ عِلْمِهِ وَأَمَانَتِهِ وَمَوْضِعِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ.

стр. 4653

كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ " أَجَازَ شَهَادَةَ مَجُوسِيٍّ عَلَى نَصْرَانِيٍّ، وَنْصَرَانِيٍّ عَلَى مَجُوسِيٍّ " وَمِنْهُمُ: الشَّعْبِيُّ.

стр. 4654

كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الْحُصَيْنِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: " أَنَّهُ كَانَ يُجِيزُ شَهَادَةَ النَّصْرَانِيِّ ⦗٤٥٣⦘ عَلَى الْيَهُودِيِّ، وَالْيَهُودِيِّ عَلَى النَّصْرَانِيِّ "

стр. 4655

وَكَمَا حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: " أَنَّهُ كَانَ يُجِيزُ شَهَادَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ " وَمِنْهُمُ: ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ.

стр. 4656

كَمَا حَدَّثَنَا يُونُسُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: " تَجُوزُ شَهَادَةُ النَّصْرَانِيِّ وَالْيَهُودِيِّ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْيَهُودِيِّ عَلَى النَّصْرَانِيِّ، وَلَا النَّصْرَانِيِّ عَلَى الْيَهُودِيِّ "

стр. 4657

وَكَمَا حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُنْقِذٍ، حَدَّثَنِي إِدْرِيسُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: كَانَ يَقُولُ: " شَهَادَةُ النَّصْرَانِيِّ عَلَى النَّصْرَانِيِّ، وَكَانَ يَرَى شَهَادَةَ الْيَهُودِيِّ عَلَى النَّصْرَانِيِّ، أَوِ النَّصْرَانِيِّ عَلَى الْيَهُودِيِّ لَا تَجُوزُ " وَمِنْهُمْ: يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ. كَمَا حَدَّثَنَا يُونُسُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ أَنَّهُ سَمِعَ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِهِ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ ⦗٤٥٥⦘ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ سَوَاءً. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ تَمَسَّكَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهُمُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ. كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ اللَّيْثَ يَقُولُ ذَلِكَ، يَعْنِي مِثْلَ الَّذِي ذَكَرَهُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ وَفُقَهَاؤُهُمْ. وَقَدْ سَمِعْتُ يُونُسَ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ وَهْبٍ يَقُولُ: خَالَفَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ مُعَلِّمِيهِ فِي رَدِّ شَهَادَةِ النَّصَارَى بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، كَانَ ابْنُ شِهَابٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةُ يُجِيزُونَهَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ أَبِي عِمْرَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ يَقُولُ وَذَكَرَ هَذَا الْبَابَ، فَقَالَ: جَمَعْتُ فِيهِ قَوْلَ مِائَةِ فَقِيهٍ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي قَبُولِ شَهَادَاتِ أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَمَا وَجَدْتُ فِيهِ اخْتِلَافًا مِنْ أَمْثَالِهِمْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ إِلَّا عَنْ رَبِيعَةَ، فَإِنِّي وَجَدْتُ عَنْهُ قَبُولَهَا، وَوَجَدْتُ عَنْهُ رَدَّهَا. وَقَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ يَجُوزُ قَبُولُ شَهَادَتِهِمْ مَعَ الْكُفْرِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ بِاللهِ ؟ قَالَ: وَإِذَا كَانَ فُسَّاقُنَا بِمَا هُوَ دُونَ الْكُفْرِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ، كَانَ الْكُفَّارُ مِنْ غَيْرِنَا أَحْرَى أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُمْ. فَكَانَ جَوَابَنَا لَهُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْكُفْرَ الَّذِي أَهْلُ الْكِتَابِ عَلَيْهِ، لَمْ ⦗٤٥٦⦘ يُخْرِجْهُمْ مِنْ حَالِ وِلَايَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فِي تَزْوِيجِ بَنَاتِهِمْ، وَفِي الْوَلَايَةِ عَلَى صِغَارِهِمْ مِمَّنْ هُمْ آبَاؤُهُمْ فِي الْبَيْعِ لَهُمْ، وَفِي الِابْتِيَاعِ لَهُمْ، وَكَانَ مِثْلُ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ مِنْ فُسَّاقِنَا فِي أَمْثَالِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ أَبْنَائِهِمْ، وَكَانَ مَنْ كَانَ مِنْ فُسَّاقِنَا وَاجِبٌ عَلَيْنَا مُنَابَذَتُهُ، وَتَرْكُ إِقْرَارِهِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ فِسْقِهِ حَتَّى نُزِيلَهُ عَنْهُ إِلَى الْوَاجِبِ عَلَيْهِ بِالشَّرِيعَةِ الَّتِي هُوَ مِنْ أَهْلِهَا، وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ بِخِلَافِ ذَلِكَ، إِذْ كَانُوا مُخَلِّينَ عَلَى حُكْمِ شَرِيعَتِهِمْ غَيْرَ مَأْخُوذِينَ بِتَرْكِ ذَلِكَ، وَلَا بِالزَّوَالِ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَإِذَا كَانُوا فِيمَا ذَكَرْنَا كَذَلِكَ، كَانُوا بِخِلَافِ الْفُسَّاقِ مِنَّا، وَكَانُوا فِي سَائِرِ مَا فِي شَرِيعَتِهِمْ كَنَحْنُ فِي مَا تُوجِبُهُ شَرِيعَتُنَا، وَمِمَّنْ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ: أَبُو حَنِيفَةَ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالثَّوْرِيُّ، وَسَائِرُ الْكُوفِيِّينَ سِوَاهُمْ، إِلَّا مَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِنْ مِلَلِهِمْ إِذَا اخْتَلَفَتْ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ لَا يُرَاعِي ذَلِكَ، وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، وَكَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يُخَالِفُونَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَقْبَلُونَ شَهَادَةَ أَهْلِ مِلَّةٍ مِنْهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.

стр. 4658

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِ اللهِ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦] الْآيَةَ، وَفِي حُكْمِهَا، هَلْ هُوَ بَاقٍ أَوْ لَحِقَهُ نَسْخٌ؟

стр. 4659

٤٥٤٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ اللهِ التِّرْمِذِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " كَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ، وَعَدِيُّ بْنُ بَدَّاءٍ يَخْتَلِفَانِ إِلَى مَكَّةَ لِلتِّجَارَةِ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ، فَتُوُفِّيَ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ، فَأَوْصَى إِلَيْهِمَا بِتَرِكَتِهِ، فَدَفَعَا بِتَرِكَتِهِ إِلَى أَهْلِهِ، وَحَبَسَا جَامًا مِنْ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا مِنْ ذَهَبٍ، فَاسْتَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِاللهِ: مَا كَتَمْنَا وَلَا أَطْلَعْنَا، ثُمَّ عُرِفَ الْجَامُ بِمَكَّةَ عِنْدَ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَقَالُوا: اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ عَدِيٍّ وَتَمِيمٍ، فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ السَّهْمِيِّ، فَحَلَفَا بِاللهِ: إِنَّ هَذَا لَجَامُ السَّهْمِيِّ، وَلَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وَمَا اعْتَدَيْنَا، إِنَّا إِذًا لِمَنَ الظَّالِمِينَ، فَأُخِذَ الْجَامُ، وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ " ⦗٤٥٩⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ هَذَا كُوفِيٌّ ثِقَةٌ يُعْرَفُ بِالشَّنِّيِّ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ غَيْرُ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، مِنْهُمْ: أَبُو أُسَامَةَ ٤٥٤٧ - وَحَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَكَمِ الْحَبَرِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْعُرَنِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْمُهَلَّبِ أَبُو كُدَيْنَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مِثْلَهُ ⦗٤٦٠⦘ فَقَالَ قَائِلٌ: فَهَذِهِ آيَةٌ قَدْ أَنْزَلَهَا اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حُكْمِهِ بِمَا أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ فِيهَا مَا قَدْ رَوَيْتُهُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ الَّذِي رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَمَسُّكِهِ بِهَا، وَأَنَّهَا عِنْدَهُ مِمَّا الْحُكْمُ بِمَا فِيهَا قَائِمٌ لَمْ يَلْحَقْهُ نَسْخٌ.

стр. 4660

وَذَكَرَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْهَرَوِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] ، قَالَ: " مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْكُفَّارِ، إِذَا لَمْ تَجِدُوا الْمُسْلِمِينَ "
следующие страницы →