← Книги сунны

Книги сунны · id 22547

شرح مشكل الآثار

الطحاوي

Полный текст (6 453 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.

стр. 5741

٥٥٣٠ - حَدَّثَنَا يُونُسُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ الْقِتْبَانِيِّ، عَنْ عِيسَى بْنِ هِلَالٍ الصَّدَفِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ: " وَأُمِرْتُ بِيَوْمِ الْأَضْحَى عِيدًا , جَعَلَهُ اللهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ " قَالَ الرَّجُلُ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَجِدْ إِلَّا مِنْحَةَ ابْنِي، أَفَأُضَحِّي بِهَا؟ قَالَ: " لَا، وَلَكِنْ تَأْخُذُ مِنْ شَعْرِكَ , وَتُقَلِّمُ مِنْ أَظْفَارِكَ، وَتَأْخُذُ مِنْ شَارِبِكَ، وَتَحْلِقُ عَانَتَكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ تَمَامُ أُضْحِيَّتِكَ عِنْدَ اللهِ " ⦗١٤٥⦘ ٥٥٣١ - وَحَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ الْكَيْسَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ الْبَكْرِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي عَيَّاشُ بْنُ عَبَّاسٍ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ. فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَضَّ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ فِيهِ عَلَى يَوْمِ الْأَضْحَى، وَأَمَرَهُ أَنْ يَفْعَلَ فِيهِ فِي شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ مَا أَمَرَهُ أَنْ يَفْعَلَ فِيهِ مَا فِيهِ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّهُ قَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ غَيْرَ مُطْلَقٍ لَهُ ذَلِكَ الْفِعْلُ، فَكَانَ الَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ شَدًّا لِمَا فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَتَقْوِيَةً لَهُ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ

стр. 5742

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ إِنْفَاقِ الزَّائِفِ مِنَ الدَّرَاهِمِ

стр. 5743

٥٥٣٢ - حَدَّثَنَا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الْأَجْلَحِ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ بَيْنَهُمَا أَحَدًا قَالَ: جَلَسَ حُذَيْفَةُ، وَأَبُو مَسْعُودٍ يَتَذَاكَرَانِ، وَيَتَحَدَّثَانِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " حُوسِبَ رَجُلٌ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الْخَيْرِ، فَنُظِرَ فِي حِسَابِهِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا عَمِلْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنِّي كُنْتُ أُدَايِنُ النَّاسَ، فَكُنْتُ آمُرُ فِتْيَانِي أَوْ غِلْمَانِي يُيَسِّرُونَ عَلَى الْمُوسِرِ، وَيُنْظِرُونَ الْمُعْسِرَ، فَقَالَ اللهُ : أَنَا أَحَقُّ مَنْ يُيَسِّرُ قَالَ: فَادْخُلِ الْجَنَّةَ " ⦗١٤٧⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: هَكَذَا حَدَّثَنَا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ هَذَا الْحَدِيثَ بِغَيْرِ ذِكْرٍ مِنْهُ بَيْنَ الْأَجْلَحِ وَبَيْنِ رِبْعِيٍّ أَحَدًا

стр. 5744

٥٥٣٣ - وَقَدْ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، حَدَّثَنَا مُحَاضِرٌ، حَدَّثَنَا الْأَجْلَحُ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةَ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: حَدِّثْ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: بَلْ حَدِّثْ قَالَ: فَحَدَّثَ أَحَدُهُمَا وَصَدَّقَ الْآخَرُ، فَذَكَرَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قِصَّةَ الرَّجُلِ الَّذِي قَالَ لِأَهْلِهِ: إِذَا مِتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اطْحَنُونِي، ثُمَّ ذَرُّونِي ⦗١٤٨⦘ وَهَذِهِ الْقِصَّةُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ فَهْدٍ، غَيْرَ أَنِّي اخْتَصَرْتُ مِنْهُ مَا كَتَبْتُهُ فِي هَذَا الْبَابِ، فَدَلَّ ذَلِكَ: أَنَّ بَيْنَ الْأَجْلَحِ وَبَيْنَ رِبْعِيٍّ فِيهِ نُعَيْمَ بْنَ أَبِي هِنْدٍ , إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ حَدَّثَ بِهِ , عَنِ الْأَجْلَحِ، عَنْ رِبْعِيٍّ بِغَيْرِ ذِكْرٍ فِيهِ نُعَيْمًا، فَيَكُونَ مُرْسَلًا

стр. 5745

٥٥٣٤ - وَحَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ هَارُونَ أَبُو شَيْخٍ الْحَرَّانِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " تَلَقَّتِ الْمَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِنْ قَبْلِكُمْ، فَقِيلَ: أَكُنْتَ تَعْمَلُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا، قَالُوا: تَذَكَّرْ قَالَ: كُنْتُ أُدَايِنُ النَّاسَ، فَآمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا الْمُعْسِرَ، وَيَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُوسِرِ , قَالَ اللهُ تَعَالَى: فَتَجَاوَزُوا عَنْهُ "

стр. 5746

٥٥٣٥ - وَحَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " نَظَرَ اللهُ فِي عَمَلِ رَجُلٍ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ شَيْءٌ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَتَجَاوَزُ عَنِ النَّاسِ، فَقَالَ اللهُ : ⦗١٤٩⦘ تَجَاوَزُوا عَنْهُ " فَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرُ التَّجَاوُزِ عَنِ النَّاسِ , فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ التَّجَاوُزِ مَا هُوَ؟

стр. 5747

٥٥٣٦ - فَوَجَدْنَا أَبَا عُبَيْدٍ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ حَرْبٍ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَالِمٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَاتَ رَجُلٌ، فَقِيلَ لَهُ: اذْكُرْ، فَإِمَّا ذَكَرَ وَإِمَّا ذُكِّرَ قَالَ: كُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ، فَأُنْظِرُ الْمُعْسِرَ، وَأَتَجَاوَزُ فِي النَّقْدِ وَالسِّكَّةِ، فَغُفِرَ لَهُ ". قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: وَأَنَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . ⦗١٥٠⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: ٥٥٣٧ - قَالَ لَنَا أَبُو عُبَيْدٍ: وَحَدَّثَنِيهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ فَهْمٍ، عَنْ بُنْدَارٍ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْعَقَدِيِّ، عَنْ شُعْبَةَ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ، وَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ التَّجَاوُزَ الْمَذْكُورَ فِيمَا رَوَيْنَاهُ قَبْلُ فِي هَذَا الْبَابِ، كَانَ فِي النَّقْدِ وَفِي السِّكَّةِ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ إِبَاحَةُ إِنْفَاقِ الزَّائِفِ مِنَ الدَّرَاهِمِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَذَلِكَ مَعَ تِبْيَانِ عَيْبِهِ، لَا عَلَى مَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا يَسْتَعْمِلُ فِيهِ بَعْضُ النَّاسِ تَدْلِيسَهُ عَلَى بَعْضٍ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ

стр. 5748

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ الْوَجْهِ فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ كَيْفِيَّةِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ

стр. 5749

٥٥٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ السَّقَطِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأُوَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ - يَعْنِي ابْنَ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ كَعْبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ سَيِّدُكُمْ يَا بَنِي سَلَمَةَ؟ "، قَالُوا: سَيِّدُنَا يَا رَسُولَ اللهِ جَدُّ ابْنُ قَيْسٍ قَالَ: " بِمَ سَوَّدْتُمُوهُ؟ "، قَالُوا: بِأَنَّهُ أَكْثَرُنَا مَالًا، وَإِنَّا عَلَى ذَلِكَ لَنَزُنُّهُ بِالْبُخْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَى مِنَ الْبُخْلِ؟ لَيْسَ ذَاكَ سَيِّدَكُمْ "، قَالُوا: فَمَنْ سَيِّدُنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " سَيِّدُكُمْ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ ". قَالَ كَعْبٌ: الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ أَوَّلُ مَنِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ حَيًّا، وَعِنْدَ حَضْرَةِ وَفَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يُوَجَّهَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَهُوَ بِمَكَّةَ، فَأَطَاعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَتَّى حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، فَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُوَجِّهُوهُ قِبَلَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ ⦗١٥٤⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَمَرَ الْبَرَاءُ أَنْ يُوَجِّهَهُ قِبَلَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَأَنَّهُ أَوَّلُ مَنِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ حَيًّا وَعِنْدَ وَفَاتِهِ، وَتَنَاهَى ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِنْكَارَهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ التَّوَجُّهَ. فَقَالَ قَائِلٌ: وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ مَا يَقُولُ الَّذِينَ يَقُولُونَ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ أَنَّهُ كَمَا يَسْتَقْبِلُ الصَّلَاةَ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، فَكَانُوا يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَهِيَ اسْتِقْبَالُهَا بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَهُوَ اسْتِقْبَالُهَا، وَالْمُسْتَقْبِلُ لَهَا عَلَى جَنْبِهِ كَمَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ فِي لَحْدِهِ. فَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ: فَقَدْ دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى مَا قَالَ مُخَالِفُوهُمْ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي حَدِيثِ كَعْبٍ الَّذِي رَوَيْتُهُ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ ⦗١٥٥⦘ لِلصَّلَاةِ وَعِنْدَ الْمَوْتِ ذِكْرًا وَاحِدًا، فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى اسْتِوَاءِ كَيْفِيَّتِهِمَا. فَكَانَ جَوَابَنَا لَهُ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا تَأَوُّلِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِيهِ إِنَّمَا هُوَ ذِكْرُ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ فِي الشَّيْئَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِيهِ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتَقْبَلَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَا يَجِبُ اسْتِقْبَالُهَا بِهِ، وَإِنْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ فِي كَيْفِيَّتِهِمَا، وَلَمَّا وَقَعَ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ هَذَا الِاخْتِلَافُ، نَظَرْنَا فِي ذَلِكَ، وَهَلْ هُنَاكَ شَيْءٌ مِمَّا يَقْضِي بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ فِيهِ، وَيُوَضِّحُ عَنِ الْأَوْلَى مِنْهُ، فَوَجَدْنَا مَا يَجِبُ أَنْ يُسْتَقْبَلَ بِالْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ لِلْقِبْلَةِ هُوَ اسْتِقْبَالُهُ إِيَّاهَا عَلَى جَنْبِهِ، وَهُوَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الْمَوْتِ، فَكَانَ فِي الْقِيَاسِ اسْتِقْبَالُهُ لَهَا عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ إِيَّاهُ يَكُونُ كَذَلِكَ، وَيَكُونُ عَلَى جَنْبِهِ، لَا عَلَى ظَهْرِهِ حَتَّى تَكُونَ أَسْبَابُ الْمَوْتِ يُوَافِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَيَكُونَ بِكُلِّيَّتِهَا خِلَافَ أَسْبَابِ الْحَيَاةِ، فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ عِنْدَنَا فِي هَذَا الْبَابِ، وَاللهُ الْمُوَفِّقُ

стр. 5750

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ تَفْضِيلِهِ مَنِ اعْتَزَلَ شُرُورَ النَّاسِ حَتَّى صَارَ بِذَلِكَ مُنْقَطِعًا عَنْهُمْ عَلَى مَنْ سِوَاهُ مِمَّنْ يُخَالِطُ النَّاسَ

стр. 5751

٥٥٣٩ - حَدَّثَنَا يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ جُلُوسٌ فِي مَجْلِسٍ لَهُمْ، إِذْ جَاءَهُمْ، فَقَالَ: " أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ مَنْزِلًا؟ "، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ , قَالَ: " آخِذٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يَمُوتَ، وَأُخْبِرُكُمْ بِالَّذِي يَلِيهِ؟ ". قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي شِعْبٍ يُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَيَعْتَزِلُ شُرُورَ النَّاسِ، وَأُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ مَنْزِلًا؟ "، قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: " الَّذِي يُسْأَلُ بِاللهِ وَلَا يُعْطِي بِهِ " ⦗١٥٧⦘ هَكَذَا حَدَّثَنَا يُونُسُ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ فِي إِسْنَادِهِ: عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ خُولِفَ عَنْ غَيْرِ ابْنِ وَهْبٍ فِي إِسْنَادِهِ ٥٥٤٠ - كَمَا حَدَّثَنَا رَبِيعٌ الْجِيزِيُّ، حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُؤَيْبٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي آخِرِهِ: " وَأُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ مَنْزِلًا " إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ. ٥٥٤١ - وَكَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْهَرَوِيُّ، حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُؤَيْبٍ، - وَلَمْ يَذْكُرْ بَيْنَ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَبَيْنَ إِسْمَاعِيلَ: سَعِيدَ بْنَ خَالِدٍ -، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، ⦗١٥٨⦘ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ جُلُوسٌ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ يُونُسَ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الصَّوَابِ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَى بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْأَشَجِّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ

стр. 5752

٥٥٤٢ - كَمَا حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ بُكَيْرَ بْنَ الْأَشَجِّ، حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ؟: رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأُخْبِرُكُمْ بِالَّذِي يَتْلُوهُ؟: رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي غُنَيْمَةٍ، يُؤَدِّي حَقَّ اللهِ فِيهَا، وَأُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ؟: رَجُلٌ يُسْأَلُ بِاللهِ، وَلَا يُعْطِي بِهِ " ⦗١٥٩⦘ فَقَالَ قَائِلٌ: رَوَيْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا يُخَالِفُ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ تَفْضِيلِهِ اعْتِزَالَ النَّاسِ عَلَى مُخَالَطَتِهِمْ، وَقَدْ رَوَيْتُمْ عَنْهُ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ

стр. 5753

٥٥٤٣ - فَذَكَرَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ يَعْنِي الْأَعْمَشَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَحْسِبُهُ ابْنَ عُمَرَ -: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ، وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ "

стр. 5754

٥٥٤٤ - وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ حَسِبْتُهُ قَالَ: ابْنُ عُمَرَ - عَنِ النَّبِيِّ ﵇ قَالَ: " الْمُسْلِمُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ، وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ "

стр. 5755

٥٥٤٥ - وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ⦗١٦١⦘ الْوَاسِطِيُّ، أَخْبَرَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَفْضَلُ مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ، وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ " قَالَ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ضِدُّ مَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، فَكَانَ جَوَابَنَا لَهُ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ لَا تَضَادَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ , وَفِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : " خَيْرُ النَّاسِ مَنْزِلًا: رَجُلٌ آخِذٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يَمُوتَ "، خَرَجَ مَخْرَجَ الْعُمُومِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ، وَهُوَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ قَدْ ذَكَرَ غَيْرَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَقَالَ: " خَيْرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمْرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ "، وَقَالَ: " خِيَارُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ "، وَكَانَ ذَلِكَ لِإِطْلَاقِ اللُّغَةِ إِيَّاهُ، وَلِاسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ مِثْلَهُ، فَيَذْكُرُ بِالْعُمُومِ مَا يُرِيدُ بِهِ الْخُصُوصَ، حَتَّى جَاءَ بِذَلِكَ كِتَابُ اللهِ فِي قِصَّةِ صَاحِبَةِ سَبَأٍ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] ، وَلَمْ تُؤْتَ مِنْ شَيْءٍ مِمَّا أُوتِيَهُ سُلَيْمَانُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي خَصَّهُ اللهُ بِهَا دُونَ النَّاسِ، فَمِثْلُ ذَلِكَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا قَدْ جَاءَ بِالْعُمُومِ هُوَ عَلَى الْخُصُوصِ لِمَا قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَا، وَكَانَ قَوْلُهُ ﷺ فِيهِ: " أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالَّذِي يَلِيهِ "، هُوَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ ذِكْرِهِ إِيَّاهُ أَنَّهُ: خَيْرُ أَهْلِ الْمَنْزِلَةِ الَّتِي هُوَ مِنْ أَهْلِهَا , يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ خَيْرِ أَهْلِ ⦗١٦٢⦘ تِلْكَ الْمَنْزِلَةِ، وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فِي التَّخْصِيصِ مِنْ أَهْلِ الْمَنْزِلَةِ الَّتِي هُوَ مِنْهَا , جَازَ أَنْ تَكُونَ الْمَنْزِلَةُ الَّتِي هُوَ مِنْهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَنْزِلَةِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلَهَا مَنْزِلَةٌ أُخْرَى، إِذْ لَعَلَّهَا فَوْقَ الْمَنْزِلَةِ الَّتِي هِيَ قَبْلَهَا أَيْضًا عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِيهِ، فَيَكُونُ مَنْ يُخَالِطُ النَّاسَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَفْضَلَ مِمَّنْ لَا يُخَالِطُهُمْ، وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ بِاعْتِزَالِهِ شُرُورَهُمْ، وَانْقِطَاعِهِ عَنْهُمْ فِيمَا ذُكِرَ انْقِطَاعُهُ عَنْهُمْ فِيهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الَّذِي قَدْ رَوَيْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فِي الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ يُحِبُّهُمُ اللهُ، فَذَكَرَ فِيهِمْ رَجُلًا لَهُ جَارٌ يُؤْذِيهِ، فَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُ، وَيَحْتَسِبُهُ حَتَّى يُفَرِّجَ اللهُ لَهُ مِنْهُ، إِمَّا بِمَوْتٍ، وَإِمَّا بِغَيْرِهِ، وَإِذَا كَانَ مَنْ هَذِهِ سَبِيلُهُ مِنْ مَحَبَّةِ اللهِ إِيَّاهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَإِنَّمَا هُوَ فِي صَبْرِهِ عَلَى إِيذَاءِ رَجُلٍ وَاحِدٍ كَانَ مَنْ بَذَلَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ، وَخَالَطَهُمْ، وَصَبَرَ عَلَى أَذَاهُمْ، وَاحْتَسَبَهُ بِذَلِكَ أَوْلَى، وَبِالزِّيَادَةِ مِنَ اللهِ تَعَالَى لَهُ فِيهِ أَحْرَى. وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي أُرِيدَ بِالتَّفْضِيلِ فِي تَرْكِ مُخَالَطَةِ النَّاسِ أُرِيدَ بِهِ وَقْتٌ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَلَمْ يُرَدْ بِهِ كُلُّ الْأَوْقَاتِ، وَيَكُونُ الْوَقْتُ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ هُوَ الْوَقْتَ الْمَذْكُورَ فِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ مِمَّا ذُكِرَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ جَوَابًا لَهُ عِنْدَ سُؤَالِهِ إِيَّاهُ عَنِ الْمُرَادِ بِقَوْلِ اللهِ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمُ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] ، فَقَالَ: " بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ⦗١٦٣⦘ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، وَرَأَيْتَ أَمْرًا لَا بُدَّ لَكَ مِنْهُ، فَعَلَيْكَ أَمْرَ نَفْسِكَ، وَإِيَّاكَ أَمْرَ الْعَوَامِّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، صَبْرٌ فِيهِنَّ عَلَى مِثْلِ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ يَوْمَئِذٍ مِنْكُمْ كَأَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ ". وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بِأَسَانِيدِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا، فَيَكُونُ اعْتِزَالُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَفْضَلَ مِنْ مُخَالَطَتِهِمْ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَيَكُونُ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَزْمِنَةِ بِخِلَافِهِ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِتَفْضِيلِ مُخَالَطَةِ النَّاسِ فِيهِ عَلَى تَرْكِ مُخَالَطَتِهِمْ هُوَ ذَلِكَ الزَّمَانَ؛ حَتَّى لَا يُضَادَّ شَيْءٌ مِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا شَيْئًا مِنْهُمَا. وَمِمَّا قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثُهُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ

стр. 5756

٥٥٤٦ - كَمَا حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ شِهَابِ بْنِ مُدْلِجٍ الْعَنْبَرِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ أَنَا وَصَاحِبٌ لِي، فَلَقِينَا أَبَا هُرَيْرَةَ عِنْدَ بَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمَا؟ فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: انْطَلِقَا إِلَى نَاسٍ عَلَى تَمْرٍ وَمَاءٍ، إِنَّمَا يَسِيلُ كُلُّ وَادٍ بِقَدْرِهِ، قُلْنَا: كَثُرَ خَيْرُكَ، اسْتَأْذِنْ لَنَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَاسْتَأْذَنَ، فَسَمِعْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ تَبُوكَ، فَقَالَ: " مَا فِي النَّاسِ مِثْلُ رَجُلٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ , لِيُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَيَجْتَنِبَ شُرُورَ النَّاسِ، وَمِثْلُ ⦗١٦٤⦘ رَجُلٍ بَادٍ فِي غَنَمِهِ , يَقْرِي ضَيْفَهُ، وَيُؤَدِّي حَقَّهُ ". قُلْتُ: أَقَالَهَا؟ قَالَ: قَالَهَا، قُلْتُ: أَقَالَهَا؟ قَالَ: قَالَهَا، قُلْتُ: أَقَالَهَا؟ قَالَ: قَالَهَا , قَالَ: فَكَبَّرْتُ، وَحَمِدْتُ اللهَ وَشَكَرْتُ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ذَكَرَ النَّبِيُّ ﵇ أَهْلَ الْمَنْزِلَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ بِغَيْرِ تَقْدِيمٍ مِنْهُ أَهْلَ إِحْدَاهُمَا عَلَى ذِكْرِ أَهْلِ الْأُخْرَى، فَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا يَذْكُرُونَ الْأَشْيَاءَ بِمَرَاتِبَ يُقَدِّمُونَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ مَعَهَا غَيْرُ مُتَقَدِّمَةٍ عَلَيْهَا، وَمِمَّا يُؤَكِّدُ مَا تَأَوَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَيْهِ، وَصَرَفْنَا مَعْنَاهُ إِلَيْهِ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ فِي زَمَنٍ خَاصٍّ

стр. 5757

٥٥٤٧ - مَا قَدْ حَدَّثَنَا بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُثْمَانَ الشَّحَّامِ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ، أَلَا ثُمَّ ⦗١٦٥⦘ تَكُونُ فِتْنَةٌ , الْمُضْطَجِعُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَاعِدِ، وَالْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، فَإِذَا وَقَعَتْ، فَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ، فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ إِبِلٌ، فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ، فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ "، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَرْضٌ، وَلَا إِبِلٌ، وَلَا غَنَمٌ؟ قَالَ: " فَلْيُغْمِدْ سَيْفَهُ، فَلْيَكْلِمْهُ، ثُمَّ يَنْجُو إِنِ اسْتَطَاعَ النَّجَاةَ "، ثُمَّ قَالَ: " اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ "، فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ: " اللهُمَّ فَاشْهَدْ "، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنْ أُكْرِهْتُ حَتَّى يُذْهَبَ بِي، فَأَصِيرَ بَيْنَ الْفِئَتَيْنِ , فَيَجِيءَ الرَّجُلُ فَيَقْتُلُنِي، فَقَالَ: " يَبُوءُ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِهِ، وَيَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ " ٥٥٤٨ - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَنْ عُثْمَانَ الشَّحَّامِ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ: " وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ، فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ "، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ بَكَّارٍ إِلَى آخِرِهِ. ⦗١٦٦⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكَانَ اعْتِزَالُ النَّاسِ فِي الْحَالِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي مَرْتَبَةٍ عَالِيَةٍ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمَرْتَبَةَ الْمُرَادَةَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ

стр. 5758

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ لِبِلَالٍ فِي الصَّلَاةِ: " أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالُ "

стр. 5759

٥٥٤٩ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى صِهْرٍ لَنَا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَالَ: يَا جَارِيَتِي , ائْتِنِي بِوَضُوءٍ لِعَلِّي أَتَوَضَّأُ فَأَسْتَرِيحَ، فَرَآنَا أَنْكَرْنَا ذَلِكَ، أَوْ فَكَأَنَّهُ رَآنَا أَنْكَرْنَا ذَلِكَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " قُمْ يَا بِلَالُ فَأَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ " ⦗١٦٨⦘ فَأَنْكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ مُنْكِرٌ، وَقَالَ: كَيْفَ تَقْبَلُونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَمْرَهُ بِأَنْ يُرَاحَ مِنَ الصَّلَاةِ؟، فَكَانَ جَوَابَنَا لَهُ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ أَنْ يُرَاحَ مِنَ الصَّلَاةِ، وَلَوْ كَانَ الْحَدِيثُ كَذَلِكَ، لَأَنْكَرْنَاهُ كَمَا أَنْكَرَهُ، وَلَكِنَّ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ إِنَّمَا هُوَ أَمْرُهُ ﷺ بِلَالًا أَنْ يُرِيحَهُ بِالصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِهَا إِذْ كَانَتِ الصَّلَاةُ هِيَ قُرَّةَ عَيْنِهِ، فَأَمَرَ أَنْ يُرَاحَ بِهَا مِمَّا سِوَاهَا مِمَّا لَيْسَ مَنْزِلَتُهُ كَمَنْزِلَتِهَا، وَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ مَعْقُولٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ ﷺ بِذَلِكَ، مَا هُوَ مِمَّا يُشْبِهُ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي أُمُورِ اللهِ ، وَفِي أَدَاءِ فَرَائِضِهِ، وَفِي التَّمَسُّكِ بِهَا، وَفِي غَلَبَتِهَا عَلَى قَلْبِهِ، وَفِي أَنْ لَا شَيْءَ عِنْدَهُ مِثْلُهَا، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ

стр. 5760

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِمَّا وَصَفَ بِهِ الْمَرْأَةَ أَنَّهَا تُقْبِلُ بِصُورَةِ شَيْطَانٍ، وَأَنَّهَا تُدْبِرُ بِصُورَةِ شَيْطَانٍ

стр. 5761

٥٥٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ الدَّسْتُوَائِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى امْرَأَةً، فَدَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: " إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ، فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ، فَإِنَّهُ يُصِيبُ مَا فِي نَفْسِهِ " ⦗١٧٠⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ، فَوَجَدْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ وَصَفَ الْمَرْأَةَ فِي إِقْبَالِهَا وَفِي إِدْبَارِهَا بِمَا وَصَفَهَا بِهِ، وَكَانَتِ الشَّيَاطِينُ مَوْصُوفَةً فِي كِتَابِ اللهِ بِمَعْنَيَيْنِ، أَحَدُهُمَا: تَشْبِيهُهُ الشَّجَرَةَ الَّتِي هِيَ طَعَامُ أَهْلِ النَّارِ، الْخَارِجَةَ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ، أَنَّ طَلْعَهَا كَرُءُوسِ الشَّيَاطِينِ، وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى بَشَاعَةِ مَا هِيَ عَلَيْهِ وَفَظَاعَتِهِ وَقُبْحِهِ. فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ: أَنَّ الَّذِي سُمِّيَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ بِخِلَافِ ذَلِكَ , لِأَنَّهَا فِي صُورَتِهَا بِخِلَافِ هَذَا الْوَصْفِ، وَوَجَدْنَاهُ قَدْ وَصَفَ الشَّيْطَانَ الَّذِي هُوَ مِنْهَا فِي أَعْلَى مَرَاتِبِهَا، بِقَوْلِهِ : ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] الْآيَةَ، فَكَانَ ذَلِكَ عَلَى مَا يُلْقِي فِي قُلُوبِهِمْ مِمَّا يُغْوِيهِمْ بِهِ، وَيُحَرِّكُهُمْ عَلَى مَعَاصِي رَبِّهِمْ ، فَكَانَ ذَلِكَ مُحْتَمِلًا أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي شَبَّهَ الْمَرْأَةَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّهُ يُخَالِطُ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا مِثْلُ الَّذِي يُخَالِطُ قُلُوبَهُمْ مِمَّا يُلْقِيهِ الشَّيْطَانُ فِيهَا. ثُمَّ وَجَدْنَا مِثْلَ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ: " ⦗١٧١⦘ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ بَنِي آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ ". فَكَانَ مِثْلَ ذَلِكَ مَا يَكُونُ مِنْ رُؤْيَتِهِمُ الْمَرْأَةَ مِمَّا يُوقِعُ فِي قُلُوبِهِمْ مَا لَا خَفَاءَ بِهِ مِنْ أَمْثَالِهِمْ مِمَّا هُوَ مِنْ مَعَاصِي رَبِّهِمْ، وَمِمَّا يُلْحِقُهُمْ بِهِ مِنَ الْعُقُوبَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، مِمَّا يَكُونُ مِنْهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ مِثْلُهُ مِمَّا يُلْقِيهِ الشَّيْطَانُ فِي قُلُوبِهِمْ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَا يُوجِبُهُ ذَلِكَ مِنَ الْعُقُوبَةِ فِي ⦗١٧٢⦘ دُنْيَاهُمْ، وَالْعُقُوبَةِ فِي آخِرَتِهِمْ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ رَأَى ذَلِكَ بِأَنْ يَفْعَلَ مَا أَمَرَهُ بِفِعْلِهِ، مِمَّا يَقْطَعُ السَّبَبَ الَّذِي يَخَافُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ، مِمَّا يَكُونُ سَبَبًا لِتِلْكَ الْأَشْيَاءِ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ

стр. 5762

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ: " لَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ "

стр. 5763

٥٥٥١ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ الْقَسْمَلِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ " ⦗١٧٤⦘ ٥٥٥٢ - وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ الْحَكَمِ الْكُوفِيُّ الْحِبَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْوَرْدِ بْنِ زَنْجُوَيْهِ الْبَغْدَادِيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ الْقَسْمَلِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . ٥٥٥٣ - وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَمْدَوَيْهِ الْبِيكَنْدِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو ⦗١٧٥⦘ بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، مِثْلَهُ. ٥٥٥٤ - وَحَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، مِثْلَهُ. فَقَالَ قَائِلٌ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَأَنْتُمْ تَرْوُونَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً، وَذَكَرَ فِي ذَلِكَ

стр. 5764

٥٥٥٥ - مَا قَدْ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، وَعَبِيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، يَرْفَعُ الْحَدِيثَ قَالَ: " إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ، وَآخَرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا إِلَى الْجَنَّةِ، رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْوًا، فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَدْخُلُ وَقَدْ أَخَذَ النَّاسُ مَسَاكِنَهُمْ، فَيَخْرُجُ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ لَمْ أَجِدْ فِيهَا مَسْكَنًا، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: ادْخُلْ، فَإِنَّا سَنَجْعَلُ لَكَ فِيهَا مَسْكَنًا، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ لَمْ أَجِدْ فِيهَا مَسْكَنًا , فَيَدْخُلُ، ثُمَّ يَخْرُجُ، فَيَقُولُ: رَبِّ لَمْ أَجِدْ فِيهَا مَسْكَنًا، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَضْعَافِهَا، أَوْ قَالَ: هَلْ تَرْضَى أَنْ نَجْعَلَ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَضْعَافِهَا، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَتَسْخَرُ بِي وَأَنْتَ الْمَلِكُ؟ قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ عِنْدَ ذَلِكَ ⦗١٧٧⦘ وَفِي هَذَا الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ آثَارٌ أُخَرُ، أَخَّرْنَا ذِكْرَهَا لِبَابٍ سِوَى هَذَا الْبَابِ، إِذْ كَانَ مَا ذَكَرْنَا مِنْهَا فِي هَذَا الْبَابِ جَازِيًا عَنْ بَقِيَّتِهَا

стр. 5765

٥٥٥٦ - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً، وَلِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ دَعَا بِهَا لِأُمَّتِهِ، وَأَنَا اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ⦗١٧٩⦘ قَالَ هَذَا الْقَائِلٌ: وَهَذَا أَيْضًا تَضَادٌّ شَدِيدٌ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ يَتَنافَيَانِ بِمَا لَا خَفَاءَ عِنْدَ سَامِعِهِمَا، إِذْ كَانَ مَا فِي أَحَدِهِمَا يَنْفِي أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَفِي الْآخَرِ مِنْهُمَا: أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً مِنَ الْخَيْرِ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا إِلَّا مَنْ قَدْ أُدْخِلَهَا فَكَانَ جَوَابَنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ وَعَوْنِهِ: أَنَّهُ لَا تَضَادَّ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ، إِذْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُرَادًا بِهِ غَيْرَ الْمُرَادِ بِالْآخَرِ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ اللِّسَانُ الَّذِي خُوطِبَ بِهِ لِسَانًا عَرَبِيًّا خَاطَبَ بِهِ قَوْمًا عَرَبًا نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ، وَمَعَهُمُ الْفَهْمُ لِمَا يُخَاطَبُونَ بِهِ، وَيَزِيدُهُمْ مُخَاطِبُهُمْ فِي خِطَابِهِ إِيَّاهُمْ، فَكَانَ وَجْهُ مَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ هُوَ الدُّخُولَ الَّذِي مَعَهُ التَّخْلِيدُ فِي النَّارِ، وَمَا فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي عَلَى الدُّخُولِ الَّذِي لَا تَخْلِيدَ مَعَهُ فِي النَّارِ

стр. 5766

وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ يَحْيَى بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ شُعَيْبِ بْنِ إِسْحَاقَ الدِّمَشْقِيَّ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَنِيفَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: " يُعَذِّبُ اللهُ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ، ثُمَّ يُخْرِجُهُمْ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، حَتَّى لَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ ذَكَرَهُمُ اللهُ : ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرٍ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٣] "

стр. 5767

وَإِنَّ عَلَيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ حَرْبٍ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَذُكِرَ عِنْدَهُ الدَّجَّالُ، فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا قَالَ فِي آخِرِهِ: " ثُمَّ يَأْذَنُ اللهُ فِي الشَّفَاعَةِ، فَيَكُونُ أَوَّلَ شَافِعٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رُوحُ الْقُدُسِ جِبْرِيلُ، ثُمَّ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ اللهِ، ثُمَّ مُوسَى، وَعِيسَى , لَا أَدْرِي أَيَّهُمَا قَالَ , ثُمَّ يَكُونُ نَبِيُّكُمْ رَابِعًا , لَا يُدْفَعُ فِيمَا يَشْفَعُ فِيهِ، وَهُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ قَالَ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] ، فَلَيْسَتْ نَفْسٌ إِلَّا وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى بَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ، وَبَيْتٍ فِي النَّارِ، وَهُوَ يَوْمُ الْحَسْرَةِ , قَالَ: فَيَنْظَرَ أَهْلُ النَّارِ إِلَى الْبَيْتِ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالَ: لَوْ ⦗١٨١⦘ عَلِمْتُمْ، وَيَنْظُرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْبَيْتِ الَّذِي فِي النَّارِ، فَيُقَالَ: لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ , قَالَ: ثُمَّ تَشْفَعُ الْمَلَائِكَةُ، وَالنَّبِيُّونَ، وَالشُّهَدَاءُ، وَالصَّالِحُونَ، وَالْمُؤْمِنُونَ , فَيُشَفِّعُهُمْ قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ اللهُ ﵎: أَنَا الرَّحْمَنُ، أَنَا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيُخْرِجُ مِنَ النَّارِ أَكْثَرَ مِمَّا أَخْرَجَ جَمِيعُ الْخَلْقِ بِرَحْمَتِهِ , قَالَ: حَتَّى مَا يَتْرُكَ أَحَدًا فِيهِ خَيْرٌ " , قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللهِ: " ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرٍ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٥] "، ثُمَّ عَقَدَ بِيَدِهِ أَرْبَعًا، فَقَالَ: " هَلْ تَرَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ خَيْرًا؟ أَلَا لَا يُتْرَكُ أَحَدٌ فِيهِ خَيْرٌ، فَإِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ لَا يُخْرِجَ مِنْهَا أَحَدًا غَيَّرَ وُجُوهَهُمْ وَأَلْوَانَهُمْ، فَيَجِيءُ الرَّجُلُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: مَنْ عَرَفَ أَحَدًا فَلْيُخْرِجْهُ، فَيَجِيءُ الرَّجُلُ رَجُلًا يَعْرِفُهُ، فَيَقُولُ: مَا أَعْرِفُكَ، فَيَقُولُ: أَنَا فُلَانٌ، أَنَا فُلَانٌ، فَيَقُولُ: مَا أَعْرِفُكَ، فَيَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ أَهْلُ النَّارِ: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] فَيَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ قَالَ: فَتَنْطَبِقُ عَلَيْهِمْ، فَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا أَحَدٌ وَإِنِّي سَمِعْتُ فَهْدَ بْنَ سُلَيْمَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا نُعَيْمٍ يَقُولُ: كَتَبَ إِلَيَّ الْفِرْيَابِيُّ: إِنَّكَ كُنْتَ اسْتَمْلَيْتَ لَنَا عَلَى سُفْيَانَ حَدِيثَ أَبِي ⦗١٨٢⦘ الزَّعْرَاءِ - يَعْنِي هَذَا الْحَدِيثَ - قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: وَمَا أَعْرِفُهُ - يَعْنِي الْفِرْيَابِيَّ. فَفِي حَدِيثِ أَبِي الزَّعْرَاءِ هَذَا تَحْقِيقُ مَا قَدْ ذَكَرْنَا فِي الْمُرَادَيْنِ بِمَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي الزَّعْرَاءِ هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِينَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَفِي الْحَدِيثِ الثَّانِي، فَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ: أَفَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ يَدْخُلُ؟ فَكَانَ جَوَابَنَا لَهُ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ قَدْ مَضَى مِنَّا فِي هَذَا الْبَابِ وَصْفُنَا اللِّسَانَ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَعَلَّمَ الْمُخَاطَبَ بِمَا يُرِيدُ، وَعَلِمَ الْمُخَاطَبُونَ بِذَلِكَ مِنْهُ، وَقَدْ وَجَدْنَا اللهَ ذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ : ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢] ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ ، وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى مَنْ أَشْرَكَ بِهِ، فَبَقِيَ عَلَى شِرْكِهِ بِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى مَنْ أَشْرَكَ بِهِ ثُمَّ تَابَ مِنْ شِرْكِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِهِ، لِمَا قَدْ بَيَّنَ مِنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨] فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْوَعِيدِ بِمَا فِي الْآيَةِ الْأُولَى هُمُ الَّذِينَ لَا تَكُونُ ⦗١٨٣⦘ مِنْهُمُ التَّوْبَةُ، وَالنُّزُوعُ عَنِ الشِّرْكِ بِهِ حَتَّى يَخْرُجُوا مِنَ الدُّنْيَا، وَأَنَّ مَنْ تَابَ مِنْ شِرْكِهِ، وَآمَنَ بِهِ، وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي الْوَعِيدِ الَّذِي فِي الْآيَةِ الْأُولَى، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فِيمَا ذَكَرْنَا، كَانَ مِثْلَهُ مَا فِي الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : الْأَوَّلُ مِنْهُمَا عَلَى نَفْيِ دُخُولٍ مَعَهُ التَّخْلِيدُ، وَإِثْبَاتُ التَّخْلِيدِ لِمَنْ سِوَاهُمْ، فَبَانَ بِحَمْدِ اللهِ أَنَّهُ لَا تَضَادَّ فِي شَيْءٍ مِمَّا تَوَهَّمَ هَذَا الْجَاهِلُ فِي آثَارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَنَّ اللهُ تَعَالَى قَدْ تَوَلَّاهُ فِيهَا بِمَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ فِيهَا مَا تَوَهَّمَهُ هُوَ فِيهَا، وَاللهُ الْمُوَفِّقُ

стр. 5768

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ: " لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ "

стр. 5769

٥٥٥٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ، عَنْ فُضَيْلٍ الْفُقَيْمِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " لَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ كِبْرٍ "، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَحَدَنَا يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً , قَالَ: " الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْصُ النَّاسِ " ⦗١٨٥⦘ قَالَ لَنَا إِبْرَاهِيمُ: وَحَدَّثَنَا مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ: " غَمْطُ الْحَقِّ "

стр. 5770

٥٥٥٨ - وَحَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ، عَنْ فُضَيْلٍ الْفُقَيْمِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " لَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ كِبْرٍ " قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، فَقَالَ: " إِنَّ اللهَ تَعَالَى جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، وَالْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْصُ النَّاسِ " وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى فِي هَذَا الْبَابِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحْسَنَ مِمَّا رَوَاهُ الْكُوفِيُّونَ عَنْهُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي صِحَّةِ طَرِيقِهِ، وَفِي حُسْنِ سِيَاقَةِ مَتْنِهِ. ⦗١٨٦⦘ وَقَدْ رَوَوْهُ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مِمَّا قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلَ الْإِسْنَادِ، وَمِمَّا يَغْلِبُ عَلَى الْقُلُوبِ أَنَّهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَهُوَ

стр. 5771

٥٥٥٩ - مَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ عَائِشَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ رَأْسِي دَهِينًا، وَثَوْبِي غَسِيلًا، وَشِرَاكُ نَعْلِي جَدِيدًا، أَفَمِنَ الْكِبْرِ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَا، وَلَكِنَّ الْكِبْرَ مَنْ سَفِهَ الْحَقَّ، وَغَمَصَ النَّاسَ " ⦗١٨٧⦘ فَكَانَ يَحْيَى بْنُ جَعْدَةَ قَدِيمًا، غَيْرَ أَنَّا لَا نَعْلَمُ لَهُ مَعَ قِدَمِهِ لِقَاءَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، غَيْرَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَذْكُرُ أَنَّ عَبْدَ اللهِ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ هُوَ ابْنَ مَسْعُودٍ، وَإِنَّمَا هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ ثَبَتَ اتِّصَالُهُ، وَصَارَ هَذَا لَاحِقًا بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَلَهُمْ فِيهِ أَيْضًا حَدِيثٌ آخَرُ، وَهُوَ

стр. 5772

٥٥٦٠ - مَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عِيسَى - يَعْنِي أَخَاهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذُكِرَ الْكِبْرُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَشَدَّدَ فِيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا "، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ثِيَابِي لَتُغْسَلُ فَيُعْجِبُنِي بَيَاضُهَا، وَيُعْجِبُنِي شِرَاكُ نَعْلِي , وَعِلَاقَةُ سَوْطِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَيْسَ ذَلِكَ الْكِبْرَ، إِنَّمَا الْكِبْرُ أَنْ تُسَفِّهَ الْحَقَّ، وَتَغْمِصَ النَّاسَ " ⦗١٨٨⦘ ٥٥٦١ - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ. وَقَدْ رَوَى الْبَصْرِيُّونَ، فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثًا حَسَنَ الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِيَ مَتْنِهِ تَقْصِيرًا عَمَّا فِي مَتْنِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ ٥٥٦٢ - مَا قَدْ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرَ قِصَّةَ الرَّجُلِ الَّذِي قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : حُبِّبَ إِلَيَّ الْجَمَالُ، أَفَمِنَ الْكِبْرِ ذَاكَ؟ قَالَ: " لَا ". ⦗١٨٩⦘ وَقَدْ رَوَاهُ الشَّامِيُّونَ تَامَّ الْمَتْنِ

стр. 5773

٥٥٦٣ - كَمَا حَدَّثَنَا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَرْثَدٍ الرَّحْبِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ ثَوْبَانَ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ كُرَيْبَ بْنَ أَبْرَهَةَ، وَهُوَ جَالِسٌ مَعَ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي سَطْحٍ بِدَيْرِ الْمُرَّانِ، وَذَكَرُوا الْكِبْرَ، فَقَالَ كُرَيْبٌ: سَمِعْتُ أَبَا رَيْحَانَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ شَيْءٌ مِنَ الْكِبْرِ "، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَتَجَمَّلَ بِجِلَازِ سَوْطِي، وَبِشِسْعِ نَعْلِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِالْكِبْرِ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، وَإِنَّمَا الْكِبْرُ مَنْ سَفِهَ الْحَقَّ، وَغَمَصَ النَّاسَ " ⦗١٩٠⦘ وَيَعْنِي بِالْجِلَازِ: سَيْرَ السَّوْطِ، فَكَانَ فِيمَا رُوِّينَا تِبْيَانُ الْكِبْرِ الْمُرَادِ فِي هَذِهِ الْآثَارِ، مَا هُوَ؟ وَهُوَ التَّرَفُّعُ عَلَى النَّاسِ، وَوَضْعُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَمْ يَضَعْهُ اللهُ فِيهِ، وَغَمْصُهُ لِلنَّاسِ بِإِنْزَالِهِمْ دُونَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي وَضَعَهُمُ اللهُ فِيهَا، وَفِي خِلَافِ ذَلِكَ لِحُكْمِ اللهِ تَعَالَى فِيهِ وَفِيهِمْ، وَالْوَعِيدُ مِنَ اللهِ تَعَالَى غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ فِي ذَلِكَ بِمَا فِي هَذِهِ الْآثَارِ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ

стр. 5774

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ نَهْيِهِ مُرِيدَ الصَّلَاةِ عَنْ تَشْبِيكِ أَصَابِعِهِ فِي طَرِيقِهِ إِلَيْهَا

стр. 5775

٥٥٦٤ - حَدَّثَنَا يُونُسُ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ يَعْنِي ابْنَ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي ثُمَامَةَ قَالَ: لَقِيتُ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ، وَأَنَا أُرِيدُ الْجُمُعَةَ، وَقَدْ شَبَّكْتُ بَيْنَ أَصَابِعِي، فَفَرَّقَ بَيْنَ أَصَابِعِي، وَقَالَ: " إِنَّا نُهِينَا أَنْ يُشَبِّكَ أَحَدُنَا بَيْنَ أَصَابِعِهِ فِي الصَّلَاةِ، فَقُلْتُ: إِنِّي لَسْتُ فِي صَلَاةٍ، فَقَالَ: أَلَسْتَ قَدْ تَوَضَّأْتَ، وَأَنْتَ تُرِيدُ الْجُمُعَةَ؟ قُلْتُ: بَلَى قَالَ: فَأَنْتَ فِي صَلَاةٍ " ٥٥٦٥ - وَحَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوُحَاظِيُّ، حَدَّثَنَا ⦗١٩٢⦘ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي ثُمَامَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ جَاءَ مِنْ جِهَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ بِمَا لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْهُ فِيهِ، وَقَدْ جَاءَ مِنْ جِهَةِ ابْنِهِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، فَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي إِسْنَادِهِ، فَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ

стр. 5776

٥٥٦٦ - كَمَا حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرُّذِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " لَا يَتَطَهَّرُ رَجُلٌ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ يُرِيدُ الصَّلَاةَ إِلَّا كَانَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يَقْضِيَ الصَّلَاةَ، فَلَا يُخَالِفْ أَحَدٌ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدِهِ فِي الصَّلَاةِ " ⦗١٩٣⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْمَقْبُرِيُّ هَذَا الَّذِي رَوَى عَنْهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ هَذَا الْحَدِيثَ هُوَ سَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْ أَبِيهِ شَيْئًا، وَمِنْهُمُ: ابْنُ عَجْلَانَ

стр. 5777

٥٥٦٧ - كَمَا حَدَّثَنَا بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَا يُشَبِّكْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ "

стр. 5778

٥٥٦٨ - وَكَمَا حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بَعْضُ آلِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: أَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ، كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَتَوَضَّأْ " ⦗١٩٥⦘ وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، فَذَكَرَهُ عَنْ أَبِي ثُمَامَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِيهِ أَحَدًا

стр. 5779

٥٥٦٩ - كَمَا حَدَّثَنَا يُونُسُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي ثُمَامَةَ الْحَنَّاطِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو ثُمَامَةَ: لَقِيَنِي كَعْبٌ، وَأَنَا بِالْبَلَاطِ، وَقَدْ شَبَّكْتُ بَيْنَ أَصَابِعِي، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟، فَقُلْتُ: أُرِيدُ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ وَخَرَجَ يُرِيدُ الْمَسْجِدَ، فَهُوَ فِي صَلَاةٍ مَا لَمْ يُشَبِّكْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ " وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَيْضًا بِالْكُوفَةِ

стр. 5780

٥٥٧٠ - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ، ⦗١٩٦⦘ إِذَا تَوَضَّأْتَ فَأَحْسَنْتَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجْتَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلَا تُشَبِّكْ بَيْنَ أَصَابِعِكَ، فَإِنَّكَ فِي صَلَاةٍ " وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ كَعْبٍ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ، فَوَجَدْنَا فِيهِ نَهْيَ النَّبِيِّ ﷺ الرَّجُلَ أَنْ يُشَبِّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فِي طَرِيقِهِ إِلَى الصَّلَاةِ، فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ جَعَلَ مُرِيدَ الصَّلَاةِ فِي حُكْمِ مَنْ هُوَ فِي الصَّلَاةِ , إِلَّا مَا أَبَاحَ اللهُ لَهُ مِنَ الْمَنْطِقِ فِي ذَلِكَ، وَمِنَ الْمَشْيِ إِلَيْهِ، وَبَيَّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا، وَأَنَّهُ يُرَادُ مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ الصَّلَاةَ فِي طَرِيقِهِ إِلَيْهَا ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَأَنْ يَكُونَ عَلَى هِينَتِهِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا تَجَاوَزٌ لِذَلِكَ إِلَى السَّعْيِ، إِذْ كَانَ السَّعْيُ يُطْلَبُ مِنْهُ مَعْنًى لَيْسَ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي الْمَشْيِ عَلَى الْهِينَةِ
следующие страницы →