أخرجه أحمد (٥/٦٢) والحاكم (١/٢٩٢ ـ ٢٩٣) وقال: " ناصح بن العلاء بصرى ثقة ".
ورده الذهبى بقوله: " قلت: ضعفه النسائى وغيره , وقال البخارى: منكر الحديث , ووثقه ابن المدينى وأبو داود ".
قلت: فمثله حسن الحديث فى الشواهد. والله أعلم.
(٥٥٥) - (حديث: إن رجلاً صلى مع معاذ ثم انفرد فصلى وحده لما طول معاذ فلم ينكر عليه ﷺ حين أخبره " (ص ١٣١) .
* صحيح.
وقد تقدم تخريجه من طرق (٢٩٥) .
باب صلاة أهل الأعذار
(٥٥٦) - (حديث: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " (ص ١٣٢) .
* صحيح.
وقد مضى تخريجه (٣١٤) .
(٥٥٧) - (قوله ﷺ لعمران بن حصين: " صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب ". رواه الجماعة إلا مسلماً (ص ١٣٢) .
* صحيح.
وتقدم (٢٩٩) .
(٥٥٨) - (حديث على مرفوعاً وفيه: " فإن لم يستطع أن يسجد أومأ إيماءاً , ويجعل سجوده أخفض من ركوعه وإن لم يستطع أن يصلى قاعداً صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة فإن لم يستطع صلى مستلقياً ورجلاه مما يلى القبلة " رواه الدارقطنى (ص ١٣٢) .
стр. 667
* ضعيف.
أخرجه الدارقطنى (ص ١٧٩) عن حسين بن حسين العرنى حدثنا حسين بن زيد عن جعفر ابن محمد عن أبيه عن على بن حسين عن الحسين بن على عن على بن أبى طالب عن النبى ﷺ قال: " يصلى المريض قائماً إن استطاع , فإن لم يستطع صلى قاعداً , فإن لم يستطع أن يسجد أومأ ... ".
قلت: وهذا سند ضعيف جداً , آفته العرنى هذا قال أبو حاتم: لم يكن بصدوق عندهم. وقال ابن عدى: لا يشبه حديثه حديث الثقات
وقال ابن حبان: يأتى عن الأثبات بالملزقات ويروى المقلوبات.
كذا فى "الميزان " ثم ساق له من مناكيره أحاديث هذا أحدها ثم قال: " وهو حديث منكر , وحسين بن زيد لين أيضاً ".
قلت: وحسين بن زيد هو ابن على بن الحسين بن على بن أبى طالب , قال عبد الرحمن ابن أبى حاتم قلت لأبى: ما تقول فيه؟ فحرك يده وقلبها , يعنى تعرف وتنكر!
وقال ابن عدى: " أرجو أنه لا بأس به , إلا أنى وجدت فى حديثه بعض النكرة ". كذا فى " نصب الراية " (٢/١٧٦) .
إذا عرفت ذلك فمن الغرائب سكوت ابن الجوزى فى " التحقيق " (ج ١ ص ٢٦٩ الحديث ٤٥٤) عليه وقد رواه من طريق الدارقطنى , وأغرب منه متابعة ابن الهادى له على السكوت! ! !
(٥٥٩) - (حديث: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " (ص ١٣٢) .
* صحيح.
وتقدم قريباً.
(٥٦٠) - (حديث أبى موسى مرفوعاً: " إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل مقيماً صحيحاً " (ص ١٣٢) .
стр. 668
* صحيح.
أخرجه البخارى (٢/٢٤٦) وأبو داود (٣٠٩١) وابن أبى شيبة (٢/٢٢٩/٢) وأحمد (٤/٤١٠ و٤١٨) عن إبراهيم بن إسماعيل السكسكى قال: سمعت أبا بردة واصطحب هو ويزيد بن أبى كبشة فى سفر , فكان يزيد يصوم فى السفر , فقال له أبو بردة: سمعت أبا موسى مراراً يقول: قال رسول الله ﷺ . فذكره إلا أنه قال: " مثل ما كان ".
قلت: والسكسكى هذا فيه ضعف وإن أخرج له البخارى كما سبق بيانه فى الحديث (٢٩٦) , لكن هذا الحديث له شواهد كثيرة يرقى بها إلى درجة الصحة , فمن المفيد أن أذكر بعضها:
١ ـ عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : " ما من أحد من المسلمين يبتلى ببلاء فى جسده إلا أمر الله الحفظة الذين يحفظونه: اكتبوا لعبدى [فى كل يوم وليلة] مثل ما كان يعمل وهو صحيح ما دام محبوساً فى وثاقى ". رواه أحمد (٢/١٩٤) وابن أبى شيبة والحاكم (١/٣٤٨) من طريقين عن القاسم بن مخيمرة عن عبد الله بن عمرو.
قلت: وهذا سند صحيح على شرط مسلم , وقال الحاكم " على شرطهما ". ووافقه الذهبى , والقاسم إنما أخرج له البخارى تعليقاً.
ثم رواه أحمد (٢/٢٠٥) من طريق ثالثة عن القاسم به نحوه.
ثم رواه (٢/٢٠٣) من طريق عاصم بن أبى النجود عن خيثمة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمرو به نحوه.
قلت: وهذا سند حسن.
٢ ـ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا ابتلى الله العبد المسلم ببلاء فى جسده قال الله: اكتب له صالح عمله الذى كان يعمله , فإن شفاه غسله وطهره , وإن قبضه غفر له ورحمه ".
стр. 669
أخرجه أحمد (٣/١٤٨ و٢٣٨ و٢٥٨) من طريق حماد بن سلمة عن سنان بن ربيعة قال: سمعت أنس بن مالك به.
قلت: وهذا سند حسن.
٣ ـ عن أبى الأشعث الصنعانى أنه راح إلى مسجد دمشق , وهجر بالرواح , فلقى شداد ابن أوس والصنابحى معه , فقلت: أين تريدان يرحمكما الله؟ قالا: نريد ها هنا إلى أخ لنا مريض نعوده , فانطلقت معهما حتى دخلا على ذلك الرجل , فقالا له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت بنعمة , فقال له شداد: أبشر بكفارات السيئات وحط الخطايا , ﴿فإنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يقول: إنى إذا ابتليت عبدا من عبادى مؤمنا فحمدنى على ما ابتليته فإنه يقوم من مضجعه ذلك كيوم ولدته أمه من الخطايا﴾ ويقول الرب : أنا قيدت عبدى وابتليته , وأجروا له كما كنتم تجرون له وهو صحيح ". أخرجه أحمد (٤/١٢٣) وإسناده حسن.
٤ ـ عن عطاء بن يسار يبلغ به النبى ﷺ قال: " إذا مرض العبد قال الله للكرام الكاتبين: اكتبوا لعبدى مثل الذى كان يعمل حتى أقبضه أو أعافيه ". أخرجه ابن أبى شيبة (٢/٢٣٠/١) بإسناد صحيح عنه , إلا أنه مرسل.
وفى الباب أحاديث أخرى , وفيما ذكرته كفاية.
(٥٦١) - (حديث يعلى ابن أمية: " أن النبى ﷺ , انتهى إلى مضيق هو وأصحابه وهو على راحلته والسماء من فوقهم , والبلة من أسفل منهم , فحضرت الصلاة فأمر المؤذن فأذن ثم تقدم فصلى بهم يعنى إيماءاً يجعل السجود أخفض من الركوع " رواه أحمد والترمذى (ص ١٣٣) .
* ضعيف.
رواه أحمد (٤/١٧٣ ـ ١٧٤) والترمذى (٢/٢٦٦ ـ ٢٦٧) وكذا الدارقطنى (١٤٦) والبيهقى (٢/٧) والخطيب فى تاريخه
стр. 670
(١١/١٨٢ ـ ١٨٣) من طريق عمرو بن عثمان بن يعلى عن أبيه عن جده.
وضعفه الترمذى بقوله: " حديث غريب ".
والبيهقى فقال: " وفى إسناده ضعف , ولم يثبت من عدالة بعض رواته ما يوجب قبول خبره ".
قلت: يشير بذلك إلى عمرو بن عثمان وأبيه فإنهما مجهولان.
(٥٦٢) - (حديث: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " (ص ١٣٣) .
* صحيح.
وتقدم قريباً.
стр. 671
فصل فى صلاة المسافر
(٥٦٣) - (حديث: " أن النبى ﷺ وخلفاءه داوموا على القصر " (ص ١٣٤) .
* صحيح المعنى.
وأما اللفظ فلم أره فى شىء من دواوين السنة , والظاهر أن المؤلف أخذه من مجموعة من الأحاديث , فأنا أذكر بعضها مما يدل على المعنى:
الأول: عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب قال: " صحبت ابن عمر فى طريق مكة , قال: فصلى لنا الظهر ركعتين , ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله , وجلس وجلسنا معه , فحانت منه التفاتة نحو حيث صلى , فرأى ناساً قياماً , فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون , قال: لو كنت مسبحاً أتممت صلاتى , يا ابن أخى إنى صحبت رسول الله ﷺ فى السفر فلم يزد
على ركعتين حتى قبضه الله , وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله , وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله , ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله , وقد قال الله (لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة) ".
أخرجه البخارى (١/٢٨٠) ومسلم (٢/١٤٤) وأبو عوانة (٢/٣٣٥) وأبو داود (١٢٢٣) والنسائى (١/٢١٣) والترمذى (٢/٥٤٤) وحسنه والبيهقى (٣/١٥٨) وأحمد (٢/٢٤ و٥٦) عن عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه به ,
والسياق لمسلم.
ولفظ البخارى:
стр. 672
" صحبت رسول الله ﷺ , فكان لا يزيد فى السفر على ركعتين , وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك ".
وهو رواية لأحمد , وفى أخرى له (٢/٤٤ ـ ٤٥) من طريق خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم به بلفظ: " خرجنا مع رسول الله ﷺ , فكان يصلى صلاة السفر يعنى ركعتين , ومع أبى بكر , وعمر , وعثمان ست سنين من إمرته , ثم صلى أربعاً ".
ثم أخرجه هو (٢/٢١) وأبو عوانة (٢/٣٣٨) من هذا الوجه نحوه.
قلت: ورواية خبيب هذه ـ وهو ثقة ـ تبين خطأ قول عيسى بن حفص فى روايته عن عثمان: " فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله " فقد زاد عليهما فى آخر أمره كما فى هذه الرواية الصحيحة عن حفص , وقد تابعه جماعة , ولذلك أنكر بعض المحققين قول عيسى هذا , ففى " نصب الراية " (٢/١٩٢) : " قال عبد الحق: هكذا فى هذه الرواية , والصحيح أن عثمان أتم فى آخر الأمر ,
كما أخرجاه من رواية نافع عنه , ومن رواية ابنه سالم أنه ﵇ صلى صلاة المسافر بمنى وغيره ركعتين وأبو بكر وعمر ﴿وصلى عثمان ركعتين صدرا من خلافته ثم أتمها أربعا انتهى﴾ .
وله طريق أخرى عن ابن عمر , فقال عوف الأزدى: " كان عمر بن عبيد الله بن معمر أميراً على فارس , فكتب إلى ابن عمر يسأله عن الصلاة؟ فكتب ابن عمر: أن رسول الله ﷺ , كان إذا خرج من أهله صلى ركعتين حتى يرجع إليهم ".
أخرجه أحمد (٢/٤٥) وإسناده حسن فى المتابعات والشواهد , رجاله
стр. 673
كلهم ثقات غير عوف هذا , أورده ابن أبى حاتم (٣/١/٣٨٥) وسمى أباه عبد الله , ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً , وذكره ابن حبان فى " الثقات " (١/١٧٤) .
وله فى المسند طرق أخرى , وسيأتى أحدها فى الحديث (٥٧٧) .
الثانى: عن أنس بن مالك قال: " خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة فصلى ركعتين ركعتين حتى رجع , قلت: كم أقام بمكة؟ قال: عشراً ".
أخرجه البخارى (١/٢٧٦) ومسلم (٢/١٤٥) وأبو عوانة (٢/٣٤٦ ـ ٣٤٧) والنسائى (١/٢١٢) والترمذى (٢/٤٣٣) والدارمى (١/٣٥٥) وابن ماجه (١٠٧٧) والبيهقى (٣/١٣٦) وأحمد (٣/١٨٧ و١٩٠) .
وقال الترمذى: " حديث حسن صحيح ".
الثالث: عن ابن عباس , وله عنه طريقان:
١ ـ عن سعيد بن شفى قال:
" جعل الناس يسألون ابن عباس عن الصلاة؟ فقال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج من أهله لم يصل إلا ركعتين حتى يرجع إليهم ".
أخرجه الطحاوى (١/٢٤٢) وأحمد (١/٢٤١ و٢٨٥) وابن أبى شيبة (٢/١٠٩/٢) من طريق أبى إسحاق عنه.
قلت: رجاله ثقات غير أن أبا إسحاق ـ وهو السبيعى ـ كان اختلط.
стр. 674
٢ ـ عن ابن سيرين عن ابن عباس:
" أن رسول الله ﷺ سافر من المدينة لا يخاف إلا الله فصلى ركعتين ركعتين حتى رجع ".
أخرجه أحمد (١/٢١٥ و٢٦٦) وابن أبى شيبة (٢/١١٠/١) وسنده صحيح على شرط الشيخين , وقد أخرجه النسائى أيضاً (١/٢١١) . والترمذى (٢/٤٣١) وقال: " حديث حسن صحيح ".
قلت: ويعارض هذه الأحاديث حديث عائشة قالت: " قصر رسول الله ﷺ فى السفر وأتم ".
أخرجه الطحاوى (١/٢٤١) وابن أبى شيبة (٢/١١١/٢) والدارقطنى (٢٤٢) والبيهقى (٣/١٤١ ـ ١٤٢) من طريق مغيرة بن زياد عن عطاء بن أبى رباح عنها.
ولكنه لا يصح , فإن المغيرة هذا قال الدارقطنى عقبه: " ليس بالقوى ".
وقد سأل عبد الله بن أحمد أباه عن حديثه هذا: يصح؟ فقال: " له أحاديث منكرة , وأنكر هذا الحديث " كما فى مسائله (١٠٧) .
وقد تابعه طلحة بن عمرو , عند الدارقطنى والبيهقى , ولكنها متابعة واهية لا تقوم بها حجة.
فإن طلحة هذا , قد قال الدارقطنى فيه: " ضعيف " وقد ألان الدارقطنى القول فيه فإن حاله أشد مما ذكر , فقد قال أحمد والنسائى: متروك الحديث.
وقال ابن حبان: " كان ممن يروى عن الثقات ما ليس من أحاديثهم , لا يحل كتب حديثه ولا الرواية عنه إلا على جهة التعجب ".
وفى " التقريب ": أنه متروك.
وقد خالفهما عمر بن ذر المرهبى , فقال: أخبرنا عطاء بن أبى رباح " أن عائشة كانت تصلى فى السفر المكتوبة أربعاً ".
стр. 675
أخرجه البيهقى وقال: " عمربن ذر كوفى ثقة ".
قلت: فروايته أولى , وهى تدل على أن الإتمام إنما هو عن عائشة موقوفا عليها , وهذا ثابت عنها من غير طريق , فى الصحيحين وغيرهما كما يأتى , وأما الرفع فلم يثبت عنها من وجه يصح.
وقد رواه الدارقطنى ومن طريقه البيهقى (٣/١٤١) وابن الجوزى فى " التحقيق " (١/١٥٣/١) من طريق سعيد بن محمد بن ثواب حدثنا أبو عاصم حدثنا عمرو بن سعيد عن عطاء بن أبى رباح عنها: " أن النبى ﷺ كان يقصر فى السفر
ويتم , ويفطر ويصوم ".
وقال: " هذا إسناد صحيح ".
قلت: ورجاله كلهم ثقات غير ابن ثواب , فإنى لم أجد له ترجمة فى غير " تاريخ بغداد " ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً فهو مجهول الحال كما سبق بيانه فى حديث " لا يمس القرآن إلا طاهر " رقم (١٢٢) فلا تطمئن النفس لصحة هذا الحديث , وهذا إذا كانت الرواية بلفظ: " يتم " و" يصوم " أى النبى ﷺ , كما وقع ذلك فى السنن المطبوعة , أما إذا كانت بلفظ " وتتم " " وتصوم " كما أورده الحافظ فى " التلخيص " (ص ١٢٨) مصرحاً ومقيداً له بأنه بالمثناة من فوق , فلا إشكال حينئذ , لأن المعنى أن عائشة هى التى كانت تتم , وهذا عنها صحيح كما سبق. ولكن فيما أورده الحافظ نظر عندى , لأن الرواية فى السنن كما ذكرنا بالمثناة التحتية , وكذلك فى " تحقيق ابن الجوزى " و" نصب الراية " للزيلعى (٢/١٩٢) من طريق الدارقطنى.
ومن الغريب أن الحافظ مع إيراده ما سبق قال عقب ذلك: " وقد استنكره أحمد , وصحته بعيدة , فإن عائشة كانت تتم , وذكر عروة أنها تأولت ما تأول عثمان , كما فى الصحيح , فلو كان عندها عن النبى ﷺ رواية لم يقل عروة عنها أنها تأولت , وقد ثبت فى الصحيحين خلاف ذلك ".
стр. 676
ووجه الغرابة , أن الذى استنكره أحمد إنما هو رفع الحديث إلى النبى ﷺ , وهو الذى يتوجه إليه قول الحافظ (وصحته بعيدة ... " وما بعده من التعليل , لا الموقوف , فلعل ضمير " استنكره " فى كلامه راجع إلى الحديث الذى ساقه الحافظ قبل هذا وهو عن عائشة قالت: " سافرت مع النبى ﷺ فلما رجعت قال: ما صنعت فى سفرك؟ قلت: أتممت الذى قصرت , وصمت الذى أفطرت , قال: أحسنت ".
هذا لفظ الحديث فى شرح الرافعى.
فقال الحافظ فى تخريجه: " النسائى والدارقطنى والبيهقى من حديث العلاء بن زهير عن عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة: " أنها اعتمرت مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت: يا رسول الله بأبى أنت وأمى , أتممتُ وقصرتَ , وأفطرتَ وصمت , فقال: أحسنت يا عائشة , وما عاب على ".
وفى رواية الدارقطنى: " عمرة فى رمضان " واستنكر ذلك , فإنه ﷺ لم يعتمر فى رمضان , وفيه اختلاف فى اتصاله.
قال الدارقطنى: عبد الرحمن أدرك عائشة ودخل عليها وهو مراهق , وهو كما قال ففى " تاريخ البخارى " وغيره ما يشهد لذلك , وقال أبو حاتم: دخل عليها وهو صغير , ولم يسمع منها.
قلت: وفى ابن أبى شيبة والطحاوى ثبوت سماعه منها.
وفى رواية للدارقطنى: عن عبد الرحمن عن أبيه عن عائشة.
قال أبو بكر النيسابورى: من قال فيه عن أبيه أخطأ.
واختلف قول الدارقطنى فيه , فقال فى السنن: إسناده حسن.
وقال فى العلل: " المرسل أشبه ".
قلت: ولعل الإرسال هو علة الحديث , وقد تعلق بعضهم فى إعلاله بالعلاء بن زهير لقول ابن حبان فيه: " يروى عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات , فبطل الاحتجاج به فيما لم يوافق الثقات ".
فقد رد الذهبى ثم العسقلانى هذا القول بأن العبرة بتوثيق يحيى ـ يعنى أن ابن معين قد وثقه ـ , فلا يعتد بتضعيف ابن حبان إياه , لاسيما وهو قد أورده
стр. 677
فى " الثقات " أيضاً , فتناقض.
وقد ذكر العلامة ابن القيم فى " زاد المعاد " أن الحديث لا يصح , ونقل عن شيخ الإسلام ابن تيمة أنه قال: " هو كذب على رسول الله ﷺ ".
فليراجع كلامه فى ذلك من شاء (١/١٨١ ـ ١٨٢) .
(٥٦٤) - (وروى أحمد عن ابن عمر مرفوعاً: " إن الله يحب أن تؤتى رخصة كما يكره أن تؤتى معصيته " (ص ١٣٤) .
* صحيح.
قال الإمام أحمد (٢/١٠٨) : حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عمارة بن غزية عن نافع عن ابن عمر به.
قلت: وهذا سند صحيح على شرط مسلم , ورواه ابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما كما فى " الترغيب " (٢/٩٢) .
ثم رأيته فى ابن حبان (٥٤٥ و٩١٤) رواه عن قتيبة به لكنه زاد حرب بن قيس بين عمارة ونافع.
ثم قال أحمد: حدثنا على بن عبد الله حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عمارة بن غزية عن حرب بن قيس عن نافع به. ومن هذا الوجه رواه الخطيب (١٠/٣٤٧) .
قلت: فزاد على وهو ابن المدينى فى إسناده حرب بن قيس , وقد ذكره ابن حبان فى " الثقات " وذكر البخارى أنه كان رضى , فإن كان الدراوردى قد حفظ الإسنادين فهو من هذا الوجه من المزيد فيما اتصل من الأسانيد , لكن الظاهر أن الدراوردى كان يضطرب فى إسناده , فقد أخرجه القضاعى فى " مسند الشهاب " (ق ٨٩/٢) عنه بالوجه الأول.
ورواه على وجه ثالث , أخرجه الطبرانى فى " الأوسط " (١/١٠٤/٢) وابن مندة فى " التوحيد " (ق ١٢٥/٢) وابن عساكر (١٢/٣٤٨/١) من طرق أخرى عن عبد العزيز بن محمد عن موسى بن عقبة عن حرب بن قيس عن
стр. 678
نافع به.
ثم رواه ابن منده من طريق هارون بن معروف حدثنا عبد العزيز به إلا أنه أسقط من السند حرب بن قيس.
وقال الطبرانى: " لم يدخل بين موسى ونافع حربا إلا الدراوردى ".
قلت: وهو صدوق احتج به مسلم , إلا أنه كان يحدث من كتب غيره فيخطىء, وقد اضطرب فى إسناد هذا الحديث على وجوه أربعة:
فتارة يرويه عن عمارة بن غزية عن نافع عن ابن عمر.
وتارة يدخل بين عمارة ونافع حرب بن قيس.
وتارة عن موسى بن عقبة بدل عمارة بن غزية , على الوجهين المذكورين.
ولعل الوجه الثانى هو الأرجح , لأنه قد توبع عليه , فقد قال ابن الأعرابى فى معجمه (ق ٢٢٣/١) : قرأت على على: أنبأنا ابن أبى مريم أنبأنا يحيى بن أيوب حدثنى عمارة بن غزية عن حرب بن قيس عن نافع به.
قلت: ويحيى بن أيوب هو الغافقى المصرى وهو ثقة من رجال الشيخين ومثل ابن أبى مريم واسمه سعيد , وأما على شيخ ابن الأعرابى فهو ابن داود القنطرى وهو ثقة , فصح بذلك إسناد الحديث ونجا من الاضطراب المخل بالصحة.
على أن للحديث شواهد من حديث عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وأبى هريرة وأنس بن مالك وأبى الدرداء وأبى أمامة وواثلة بن الأسقع.
أما حديث ابن عباس , فهو بلفظ: " ... كما يحب أن تؤتى عزائمه ".
أخرجه أبو بكر الشيرازى فى " سبعة مجالس ": (ق ٨/١) عن الحسن بن على بن شبيب المعمرى أنبأنا حسين بن محمد بن أيوب السعدى حدثنا أبو محصن حصين بن نمير أنبأنا هشام وهو ابن حسان عن عكرمة عنه , مرفوعاً به.
وقال:
стр. 679
" قال الحاكم: هذا متن يعرف من حديث ابن عمرو وغيره عن النبى ﷺ , لم نكتبه من حديث هشام بن حسان عن عكرمة إلا بهذا الإسناد , وهذا أحد ما يعد من غرائب المعمرى ".
قلت: كلا فقد توبع عليه , قال الطبرانى فى " المعجم الكبير (٣/١٣٩/١) : حدثنا الحسن بن إسحاق التسترى أنبأنا الحسين بن محمد الزراع به.
ومن طريق الطبرانى رواه أبو نعيم فى " الحلية " (٦/٢٧٦) ورواه ابن حبان (٩١٣) من طريق ثالث عن الحسين بن محمد به.
والحسين هذا ثقة , ومن فوقه من رجال البخارى فالسند صحيح وحسنه المنذرى (٢/٩٢) , وقد أخرجه الواحدى فى " الوسيط " (٦٣/١ ـ ٢) عن أبى محصن به.
ثم رواه الطبرانى من طريق عباد بن زكريا الصريمى أنبأنا هشام بن حسان به ورجاله ثقات غير الصريمى.
وقال الهيثمى فى " المجمع " (٣/١٦٢) : " رواه الطبرانى فى الكبير والبزار ورجالهما ثقات ".
وأما حديث ابن مسعود فهو بلفظ: " إن الله يحب أن تقبل رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ".
أخرجه الطبرانى فى " الكبير " (٣/٦١/٢) : حدثنا أبو مسلم الكشى أنبأنا معمر بن عبد الله الأنصارى حدثنا شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن علقمة عنه مرفوعاً.
ومن هذا الوجه أخرجه أبو نعيم (٢/١٠١) وكذا الطبرانى فى " الأوسط " (١/١٠٤/١) وقال: " لم يروه عن شعبة مرفوعاً إلا معمر ومسكين بن بكير الحرانى ".
قلت: ومعمر هذا قال العقيلى: " لا يتابع على رفع حديثه ".
قلت: لكن قد تابعه فى رفع هذا الحديث مسكين هذا , وقد احتج به
стр. 680
الشيخان , لكن الطريق إليه لا تصح , أخرجه ابن عدى فى " الكامل " (ق ٣٢٧/٢) من رواية مصعب بن سعيد عن مسكين به وقال: " لا أعلم رواه غير مصعب بن سعيد عن مسكين عن شعبة , ومصعب الضعف على حديثه بين ".
وأما حديث عائشة فهو بلفظ: " إن الله يحب أن يؤخذ برخصه , كما يحب أن يؤخذ بعزائمه قلت: وما عزائمه؟ قال: فرائضه ".
أخرجه ابن حبان فى " الثقات " (٢/٢٠٠) والطبرانى فى " الأوسط " من طريق عمر بن عبيد البصرى ـ صاحب الخمر ـ حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عنها.
وقال الطبرانى: " لم يروه عن هشام إلا عمر ".
قلت: وهو ضعيف كما قال الهيثمى (٣/١٦٣) .
وأما حديث أبى هريرة فهو من رواية يحيى بن عبيد الله عن أبيه عنه.
أخرجه أبو نعيم فى " أخبار أصبهان " (١/٢٨٦) .
وهذا سند واهٍجداً , يحيى متروك متهم بالوضع وأبوه مجهول العدالة.
وأما حديث أنس , فأخرجه الدولابى فى " الكنى " (٢/٢/٤٢) بإسناد ضعيف , وقد وقع فيه تحريف من الطابع , وله طريق أخرى يأتى بعده.
وأما حديث أبى الدرداء ومن بعده , فأخرجه الطبرانى فى " الأوسط " (١/١٠٤/١ ـ ٢) من طريق عبد الله بن يزيد بن آدم عن أبى الدرداء وأبى أمامة ووائلة [١] بن الأسقع وأنس بن مالك مرفوعاً بلفظ: " إن الله يحب أن تقبل رخصه , كما يحب العبد مغفرة ربه ".
стр. 681
قلت: وهو بهذا اللفظ باطل , وآفته عبد الله هذا.
قال أحمد: أحاديثه موضوعة.
وجملة القول أن الحديث صحيح بلفظيه المتقدمين: " ... كما يكره أن تؤتى معصيته " , " ... كما يحب أن تؤتى عزائمه ".
وأما إنكار شيخ الإسلام ابن تيمية اللفظ الثانى فى أول " كتاب الإيمان " فمما لا يلتفت إليه بعد وروده من عدة طرق بعضها صحيح كما سلف.
(٥٦٥) - (حديث ابن عباس مرفوعاً: " يا أهل مكة لا تقصروا فى أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان " رواه الدارقطنى.
* ضعيف.
رواه الدارقطنى (١٤٨) وعنه البيهقى (٣/١٣٧ ـ ١٣٨) والطبرانى (٣/١١٢/١) من طريق إسماعيل بن عياش أنبأنا عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه وعطاء بن أبى رباح عن ابن عباس به.
وقال البيهقى: " وهذا حديث ضعيف , إسماعيل بن عياش , لا يحتج به , وعبد الوهاب بن مجاهد ضعيف بمرة , والصحيح أن ذلك من قول ابن عباس ".
وأورده عبد الحق فى " الأحكام " (ق ٦٢/١) من رواية الدارقطنى.
ثم قال: " عبد الوهاب بن مجاهد ضعفه أحمد وابن معين وأبو حاتم , وسفيان الثورى يرميه بالكذب ".
ونحوه فى " التحقيق " لابن الجوزى (ق ١٥٢/١) .
وفى " مجمع الزوائد " (٢/١٥٧) : " رواه الطبرانى فى الكبير من رواية ابن مجاهد عن أبيه وعطاء , ولم أعرفه , وبقية رجاله ثقات ".
стр. 682
كذا قال , وابن مجاهد هو عبد الوهاب كما فى رواية الدارقطنى , وإسماعيل بن عياش ضعيف فى روايته عن غير الشاميين وهذه منها.
وقال الحافظ فى " الفتح " (٢/٤٦٧) : " وهذا إسناد ضعيف من أجل عبد الوهاب "
وفى " التلخيص " (١٢٩) : " وإسناده ضعيف , فيه عبد الوهاب بن مجاهد وهو متروك رواه عنه إسماعيل بن عياش , وروايته عن الحجازيين ضعيفة , والصحيح عن ابن عباس من قوله ".
قال ابن أبى شيبة (٢/١٠٩/١) : ابن عيينة عن عمرو قال: أخبرنى عطاء عن ابن عباس قال: " لا تقصروا إلى عرفة وبطن نخلة , واقصروا إلى عسفان والطائف وجدة , فإذا قدمت على أهلٍ أو ماشية فأتم ".
وإسناده صحيح , ورواه الشافعى (١/١١٥) بهذا الإسناد نحوه ويأتى.
ويعارض الحديث حديثان: أحدهما عن أنس , والآخر عن أبى سعيد الخدرى.
أما حديث أنس فهو من رواية يحيى بن يزيد الهنائى قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة , فقال: " كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ (شعبة الشاك) صلى ركعتين ".
أخرجه مسلم (٢/١٤٥) وأبو عوانة (٢/٣٤٦) وأبو داود (١٢٠١) وابن أبى شيبة (٢/١٠٨/١ ـ ٢) والبيهقى (٣/١٤٦) وأحمد (٣/١٢٩) وزاد بعد قوله: " عن قصر الصلاة ": " قال: كنت أخرج إلى الكوفة فأصلى ركعتين حتى أرجع ".
стр. 683
وهى رواية للبيهقى وإسنادها صحيح.
وأما حديث أبى سعيد فيرويه أبو هارون العبدى عنه مرفوعاً بلفظ: " كان إذا سافر فرسخاً قصر الصلاة وأفطر ".
أخرجه ابن أبى شيبة (٢/١٠٨/١) وعبد بن حميد فى مسنده كما فى " ثلاثياته " (ق ٧٨/٢) و" المنتخب منه " (ق ١٠٤/٢) وسعيد بن منصور كما فى " الكواكب الدرارى " (٢/٦٠/١) وعبد الغنى المقدسى فى " السنن " (ق ٦٥/٢) .
وقال: " اسم أبى هارون العبدى عمارة بن جوين ".
قلت: وهو متروك , ومنهم من كذبه كما فى " التقريب " للحافظ ومن عجائبه أنه سكت عن الحديث فى " التلخيص " (١٣٠) وقد ذكره من رواية سعيد بن منصور فقط وتبعه على ذلك الصنعانى فى " سبل السلام " (٢/٥٤) .
فالعمدة على حديث أنس , وقد قال الحافظ فى " الفتح " (٢/٤٦٧) : " وهو أصح حديث ورد فى بيان ذلك وأصرحه , وقد حمله من خالفه على أن المراد به المسافة التى يبتدأ منها القصر , لا غاية السفر , ولا يخفى بعد هذا الحمل مع أن البيهقى (قلت: وكذا أحمد) ذكر فى روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد راويه عن أنس قال: سألت أنساً عن قصر الصلاة , وكنت أخرج إلى الكوفة , يعنى من البصرة فأصلى ركعتين حتى أرجع , فقال أنس , فذكر الحديث.
فظهر أنه سأله عن جواز القصر فى السفر لا عن الموضع الذى يبتدأ القصر منه.
ثم إن الصحيح فى ذلك أنه لا يتقيد بمسافة , بل بمجاورة البلد الذى يخرج منها.
ورده القرطبى بأنه مشكوك فيه فلا يحتج به , فإن كان المراد به أنه لا يحتج به فى التحديد بثلاثة أميال فمسلم , لكن لا يمتنع أن يحتج به فى التحديد بثلاثة فراسخ , فإن الثلاثة أميال مندرجة فيه , فيؤخذ بالأكثر احتياطاً.
وقد روى ابن أبى شيبة عن حاتم بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن حرملة قال: قلت لسعيد
стр. 684
بن المسيب: " أقصر الصلاة وأفطر فى بريد من المدينة؟ قال: نعم ".
قلت: وقد صح عن ابن عمر رضى الله عنه جواز القصر فى ثلاثة أميال , كما سيأتى بعد حديثين , وهى فرسخ , فالأخذ بحديث أنس أولى من حديث ابن عباس لصحته ورفعه وعمل بعض الصحابة به. والله أعلم.
على أن قصره ﷺ فى المدة المذكورة لا ينفى جواز القصر فى أقل منها إذا كانت فى مسمى السفر , ولذلك قال ابن القيم فى " الزاد ": " ولم يحد ﷺ لأمته مسافة محدودة للقصر والفطر بل أطلق لهم ذلك فى مطلق السفر والضرب فى الأرض , كما أطلق لهم التيمم فى كل سفر.
وأما ما يروى من التحديد باليوم واليومين أو الثلاثة فلم يصح عنه منها شىء البتة " والله أعلم.
(٥٦٦) - (" حديث ابن عباس وابن عمر كانا لا يقصران فى أقل من أربعة برد " (ص ١٣٤) .
قلت: وهو معنى ما علقه البخارى وقد ذكره المؤلف بعد حديث , فلنتكلم عليه هناك (٥٦٨) .
(٥٦٧) - (وقال البخارى فى صحيحه: " باب فى كم يقصر الصلاة , وسمى النبى ﷺ يوماً وليلة سفراً " (ص ١٣٤) .
قلت: ثم ساق البخارى (١/٢٧٧) فى الباب أحاديث منع المرأة من السفر إلا مع محرم , منها حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال النبى ﷺ : " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة ".
ورواه مسلم (٤/١٠٣) إلا أنه قال: " إلا مع ذى محرم عليها ".
وأخرجه أبو داود أيضاً (١٧٤٢) , وفى رواية له بلفظ:
стр. 685
" بريداً " بدل " يوماً وليلة ".
ورجالهما ثقات , ولكن اللفظ شاذ , وقد أشار الحافظ فى " الفتح " (٢/٤٦٧) إلى أنه غير محفوظ , ولعل الخطأ من جرير وهو ابن عبد الحميد , فقد قال الحافظ فى ترجمته من " التقريب ": " ثقة , صحيح الكتاب , قيل كان فى آخر عمره يهم من حفظه ".
فلعله روى الحديث فى الآخر من حفظه فأخطأ. والله أعلم.
(٥٦٨) - ( [قال البخارى] : " وكان ابن عباس وابن عمر يقصران ويفطران فى أربعة برد وهى ستة عشر فرسخاً " (ص ١٣٤) .
* صحيح.
قلت: وصله البيهقى فى سننه (٣/١٣٧) من طريق يزيد بن أبى حبيب عن عطاء بن أبى رباح أن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس رضى الله عنهم كانا يصليان ركعتين ركعتين , ويفطران فى أربعة برد مما فوق ذلك.
وإسناده صحيح. وقال الحافظ (٢/٤٦٦) : " وصله ابن المنذر من رواية يزيد بن أبى حبيب عن عطاء بن أبى رباح أن ابن عمر وابن عباس كانا يصليان ركعتين ويفطران فى أربعة برد , فما فوق ذلك.
وروى السراج من طريق عمرو بن دينار عن ابن عمر نحوه.
وروى الشافعى عن مالك عن ابن شهاب عن سالم أن ابن عمر ركب إلى ذات النصب فقصر الصلاة.
قال مالك: وبينها وبين المدينة أربعة برد.
ورواه عبد الرزاق عن مالك هذا فقال: بين المدينة وذات النصب ثمانية عشر ميلا , وفى الموطأ (١) عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه أنه كان يقصر فى مسيرة اليوم التام. ومن طريق عطاء أن ابن عباس سئل أتقصر الصلاة إلى عرفة؟ قال: لا , ولكن إلى عسفان أو إلى جدة أو الطائف ".
قلت: هذه الطريق ليست فى الموطأ , وإنما هى عند الشافعى (١/١١٥) : أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء بن أبى رباح قال: قلت لابن عباس: أقصر إلى عرفة؟ قال: لا ولكن إلى جده وعسفان
стр. 686
والطائف , وإن قدمت على أهل أو ماشية فأتم ".
ورواه ابن أبى شيبة نحوه وتقدم لفظه قبل حديثين (٥٦٥) .
وإسناده صحيح كما قال الحافظ فى " التلخيص " (١٢٩) عازيا إياه إلى الشافعى.
قال: " وذكره مالك فى الموطأ عن ابن عباس بلاغا ".
قلت: هو فى " الموطأ " (١/١٤٨/١٥) بلاغاً كما قال لكنه من فعله لا من قوله بلفظ: " كان يقصر الصلاة فى مثل ما بين مكة والطائف , وفى مثل ما بين مكة وعسفان , " وفى مثل ما بين مكة وجدة ".
قال مالك: وذلك أربعة برد.
ورواه ابن أبى شيبة (٢/١٠٨/٢) من طريق ربيعة الجرشى عن عطاء بن أبى رباح به نحو روايةالشافعى وزاد: " وذلك ثمانية وأربعون ميلاً , وعقد بيده ".
وإسناده صحيح أيضاً.
(فائدة) البريد اثنا عشر ميلا , كما فى " المختار " وغيره , وقد صح عن ابن عمر القصر فى أقل من البريد , فأخرج ابن أبى شيبة (٢/١٠٨/١) عن محمد بن زيد بن خليدة عن ابن عمر قال: " تقصر الصلاة فى مسيرة ثلاثة أميال ".
وإسناده صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير ابن خليدة هذا وقد روى عنه جماعة من الثقات كما فى " الجرح والتعديل " (٣/٢/٢٥٦) وقد ذكره ابن حبان فى " الثقات " (١/٢٠٦/٢) .
ثم روى (٢/١٠٩/١) عن محارب بن دثار قال: سمعت ابن عمر
стр. 687
يقول: " إنى لأسافر الساعة من النهار وأقصر ".
وإسناده صحيح كما قال الحافظ فى " الفتح " (٢/٤٦٧) .
ثم روى (٢/١١١/١) عن نافع عن ابن عمر: " إنه كان يقيم بمكة فإذا خرج إلى منى قصر " وإسناده صحيح أيضاً.
وقال الثورى: سمعت جبلة بن سحيم سمعت ابن عمر يقول: " لو خرجت ميلاً قصرت
الصلاة " ذكره الحافظ وصححه.
قلت: وهذه الآثار عن ابن عمر أقرب إلى السنة على ما سبق بيانه قبل حديثين (٥٦٥) والله أعلم.
(٥٦٩) - (حديث: " أنه ﷺ إنما كان يقصر إذا ارتحل " (ص ١٣٥) .
* لا أعرفه بهذا اللفظ.
والظاهر أن المصنف لا يعنى أنه مروى به , بل بالمعنى , وهو صحيح تدل عليه أحاديث , منها حديث أنس:
" كان رسول الله ﷺ إذا خرج ... صلى ركعتين ".
رواه مسلم وغيره وقد تقدم بتمامه قبل ثلاثة أحاديث (٥٦٥) .
ومنها: حديثه الآخر الآتى بعده.
ومنها: حديث الشعبى مرسلاً: " كان النبى ﵇ إذا خرج مسافراً قصر الصلاة من ذى الحليفة ".
أخرجه ابن أبى شيبة (٢/١٠٨/١) بسند صحيح عنه.
стр. 688
ومنها: حديث أبى هريرة: " أنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ ومع أبى بكر وعمر من المدينة إلى مكة , كلهم صلى ركعتين من حين خرج من المدينة حتى يرجع إلى المدينة فى المسير والإقامة بمكة ".
أخرجه الطبرانى فى " الأوسط " (١/٤٦/٢) عن حبيب بن أبى حبيب عن عمرو بن هرم عن جابر بن زيد قال: زعم أبو هريرة به.
وقال: " تفرد به أبو كامل ".
قلت: وهو ثقة حافظ ممن احتج بهم مسلم , وكذلك سائر رواته , إلا أن حبيباً هذا وهو الأنماطى البصرى أخرج له متابعة , وهو حسن الحديث.
وقال الهيثمى (٢/١٥٦) : " رواه أبو يعلى والطبرانى فى الأوسط , ورجال أبى يعلى رجال الصحيح ".
وفى " الباب " عن ابن عباس وقد ذكرناه فى الحديث (٥٦٣) .
(٥٧٠) - (حديث: " أن النبى ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعاً والعصر بذى الحليفة ركعتين " (ص ١٣٥) .
* صحيح.
أخرجه البخارى (١/٢٧٧) ومسلم (٢/١٤٤) وأبو عوانة (٢/٣٤٧) وأبو داود (١٢٠٢) والنسائى (١/٨٣) والترمذى (٢/٤٣١) وابن أبى شيبة (٢/١٠٨/١) والبيهقى (٣/١٤٥ ـ ١٤٦) وأحمد (٣/١١١ و١٧٧ و١٨٦ و٢٦٨) من طرق عن أنس به. وقال الترمذى: " حديث حسن صحيح ".
وزاد أحمد فى روايته: " وبات بها حتى أصبح , فلما صلى الصبح ركب راحلته , فلما انبعثت به سبح وكبر حتى استوت به على البيداء , ثم جمع بينهما , فلما قدمنا مكة أمرهم
стр. 689
رسول الله ﷺ أن يحلوا , فلما كان يوم التروية , أهلوا بالحج , ونحر رسول الله ﷺ سبع بدنات بيده قياماً , وضحى رسول الله ﷺ بكبشين أقرنين أملحين ".
وروى البخارى (١/٣٩١ ـ ٣٩٢) بعضه.
وزاد أحمد فى رواية (٣/٢٣٧) : " آمناً لا يخاف فى حجة الوداع ".
وإسناده جيد.
(٥٧١) - (حديث: " أن ابن عباس سئل: ما بال المسافر يصلى ركعتين حال الانفراد وأربعا إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة " رواه أحمد (ص ١٣٥) .
* صحيح.
ولم أجده فى المسند بهذا اللفظ , وهو فيه , بألفاظ أقربها إلى لفظ المؤلف ما أخرجه (١/٢١٦) من طريق أيوب عن قتادة عن موسى بن سلمة قال: " كنا مع ابن عباس بمكة , فقلت: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعا , وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين؟ قال: تلك سنة أبى القاسم ﷺ ".
قلت: وسنده صحيح رجاله رجال الصحيح , وأخرجه أبو عوانة فى صحيحه (٢/٣٤٠) ولكنه لم يسق لفظه.
وفى لفظ لأحمد (١/٣٣٧) من طريق شعبة عن قتادة به: " كيف أصلى إذا كنت بمكة إذا لم أصل مع الإمام؟ قال: ركعتين سنة أبى القاسم ﷺ " وهو بهذا اللفظ عند مسلم (٢/١٤٣ ـ ١٤٤) من هذا الوجه. وأخرجه النسائى نحوه (١/٢١٢) , وله فى المسند (١/٢٢٦ و٢٩٠ و٣٦٩) ألفاظ أخرى بمعناه , وكذا أخرجه أبو عوانة (٢/٣٤٠) والبيهقى (٣/١٥٣ ـ ١٥٤) والطحاوى (١/٢٤٥) .
стр. 690
وروى البيهقى (٣/١٥٧) بسند صحيح عن أبى مجلز قال: " قلت لابن عمر: المسافر يدرك ركعتين من صلاة القوم يعنى المقيمين أتجزيه الركعتان أو يصلى بصلاتهم؟ قال: فضحك وقال: يصلى بصلاتهم ".
(٥٧٢) - (حديث: " أن النبى ﷺ أقام بمكة فصلى بها إحدى وعشرين صلاة يقصر فيها وذلك أنه قدم صبح رابعة , فأقام إلى يوم التروية (١) فصلى الصبح ثم خرج " ذكره الإمام أحمد (ص ١٣٥) .
* صحيح المعنى.
وهو مستنبط من أحاديث صفة حجته ﷺ , وهى كثيرة جدا , أنسبها بالمقام حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: " قدمنا مع رسول الله ﷺ لأربع مضين من ذى الحجة , فقال النبى ﷺ : أحلوا , واجعلوها عمرة , فضاقت بذلك صدورنا وكبر علينا , فبلغ ذلك النبى ﷺ , فقال: يا أيها الناس أحلوا , فلولا الهدى الذى معى لفعلت مثل الذى تفعلون فأحللنا حتى وطئنا النساء , وفعلنا ما يفعل الحلال , حتى إذا كان يوم التروية , وجعلنا مكة بظهر لبينا بالحج ".
أخرجه النسائى (٢/٤٣) وإسناده صحيح ومسلم (٤/٣٧) وليس عنده تاريخ القدوم من طريق عبد الملك بن أبى سليمان عن عطاء عن جابر.
وقد تابعه قيس بن سعد عن عطاء به , مثل رواية النسائى.
أخرجه أحمد (٣/٣٦٢) وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وفى رواية لمسلم وغيره من طريق محمد بن جعفر عن أبيه عن جابر فى حديثه الطويل فى حجته ﷺ وآله وسلم:
" فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى , فأهلوا بالحج , وركب رسول الله
стр. 691
صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ... ". الحديث.
ولى فى حديث جابر هذا رسالة لطيفة جمعت فيها ما تيسر من ألفاظه ورواياته , وهى مطبوعة.
(٥٧٣) - (حديث: " قال أنس: أقمنا بمكة عشراً نقصر الصلاة " (ص ١٣٥) .
* صحيح.
وتقدم تخريجه فى الحديث (٥٦٣) .
(٥٧٤) - (حديث: " أن النبى ﷺ أقام بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة " رواه أحمد (ص ١٣٦) .
* صحيح.
قال الإمام أحمد (٣/٢٩٥) : حدثنا عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن يحيى بن أبى كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن جابر قال: " أقام رسول الله ﷺ ... " الحديث.
ومن طريق أحمد أخرجه أبو داود (١٢٣٦) وقال: " غير معمر لا يسنده ".
ورده النووى فى " الخلاصة " بقوله: " هو حديث صحيح الإسناد , على شرط البخارى ومسلم , لا يقدح فيه تفرد معمر , فإنه ثقة حافظ فزيادته مقبولة ".
وأقره الزيلعى (٢/١٨٦) , وقال الحافظ فى " التلخيص " (١٢٩) عقب قول أبى داود المذكور:
" ورواه ابن حبان ـ يعنى: فى " صحيحه " ـ والبيهقى (٣/١٥٢) من حديث معمر , وصححه ابن حزم والنووى , وأعله الدارقطنى فى " العلل " بالإرسال والانقطاع , وأن على بن المبارك وغيره من الحفاظ قد رووه عن يحيى بن أبى كثير
стр. 692
عن ابن ثوبان مرسلاً , وأن الأوزاعى رواه عن يحيى عن أنس , فقال: بضع شعرة. قلت: بهذا اللفظ رواه جابر , أخرجه البيهقى من طريقه بلفظ: غزوت مع النبى ﷺ تبوك , فأقام بها بضع عشرة , فلم يزد على ركعتين حتى رجع ".
قلت: هذا أخرجه البيهقى من حديث أبى أنيسة عن أبى الزبير عن جابر.
وأبو الزبير مدلس وقد عنعنه , وأما أبو أنيسة , فلم أعرفه ولم يورده الدولابى فى " الكنى " فلا يعل بمثله حديث ابن ثوبان عنه , وإرسال على بن المبارك إياه سبق الجواب عنه فى كلام النووى , فالأرجح أن الحديث صحيح , وهذا المرسل أخرجه ابن أبى شيبة (٢/١١٢/١) .
وأما رواية الأوزاعى المذكورة , فأخرجها الطبرانى فى " الأوسط " (١/٤٦/٢) من طريق عمرو بن عثمان الكلابى حدثنا عيسى بن يونس عن الأوزاعى به. وقال: " لم يروه عن الأوزاعى إلا عيسى ولا عنه إلا عمرو ".
قلت: وهو متروك كما فى " المجمع " (٢/١٥٨) , وقال الحافظ فى " التقريب " و" التلخيص ": " ضعيف " قال: " وقد اختلف فيه على الأوزاعى , ذكره الدارقطنى فى " العلل " وقال: الصحيح عن الأوزاعى عن يحيى أن أنسا كان يفعل. قلت: ويحيى لم يسمع من أنس ".
قلت: والموقوف على أنس سيأتى فى الكتاب بعد حديث , ومنه يتبين أنه حديث آخر ليحيى , فلا يعل به حديث الباب. والله تعالى أعلم.
(٥٧٥) - (حديث: " أنه ﷺ لما فتح مكة أقام بها تسعة عشر يوما يصلى ركعتين " رواه البخارى (ص ١٣٦) .
* صحيح.
أخرجه البخارى (١/٢٧٦) من طريق أبى عوانة عن عاصم
стр. 693
وحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: " أقام رسول الله ﷺ تسعة عشر يوما يقصر , فنحن إذا سافرنا فأقمنا تسعة عشر قصرنا , وإن زدنا أتممنا ".
ومن هذا الوجه أخرجه البيهقى (٣/١٥٠) به.
ثم أخرجه هو والدارقطنى (١٤٩) من طرق عن أبى عوانة به إلا أنه لم يذكر حصينا وقال: " سبعة عشر يوما ".
وبهذا اللفظ أخرجه ابن أبى شيبة (٢/١١٢/٢) : حدثنا حفص عن عاصم عن عكرمة به، وهكذا أخرجه أبو داود (١٢٣٠) والبيهقى من طرق عن حفص به.
وقال الإمام أحمد (١/٢٢٣) : حدثنا أبو معاوية حدثنا عاصم الأحول به باللفظ الأول " تسع عشرة ".
وكذلك أخرجه الترمذى (٢/٤٣٤) والطحاوى (١/٢٤٢) والبيهقى من طرق عن أبى معاوية به. وقال الترمذى: " حديث غريب حسن صحيح ".
لكن ذكر البيهقى أن عثمان بن أبى شيبة رواه عن أبى معاوية باللفظ الثانى: " سبع عشرة ".
ثم أخرجه البخارى (٣/١٤٣) من طريق ابن شهاب عن عاصم به باللفظ الأول.
لكن أخرجه الدارقطنى من هذا الوجه باللفظ الثانى!
قلت: فهذا اضطراب شديد على عاصم وعلى الرواة عنه , لكن لعل اللفظ الأول هو الأرجح , فقد رواه عبد الواحد بن زياد عن عاصم به.
أخرجه ابن ماجه (١٠٧٥) بإسناد صحيح. ولا أعلمه اختلف فيه على ابن زياد.
стр. 694
ورواه البخارى (٣/١٤٣) من طريق عبد الله (وهو ابن المبارك) قال: أخبرنا عاصم به. ولفظه: " أقام النبى ﷺ بمكة تسعة عشر يوما يصلى ركعتين " ورجح البيهقى هذه الرواية وقال: " أنها أصح الروايات , ولم يختلف فيها على عبد الله بن المبارك وهو أحفظ من رواه عن عاصم الأحول. والله أعلم ".
قلت: وفيما نفاه من الاختلاف نظر فإن عبد بن حميد قال فى مسنده: حدثنا عبد الرزاق أنبأنا ابن المبارك به بلفظ: عشرين يوما كما فى " التلخيص " (١٢٩) وقال: " وهى صحيحة الإسناد , إلا أنها شاذة , اللهم إلا أن يحمل على جبر الكسر ".
قلت: فالترجيح برواية ابن زياد أولى لما سبق ذكره.
وللحديث طريق آخر عن عكرمة.
رواه شريك عن ابن الأصبهانى عنه بلفظ: " أقام بمكة عام الفتح سبع عشرة , يصلى ركعتين " أخرجه أبو داود (١٢٣٢) والبيهقى وأحمد (١/٣٠٣ و٣١٥) .
قلت: ورجاله ثقات , غير أن شريكا وهو ابن عبد الله القاضى سىء الحفظ فلا يحتج به.
وله طريق أخرى عن ابن عباس. يرويه محمد بن إسحاق عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله عنه بلفظ: " أقام رسول الله ﷺ بمكة عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة ".
أخرجه أبو داود (١٢٣١) وابن ماجه (١٠٧٦) والبيهقى عن أبى داود وأعلاه بأن جماعة لم يذكروا فيه ابن عباس , فهو مرسل.
стр. 695
قلت: وابن إسحاق مدلس وقد عنعنه فلا يحتج به أيضا , لكنه لم يتفرد به , فرواه عراك بن مالك عن عبيد الله بن عبد الله به.
أخرجه النسائى (١/٢١٢) وإسناده صحيح , لكن قوله " خمس عشرة " شاذ لمخالفته لسائر الروايات كما فى " التلخيص " (١٢٩) .
وجملة القول: أن أصح هذه الروايات الرواية الأولى والثانية وأصحهما الأولى , وقد جمع بينهما البيهقى وغيره بأن من روى الأولى عدد يوم الدخول ويوم الخروج , ومن روى الأخرى لم يعدهما , وقال الحافظ: وهو جمع متين. والله أعلم.
(٥٧٦) - (قال أنس: " أقام أصحاب النبى ﷺ برام هرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة " رواه البيهقى بإسناد حسن (ص ١٣٦) .
* ضعيف.
أخرجه البيهقى (٣/١٥٢) من طريق عكرمة بن عمار حدثنا يحيى بن أبى كثير عن أنس أن أصحاب رسول الله ﷺ أقاموا ... الحديث.
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات كلهم إلا أنه منقطع , فإن يحيى لم يسمع من أنس كما قال الحافظ فى حديث ذكرناه قبل حديث , وقد ذهل عن هذه العلة المؤلف أو من تبعه فحسنه , وهو مسبوق بمثله! ففى " نصب الراية " (٢/١٨٦) : " قال النووى: إسناده صحيح , وفيه عكرمة بن عمار , واختلفوا فى الاحتجاج به , واحتج به مسلم فى صحيحه ".
قلت: والحق أن عكرمة هذا حسن الحديث , لولا أن حديثه هذا منقطع. ولا عجب أن يخفى ذلك على النووى وغيره وإنما العجب أن يخفى على الحافظ ابن حجر فيتابع فى كتابه " الدراية " أصله " نصب الراية " فيقول (ص ١٢٩) إنه صحيح! مع أنه إسناد منقطع باعترافه , فجل من لا ينسى.
(٥٧٧) - (حديث: " أن ابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر
стр. 696
الصلاة وقد حال الثلج بينه وبين الدخول " رواه الأثرم (ص ١٣٦) .
* صحيح.
ورواه البيهقى (٣/١٥٢) من طريق نافع عن ابن عمر أنه قال: " أريح علينا الثلج , ونحن بأذريبجان ستة أشهر فى غزاة , وكنانصلى ركعتين ".
قلت: وإسناده صحيح , كما قال الحافظ فى " الدراية " (١٢٩) , وهو على شرط الشيخين كما نقله الزيلعى (٢/١٨٥) عن النووى وأقره.
وله طريق أخرى , فقال ثمامة بن شراحيل: " خرجت إلى ابن عمر فقلت: ما صلاة المسافر؟ فقال: ركعتين ركعتين , إلا صلاة المغرب ثلاثا , قلت: أرأيت إن كنا بـ (ذى المجاز) ؟ قال: وما (ذو المجاز) ؟ قال: قلت: مكان نجتمع فيه , ونبيع فيه , ونمكث عشرين ليلة أو خمس عشرة ليلة , فقال: يا أيها الرجل كنت بأذربيجان ـ لا أدرى قال ـ أربعة أشهر أو شهرين , فرأيتهم يصلونها ركعتين ركعتين , ورأيت النبى ﷺ بصر عينى يصليها ركعتين ثم نزع إلى بهذه الآية (لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة) ".
أخرجه أحمد (٢/٨٣ و١٥٤) بإسناد حسن , رجاله كلهم ثقات غير ثمامة هذا فقال الدارقطنى " لا بأس به شيخ مقل " وذكره ابن حبان فى " الثقات " (١/٧) .
فصل فى الجمع
(٥٧٨) - (حديث معاذ: " أن النبى ﷺ كان فى غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليها جميعا , وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا , ثم سار , وكان يفعل مثل ذلك فى المغرب والعشاء " رواه أبو داود والترمذى وقال حسن غريب (ص ١٣٦) .
стр. 697
* صحيح.
أخرجه أبو داود (١٢٢٠) والترمذى (٢/٤٣٨) وكذا أحمد (٥/٢٤١ ـ ٢٤٢) كلهم قالوا: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبى حبيب عن أبى الطفيل عامر بن واثلة عن معاذ بن جبل: " أن النبى ﷺ كان فى غزوة تبوك ... " الحديث واللفظ لأبى داود إلا أن المصنف اختصر آخره ولفظه: " وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب ".
ومن هذا الوجه أخرجه الدارقطنى (١٥١) والبيهقى (٣/١٦٣) وقال الترمذى (٢/٤٤٠) : " حديث حسن غريب تفرد به قتيبة , لا نعرف أحدا رواه عن الليث غيره. وقال فى مكان آخر من الصفحة الأخرى: " حديث حسن صحيح ".
قلت: وأنا أرى أن الإسناد صحيح , رجاله كلهم ثقات رجال الستة , وقد أعله الحاكم بما لا يقدح فى صحته , فراجع كلامه فى ذلك مع الرد عليه فى " زاد المعاد " لابن القيم (١/١٨٧ ـ ١٨٨) ولذلك قال فى " إعلام الموقعين " (٣/٢٥) : " وإسناده صحيح وعلته واهية ".
وغاية ما أعل به علتان:
الأولى: تفرد قتيبة به أو وهمه فيه.
والأخرى: عنعنة يزيد بن أبى حبيب.
والجواب: عن الأولى أن قتيبة ثقة ثبت كما قال الحافظ فلا يضر تفرده , كما هو مقرر فى علم الحديث. وأما الوهم , فمردود إذ لا دليل عليه إلا الظن , والظن لا يغنى من الحق شيئا , ولا يرد به حديث الثقة! ولو فتح هذا الباب لم
стр. 698
يسلم لنا حديث!
والجواب عن العلة الأخرى فهو أن يزيد بن أبى حبيب غير معروف بالتدليس وقد أدرك أبا الطفيل حتما , فإنه ولد سنة (٥٣) ومات سنة (١٢٨) وتوفى أبو الطفيل سنة (١٠٠) أو بعدها , وعمر يزيد حينئذ (٤٧) سنة.
نعم قد خولف قتيبة فى إسناده , فقال أبو داود (١٢٠٨) : حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الرملى الهمدانى: حدثنا المفضل بن فضالة والليث بن سعد عن هشام بن سعد عن أبى الزبير عن أبى الطفيل به.
ومن طريق أبى داود: رواه الدارقطنى (١٥٠) وكذا البيهقى (٣/١٦٢) لكنه قال: " عن الليث بن سعد " فجعل الليث شيخ المفضل , وإنما هو قرينه , وكلاهما شيخ الرملى , واغتر بذلك ابن القيم فى " الزاد " فقال:
" فهذا المفضل قد تابع قتيبة , وإن كان قتيبة أجل من المفضل وأحفظ , لكن زال تفرد قتيبة به " (١) .
فالصواب أن الذى تابع قتيبة إنما هو الرملى , لكنه خالفه فى إسناده فقال: الليث عن هشام بن سعد عن أبى الزيبر عن أبى الطفيل. فإما أن يصار إلى الجمع فيقال: لليث بن سعد فيه إسنادان عن أبى الطفيل , روى عنه أحدهما قتيبة , والآخر الرملى , ولهذا أمثلة كثيرة فى الأسانيد كما هو معروف عند المشتغلين بهذا العلم الشريف.
وإما أن يصار إلى الترجيح فيقال: قتيبة أجل وأحفظ من الرملى , فروايته أصح.
والجمع عندى أولى , لأنه لا يلزم منه تخطئة الثقة بدون حجة , لاسيما ولرواية أبى الزبير عن أبى الطفيل أصل أصيل , ففى " موطأ مالك " (١/١٤٣/٢) : عن أبى الزبير المكى عن أبى الطفيل عامر بن واثلة أن معاذ بن جبل أخبره: " أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ عام تبوك , فكان رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر , والمغرب والعشاء , قال: فأخر الصلاة
يوما , ثم
стр. 699
خرج فصلى الظهر والعصر جميعا ثم دخل , ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا "ً.
ومن طريق مالك أخرجه مسلم (٧/٦٠) وأبو داود (١٢٠٦) والنسائى (١/٩٨) والدارمى (١/٣٥٦) والبيهقى وأحمد (٥/٢٣٧) .
وأخرجه مسلم (٢/) وابن ماجه (١٠٧٠) وابن أبى شيبة (٢/١١٣/١) والطيالسى (١/١٢٦) وأحمد (٥/٢٢٩ و٢٣٠ و٢٣٦) من طرق أخرى عن أبى الزبير به. وصرح فى بعضها بالتحديث , وزاد مسلم والطيالسى وأحمد فى رواية: " قلت: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته ".
قلت: وليس فى شىء من هذه الطرق عن أبى الزبير ذكر لجمع التقديم الوارد فى حديث قتيبة , ولا يضره ذلك لما تقرر أن زيادة الثقة مقبولة , لاسيما ولم يتفرد به بل تابعه الرملى ـ وإن خالفه فى إسناده كما سبق ـ.
على أن لهذه الزيادة شاهدا قويا فى بعض طرق حديث أنس الآتى بعده.
وللحديث شاهد من رواية ابن عباس قال:
" ألا أحدثكم عن صلاة رسول الله ﷺ فى السفر قال: قلنا بلى , قال: كان إذا زاغت الشمس فى منزله جمع بين الظهر والعصر , قبل أن يركب , وإذا لم تزغ له فى منزله سار حتى إذا حانت العصر نزل فجمع بين الظهر والعصر , وإذا حانت المغرب فى منزله جمع بينها وبين العشاء , وإذا لم تحن فى منزله ركب , حتى إذا حانت العشاء نزل فجمع بينهما ".
أخرجه الشافعى (١/١١٦) وأحمد (١/٣٦٧ ـ ٣٦٨) والدارقطنى (١٤٩) والبيهقى (٣/١٦٣ ـ ١٦٤) من طريق حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة وكريب كلاهما عن ابن عباس.
قلت: وحسين هذا ضعيف , قال الحافظ فى " التلخيص " (ص ١٣٠) :
стр. 700
" واختلف عليه فيه , وجمع الدارقطنى فى سننه بين وجه الاختلاف فيه , إلا أن علته ضعف حسين , ويقال: إن الترمذى حسنه , وكأنه باعتبار المتابعة , وغفل ابن العربى فصحح إسناده , لكن له طريق أخرى: أخرجها يحيى بن عبد الحميد الحمانى فى مسنده عن أبى خالد الأحمر عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس.
وروى إسماعيل القاضى فى " الأحكام " عن إسماعيل بن أبى أويس عن أخيه عن سليمان ابن بلال عن هشام بن عروة عن كريب عن ابن عباس نحوه ".
قلت: فالحديث صحيح عن ابن عباس بهذه المتابعات والطرق. وقواه البيهقى بشواهده , فهو شاهد آخر لحديث معاذ من رواية قتيبة تدل على حفظه وقوة حديثه.
(٥٧٩) - (حديث أنس بمعناه , متفق عليه (ص ١٣٦) .
* صحيح.
أخرجه البخارى (١/٢٨١ و٢٨١ ـ ٢٨٢) ومسلم (٢/١٥١) وأبو عوانة (٢/٣٥١) وأبو داود (١٢١٨) والنسائى (١/٩٨) والدارقطنى (١٤٩ ـ ١٥٠) والبيهقى (٣/١٦١ ـ ١٦٢) وأحمد (٣/٢٤٧ و٢٦٥) من طرق عن عقيل عن ابن شهاب أنه حدثه عن أنس بن مالك قال: " كان رسول الله ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر , ثم ينزل فيجمع بينهما , وإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب ".
وفى رواية للبيهقى من طريق أبى بكر الإسماعيلى: أنبأ جعفر الفريابى حدثنا إسحاق بن راهويه أنبأنا شبابة بن سوار عن ليث بن سعد عن عقيل به بلفظ: " كان رسول الله ﷺ إذا كان فى سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم ارتحل ".
قلت: وهذا إسناد صحيح كما قال النووى فى " المجموع " (٤/٣٧٢) وأقره الحافظ فى " التلخيص " (١٣٠) وهو على شرط الشيخين كما قال ابن القيم فى " الزاد ".
قال الحافظ:
стр. 701
" وفى ذهنى أن أبا داود أنكره على إسحاق , ولكن له متابع رواه الحاكم فى " الأربعين " عن أبى العباس محمد بن يعقوب عن محمد بن إسحاق الصغانى عن حسان بن عبد الله عن المفضل بن فضالة عن عقيل (قلت: فذكره بإسناده ومتنه فى الصحيحين إلا أنه قال: صلى الظهر والعصر ثم ركب وقال) وهو فى الصحيحين من هذا الوجه بهذا السياق وليس فيهما " والعصر " , وهى زيادة
غريبة صحيحة الإسناد وقد صححه المنذرى من هذا الوجه والعلائى , وتعجب من الحاكم كونه لم يورده فى " المستدرك " وله طريق أخرى رواها الطبرانى فى " الأوسط ": حدثنا محمد بن إبراهيم بن نصر بن شبيب الأصبهانى: حدثنا هارون بن عبد الله الحمال حدثنا يعقوب بن محمد الزهرى حدثنا محمد بن سعد (١) حدثنا ابن عجلان عن عبد الله بن الفضل عن أنس: " أن النبى ﷺ كان إذا كان فى سفر فزاغت الشمس قبل أن يرتحل , صلى الظهر والعصر جميعاً , وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس جمع بينهما فى أول العصر , وكان يفعل ذلك فى المغرب والعشاء ".
وقال: تفرد به يعقوب بن محمد.
قلت: وهو صدوق كثير الوهم كما فى " التقريب " وفى "المجمع " (٢/١٦٠) : " رواه الطبرانى فى الأوسط ورجاله موثقون ".
قلت: فهو إسناد حسن فى الشواهد.
وقد وجدت له طريقاً ثالثة , فقال ابن أبى شيبة (٢/١١٣/١) : يزيد بن هارون عن محمد بن إسحاق عن حفص بن عبيد الله بن أنس قال: " كنا نسافر مع أنس بن مالك , فكان إذا زالت الشمس , وهو فى منزل لم يركب حتى يصلى الظهر , فإذا راح فحضرت صلاة العصر فإن سار من منزله قبل أن تزول فحضرت الصلاة قلنا له: الصلاة فيقول: سيروا , حتى إذا كان
стр. 702
بين الصلاتين نزل فجمع بين الظهر والعصر , ثم يقول: رأيت رسول الله ﷺ إذا وصل ضحوته بروحته صنع هكذا ".
قلت: ورجاله ثقات لولا أن ابن إسحاق مدلس وقد عنعنه. ومن طريقه رواه البزار بنحوه كما فى " المجمع ".
(تنبيه) : لقد تبين مما سبق ثبوت جمع التقديم فى حديث أنس من طرق ثلاثة عنه , لكن قول المؤلف أنه متفق عليه بمعنى حديث معاذ , لا يخلو من تسامح لأنه يوهم أن الجمع المذكور متفق عليه وليس كذلك كما عرفت من التخريج , فتنبه.
(٥٧٩/١) - (قال ابن عباس: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر. وفي رواية من غير خوف ولا سفر ". رواهما مسلم. (ص ١٣٧)
* صحيح.
أخرجه مالك (١ / ١٤٤ / ٤) عن أبي الزبير المكي عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس أنه قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا، في غير خوف ولا سفر. قال مالك: أرى ذلك كان في مطر.
وأ خرجه مسلم (٢ / ١٥١) وأبو عوانة (٢ / ٣٥٣) وأبو داود (١٢١٠) والشافعي (١ / ١١٨) وكذا ابن خزيمة في صحيحه (٩٧٢) والطحاوي (١ / ٩٥) والبيهقي (٣ / ١٦٦) كلهم عن مالك به.
وقد تابعه زهير حدثنا أبو الزبير به، وزاد:
" بالمدينة - قال أبو الزبير: فسألت سعيدا: لم فعل ذلك؟ فقال:
سألت ابن عباس كما سألتني؟ فقال: أراد أن لا يحرج أحدا من أمته ".
стр. 703
أخرجه مسلم والبيهقي.
ثم أخرجاه وكذا أبو عوانة والطيالسي (٢٦٢٩) والشافعي (١ / ١١٩) وكذا أحمد (١ / ٢٨٣ و٣٤٩) من طرق أخرى عن أبي الزبير به وصرح بسماعه من سعيد عند الطيالسي.
وقد تابعه حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير به إلا أنه قال:
" مطر " بدل " سفر ".
أخرجه مسلم وأبو عوانة وأبو داود (١٢١١) والترمذي (١ / ٣٥٥) والبيهقي (٣ / ١٦٧) وأحمد (١ / ٣٥٤) .
وتابعه عمرو بن هرم عن سعيد بلفظ:
" أن ابن عباس جمع بين الظهر والعصر من شغل وزعم ابن عباس أنه صلى مع رسول الله ﷺ بالمدينة الظهر والعصر جميعا "
أخرجه الطيالسي (٢٦١٤) : حدثنا حبيب عن عمرو بن هرم به، ورواه النسائي (١ / ٩٨) من طريق حبان بن هلال وهو ثقة حجة حدثنا حبيب به بلفظ:
" أن ابن عباس جمع بين الظهر والعصر من شغل، وزعم ابن عباس أنه صلى مع رسول ﷺ بالمدينة الأولى والعصر ثمان سجدات ليس بينهما شيء ".
وهذا إسناد جيد، وهو على شرط مسلم.
وللحديث طرق أخرى عن ابن عباس.
١ - فقال الإمام أحمد (١ / ٢٢٣) : ثنا يحيى عن شعبة ثنا قتادة قال: سمعت جابر بن زيد عن ابن عباس قال:
" جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة، في غير خوف ولا مطر، قيل لابن عباس وما أراد لغير ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته ".
стр. 704
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وجابر بن زيد هو أبو الشعثاء، وقد رواه عنه عمرو بن دينار مختصرا بلفظ:
" أن النبي ﷺ صلى بالمدينة سبعا، وثمانيا، الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. أخرجه البخاري (١ / ١٤٦) ومسلم (٢ / ١٥٢) وأبو عوانة (٢ / ٣٥٤) والشافعي (١ / ١١٨ - ١١٩) وأبو داود (١٢١٤) والنسائي (١ / ٩٨) وابن أبي شيبة (٢ / ١١٣ / ١) والبيهقي (٣ / ١٦٧) وزاد هو ومسلم وغيرهما:
قلت: يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء، قال: وأنا أظن ذلك.
ووهم بعض رواة النسائي فأدرجه في الحديث!
قلت: ورواية قتادة عن أبي الشعثاء ترجح رواية حبيب بن أبي ثابت بلفظ مطر بدل سفر، ولم تقع هذه الرواية للبيهقي فرجح رواية أبي الزبير المخالفة لها بلفظ سفر برواية عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء هذه التي ليس فيها لفظ من اللفظين!
ويرجحه أيضا الطريق الآتية:
٢ - قال ابن أبي شيبة (٢ / ١١٣ / ١) : وكيع قال نا داود بن قيس الفراء عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس قال:
" جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في المدينة في غير خوف ولا مطر، قال: فقيل لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: أراد التوسعة على أمته ".
وأخرجه أحمد (١ / ٣٤٦) والطبراني في " الكبير " (٣ / ٩٩ / ١) من طريقين آخرين عن داود بن قيس به.
وهذا سند حسن في المتابعات والشواهد رجاله ثقات رجال مسلم غير
стр. 705
صالح هذا ففيه ضعف، ورواه الطحاوي (١ / ٩٥) من طريق أخرى عن الفراء، وقال: " في غير سفر ولا مطر "، ولعل الصواب الرواية الأولى، فإن لفظ " المدينة " معناه " في غير سفر "، فذكر هذه العبارة مرة أخرى لا فائدة منها بل هو تحصيل حاصل، بخلاف قوله في غير خوف ففيه تنبيه إلى معنى لا يستفاد إلا به فتأمل.
٣ - قال عبد الله بن شقيق:
" خطبنا ابن عباس بالبصرة يوما بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون الصلاة الصلاة، قال: فجاءه رجل من بني تميم، لا يفتر ولا ينثني: الصلاة الصلاة، فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة لا أم لك؟! ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شئ، فأتيت أبا هريرة، فسألته، فصدق مقالته ".
أخرجه مسلم (٢ / ١٥٢ - ١٥٣) وأبو عوانة (٢ / ٣٥٤ - ٣٥٥) والطيالسي (٢٧٢٠) .
وفي رواية عنه قال:
" قال رجل لابن عباس: الصلاة، فسكت، ثم قال: الصلاة فسكت، ثم قال: الصلاة، فسكت، ثم قال: لا أم لك تعلمنا بالصلاة؟! وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله ﷺ ؟! "
أخرجه مسلم وابن أبي شيبة (٢ / ١١٣ / ١) وزاد في آخره:
" يعني السفر "
قلت: والظاهر أن هذه الزيادة من ابن أبي شيبة نفسه على سبيل التفسير وما أظنها صوابا، فإن الظاهر من السياق أن الجمع المرفوع إلى النبي ﷺ كان في الحضر، وإلا لم يصح احتجاج ابن عباس به على الرجل كما هو ظاهر، ويؤيده رواية بالمدينة فإنها صريحة في ذلك كما تقدم.