← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قوله: ﴿وَعَلَّمَءَادَمَ الأسمآء﴾ الآية. اختلف في اشتقاق آدم؛ فقال فيه ابن عباس: " سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض ". وقال قطرب: " آدم أفعل من الأدمة ". وقيل هو أفعل من " أدمت بين الشيئين " أي خلطتهما. وقال الطبري: " هو فعل ماض رباعي سمي به الشخص ". وقال قطرب: " من قال هو من أديم الأرض، يلزمه صرفه لأنه فاعل ". وذكر النحاس أنه أفعل من أديم الأرض وأدمتها، وهو ظاهر وجهها، ومنه سمي الإدام لأنه وجه الطعام وأعلاه والعرب تسمي الجلد الظاهر أدمة، والباطن بشرة. وحكي عن الأصمعي أن باطنه الأدمة وظاهره البشرة، وهو أولى من

стр. 177

الأُولى. ويجمع آدم إذا كان صفة كحُمْر، وأوادم إذا كان اسماً " كأحامدٍ ". قوله: ﴿الأسمآء﴾. قيل: " وعلمه أسماء كل شيء حتى القصعة والفسوة ". قاله قتادة. وقيل: " علمه أسماء الملائكة خاصة " قاله الربيع بن خثيم. قال مجاهد: " علمه الله اسم كل شيء: هذا جبل، هذا بحر، هذا كذا، هذا كذا، لكل الأشياء ". قال ابن جبير: " علمه اسم كل شيء حتى البعير والبقرة والشاة ". قال عكرمة: " علمه اسم الغراب والحمامة وكل شيء ". وقال غيرهم: " علمه أسماء الأجناس والأنواع ".

стр. 178

وقال ابن زيد: " علمه أسماء ذريته كلهم ". واختار الطبري أن يكون علمه أسماء ذريته والملائكة لقوله: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ ولم يقل " عرضها " ولا " عرضهن " / الذي هو لما لا يعقل. وقيل: علمه اسم كل شيء ومنفعته ولماذا يصلح. وقال القتبي: " علمه أسماء ما خلق في الأرض ". وفي قراءة أُبي: " ثُمَّ عَرَضَها "، " يريد عرض الأسماء ". وقوله " عَرَضَها " ولم يقل " عرضهم " يدل على أن الاسم هو المسمى، وهو مذهب أهل السنة. وفي قراءة عبد الله " ثُمّ عَرَضَهُنَّ " على التأنيث لما لا يعقل من الموات والأجناس. / وقال ابن عباس: " إنما عرض الأسماء على الملائكة ". وعن ابن مسعود: " أنه إنما عرض الخلق ".

стр. 179

فعلى الأول يكون " عرضها ". وعلى الثاني يكون " عرضهم ". قال مجاهد: " عرض أصحاب الأسماء على الملائكة ". وقال ابن زيد: " عرض أسماء ذريته كلها، أخذهم من ظهره، ثم عرضهم على الملائكة ". وقال ابن الأنباري: الهاء في " كلها " تعود على / الأسماء، والهاء في " عَرَضَهم " تعود على الأشخاص. والهاء في " أنبِئهم " وفي " بأسمائهم "، وفي " أنبأهم " وفي " بأسمائهم " كلها تعود على الملائكة على قول من قال: إن الله تعالى علمه أسماء الملائكة، ويعود على الأشخاص على القول الآخر. قوله: ﴿إِن كُنْتُمْ صادقين﴾. جوابه عند المبرد محذوف، معناه: إن كنتم صادقين أن بني آدم يفسدون في

стр. 180

الأرض ويسفكون الدماء فأنبئوني. قوله: ﴿إني أَعْلَمُ غَيْبَ السماوات﴾. هو ما غاب عن الملائكة مما سبق في علمه مما ذَكَرَهُ في كتابه: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾. هو قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾. و ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: هو ما أضْمَر إبليس في نفسه من الكبر والعز. روي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة والتابعين. وقال سفيان: " ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ هو ما أسر إبليس في نفسه من ترك السجود لآدم [والكبر] ". وقال قتادة: " كتمانهم هو قولهم فيما بينهم: يخلق الله ما يشاء، فلن يخلق خلقاً إلا ونحن أكرم منه ".

стр. 181

وقيل: إنهم قالوا ذلك عند رؤيتهم لخلق آدم. وعن ابن عباس " أنه عام فيما يظهرون وما يكتمون ". وإبليس إفعيل من " أبلس " إذا يئس كأنه يئس من الرحمة، لم يصرف لقلة. وقيل: هو أعجمي، ولذلك لم يصرف في المعرفة. قال أبو عبيد: " لم يصرف لأنه لا نظير له في الأسماء "، وهو عنده " فِعْلِيل " أو " إِفْعِيل ". قوله: (أَبَى): أتى مستقبله على " يفعل " على التشبيه بِ " قرأ، يقرأ "، لأن الهمزة تبدل منها الألف، وهي من حروف الحلق / مثلها. وقالوا: " جبى، يجبي " من الجباية بالفتح، " وقلى يقلى " بالفتح على التشبيه أيضاً. وإبليس [في قول] ابن عباس: كان من حي من أحياء يقال لهم الجن، خلقوا

стр. 182

/ من نار السموم، وكان اسمه الحارث، وكان من خزان الجنة. وروي عنه أيضاً أنه قال: " كان إبليس من الملائكة واسمه عزرائيل، وكان من سكان الأرض وكان شديد العبادة وواسع العلم، فدعاه ذلك إلى الكبر ". وإنما سمي من الجن لأنه كان خازناً للجنة، فكأنه منسوب إليها، كما تقول: مكي وبصري وشامي. وقيل: سمي من الجن لأنه لا يرى، كما سمى الله الملائكة جناً، فقال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً﴾ [الصافات: ١٥٨]. وأصله كله الاستتار. وقال شهر بن حوشب: " كان إبليس من الجن الذين طردتهم الملائكة في الأرض / حين أفسدوا فأسره بعض الملائكة، فذهب به إلى السماء ". وهذا

стр. 183

غير معروف. وقال / سعد بن مسعود: " سما إبليس من الأرض وهو صغير، فكان مع الملائكة فتعبد، فلما أمر بالسجود لآدم امتنع فذلك قوله ﴿كَانَ مِنَ الجن﴾ [الكهف: ٥٠]. وقال ابن زيد: " إبليس أبو الجن، كما أن آدم أبو الإنس ". وروى عكرمة عن ابن عباس أن الله خلق خلقاً فقال: " اسجدوا لآدم فأبوا فأحرقهم، ثم [خلقَ خَلقاً] آخر فأبوا فأحرقهم ثم خلق هؤلاء فسجدوا إلا إبليس كان من أولئك الذين أبو السجود لآدم ". والسجود الذي أمروا به إنما هو على جهة التحية، لا على جهة العبادة. وقيل: أمروا بذلك إكراماً له. وقيل: معناه: اسجدوا إليه كما يسجد إلى الكعبة فجعل قبلة إكراماً له.

стр. 184

وروي عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة أن آدم ﷺ استوحش في الجنة قبل أن تخلق حواء بعد لعن إبليس وخروجه من الجنة، فنام نومة فاستيقظ، فوجد امرأة عند رأسه قد خلقها الله من ضلعه من شقه الأيسر فسألها: من أنت؟ قالت: امرأة. قال: ولِمَ خلقت؟ قالت: لتسكن إلي. فقالت له الملائكة - ينظرون مبلغ علمه -: ما اسمها يا آدم؟ قال: حواء، قالوا: ولِمَ سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من شيء حي. فكان أصلها " حيّاء "، ثم أبدل من الياء واو ". قوله: ﴿رَغَداً﴾ إلى قوله: ﴿مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾. قوله: ﴿رَغَداً﴾ أي واسعاً. وقيل: هنيئاً. وقال مجاهد: " رغداً لا حساب عليهما فيه "، وهو من السعة في المعيشة. قال ابن عباس في رواية أبي صالح عنه: " الشجرة شجرة العلم، فيها أنواع

стр. 185

الثمار كلها ". وعن ابن جريج أنه قال: " هي التينة ". وعن ابن عباس أيضاً وأبي مالك: " الشجرة السنبلة لكن الحبة منها ككلى البقر ألين من الزبد وأحلى من العسل ". وروى عن ابن مسعود أنها الكرمة. وذكر ذلك أيضاً عن ابن عباس، وعليه أكثر المفسرين، ولذلك حرم الله الخمر في قول بعضهم. قال / أبو هريرة: " هي العنبة نهي آدم عنها، وجعلت فتنة لولده من بعده ".

стр. 186

وتزعم اليهود عليها اللعنة أنها الحنطة. قوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾. أي استزلهما، ومن قرأ: (فَأَزَالَهُمَا) وهو حمزة فمعناه نحّاهُما. والهاء في " عَنْها " تعود على الشجرة، يعني حسدهما إبليس اللعين على ما كانا فيه، فاستزلهما وتكبر عن السجود لآدم ﷺ . وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال: " بلغني أن أول معصية كانت الحسد والكبر والشح: حسد إبليس وتكبر على آدم، وشح آدم، فقيل له: كُلْ من شجر الجنة إلا التي نهى / عنها فشح فأكل منها ". قال وهب بن منبه: " لما أراد إبليس من آدم ﵇ ما أراد دخل في جوف الحية، وكان لها أربع قوائم كالبختية، فدخلت الجنة، وخرج إبليس إلى الشجرة وأخذ منها، وجاء إلى حواء فقال لها: انظري ما أطيب هذه الشجرة وأحلاها وأحسن ريحها.

стр. 187

فأكلت منها ثم مضت إلى آدم ﷺ فقالت له مثل ما قال إبليس، فأكل منها، فبدت له سوأته عند ذلك، وقام فدخل في جوف الشجرة. فقال الله تعالى: يا حواء أنت التي غررت عبدي، فإنك لا تحملين حملاً إلا حملتيه كرهاً، ولا تضعين ما في بطنك إلا أشرفت على الموت مراراً. ثم لعن الحية لعنة تحولت قوائمها في بطنها، ولا [رزق لها] إلا التراب، وجعلها عدوة لبني آدم، تهلكهم إذا لدغت أحدهم ويقتلونها إذا ظفروا بها ". وقال ابن عباس: " أتى إبليس اللعين ليدخل على آدم ﷺ / فمنعته الخزنة فقال للحية وهي كأحسن الدواب: أدخليني في فقمك، أي في جانب فمك، حتى أدخل الجنة ففعلت ومرت بالملائكة وهم لا يعلمون ما صنعت، فخرج إلى آدم /

стр. 188

فقال: ﴿ياآدم هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد﴾ [طه: ١٢٠]، كما حكى الله جل ذكره. وقال له: هل أدلك على شجرة إن أكلت منها / كنت ملكاً مثل الله سبحانه أو تكون من الخالدين، وحلف لهما بالله إني لكما من الناصحين فأبى آدم ﵇ أن يأكل، فتقدمت حواء فأكلت ثم قالت: يا آدم، كُلْ، فإني قد أكلت فلم تضرني، فلما أكل بدت لهما سوآتهما ". وروي أنهما لما أكلا من الشجرة سقط عنهما لباسهما وهو النور الذي كان ألبسهما الله إياهما، فهرب آدم من ربه مستتراً بورق الجنة، فناداه ربه: أفراراً مني يا آدم؟ قال: بل حياء منك يا رب. ما ظننت أن أحداً يقسم باسمك كاذباً، فقال له الله جل ذكره: أما خلقتك بيدي؟ أما أسجدت لك ملائكتي؟ أما نفخت فيك من روحي؟ أما أسكنتك في جواري؟ فَلِمَ عصيتني؟ أخرج من جواري، فلا يجاورني من عصاني، فقال آدم: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله أنت رب، عملتُ

стр. 189

سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي، إنك خير الغافرين. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، عملت سوءاً وظلمت نفسي فارحمني، إنك أرحم الراحمين. سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت ربي عملت سوءاً، وظلمت نفسي فتب علي / إنك أنت التواب الرحيم ". فهذه الكلمات التي ألهمها الله . قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. وروي عن النبي [﵇] أنه قال: " لَمْ يَحْزَنْ حُزْنَ آدَمَ أَحَدٌ قَطْ؛ بَكَى أرْبَعينَ عاماً، وسَجَدَ أرْبَعينَ عاماً تائِباً حَتَّى قَبِل اللهُ مِنْهُ ". وقال الحسن: " بكى آدم ﵇ على الجنة ثلاثمائة ". وقال ابن زيد: " لو أن بكاء داود وبكاء جميع أهل الأرض عدل ببكاء آدم على الجنة ما عدله ".

стр. 190

وقال ابن إسحاق: " لما دخل إليهما إبليس بكى وناح عليهما كيداً منه، فقالا له: ما يبكيك؟ فقال: أبكي عليكما تموتان، وتفارقان ما أنتما فيه، فوقع ذلك في أنفسهما، ثم وسوس إليهما وحلف لهما فأكلا منها "، قال: و " ذهب آدم ﵇ في الجنة هارباً لما أكل، فقال له [ربه: يا آدم] أمني تفر؟ قال: لا يا رب، ولكن حياء منك. قال الله: يا آدم: إنه أوتيتَ مِن قِبل حواء. قال: أي رب. قال الله: فإن لها علي أن أدميها في كل شهر مرة، وأن أجعلها سفيهة وأن أجعلها تحمل كرهاً وتضع كرهاً ". وكان سعيد بن المسيب يحلف بالله أن آدم ما أكل من الشجرة وهو يعقل،

стр. 191

ولكن حواء سقته الخمر، حتى إذا سكر قادته إليها فأكل. وقال جماعة من أهل التأويل: " لم يدخل إبليس الجنة وإنما وسوس إليه شيطانه الذي جعله الله ليبتلي به آدم وذريته ويأتي ابن آدم في يقظته ونومه، وعلى كل حال. وقد قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان﴾ [الأعراف: ٢٠]، وقال: ﴿يابنيءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الجنة﴾ [الأعراف: ٢٧] فأخبرنا أن الذي أخرج أبانا هو الذي يوسوس في صدورنا ". وعن النبي [﵇] أنه قال: " إنّ الشّيْطانَ يَجْري مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّم ". قوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. يعني آدم وحواء / والحية / وإبليس. فنزل إبليس أولاً نحو الأبُلَّة في المشرق،

стр. 192

ونزل آدم على جبل من جبال الهند ونزلت حواء بجَدة، ونزلت الحية بأصبهان. وروي أنه لما خرج آدم إلى شقاء الدنيا أتاه جبريل ﵇ فعلمه كيف يحرث فحرث، ثم زرع، ثم حصد، ثم درس، ثم خبز ثم أكل، فلما عرض له الخلاء جاء وذهب وتردد، وهو لا يدري ما حدث به ولا ما يصنع، فقعد وتعصر فخرج منه الحدَث مُنتِنا، فقال: يا رب ما هذا النتن؟ فقال: هذه ريح خطيئتك ". قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ﴾. أي قرار إلى حين، وقيل: / القرار في القبور، وروي ذلك عن ابن عباس. قوله: ﴿وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ﴾، أي إلى الموت. وقيل: إلى قيام الساعة فتخرجون من القبور. وقيل ﴿إلى حِينٍ﴾: إلى أجل قد علمه تعالى. وقال أبو موسى الأشعري: " إن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض، علمه صنعة كل شيء، وزوَّده من ثمار الجنة، فثمركم هذه من ثمار الجنة، غير أن هذه

стр. 193

تتغير، وتلك لا تتغير ". قوله: ﴿فتلقىءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كلمات﴾. أي أخذها وقبلها. وقيل: ألهمها فانتفع بها إذا رفعت، ومَن نصب " آدم " فمعناه أن الكلمات رحمة من ربه أدركتْه قاستنقذته. فالكلمات فيما روي عن ابن عباس [قول آدم]: أي رب: ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى، ثم قال: أي رب ألم تنفخ فيّ من روحك؟ قال: بلى. ثم قال: أي رب ألم تسكني جنتك؟ / قال: بلى، ثم قال: أي رب. أرأيت إن تبتُ وأصلحت، أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: بلى. فذلك تَلَقّيه ". وزاد قتادة أنه قال: " وسبقت رحمتك إلي قبل غضبك، قيل له: بلى. قال: رب هل كتبت هذا علي قبل أن تخلقني؟ قيل له: نعم. قال / رب إن تبت

стр. 194

وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم ". وقال الحسن: " هو قولهما: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ الآية ". وقال قتادة: " هي قول آدم ﵇: يا رب أرأيت إن أنا تبت وأصلحت؟ قال: إذاً أدخلك الجنة ". وقال عبيد بن عمير: " قال آدم: يا رب خطيئتي التي أخطأتها، أشيء كتبته علي قبل أن تخلقني؟ [أو شيء أنا ابتدعته] من قبل نفسي؟ قال: بل شيء كتبته عليك قبل أن أخلقك. قال: فكما كتبته علي فاغفرْهُ لي، فذلك الذي تلقى آدم ". وقال عبد الرحمن بن زيد بن معاوية: " قال آدم: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك فتب علي إنك أنت التواب الرحيم، فذلك

стр. 195

الذي تلقى ". وروي عن مجاهد أنه قال: " هو قول آدم: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت خير الغافرين. اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فارحمني إنك خير الراحمين. اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم ". وروي عنه أنه قال: " هو قول آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ الآية ". وروى عنه ابن جريج أنه قال: " هي قول آدم: رب أتتوب عَلَيَّ إن تبت؟ قال: نعم. فتاب عليه ربه ". / روي أن آدم رأى كَلِماً في الجنة مكتوب: لا إله إلا الله محمد عبدي ورسولي، فعلم آدم أن محمداً ﷺ أكرم الخلق عليه، فقال حين أخطأ: اللهم بحق

стр. 196

محمد اغفر لي خطيئتي، فغفر الله له ". وكانت كنيته أبا محمد، وقيل: أبا البشر. فذلك قوله: ﴿فتلقىءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كلمات﴾. قال ابن عباس: / " تاب الله على آدم يوم عاشوراء ". قوله: ﴿قُلْنَا اهبطوا﴾. يريد آدم وإبليس وذرية آدم. وقيل: آدم وإبليس وحواء والحية. وقيل: آدم وحواء فقط، وجمعا كما يخاطب الواحد بلفظ الجمع لشرفه. قال مجاهد: " أهبط آدم بأرض الهند فحج البيت على قدميه أربعين حجة، فقيل له: ولم تكن معه دابة تحمله؟ فقال: وأي دابة تطيقه؟ كانت خطوته مسيرة ثلاثة أيام، وموضع قدميه كالقرية ". روى ابن وهب عن مالك أنه قال: " إن آدم لما أهبط إلى الأرض بالسند والهند، قال: يا رب أهذه أحب الأرض إليك أن نعبدك فيها؟ فقال: بل مكة، فسار آدم حتى أتى مكة فوجد عندها ملائكة يطوفون بالبيْت، ويعبدون الله،

стр. 197

فقالوا: مرحَباً بآدم، أبي البشر، إنا منتظروك هنا منذ ألفي عام ". قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى﴾. أي رسل وأنبياء مخاطبة لذرية آدم. وقيل: هُدى بيان من أمري. وقيل: الهدى محمد ﷺ . ﴿ فَمَن تَبِعَ هُدَايَ﴾ أي من أطاعه وآمن به فلا خوف عليه في الآخرة. وبنو إسرائيل هم ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن ﷺ . و " إسرا ": بمعنى عبد. و " إيل ": هو الله [ ] بالعبرانية، وهو مخاطبة لبني قريظة والنضير ثم عام في جميع بني إسرائيل. قوله: ﴿نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾. " هو أن جعلت منكم الرسل / والأنبياء، وأنزلت عليكم الكتاب ". قال ذلك أبو العالية.

стр. 198

وقال مجاهد: " النعمة تفجر الحجر وإنزال المن والسلوى عليهم، وإنجاؤهم من آل فرعون ". وقال ابن زيد: " نعمته الإسلام، ولا نعمة أعظم منها، وما سِواها تبع لها ". قوله: ﴿وَأَوْفُواْ بعهدي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾. العهد هنا عن قتادة قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بني إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثني عَشَرَ نَقِيباً﴾ [المائدة: ١٢]. من كل سبط شاهد على سبطه، إلى قوله: ﴿الأنهار﴾ [المائدة: ١٢]. وعن ابن عباس: " هو ما أخذ عليهم في التوراة والإنجيل من التصديق بمحمد ﷺ وطاعته واتباع أمره ". ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾: الجنة والتجاوز عن الصغائر. / واختيار الطبري أن يكون هو ما أخذ عليهم في التوراة من أن

стр. 199

يبينوا للناس أمر النبي ﷺ كما قال تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. أي أمْر محمد ﷺ وقال: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل﴾ [الأعراف: ١٥٧]. فالمعنى آمنوا بمحمد ﷺ وانصُروه كما عهدت إليكم في التوراة؛ أوف لكم بما عهدت لكم من دخولكم الجنة. وروي أن في التوراة: " هو أحمد الضحوك القتول يركب البعير ويلبس الشمْلة ويجتزي بالكسرة، سيفه على عاتقه ". ومعنى ﴿فارهبون﴾ أي خافون واخشوني أن أنزل بكم ما أنزلت بمن / كان قبلكم من النقمات. قوله: ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ﴾. أي هذا القرآن يصدق التوراة والإنجيل لأن فيها الأمر باتباع / محمد ﷺ ، وكذلك في القرآن. فمن لم يتبعه فقد كفر بالجميع؛ لأنهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل. وكذلك حكى الله عنهم، فإذا جحدوا به فقد جحدوا ما هو مكتوب عندهم، ومَن جحَد حرفاً واحداً من كتاب الله فهو جاحد للجميع. قوله: ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾. أي أول من كفر. وقيل: أول فريق كافر.

стр. 200

وقيل: معناه: لا تسبوا الكفر وأنتم علماء فيُقتدى بكم. وقيل: معناه: [ولا تكونوا] أول من كفر به من أهل الكتاب؛ يريد قريظة والنضير خاصة، لأنه قد كفر به المشركون قبل ذلك / بمكة، وليس نهيه أن تكونوا أول كافر يبيح لهم أن يكونوا ثانياً أو ثالثاً فما بعده، لأن النهي عن الشيء لا يكون دليلاً على إباحة أضداده. وذلك في الأمر جائز، يكون الأمر بالشيء دليلاً عن النهي عن أضداده. والهاء في " به " تعود على محمد ﷺ . وقيل: على كتابهم لأنهم إذا كفروا بمحمد ﷺ ، فقد كفروا بكتابهم. وقيل: الهاء تعود على القرآن لأنه جرى ذكره في أول الآية، ولم يجر ذكر محمد ﷺ ولا التوراة والإنجيل باللفظ، ولكن جرى ذلك بالمعنى في قوله: ﴿لِّمَا مَعَكُمْ﴾.

стр. 201

وقيل: إن هذا خطاب لقريظة والنضير لأن رسول الله ﷺ قدم عليهم فعصوه فكانوا أول من كفر به من اليهود. قوله: ﴿وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي ثَمَناً قَلِيلاً﴾. كان لأشراف اليهود مأكلة يأكلونها من أموال الناس كل عام على الدين فخشوا أن يؤمنوا فتذهب مأكلتهم. قوله: ﴿وَلاَ تَلْبِسُواْ الحق بالباطل﴾. أي: [لا تخلطوا الحق بالباطل، وهو إظهار] المنافق الإيمان بلسانه وجحوده بقلبه. وقيل: هو قول بعض اليهود: " محمد نبي مرسل مبعوث إلا أنه لم يبعث إلينا "، / فيقرون ثم يجحدون. وقال مجاهد: " لا تخلطوا اليهودية والنصرانية بالإسلام ". وقال ابن زيد: " الحق التوراة، والباطل [ما كتبوه وغيروه] بأيديهم ".

стр. 202

قوله: ﴿وَتَكْتُمُواْ الحق وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي تكتمون أمر محمد وأنتم تعلمون أنه نبي مبعوث ﷺ إلى الخلق كافة، تجدونه مكتوباً عندكم كذلك في التوراة والإنجيل. قوله: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة﴾. إنما أمروا بهذا لأنهم كانوا يأمرون الناس به ولا يفعلونه، دل عليه قوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي تتركون أنفسكم ". والزكاة النماء والزيادة. سميت بذلك لأنها تنمي المال وتثمره. وروى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: " رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رجالاً تُقْرضُ شِفاهُهُمْ بِمَقَاريضَ مِنْ نارٍ، فَقُلْتُ: يا جِبْريلَ مَنْ هَؤُلاءِ؟ فقالَ: هؤلاءِ خُطَباءٌ يأْمرونَ النّاسَ بالبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ ". وقيل: كانوا ينهون الناس عن الكفر بشيء من التوراة والإنجيل ويقولون: تمسكوا بما فيهما، وهم يكفرون بما يجدونه فيهما من أمر محمد ﷺ وينقضون ما

стр. 203

عهد إليهم في ذلك. وقيل: إنهم كانوا يخبرون الأنصار بصفة محمد ﷺ ، ويأمرونهم بالإيمان به، وهم يؤمنون به قبل مبعثه، فلما بعث آمنت به الأنصار، وكفرت به اليهود. ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. أي أفلا تعقلون / أن وبال ذلك راجع عليكم. وأصل العقل المنع. يقال: " عَقَلْتُ نَفْسي عَنْ كَذا " أي مَنَعْتُها، " وَعَقَلْتُ البَعيرَ " إذا ربَطْتَهُ "، وعَقَلْتُ عَنِ الرّجُلِ " إذا لَزِمَتْهُ دِيَّةً فَأَعْطَيْتَها عَنْهُ. فهذا فرق بين عَقَلْتُهُ و " عَقَلْتُ عَنْهُ ". قوله: ﴿بالصبر والصلاة﴾. الصبر الصيام. وأصل الصيام الحبس. وقيل: معناه اصبروا على ما تكرهه نفوسكم من الطاعة والعمل. وفي رواية أبي صالح عن ابن عباس: " معناه بالصبر على أداء الفرائض،

стр. 204

وبالصلاة على تمحيص الذنوب ". وقال مقاتل: " معناه استعينوا بهما على طلب الآخرة ". وقال مجاهد وغيره: " الصبر الصوم ". وقيل: معناه: أصبروا أنفسكم عن المعاصي، أي أحبسوها. وذكر الصلاة ها هنا لما فيها من الذكر والخشوع. وكان رسول الله [ ﷺ ] " إذا حَزَبَهُ أمْرٌ فَزَعَ إِلى الصَّلاةِ " وقال الله: ﴿إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر﴾ [العنكبوت: ٤٥] فهي مما / يستعان بها على / ترك المعاصي وفعل الخير / كله. وكان ابن عباس إذا أصيب بمصيبة توضأ، وصلى ركعتين ثم قال: " اللهم قد فعلنا ما أمرتَنا فأنجز لنا ما وعدتَنا ". وقال أبو العالية: " معناه واستعينوا بالصبر والصلاة على مرضاة الله، فإنهما من

стр. 205

طاعته ". قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾. إنما وُحِّد، وأتى بضمير الصلاة لأن المعنى قد عرف، وكانت الصلاة أولى لقربها و " لجمعها الخير "، ولأنها أقرب إلى الضمير. وقيل: المعنى: وإن إجابة محمد ﷺ لكبيرة، فالهاء تعود على إجابته / لأن الصبر والصلاة مما كان يدعو إليه ويأمر به. ومعنى " كبيرة " ثقيلة شديدة، إلا على الخاشعين وإلا على الذين هدى الله. والخاشع الخائف من الله. وأصله التواضع، والتذلل، والاستكانة. وقيل: الهاء في " إنها " تعود على تولية الكعبة. وقيل: تعود على الاستعانة ودل عليه " استعينوا ". قوله: ﴿عَلَى العالمين﴾.

стр. 206

أي على عالم [أهل ذلك الزمان] وذلك أنه فضلهم بالرسل والكتب. قوله: ﴿يَظُنُّونَ﴾. معناه: يوقنون. والهاء في " إليه " تعود على اللقاء. وقيل: على الله جل ذكره. قوله: ﴿لاَّ تَجْزِي﴾. أي لا تقضي، " جزى عني الشيء "، قضى، و " أجزأني، كفاني، مهموز. وقيل: هما بمعنى واحد. وأصل الجزاء القضاء والتعويض. قوله: ﴿نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ﴾. أي لا تقضي ولا تغني. وهي خاصة لقول النبي [﵇]: " شَفاعَتي لأَهْلِ الكَبائِرِ مِنْ أُمَّتِي ". ولقوله: " لَيْسَ مِنْ نَبِيّ، إلاّ وقَدْ أُعْطِيَ دَعْوَةً، وإِنّي اخْتَبأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً

стр. 207

لأِمَّتِي وَهِيَ نائِلَة مِنْهُم مَنْ لا يُشْرِكُ بِالله شَيْئاً ". فألفاظ الآية عامة، ومعناها الخصوص، هي في الكفار خاصة، وفي هذه الآية رد على اليهود لأنهم زعموا أنهم لا يعذبون يوم القيامة لأنهم أبناء الأنبياء، وأن آباءهم يشفعون لهم عند الله، فرد الله ذلك عليهم في هذه الآية. قوله: ﴿مِنْهَا عَدْلٌ﴾. أي: فداء. وعن ابن عباس: " عدل: بدل ". وعن النبي ﷺ : " العَدْلُ: الفِدْيَةُ ". وقولهم: " لا يقبل منه، صرف ولا عدل ". وقيل: العدل: الفدية، والصرف: الحيلة. قاله ابن السكيت. وقال المازني: " العدل: الفريضة، والصرف: النافلة ".

стр. 208

وقيل: للفدية: عدل، لأنها مثل الشيء، وأصل " عدل الشيء " مثله. والعِدل - بكسر العين - ما حُمل على الظهر. يقال: " عِنْدي غلامٌ عِدْلُ غُلامِكَ، وَشاةٌ عِدْلُ شاتِكَ "، بِكسر العين، إذا كان أحدهما يعدل الآخر. وكذلك يفعل في كل شيء يماثل الشيء من جنسه فإن أردت أن عندك / قيمته من غير جنسه فتحت العين فقلت: " عِنْدي عَدْلُ غُلاَمِكَ وَعَدْلُ شاتِكَ ". أي قيمتها بفتح العين. وروي في " العدل " الذي بمعنى الفدية كسر العين لغة. والضمير في " ولاَّهُمْ " يعود على الكفار لأن النَّفْسَين [المذكورتين تدلان] على ذلك. وقيل: تعود على النفسين لأنهما بمعنى الجمع لم يقصد بهما قصد نفسين بأعيانهما ولأن التثنية أول الجمع، فهي جمع.

стр. 209

قوله: ﴿وآلِ فِرْعَوْنَ﴾. أصله: أهله، وترجع الهاء في التصغير. وجمعه آلون. وجمع " آل " الذي هو السراب " أَأْوالٌ " كمالٍ وأمْوالٍ. و" آل " المختار فيه ألا يضاف إلا إلى الأسماء المشهورة نحو آل هشام وآل محمد ﷺ فإن أضفته إلى البلدان والأرضين لم يجز عند جماعة من أهل العربية واللغة / لا يقال: آل المدينة ولا آل مصر، وإنما يقال بالهاء، حكاها الكسائي. وسمع الأخفش آل المدينة وآل مكة نادران لا يقاس عليهما. واسم فرعون الوليد بن مصعب. وقيل: مصعب بن الريان، وهو اسم كانت ملوك العمالقة تتسمى به. وكانت ملوك الروم تتسمى قيصراً وهِرقلاً، وملوك فارس تتسمى كسرى،

стр. 210

وملوك اليمن تُبَّع ". قال مجاهد: " فرعون موسى فارسي من أهل اصطخر قدم مصر فكان بها ". قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ أي: يوردونكم. وقيل: يذيقونكم. وقيل: يولونكم. وقيل: يصرفونكم في العذاب مرة كذا، مرة كذا. والعذاب هنا هو استخدام القبط الرجال من بني إسرائيل وقتل الأبناء؛ روي عن ابن عباس أنه قال: " ذكر فرعون ما وعد الله خليله إبراهيم ﷺ أنه يجعل من ذريته / أنبياء ملوكاً، فأجمع رأيه مع أصحابه على أن يذبح / كل مولود ولد في بني إسرائيل ففعل ثم رأى أن الكبار يموتون بآجالهم والصغار يذبحون فخاف أن يضطر إلى أن يتولى الخدمة بنفسه ويغني الناس فأمر أن يقتل الصغار سنة ويدعوهم سنة، فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا ذبح فيه، فولدته علانية، [وحملت] في العام المقبل بموسى ﷺ .

стр. 211

وذكر عكرمة عن ابن عباس قال: " قالت الكهنة لفرعون: إنه يولد في هذا العام مولود يذهب بملكك. فجعل فرعون على كل ألف امرأة مائة رجل، وعلى كل مائة عشرة وعلى كل عشرةٍ رجلاً، وأمرهم بذبح الذكور إذا وضعن. وقال السدي: " كان ذلك من فرعون لرؤيا رآها، فعُبِّرت له أن يكون من بيت المقدس مولود يكون خراب مصر على يديه. فأمر بذبح الغلمان / واستخدام الآباء تحت أيدي القبط، فأسرع الموت في مشيخة / بني إسرائيل، فدخل كبراء القبط على فرعون فقالوا له: إن هؤلاء القوم يسرع فيهم الموت فيوشك أن تبقى بغير خدمة، فأمر بذبح الذكور سنة وبتركهم سنة ". قوله: ﴿بلاء مِّن رَّبِّكُمْ﴾. أي نعمة إذ نجاكم مما كنتم فيه. وقيل: معناه اختبار لكم من ربكم.

стр. 212

قوله: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر﴾. أي جعلناه اثني عشر طريقاً على عدد الأسباط. ولما أتى موسى ﷺ البحر كناه أبا خالد وضربه، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، أي كالجبل العظيم. ﴿وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾. قيل: إنهم كانوا ينظرون إلى آل فرعون يغرقون وهم ينجون. وقيل: أخرجوا لهم حتى رأوهم. وقيل: كانوا ينظرون انفلاق البحر لهم. وقال الفراء: " تنظرون: تعلمون "، واستبعد أن ينظروا إليهم في ذلك الوقت لأنهم كانوا في شغل عن ذلك. وكان فرعون قد خرج في طلب موسى ﷺ في سبعين ألفاً من دُهْم الخيل خاصة، وموسى ﷺ بين يديه حتى قابله البحر، فقال أصحاب موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]. قال

стр. 213

موسى ﷺ : كلا إن معي ربي سهديني للنجاة قد وَعَدني ذلك، وهو لا يخلف الميعاد. وكان قد أوحى الله إلى موسى ﷺ أن أضرب بعصاك البحر، وأمر البحر أن ينفلق إذا ضربه موسى ﷺ فبات البحر يضرب بعضه بعضا فرقاً من الله تعالى، فضربه موسى ﷺ بالعصا فانفلق، فسلك موسى ﷺ / ببني إسرائيل وأتبعه فرعون وجنوده. ولما أتى فرعون في أثر موسى ﷺ وهو على حصان فأراد الدخول فهرب الحصان من البحر فعرض له جبريل على فرس أنثى فقربها منه فشمها ثم تقدم معها [الحصان عليه فرعون حتى دخل، ثم دخل آل فرعون في أثره، وجبريل ﷺ أمامه]، وميكائيل من وراء القوم على فرس يستحثهم حتى إذا فصل جبريل من البحر ليس قدامه أحد. وبقي ميكائيل من الناحية الأخرى ليس خلفه أحد طبق عليهم البحر. فلما رأى فرعون ما رأى نادى: ﴿لا إله إِلاَّ الذي آمَنَتْ بِهِ بنوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ المسلمين﴾ [يونس: ٩٠] وكان ذلك يوم عاشوراء. وروي عن ابن عباس أن موسى ﷺ سرى ليلاً كما قال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً﴾

стр. 214

[الدخان: ٢٣]، فأتبعه فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث، وكان موسى ﷺ في ستمائة ألف فاحتقرهم فرعون، وقال حين اطلع عليهم: ﴿إِنَّ هؤلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤] [الثلاث الآيات]، ولما دخلوا البحر وتفرق كل سبط على طريق، قال السبط الذين مع موسى ﷺ لموسى: أين أصحابنا؟ قال: سيروا / فإنهم على طريق مثل طريقكم، قالوا: لا نرضى حتى نراهم. قال موسى ﷺ : اللهم أعِنِّي على أخلاقهم السيئة. فأوحى الله إلى موسى ﷺ أن يزيد عصاه على البحر في الحيطان فصار فيه كوى ينظر بعضهم إلى بعض. وموسى اسم أعجمي، أصله فيما ذكر السدي: ماء وشجر، فهو ماء. وسمي بذلك لأن أمه / حين ألقته في اليم بين أشجار عند بيت فرعون فوجده جواري آسية امرأة فرعون، فسمي باسم ذلك المكان الذي

стр. 215

أصيب فيه. فأما موسى فمؤنثة عربية، مشتقة من أسوت إذا أصلحت، ويكون أصله الهمز. وقيل: هي من " أَوْسَوْتُ " إذا حلقت. وهذا أشبه بها، وكلاهما قريب من الآخر. و [الأصل] للواو في الهمز على هذا. قوله: ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾. أي: تمام أربعين ليلة. وقيل: معناه أربعين ليلة بتمامها. فالأربعون داخلة في الميعاد. قوله: ﴿اتخذتم العجل مِن بَعْدِهِ﴾. أي إلهاً، والأصل، اتَّخَذَ، يَتَّخِذُ، وهو " افْتَعَل " من الأخذ، وكثر في كلامهم فجعلوه بمنزلة ذوات الواو والياء التي تكون في موضع الفاء من الفعل. وهي تكون تاء في " افتعل " وما تصرف منه، وتدغم في تاء " افتعل ". فأصل التاء الأولى همزة
следующие страницы →