Полный текст (8 396 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
وقال عكرمة: أدركت آدمَ التوبةُ عند ظفره، وكان لباسه الظفر.
وقال مجاهد ﴿يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾، التقوى.
قوله: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ﴾، أي: الشيطان.
﴿وَقَبِيلُهُ﴾، جيله.
وقال ابن زيد: نسله.
стр. 2277
وقيل: جنوده وأصحابه.
روي: أن الله، جل ذكره جعلهم يجرون من بني آدم مجرى الدم، وصدور بني آدم مساكن لهم إلا من عصمه [الله]، .
قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشياطين أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾.
أي: نصراء للكافرين على كفرهم، يزيدونهم في غيهم عقوبة لهم على كفرهم، كما قال: ﴿[أَلَمْ تَرَ أَنَّآ] أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين تَؤُزُّهُمْ [أَزّاً]﴾ [مريم: ٨٣]، أي: تحملهم على المعاصي حملاً شديداً، وتزعجهم إلى الغي.
стр. 2278
وقرأ أبو عمرو (إنه يريَكم)، بالفتح.
قوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً﴾ الآية.
الفاحشة في هذا الموضع: طوافهم عراة.
وكانت المرأة تطوف ليس عليها غير الرِّهاط، والرِّهاط جمع رَهْط، وهي: خرقة من صوف.
стр. 2279
يقولون: نطوف كما ولدتنا أمنا عراة، [وإذا قيل لهم: لم تفعلون ذلك؟ قالوا: نطوف كما ولدتنا أمنا] وعلى ذلك وجدنا آباءنا والله أمرنا بها.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد،: ﴿إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشآء﴾، أي: لا يأمر خلقه بقبائح الأمور: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾.
﴿بالفحشآء﴾ وقف.
﴿بِهَا﴾ وقف.
قوله: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بالقسط﴾ الآية.
المعنى: قل، يا محمد لهم: ﴿أَمَرَ رَبِّي بالقسط﴾، أي: بالعدل.
﴿وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾.
стр. 2280
أي: وجهوا وجوهكم عند كل مسجد إلى الكعبة، وحيثما صليتم إليها.
وقيل معناه: اجعلوا سجودكم لله .
وقيل: المعنى إذا أدركتك الصلاة وأنت عند مسجد، فصل فيه، ولا تقل: أُؤْخر حتى آتي مسجد قومي.
وهذا عطف محمول على المعنى؛ لأن معنى ﴿أَمَرَ رَبِّي بالقسط﴾،: يقول لكم [ربي] أقسطوا وأقيموا وجوهكم، [فعطف أقيموا وجوهكم]، على أقسطوا، الذي في المعنى لا في اللفظ.
стр. 2281
﴿وادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾.
أي: الطاعة.
ثم قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾.
هذا احتجاج عليهم إذ أنكروا قوله: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥]، وهو متصل به ومعناه: ليس بعثكم أشد من ابتدائكم.
ومعنى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾، أي: كما بدأكم أشقياء وسعداء، كذلك تبعثون يوم القيامة، كما قال: ﴿[هُوَ الذي] خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، وقال بعده: ﴿فَرِيقاً هدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضلالة﴾، وهو قول مجاهد،
стр. 2282
قال: من بدأه سعيداً بعثه يوم القيامة سعيداً، ومن بدأه شقياً بعثه يوم/ القيامة شقياً.
وعن مجاهد أيضاً أنه قال: كما خلقكم تكونون كفاراً ومؤمنين.
وعن ابن عباس نحوه.
فلا تقف على هذا القول إلا على: ﴿الضلالة﴾، لا تقف على: ﴿تَعُودُونَ﴾؛ لأن ﴿فَرِيقاً﴾، ﴿وَفَرِيقاً﴾ حالان.
стр. 2283
وقيل: المعنى: كما خلقكم، ولم تكونوا شيئاً، كذلك تعودون بعد الفناء، أي: كما خلقكم، كذلك يبعثكم بعد موتكم، وهو قول الحسن وقتادة. فتقف على هذا على ﴿تَعُودُونَ﴾.
ثم قال: ﴿إِنَّهُمُ اتخذوا الشياطين أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الله وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾، أي: على هدى.
стр. 2284
وقال الأخفش وأبو حاتم: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ﴾ تمام.
وقيل: ﴿تَعُودُونَ﴾ التمام.
ومن قال معنى الآية: كما خلقكم أشقياء وسعداء ﴿تَعُودُونَ﴾، لم يقف إلا على: ﴿الضلالة﴾، وهو قول الكسائي.
قوله: ﴿يابنيءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ﴾ الآية.
هذا خطاب لهؤلاء القوم الذين كانوا يتعرون في الطواف، فأمروا بالكسوة
стр. 2285
﴿عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾.
قال السدي: " الزينة "، ما يواري العورة، قال: وكانوا يحرمون الودك ما أقاموا بالموسم، فقال لهم الله : ﴿ وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تسرفوا﴾، أي: في التحريم.
وقال ابن زيد: ﴿[وَ] لاَ تسرفوا﴾: لا تأكلوا حراماً.
[و] قال علي رضي الله عن هـ: ليس في الطعام سرف.
стр. 2286
قال ابن عيينة: ليس في الحلال سرف؛ إنما السرف في ارتكاب المعاصي.
(والإسراف أن يأكل ما لا يحل أكله مما حرم الله، ، أن يؤكل منه شيء، أو تأكل مما أحل لك فوق القصد ومقدار الحاجة، فأعلم الله، ، أنه لا يحب من أسرف، ومن لم يحببه الله، ، فهو في النار، نعوذ بالله من النار).
وروى قتادة عن أنس أن النبي ﷺ ، " قال في قوله [تعالى]: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، قال: صلوا في النعال ".
فستر العورة فرض بهذه الآية على أبصار جميع الناظرين، إلا الأزواج، أو ما ملكت الأيمان.
стр. 2287
وقيل معنى: ﴿وَلاَ تسرفوا﴾، [أي]: لا تحرموا الحلال، كما حرم أهل الجاهلية البحيرة، والسائبة، وغير ذلك.
قوله ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله﴾ الآية.
والمعنى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد، لهؤلاء الذين يتعرون في الطواف، ويحرمون ما لم يحرم الله من طيبات رزقه: ﴿مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله﴾، أي: اللباس الذي يزين الإنسان بأن يستر عورته، ومن حرم ﴿وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرزق﴾، المباحة.
стр. 2288
وقيل: عنى بذلك ما كانت الجاهلية تحرمه من السوائب والبحائر. قاله قتادة.
وقال ابن عباس كانت الجاهلية تحرم على أنفسها أشياء أحلها الله (سبحانه) من الرزق، وهو قول الله : ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ الله لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ﴾ [يونس: ٥٩] الآية.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ﴾، (لهم) يا محمد ﴿هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا خَالِصَةً (يَوْمَ القيامة)﴾.
المعنى، قل لهؤلاء: هذه الطيبات للذين آمنوا في الحياة الدنيا، مثل ما هي للكفار خالصة يوم القيامة للمؤمنين، لا يَشْرَكُهم فيها كافر.
стр. 2289
قاله السدي، وغيره.
ووقع الجواب في هذا على المعنى، / كأنهم قالوا: [هي لنا، ما حرمها أحد، فقل لهم: ﴿هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ الآية.
وقيل المعنى: [قل]: هي ﴿خَالِصَةً يَوْمَ القيامة﴾ لمن آمن بي في الحياة الدنيا. وذلك
стр. 2290
أن الزينة في الدنيا لكل بني آدم، ثم جعلها الله (تعالى) خالصة للمؤمنين في الآخرة. قاله قتادة، وابن عباس، وغيرهما.
قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش﴾ الآية.
المعنى ﴿قُلْ﴾ لهم، يا محمد: إن ربي لم يحرم عليكم ما حرمتم على أنفسكم، إنما حرم عليكم الفواحش، الظاهر منا والباطن، والشرك بالله (سبحانه) ما ليس معكم به حجة، وقولكم على الله ما لا تعملون، وحرم عليكم الإثم والبغَي بغير الحق.
والفواحش: القبائح.
قال مجاهد: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: نكاح الأمهات، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾: الزنا.
وقيل: ﴿مَا ظَهَرَ﴾: الطواف عرياناً، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ الزنا.
стр. 2291
﴿والإثم﴾: المعصية.
﴿والبغي﴾: الاستطالة على الناس.
قال السدي: ﴿البغي﴾، أن يبغي على الناس بغير الحق.
وأصل البغي: التجاوز في الظلم.
وقد قيل: إن ﴿الإثم﴾، الخمر، وهو قول غير معروف، لكن هذه الآية تدل
стр. 2292
على نص تحريم الخمر؛ لأن الله (تعالى) قد أخبرنا، أن في الخمر إثماً، فقال: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وحرم الله اكتساب الإثم في هذه الآية.
قوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ﴾ الآية.
[الأمة]: الجماعة.
стр. 2293
والمعنى: ولكل جماعة اجتمعت على تكذيب رسل الله، [سبحانه]، وقت لحلول العقاب بها، فإذا جاء الوقت، ﴿لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
قوله: ﴿يابنيءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ﴾ الآية.
آدم مشتق من أَدَمَة الأرض، وهو وجهها.
قال وهب بن مُنَبِّه في التوراة: إني خلقت آدم، ركبت جسده من أربعة أشياء ثم جعلها وارثهُ في ولده، تنمى في أجسادهم، وينمون عليها إلى يوم القيامة، رطب
стр. 2294
ويابس وسخن وبارد، وذلك لأني خلقته من تراب وماء وجعلت فيه نفساً وروحاً، فيبوسة جسده من قبل التراب، ورطوبته من قبل الماء، وحرارته من قبل النفس، وبرودته من قبل الروح، ثم خلقت (في) الجسد بعد الخلق الأول أربعة أنواع من الخلق أخرى، وهي مِلاك الجسد وقوامه، لا يقوم الجسد إلا بهذا، ولا تقوم واحدة إلا بأخرى: المرة السوداء، والمرة الصفراء، والدم، والبلغم. ثم أسكنت بعض هذا الخلق في بعض، جعلت مسكن اليبوسة في المرة السوداء، ومسكن الرطوبة في الدم، ومسكن البرودة في البلغم، ومسكن الحرارة في المرة الصفراء، فأيما بدن اعتدلت به هذا اللفظ الأربع، وكانت كل واحدة منهن فيه ربعاً لا تزيد ولا تنقص، كملت صحته واعتدلت بنيته، فإن زادت واحدة منهن عليهن قهرتهن، ومالت بهن، دخل على أخواتها السقم من ناحيتها بقدر ما زادت، وإن كانت ناقصة ملن بها وعلونها، وأدخلن عليها السقم من نواحيهن. قال وهب: وجعل عقله في دماغه، وتمييزه في
стр. 2295
كليتيه، وغضبه في كبده، ومدامته في قلبه، ورغبته في رئته، وضحكه في طحاله، وحزنه وفرحه في وجهه، وجعل فيه ثلاث مائة وستين مفصلاً.
ومعنى الآية: أنها تعريف من الله، تعالى، ما لمن آمن بالرسل وأطاع، وما لمن كفر وعصى، فقال: ﴿يابنيءَادَمَ/ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾، أي: من أنفسكم، ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾، أي: يتلون، ﴿فَمَنِ اتقى وَأَصْلَحَ﴾، أي: آمن، وأصلح أعماله، ﴿فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، يوم القيامة، ولا حزن يلحقهم على ما
стр. 2296
فاتهم من دنياهم، التي تركوها.
قال: ﴿والذين كَذَّبُواْ﴾، أي: بالرسل، وكذبوهم فيما جاؤا به، ﴿أولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون﴾، أي: ماكثون، لا يخرجون منها أبداً.
**************قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ الآية.
المعنى: فمن أخطأ فعلاً، ﴿مِمَّنِ افترى﴾، [أي]: اختلف على الله الكذب، فقال إذا فعل فاحشة: الله أمرنا بها. ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾، أي: بعلاماته الدالة على وحدانيته، ونبوة أنبيائه. ﴿أولئك يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الكتاب﴾، أي: حظهم مما كتب لهم من العذاب وغيره في اللوح المحفوظ.
قال السدي: هو ما كتب لهم من العذاب.
стр. 2297
وكذلك قال الحسن، وغيره.
وقال ابن جبير: ما هو سبق لهم من الشقوة والسعادة.
وكذلك قال مجاهد، وقال ابن عباس.
[وعن ابن عباس]. أيضاً: إن المعنى ينالهم نصيبهم مما كتب عليهم من أعمالهم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
стр. 2298
وقال قتادة المعنى: ينالهم في الآخرة نصيهم من أعمالهم التي عملوها في الدنيا.
وقيل المعنى: ﴿يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الكتاب﴾ الذي كتبه الله ، على من افتى عليه.
وعن ابن عباس أنه قال: ﴿يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم﴾، هو ما قد كتب لمن يفترى على الله أن وجهه مسود.
وقال القرظي المعنى إن: ﴿نَصِيبُهُم مِّنَ الكتاب﴾ هو رزقه، وعمله، وعمره.
стр. 2299
وكذلك قال الربيع بن أنس.
وكذلك قال ابن زيد.
وقيل: المعنى: ﴿يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الكتاب﴾، هو ما كتب عليهم من سواد الوجوه، وزرقة الأعين، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠].
وقيل: (المعنى)، هو ما ينالهم في الدنيا من العذاب، دون عذاب الآخرة، من قوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ العذاب الأدنى [دُونَ العذاب الأكبر]﴾ [السجدة: ٢١]، الآية.
стр. 2300
وكان الطبري يختار أن يكون المعنى: إنه ما كتب لهم في الدنيا، من خير وشر، ورزق وعمل وأجل، قال: ألا ترى أنه تعالى أتبع ذلك بقوله: ﴿حتى إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾، فأخبر بآخر أمرهم بعدما نالهم من: ﴿نَصِيبُهُم مِّنَ الكتاب﴾، وهو الرزق، والعمر، والأجل، والخير والشر.
وقيل: المعنى، إنه قوله تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى﴾ [الليل: ١٤]، وقوله: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾ [الجن: ١٧] هذا ﴿نَصِيبُهُم مِّنَ الكتاب﴾، وهو ينالهم في الآخرة، ومثله: ﴿إِذِ الأغلال في أَعْنَاقِهِمْ والسلاسل﴾ [غافر: ٧١]، ومثله: ﴿فِي الدرك الأسفل مِنَ النار﴾ [النساء: ١٤٥]، هذا وشبهه من: ﴿حتى إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾، الذي ينالهم في الآخرة.
وقوله: ﴿نَصِيبُهُم مِّنَ الكتاب﴾.
قال الحسن: هذه وفاة إلى النار.
فيقول لهم الرسل: ﴿أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾، هذا/ كله في الآخرة، فيشهدون على أنفسهم بالكفر حينئذ.
وقيل المعنى: إن هؤلاء المفترين ينالهم ما كتب لهم في الدنيا إلى أن يأتيهم
стр. 2301
﴿رُسُلُنَا﴾، يعني: ملك الموت وجنوده ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾، أي: يستوفون عددهم من الدنيا إلى الآخرة، ﴿أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ﴾، أي: قالت الرسل للكفار: أين الذين كنتم تدعونهم من دون الله وتعبدونهم يدفعون عنكم الآن ما جاءكم من أمر الله ؟
﴿ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا﴾، أي: جاروا، وأخذوا غير طريقنا وتركونا عند حاجتنا إليهم.
ثم قال الله (تعالى): ﴿وَشَهِدُواْ على أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ﴾، أي: عند الموت.
قوله: ﴿قَالَ ادخلوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ﴾ الآية.
قرأ الأعمش: " (حَتَّى) إشَّا تَدَارَكُواْ (فِيهَا) "، على الأصل، على تفاعلوا.
стр. 2302
وقرأ مجاهد: أدَّرَكوا، أي: أدرك بعضهم بعضاً، وأصله: افتعلوا.
والمعنى: إنها خبر من الله (تعالى)، عما يقول لهؤلاء المفترين المكذبين بالقرآن يقول لهم: ﴿ادخلوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ﴾، أي في الجماعة من أجناسكم، ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ في النار، ﴿مِّن الجن والإنس﴾.
وقيل: معنى ﴿في أُمَمٍ﴾، أي: مع أمم.
وقوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾.
أي: كلما دخلت جماعة النار شتمت الجماعة الأخرى التي من أهل ملتها.
وعني بـ " الأخت " هنا: الأخوة في الدين والملة.
стр. 2303
قال السدي: يلعن المشركون [المشركين]، واليهود اليهود، والنصارى النصارى. وكذلك أهل كل ملة تلعن الجماعة، من أهل دينها التي دخلت النار قبلها.
وقوله: ﴿حتى إِذَا اداركوا فِيهَا﴾.
أي: أدرك الآخر الأول في النار، واجتمعوا، ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ﴾، أي: الجماعة الآخرة ﴿لأُولاَهُمْ﴾ للجماعة الأولى من أهل دينها، الذين أضلوا من كان بعدهم؛ لأن الأول أضل الآخر ﴿رَبَّنَا هؤلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النار﴾.
قال السدي: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ﴾، الذين كانوا في آخر الزمان، ﴿لأُولاَهُمْ﴾، للذين شرعوا لهم الدين.
ثم أخبرنا الله (تعالى)، عما هو قائل لهم، بأن قال: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾، أي:
стр. 2304
للأولى والآخرة ﴿ضِعْفٌ﴾ من النار، أي: يكون عليكم العذاب، ﴿ولكن لاَّ تَعْلَمُونَ﴾، أي: ولكنكم لا تعلمون قدر ما أعد الله لكم من العذاب، فلذلك تسألون الضعف. وهذا على المخاطبة لهم.
ومن قرأ " بالياء "، فعلى الإخبار عنهم أنهم لا يعلمون قدر العذاب.
[وقيل: إن معنى قراءة " التاء "، ولكن لا تعلمون يا أهل الدنيا مقدار ما هم فيه من العذاب].
وقيل: معنى قراءة " الياء ": ولكن لا يعلم كل فريق منهم مقدار عذاب الآخرة.
ومعنى " التاء ": ولكن لا تعلمون أيها المخاطبون ما لكل فريق منكم من
стр. 2305
العذاب.
ثم أخبر الله، عن قول الأولى للآخرة فقال: ﴿وَقَالَتْ أُولاَهُمْ﴾، أي: أولى كل أمة، ﴿لأُخْرَاهُمْ﴾، أي: من بعدهم [وزمان]، آخر فسلكوا سبيلهم ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾، أي: قد علمتم أنا كفرنا وكفرتم بهما جاءنا وإياكم به الرسل والنذر، فنحن وإياكم سواء، قد أضللناكم وأضللتم.
[وقال مجاهد: ﴿مِن فَضْلٍ﴾، من التخفيف من العذاب، فهو كقوله: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾].
ثم قال الله (تعالى) لجميعهم: ﴿فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ﴾ في الدنيا، ﴿تَكْسِبُونَ﴾
стр. 2306
، من الآثام والمعاصي.
﴿فِي النار﴾، تمام.
قوله: ﴿إِنَّ الذين كَذَّبُواْ بآياتنا واستكبروا عَنْهَا﴾، الآية.
المعنى: إن الذين كذبوا بآيات الله وتكبروا عن الإيمان بها، ﴿لاَ تُفَتَّحُ﴾، لأرواحهم إذا خرجت من أجسادهم، ﴿أَبْوَابُ السمآء﴾، ولا يصعد لهم في حياتهم [إلى الله] قول ولا عمل، قاله ابن عباس.
وقال أبو موسى/ الأشعري في قوله: ﴿لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السمآء﴾ إن روح المؤمن تخرج وريحها أطيب من ريح المسك فتصعد بها الملائكة الذين يتوفونها، فتتلقاهم ملائكة آخرون دون سماء الدنيا فيقولون: من هذا؟ فيقولون: هذا فلان كان يعمل كيت كيت، وتذكر محاسن عمله: فيقولون مرحباً بكم وبه فيقبضونه،
стр. 2307
ويصعدون به من بابه الذي كان يعصد منه عمله، فيشرق في السموات حتى ينتهي إلى العرش، وله برهان كبرهان الشمس، ويخرج روح الكافر أنتن من الجيفة، فتصعد به الملائكة الذين يتوفونه فتتلقاهم ملائكة آخرون من دون السماء فيقولون: من هذا؟ [فيقولون: هذا] فلان بن فلان، كان يعمل كيت وكيت، تذكر مساوئ عمله، فيقولون: لا مرحباً به ردوه، قال فيرد إلى واد يقال له برهوت، أسفل الثرى، من الأرضين السبع.
وعن ابن عباس نحوه.
وروى البراء بن عازب: " أن النبي، ﵇، ذكر عذاب القبر في حديث طويل، فقال فيه: إن الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، أتاه ملك الموت فينزع نفسه، كما ينزع الصوف المبلول من السُّفُود، فتأخذها الملائكة فيصعدون بها، فتستفح لها أبواب السماء فلا تفتح لها، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه (وسلم)،:
стр. 2308
﴿لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السمآء﴾، الآية. فيقول لهِم (الله)، الآية. فيقول لهِم (الله)، ﵎،: اكتبوا كتابه في سجين، وأعيدوه إلى الأرض. قال: فيطرح روحه طرحاً [قال:] ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السمآء﴾، الآية ".
وقال السدي: إن الكافر إذا أُخذ روحه، ضربته ملائكة الأرض حتى يرتفع إلى السماء، فإذا بلغ السماء الدنيا ضربته ملائكة السماء فهبط إلى أسفل الأرضين. وإذا كان مؤمناً رفع روحه، وفتحت له أبواب السماء فلا يمر بملك إلا حياه وسلم عليه، حتى ينتهي إلى الله، فيعطيه حاجته، ثم يقول: ردوا روح عبدي فيه إلى الأرض، فإني قضيت من التراب خلقته، وإلى الترب يعود، ومنه يخرج.
وقال ابن جبير، معناه: لا يرفع لهم عمل ولا دعاء.
وأكثرهم على أن المعنى: ﴿لاَ تُفَتَّحُ﴾ أي: لأرواحهم ولا لأعمالهم.
стр. 2309
وقيل: المعنى لا تفتح لهم أبواب الجنة؛ لأن الجنة في السماء، ودل على ذلك قوله: ﴿وَلاَ يَدْخُلُونَ الجنة﴾. بعقبة.
وقوله: ﴿حتى يَلِجَ الجمل فِي سَمِّ الخياط﴾.
أي: لا يدخل هؤلاء المكذبون الجنة حتى يدخل ﴿الجمل﴾: زوج الناقة، في ثقب الإبرة، وهو لا يدخلها أبداً، وكذلك هؤلاء لا يدخلون الجنة أبداً.
وكل ثقب في عين أو أنف أو أذن أو غير ذلك. فالعرب تسميه " سَمّاً " و " سُمّاً "، بفتح السين وضمها، وجمعه " سُمُوم " وجمع السم القاتل " سِمَامٌ ".
وقرأ ابن سيرين " في سُمِ الْخِيَاطِ " بضم السين.
стр. 2310
وقرأ ابن عباس، وعكرمة، وابن جبير: " الجُمَّل " بضم " الجِيم " وتشديد " الميم "، وهو حبل السفينة الغليظ.
وقيل: هو الحبل الذي يصعد به في النخل.
[وعن سعيد بن جبير] أنه قرأ " الجُمَل " بضم [الجيم] والتخفيف جعله جمع " جُمْلةٍ " من الحبال، ك " ظُلْمَةٍ " و " ظُلَمٍ ".
ومن شدَّد فهو اسم واحد، وهو الحبل الغليظ.
стр. 2311
وقرأ أحمد بن يحيى " الجُمَّل "، وهو جمع " جملة "، وهي الحبال المجموعة.
فالمعنى: لا يدخلون الجنة حتى يدخل هذا الحبل الغليظ في ثقب الإبرة، فكما (أنه) لا يدخل في ثقب الإبرة، (كذلك هؤلاء لا يدخلون الجنة) أبداً.
ثم قال تعالى: ﴿وكذلك نَجْزِي المجرمين﴾، / نثيبهم بما اكتسبوا في الدنيا.
ثم قال: ﴿لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾. . . أي: لهم ما يقعد ويضطجع عليه كالفراش والبساط.
﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾.
стр. 2312
وهي اللحف تتغشاهم من فوقهم وهي جمع " غاشية "، ومعنى الكلام: لهم من نار جهنم مهاد ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾، فهم بين ذلك.
﴿وكذلك نَجْزِي الظالمين﴾.
أي: نثيب من ظلم نفسه، وأكسبها من عذاب الله ما لا قبل لها به.
﴿فِي سَمِّ الخياط﴾، وفق.
و ﴿غَوَاشٍ﴾، وقف.
قوله: ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾، الآية.
المعنى: والذين صدقوا بئايت الله ورسله، ﴿لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً﴾، من الأعمال إلا طاقتها، ﴿أولئك أَصْحَابُ الجنة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، وفي الكلام تقديم وتأخير مفهوم.
وقوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾، الآية.
روي أن النبي، ﷺ ، قال: " الغل على أبواب الجنة كمبارك الإبل، قد نزعه
стр. 2313
الله ، من قلوب المؤمنين ".
والمعنى: وأذهبنا من صدور هؤلاء الذين تقدمت صفتهم، ما في صدورهم من حقد وعداوة، كانت من بعضهم لبعض في الدنيا، وأُدخلوا الجنة ﴿إخوانا على سُرُرٍ متقابلين﴾ [الحجر: ٤٧]، لا يحسد بعضهم بعضاً على شيء.
قال قتادة: قال علي: إني لأرجوا أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير، من الذين قال الله [فيهم] ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾.
قال السدي: إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة فبلغوا، وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان، فيشربون من إحداهما، فينزع ما في صدورهم من غل، فهو " الشراب الطهور " الذي ذكره الله في قوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾ [الإنسان: ٢١]. واغتسلوا من الأخرى، فجرت عليهم نضرة النعيم فلم يشعثوا ولم يشحبوا بعدها أبداً.
стр. 2314
قوله: ﴿وَقَالُواْ الحمد للَّهِ﴾.
أي: قالوا ذلك حين رأوا ما أكرمهم الله به من جنته، وما صرف عنهم من نقمته.
روى [أبو سعيد] الخدري ع النبي، ﷺ ، أنه قال: " كل أهل النار يرى منزله من الجنة، فيقول: " لو هدانا الله " فيكون عليهم حسرة. وكل أهل الجنة يرى منزله من النار، فيقولون: " لولا أن هدانا الله "! [فهذا] شكرهم.
وقوله: ﴿ونودوا أَن تِلْكُمُ الجنة﴾، (الآية).
стр. 2315
اعترض بعض الملحدين بهذه الآية على حديث النبي، ﵇، في قوله: " لا يدخل الجنة أحد بعمله، وإنما يدخلها برحمة الله " هذا غلط منهم؛ لأن رحمة الله لا تدرك إلا بالعمل الصالح. وإذا كانت الرحمة لا تدرك إلا بالعمل الصالح فالعمل الصالح الذي يدرك الرحمة يدخل الجنة.
ويجوز أن يكون معنى: ﴿أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، يعني المنازل في الجنة، فيكون الدخول برحمة الله، كما قال النبي، ﵇،: " والمنازل بالأعمال "
следующие страницы →