← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. أي: لا يعلمون أن ما لحقهم من القحط وشدة، أنه من عند الله ، بذنوبهم. ﴿لَنَا هذه﴾، وقف. ﴿وَمَن مَّعَهُ﴾، وقف. قوله: ﴿وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ﴾، إلى: ﴿مُّجْرِمِينَ﴾. ﴿مَهْمَا﴾ عند الخليل: أصلها " ما " للشرط، زيدت عليها " مَا " للتوكيد، وأبدل من ألف " مَا " الأولى " هاء ".

стр. 2452

وقال غيره: الأصل: " مَهْ " بمعنى: أكفُفْ، و " مَا " للشرط بعد ذلك. وحكى الكوفيون: " مهما " بمعنى: " مهما ". والمعنى: وقال (آل) فرعون لموسى: ما ﴿تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا﴾، فنؤمن (ربك)، وندع دين فرعون، ﴿فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 2453

قال الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم﴾. " فالطوفان ": الماء. قاله الضحاك، / وأبو مالك. قال ابن عباس: هو الغرق. قال مجاهد: هو الموت. قال قتادة: سال عليهم [الماء] حتى قاموا [فيه قياماً]، فسألوا موسى، ﵇، أن

стр. 2454

يسأل الله ، ليكشف عنهم ففعل. قال الضحاك: جاءهم من المطر شيء كثير، فسألوا موسى ﵇، أن يدعو الله ليكشفه عنهم، ويرسلوا معه بني إسرائيل، فدعا الله، فكشف عنهم وأخصبت البلاد، فعادوا، ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، فصب الله على زُرُوعهم الجراد فأكله، فسألوا موسى فدعا، فكشف عنهم. ثم عادوا إلى كفرهم. وروت عائشة عن النبي، ﷺ ، أنه قال " ﴿الطوفان﴾: الموت ". وعن ابن عباس قال: هو أَمْرٌ من (أمر) الله ، طاف (بهم)، وقرأ: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ [القلم: ١٩]. و: ﴿الطوفان﴾: مصدر كالنقصان، لا يجمع.

стр. 2455

وقال الأخفش: هو جمع، واحدة: طوفانة. وقوله: ﴿والجراد والقمل﴾. أرسل الله عليهم الجراد والقمل، وهو: الدَّبَى، فأكل زرعهم وثمارهم. ثم أكل الشجر والأبواب وسقوف البيوت. وابتلي الجراد بالجوع، فجعل لا يشبع. قال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول: إن ذلك " الجراد "، كان يأكل المسامير، فَعَجُّوا إلى موسى، ﵇، وصاحوا وقالوا: يا موسى، هذه المرة! ف: ﴿ادع لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز﴾، وهو العذاب، ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بني إِسْرَآئِيلَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]، فدعا لهم، فكشف عنهم بعدما

стр. 2456

أقام سبعة أيام، فأقاموا شهراً، ثم عادوا لتكذيبه، ولأعمالهم السيئة. وقيل: ﴿والقمل﴾: السوس الذي يخرج من الحِنْطَة. قاله ابن عباس، وابن جبير. وقال السدي، وعكرمة، وغيرهما: هو الدَّبَى الذي لا جناح له. وقال ابن زيد: هي البراغيث. وقال الحسن: هي دَوابٌ صَغَارٌ سُودٌ. وقال أبو عبيدة: ﴿والقمل﴾: الحَمْنَانُ، وهو ضرب من القِرَاد،

стр. 2457

واحدتها: حَمْنَانَةٌ. و ﴿والقمل﴾: جمع واحدته: " قَمْلَةٌ ". قال سعيد بن جبير: لما أتى موسى ﵇، فرعون، قال له: أرسل معي بني إسرائيل! فأبى عليه فأرسل الله ، عليهم مطراً خافوا أن يكون عقاباً، فقالوا (لموسى): ادع لنا ربك يكشف عنا المطر، فنؤمن بك، ونرسل معك بني إسرائيل! فدعا ربه ؛ فكشف عنهم، فلم يؤمنوا، ولا أرسلوا معه بني إسرائيل، فأنبت لهم ذلك المطر تلك السنة شيئاً لم ينبت لهم قبل ذلك من الزرع والثمر والكلإ. فقالوا: هذا ما كانا نتمنى، فأرسل الله عليهم الجِراد فسقط على الكلإ، فلما رأوا أثره في الكلإ عرفوا أنه لا يبقى الزرع. فقالوا: يا موسى، ادع لنا ربك يكشف عنَّا الجراد

стр. 2458

فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيلّ! فدعا ربه، فكشف عنهم الجراد، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل! فدارسوا زرعهم وأحرزوا في البيوت، فأرسل الله ، عليهم القُمّلَ، وهو السوس الذي يخرج منه، فكان الرجل (يخرج) بعشرة أَجْرِبَةٍ [إِلى] الرَّحَى فلا يرد منها ثلاثة أقفزة. فقالوا: يا موسى، ادع لنا ربك يكشف عنا هذا القُمَّل، فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل! فدعا ربه فكشف عنهم، فأبوا أن يرسلوا معه بني إسرائيل. فينما هو جَالِسٌ مع فرعون، إذ سمع نقيق ضفدع، فقال موسى ﵇ ما تلقى أنت وقومك من هذه! فقال: وما عسى أن يكون مثل هذا! فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس إلى رقبته في الضفادع، ويهم أن

стр. 2459

يتكلم فَيَثِبَ الضفدع في فيه، فقالوا: ادع لنا ربك يكشف عنا هذا ونؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا فكشفه عنهم فلم يؤمنوا ولا أرسلوا معه بني إسرائيل فأرسل (الله) عليهم الدم، فكان ما استقوا من الأنهار والآبار وصار في أوعيتهم وجدوه دَماً عَبِيطاً، فشكوا إلى فرعون/ وقالوا: ليس لنا شراب! قد ابتلينا بالدم، قال: إنه سحركم! قالوا: ومن أين سحرنا ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئاً من الماء إلا وجدناه دماً عبيطاً؟ فأتوا موسى ﵇، وقالوا: ادع لنا ربك يكشف عنا هذا فنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل! فكشف عنهم ولم يفعلواما قالوا. قال السدي: وكان الإسرائيليُّ في كل هذا مُعَافىً من هذا كله. كان القبطيُّ

стр. 2460

والإسرائيلي يستقيان من ماء واحد، يرفع القبطي دماً، والإسرائيل مَاءً. وعلى نحوة هذا الخبر روى أبو قتادة، وكذلك ذكر ابن عباس وغيرهما. حتى أنه رُوِيَ أن فرعون جمع (رجلين)، إسرائيلياً وقبطياً على إِناءٍ واحدٍ، فكان الذي يلي الإسرائيلي ماء، والذي يلي القطبي دماً. قال السدي: كان أحدهم يبني الأسطوانة، يرفع فقوها الطعام، فإذا صعد ليأكله وجده، (قد) ملئ دماً. قال ابن جبير: كان فرعون يجمع بين الرجلين على الإناء، القبطي والإسرائيلي، فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء، وما يلي القبطي دماً. وكان الرجل الإسرئيلي يركب السفينة مع القبطي فَيَغْرِفُ الإسرائيلي ماء،

стр. 2461

ويَغْرِفُ القبطي دماً. وكانت المرأة القبطية، تأتي المرأة من بني إسرائيل، فتقول لها: اسقني من مائك من العطش، فتغرف لها من جَرَّتِها وتصب لها في قِرْبَتها، فيعود الماء دماً، حتى كانت تقول لها: اجعليه في فيك، ثم مُجِّيه في فِيَّ، فتأخذذ الإسرائيلية في فيها [ماء]، فإذا مُجَّتْهُ بِفِي القبطية، صار دماً، فمكثوا على ذلك سبعة أيام. قال ابن جبير، والحسن: كان إلى جنبهم كثيب أَعْفَرُ بقرية تدعى: " عَيْن شَمْس ": فمشى موسى، ﵇، إلى ذلك الكثيب، فيضربه بعصاه ضربة صار قُمَّلاً تدب إليه، وهي دواب سُودٌ صِغَار. فدبت إليهمن فأخذت أَشْعَارهم وأَبْشَارهم وأَشْفَار عيونهم، ولزمت جلودهم كالجُدَري، فاستغاثوا بموسى ﵇. قالا:

стр. 2462

وكان الرجل يضطجع فتركبه الضفادع رُكاماً حتى لا يستطيع أن ينصرف على شقه الآخر، ولا يعجن عجيناً إلا سقط فيه منه، ولا يطبخ قِدْراً إلا سقط فيه، فاستغاثوا. أرسل الله عليهم ذلك ﴿آيَاتٍ مّفَصَّلاَتٍ﴾، شيئاً، (بعد شيء) كان بين الآية والآية ثمانية أيام. ثم أخبر الله عنهم أنهم بعد هذه الآيات: ﴿فاستكبروا وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ﴾، أي: تَعَظَّموا وتَجَبَّروا وعتوا عن أمر الله، .

стр. 2463

قوله: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرجز [قَالُواْ ياموسى ادع لَنَا رَبَّكَ]﴾، الآية. قرأ ابن جبير، ومجاهد: " الرُّجْزُ "، بضم الراء. قال ابن جبير: لما ابتلي قوم فرعون بالآيات الخمس، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، قال موسى ﵇ لبني إسرائيل: لِيَذْبَحْ كُلُّ رجل منكم كبشاً، ثم يُخَصِّب كفه من دمه، ثم يضرب به على بابه! ففعلوا، فقالت القبط لبني إسرائيل: لِمَ تجعلونن هذا الدم على أبوابكم؟ فقالوا: إن الله يرسل عليكم عذاباً، فنسلم وتهلكون وهكذا أمرنا نبينا، ﵇، فأصبحوا وقد طعن من قوم فرعون سبعون ألفاً، فأمسوا وهم لا يتدافنون. فقال فرعون ذلك لموسى ﵇،:

стр. 2464

﴿ادع لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ﴾، الآية، فالرجز: الطاعون. فدعا موسى ﵇، فكشف عنهم فوفى فرعون لموسى، وقال له: اذهب ببني إسرائيل حيث شئت، فكان أوفاهم كلهم. وقال مجاهد، وقتادة: ﴿الرجز﴾ /: هو العذاب الذي أرسل عليهم من الجراد والقمل وغيره، وهم في كل ذلك يعهدون إليه ثم ينكثون. ومعنى: ﴿إلى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ﴾. أي: كشف الله عنهم العذاب في الدنيا إلى أجل هلاكهم وانقضاء أجلهم، فيغرقهم في البحر عند ذلك ويعاودهم العذاب. قوله: ﴿فانتقمنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ﴾، الآية. المعنى: فلما نكثوا انتقمنا منهم، ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي اليم﴾.

стр. 2465

و " الْيَمُّ ": البحر. ومعنى ﴿وَكَانُواْ﴾ عن آياتنا ﴿غَافِلِينَ﴾، أي: لا يعتبرون صحتها، ويعرضون عنها. قوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ [مَشَارِقَ الأرض]﴾، الآية. قوله: ﴿مَشَارِقَ الأرض وَمَغَارِبَهَا﴾، مفعول " بأورث ". وقال الفراء، والكسائي: هو ظرف. وتقدير الكلام عندهم:

стр. 2466

﴿وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ﴾ في ﴿مَشَارِقَ الأرض وَمَغَارِبَهَا﴾ الأرض ﴿التي بَارَكْنَا فِيهَا﴾، في مشارق الارض ومغاربها. ف (التي): مفعول ل: (أوْرَثْنَا). والمعنى: أورثنا بني إسرائيل، الذين كان فعرون يستخدمهم استضعافاً لهم، ﴿مَشَارِقَ الأرض﴾، أي: أرض الشام، في قول الحسن، وهو ما يلي المشرق، ﴿وَمَغَارِبَهَا﴾ ما يلي المغرب، ﴿التي بَارَكْنَا فِيهَا﴾، أي: التي جعلنا الخير فيها ثابتاً دائماً. وقال الليث: ﴿الأرض﴾، هنا أرض مصر، وإِنَّ مصر هي التي بارك الله فيها. قال الليث: مصر مباركة في كتاب الله، جل ذكره، لقوله تعالى: ﴿التي بَارَكْنَا فِيهَا﴾، قال: هي مصر، وهي مباركة. ومصر مشتقة من قولهم: مَصَرَ الشَّاةَ

стр. 2467

يَمْصُرُهَا مَصْراً: إذا حلب كل شيء في ضرعها، فسميت: مِصْراً لاجتماع الخير فيها. وروي عن ابن عمر أنه قال. نيل مصرَ سَيّدُ الأنهار، وسخر الله، له كل نهر بين المشرق والمغرب، وذلَّلَه له، فِإذا أراد الله، جل ذكره، أن يجري نيل مصر، أمر كل نهر أن يمده، فمدته الأنهار بمائها، وفجر الله له الأنهار عيوناً، فإذا انتهى جريه إلى ما أراد الله، سبحانه، أوحى الله، ، إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره. وقال ابن عمر، وغيره في قوله، تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ *

стр. 2468

وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٦]، قال: كانت الجنات بِحَافَتَيْ هذا النِّيل، من أوله إلى آخره في الشقين جميعاً، ما بين: " أَسْوَان إلى: رَشِيد، وكان له سبعة خُلُج: خليج الإسكندرية، وخليج دِمْيَاط، وخليج سَرْدُوس، وخليج مَنْف، وخليج الفَيُّوم، وخليج المَنْهَى. وقيل: السابع، خليج سَخَا، كانت متصلة لا ينقطع

стр. 2469

منها شيء عن شيء. وقوله: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾، يعني المنابر. كان بها ألف منبر. وقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرض وَمَغَارِبَهَا﴾، قل الطبري: لا يجوز أن تكون: ﴿مَشَارِقَ الأرض وَمَغَارِبَهَا﴾ نصباً على الظرف؛ لأن بني إسرائيل لم يكن يستضعفهم (أحداً) يؤمئذ إلا فرعون بمصر، فغير جائر أن يقال: ﴿يُسْتَضْعَفُونَ﴾ في مشارق الأرض وفي مغاربها. وقد غَلِطَ الطبري على الفراء؛ لأن الفراء لم يرد أنه ظرف: ﴿يُسْتَضْعَفُونَ﴾، إنما

стр. 2470

جعله ظرفاً مقدماً للأرض التي بورك فيها. فتقدير الكلام: ﴿وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ﴾ الأرض التي باكرنا (فيها) في مشارق/ الأرض ومغاربها. وهذا أحسن في المعنى، وإن كان النصب بـ: ﴿وَأَوْرَثْنَا﴾ على أنه مفعول به أحسن. وقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحسنى على بني إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ﴾. أي: تَممَّ الله لهم ما وعدهم به من تمكينهم في الأرض ونصرهم على فرعون عدوهم، بِصَبْرِهم على عذاب فرعون لهم. وهذا يدل على أن الصبر عند البلاء أحمد من مقابلته بمثله؛ لأن البلاء إذا قوبل بمثله وُكِلَ فاعله إليه، وإذا قوبل بالصبر وانتظار الفرج من الله، جل ذكره، أتاهم الله، ، بالفرج الذي أملوه واننتظروه من الله، (سبحانه).

стр. 2471

وقال مجاهد: هو ظهور قوم موسى على فرعون. و" الكلمة " هنا: قول موسى: ﴿عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرض﴾ [الأعراف: ١٢٩]. وقيل: هو قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الذين استضعفوا فِي الأرض وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ [القصص: ٥]، إلى ﴿يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦]. وقوله: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾. أي: أهلكنا ما عَمَّروْا وَزَرَعُوا.

стр. 2472

﴿وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾. أي: (وأهلكنا) ما كانوا يبنون، أي: خَرَّبنا ذلك. والضم والكسر في " راء ": ﴿يَعْرِشُونَ﴾، لغتان.

стр. 2473

قوله: ﴿وَجَاوَزْنَا ببني إِسْرَآئِيلَ البحر﴾، إلى قوله: ﴿(بلاء) مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾. والمعنى: وقطعنا ببني إسرائيل البحر بعدما رَأَوا من الآيات والعِبر فلم يَتَّعِظوا بذلك ويزدجروا، حتى قالوا، إذ مَرُّوا بقوم مقيمين على أصنام لهم يعبدونها: ﴿ياموسى اجعل لَّنَآ إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾. و: ﴿يَعْكُفُونَ﴾. يقيمون ويواظبون ويلازمون. والضم والكسر في " الكاف " لغتان.

стр. 2474

فقال لهم موسى: ﵇: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. أي: تجهلون نعمة الله ، عليكم وحقه، وتجهلون أنه لا تجوز العبادة إلا لله، (سبحانه). قال ابن جريج ﴿على أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾، تماثيل بقر. ومن أجل ذلك شبه عليهم السامري بالعجل. يريد أنه من تلك البقر التي ريأتموها تعبد. فعبدوه أربعين يوماً. وهؤلاء القوم الذين مروا بهم عاكفون على عبادة الأصنام، قيل: هم من لخَمْ. قاله قتادة.

стр. 2475

وقيل: بل كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى ﵇، بقتالهم. قوله: ﴿إِنَّ هؤلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ (وَبَاطِلٌ)﴾. هذا خبر من الله ، عن قول موسى ﵇، لقومه. و ﴿مُتَبَّرٌ﴾: مُهْلَكٌ، وباطل عملهم. وقال ابن عباس ﴿مُتَبَّرٌ﴾: خُسْران. ومعنى ﴿مُتَبَّرٌ﴾، عند أهل اللغة: مُهْلَكٌ ومُدَمَّر.

стр. 2476

ثم قال لهم موسى: ﴿أَغَيْرَ الله أَبْغِيكُمْ إلها﴾. أي: أسوى أطلب لكم مَعْبُوداً، ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى العالمين﴾، أي: عالم عصركم. ثم قال تعالى مخاطباً اليهود الذين بين ظَهْرَانيَ النبي، يقرعهم بما فعل بآبائهم: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ﴾، أي: واذكروا مع ما قلتم لموسى، ﵇، بعدما رأيتم من الآيات والعبر، ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب﴾، أي: يحملونكم على أقبح العذاب. وقيل معناه: يولونكم. ثم بينهما هو، فقال: ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذلكم بلاء مِّن رَّبِّكُمْ

стр. 2477

[عَظِيمٌ]﴾، (أي): اختبار من الله لكم. وقيل: معناه: نعمة عظيمة، يعني: في إنجائه لهم. ف: " الَبَلاَء " ها هنا يصلح أن يكون النِّعْمَة على إنجائهم. ويصلح أن يكون الاختيار فيما تولى منهم فرعون. قوله: ﴿وَوَاعَدْنَا موسى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً﴾، الآية. قال الكلبي: لما قطع موسى ﵇، البحر ببني إسرائيل وغَرَّق الله (سبحانه)، فرعون، قالت بنو إسرائيل (لموسى) /: يا موسى، ائتنا بكتاب من ربنا كما وعدتنا، وزعمت أنك تأتينا به إلى شهر، فاختار موسى ﵇ قومه سبعين

стр. 2478

رجلاً لينطلقوا معه، فلما تجهزا قال الله (تعالى) لموسى: أخبر قومك أنك لن تأتيهم أربعين ليلة وذلك حين أتمت بشعر. فلما خرج موسى ﵇ بالسبعين، أمرهم أن يتنظروه في أسفل الجبل وصعد موسى الجبل، فكلمه الله أربعين [يوماً وأربعين] ليلة، وكتب له فيها الألواح. ثم إن بني إسرائيل عدّوا عشرين يوماً وعشرين ليلة، فقالوا: قد أخلفنا موسى الوعد. وجعل لهم السامري العجل فعبدوه. وقال ابن جريج: لما نَجَّى الله موسى، ﵇، وأغرق فرعون وقومه، أمره ربه، ، أن يلقاه، فلما أراد أن يلقاه استخلف هارون على قومه، ووعدهم أن يأتيهم إلى ثلاثن ليلة، ميعاداً من قِبَلِهِ، فلما تمت [ثلاثين] ليلة قال إبليس للسامري: ليس يأتيكم موسى؛ وما يصلحكم إلا إله تعبدونه! فناشدهم هارون ألا يفعلوا. وأحدث الله، تعالى، لموسى ﵇ بعد الثلاثين أجلاً آخر إلى عشر ليال.

стр. 2479

وقيل: إن السامري قال لهارون: يا نبي الله، إنا استعرنا يوم خرجنا من القبط حَلْيً كثيراً، وإن الجند الذين معك قد أسرعوا في الحَلْيِ يبيعونه، وإنما كان عاريةً من آل فرعون، وقد ماتوا، ولعل أخاك موسى إذا أتى يكون له فيه رأي، فإما أن يقربها قرباناً تأكلها النار، وإما أن يجعلها للفقراء دون الأغنياء! فقال له هارون: نعم ما قلت! فأمر بجمعها، وقال: يا سامري، أنت أحق من كانت عنده هذه الخزانة! فقبضها السامي، وكان صَائِغاً فصاغ منها عِجْلاً جَسَداً، ثم قذف في جوفه تُرْبَةً من القبضة التي قبض من أثر فرس جبريل ﵇، فجعل يخور، وقال لبني إسرائيل: إنما تخلف موسى بعد الثلاثين يلتمس هذا: ﴿هاذآ إلهكم وإله موسى فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨]، يقول: إنَّ موسى نسي ربه. وقيل: إنه أمره الله أن يصوم ثلاثون يوماً، ويعمل فيها بما يقربه إليه، ثم أنزل عليه التوراة في العشر وكلمه فيها.

стр. 2480

وقيل: لما صام [موسى] ثلاثين يوماً ذكر خَلُوف فيه فاستاك بعود خَرُّوبٍ، فقالت [له] الملائكة: إنا كنا نستنشق من فيك رائحة المسك، فأفسدته بالسواك، وزيدت عليه العشر ليال. يقال: خلف الله عليكم بخير: إذا مات لهم من لا يُعْتَاضُ منه، مثل الوالدين. وأَخْلَفَ الله عليكم بخير: إذا مات من يُعْتَاض منه، كالزوجة وشبهها. قوله: ﴿وَأَصْلِحْ﴾. أي: لا تدع العجل يعبد.

стр. 2481

وقيل المعنى: أصلحهم بحملك إياهم على طاعة الله، . ﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين﴾. أي: لا تسلك طريقهم. قال مجاهد الثلاثون ليلة: والقعدة، والعشر: عشر من ذي الحجة. وقوله: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾، دل (به) على أن " العشر ": ليال، (وأنها ليست) بساعات.

стр. 2482

وقيل: توكيد. وقيل: هو بمنزلة قولك إذا جملت الأعداد: فذلك كذا وكذا، أي: ليس بعد ذلك عدد. وقيل: إنما أعاد ذكر الأربعين لرفع اللَّبس؛ لأن العشر يحتمل أن تكون لغير المواعدة، فلما أعاد ذكر الأربعين مع لفظ المواعدة دل على أنها داخلة مع الثلاثين في المواعدة، وأن زمن المواعدة أربعون ليلة، ولو لم يعد ذكر الأربعين/ مع المواعدة لجاز أن يكون زمن المواعدة ثلاثين ليلة، والعشر لغير المواعدة، فبين ذلك بإعادة الأربعين. قوله: ﴿وَلَمَّا جَآءَ موسى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾، الآية. (ومعنى: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾)، أي: أفهمه ما شاء من كلامه الذي ليس ككلام المخلوقين الي [هو] حركات اللسان وظهور الأصوات، فكلامه، ، ليس

стр. 2483

ككلام الآدميين، إذ ليس كمثله شيء، ولا يشبهه شيء، وعلينا أن نقف حيث انتهى بنا العلم، ولا نُكَيّفُ وَنَحُدُّ، ونسلم الأمر لله، ، ونقول كما قال، ولا نشبه؛ لأنه، تعالى، قد نفى التشبيه [كله] بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. ومن لم يمد ﴿دَكّاً﴾، جعله مصدر دَكَكْتَهُ: إذا كسَّرته وفتته. ومعناه: جعله مُفَتَتاً كالتراب والمَدَر. وشاهده قوله: ﴿[إِذَا] دُكَّتِ الأرض دَكّاً دَكّاً﴾ [الفجر: ٢١] ٍ، وقوله: ﴿فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤]، فتقديره: جعله مدكوكاً، ثم أقام المصدر مقام اسم المفعول.

стр. 2484

وقيل: إن قوله: ﴿جَعَلَهُ دَكّاً﴾، مثل: دُكَّه دُكَاً، فهو مصدر قد عمل فيه فعل من غير لفظه، فهو محمول على المعنى. ومن مد ﴿دَكّاً﴾، فمعناه: جعله: " مِثْل دَكَّاء "، ثم حذف مثل، (وأجراه مُجْرى): ﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: ٨٢]. وهو قول الأخفش. وقال قطرب المعنى: جعله أرضاً دكاء، ثم أقام الصفة مُقام الموصوف مثل: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة: ٨٣].

стр. 2485

وقال الفراء: ﴿دَكّاً﴾ و ﴿دَكّاً﴾ مثل: " البَأْس " [والبَأْسَاء]، كأنه جعله بمعنى واحد. ومعنى الآية: قال الربيع في قوله، تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ [مريم: ٥٢]، حدثني بعض من لقي أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: قُرَّبه الرب، تعالى، إليه حتى سَمِعَ صَرِيفَ القَلَمِ، فقال عند ذلك من الشوق: ﴿رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي﴾. قال السدي: لما كلمه، أحب أن ينظر إليه، فقال له: ﴿لَن تَرَانِي ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾، فَحَفَّ الله حول الجبل ملائكته، وحَفَّ حول الملائكة بنار، وحَفَّ حول النار بملائكة، وحَفَّ حول الملائكة بنار، ثم تجلى ربه للجبل. وقال أبو بكر الهذلي: تخلف موسى بعد الثلاثين حتى سمع كلام الله، سبحانه، اشتاق إلى النظر إليه فقال: ﴿رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي﴾،

стр. 2486

(أي): ليس لبشر أن يطيق أن ينظر إلي في الدنيا؛ فإن نم نظر إليّ مات، قال: إلهي، سمعت كلامك، واشتقت إلى النظر إليك، ولأَن أنظر إليك ثم أموت، أحبّ إلي من أن أعيش ولا أراك: قال: فانظر ﴿إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾. قال مجاهد: يعني أنه أكبر منك، وأشد خلقاً، فنظر موسى، ﵇، إلى الجبل لا يتمالك [و] أقبل يَنْدَكُّ على أوله. فلما رأى موسى ﵇ ما يصنع الجبل، خَرَّ صَعِقاً. وقال الحسن: لما كلمه ربه دخل قَلْبَ موسى، ﷺ ، من السرور من كلام الله ﷺ ، ما لم يصل إلى قلبه مثله قط. فدعت موسى ﵇، نفسه

стр. 2487

[إلى] أن يسأل ربه ، أن يريه نفسه، ﵎، ولو كان عَهِدَ إليه قبل ذلك أنه لا يرى، ما سأله ذلك. ويروي: أن موسى ﵇ مكث بعد أن كلمه ربه أربعين ليلة لا يراه [أحد] إلا مات من نور رب العزة. قال وهب: كلم الله (سبحانه)، موسى في ألف مقام، فكان إذا كلمه الله، (سبحانه) رئي النور على وجهه ثلاثاً، وما قرب موسى، ﵇ النساء مذ كلمه [الله]، جل وعز. قوله: ﴿فَلَمَّا تجلى/ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾.

стр. 2488

أي: اطلع (إلى) الجبل، ﴿جَعَلَهُ دَكّاً﴾، أي مستوياً بالأرض ﴿وَخَرَّ موسى صَعِقاً﴾، أي: مغشياً عليه لم يمت. قال ابن عباس: ما تجلى منه إلا قدر الخنصر، ﴿جَعَلَهُ دَكّاً﴾، أي: تراباً. وقال قتادة: ﴿صَعِقاً﴾، [أي]: ميتاً. وقال سفيان: ساخ الجبل في الأرض، حتى وقع في البحر. وقال أبو بكر الهذلي: انقعر الجبل فدخل تحت الأرض، فلا يظهر إلى يوم القيامة.

стр. 2489

وروى سفيان الثوري عن الكلبي [أنه] قال: ساخ الجبل في الأرض حتى وقع في البحر الذي تحت الأرضين السَّبْع، فهو يهوي إلى يوم القيامة. وقال القُتْبي: ﴿دَكّاً﴾ ألصقه بالأرض. يقال: " نَاقَةٌ دَكَّاء ": إذا لم يكن لها سَنَامٌ. وقيل معنى دَكَكْتُ: دَقَقْتُ. أبدل من القافين كافان لقرب مخرجيهما. وكان الطبري يختار قراءة: (دكاء) بالمد؛ لأنه قد ثبت عن النبي، ﷺ ، أنه (قال): " ساخ الجبل "، ولم يقل: " تفتت "، ولا " تحول تراباً ". وإذا ساخ

стр. 2490

وذهب ظهر وجه الأرض، فصار بمنزلة (الناقة) التي ذهب سنامها. قوله: ﴿فَلَمَّآ أَفَاقَ﴾. أي: من غشيته، ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾، أي: تنزيهاً لك، يا رب، أن يراك أَحَدٌ في الدنيا، ثم يعيش، ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾، عن مسألتي إياك الرؤية في الدنيا، ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين﴾، أي: أولهم أنَّكَ لاَ تُرَى فِي الدُّنْيا. قال ابن عباس: مرت الملائكة بموسى وقد صعق، فقالت: يا ابن النساء الحُيَّض، لقد سألت ربك شيئاً عظيماً! فقال: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾، من سؤالي الرؤية في الدنيا، ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين﴾ أي أول من يؤمن، أي: يصدق بأنه لاَ يَرَاكَ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِكَ فِي الدُّنْيا. قال ابن عباس: ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين﴾، أي: أول من آمن بك من بني إسرائيل. وقال مجاهد: وأنا أول قومي إيماناً.
следующие страницы →