← Тафсир

Тафсир · id 22593

الهداية الى بلوغ النهاية

مكي بن أبي طالب

Полный текст (8 396 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

ابن الجراح رضي الله عن هما " أما بعد فإنه بلغني، أن نساء يدخلن الحمامات/ معهن نساء أهل الكتاب، فامنع ذلك وحل دونه "، ثم إن أبا عبيدة قام في ذلك المقام متبتلاً، فقال: اللهم أيما امرأة تدخل الحمام من غير علة، ولا سقم، تريد البياض لزوجها، فسود وجهها يوم تبيض الوجوه. وقوله تعالى ذكره: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾، يعني الماليك، لها أن تبدي له من الزينة، ما تبدي لغيره من ذوي المحارم، وهو قول عائشة وأم سلمة جعلنا العبد بمنزلة ذي المحرم في هذه الآية، فلا يحل له أن يتزوج سيدته، وهو في ملكها، لأنه ما دام مملوكاً فهو بمنزلة (ذوي المحارم)، وهذا هو قوله: ﴿لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أيمانكم والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم مِنكُمْ﴾ [النور: ٥٨].

стр. 5007

وقيل: إنه ليس للعبد أن يرى منها إلا ما يرى الأجنبي. قال ابن عباس: لا ينظر عبدها إلى شعرها ولا إلى نحرها وهو مذهب: ابن مسعود، ومجاهد، وعطاء، فأما الخلخالان عند ابن عباس فلا ينظر إليه إلا الزوج، فيكون التقدير على هذا القول الثاني: أو ما ملكت أيمانهن غير أولي الإربة أو التابعين غير أولي الإربة ثم حذف. وقيل: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾، إنما هو للإماء خاصة. قال ابن المسيب. وقيل: للصغار خاصة. وقوله: ﴿أَوِ التابعين غَيْرِ أُوْلِي الإربة مِنَ الرجال﴾، أي والذين يتبعونكم لطعام يأكلونه عندكم ممن لا أرب له في النساء من الرجال. قال قتادة: " هو الرجل يتبعك ليصيب من طعامك ".

стр. 5008

وقال ابن عباس: هو الأحمق الذي لا حاجة له في النساء، وقاله الزهري. قال مجاهد: هو الذي يريد الطعام ولا يريد النساء، ولا يهمه إلا بطنه ولا يخاف منه على النساء. وقالت عائشة رضي الله عن ها: كان رجل يدخل على أزواج النبي ﷺ ، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل عليه النبي يوماً، وهو عند بعض نسائه، وهو ينعت امرأة، فقال: إنها إذا أقبلتْ بأربع، وإذا أدبرتْ أدبرتْ بثمان، فقال النبي ﷺ لأرى هذا يعلم ما ها هنا، لا يدخلن عليكم

стр. 5009

فحجبوه. وقال عكرمة: " غير أولي الإربة "، هو المخنث، الذي لا يقوم له: يريد العنين. وقيل: هو الشيخ الهرم، والخنثى، والمعتوه، والطفل، والعنّين. والإربة والأرب: الحاجة. ومن نصب غيراً نصبه على الحال. وقيل: على الاستثناء، ومن خفضه جعله نعتاً للتابعين. وقوله: ﴿أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عَوْرَاتِ النسآء﴾، أي الذين لم يكشفوا عن هورات النساء لجماعهن فتطلعوا عليها.

стр. 5010

قال مجاهد: الذين لم يدروأ ما هي من الصغر قبل الحلم، وقيل: لم يظهروا: لم يطيقوا ذلك، كما يقال: ظهر فلان على فلان: أي قدر عليه وغلبه. والطفل هنا بمعنى الأطفال، دل على ذلك نعته بالذين. ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾، أي لا يجعلن في أرجلهن من الحلي ما إذا مشين أو حركنهن علم الناس ما يخفين من ذلك. قال ابن عباس: هو أن تقرع الخلخال بالآخر عند الرجال أو يكون في رجليها خلاخل فتحركهن عند الرجال / فنهى الله جل ثناؤه عن ذلك لأنه من عمل الشيطان. وقال السدي: عن أبي مالك: كانت المرأة تلبس

стр. 5011

في رجليها الخلاخل، وتمر على المجلس، فتضرب برجليها ليسمع صوت خلاخلها، فنزلت هذه الآية في ذلك. وعن ابن عباس أنه قال: لا تضرب إحدى رجليها بالأخرى ليقرع الخلخال الخلخال فيظهر صوته. ثم قال: ﴿وتوبوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَ المؤمنون﴾، أي ارجعوا إلى طاعة الله فيما أمركم به ونهاكم عنه من غض البصر، وحفظ الفرج، وترك دخول بيوت غيركم إلا بعد الاستئذان، وغير ذلك من أمره ونهيه. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي لعلكم تدركون طلباتكم عنده بالنجاة والبقاء في النعيم. روى ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: " الندم على الدنيا توبة ". وروى ابن مسعود: أن النبي ﵇ قال: " لله أفرح بتوبة عبده إذا

стр. 5012

تاب إليه من رجل ضلت منه راحلته بداوية قفر عليها طعامه وشرابه، فطلبها حتى إذا جهده الطلب، قال: أرجع فأموت في موضع رحلي، فجاء موضع رحله فوضع رأسه فبينما هو كذلك، إذا هو براحلته عليها طعامه، وشرابه عند رأسه ". قوله تعالى ذكره: ﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ وزوجوا أيها المؤمنون الأيامى منكم، أي من لا زوج لها من المسلمات الحرائر، ومن لا زوجة له من الرجال، وأهل الصلاح من عبيدكم، ومن مملوكاتكم. والأيامى جمع أيم مشبهة بيتيمة ويتامى، يقال: أيم وأيامى، وأيايم، وأيام مثل: جيد وجياد. والإيم عند أهل اللغة: من لا زوج لها كانت بكراً أو ثيباً. حكى ذلك أبو عمرو والكسائي وغيرهما، وهو قول مالك وغيره. يقال: رجل أيم، وامرأة أيم وأيمة: إذا لم يكن لواحد منهما زوج.

стр. 5013

وقرأ الحسن: ﴿والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ وعبيد اسم للجمع. وروى عكرمة عن ابن عباس: أنه قال: من كانت له جارية فلم يصبها، أو لم يزوجها، أو كان له عبد فلم يزوجه، فما صنعا من فاحشة فإثم ذلك على السيد. وهذا يدل على أن الآية على الحتم والأمر للسادة بذلك. ثم قال تعالى: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾، أي إن يكن هؤلاء الذين أمرتم بإنكاحهم ذوي فاقة، وفقر يغنهم الله من فضله، فلا يمنعكم فقرهم من إنكاحهم. وقال ابن عباس: أمر الله سبحانه بالنكاح ورغبهم فيه، وأمرهم أن يزوجوا أحرارهم وعبيدهم، ووعدهم في ذلك الغنى فقال: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾. وقال ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح، يقول الله سبحانه:

стр. 5014

﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾. ويروى عن عمر أنه قال: عجبت لامرئ كيف لا يرغب في الباءة، والله يقول: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾. وقيل: معنى الآية: يغنهم الله من فضله بالنكاح، وكذلك: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] أي بالنكاح يعني بالتزويج، لأنه لم يجعل كل زوج مقصوراً على زوج أبداً. وقوله تعالى: ﴿والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾، أي واسع الفضل يغني من يشاء من فضله عليم بمصالح خلقه وأعمالهم. قوله تعالى ذكره: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الذين لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً﴾. أي وليمتنع عن الحرام الذين لا يجدون ما ينكحون حتى يوسع الله

стр. 5015

عليهم من فضله، فالنكاح في هذا الموضع: اسم لما ينكح به من المهر، والنفقة فسمي ما ينكح به نكاح، كما قيل: لما يلتحف به كاف ولما يرتدي به رداء، ولما يلبس لباس. ثم قال: ﴿والذين يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾، هذا ندب ندب الله عباده إليه ومعنى ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ إن علمتم فيهم مقدرة على التكسب لأداء ما كتب عليه مع القيام بما يلزمه من أمر نفسه، ومع إقامة / فروضهم، فالمكاتبة معلومة ما هي، وولاء المكاتب لمن كاتبه. وقد قال ابن جريج: فرض على الرجل أن يكاتب عبده الذي قد علم فيه خيراً، إذا سأله العبد ذلك، وقال عطاء، وروي ذلك عن عمر، وابن عباس، وهو

стр. 5016

اختيار الطبري لأن ظاهر الآية الأمر بالمكاتبة، وأمر الله فرض، إلا أن يدل على أنه ندب إجماع أو سنة. ومذهب أهل المدينة مالك وأصحابه: أنه ندب من غير فرض. وقال الثوري: لا يجير السيد على المكاتبة. وكره ابن عمر أن يُكَاتَبَ العبد إذا لم تكن له حرفة وقال: تطعمني أوساخ أيدي الناس. قال ابن عباس: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾، أي إن علمتم أن لهم حيلة لا يُلقون مؤنتهم على الناس. وقال مالك: إنه ليقال: الخير القوة والأداء، وهو قول ابن زيد.

стр. 5017

وقال الحسن: معناه: إن علمتم فيهم صدقاً، ووفاء وأداء الأمانة. وقال مجاهد وطاوس: مالاً وأمانة. وعن ابن مسعود: الخير إقامة الصلاة، وكذا قال ابن سيرين، وعبيدة. وقال مالك: الخير القوة على الأداء، وقال أبو صالح وعطاء: إن علمت فيهم خيراً لنفسك يؤدي إليك، ويصدقك ما حدثك فكاتبه. وقال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وابن جريج: معناه: إن علمتم

стр. 5018

لهم مالاً. ويقال: إن هذه الآية نزلت في صبيح القبطي مملوك الحاطب بن أبي بلتعة، وكان صالحاً، ثم هي عامة لجميع المسلمين. قال تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ الله الذي آتَاكُمْ﴾، يعني هبوبهم من مال الكتابة. قال علي بن أبي طالب: ربع الكتابة يحطها عنه.

стр. 5019

وقال ابن عباس: ضعوا عنهم مما قاطعنموهم عليه، وكان ابن عمر: يضع عن المكاتب في آخر كتابته ما شاء، وهو قوله مالك. وقال النخعي: هو أمر للمسلمين أن يعطوا المكاتبين من صدقاتهم يتقوون بها على أداء الكتابة، وهو قوله: (في الصدقات وفي الرقاب). وقيل: إن قوله: " وآتوهم " ترغيب لكل الناس من الموالي وغيرهم حضهم الله أن يعطوا المكاتبين من صدقاتهم ليتقووا بها على أداء كتابتهم. وقيل: هو خطاب لغير الموالي المخاطبين بالمكاتبة رغّب الناس أن يعطوهم من زكواتهم، والضميران مختلفان بمنزلة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] هو خطاب للأولياء، وصدر الكلام خطاب

стр. 5020

للأزواج. وقال ابن زيد: ذلك من الزكاة. ثم قال: ﴿وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البغآء﴾، أي: الزنا ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ أي: تعففاً ﴿لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الحياة الدنيا﴾، أي: ليكسبن لكم من زنائهن. وقيل قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ متعلق بقوله: ﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ * إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾. ويقال: إن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، كانت له جاريتا: معاذة وزينب، وكانتا تردان عليه خرجاً من زنائهما، قبل أن يسلما، فلما دخلتا في الإسلام، امتنعتا من الزنا فكان يكرههما على الزنا، فنهى الله عن ذلك، وأعلم المكره إنه له غفور رحيم.

стр. 5021

وقوله: ﴿وَمَن يُكْرِههُنَّ فَإِنَّ الله مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، ومعاذة هذه أم خولة، وخولة هي التي جادلت رسول الله ﷺ في زوجها، وفي ذلك نزل: ﴿قَدْ سَمِعَ الله﴾ [المجادلة: ١] الآية. ويروى أن عبد الله بن أبي: أمر جاريته أن تزني فجاءته ببرد، فأمرها أن تعود إلى الزنا، فأنزل الله جل ذكره: ﴿وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البغآء﴾ الآية. وقال جابر: كانت لعبد الله بن أبيّ جارية يقال لها مسيكة، وكان يأمرها بالبغاء لتكسب له فنهى الله عن ذلك. قال مجاهد: معناه: فإن الله للمكرهات من بعد إكراههن غفور رحيم. وقيل إن معاذة وزينب جاريتا عبد الله بن أبي لما أسلمتا أتيا إلى النبي ﵇، فشكتا إليه أن مولاهما يكرههما على الزنا فنزلت الآية في ذلك.

стр. 5022

ومن قال: إن ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ ندب، و ﴿وَآتُوهُمْ﴾ حتم، وقف على ﴿خَيْراً﴾ ثم ابتدأ بالحتم بعد / تقدم الندب، لأنه ليس بمعطوف عليه لاختلاف معنييهما، وهذا قول الشافعي. قال: المكاتبة: ندب، ويجير السيد أن يضع عن عبده من المكاتبة. ومن قال: هما واجبان لم يقف إلا على ﴿آتَاكُمْ﴾ لأن الثاني معطوف على الأول إذ معناهما جميعاً: عنده الحتم. ومن قال: كلاهما ندب لم يقف أيضاً إلا على ﴿آتَاكُمْ﴾ لأن الثاني أيضاً معطوف على الأول إذ معناهما جميعاً الندب وهو مذهب مالك والثوري. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ﴾، من كسر الياء من ﴿مُّبَيِّنَاتٍ﴾.

стр. 5023

فمعناه موضحات للأحكام والشرائع، لدلالة قوله: ﴿يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم﴾ [التوبة: ٦٤] فأضاف الفعل إلى السورة، والبيان في الحقيقة إلى الله جل ذكره، ولكن أضيف إلى السورة وإلى الآيات لعلم السامعين بالمراد، فمن كسر الياء جعل الآيات فاعلات، وأما من فتح الياء، فمعناه مفصلات، كما قال تعالى: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١]، ويدل على صحة قوله ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ﴾ [آل عمران: ١١٨]، فهي الآن مبينة، فالله جل ذكره هو الذي بينها كما قال: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ﴾ [آل عمران: ١١٨] فمنه فتح الياء جعل الآيات مفعولاً بها والفاعل هو الله، لأنه تعالى بيّنها وأظهرها، والكسر يدل على أن الايات فاعلات أي بينات لكم الأحكام والفرائض، والفاعل هو الله في المعنى في القراءة بالكسر على ما ذكرنا فافهم. والمعنى: ولقد أنزلنا إليكم دلالات وعلامات مفصلات أو موضحات، على ما تقدم من الفتح والكسر.

стр. 5024

وقوله تعالى ذكره: ﴿مَثَلاً مِّنَ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ﴾، أي مضوا قبلكم من الأمم. ﴿وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ أي لمن اتقى الله فخاف عقابه. قال تعالى: ﴿الله نُورُ السماوات والأرض﴾. قال أبو محمد: قد كثر الاختلاف في معنى هذه الآية ونحن نذكر ما بلغنا فيها. قيل: المعنى: الله ذو السماوات والأرض مثل ﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: ٨٢]. وقيل: معناه: الله هادي أهل السماوات والأرض قاله ابن عباس ثم استأنف فقال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ الآية، أي مثل هداه في قلب المؤمن كالكوة التي هي غير نافذة. ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ وذلك المصباح في زجاجة، الزجاجة صافية اللون كالكوكب الدري، يوقد ذلك المصباح من شجرة زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء من غير نار لصفاه، الكوة التي هي غير نافذة أجمع للضوء فيها إذا كان فيها المصباح، والمصباح إذا كان في زجاجة كان أظهر

стр. 5025

لضوئه، فإن كانت الزجاجة صافية اللون كان ذلك أظهر للضياء، وإذا كان الزيت الذي فيها صافياً، كان أظهر وأكثر للضوء، فذلك كله مبالغة للضياء والنور، فكذلك الهدى في قلب المؤمن. ومعنى هذا القول مروي: عن ابن عباس فهو مثل ضربه الله لنور الهدى والإيمان في قلب المؤمن. وعن ابن عباس أيضاً، وعن مجاهد: ﴿الله نُورُ السماوات والأرض﴾، أي مدبرهما: شمسهما وقمرهما ونجومهما. وقال أبي بن كعب: بدأ الله بنوره وذكره، ثم ذكر نور المؤمن في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾.

стр. 5026

وقيل المعنى: مثل ما أنار الله من الحق بهذا التنزيل كمشكاة على هذه الصفة، فالهاء في نوره تعود على الله جل ذكره أي مثل هداه في قلب المؤمن وهو القرآن. والتقدير: الله هادي أهل السماوات بآياته البينات، مثل هداه وآياته التي هدى الله بها خلقه في قلوب المؤمنين، كنور هذا المصباح الموصوف بهذه الصفات. وهو قول ابن عباس الذي تقدم ذكره. وقال: كعب الأحبار: النور هنا لمحمد، والهاء لمحمد ﵇ والمعنى: مثل نور محمد ﷺ كمشكاة، وكذلك روي عن ابن جبير. فيكون المعنى: الله هادي أهل السماوات والأرض ثم استأنف فقال: مثل نور محمد إذا كان مستودعاً في الأصلاب كمشكاة هذه صفتها، والمصباح عني به قلب محمد ﷺ ، شبه بالمصباح في ضيائه ونوره لما فيه من الإيمان والحكمة. ﴿المصباح / فِي زُجَاجَةٍ﴾، يعني قلبه في صدره كأنها كوكب دري أي صدره في صفاه ونوره لما فيه من الإيمان والحكمة، ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ يعني به الزهرة

стр. 5027

﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، أي استنار نور محمد من نور إبراهيم، فإبراهيم هو الشجرة المباركة ومحمد ﵇ على ملته ودينة، فمنه استنار ثم مثل الله. إبراهيم فقال: ﴿زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي إن إبراهيم لم يكن يصلي إلى المشرق ولا إلى المغرب، فهو في الضياء مثل هذه الزيتونة التي لا تصيبها الشمس إذا غربت ولا إذا طلعت فزيتها على هذا أطيب، وأصفى وأضوى. وهذا التفسير قد روي من طرق وغيره أشهر وأكثر، وقد ذكرناه ونذكره أيضاً فيما بعد إن شاء الله. وقال زيد بن أسلم والحسن: الهاء لله والتقدير: الله نور السماوات والأرض مثل نوره، ونوره القرآن أي مثل هذا القرآن في القلب كمشكاة هذه صفتها.

стр. 5028

وعن ابن عباس: إن النور هنا الطاعة سمى طاعته نوراً. وقيل: الهاء تعود على المؤمن أي مثل نور المؤمن والذي في قلبه من الإيمان، والقرآن كمشكاة، قاله: أبي بن كعب. وقال ابن جبير والضحاك: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، مثل نور المؤمن كمشكاة والمشكاة كل كوة لا منفذ لها. وقيل: هو مثل ضربه الله لقلب محمد ﵇. قال كعب الأحبار: المصباح قلب محمد في زجاجة الزجاجة صدره كأنها كوكب دري، شبه صدر النبي ﵇ بالكوكب الدري، ثم

стр. 5029

رجع في المصباح إلى قلبه فقال: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي لم يمسها شمس المشرق، ولا شمس المغرب ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يضياء﴾، أي يكاد محمد ﷺ يتميز للناس، ولو لم يتكلم، أنه نبي، كما يكاد ذلك الزيت يضيء ولو لم يتمسه نار ﴿نُّورٌ على نُورٍ﴾. وقال ابن عباس: المشكاة كوة البيت. وقال آخرون: عني بالمشكاة صدر المؤمن، والمصباح القرآن والإيمان والزجاجة قلبه. وهذا المثل ضربه الله للمؤمنين. هذا قول أبي بن كعب. قال أبيّ: جعل القرآن والإيمان في صدر المؤمن كمشكاة، فالمشكاة صدره ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ المصباح القرآن والإيمان اللذان جعلا في صدره. ﴿المصباح فِي زُجَاجَةٍ﴾، قال: فالزجاجة قلبه فيه القرآن والإيمان ﴿الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ قال: فمثل ما استنار فيه من القرآن والإيمان كأنه كوكب دري أي مضيء

стр. 5030

﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، فالشجرة المباركة أصله وهو الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي مثله كمثل شجرة التفت بها شجرة، فهي ناعمة لا تصيبها الشمس على أي حال كانت لا إذا طلعت ولا إذا غربت، وكذلك هذا المؤمن قد أجير من أن يصيبه شيء من الفتن، وقد ابتلي بها فثبته الله فيها فهو بين أربع خلال: إن أعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإن حكم عدل، وإن قال صدق، فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات. ثم قال تعالى: ﴿نُّورٌ على نُورٍ﴾، فهو يتقلب في خمسة من النور فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة: إلى الجنة. وقال ابن عباس: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ مثل هدى الله في قلب المؤمن.

стр. 5031

وقال قتادة: مثل نور الله في قلب المؤمن، فالهاء في نوره تعود على الله والنور معنى الهدى. وقيل: تعود على المؤمن. وقيل: على محمد ﵇. وقد مضى هذا. قال القتبي: هو مثل ضربه الله تعالى لقلب المؤمن، وما أودعه من الإيمان والقرآن من نوره، لكنه بنفسه فقال: ﴿الله نُورُ السماوات والأرض﴾، أي بنوره يهتدي من في السماوات والأرض. ثم قال ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، يعني مثل نور المؤمن. وقيل: معناه: مثل نور الله في قلب المؤمن ونور الله الإيمان به. وكان أبيّ يقرأ (مثل نور المؤمن) وقد مضى أكثر هذا، فالمعنى على قول ابن

стр. 5032

عباس وغيره: الله هادي أهل السموات وأهل الأرض إلى أمور دينهم ومصالحهم / والكلام فيه توسع ومجاز لأنه قد علم أن الله لا يكون نوراً ولا ضياء ولا من جنس النور ولا الضياء، لأن النور والضياء مخاوقان لله جل ذكره، ومعنى ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي صفة هدى الله للمؤمنين في قلوبهم. وهذا يدل على أن معنى ﴿الله نُورُ السماوات والأرض﴾، أي هاديهن وليس الله هو النور لأنه قد شبه النور المذكور بالمشكاة الموصوفة، والله لا يشبهه شيء، ولا يُشَبَّه بشيء، فنوره إنما هو هداه ودلالة خلقه إلى مصالحهم في دينهم ودنياهم، فإنما شبه هداه لخلقه بما يعقلون من المشكاة فيها المصباح الذي هو في زجاجة، تلك الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد بزيت من شجرة صفتها كذا، وذلك كله مبالغة في صفة هدى الله عباده.

стр. 5033

وقوله: ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾. قال قتادة: " لا يفيء عليها ظل الشرق ولا ظل الغرب ضاحية، وذلك أصفى للزيت كأنه يقول: إن الشمس ى تفارقها ". وقال الحسن: ليست من شجر الدنيا. وعن ابن عباس ومجاهد: أنه مثل للمؤمن، غير أن المصباح وما فيه مثل فؤاد المؤمن، والمشكاة مثل الجوف. وقال الحسن: معناه مثل القرآن في قلب المؤمن كمشكاة هذه صفتها. وقال ابن زيد: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، نور القرآن الذي أنزله الله على رسوله، فهذا مثل القرآن يستضاء به في نوره، ويعملون به، ويأخذون به، وهو لا ينقص. فهذا مثل ضربه الله لنوره. وقال مجاهد: المشكاة القنديل.

стр. 5034

وقيل: هو الحديد الذي يعلق فيه القنديل: قال أيضاً مجاهد: واختار الطبري أن يكون هذا المثل، مثل ضربه الله للقرآن في قلب أهل الإيمان به، فقال: الذي أنار به لعباده سبيل الرشاد - الذي أنزله إليهم فآمنوا به، في قلوب المؤمنين - مثل مشكاة وهي عمود القنديل الذي فيه الفتيلة وهو نظير الكوة التي تكون في الحيطان التي لا منفذ لها، وإنما جعل ذلك العمود مشكاة لأنه غير نافذ وهو أجوف مفتوح إلى الأعلى، وهو كالكوة في الحائط التي لا تنفذ. ثم قال: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾، وهو السراج، والمصباح، مثل لما في قلب المؤمن من القرآن والآيات البينات. ثم قال: ﴿المصباح فِي زُجَاجَةٍ﴾، يعني إن السراج الذي في المشكاة، في القنديل وهو الزجاجة وذلك مثل القرآن، يقول: القرآن الذي في قلب المؤمن الذي أنار الله به قلبه في صدره، ثم مثل الصدر في خلوصه من الكفر بالله والشك فيه،

стр. 5035

واستنارته، بنور القرآن بالكوكب الدري، فقال: ﴿الزجاجة﴾ وذلك صدر المؤمن الذي فيه قلبه ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ ومعنى قراءة من قرأ ﴿دُرِّيٌّ﴾ بالتشديد وضم الدال أنه نسبه إلى الدر ومعناه: أن فضل هذا الكوكب في النور على سائر الكواكب كفضل الدر على سائر الحَبّ، ومن قرأ دِرئ بكسر الدال والمد والهمز جعله من إندرأ الحريق إذا اندفع. وحكى الأخفش سعيد: درأ الكوكب بضوئه إذا امتد ضوءه وعلا. وقيل: هو فعيل من درأت لأن معناه يدفع ويرجم به الشياطين.

стр. 5036

وأنكر أبو عبيدة هذه القراءة إن كانت من درأت إذا دفعت وضعفها لأن الكواكب كلها تندفع فلا فضل لأحدهما على الآخر فلا فائدة في وصفه له بالاندفاع لأنها كلها تندفع. فأما قراءة من قرأ بضم الدال والمد والهمز، فقد أنكرها جماعة، إذ ليس في الكلام. فُعَيلٌ، وقد جوزها أبو عبيدة وقال: هو فعول مثل سيوح، وأصله درؤ وأبدلوا من الواو ياء كما قالوا: عني. وأنكر هذا القول على أبي عبيدة لأِنه لا يشبع عتي إن كان جمع عات، فالبدل فيه لازم لأن الجمع باب تغيير والواو لا يكون طرفاً في الأسماء وقبلها ضمة، فاعتلاله لازم، فإن كان عتياً مصدراً فيجب قلب الواو لأنها ظرف في فعول وليست الواو في دري / إذا جعل أصله دروي ظرفاً فلا يشتبهان، ووجه هذه القراءة، عند بعض النحويين أنه فعيل كَمُريق، على أن مُريقاً أعجمي، فلا يجب أن يحتج به. والكوكب الذي شبه بالزجاجة، هو الزهرة قال الضحاك. ومن قرأ ﴿يُوقَدُ﴾ على تفعل جعله فعلاً ماضياً خبراً عن المصباح.

стр. 5037

وقيل، خبراً عن الكوكب. ومن قرأ بالياء، على يفعل جعله فعلا مستقبلاً لم يسم فاعله راجعاً إلى المصباح. ومن قرأ بالتاء على تفعل جعله فعلاً لم يسم فاعله مستقبلاً أيضاً راجعاً على الزجاجة لأنها أقرب إليه، فلما كان الاتقاد فيها جاز أن توصف هي به لعلم السامعين بالمعنى، كما قالوا: ليل نائم، وسر كاتم، وقد نام ليلك، كقوله: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] فوصف اليوم بالعصوف والعصوف للريح، لكن لما كان الريح في اليوم جعل وصفاً لليوم لعلم السامعين بالمعنى وهو كثير في كلام العرب. وأنشد الفراء: " يومين غيمين، ويوماً شمساً " ... فجعل الغيمين وصفاً لليومين لأنهما في اليومين يكونان، فكذلك وصف الزجاجة بأنها توقد لأن الإيقاد فيها يكون.

стр. 5038

ومعنى قوله: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ﴾، أي توقد من دهن شجرة. وقوله: ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾. قال ابن عباس: لا شرقية بغير غرب ولا غربية بغير شرق. وقال الحسن: ليست هذه الشجرة في الأرض، ولو كانت في الأرض لكانت شرقية أو غربية، ولكنه تمثل بالنور. وقال أبو مالك: لا يصيبها الشمس وقت الشرق ولا وقت الغرب ولكنها بين شجر في فجوة من ذلك فهي في ظل أبداً قد سترها ما حولها من الشجر. وقيل إنها يصيبها الشمس عند الشروق وعند الغروب، ولم تخلص للشروق فيقال لها شرقية، ولا للغروب فيقال لها غربية، ولكنها قد جمعتهما كما يقال: فلان لا أبيض ولا أسود إذا كان فيه بياض وسواد، ويقال: هذا لا حلو ولا حامض أي لم

стр. 5039

يخلص له أحد الطعمين، فهذا قول مختار وهو معنى قول ابن عباس المتقدم. وقال عكرمة: لا تخلو من الشمس وقت الغروب والشروق، وذلك أصفى لذهنها وهذا موافق لمذهب ابن عباس أيضاً. وعن مجاهد أنه قال: لا يُكنها جبل ولا وادي. وقال قتادة: هي شجرة بارزة للمشس. وقال الضحاك: لا تصيبها الشمس، وعنه مثل قول قتادة. وعن مجاهد أيضاً أنه قال: هي شجرة تكون فوق جبل تطلع عليها الشمس وتغرب عليها. وقال القتبي: المعنى أنها: ليست بارزة للمشس، لا يصيبها الظل فيقال لها شرقية، وليست في الظل لا تصيبها الشمس فيقال لها غربية. وقال الطبري: معناه: ليست شرقية تطلع عليها الشمس بالغداة، من الشرق دون العشي، ولا غربية تطلع عليها الشمس بالعشي دون الغداة، ولكن الشمس تشرق عليها وتغرب، فهي شرقية غربية، وهذا أيضاً قول ابن عباس

стр. 5040

بعينه وهو قول عكرمة. وقوله: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، قال الطبري: معناه أن هذا القرآن من عند الله، وأنه كلامه، فجعل مثله ومثل كونه من عنده، مثل المصباح الذي يوقد من الشجرة المباركة التي وصفها بعده. وقوله: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يضياء﴾ يعني أن حجج الله على خلقه تكاد من بيانها ووضوحها تضيء لمن فكر فيها ونظر. وقوله: ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾، أي ولو لم يزدها الله بياناً ووضوحاً، فأنزل القرآن إليهم منبهاً لهم على توحيده، فكيف وقد نبههم وذكرهم بآياته فزادهم حجة إلى حجة عندهم قبل ذلك. فذلك بيان من الله جل ذكره ونور على البيان. وقوله: ﴿نُّورٌ على نُورٍ﴾ النور الأول النار، والثاني الزيت الذي يكاد يضيء من صفاه قبل أن تمسه النار، قاله مجاهد. قال: الطبري: هو مثل للقرآن، أي هذا القرآن نور من عند الله أنزله على خلقه يستضيئون به.

стр. 5041

وقوله ﴿على نُورٍ﴾ يعني / الحجج والبيان الذي نصبه الله لهم مما يدل على وحدانيته قبل مجيء القرآن. قال ابن زيد: ﴿نُّورٌ على نُورٍ﴾، يضيء بعضه بعضاً يعني القرآن. قوله: ﴿يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ﴾، أي يوفق الله لاتباع نوره وهو القرآن من يشاء من عباده. ثم قال: ﴿وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ﴾، أي ويمثل الله الأمثال للناس، يعني به ما مثل لهم من مثل القرآن في قلب المؤمن، بالمصباح في المشكاة، وسائر ما في الآية من الأمثال. ثم قال: ﴿والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ﴾، أي عليم بالأشياء كلها، ومن قال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي نور المؤمن جاز له أن يقف على ﴿الله نُورُ السماوات والأرض﴾، ومن قال المعنى: مثل نور الله لم يقف إلا على مصباح ﴿المصباح فِي زُجَاجَةٍ﴾، تمام، ﴿دُرِّيٌّ﴾ تمام ﴿تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾، تمام [للناس]، قطع. و [عليم]،

стр. 5042

تمام إن جعلت في " بيوت " متعلقاً بيسبح. فإن جعلته على قول ابن زيد متعلقاً بقوله: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾، لم تقف إلى ﴿عَلَيِمٌ﴾ وكذلك إن جعلته متعلقاً ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ وهو قول الطبري. وكذلك إن جعلته حالاً مما تقدم لم تقف على ﴿عَلَيِمٌ﴾ وهو قول: أحمد بن يحيى. وفي هذه الآية، قول غريب منه ما يوافق ما تقدم، ومنه ما يخالف. ذكره الدمياطي في تفسيره وهو أن قوله ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي مثل نور محمد ﵇ إذ كان مستودعاً في صلب عبد المطلب كمشكاة يعني كوة غير نافذة على لغة الحبش، ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ يعني قلب النبي، ضبهه بالمصباح في ضيائه ونوره لما فيه من الحكمة والإيمان. ﴿المصباح فِي زُجَاجَةٍ﴾، يعني قلبه في صدره ﴿الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾، أي صدره في صفاه ونوره لما فيه من الإيمان

стр. 5043

والحكمة ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ يعني الزهرة. ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، أي استنار نور محمد من نور إبراهيم، فإبراهيم هو الشجرة المباركة، ومحمد ﵇ على ملته ودينه، فمنه استنار، ثم مثل إبراهيم فقال: ﴿زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي إن إبراهيم لم يكن يصلي إلى المشرق ولا إلى المغرب فهو في الضياء مثل هذه الزيتونة التي لا تصيبها الشمس إذا طلعت، ولا إذا غربت، فزيتها أضوى وأطيب. وقيل معنى ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي إن إبراهيم لا يهودي ولا نصراني بل هو حنيف مسلم. وهذا التفسير مخالف في أكثره لجميع ما قدمناه. والله أعلم بحقيقة ذلك، فهذا ما وصل إلينا في تفسير هذه الآية، والله أعلم بصحة معناها وبما أراد فيها. قوله تعالى ذكره: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ﴾. أي الله نور السماوات والأرض مثل نوره أي نور القرآن ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾

стр. 5044

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ﴾ فيكون قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ ظرف للمصباح ويتعلق به فيكون على قول ابن زيد: يسبح له فيها: من صفة البيوت. وقيل: المعنى ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ﴾ فيكون متعلقاً ﴿يُوقَدُ﴾ ويسبح أيضاً وما بعده صفة للبيوت. وقيل: المعنى كمشكاة في بيوت، فيسبح أيضاً وما بعده صفة، فلا يقف على هذه الأقوال على ما قبل ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ وقيل: المعنى: يسبح له رجال في بيوت فتقف على هذا على ما قبل ﴿فِي بُيُوتٍ﴾. قال ابن عباس وأبو صاح، ومجاهد، والحسن، وابن زيد: هي المساجد.

стр. 5045

قال ابن عباس: نهي عن اللغو فيها. وقال عمرو بن ميمون: أدركت أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: المساجد بيوت الله، وأنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها. وقال عكرمة: هي البيوت كلها. وقال: الحسن: يعني به بيت المقدس. وعن مجاهد أنه قال: هي بيوت النبي ﷺ . وقيل: في الكلام معنى الإغراء والمعنى: صلوا في بيوت أذن الله أن ترفع أي يرفع قدرها وتصان وتجل، وأذن الله أن يذكر فيها اسمه، وهي المساجد. وروى ابن زيد / عن أبيه أن النبي ﷺ قال: " ما من أحد يغدو أو يروح إلى
следующие страницы →