Полный текст (8 396 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.
стр. 7841
- وأما قوله: ﴿وَسَبِّحْ﴾ [غافر: ٥٥] و ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ بالعشي والإبكار﴾ [غافر: ٥٥]، فإن ذلك نزل قبل فرض الصلوات الخمس، وكانت الصلاة ركعتين غدوة وركعتين عشية، فرضاً بهذا الآية، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس.
وأول صلاة صليت من الصلوات الخمس: الظهر، وبهذا بدأ جبريل، ولذلك سميت الأولى.
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هؤلاء يُحِبُّونَ العاجلة وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾.
أي: إن المشركين بالله - يا محمد - يحبون الدنيا والبقاء فيها، ويدعون خلف ظهورهم العمل للآخرة وما ينجيهم من عذاب الله. وقيل: معنى " وَرَاءَ " هنا: قدام. وقيل: التقدير: ويذرون عمل يوم ثقيل وراء ظهورهم.
- ثم قال تعالى: ﴿نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ﴾.
стр. 7842
أي: " خلقهم ". قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. وقال أبو هريرة: الأسر: المفاصل وقال ابن زيد: هو القوة. وقد قيل: هو مضع خروج الحدث.
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً﴾.
أي: وإذا شئنا أهلكنا هؤلاء وجئنا بآخرين سواهم من جنسهم في الخلق، مخالفين لهم في العمل. هذا معنى قول ابن زيد.
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هذه تَذْكِرَةٌ﴾.
أي: إن هذه السورة والعظة والأمثال والقصص تذكرة وعظة لمن تذكر بها واتعظ.
- ﴿فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾.
هذا تهديد ووعيد. أي: من شاء عمل [عملاً] صالحاً يوصله إلى رحمة ربه.
стр. 7843
ومن شاء فليترك ذلك، فسيرى عقابه في الآخرة.
- ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾.
أي: وما تشاءون اتخاذ الطريق إلى رضا الله ورحمته إلا بأن يشاء الله ذلك لكم لأن الأمر إليه لا إليكم. ف " إن " في موضع نصب بحذف الجار.
وقيل: هي في موضع خفض على إضماره. وجاز ذلك مع " أن " خاصة [لكثرة حذف] الجار معها.
وفي حرف عبد الله: " وَمَاتِشَاءُونَ إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ ".
стр. 7844
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾.
أي: عليماً بمن شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً، حكيماً في تدبيره، لا يقدر أحد أن يخرج عن مراده ومشيئته.
- ثم قال: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾.
أي: يوفق من يشاء إلى التوبة فيدخله بذلك في رحمته.
- ثم قال تعالى: ﴿والظالمين أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾.
أي: والذين ظلموا أنفسهم فلم يتوبوا من كفرهم حتى ماتوا عليه أَعَدَّ لَهمْ في الآخرة عذاباً مؤلماً، أي: موجعاً، وهو عذاب النار.
فالمعنى أن الله جل ذكره (أعلمنا في) هذه الآية [أنه يشاء أن] يعذب الكفار
стр. 7845
وأن يرحم أهل طاعته. وانتصب (الظالمين) على إظمار فعل (في) معنى " (أ) عد "، كأنه قال: ويعذب الظالمين، [ولا يُضْمَرُ] " أَعَدَّ "، لأنه [لا يتعدى] إلا بحرف، فلا بد من إضمار فعل يتعدى بغيكر حرف يدل على " أعد "، وهو " يعذب " أو شبهه.
стр. 7846
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة المرسلات
مكية
- قوله: ﴿والمرسلات عُرْفاً﴾، إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُ جمالت صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: ﴿(و) المرسلات﴾: الرياح، ﴿عُرْفاً﴾: يتبغ بعضها بعضاً.
стр. 7847
وقال مسروق: ﴿والمرسلات﴾: " الملائكة " ﴿عُرْفاً﴾ أي: ترسل بالعرف.
عن أبي صالح أيضاً أنها " الرسل، ترسل بالمعروف ". وقيل: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس.
والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ونهيه (وذلك هو المعروف.
وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه).
ومن قال ﴿عُرْفاً﴾ متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح.
стр. 7848
ويدل (على أنها ليست) الريح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ﴿فالعاصفات عَصْفاً﴾.
- (ثم قال تعالى: ﴿فالعاصفات عَصْفاً﴾).
أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم.
- ثم قال تعالى: ﴿والناشرات نَشْراً﴾.
قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب.
وقال أبو صالح: هي " المطر "، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها].
стр. 7849
وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم قال تعالى: ﴿فالفارقات فَرْقاً﴾.
قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، فرق بالوحي بين الحق الباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: والآيات الفارقات فرقاً.
- ثم قال تعالى: ﴿فالملقيات ذِكْراً * عُذْراً﴾.
كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن.
ثم قال تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾.
стр. 7850
أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذاراً من الله لخلقه [وإنذاراً] منه لهم. قاله قتادة وغيره.
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لواقع﴾.
يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. و ﴿إِنَّمَا﴾ هو جواب القسم المتقدم.
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا النجوم طُمِسَتْ﴾.
أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور.
﴿وَإِذَا السمآء فُرِجَتْ﴾. أي: شققت وصدعت.
﴿وَإِذَا الجبال نُسِفَتْ﴾. أي: نسفت من أصلها.
стр. 7851
﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: ٦]. أي: غباراً متفرقاً.
﴿وَإِذَا الرسل أُقِّتَتْ﴾.
أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة.
قال ابن عباس: ﴿أُقِّتَتْ﴾ " جمعت ". وقال مجاهد ﴿أُقِّتَتْ﴾ " أجلت ".
وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة.
وقرأ عيسى بن [عمر] " أُقِتَتْ " بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. " وُقِتَتْ " بالواو والتخفيف.
стр. 7852
وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها.
والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة.
- ثم قال تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم بينه فقال:
- ﴿لِيَوْمِ الفصل﴾.
أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته.
стр. 7853
- ثم قال: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الفصل﴾.
أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟ فمعناه التعظيم لذلك اليوم لشدته وهوله.
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين/ بذلك اليوم.
وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم.
فقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام.
- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الأولين﴾.
стр. 7854
يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم.
- ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخرين﴾.
يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ على هذا مجزوماً. والتقدير: " وَأَلَمْ نُتْبِعْهُمُ الآخِرِينَ ". وبه قرأ الأعرج.
- وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بالمجرمين﴾.
يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها.
ورد الجزام وأبو حاتم لأنه تأول أن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ يراد به قريش ومن سلك في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى.
ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبداً.
стр. 7855
(وقيل): إن ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ عطف على المعنى، لأن المعنى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾: قد أهلكنا.
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بالمجرمين﴾.
أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله.
[ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه].
- ثم قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ [مَّهِينٍ]﴾.
أي: من نطفة ضيعفة. قال ابن عباس: " المهين: الضعيف ".
- ثم قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
стр. 7856
أي: في رحم استقر فيه فتمكن.
﴿إلى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي: إلى وقت خروجه من الرحم.
- ثم قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القادرون﴾.
قال الضحاك: معناه " فملكناهم فنعم المالكون ". وهذا التقدير على قراءة من خفف.
وعلة من شدد أنه أراد به التذكير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم، [ثم]. . .، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال].
стр. 7857
ومن خفف أجراه على لفظ " القادرين " إذ فعله: " قدر مخففاً، فالتخفيف بمعنى الملك والقدرة على ذلك.
والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين معنيين: التقدير [بقدرنا]، والملك " بالقادرين ".
ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة.
وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضاً يقال: قَدَرَ الله كذَا وقدَّره، لغتان.
فيكون من شدد ﴿فَقَدَرْنَا﴾ جمع بين اللغتين، بقوله: ﴿القادرون﴾، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ الكافرين أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت﴾ [الواقعة: ٦٠] مشدداً.
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض كِفَاتاً * (أَحْيَآءً). . .﴾.
أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاءً، أنتم على ظهرها في مساكنكم
стр. 7858
مجتمعون أحياءً وفي بطنها أمواتاً؟!
[يذكرهم] بنعمه عليهم.
يقال: كَفَتُّ الشيء إذا جَمَعْتَهُ وأَحْرَزْتَهُ.
روي عن ابن مسعود أنه " وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض كِفَاتاً * أَحْيَآءً وأمواتا﴾.
وقال مجاهد - في الرجل يرى القلمة في ثوبه وهو في المسجد - قال: " إن شئت فألقها، وأن شئت [فوارها]. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض كِفَاتاً. . .﴾.
قال الشعبي: ﴿كِفَاتاً﴾: " بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم ".
وقال مجاهد: ﴿كِفَاتاً﴾: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياءً وأمواتاً، أي: تضم
стр. 7859
ذلك.
ونصب ﴿أَحْيَآءً وأمواتا﴾ " بفكات "، أي: تضم أحياءً وأمواتاً. وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت " ضرباً "، نصبت " زيداً " أو رفعته.
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾.
أي: جبالاً شاهقات، أي: طولاً مشرفات.
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً﴾.
أي: عذباً قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل
стр. 7860
والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهر، وهي (تخرج من) تحت صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر).
- ثم قال تعالى: ﴿انطلقوا إلى مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر.
- ﴿انطلقوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
أي: إلى ظل دخان ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق على ثلاث شعب، وهو " دخان جهنم ".
[وهو قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، اليحموم: الدخان.
стр. 7861
وقد قيل في قوله " ﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. وهوقول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. ولست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد المطلب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ اللهب﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى غير [غانٍ] من اللهب. أي: [لا يظلهم/ ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها.
стр. 7862
وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي ﷺ : " نَّ الشَّمْسَ تَدْنُوا مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلآَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿انطلقوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ " أفهذا للكفار، لأنه روي: أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ الله عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السموم﴾. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه. فيُقِيمُونَ في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار ".
стр. 7863
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقصر﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: " كالقصر العظيم ".
قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كالقصر﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمَر.
وقرأ ابن عباس: " كَالْقَصَرِ " بفتح الصاد.
стр. 7864
وقرأ ابن جبير والحسن: " كَالْقِصَرِ " بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كشخبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على
стр. 7865
الجمع]، وذلك جعل نعتاً لِ " شَرَرٍ " وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: ٤٥]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: " الأدبار "؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كالذي يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ [الأحزاب: ١٩]، ولم يقل: " كعيون الذين ". وهو المعنى لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جمالت صُفْرٌ﴾.
стр. 7866
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ. فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في مضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرف إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] " أُدْماً " لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جمالت صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقُ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة. والقَلْسُ. الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جمالت صُفْرٌ﴾: " قِطَعُ النّحَاسِ " وهو جمع جِمَالَةٍ
стр. 7867
[وجِمَالَةٌ]: حمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: " جُمَالاَت " - بضالم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على
стр. 7868
جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ. ثم جمع " جُمَالاً " على جُمَالاَت، لأن باب " فَعَل " و " فُعَل " واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
- قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره.
- قوله تعالى: ﴿هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾، إلى آخر السورة.
أي: هذا يوم لا ينطق فيه أهل التكذيب بثواب الله وعقابه، وذلك في موطن دون موطن. ودليله: قوله - حكاية عنهم - ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا
стр. 7869
(مِنْهَا)﴾ [المؤمنون: ١٠٧] ﴿رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثنتين﴾ [غافر: ١١].
وشبهه.
- ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾.
أي: مما كسبوا في الدنيا من المعاصي.
وقال ابن عباس: يوم القيامة أوقات، فوقت لا ينطقون فيه، وذلك عند (أول) نفخة، يريد: كل هول. وقيل: المعنى لا ينطقون فيه بحجة لهم. تقول العرب لمن أحتج بما/ لا حجة فيه: ما جئت بشيء، ولا نطقت بشيء، أي: هم بمنزلة من لا ينطق، إذ لا ينتفعون بمنطقهم. ومثله في هذا المعنى قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨]، أي: هم بمنزلة من هو هكذا.
стр. 7870
وقد استدل بعض أهل النظر على أنه يراد به بعض أوقات اليوم دون بعض [بإضافة] اليوم إلى الفعل.
قال: والعرب لا تضيف اليوم إلى " فعل " و " يفعل " (إلا) إذا [أرادت] الساعة من اليوم، تقول: آتيك يوم يقدم فلان، وأراك يوم يقدم.
والمعنى: ساعة يقدم، لأنه لا يتمكن أن يكون إتيانه اليوم كله.
- ثم قال تعالى: ﴿هذا يَوْمُ الفصل جمعناكم والأولين﴾.
أي: يقال [لهؤلاء المكذبين بالله ورسله. هذا يوم يفصل الله فيه بن خلقه بالحق، [جعلناكم فيه] لموعدكم الذي كنا نعدكموه في الدنيا، وجمعنا الأولين معكم ممن كان قبلكم من الأمم الماضية والقرون العافية.
стр. 7871
- ﴿فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾.
أي: فإن كان لكم كلكم اليوم حيلة تحتالون بها في التخلص من العقاب، فاحتالوا بها ولن تجدوا إلى ذلك سبيلاً.
- ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بهذا الخبر.
- ثم قال: ﴿إِنَّ المتقين فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ﴾.
أي: إن الذين اتقوا الله بأداء فرائضه وطاعته في الدنيا ﴿فِي ظِلاَلٍ﴾، لا يصيبهم حر ولا قُرٌّ ﴿وَعُيُونٍ﴾، أي: وأنهار تجري في خلال أشجار جناتهم.
- ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾.
أي: يأكلون منها متى اشتهوا لا يخافون ضرها ولا عاقبة مكروهها.
- ﴿كُلُواْ واشربوا هنيائا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
أي: يقال لم ذلك، أي كلوا من الفواكه، واشربوا [من] العيون هنيئاً [بما
стр. 7872
كنتم تعملون].
لا تكدير عليكم، ولا تنغيص في ذلك جزاء لكم بأعمالكم الصالحات في الدنيا وطاعتكم.
وقيلأ: معناه: هنيئاً لكم، لا تموتون.
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين﴾.
أي: كما جزينا هؤلاء المتقين بما ذكرنا، كذلك نجزي من أحسن إلى نفسه فأطاع الله واجتنب معاصيه [وأدى] فرائضه.
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بما أخبر الله منه جزائه المتقين في الآخرة.
ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾.
стр. 7873
هذا وعيد وتهديد للمشركين المكذبين بما ذكره الله في هذه السورة وغيرها من مجازاته للمتقين وانتقامه من المذكبين، أي: كلوا في بقية آجالكم أيها المذكبون، وتمتعوا بقية أعماركم.
﴿إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾ أي: مكتسبون لما فيه عطبكم وهلاككم كما فعل من كان قبلكم من الأمم المكذبة. ق ل ابن زيد: عنى بذلك أهل الكفر. وقيل: إن ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ﴾ [يرجع] إلى أول الكلام في قوله: ﴿جمعناكم والأولين * فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿كُلُواْ﴾.
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
(أي للمكذبين) [بخبر﴾ الله عن البعث والجزاء.
- ثم قال تعالى: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمُ اركعوا لاَ يَرْكَعُونَ﴾.
قال ابن عباس: " هذا يوم القيامة، يدعون إلى السجود فلا يستطيعون السجود من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا ".
стр. 7874
وقال قتادة: ذلك في الدنيا، كانوا يمتنعون من السجود (لله).
ورأى ابن مسعود رجلاً يصلي ولا يركع، وآخر يجر إزاره، فضحك، فقالو: ما أضحكك؟! قال: أضحكني رجلان، أما أحدهما فلا تقبل له صلاة، وأما الآخر فلا ينظر الله إليه.
وقيل: عني بالركوع هنا الصلاة، قاله مجاهد.
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: الذين كذبوا رسل الله فردوا عليهم فيما بلغوهم عن الله.
- ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾.
أي: بعد القرآن إذ كذبوا به، فبأي شيء يؤمنون بعده إيماناً ينتفعون به؟!
стр. 7875
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة عم يتسألون
مكية
- قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ النبإ العظيم﴾. إلى قوله: ﴿(مَآءً) ثَجَّاجاً﴾.
أي: عن أي شيء يتساءل هؤلاء [المشركون] يا محمد؟، عن أي شيء يختصمون؟
ف ﴿عَمَّ﴾ تحتاج إلى جواب، وجوابه ﴿عَنِ النبإ العظيم﴾، وكان حقه أن يأتي
стр. 7876
الجواب من المسؤول، وكلن دل عليه/ ﴿عَنِ النبإ العظيم﴾ وقام مقامه، وهو جواب لجوابهم، كأنهم قالوا: عم نتساءل؟ سألوا الجواب من السائل لهم، فقيل لهم: ﴿عَنِ النبإ العظيم﴾.
ذكر أن قريشاً كانت تختصم فيما بينهم [وتتجادل] في الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ من الإيمان بكتاب الله، فنزل هذا في اختاصمهم. ثم بين - جل ذكره - ما الذي هم يختصمون، فقال: ﴿عَنِ النبإ العظيم﴾ (أي: يتساءلون عن النبأ)، ثم حذف لدلالة الأول [عليه]، فتقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾. وقيل: [إن " عن "] متعلقة بهذا الفعل.
والمعنى: لأي شيء يتساءل هؤلاء عن النبأ العظيم.
стр. 7877
فلا تقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾.
فأما النبأ، فقال مجاهد: " هو القرآن ". وقال: قتادة: " هو البعث بعد الموت ".
وقال ابن زيد: " هو " يوم القيامة ".
- ثم قال: ﴿الذي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾.
أي: منهم مصدق و [منهم] مكذب، إما بالقرآن وإما بالعبث.
قال قتادة: [صار] الناس [فرقتين] في البعث بعد الموت، (فمنهم مكذب)، ومنهم مصدق.
- ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ما الأمر كما يزعم هؤلاء أنه لا بعث. ثم قال: ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ على
стр. 7878
الوعيد والتهديد، أي: سيعلم (هؤلاء) المنكرون للبعث [وعيد] الله لهم أحق هو أم باطل.
ثم أكد الوعيد فقال: ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ثم ليس الأمر على ما [قالوا] إنه لا بعث، سيعلمون وعيد الله لهم أحق هو أم باطل.
ويجوز أن يكون " كلا " بمعنى " حَقّاً " في الموضعين، وبمعنى " أَلاَ ".
وهذا التفسير إنما هو على قول من قال: إن [النبأ] العظيم: البعث ويوم القيامة.
فأما من قال هو القرآن فيكون معناه: كلا سيعلمون (عاقبة تكذيبهم لهذا
стр. 7879
القرآن ثم كلا سيعلمون) ذلك على التأكيد والوعيد وتكون " كلا " بمعنى (حقاً) أو بمعنى " ألا "، ويجوز أن تكون [بمعنى " لا "]، أي: [لا، لا اختلاف] (في) القرآن، وهو قول نصير ولم يجزه أبو حاتم.
وقال الضحاك تقديره: كلا سيعلم الكافرون ثم كلا سيعلم المؤمنون. فالوقف [على ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾] الأول وعلى ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾ الثاني.
стр. 7880
والوقف عند أكثرهم على سيعلمون الثاني.
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا * والجبال أَوْتَاداً﴾.
أي: ألم أنعم عليكم أيها الخلق فجعلت لكم الأرض فراشاً تفترشونها، وجعلت الجبال أوتاداً للأرض أن تميد بكم؟!
- ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً﴾.
- (أي) ذكراناً وإناثاً، وطوالاً وقصاراً؟!
- ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً﴾.
أي: راحة (لكم ودعة تسكنون كأنكم أموات لا تشعرون؟! والسبات السكون)، وبذلك سمي السبت سبتاً لأنه يوم راحة ودعة.
следующие страницы →