Полный текст (8 396 стр.). Показаны 7876–7915 · переход к 7881.
стр. 7876
الجواب من المسؤول، وكلن دل عليه/ ﴿عَنِ النبإ العظيم﴾ وقام مقامه، وهو جواب لجوابهم، كأنهم قالوا: عم نتساءل؟ سألوا الجواب من السائل لهم، فقيل لهم: ﴿عَنِ النبإ العظيم﴾.
ذكر أن قريشاً كانت تختصم فيما بينهم [وتتجادل] في الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ من الإيمان بكتاب الله، فنزل هذا في اختاصمهم. ثم بين - جل ذكره - ما الذي هم يختصمون، فقال: ﴿عَنِ النبإ العظيم﴾ (أي: يتساءلون عن النبأ)، ثم حذف لدلالة الأول [عليه]، فتقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾. وقيل: [إن " عن "] متعلقة بهذا الفعل.
والمعنى: لأي شيء يتساءل هؤلاء عن النبأ العظيم.
стр. 7877
فلا تقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾.
فأما النبأ، فقال مجاهد: " هو القرآن ". وقال: قتادة: " هو البعث بعد الموت ".
وقال ابن زيد: " هو " يوم القيامة ".
- ثم قال: ﴿الذي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾.
أي: منهم مصدق و [منهم] مكذب، إما بالقرآن وإما بالعبث.
قال قتادة: [صار] الناس [فرقتين] في البعث بعد الموت، (فمنهم مكذب)، ومنهم مصدق.
- ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ما الأمر كما يزعم هؤلاء أنه لا بعث. ثم قال: ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ على
стр. 7878
الوعيد والتهديد، أي: سيعلم (هؤلاء) المنكرون للبعث [وعيد] الله لهم أحق هو أم باطل.
ثم أكد الوعيد فقال: ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ثم ليس الأمر على ما [قالوا] إنه لا بعث، سيعلمون وعيد الله لهم أحق هو أم باطل.
ويجوز أن يكون " كلا " بمعنى " حَقّاً " في الموضعين، وبمعنى " أَلاَ ".
وهذا التفسير إنما هو على قول من قال: إن [النبأ] العظيم: البعث ويوم القيامة.
فأما من قال هو القرآن فيكون معناه: كلا سيعلمون (عاقبة تكذيبهم لهذا
стр. 7879
القرآن ثم كلا سيعلمون) ذلك على التأكيد والوعيد وتكون " كلا " بمعنى (حقاً) أو بمعنى " ألا "، ويجوز أن تكون [بمعنى " لا "]، أي: [لا، لا اختلاف] (في) القرآن، وهو قول نصير ولم يجزه أبو حاتم.
وقال الضحاك تقديره: كلا سيعلم الكافرون ثم كلا سيعلم المؤمنون. فالوقف [على ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾] الأول وعلى ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾ الثاني.
стр. 7880
والوقف عند أكثرهم على سيعلمون الثاني.
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا * والجبال أَوْتَاداً﴾.
أي: ألم أنعم عليكم أيها الخلق فجعلت لكم الأرض فراشاً تفترشونها، وجعلت الجبال أوتاداً للأرض أن تميد بكم؟!
- ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً﴾.
- (أي) ذكراناً وإناثاً، وطوالاً وقصاراً؟!
- ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً﴾.
أي: راحة (لكم ودعة تسكنون كأنكم أموات لا تشعرون؟! والسبات السكون)، وبذلك سمي السبت سبتاً لأنه يوم راحة ودعة.
стр. 7881
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اليل لِبَاساً﴾.
أي: غشاء لكم يتغشاكم سواده وتغطيكم ظلمته كما يغطي الثوب لابسه.
قال قتادة ": ﴿اليل لِبَاساً﴾ أي: " سكناً.
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً﴾.
(سمي النهار معاشاَ لما كان يطلب المعاش فيه. وتقديره: وجعلنا النهار ذا معاش.
قال مجاهد: ﴿مَعَاشاً﴾ أي: " تبتغون فيه من فضل الله ".
- ثم قال تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً﴾.
يعني السبع سماوات. وسمي بناء على عادة العرب، لأنهم يقولون لسقف البيت سماء، ويقولون له بناْ.
ومعنى " شداد " أي: وثاقاً محكمة الخلق، لا صدوع فيهن ولا
стр. 7882
فطور، ولا يبليهن [مر] الليالي والأيام عليهن.
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً﴾.
(أي): شمساً وقادة مضيئة منيرة.
- قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ المعصرات مَآءً ثَجَّاجاً﴾.
أي: من السحائب ماء منصباً يتبع بعضه بعضاً كثج [دماء].
البدن كذا قال ابن عباس ومجاهد والربيع: الثجاج المنصب.
وقال ابن زيد: الثجاج: الكثير.
وأكثرهم على أنه المُنْصَبُّ. وهو اختيار الطبري. ومنه قول النبي ﷺ :
стр. 7883
" أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ والْثَّجُّ ".
[فالعج] رفع الصوت بالتلبية، والثَّجُّ [صَبُّ] دماء الهدايا والبدنِ، قال ابن عباس: المعصرات " السحاب ".
وهو قول سفيان والربيع. وقال الحسن وسعيد/ بن جبير وقتادة: المعصرات: السماء.
стр. 7884
وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة: المعصرات: الرياح، لأنها تعصر في هبوبها. و (هو) قول ابن زيد.
ويلزم قائل هذا أن تكون القراءة: " وأَنْزَلْنَا بِالْمُعْصِرَاتِ "، وبذلك قرأه عكرمة.
والمُعْصِرُ: المرأة التي قددنا [حيضها] وإن لم تحض، فشبهت السحاب بها [للمطر] الذي فيها.
стр. 7885
- قوله تعالى: ﴿لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً﴾ إلى قوله: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: أنزلنا الماء لنخرج به من الأرض لكم حباً، يعني القمح والشعير وسائر القطنية، ﴿وَنَبَاتاً﴾ يعني ما ترعى البهائم.
- ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾.
أي: وثمر جنات ملتفة مجتمعة قال ابن عباس: " التف بعضها ببعض ". وهو قول مجاهد وقتادة وغيرهما. وقال الأخفش وأبو عبيدة: واحد الألفاف لِفٌّ. وقيل: لَفِيفٌ وحكى الكسائي أنه جمع الجمع، وواحده " لَفَّاءُ " كحمراء،
стр. 7886
ثم جمعت لَفَّاءُ على (لِفّ [كحمر] ثم جمعت " لِفٌّ " على) ألفاف، [كخف] وأخفاف.
قال ابن مسعود: يرسل الله جل وعز الرياح فتأخذ الماء من السماء فتجريه في السحاب [فتذريه] كما تذر اللقحة.
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الفصل كَانَ مِيقَاتاً﴾.
أي: يوم يفصل الله فيه بين خلقه كان ميقاتاً لما أعد الله للمكذبين بالبعث ولنظرائهم من الخلق.
قال قتادة: هو يوم عظمه الله يفصل فيه بين الأولين والآخرين.
стр. 7887
- ثم أبدل من ﴿يَوْمَ﴾ للبيان فقال:
- ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾.
أي: يوم الفصل بين الخلق يوم ينفخ إسرافيل في الصور فتأتون من قبوركم إلى المحشر ﴿أَفْوَاجاً﴾ [أي]: زُمَراً زُمَراً.
روي أن كل أمة تأتي مع رسولها [يوم القيامة]، وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١].
- ثم قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السمآء فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾.
[أي]: وشققت السماء وصدعت (فكانت) طرقاً.
وقيل: تصير قطعاً كقطع الخشب المشققة لأبواب الدور والمساكن.
والمعنى: وفتحت السماء فكانت قطعاً كالأبواب، (فلما سقطت الكاف صارت الأبواب) خبرا.
стр. 7888
وكذلك قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ الجبال فَكَانَتْ سَرَاباً﴾.
أي: صارت لا شيء، كما أن السراب لا شيء، وذلك أنها تنسف فَتُجْتَثُّ من أصولهها فتصير هباء منبثاً لعين الناظر كالسراب الذي يظنه (الناظر) ماء وهو في الحقيقة ليس بماء إنما هو هباء.
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً﴾.
أي: إن جهنم كانت ذات ارتقاب ترتقب من يجتاز بها وترصدهم، ولم يقل " مرصادة "، لأنه غير جار على الفعل. فالمعنى ترصد من عصى الله. وفي " مرصاد " معنى التكثير. ولذلك لم يقل: " راصدة "، ففي وصفها لما لم يجر على الفعل معنى التكثير، ولو قال [راصدة] لثبتت الهاء، لأنه جار على الفعل، ولم يكن فيه (معن) تكثير، ففي " مرصاد " معنى النسب (كأنه قال: " ذات إرصاد "، وكل ما حمل على معنى النسب) من الأخبار والصفات ففيه معنى التكثير واللزوم، فالمعنى أنها
стр. 7889
مركاد لمن كان يكذب بها في الدنيا.
وكان الحسن يقول - إذا قرأ هذه الآية -: أَلاَ إن على النار المَرْصَد، فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجئ احتبس.
وروي عنه أنه قال: لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز على النار.
وقال قتادة: [تعلمن] أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار.
وقال سفيان: على جهنم ثلاث قناطير.
- ثم قال تعالى: ﴿لِّلطَّاغِينَ مَآباً﴾.
أي: هي لمن طغى في الدنيا فتعدى حدود الله [مرجع] يرجعون إليها ويصبرون إليها.
стр. 7890
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً﴾.
قال قتادة: لا بثين في جهنم أحقاباً (لا انقطاع لها.
وقيل: معناه: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً) * لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً﴾، ثم بعد ذلك يعذبون بغير هذ العذاب مما شاء الله، كما قال: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨].
وقيل: الضمير في ﴿فِيهَا﴾ يعود على الأرض، لأنه قد تقدم ذكرها، والضمير في ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا﴾ لجهنم لتقدم ذكرها.
فعلى [القول] الأول، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿لِّلطَّاغِينَ﴾ أو ل ﴿جَهَنَّمَ﴾ / أو نعتاً للأحقاب.
стр. 7891
وعلى هذا القول الآخر، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو من الطاغين.
وروى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: " الحقب الواحد ثلاثون ألف سنة ".
وهو جمع الجمع، واحده: حقبة، جمعت على حقب، وجمعت حقب على أحقاب.
ويجوز أن يكون أحقاب جمع حُقْب والحُقْبُ ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا. قاله [بشير] بن كعب.
стр. 7892
وقال علي بن أبي طالب: الحقب: ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهراً، كل شهر ثلاثون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا، وهو قول ابن جبير، وقاله الربيع بن أنس.
[وقال] أبو هريرة: الحقب ستون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا.
وقال قتادة: " الحقب ثمانون سنة من سنيّ الآخرة ". وقال: هي أحقاب لا انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء حقب بعده.
وقال الحسن: أما الأحقاب، فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكر أن الحقب سبعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما نعده.
стр. 7893
قال خالد بن مَعَدَّان: هي في أهل التوحيد من أهل القبلة مثل قوله ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨]، وهذا التأويل يرده قوله بعد ذلك.
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
وليس هذه صفة الموحدين.
وقد روي عن مقاتل أنه قال: إنها منسوخة، نسختها قوله: ﴿فَلَن نَّزِيدَكُمْ (إِلاَّ) عَذَاباً﴾.
وهذا لا يكون فيه نسخ، لأنه خبر من الأخبار لا تنسخ.
стр. 7894
والحقب عند أهل اللغة مبهم كالحين والزمان. البرد: النوم.
وقيل: [الهدوء]. وقيل: برد [الشراب] المستلذ. قال ابن عباس: هو برد الشراب وقيل: البرد: الراحة.
- ثم قال: ﴿إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾.
стр. 7895
قال الربيع: " استثنى من الشراب الحميم، ومن البرد الغساق ".
[والحميم الذي قد انتهى [حره] كالمهل [يشوي] الوجوه.
وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم، يجمع في حياض ثم يسقونه. والغساق]: الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض النار فيُسْقَوْنَهُ.
وأصل الحميم الماء الحار، ومنه اشتق الحًَمَّامُ، ومنه الحُمَّى، ومنه [اليَحْمُومُ].
стр. 7896
قال قتادة: الغساق ما يسيل [من] جلده ولحمه.
وقال سفيان: هو ما يسيل من دموعهم.
وقال النخعي: هو " ما يسيل من صديدهم من البرد ".
وعن ابن عباس أن الغساق: " الزمهرير ".
وقال مجاهد: " الغساق: الذ لا يستطيعون أن يذوقوه (من برده).
وقال عبد الله بن [بريدة]: " هو المُنْتِنُ ".
وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: " لَوْ أَنَّ دَلْواً مِن غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ فِي
стр. 7897
الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا ".
وقال عبد الله بن [عمرو]: " أتدرون أي شيء الغساق؟ قالوا: الله أعلم، قال: هو القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق بالمغرب لأنتنت أهل [المشرق]. ولو تهرق [بالمشرق] لأنتنت أهل المغرب.
- وقوله: ﴿جَزَآءً وِفَاقاً﴾.
أي: هذا العذاب الذي وصف جزاء للكفار على أفعالهم في الدنيا وافق أعمالهم وفاقاً، قاله ابن عباس. قال قتادة: " وافق الجزاء أعمال القوم. . . ". وقال
стр. 7898
الربيع: " ثواباً وافق أعمالهم ". قال ابن زيد: " عملو شراً فجوزوا شراً، [وعملوا] حسناً فجوزوا حسناً ".
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً﴾.
أي: لا يخافون محاسبة الله (لهم على أعمالهم في الآخرة.
قال قتادة: كانوا في الدنيا لا يخافون محاسبة).
وقال ابن زيد: كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب فكيف يخافون الحساب وهم لا يوقنون بالبعث بعد الموت؟!
- ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
أي: حجوا بها جحوداً.
- ثم قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾.
أي: وأحصينا كل شيء من أعمالهم وغير ذلك فكتبناه كتاباً، [ف ﴿كِتَاباً﴾] مصدر عمل فيه فعل مضمر.
стр. 7899
وقيل: العامل فيه (احصينا) [لأنه] يعني: كتبنا.
- ثم قال تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾.
أي: ثقال لهم - إذا شربوا الحميم والغساق - ذوقوا العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا، فلن نزيدكم على العذاب الذي أنتم فيه إلا عذاباً زائداً.
قال عبد الله بن عمرو: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه، فهم في مزيد أبداً.
وقد روي مثل ذلك علن النبي ﷺ .
وروي أنه لا يأتي على أهل الجنة ساعة إلا ويزدادون صنفاً من النعيم لم
стр. 7900
يكونوا يعرفونه، ولا يأتي على أهل لنار ساعة إلا وهم مستنكرون لشيء من العذاب لم يكونوا يعرفونه.
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾.
أي: منجى من النار إلى الجنة ينجون به، وهي حدائق وأعناب.
وقال ابن عباس: ﴿مَفَازاً﴾، " متنزهاً ". وقيل: المفاز: الظفر بما يحبه الإنسان. يقال: فاز فلان بكذا إذا ظفر به.
والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان من النخيل والأعناب والأشجار التي قد حوط عليها الحيطان فأحدقت (بها)، فَلإِحْدَاقِ الحيطان بها سميت حديقة،
стр. 7901
ولو لم/ تكن الحيطان بها محدقة لم تسم حديقة.
قال ابن عباس: الحدائق: [الشجر] الملتف. وقال الضحاك: الحدائق التي عليها الحيطان.
- وقوله: ﴿وَأَعْنَاباً﴾.
معناه: وكروم وأعناب، ثم حذف.
- وقوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾.
(أي): وحورا نواهد في سن واحدة. قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما.
стр. 7902
- ثم قال: ﴿وَكَأْساً دِهَاقاً﴾.
مَلأَى من الخمر مترعة، وأصله من الدهق، وهو متابعة الضغط على الشيء بشدة وعنف. قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: الدهاق: الملأى. وهو قول ابن زيد. وقال عكرمة: الدهاق: الصافية. وقال ابن جبير: هي " المتابعة ". وقد روي مثل ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد.
стр. 7903
- ثم قال: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً﴾.
أي: باطلاً [من القول]. ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: ولا يكذب بعضهم بعضاً.
وقال قتادة: ﴿وَلاَ كِذَّاباً﴾، أي: مأثماً. و ﴿لَغْواً﴾: باطلاً.
- ثم قال تعالى: ﴿جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: هذا لهم جزاء لأعمالهم في الدنيا، أعطاهمه الله ذلك عطاءً كافياً.
يقال: أحسبني الشيء، أي: كفاني. وقيل: ﴿حِسَاباً﴾ بمعنى: محاسبة لهم بأعمالهم لله في الدنيا، يعطون على قدر أعمالهم.
стр. 7904
وقال قتادة: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾، أي: " عطاءً كثيراً، جزاهم الله بالعمل اليسير الخير الجسيم الذي لا انقطاع له ".
- قوله تعالى: ﴿رَّبِّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا (الرحمن)﴾. إلى آخر السورة.
[من] رفع ﴿رَّبِّ﴾ فعلى الابتداء، أو على إضمار مبتدأ.
ومن خفضه فعل البدل من قوله: من ربك أو على النعت.
والمعنى: هو مالك السماوات والأرض ما بينهما من الخلق.
- ﴿الرحمن لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً﴾.
(أي): لا يقدر أحد من خلقه على خطابه يوم القيامة إلا من أذن له منهم.
стр. 7905
قال مجاهد وقتادة: ﴿لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً﴾، أي: " كلاماً ".
- ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً﴾.
أي: يجازيهم في يوم يقوم الروح. قال ابن مسعود: " الروح ملك السماء الرابعة، هو أعظم من السماوات والجبال ومن الملائكة، يسبح الله كل يوم اثنتي عشرة ألف تسيبحة، [يخلق] الله من كل تسبيحة ملكاً من الملائكة فيجيء يوم القيامة صفاً [واحداً] ".
وقال ابن عباس: (هو) ملك من أعظم الملائكة خلقاً.
وقال الضحاك والشعبي: الروح هنا: جبريل ﵇.
стр. 7906
وقال مجاهد: [الروح خلق من صورة] بني آدم يأكلون ويشربون وليسوا (بملائكة).
وقالوا أبو صالح: " يشبهون الناس وليسوا بالناس ".
وقال قتادة: الروح (بنو آدم. وهو قول الحسن.
وعن ابن عباس أيضاً [أنه] أرواح) بني آدم تقوم مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن يردها الله إلى الأجسام.
وقال ابن زيد: هو القرآن. وقرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، فلا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن في الكلام فيتكلم.
روي أنهم يؤذن لهم في الكلام حين يُمَرُّ بأهل النار إلى النار، وبأهل الجنة إلى
стр. 7907
الجنة.
وقال عكرمة: يمر بأناس من أهل النار على ملائكة فيقولون: أين تذهبون بهؤلاء؟ فيقال: إلى النار. فتقول: بما كسبت أيديهم، وما ظلمهم (الله). ويمر بأناس من أهل الجنة على ملائكة فيقولون: أين تذهبون بهؤلاء؟ فيقولون: إلى الجنة. فيقولون: برحمة الله دخلتم الجنة.
وعن ابن عباس أنه قال: إلا من أذن لهم الرب بشهادة أن لا إله إلا الله. وهو منتهى الصواب.
وقال مجاهد: ﴿وَقَالَ صَوَاباً﴾.
(أي: " وقال حقاً في الدنيا عمل به ".
стр. 7908
وقال أبو صالح: ﴿وَقَالَ صَوَاباً﴾.
أي): قال لا إله إلا الله وهو قول عكرمة.
- ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ اليوم الحق﴾.
أي: يوم يقوم فيه الروح والملائكة صفاً يوم حَقٌّ إتيانه لا شك فيه.
- ثم قال تعالى: ﴿فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ مَآباً﴾.
أي: فمن شاء في الدنيا اتخذ بالعمل الصالح والإيمان إلى ربه في ذلك اليوم مرجعاً ومنجى وسبيلاً (وطريقاً إلى رحمته. وفي الكلام معنى التهدد والوعيد، أي: من لم يفعل ذلك فسيرى ما يحل به) غداً.
стр. 7909
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً﴾.
أي: حذرناكم عذاباً قد دنا منكم فقرب، وذلك.
﴿يَوْمَ يَنظُرُ المرء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾.
في الدنيا من خير وشر فيجازى عليه. ف ﴿مَا﴾ بمعنى " الذي "، أي: ينظر العمل الذي عمل في الدنيا من خير (وشر).
ويجوز أن/ تكون ﴿مَا﴾ استفهاماً، أي: ينظر أي شيء قدمت يداه في الدنيا من العمل، أخير هو أم شر؟ فيجازى عليه.
قال الحسن: " (المرء) هنا: المؤمن يحذر الصغيرة ويخاف الكبيرة ".
- ثم قال: ﴿وَيَقُولُ الكافر ياليتني كُنتُ تُرَاباً﴾.
стр. 7910
أي: ويتمنى الكافر في ذلك اليوم أن يكون تراباً لما يرى من عذاب الله.
قال أبو هريرة: إن الله يحشر الخلق كلهم من دابة وطائر وإنسان، ثم [يقتص] لبعض البهائم من بعض، حتى يقتص [للجماء] من ذات القرن، ثم يقول للبهائم والطير والدواب: كوني تراباً، فعند ذلك يقول الكافر يا ليتني كنت تراباً.
وقال عبد الله بن عمرو: إذا كان يوم القيامة، مد الله الأرض مد الأديم، وحشر الدواب والبهائم والوحش، ثم يجعل القصاص بين الدواب حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء نَطَحَتْهَا، فإذا فرغ من القصاص بين الدواب قال لها: كوني
стр. 7911
تراباً، فعند ذلك يقول الكافر: يا لتني كنت تراباً.
стр. 7912
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة و النازعات
مكية
- قوله تعالى: ﴿والنازعات [غَرْقاً]﴾ إلى قوله: ﴿فَإِذَا هُم بالساهرة﴾.
قال ابن عباس: ﴿والنازعات غَرْقاً﴾، هي الملائكة تنزع الأنفس.
وقال ابن جبير: هي أرواح الكفارن نزعت أرواحهم ثم غرقت ثم حرقت ثم قذف بها في النار. وقال مجاهد: ﴿والنازعات﴾ الموت ينزع النفوس.
وقال الحسن: هي النجوم تنزع من أفق (إلى أفق). وهو قول قتادة. وقال
стр. 7913
عطاء: هي القسي تنزع بالسهم. [وقال] السدي: هي النفوس حين تغرق في الصدر.
والتقدير على هذا كله: ورب النازعات. والله جل ذكره يقسم بما شاء. والتقدير في ﴿غَرْقاً﴾: إغراقا، كما يغرق النازع في [القوس].
وعن ابن عباس قال: يعني نفس الكافر ينتزعها مالك الموت من جسده من تحت كل شعرة، ومن تحت كل [ظفر]، ثم يغرقها، أي: يرددها في جسده وينزعها.
- ثم قال تعالى: ﴿والناشطات نَشْطاً﴾.
стр. 7914
قال ابن عباس: هي " الملائكة "، (أي): تنشط نفس المؤمن فتقبضها كما ينشط العقال (من يد البعير إذا [حل] عنها كأنها [تقبض] الأرواح بسرعة. ومنه رجل نشط)، ويقال: نَشَطَهُ إذا أخذه بسرعة.
قال الفراء: يقال: نَشَطَه: إذا ربطه، وأنْشَطَهُ: [إذا حله]، وحكى عن العرب: " كأنما أنشط من عقال ".
وهما عند غيره لغتان، يقال: نَشَطه: إذا حَلَّهُ وأنشطَهُ.
وقال مجاهد: ﴿والناشطات نَشْطاً﴾ هي " الموت "، ينشط نفس المؤمن. ومثله عن ابن عباس أيضاً، (وعنه أيضاً) أنه قال: يعني نفس الكافر والمنافق، ينشط كما
стр. 7915
ينشط العَقَبُ [الذي يعقب] (به) السَّرجُ.
وقال السدي: " نَشْطُهَا - يعني النفس - حين تُنْشَطٌ من القدمين. وقال قتادة: " هي النجوم "، ينشط [أفقا إلى أفق].
وقال عطاء: (هي الأ) وهاق) "
- ثم قال تعالى: ﴿والسابحات سَبْحاً﴾.
قال مجاهد: هي " الموت " يسبح في نفس ابن آدم.
وعنه أيضاً أنها الملائكة [تسبح] في صعودها وهبوطها بأمر الله جل ذكره،
следующие страницы →