Полный текст (8 396 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
ومعناه: وإن تضاروهما فإنه إثم حال بكم. فيكون الكاتب والشهيد على هذا التأويل مرفوعين على أنهما مفعولان لم يسم فاعلهما.
وكان الزجاج يختار أن يكون النهي للكاتب ألا يزيد في كتابته ولا يحرف، و [للشهيد ألا] يتخلف ولا يغير، ويكون قوله: ﴿وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ رداً إلى الكاتب والشهداء؛ أي إن حرفتم أو زدتم أو تخلفتم من غير عذر فإنه إثم وخروج عن الحق.
والهاء في ﴿فَإِنَّهُ﴾ عائدة على الضرار.
وقيل: على الفعل، أي فإن هذا الفعل فسوق بكم.
وقيل: الفسوق هنا الكذب في الشهادة والكتاب.
قوله: ﴿واتقوا الله﴾.
أي في ترك المضارة، وفيما تقدم ذكره من حدوده.
قوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الله﴾.
أي يبين الله لكم الواجب لكم وعليكم لتعمَلُوا به.
стр. 877
﴿والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
أي علم جميع ما تعملون ويحصيها عليكم ليجازيكم بها، فاحذروا المخالفة.
قوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ على سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً﴾ الآية.
قوله: ﴿فرهان﴾ هو جمع رهن، كبَغْلٍ وبِغَالٍ وكَبْشٍ وكِبَاشٍ.
ومن قرأ: " فَرُهُنٌ " فهو جمع الجمع. هو جمع " رِهَانٍ ": ك " كِتَابٍ ": و " كُتُبٍ "، / و " حِمَارٍ " و " حُمُرٍ ".
وقيل: هو جمع " رَهْنٍ "، ك " سَقْفٍ " و " سُقُفٍ ".
ومن قرأ " فَرُهْنٌ " بالإسكان/ فإنما أسكن الضمة لثقلها.
وقرأ ابن عباس " كِتَاباً "، وقال: " قد لا توجد الصحيفة "، وكذلك قرأ
стр. 878
أبو العالية وعكرمة والضحاك ومجاهد. وهو واحد الكتب.
وقيل: هو جمع " كَاتِبٍ "، كما يقال: " قَائِمٌ " و " قِيَامٌ ".
وروي أيضاً عن ابن عباس: ﴿وَلَمْ تَجِدُواْ﴾ " كُتَّاباً "، على وزن " فُعَّالٍ " وهو جمع " كاتب "، " كضَارِبٍ " و " ضُرَّابٍ ".
وهذه الآية أرخص الله فيها في قبض الرهان عند عدم الكاتب، والرهن لا يكون رهناً حتى يقبض من مالكه بقوله: ﴿مَّقْبُوضَةٌ﴾، سواء قبضه المرتهن عنده أو جعله على يدي عدل عند مالك.
قوله: / ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الذي اؤتمن﴾.
أي إن ترك صاحب الدين، أخذ الرهن، وأمن الذي عليه الدين، فليؤد ما عليه لأنها أمانة، وليتق الله ربه فيما قد اؤتمن به.
стр. 879
وقال الضحاك: " هذه الأمانة التي فسخ فيها إنما في السفر، دون الحضر ".
قوله: ﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة﴾. هو نهي للشهداء وتحذير لهم.
﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾. أي فاجر قلبه.
﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.
أي يعلم ما تصنعون في شهاداتكم من أحالتها، والإتيان بها على وجهها فيحصي ذلك عليكم/ ويجازيكم به.
قوله: ﴿للَّهِ ما فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾.
قال ابن عباس: " قوله: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله﴾، منسوخة بقوله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت﴾.
ومعنى قول: " إنها منسوخة "، أي نزلت على نسختها لأنها خبر، والأخبار لا تنسخ.
стр. 880
وقيل قي: إن الآية محكمة، وإن المؤمن والكافر يحاسبان بما أبديا وأخفيا، فيغفر للمؤمن، ويعاقب الكافر.
وقيل: إن الآية مخصوصة في كتمان الشهادة خاصة وإظهارها.
روي ذلك عن ابن عباس.
وروي عن عائشة أنها قالت: / " ما هَمَّ به العبد من خطيئة عوقب على ذلك بما يلحقه من الهم والحزن في الدنيا ".
قال ابن عباس " إذا جمع الله الخلائق يقول: أنا أخبركم بما أكننتم في أنفسكم. فأما المؤمنون فيغفر لهم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من شكهم وتكذيبهم، فذلك قوله: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾.
قال ابن عباس: " لما نزلت هذه/ الآية وقع في قلوبهم شيء، فقال لهم النبي ﵇: " قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا "، فَأَلْقَى اللهُ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَأَنْزَلَ:
стр. 881
﴿ءَامَنَ الرسول بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ والمؤمنون﴾ إلى ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. قال " قَدْ فَعَلْتُ " ﴿رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً﴾، قال: " قَدْ فَعَلْتُ "، ﴿واعف عَنَّا﴾ إلى آخر السورة. قال: قَدْ فَعَلْتُ ".
وقال السدي: " وقعت عليهم شدة عند نزول: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ حتى نسخها ما بعدها ".
أي أزالت الشدة، من قولهم: " نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ " أي أزالته.
﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أي يقدر على العفو لما أخفته نفس المؤمن، وعلى العقاب فيما أخفته نفس الكافر من الكفر والشك في الدين.
وقال حذيفة: " سمعت النبي ﵇ يقول: " أُعْطِيتُ آيَاتٍ مِنْ كَنْزٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ، لَمْ يُعْطَهَا نَبِيٌّ قَبْلِي، وَلاَ يُعْطَاهَا أَحَدٌ مِنْ بَعْدِي، ثم قرأ: ﴿للَّهِ ما فِي السماوات
стр. 882
وَمَا فِي الأرض وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ﴾ حتى ختم السورة ".
وروى أبو هريرة أنه: " لما نزلت على النبي ﵇ هذه الآية: ﴿للَّهِ ما فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾، وسمعوا فيها: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله﴾ أتوا النبي ﷺ فجثوا على الركب فقالوا: " لا نطيق، كلفنا من العمل ما لا نطيق ولا نستطيع، فأنزل الله: ﴿ءَامَنَ الرسول﴾ إلى آخرها.
وقال محمد بن كعب القرظي: " ما بعث الله نبياً إلا أمره أن يعرض على قومه، ﴿للَّهِ ما فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ إلى قوله: ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ إلا قالوا: لا نطيق أن نؤاخذ بما نوسوس في قلوبنا، فلما بعث الله محمداً ﷺ أنزلها عليه فآمن بها، وعرضها على قومه، فآمنوا بها، وقالوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾، قال: فخفف الله عنهم، فأنزل: ﴿ءَامَنَ الرسول﴾.
وحكى عنهم " أنهم قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ وأنزل الله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت﴾، فنسخ المؤاخذة بالوسوسة. وقاله ابن مسعود. وقالت عائشة: هو الرجل يهم بالمعصية، ولا يعملها، فيرسل عليه من الهم
стр. 883
والحزن بقدر ما همَّ به من/ المعصية، فذلك محاسبته ".
وروي أنها لما نزلت قال النبي [﵇]: " وَيَحِقُّ لَهُ أَنْ يُؤْمِنَ " يعني نفسه.
" وروي أنهم شكوا إلى النبي ﷺ شدة ما يلقون من قوله: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله﴾، / فقال لهم النبي [﵇]: " لَعَلَّكُمْ تَقُولُونَ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا " كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرائِيلَ. بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا " فأنزل الله ذلك من قول النبي ﷺ ".
وقرأ ابن عباس وابن مسعود: " لاَ يُفَرِّقُ " بالياء، رد على (كُلٌّ) أي " كُلٌّ لاَ يُفَرِّقُ ".
وقوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ أي سترك علينا.
وروي أن النبي ﷺ لما أنزل عليه: ﴿ءَامَنَ الرسول﴾ / إلى ﴿وَإِلَيْكَ المصير﴾. قال له
стр. 884
جبريل: " إن الله قد أَجَلَّ الثناء عليك/ وعلى أمتك، فَسَلْ تُعْطَهُ ". فسأل إلى آخر السورة: " رَبَّنا رَبَّنا ".
قوله: ﴿إِلاَّ وُسْعَهَا﴾: أي طاقتها فيما تعبدنا به.
فهذا توسيع ورخصة من الله وهو/ مثل قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، ومثل: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر﴾ [البقرة: ١٨٥]، ومثل: ﴿فاتقوا الله مَا استطعتم﴾ [التغابن: ١٦].
قوله: ﴿إِن نَّسِينَآ﴾. أي: نسينا فرضاً فرضته علينا، فلم نفعله.
﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
أي: في فعل شيء نهيتنا عنه، ففعلناه على غير قصد إلى معصيتك.
قال النبي ﷺ : " تَجَاوَزَ اللهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَنْ نِسْيَانِهَا وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا ".
وكان النحاس يقول: النيسان هنا الترك لأن الله تعالى لا يوصف بأن يعاقب
стр. 885
على النيسان فيسأل في العفو عنه، لأنه ليس من تعمد العبد. إنما هي آفة تدخل عليه. وهو قول قطرب.
قوله: ﴿إِصْراً﴾.
أي: عهداً. قاله ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم.
وقال غيره: " لا تحمل علينا ذنوبنا، فتعاقبنا بمسخ أو عذاب كما كان من قبلنا ".
وقال الضحاك: في قوله: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله﴾، قال: " إذا دعي الناس ليوم الحساب أخبرهم الله بما كانوا يسرون في أنفسهم، فيقول: " إِنَّهُ لَمْ يَغِبْ عَنِّي شَيْءٌ وَإِنَّ كُتَّابِي مِنَ المَلاَئِكَةِ لَمْ يَكُونُوا يَطَّلِعُونَ عَلَى مَا تُسِرُّونَ فِي أَنْفُسِكُمْ، وَإِنِّي لاَ أُحَاسِبُكُمْ بِهِ الْيَوْمَ ".
قال الضحاك: هذا قول ابن عباس.
وعن ابن عباس أن الله جل ذكره نسخ هذه الآية بقوله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾، قال: لما نزلت: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية، وجدوا في أنفسهم منها وجداً
стр. 886
شديداً فنسخ الله ذلك وأجارهم. منها، ثم علمهم أن يقولوا إذا عملوا سيئة: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ إلى قوله: ﴿مِن قَبْلِنَا﴾.
قال: " وكان الذين من قبلهم، إذا عملوا سيئة حرم الله عليهم طيبات أحلت لهم، وذلك قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ/ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠].
وقال للمؤمنين: قولوا: ﴿رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿الكافرين﴾.
قال: " فهذا شيء أعطاه الله أمة محمد ﷺ لم يُعْطِهِ أحداً ممن كان قبلهم من الأمم ألا يؤاخذوا بنسيان ولا خطأ غيرَهم ". وقال الحسن: " قال النبي ﷺ : " تَجَاوَزَ اللهُ لاِبْنِ آدَمَ عَمَّا نَسِيَ وَعَمَّا أَخْطَأَ وَعَمَّا أُكْرِهَ عَلَيْهِ وَعَمَّا غُلِبَ عَلَيْهِ ".
стр. 887
وروى عبد الله بن أبي أوفى أن النبي ﵇ قال: " إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ ".
وروي أن ابن عمر قرأ هذه الآية وبكى بكاءً شديداً، ثم ق ل: " والله لئن آخَذنا اللهُ بهذا لنهلكن "، فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: " يرحم الله أبا عبد الرحمن؛ لقد وجد المسلمون منها مثل ما وجد حتى أنزل الله بعدها: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت﴾.
قال ابن جبير: " لما نزل: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ﴾، شق ذلك على الناس حتى نزلت بعدها: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت﴾ ".
قال مجاهد: " معنى: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾: يعني من الشك واليقين ".
стр. 888
قال ابن جبير: " نسخت ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ قوله: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ﴾ أو تخفوه الآية ". وقاله إبراهيم/ والشعبي.
قال الضحاك: " لما نزلت ﴿ءَامَنَ الرسول بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾، إلى آخر/ السورة، قال الله جل ذكره: " قَدْ فَعَلْتُ ".
وروي عن الحسن والضحاك - أو عن أحدهما - أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾: " معناه: سمعنا القرآن أنه جاء من عند الله وأطعنا ". يقول: " أقروا على أنفسهم بالطاعة لله فيما أمرهم به ونهاهم عنه ".
وروى حذيفة أن النبي ﵇ قال: " أُوتِيتُ هَؤُلاَءِ الآيَاتِ مِنْ [آخِرِ سُورَةِ] البَقَرَةِ مِنْ بَيْتٍ كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ، لَمْ يُعْطَ أحَدٌ مِنْهُ قَبْلِي، وَلاَ يُعْطَى أَحَدٌ مِنْهُ بِعْدِي ".
стр. 889
وروى النعمان بن بشير أن النبي ﵇ قال: " إِنَّ الله تَعَالَى كَتَبَ كِتَاباً قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بِأَلْفَيْ عَامٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ مِنْهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ البَقَرَةِ وَلاَ تُقْرَآنِ فِي دَارٍ ثَلاَثَ لَيَالٍ فَيَقْرَبَهَا شَيْطَانٌ ".
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عن هـ: " إن خواتم سورة البقرة وفواتحها من كنز تحت العرش ".
وروي أنها لما نزلت قال النبي ﷺ : " وَيَحِقُّ لَهُ أَنْ يُؤْمِنَ " يعني نفسه.
وذكر ابن الأنباري في هذه الآية ثلاثة أقوال: قال: إن الله تعالى يعاقب الذي يحدث/ نفسه بالمعصية، ولا يعلمها، بِهَمٍّ أو حزن وبشبهه، ثم لا يحاسبه على
стр. 890
ذلك يوم القيامة وهو معنى قول عائشة رضي الله عن ها.
/ والقول الثاني: إن الله يُقبل على العبد يوم القيامة فيخبره بما حدث به نفسه من خير وشر، ثم لا يجزيه بما لم يظهر منه من عمل، وهو معنى قول الضحاك.
والقول الثالث: إنه منسوخ بقوله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾. فالوسوسة وحديث النفس لا يملك الإنسان صرفه، ولا قدرة له على دفعه.
قوله: ﴿لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
روى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال: قال النبي ﷺ : / " أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ، اللهُ يُقْرِئُكَ السَّلاَمَ وَيَقُولُ لَكَ: إِنِّي قَدْ تَجَاوَزْتُ لَكَ عَنْ أُمَّتِكَ الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ".
وقال ابن زيد: " ﴿وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً﴾، اي ذنباً لا توبة منه ولا كفارة فيه ".
وقال ابن وهب عن مالك: " الإصر: الأمر الغليظ ".
وقال أهل اللغة: " الإصر: الثقل ".
стр. 891
وقيل: معناه: لا تحمل علينا فرضاً يصعب علينا أداؤه، كما حملت على بني إسرائيل بعضهم يقتل بعضاً، وشبهه.
قوله: ﴿وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾: أي لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق.
وقال قتادة: معناه: لا تشدد علينا كما شددت على] من كان قبلنا.
ومعنى: ﴿مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ أي: ما لا نستطيعه إلا بمشقة شديدة وكلفه عظيمة. فإنما سألوا دفع ما في طاقاتهم لو كلفوه، ولكن له مشقة كلفة. ولم يسألوا دفع ما لا يطيقونه لو كلفوه، لأن ذلك لا يوصف به الله فيجوز أن يسألوا في دفعه عنهم.
قوله: ﴿واعف عَنَّا﴾: أي امح ذنوبنا. والعافي الدارس.
﴿واغفر لَنَا﴾: أي حط عنا ذنوبنا.
﴿أَنتَ مولانا﴾: أي ولينا.
وروت أم سلمة أن النبي ﵇ قال: " إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لَكُمْ عَنْ ثَلاَثٍ: عَنِ الْخَطَأ
стр. 892
والنِّسْيَانِ وَالاسْتِكْرَاهِ ".
وعن أبي هريرة أن النبي ﵇ قال: " إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ ".
стр. 893
الهداية إلى بلوغ النهاية
لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي المتوفى سنة ٣٤٧ هـ
المجلد الثاني
آل عمران - النساء
١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
стр. 894
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة آل عمران
وهي مدنية
قوله: ﴿الم * الله لا إله إِلاَّ هُوَ﴾.
قد تقدم ذكر ﴿الم﴾ في أول البقرة، وذكر ﴿لا إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم﴾ عند ذكر آية الكرسي.
وأجاز الأخفش كسر الميم في ﴿الم * الله﴾ لالتقاء الساكنين.
стр. 895
ومن أسكن الميم وقطع فعلى نية الوقف، وكذلك إسكان الميم في ﴿الم * ذَلِكَ الكتاب﴾ [البقرة: ١ - ٢] و ﴿الم * غُلِبَتِ الروم﴾ [الروم: ١] وشبههما.
ومن فتح فإنه حرك الميم لسكونها وسكون الياء قبلها، ولم يكسر لاستثقال الكسر بعد الياء وقد قال الفراء: " من فتح ألقى حركة الهمزة على الميم ".
стр. 896
وفي " القيوم " من القراءات والمعاني مثلما ذكر في آية الكرسي.
وأحسن ما قيل فيه: إنه القائم على كل شيء، الذي لا يزول، الدائم.
قوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب بالحق﴾ يعني القرآن. ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: يصدق ما تقدمه من كتب الله.
وقوله: ﴿وَأَنزَلَ التوراة والإنجيل﴾ أي: من قبل نزول القرآن.
وقوله ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾: يعني اليهود والنصارى، وهذا كله رد على من جحد القرآن.
وكان سبب هذه السورة في نزولها بالتوحيد، وذكر يحيى وعيسى: أن طائفة من النصارى قدموا على النبي ﷺ من نجران فحاجوه في عيسى وألحدوا، فأنزل الله في أمرهم وأمر عيسى من هذه السورة نيفاً وثمانين آية من أولها، احتجاجاً عليهم، ودعاهم النبي ﵇ إلى الإسلام فقالوا: قد أسلمنا فقال ﷺ : كذبتم.
стр. 897
يمنعكم من الإسلام ادعاؤكم لله ولداً، وعبادتكم الصليب، وأكلكم الخنزير، فأبوا إلا المقام على كفرهم، فدعاهم إلى المباهلة، فأبوا ذلك وسألوه أخذ الجزية فقبلها، وانصرفوا إلى بلادهم.
وكان من أول ما سألوه أن قالوا: من أبو عيسى ﵇؟ فسكت النبي ﷺ . فأنزل الله صدر السورة بتوحيده وتعظيمه رداً عليهم، ووصف نفسه بالحياة تقريعاً لهم، لأنهم يعبدون عيسى وهو عندهم قد مات وقال: ﴿هُوَ الذي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَآءُ﴾ [آل عمران: ٦]. وقال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِءَادَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩].
وكان ممن قدم عليه ثلاثة رؤساء (لهم) منهم: أحدهم العاقب، وهو
стр. 898
عبد المسيح.
والآخر: السيد، وهو الأيهم.
والثالث أبو حارثة بن علقمة، أخو بكر بن وائل.
والإنجيل " الأصل من: نجلته " الشيء: أخرجته، ويقال نجله أبوه أي: جاء به وجمعه أناجيل، وهو إفعيل وجمع التوراة: توار.
قوله: ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، (أي) لما قبله من كتاب ورسول ".
قوله: ﴿وَأَنزَلَ الفرقان﴾.
هو ما يفرق به بين الحق والباطل في أمر عيسى.
стр. 899
وقيل: في أحكام الشرائع، وقيل: فيهما.
قوله: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾.
أي: إن الذين حجدوا بآيات الله وقالوا: إن عيسى ولده واتخذوه إلأهاً ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾.
معناه: من كان بهذه الحال يا محمد كيف يخفى عليه ما يضاهي به هؤلاء في عيسى.
قوله: ﴿هُوَ الذي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَآءُ﴾.
أي: يجعل هذا ذكَراً وهذا أنثى، وهذا أسود وهذا أحمر فلذلك خلق عيسى لا من رجل كيف شاء، ولو كان إلهاً ما اشتملت عليه الآرحام، وانتقل من حالة إلى حالة.
قوله: ﴿هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ﴾.
قال ابن عباس: [هي]:
стр. 900
﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى ثلاث آيات، وفي بني إسرائيل ﴿وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ وبالوالدين﴾ [الإسراء: ٢٣]، قال: والمتشابه نحو: آلَم، والروح وشبهه.
وقال مجاهد وعكرمة، ويحيى بن يعمر: المحكمات: الحلال والحرام والأمر والنهي، وما سوى ذلك فمتشابه يصدق بعضه بعضاً.
وقال الضحاك: المحكمات الناسخات، والمتشابهات المنسوخات.
وأهل المعاني على (أن) المحكم ما قام بنفسه، وفهم في ظاهر لفظه، ولم يحتمل إلآ ذلك، والمتشابه ما احتاج إلى تأويل وتفسير واحتمل المعاني.
стр. 901
وسمى المحكمات أم الكتاب لأنهن معظمه، وأكثره.
وقيل: سماهن أم الكتاب لأن فيهن الدين من: حلال وحرام وأمر ونهي وفرض وغير ذلك، فهذا الأصل الذي تعبدنا به.
وإنما وحد الأم لأن معناه: هن أصل الكتاب.
وقيل: المعنى هن الشيء الذي كل واحدة منهن أم الكتاب.
قوله: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾. قيل معناه: اشتبهت على اليهود إذ سمعوها وهي أوائل السور: حروف التهجي، متشابهات في التلاوة مختلفات في المعاني.
وقال ابن عباس: متشابهات: هو المنسوخ، والمقدم والمؤخر.
стр. 902
وقال قتادة وغيره: المحكمات: الناسخات، والمتشابهات المنسوخات.
وقيل: المحكمات ما حكمت في ألفاظ قصص الأنبياء والأمم، والمتشابهات ما حكمت فيه ألفاظ القص والأخبار، قاله، قاله ابن زيد.
[قال:]: نحو ﴿فاسلك فِيهَا﴾ [المؤمنون: ٢٧]، ﴿احمل فِيهَا﴾ هود: ٤٠]، ﴿اسلك يَدَكَ﴾ [القصص: ٣٢]. . . . . . . [ادخل يدك]، ﴿حَيَّةٌ تسعى﴾ [طه: ٢٠]، ﴿ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٢]، ونحوه، فهذا المتشابه.
وقيل: المحكم ما علم تأويله العلماء، والمتشابه ما لم يعلم تأويله أحد، وقد أفردنا الكلام على هذه الآية في كتاب مفرد متقصى فيه
стр. 903
الاختلاف فيها وموضع الوقف.
قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾.
أي: ميل عن الحق وهو الشك ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ وهو ما احتمل التأويلات " يبتغون بذلك الفتنة " أي: الكفر.
قال ابن عباس: يحملون المحكم على المتشابه، والمتشابه على المحكم يلبسون على الناس.
وقال السدي: يعترضون في الناسخ والمنسوخ فيقولون: ما بال هذه وما بال هذه. وعنى بهذا الوفد من نصارى نجران ومن هو مثلهم. لأنهم خاصموا النبي ﷺ في عيسى.
وقال قتادة: إن لم يكونوا الحرورية فما أدري من هم؟.
стр. 904
وروت عائشة أن النبي ﷺ قال: " إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنوا بقوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ ".
قال السدي والربيع ﴿ابتغاء الفتنة﴾ أي: الشرك
وقال مجاهد: ابتغاء الشبهات.
قال ابن عباس معنى: ﴿ابتغاء تَأْوِيلِهِ﴾ هو طلب الأجل في مدة محمد وأمته من قبل الحروف التي في أوائل السور وذلك أنهم حسبوها على حروف الجمل بالعدد فقالوا: هذه مدة محمد وأمته.
قال السدي: أرادوا أن يعلموا عواقب القرآن وهو تأويله متى ينسخ منه شيء.
стр. 905
وقيل معناه: وابتغاء تأويل المتشابه على ما يريدون من الزيغ.
قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله﴾.
أي: ليس يعلم متى تقوم الساعة وتنقضي مدة أمة محمد ﵇ إلا الله.
﴿والراسخون فِي العلم يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾.
أي: يسلمون ويقولون صدقنا، وهو قول ابن عباس وعائشة وابن مسعود، وجماعة من التابعين، وهو قول مالك.
وروى عن نافع ويعقوب والكسائي، إن الوقف ﴿إِلاَّ الله﴾ وهو قول
стр. 906
الأخفش والفراء وأبي حاتم، وأبي إسحاق، وابن كيسان، وهو اختيار الطبري.
ومعنى التأويل: التفسير وهو عند أكثرهم قيام الساعة لأنه ما تؤول إليه الأمور.
ومعنى: ﴿والراسخون فِي العلم﴾ الذين قد أتقنوا علمهم، وأًله من: رسخ إذا ثبت.
стр. 907
وروي عن ابن القاسم أن مالكاً سئل عن الراسخون في العلم: من هم؟ فقال: العامل بما علم، المتبع له.
(وقال في رواية ابن وهب عنه: العالم العامل بما علم المتبع له).
وعن أسامة أن النبي ﷺ سئل عن الراسخون في العلم فقال: " من برّت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، وعَفَّ بطنه وفرجه، فذلك من الراسخين في العلم ".
وقيل: الراسخ في العلم من وقف حيث انتهى به علمه.
قوله: ﴿كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾.
أي: ما نسخ وما لم ينسخ من عند الله.
стр. 908
وقول أكثر العلماء: إن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابه.
قال عروة بن الزبير: الراسخون في العلم لا يعلمون تأويله ولكن يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾.
قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب﴾.
أي ما يتذكر فيعلم الحق فيؤمن به إلا أولو العقول.
قوله: ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾.
أي: لا تملها عن إيمانها بالمتشابه والمحكم فأنت هديتنا.
قوله: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ الناس. . .﴾.
أي: ويقولون أيضاً مع قولهم: ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ﴾، ومع قولهم ﴿آمَنَّا بِهِ﴾: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ الناس لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾. لا شك فيه.
قوله: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ. . . .﴾.
стр. 909
يعني: من حاجَّ محمداً ﷺ في عيسى لا تغني عنهم الأموال والأولاد يوم القيامة في شيء.
قوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾.
أي: كعادتهم، وقيل كصنعهم: وقيل كشأنهم.
وقيل: كسنتهم في التكذيب والكفر، أي: تكذيب هؤلاء (كتكذيب هؤلاء) وصنعهم كصنعهم، وسنتهم كسنتهم والدأب: العادة
قوله: ﴿قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾.
من قرأ بالتاء فعلى الخطاب لهم لقوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ كأنه قال: [قل] يا محمد للذين
стр. 910
(يتبعون) ما تشابه من القرآن ابتغاء الفتنة: ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ﴾ يعني اليهود، فهم المغلوبون.
ومن قرأ بالياء فعلى معنى، قل لليهود سيغلب المشركون.
فمن قرأ بالتاء كان المعنى: إن الله أمر النبي ﷺ أن يقول لهم هذا القول بعينه.
[ومن قرأ بالياء فالمعنى: إن الله أمر النبي ﷺ أن يقول لغيرهم هذا القول وهم اليهود.
واحتج] من قرأ بالتاء أن النبي ﵇ جمع يهود بعد وقعة بدر، فقال لهم: أسلموا قبل أن يصيبكم مثلما أصاب قريشاً يوم بدر، فأبوا، وقالوا: لا تغرنك نفسك أنك قاتلت قريشاً وكانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت ما نحن عليه فأنزل الله [تعالى] ﴿قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾ إلى قوله ﴿الأبصار﴾.
стр. 911
وحجة من قرأ بالياء ما روي أن اليهود تضعضعوا، وخافوا مثل يوم بدر وقالوا: هذا لا تزيح له راية فقال بعضهم لا تعجلوا بتصديقه حتى تكون وقعة أخرى فلما نكب المسلمون يوم أحد كذبت اليهود وفرحت فأنزل الله: قل يا محمد لليهود سيغلب المشركون ويحشرون إلى جهنم
قوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا. . . .﴾ الآية.
قرأ الحسن ﴿فِئَةٌ﴾، ﴿كَافِرَةٌ﴾ بالخفض فيهما على البدل، من ﴿فِئَتَيْنِ﴾.
ومن رفع فعلى إضمار مبتدأ.
стр. 912
وقال أحمد بن يحيى: يجوز النصب على الحال.
وقال الزجاج: النصب بمعنى أعني.
ومن قرأ ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ بالتاء فعلى المخاطبة لليهود، أي ترون أيها اليهود المشركين مثلي المؤمنين.
ومن قرأ بالياء جعل الرؤية للمسلمين، أي: يرى المؤمنون المشركين مثلي أنفسهم.
وكان المسلمون يوم بدر ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً. وقيل ثلاثة عشر، والمشركون تسعمائة وخمسون.
وقيل: كانوا ألفاً.
стр. 913
وقيل: كانوا ما بين ألف إلى تسعمائة.
وقد وعد الله المؤمنين بأن الرجل منهم يغلب الرجلين فأراهم الله المشركين مثليهم لتقوى نفوسهم، وكانت تلك آية أن رأوا الكثير قليلاً كما قال: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ التقيتم في أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ في أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤].
وأنكر أبو عمرو قراءة من قرأ بالتاء وقال لا يلزم أن يقرأ مثليكم، هذا الرد إنما يلزم لو كانت الرؤية تنصرف على المسلمين، ولا يمكن إلا ذلك.
وقراءة التاء تنصرف على اليهود الذين تقدم ذكرهم.
والمعنى: قد كانت لكم أيها اليهود علامة في صدق محمد ﷺ وصحة ما دعاكم إليه بنصر (الله) تعالى إياه يوم بدر وأعداؤه مثلا من معه.
стр. 914
وقيل: [المعنى] على قراءة التاء في ترونهم أيها المؤمنون مثلي أصحابكم.
وقال ابن كيسان: الضمير في ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ يعود على ﴿أخرى كَافِرَةٌ﴾. والهاء والميم في ﴿مِّثْلَيْهِمْ﴾ يعودان على فئة.
وقال الفراء: معنى " مثليهم " ثلاثة أمثالهم.
قال ابن كيسان: كأنه جعل ترونهم يرجع إلى الكل أي: ترون الكل ثلاثة أمثال أصحابكم: هذا على [معنى] من قرأ بالتاء ".
[ومن قرأ بالياء فعلى معنى يرى المؤمنون الكل ثلاثة أمثالهم،
وتكون التاء مخاطبة لليهود فيكون المعنى ترون أيها اليهود الكل ثلاثة أمثال المؤمنين] وهذه كله يوم بدر.
﴿والله يُؤَيِّدُ﴾ اي: يقوي ﴿بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ﴾.
стр. 915
وقوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات مِنَ النساء﴾ الآية.
هذا توبيخ لليهود إذ آثروا الدنيا على الآخرة، فنبذوا اتباع محمد ﷺ خوف أن تذهب رياستهم.
وروي عن عمر أنه قال لما نزلت هذه الآية: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات﴾: " الآن يا رب حين زينتها " فنزل ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذلكم﴾ الآية.
فالمعنى: زين الله للناس ذلك ابتلاءً واختباراً منه كما قال:
﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف: ٧]، فأخبر بالعلة التي من أجلها جعل ما في الأرض زينة لها.
وروي عن النبي ﵇ أنه قال: " القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية ".
следующие страницы →